قصص الانبياء في القرآن الكريم
الطبعة : الطبعة السابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   692
تاريخ النشر :   2005




القصص

يقال في اللغة: قصَّ الأمر قصّاً وقصَصاً: تتبَّعه (وهو أصل المعنى). وقصَّ الخبرَ: أعلَمَ به وحدَّث.
والقَصَصُ: الخبرُ المقصوص، والقِصَصُ جمع القصة التي تكتب، وجمع الجمع أقاصيص.
والقصة: الحديث والخبر والأمر، فيقال في رأسه قصَّة، أي جملة من الكلام، ويقال اقتصصتُ الحديثَ أي رويتُه على وجهه، وقصصتُ الرؤيا على فلان إذا أخبرته بها.
ويقال: استقصَّ فلاناً أي سألهُ أن يَقُصَّهُ خبراً أو أثراً، والقصَّاص هو الذي يعمل بالقصّة، أي محترف القصة.
والقاصُّ: الذي يأتي بالقصة على وجهها كأنه يتتبع معانيَها وألفاظَها، وجمع القاصّ قُصَّاص.
وفي الحديث: «لا يقُصُّ إلاَّ أميرٌ أو مأمورٌ أو مختال». أي لا يقوم بذلك إلاّ أميرٌ يعظُ الناسَ ويُخْبرهم بما مضى ليعتبروا، أو مأمورٌ فيكون حكمُهُ حكمَ الأمير، أو مختالٌ يفعل ذلك تكبّراً على الناس بقوله وعمله بحيث لا يكون وعظُه وكلامُه إلاَّ لأغراضِهِ وأهوائهِ.
وفي الحديث: «إن بني إسرائيل لما قصُّوا هلكوا». وفي الحديث أيضاً: «القاصُّ ينتظِر المقتَ»، وذلك لما يعرض في قِصَصِهِ من الزيادة والنقصان.
الإعجاز
الإعجاز أنْ تضعفَ القُدرَةُ الإنسانيةُ في محاولةِ إتيان المعجزة فلا تؤتيها، واستمرارُ هذا الضعفِ على تراخي الزَّمنِ وتقدّمهِ، فكأن العالمَ كلَّهُ في العجزِ إنسانٌ واحدٌ، ليس له غيرُ قدرتِهِ ومدّتهِ المحدودة، بالغةً ما بلَغَتْ.
الإعجاز القصَصيّ
{نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ *} [يُوسُف: 3] صدق الله العظيم.
أنْ نقلِّبَ صفحات التاريخ ونقرأ أخبار الماضي فهذا شيء مفيد ندركُ به كثيراً مما سلف، ونتعلّمُ منه تجربة لما قد يحدثُ. ولكنَّ ذلك يقتضينا العديد من المؤلفات وكتب التاريخ. أما أن نُقَلِّبَ صفحات الزمن، ونقع على كثير مما حدث ووقع منذ بدء الخلق، وضمن كتابٍ واحدٍ، فهذا إعجاز بذاته في القرآن الكريم.
وإعجاز القرآن ليس آتياً من حيث إنه احتوى أروعَ القصص وأحسنها لبلوغه النهاية في الفصاحةِ وحسن المعاني وعذوبة الألفاظ، مع التلاؤم المنافي للتنافر، والتشاكلِ بين المقاطع والفواصل وحسب، بل ولأنه قد أتى على ذكر الأمم الماضية، وأخبار الكائنات الآتية، وجميع ما يحتاج إليه العبادُ إلى يوم القيامة من المعارف والمنافع، بأعذب لفظٍ وتهذيب، وفي أحسن نظم وترتيب. وهذه القصص القرآنية تتضمّنُ من الإعلام والدلائل، والمعارفِ واللطائف، والمواعظ والعِبَر، ما لا تتضمنه قصصُ العالم بأسره، بحيث لو تتبَّعتَ أيها القارىء الكريمُ ما جرى في هذه القصص من أحداثٍ ووقائع، وما تخلّلها من حوارٍ ونقاش، وما تضمنته من ظروفٍ وملابسات، لوجدتَ أن الله سبحانه وتعالى أراد أن يعطيك الصورةَ الإنسانية الكاملة، مختاراً ثُلّةً من عباده الصالحين، وذلك بتدرجٍ وتطورٍ متناسقْين، حابكاً ما جرى معهم خلال عصورٍ متباعدةٍ بنسجٍ بلاغيٍّ فريد، مخرجاً للبشرية دقائقَ الأحداث التي كان لها الأثر الكبير على استمرارية الوجود الإنسانيِّ بأسمى القصص وأروعها وأحسنها.
ويتجلى الإعجازُ القصصيُّ للقرآن الكريم بدءاً بأبينا آدم (عليه السلام)، وانتهاءً بسيدنا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) حين يُرينا كيف بدأ الوجودُ الإنسانيُّ وكيف تمَّ تكوينُهُ على سطح الكرة الأرضية، بأسلوبٍ هو بحدّ ذاته معجزةُ المعجزات، إذ وضعَ الإنسانَ أمام الخيار المطلق، فإمّا أنْ ينصاعَ لأوامر خالقه ويبقى في الجنَّة ولا يأكلَ الثمرَةَ المحرَّمةَ، وإمّا أن يَسْتَغْوِيَهُ مخلوقٌ آخر فيغفلَ عن الأمر الذي أوصاه الله به فيهبط من الجنة، حيث تدور قصةُ الصراع بين الخير والشرّ.. تلك القصة التي رافقت الحياة على كوكبنا الأرضيّ، وما تزال، إلى يومنا هذا وحتى قيام الساعة.
وفي خضمّ هذا الصراع يقصُّ علينا القرآن الكريم:
بناءَ السفينة وفوران التنور، وبَدْءَ الطوفان، مع نوحٍ (عليه السلام).
وسلبَ النار خاصيتها لتكونَ برداً وسلاماً على إبراهيم (عليه السلام).
وانبجاسَ عيون الماء، وانفلاقَ البحر حتى أصبح كل فِرْقٍ كالطود العظيم أمام موسى (عليه السلام).
وتسخيرَ الجبال والطيور والأشجار للترتيل والتسبيح مع داود (عليه السلام).
وتسخيرَ الجان والريح، وفهمَ أصوات الطيور والحشرات وغيرها من المخلوقات لسليمان (عليه السلام).
والقدرةَ على إحياء الموتى، وشفاء الأبرص والأكمه بإذن الله تعالى للمسيح عيسى ابن مريم (عليهما السلام).
وشموليةَ الرسالة للناس كافة، وبلوغَ النضوج البشريّ كمالَه، وإعجاز القرآن للثقلين مع سيّد المرسلين وخاتم النَّبيين محمد (صلى الله عليه وآله وسلم).
وبعد هذا الكمال المطلق الذي صوَّره القرآن الكريم للوقائع فأبدع في التصوير وكان ما قصَّهُ من أروع الحقائق، ماذا تروم أيها الإنسان بعد الذي جاءك من قويّ البرهان في أجلى بيان؟ وكيف تريد أن تتصوَّر نفسك؟
لا إخالُكَ مستطيعاً أن تضفيَ شيئاً من تصوراتك يزيد في روعة ما جاء به القرآن الكريم، حتى ولو كان تصورُكَ في عالم الخيال!
ماذا تريد؟
أتريد أن تتصوَّر نفسك مقيماً في الجنّة. فهذا هو سيّدنا آدم (عليه السلام) فيه المثل على تلك الإقامة.
أم ماذا؟
أتقول أنا إنسانٌ واقعيٌّ وحياتنا الحاضرةُ بعيدةٌ عن الخوارق والمعجزات، وإنسانيتنا تقومُ على المثلُ العليا للوصول إلى تحقيق أعلى المستويات. فهذا هو سيّدنا يوسف (عليه السلام) تآمر عليه إخوته، فأبعدوه عن أمّه وأبيه بالتضليل، ورمَوْه في بئر، فأنقذته قافلة مرَّت به وضمَّته إلى متاعها، وباعوه بثمنٍ بخسٍ دراهمَ معدودة! فقضى الله له أن يعايش أهلَ القصور ويرى ما هم عليه من مهانةٍ وفجور، ثم دُعي إلى التخلي عن المُثُل العليا فتشبَّث بها فأُدْخِلَ السجن ولبث فيه عدة سنين لا لشيء إلاَّ لأنه أبى عيشَ الفسق والفجور، وانتهاكَ حرمات الآخرين مع أنه كان في رَيْعانِ الشباب، ومن أجمل خلق الله تعالى في عصره حتى ضُرب المثلُ في حُسنِ يوسفَ وجماله. وأوتي من العلمِ والحكمة شيئاً كثيراً... ومع ذلك فلم يستغلَّ مواهبه لتحقيق مآرب خاصة، أو إشباعِ شهواتٍ فانية كما يحاول أن يفعلَ الكثيرون في كلِّ زمان ومكان، بل إنه أخضع كلَّ ما حباه ربه به من مزايا وإمكانات لرفع القيم الإنسانية والمحافظة على المُثُل، فوصل إلى أعلى المراتبِ في هذه الحياة، وفي الآخرة هو عند الله من المكرمين.
أم تتوخّى أيها الإنسان أن تكون قائداً منقذاً، أو مصلحاً اجتماعياً، أو ثائراً على الظلم والاستعباد. فهذا موسى (عليه السلام) قد رحل بقومه بني إسرائيل عن الفراعنة المتربّبين، ليخرجهم من الظلمات إلى النور، ومن العبودية إلى الحريّة.
أم تريد أن تقفَ موقفَ من يعمل لإنقاذ الإنسانية المعذبة. فهذا سيّدنا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، خاتمُ الأنبياء، قد بُعث ليحمل لواء الإنسانية كلها كي يخلّصها من عبادة الأوثان، ومن جميع الأدران والشوائب التي علقت بحياتها النفسية والمجتمعية، ومن ثمَّ ليرسيَ قواعدَ الإسلام على أسس المحبة والأخوة والسلام.
ومن إعجاز القصص في القرآن الكريم ترى أيها القارىء قصةً كاملة تامة الفصول ضمن سورة واحدة كقصة يوسف (عليه السلام)، ثم ترى قصة أخرى في عدد من السور القرآنية كقصة موسى (عليه السلام)، فتكون قصةُ يوسفَ ذاتَ طابعٍ فريدٍ من نوعه ضمن القرآن الكريم، لأن قصص الأنبياء ترد في حلقات تناسب كلُّ حلقة منها موضوعَ السورة التي وردت فيها وظروفَها. وبعبارة أخرى، فإنَّ القرآن الكريم حين يكرر أخبار محاججات الرسل مع أقوامهم يذكر في كل مرة جانباً من تلك المحاججات بما يتناسب مع أجواء السورة التي وردت فيها من توجيهٍ فكريّ وإرشاد ربانيّ، ومعالجة نفسانية، وتربية إنسانية، ومآلها جميعها نيلُ رضوان الله تعالى...
ويبرز المثال الصارخ على ابتعاد البشر عن المقاصد والمشاكل التي يعالجها القصص القرآنيّ في ما كان يدور في البيئة العربية من عداوات ومناقشات بين اليهود والنصارى، ثم بين أهل الكتاب والمشركين، وبين المسلمين وأهل الكتاب من ناحية وبينهم وبين المشركين من ناحية أخرى، لا بل وبين المسلمين أنفسهم في فهم التنزيل والعمل به.. مما يجعل القرآن الكريم، وعلى الرغم مما ورد فيه من أخبار الأمم الغابرة والقرون السابقة، وما احتواه من قصصهم وعِبَرهم، كتاباً ربانياً وإنسانياً في آن معاً. ولذلك لا يمكن اعتباره بحال من الأحوال كتابَ تاريخ يورد الخبرَ مسلسلاً، أو الوقائعَ متتابعة، ولا كتابَ علوم يدَّعي النظرياتِ ويحاولُ إثباتها بالتجربة، ولا كتاباً من نتاج الفكر البشريّ في أي وجهٍ من وجوهه العديدة والمتنوعة. إنه كتابٌ فريدٌ من ناحيتيِ المبنى والمعنى، ومن ناحيةِ الصِّيَغ التي أرادها الله تعالى لقِصَصِهِ على النحو الذي وردت فيه. وبمقتضى هذا الطابع الخاص فإن معظم القصصِ التي وردت متفرقةً في كثير من سور القرآن الكريم، كقصص لوط وعاد وثمود، فإنها جاءت مختصرة مجملة، إلاّ قصةَ يوسفَ (عليه السلام) فإنها وردت مفصَّلة بتمامها في سورةٍ واحدةٍ اختُصَّت بها دون غيرها، ودون أية إشارة لكل ما وقع مع يوسفَ (عليه السلام) في أية سورة أخرى من القرآن الكريم. وهذا هو الإعجازُ العظيمُ في الكتابِ المبينِ بحيث يروي قصة مفصلة كاملة في سورةٍ واحدة، ومن ثمَّ يروي قصة أخرى واحدة في عدة سور، مفهومةً في كل مكان وردت فيه، ومُصِيبَةً الهدفَ الذي أُنزلت من أجله.
ونحن نبغي التسهيلَ واختصارَ الوقت. لذلك فإن جهدنا سوف ينصبُّ على محاولة التنسيق فقط: فالنبيُّ نوحٌ (عليه السلام) مثلاً، تجد في القرآن الكريم سورة باسمه (سورة نوح) تتحدث عنه فقط، ولكنك تكتشف أن جوانبَ كثيرةً من حياته وردت في سُورٍ أخرى، ولذا فإن قراءة سورة نوح (عليه السلام) لا تعني أننا عرفنا كل ما أورده القرآن الكريم عن النبيّ نوح (عليه السلام) كما الحال في سورة يوسف (عليه السلام) ... وقد وجدنا - من أجل التسهيل على القارىء - أن نجمعَ وننسّقَ كلَّ ما ذُكِرَ عن أنبياء الله في القرآن الكريم مخصِّصين مكاناً لكل نبيّ على حدة، مقتصرين على الأحاديث النبوية وما رواه بعضُ الصحابة الكرام الذين كانوا يدورون في فلك النبوَّة، لأن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) جاء مبيّناً للقرآن الكريم، مبعدين الإسرائيلياتِ التي تسللت إلى معظم القصص القرآني أمداً طويلاً وتبنّاها بعضِ المفسرين. ولذلك كان لا بد من التساؤل، وأنت تتساءل معي أيها القارىء الكريم: ألم يَأْنِ للإِسرائيلياتِ أن تزولَ من رؤوس المسلمين وسائر العلماء المفكّرين؟
وهذا الكتاب هو محاولةٌ جادةٌ للرد على هذا التساؤل بغية إرضاءِ الله العليّ العظيم ربِّنا وربِّ العالمين أجمعين.



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB