قصص الانبياء في القرآن الكريم
الطبعة : الطبعة السابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   692
تاريخ النشر :   2005




المقدمة

يشعر الإنسان دوماً أنَّ في أعماقه فراغاً لا يمكنه أن يملأه... ويحسّ أن في داخله سرّاً خفيّاً لا يستطيع أن يكشفَهُ أو يهتديَ إليه...
ومثل هذا الإحساس وذلك الشعور هما من مقوّمات حياتنا نحن بني البشر، فنظلّ مشدودينَ إلى غيبيّات أو أسرار تعتبر بمثابة دوافع لنا وآمال، حتى يكونَ لحياتنا قيمةٌ ومعنى، ولوجودنا فلسفة ومغزىً... وإلاَّ لو استطاع الإنسان بلوغَ كلِّ ما يريد، وتحقيقَ كلِّ ما يصبو إليه، لأصبحت الحياة لديه رتيبةً، سهلةً، يغلّفها الفراغ. ويموت لديه الطموح الذي يقضّ عليه مضاجعَ فكره وشعوره، ويخبو عنده التطلّعُ إلى الأماني والآمال التي تضغطُ على قلبه وعقله..
ومن الثابت أن الإنسانَ كلما أمعنَ فكراً في جوانب حياته جذبَهُ إليها فهمها، والتعرّف إلى ما في كنهها من جَلَلِ الأمور وعظيمها. وإنه في كل مرحلةٍ يصل فيها إلى علمٍ أو معرفة، أو في كل مرةٍ يكتشف فيها سرّاً أو خفيَّة، ليوقن أن هنالك أيضاً الكثير مما يجهله، ولم يُدركْه بعد...
ولقد تحقّق حتى الآن من العلوم والمعارف في حياتنا بنتيجة البحث والتفكير شيءٌ كثيرٌ فوقَ ما يعجز عنه الوصف... إنه الإنسان.. كبيرٌ في خلقه، عظيمٌ في تكوينه، عجيبٌ في اكتشافه.. وهي الصفات التي تجعله دائبَ البحث والتنقيب، دائمَ القلق والتطلُّع، شاعراً دوماً أنّه قادرٌ على أن يعطيَ المزيد، فلا يقف عند حدّ... وعلى الرغم من ذلك كله يظلّ في أعماقه يحسُّ بالفراغ، وتبقى في بواطن نفسه تعتلج الأسرار.
أمور جسام تشدّه إليها، ولكنه لا ينفكُّ عن النظر في الماضي السحيق، متقصياً أخبار الأمم السالفة، منقّباً في معالم الحضارات الغابرة، يقتبس خبراتٍ وتجارب، ويغترف علوماً ومعارف، يستعين بها للوصول إلى ما يصبو إليه. ومع ذلك، فإنَّهُ في كل ما يفعل، وفي جميع ما يعطي، يظلّ مقصِّراً عن معرفة نفسه، وعمّا هي عليه هذه النفس في خلقها وكيانها، وطاقتها وعطائها.
والنفس هي - ولا ريب - من صنع الله تعالى، وقد أرادها - سبحانه - أن تكون على ما زرعه فيها من مقوّماتِ الخير، وملَكاتِ العلم والمعرفة، فإن نكنْ نحن قد حقَّقنا في حياتنا ما يمكن اعتباره بمثابة معجزات، ودون أن ندرك ماهيّة النفس وحقيقتها، فكأنما لم نحقّق شيئاً، لأن المدارَ في الأصل السعادةُ في الدارين، وهذا ما لا يقوم إلاّ على معرفة النفس البشرية، واهتداء الإنسان إلى ذاته.
من أجل ذلك بعث اللَّهُ سبحانه وتعالى أنبياءه ورسله إلى الخلق، ووضع على عواتقهم تربيةَ الإنسان تربيةً من شأنها أن تقوده لمعرفة نفسه، ومن خلالها للاهتداء إلى حقيقة وجود الله تعالى، والغايةِ الساميةِ من وجود الإنسان ليكون خليفةً لله - الحكيم العليم - على هذه الأرض... {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ} [الرُّوم: 8].
ولقد جسَّد الأنبياء والرسل، وهم الصفوة المختارة من بني البشر، تلك الحقيقة بإعلانهم الإيمانَ المطلق بالله العلي العظيم، ونهجوا على الصراط المستقيم، فكانت سِيَرهم مثلاً أعلى للذات البشرية، وتعبيراً أسمى للنفس الإنسانية..
ولعلَّ معرفةَ سير الأنبياء والرسل، من خلال الاطِّلاع على قصص حياتهم، وما حفلت به من أحداث، أو ما اشتملت عليه من أعمال، أو ما هدفت إليه من العِبَرٍ والعِظات.. إنما هي خير دليل لنا للوصول إلى معرفة الحقيقة التي ننشد. إذ يبرز في تلك القصص النموذجُ الكاملُ للحياة البشريَّة، وهي تتدرج مع الزمن، وتنتقل من طور إلى طور حتى تبلغَ النهايةَ التي يجب أن تقفَ عندها. صحيح أن آلاف السنين قد مضت، وأن قوافل الملايين من الناس قد ذهبت، وصحيح أيضاً أن حضاراتٍ كثيرةً من العمران والبنيان، في مختلف الأقطار والأمصار قد اندثرت، إلاَّ أن القرآنَ الكريمَ قد احتواها بمجملها، ففصَّل منها ما أوجب التفصيل، وأوجز ما اقتضى الإيجاز، حتى يعطيَ للحياة البشرية الصورةَ المتكاملة في تواصلها واستمرارها.
وإذا كانت تلك المعاني والدلائل، قد جاءت في السُّوَر القرآنية متفرقةً في مواضعَ شتّى، فإنها وردت على هذا النحو كي تلازمَ الظروف والأحداث، وتبيّنَ الخطوطَ والأهداف، وتعطيَ الأثر الذي شاءه الله العليّ العظيم مؤثراً وهادياً للناس.
والقرآن الكريم في متناول أيدي الملايين من الناس، ويمكنهم قراءته في كل حين، إلاّ أنه قد يصعب على الكثيرين منهم أن يصرفوا وقتاً طويلاً في الاستقصاء والاستقراء، كي يربطوا بين تلك المواضيع، ويستخلصوا الفائدة التي يرجونها.
لذلك كانت الغايةُ من هذا العمل، الذي نضعه بين أيدي القراء الكرام، هي اجتناءَ أكبر قدر ممكن من الفائدة التي يتوخّون. وقد رأينا أن نعتمدَ طريقةً سهلة، تقوم على جمع كل الآيات التي أتت على ذكر نبيّ من الأنبياء، وفي سائر المواضيع التي وردت فيها، ثم نصوغها قصة واحدة جامعة، تمكّن من معرفة كل ما يتعلَّق بجوانب حياة هذا النبيّ الكريم وما حفلتْ به من مآثر..
وعلى هذا النحو، تكون القصةُ الواحدة، التي وردت في أكثرَ من سورة، وفي عدد من الآيات، قد جُمعت مستقلةً تامةً موحدة، في أسلوب جديد، يعبِّر عن نزعة مستحدثة إلى معرفة حقيقة وجود الله الواحد الأحد التي لولاها لما كان لبني البشر من حياة، ولما كان للكون من وجود. ولعل هذه النزعة تكون سبيلاً من السبل التي تهدي الإنسان إلى الإيمان الحقيقيّ، وإلى سموّ النفس الإنسانية نحو المشارف التي أرادها لها خالقها سبحانه وتعالى.




Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB