العبادات
الطبعة : الطبعة الاولى  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   504
تاريخ النشر :   1994




الحجّ والعُمرة

الحجُّ في اللغة: هو القصدُ على الإطلاق، أو كثرةُ القصدِ لشخص أو شيء تعظّمه. وأصلُ الحجِّ القصدُ للزيارة. والحجُّ في الشرع هو قصدُ بيتِ الله الحرام إقامةً للنسك والشعائر التي فرضها الله تعالى على المسلمين في أيامٍ معيّنةٍ من كلّ سنةٍ هجرية. ويعرّفه أهل العلم بأنه زيارةُ مكانٍ مخصوص، في زمن مخصوص، لفعلٍ مخصوص.
أما المكانُ المخصوصُ، عند المسلمين، فهو الكعبةُ الشريفة، والأماكنُ الأخرى التي أقام فيها رسولُ الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الشعائرَ، وهي: جبلُ عرفات، والمزدلفةُ، ومِنى وكلُّها أماكنُ قربَ مكّةَ المكرّمة.
والزمانُ المخصوصُ هو أشهرُ الحجِّ لقوله تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} [البَقَرَة: 197]، وهي شوال، وذو القعدة والعشرُ الأوائل من ذي الحجة.
والفعلُ المخصوصُ هو الشّعيرة التي تُقامُ في زمنها الخاص، كما هو الحال في الطّواف حول الكعبةِ الشريفة، أو الوقوفِ في عرفاتٍ ليلةَ العيد، أو السعيِ بين الصفا والمروةِ في الحرم، أو رميِ الجمارِ في مِنى...
والحجُّ فرضَهُ الله تعالى أواخرَ سنة تسعٍ للهجرة، كما بلَّغ رسولُ الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن ذلك. أما الفرضُ ففي قوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} [آل عِمرَان: 97]. وفي القرآن الكريم سورةٌ خاصّةٌ باسم «الحج»، هي تنزيلٌ من لدن عزيز حكيم.
ويبيّن أميرُ المؤمنين، عليّ بْنُ أبي طالب (عليه السلام) معانيَ الحجِّ في خطبةٍ له، وردت في كتابه (نهج البلاغة) حيث يقول فيها: «فرض الله تعالى حجَّ بيته الذي جعله قبلةً للأنام يردونه موردَ الأنعام، ويألهون(+) إليه ولوهَ الحمام. جعله الله سبحانه علامةً لتواضعهم لعظمه، وإذعانهم لعزّته. واختار من خَلْقه سُمَّاعاً أجابوا إليه دعوتَه، وصدَّقوا كلمتَه، ووقفوا مواقفَ أنبيائه، وتشبَّهوا بملائكته المطيفين بعرشه. يحرزون الأرباحَ في متجر عبادته، ويتبادرون عنده موعدَ مغفرته. جعله للإسلام عَلَماً، وللعائذين حرماً. فرض حجَّه، وأوجب حقَّه، وكتب عليكم وفادته، فقال سبحانه: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ *} [آل عِمرَان: 97].
وعن محمد الباقر (عليه السلام) أنه قال: «إن الله تعالى لما أمر إبراهيمَ (عليه السلام) بأن يُناديَ في الناس بالحجّ، قام على المقام(+)، فارتفع به حتى صار بإزاء جبل قبيس، فنادى في الناس بالحجّ، فأَسمَعَ مَن في أصلابِ الرجالِ وأرحامِ النساء إلى أن تقوم الساعة»(+).
والحج هو الركن الخامس من أركان الإسلام. فرضه الله تعالى على المستطيع مرة «واحدة» لقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «الحجّ مرةً واحدةً، فمن زاد فهو متطوع» (+).
فوائدُ الحجّ:
مما لا شكَّ فيه بأن للحجِّ، كسائر الأركان التي يقومُ عليها الدينُ الإسلاميُّ، فوائدَ جمَّةً ومتنوِّعة، إنْ على الصعيدِ الفرديِّ للشخص المسلم، أو على الصعيدِ الجماعيِّ للمسلمين عامة.
فمن الناحية الشخصيّة، عندما يقومُ المسلمُ بأداء فريضة الحجِّ، فإن من شأنها أن تطهِّر النفسَ، وتعيدهَا إلى الصفاءِ والاطمئنانِ، والاستقامةِ والإخلاصِ، لأنها تنقِّيها من شوائب المعاصي، ومن العادات السيئة، والأفعال القبيحة، التي ربما يكون الإنسان ألفها واعتاد عليها في سابق أيامه، بسبب الغفلة وقلة الحيطة، والاحتراز من المحظور والحرام والمكروه. فعندما يحجُّ الإنسان، لا بدَّ أنه وطَّن النفسَ على الإقلاع - بصورة نهائيةٍ بلا رجعةَ فيها - عن كلِّ شائبةٍ سابقةٍ، أو عملٍ غيرِ صالح. وهذا التصميمُ والتأكيدُ على الذات، يولّد لدى الحاجّ الإرادةَ والشعورَ بضرورة اتّباعِ نمطٍ جديدٍ في حياته، والسّير نحو الأفضلِ والأحسن، بحيث يجدُ نوعاً من الانقلاب على الماضي، وكأنَّ كل شيءٍ قد تبدَّل، وصار أحسنَ مما كان عليه من قبل. وتغدو مشاعرُه موجهةً نحو الأمل بحياةٍ ملؤها الإيمانُ والاطمئنان، وحُسنُ الظن بـالله تعالى، لنيل قبوله ورضاه عزَّ وجلّ.
وفي يقينِ المسلم أن الحجَّ يكفّرُ كثيراً من الذّنوب التي ارتكبها في سابقِ حياته، ولذلك نراه يتوجه إلى أداءِ الفريضة بالنيّةِ الخالصة بترك الذنوب جميعاً. أما الدافع فهو ثقته بربِّه تعالى، العليم بذات الصدور، الخبير بأفعال عباده، الذي يكفّر عنهم الخطايا ويتوب عليهم. فهو سبحانه، - في نهاية المطاف - صاحبُ الأمرِ والشّأن، وعليه القبولُ والتوبة، يرحمُ من يشاء ويغفرُ لمن يشاء، لأنه هو التوّاب الغفور.
والمهم أن الحجَّ هو محطّةٌ هامّةٌ في حياة الإنسان المسلم، يرجو بعدها الخيرَ والبركةَ والرحمةَ، شرطَ انتهاجِ حياةٍ جديدةٍ لا محلَّ فيها للذنب أو الخطيئة أو المعصية، وخاصةً لعلمه المسبق بأنّ الذنوبَ الكبيرةَ، لا تكفّرها إلا التوبةُ النصوحُ الخالصةُ لوجه ربّه الكريم، والمداومةُ على طلبِ العفوِ والغفران، ليدخلَه - تعالى - في سعةٍ من رحمته..
ولعلَّ أيّامَ الحجّ هي أفضلُ السّبل، وأحسنُ الأوقاتِ للاستغفار وطلبِ التوبة، وإن كان الاستغفارُ يجب أن يصاحبَ الإنسانَ كلَّ أيامِ حياته، وفي ليله ونهاره لقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «والله إني لأَستغفرُ الله وأتوبُ إليه في اليوم أكثرَ من سبعين مرة» (+). وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «يا أيّها الناس توبوا إلى الله واستغفروه فإني أتوبُ في اليوم مئة مرة» (+). وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنَّ الله عزَّ وجلَّ يقبلُ توبةَ العبد ما لم يغرغر»(+). أي: ما لم تبلغُ الروحُ الحلقومَ ساعة الموت.
هذا في العلاقة بين العبد وربّه..
أما فيما يتعلقُ بحقوق الآدميين، أي الحقوق التي تترتب على الإنسان لغيره من الناس، ولم يوفِّها لهم بأكملها، فتلك الحقوق تبقى في ذمته، سواءٌ حجَّ أم لم يحجّ، حتى يجمعَ الله تعالى أصحابَ الحقوق، يوم الحساب، ليأخذَ لكلِّ ذي حقٍّ حقَّه من صاحبه. وهذا يبيّنُ الفرقَ بين حقوق العباد تجاه بعضهم بعضاً، وبين حقوق الله تعالى التي تظلُّ مبنيّةً على تسامحِه - سبحانه - وعفوِه ورحمته.
من هنا كانت أهميَّـةُ الحجِّ في حياة الإنسان، فهو يقوِّي الإيمانَ في النفس ويزيد الثقةً والرجاء بـالله تعالى، مما يشجعُ العبد على تجديد العهد مع ربه العزيز الرحيم، ويساعدُ على التوبة الصادقة.
ولأن النفس، تعيشُ في الحجِّ تلك الأجواءَ العلويّةَ النقيّةَ الطّاهرةَ، وتُبعدُ صاحبَها عن متاعِ الدنيا ومشاغلها، وعن مشاقِّ الحياة ومطالبها، فإنها تخلدُ في أيّام الحجِّ إلى نوعٍ من الراحةِ والاطمئنانِ، والهدوءِ والصفاءِ الذي لم تألفه من قبل. وهذا كله مما يهذِّب هذه النفسَ، ويُرهف مشاعرها، فيشعرُ الحاجُّ وكأنه وُلد من جديد، وقد تملّكته صحوةٌ إيمانيّةٌ عارمة، وأقبل على حياةٍ ملؤها التسامحُ، وحسنُ القول والعمل، وكلّ ما يشيع في حياته وحياة الآخرين الأمنَ والسلام.
تلك هي بعضُ الفوائد الشخصية التي يوفّرها الحجُّ لكلّ مؤمنٍ أدَّى هذه الفريضةً، وأقام مناسكَ حجّه بصدقٍ وإخلاص، وعَمِلَ بعدها، على ما يرضي الله تعالى ورسوله الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم).
أما الفوائدُ الجماعيّةُ التي يجنيها المسلمون من الحجِّ، فلا تقلُّ غنًى وأهميّةً عن الفوائد الفردية، بل هي تفوقُ فوائدَ الأفراد، لأن الحجَّ، قبل كلِّ شيء، مكانٌ جامعٌ للمسلمين، على اختلافِ لغاتهم، وأوطانهم، وألوانهم، وأجناسهم. فهم في الحجِّ، أبناءُ تلك الأمّة، التي كانت خيرَ أمّةٍ أخرجت للناس، كما وصفها ربُّ العالمين. ومن الحريِّ بأبناء الأمّة الواحدةِ أن يجتمعوا في مؤتمرٍ عامٍّ سنويٍّ، يتدارسون فيه أوضاعهم وأحوالَهم. وهذا شأنُ أهل العلم والتقوى، وذوي النفوذ منهم، لا شأنُ العامّة الحاجِّين بيتَ الله الحرام. وليس من مكان يعقدُ فيه الحجيجُ مؤتمرهم أرحبَ من ظلالِ الكعبة الشريفة، وأجلّ من رحاب مكّة المكرمةِ، مهدِ الرسالةِ الإسلاميّة، بحيث يكونُ مؤتمراً للتصافي كما هو مؤتمر للتقوى، ومؤتمراً للتباحث والتبادل كما هو مؤتمرٌ للعبادةِ والإخلاص لله تعالى. إنه مؤتمر يجمعهم على معاني الروح الإسلاميّة، بكلّ إنسانيّتها التي تفرض عليهم التفكّر والعملَ على إقامة روابط الأخوّة، وشدِّ أواصر التعاون والتضامن بين مختلف أوطانِ العالم الإسلاميّ بأسره.
واجتماعُ الحجيج كلِّه على تلك العبادات والمعاني التي فرضها الله تعالى عليهم، يُشعرهم بقوّة الإسلام ومضامينه الحقّة. فهم - بالإضافة إلى قوة الرابطة الإسلامية التي تربطهم جميعاً، رابطةِ الأخوّة في الدين - يشعرون بحقيقةِ المساواةِ التّامةِ بين جميع أفرادهم، حيث لا فضلَ لعربيٍّ على أعجميِّ، ولا لأبيضَ على أسودَ، إلاّ بالتقوى.. وهم يقومون بتلك العبادات التي تزيل الفوارقَ بينهم جميعاً، ويؤدونها قربةً إلى الله تعالى لا اختلافَ بين حاكمٍ ومحكوم، أو سيّدٍ ومَسُود، إلاّ بالإخلاصِ في النيِّة والعمل.
وفي رحابِ تلك الأماكن التي شرَّفها الله تعالى، وأجواءِ ذلك الشعور برباط الإسلام المتين الذي ربط الله تعالى به قلوبَ المؤمنين، وفي ظلال تلك المساواةِ بين أبناء الأمّة الإسلامية الواحدة، يكمنُ السرُّ الإلهيُّ في رصِّ الصفوفِ الإسلاميّةِ إلى بعضها بعضاً، قبالةَ أعداءِ دينهم، وأعدائهم الذين قد يعتدون على حقوقهم وكراماتهم. فإنَّ الحج من الناحيةِ المعيشيّة البحتة، يمكنُ أن يكونَ سبيلاً لتبادل المنافع الاقتصاديّة وعقدِ المعاهدات والاتفاقات التجاريّة والثقافيّة والإنسانيّة بين مختلف أبناءِ الأمّة الإسلاميّة. قال تعالى: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ} [الحَجّ: 27-28].. أي منافعَ دينِيَّةً قبل كلِّ شيء، بإقامة شعائر الله تعالى، وإزاحة الأثقال عن الضمائر وإراحة النفوس، ثُمَّ منافعَ دنيويّةً في المبادلات الاقتصاديّة التي يقيمها المسلمون في تلك المواسم.
روى البخاري (في رياض الصالحين) عن ابن عباس (رضي الله عنه) قال: «كانت عكاظُ ومجَنَّةُ وذو المجاز أسواقاً في الجاهليّة، فتأثموا أن يتّجروا في المواسم، فنزلت الآية الكريمة: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ} [البَقَرَة: 198] في مواسم الحج. والرسول الكريم قال: «من أراد ديناً وآخرةً فليؤمَّ هذا البيت»(+).
ولعلَّ فيما ذكرناه جزءاً مما يقدِّمه لنا الحجُّ من فوائدَ وبركاتٍ، على الصعيدين الفرديِّ والجماعيّ. وفي ذلك ما يجعل هذه الشعيرةَ لا تقلُّ، في عطاءاتها غِنىً عن شعائر الإسلام الأخرى كالصلاة، والصيام، والزكاة، بل وكلّ الفرائض في الإسلام التي فرضها الله تعالى على أَبناء هذا الدين الحنيف، أينما وجدوا، في مشارق الأرض ومغاربها.
العُمرة
العُمرةُ في اللّغة هي الزيارةُ، أو القصدُ إلى مكانٍ عامر.
وهي في الشّرع زيارةُ بيتِ الله الحرام، بنحوٍ خاصٍّ، وبأفعالٍ مخصوصةٍ كالطوافِ والسعيِ وغيرهما..
وجعل الله تعالى العمرَةَ فرضاً على من استطاع إليها سبيلاً، بقوله الكريم: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالَعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البَقَرَة: 196].
وقد شرع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالعمرة في أواخر سنةِ ستٍّ للهجرة، بدليل أنه اعتمر (صلى الله عليه وآله وسلم) أربعَ مرّات، كانت ثلاثٌ منها في ذي القعدة، والأخيرةُ مع حجته المعروفة بحجة الوداع. وقد وقعت تلك العمرات على الشكل التالي:
الأولى من الحديبية سنةَ ستٍ هجرية.
الثانيةُ، وهي عمرةُ القضاء، سنةَ سبعٍ هجرية.
الثالثةُ، تمامَ الفتح، سنةَ ثمانٍ هجرية.
والرابعةُ مع حجة الوداع، سنةَ عشر هجرية، وكان إحرامها في ذي القعدة، وأعمالُها في ذي الحجة. وباتفاق جميع الأئمة، قد تكون العمرة مفردةً - مستقلّةً عن الحج - أو قد تكون خلاله، أي منضمَّةً إليه.
ويستمرُّ وقتُ العمرةِ طوالَ أيّام السنة، لأن النبيَّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «دخلتِ العمرة في الحجِّ مرتين، لا بل لأبدِ أبد»(+).
وهذا يعني أنه يجوز القيامُ بالعمرة في أشهرِ الحجِّ إلى يومِ القيامة.
كان القصدُ من العمرةِ يومئذ، إبطال مزاعم الجاهلية حول امتناع العمرة في أيام الحج. والفرق بين الحج والعمرة أن أفعالَ الحجِّ هي التالية: النيّةُ، الإحرامُ، الوقوف في عرفات، الوقوفُ في المشعر الحرام، نزول مِنى، الرميُ، الذبحُ، الحلقُ، التقصيرُ، الطوافُ وركعتاه، السعيُ، التقصيرُ، طوافُ النساء وركعتاه (وطوافُ النساء سواءٌ في الحج أو العمرةِ مقصورٌ على الإماميّة وحدهم).
ولا تحتاجُ العمرةُ لأكثرَ من هذا القدر. وأعمالُها تقرب من أعمال الحج كثيراً، وتتميّز عنه ببعض الجوانب، مما يجعل بحثها على النحو الذي تقدّم كافياً لتمكينِ القارىءِ من معرفةِ الفوارقِ بينهما في تلك الجوانب.
وما يمكنُ استخلاصُه من مفاهيمِ الحجِّ والعمرةِ هو أن العبدَ عندما يُتِمُّهما، فإنه يكونُ قد أدَّى لربّه شكرَ النعمة، نعمةِ العافية، ونعمةِ المال أو نعمةِ الاستطاعة. إذ فيهما تطهيرٌ للأبدانِ والأموال، وحفظٌ للأهل والأعمال، وموجبٌ للجنة والغفران. قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «تابعوا بين الحجِّ والعمرةِ، فإنهما ينفيان الفقرَ والذنوبَ، كما ينفي الكيرُ خبثَ الحديدِ والذهبِ والفضةِ. وليس للحجة المبرورة إلا الجنة» (+). وقال الإمامُ زينُ العابدين (عليه السلام): «حجُّوا واعتمروا تصحُّ أبدانُكم، وتتّسعُ أرزاقكم، وتُكْفَوْن مؤوناتِ عيالاتكم». كما قال (عليه السلام): «الحاجُّ مغفورٌ له، وموجوبٌ له الجنّة، ومستأنفٌ له العمل، ومحفوظٌ في أهله وماله»(+).
ولا يمكن تذوُّق حلاوة الحجِّ والعمرةِ إلاّ بالقيام بهما بصورةٍ عمليّة. وإنّ أهلَ البلدانِ البعيدةِ يتجشَّمون متاعبَ السفرِ إلى رحابِ الكعبة الشريفة، شَأنُهم شأن كلِّ سفر قاصد، مما يعوّدُ الحاجَّ على الصبر، ويعلِّمُه الانضباطَ والانصياعَ للأوامر، فتصبحُ لديه النزعةُ إلى التضحية والإيثار أقوى وأشدّ. ولكن برغم تلك المشقّاتِ النفسيّةِ والجسديّةِ التي يكابدها الحاجُّ، فإنه يستعذبُ الألم في سبيل إرضاء الله تعالى، خالقِه، ومصوِّرهِ، وبارئِه، والشارعِ الأعظم للحجِّ وغيره. ومن هنا لا يمكن فهمُ الحجّ، أو العمرةِ، على حقيقتهما، ما لم يؤدِّ المؤمنُ هذه الفريضةَ، ويقمْ بجميعِ الشعائرِ والمناسك التي أمَرَ بها الله تعالى رسولَهُ الكريمَ، إذ إن الحجَّ - أو العمرةَ - واقعٌ عمليٌّ لا نظريٌّ كالصلاةِ والصيامِ تماماً. والمسلم يرغبُ في معاودته، بكلّ نيّة خالصة وشوقٍ كبير، فهو يهفو ويحنُّ للاستزادة من ذلك الفَيضِ الربّانيِّ الذي يملأُ جوارحَه وهو يتنقل في تلك الأماكن التي تنقّل فيها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ومن قبله إبراهيمُ، وإسماعيل (عليهما السلام)، وطاف بها أهلُ بيتِ رسولِ الله (عليهم السلام) وصحابتُه الكرام.
ومن أجلِ الوفادةِ إلى ربّه تعالى، والسير على خطى السابقين تستقرُّ في نفس المسلم محبَّةُ الحجِّ والعودةُ إليه. يقول الإمام عليّ الرضا (عليه السلام): «إنما أُمِروا بالحج بعلَّة الوفادةِ إلى الله عزَّ وجلَّ، وطلبِ الزيارة، والخروجِ من كل ما اقترف العبدُ، تائباً مما مضى، مستأنفاً لما يستقبل، مع ما فيه من إخراجِ الأموال، وتعبِ الأبدان، والاشتغالِ عن الأهل والولد، وحظْرِ النفس عن اللذات، شاخصاً في الحرِّ والبردِ، ثابتاً على ذلك دائماً، مع الخضوعِ والاستكانةِ والتذلل»(+).
شروط الحج:
باتفاق جميع الأئمة، شروطُ الحجِّ ثلاثةٌ وهي: البلوغُ والعقلُ والاستطاعة.
1 - البلوغ: يتّفقُ الأئمةُ جميعاً على أن الحجَّ واجبٌ على كلِّ مكلَّفٍ بالغ. وهذا يعني أنّه غيرُ واجبٍ على الصبيّ، سواءً أكان مميِّزاً أم غير مميِّز. وإن حجَّ الصبيِّ المميِّز يكون تطوُّعاً، وصحيحاً، ولكن لا يُسقط عنه الفرضَ، حتى يُؤَدِّيهُ بعد البلوغِ والاستطاعة. ويجوزُ لوليِّ الصبيِّ غيرِ المميِّز أن يحجَّ به: فيلبسُه ثوبَ الإحرام، ويلقّنهُ التلبيةً إن أحسنها، وإلاّ لبَّى عنه، ويجنبُه جميعَ ما يُحرم على الحاج، ويأمرُه بكل فعلٍ يمكنُه مباشرتُه.
ويستنيب عنه فيما يعجز عن إتيانه، لقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، كما نُقِلَ عن عبد الله بن سنان، عن جعفر الصادق (عليه السلام) أنه سمعه يقول: مرَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) برويثة وهو حاجٌّ، فقامت إليه امرأة ومعها صبي لها، فقالت: يا رسولَ الله، أَيُحَجُّ عن مثل هذا؟ فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «نعم، ولك أجره»(+).
وتباينت آراء الأئمة حول أمرَيْنِ يتَّصلانِ بحج الصبي المميِّز:
الأول: هل يصحُّ الحجُّ منه سواء أذن له وليُّ أمره، أم لم يأذن؟.
الثاني: لو بلغ الصبي - وهو يحج - قبل موقف عرفات، هل يُجزيه عن الفرض أم لا؟.
- قال الإمامية والشافعية والحنبلية: إِذْنُ الولي شرط لصحة الإحرام. وإن حدث البلوغُ قبل الوقوف بعرفات أو في حال الوقوف وهو محرم، أجزأه عن حجة الإسلام، لأنه أدرك الوقوف حُرَّاً، بالغاً، فأجزأه كما لو أحرم تلك الساعة.
- وقال الحنفية والمالكية: لا يتَّصف حج الصبي بالصحة، وإن كان مميِّزاً، سواء أذن له الولي أم لم يأذن، لأن الغاية من حجّه التدريب والتمرين على العبادات. وإحرام الصبي انعقد لأداء النفل، فلا ينقلب لأداء الفرض. ولذا لم يُجزئه عند الحنفية والمالكية، لأنه يُشترط، عندهم لأداء الحج أن يكون المُحرِم، وقت الإحرام، مكلَّفاً. ولكن لو جدَّد الصبي الإحرام حين بلوغه وقبل الوقوف، بأن لبَّى أو نوى حجة الإسلام، وأتم أعمال الحج من وقوف وطواف وزيارة وسعي وغيرها، جاز حجُّه. وهذا ما قاله أيضاً بعض الإمامية ومعناه أنه بعد البلوغ يستأنف أعمال حجه ويتمها.
2 - العقل: اتفق جميع الأئمة على أن العاقل هو المكلَّف بالحج، وعلى أن المجنون ليس محلاًّ للتكليف، فلو حجَّ المجنون، وأنه - افتراضاً - أتى بكل ما هو مطلوب من العاقل لم يُجزه ذلك عن الفرض لو عاد لعقله، لأن التكليف لا يجب إلا على البالغ، العاقل والمستطيع، ولا يجب على الصغير والمجنون. ولو حَجَّاً، ثم بلغ الصغير، وأفاق المجنون، فعليهما حجة الإسلام، لقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يشبّ، وعن المعتوه حتى يعقل»(+).
3 - الاستطاعة: اتفق جميع الأئمة على أن الاستطاعة شرط لوجوب الحج، لقوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} [آل عِمرَان: 97].. لكن آراءهم تباينت في حدود ووجوه الاستطاعة. وقد جاء تحديد الاستطاعة المالية، في الأحاديث الشريفة، بالزاد والراحلة. ومن هذه الأحاديث قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عندما سئل: ما السبيل؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «الزاد والراحلة» (+). وجاءه رجلٌ فقال: يا رسول الله، ما يوجب الحج؟ فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «الزاد والراحلة» (+). والراحلة كناية عن وسيلة النقل أو أجرة السفر إلى مكة ذهاباً وإياباً، ثم عودة الحاجّ إلى بلده. أما الزاد فهو عبارة عما يحتاج إليه الحاجّ من نقود للمأكل والمسكن والمشرب والطبابة، ونفقات التجهيز والرسوم (مثل: رسوم جواز السفر أو رسوم المطارات أو المرافئ أو الحدود) وما إلى ذلك من الحاجات اللائقة بحاله ووضعه.
وينبغي على الحاج تأمين النفقة لعياله ولكل من تلزمه نفقته مدة ذهابه وإيابه، لئلاَّ يضيعوا. قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «كفى بالمرء إثماً أن يضيِّع من يقوت» (+). وعلى أن يكون ذلك كله زائداً عن ديونه، وما يضطر إليه من مصدر معاشه، كرأس المال للتاجر، والأرض للفلاح، والآلات والأدوات لصاحب الصنعة أو المصنع.. هذا مع الأمن على نفسه، فلا يخاف من عدوٍّ أو مرضٍ، ومع صون ماله وعرضه..
ولقد انفردت المالكية عن بقية المذاهب بالرأي، فاعتبرت أن من قدر على المشي وجب عليه الحج، حتى أن الأعمى القادر على المشي، يجب عليه أن يحجّ إذا كان مستطيعاً ماليَّاً، ووجد من يقوده إلى الديار المقدسة. ويكره للمرأة الحج بمشي بعيد.
ويضيف المالكية أما بخصوص الزاد فيكون بحسب أحوال الناس، وأنماط عيشهم، وتقوم مقامه الصنعة إذا كانت لا تُزري بصاحبها، وتكفي حاجته؛ فهم إذن لا يشترطون وجود الزاد والراحلة بالذات، فالمشي يغني عن الراحلة لمن قدر عليه، والصنعة التي تدرّ ربحاً كافياً تغني عن اصطحاب أو حمل النفقة.
وتتحقق الاستطاعة عند المالكية بالقدرة على الوصول إلى مكة المكرمة، ولو كان بثمن شيءٍ يُباع من الأثاث أو الماشية أو الآلة، ونحوها. ويكون ذلك حتى لو صار الحاج فقيراً بعد حجه، وحتى - أيضاً - لو ترك أولاده ومن تلزمُهُ النفقةُ عليهم، إن لم يخشَ عليهم هلاكاً أو أذًى شديداً. وهذا التشديد كله من المالكية للمحافظة على فريضة الحج، وعدم الاستهانة بها.
عدم الاستطاعة:
- قال الإمامية: من تجشَّم، وتكلَّف، وحجَّ وهو غير مستطيع، لا يجزيه حجه، ولا يسقط عنه الفرض وعليه الإعادة حال استطاعته.
- وقال الحنفية والمالكية: يجزيه حجّه، ولا تجب عليه الإعادة، حتى ولو استطاع فيما بعد.
- وقال الحنبلية: من ترك حقَّاً يلزمه، كوفاء الدين، وحجَّ أجزاه عن الفرض.
متى يجب الحج على الفور أم على التراخي:
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «حجُّوا قبل أن لا تحجُّوا» (+).
وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «تعجَّلوا إلى الحج - يعني الفريضة - فإن أحدكم لا يدري ما يَعرضُ له» (+).
وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «من لم يحبسه مرض، أو حاجةٌ ظاهرة، أو مشقةٌ ظاهرة، أو سلطانٌ جائر، فلم يحج، فليمت إن شاء يهوديّاً، وإن شاء نصرانيّاً» (+).
وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «من مات ولم يحج فلا عليه أن يموت يهوديّاً أو نصرانيّاً» (+).
وعن جعفر الصادق (عليه السلام) أنه قال: «إذا قدر الرجل على الحج فلم يحج فقد ترك شريعةً من شرائع الإسلام»(+).
- قال الإمامية، ومعظم الحنفية ومنهم أبو يوسف، والمالكية والحنبلية: إن وجوبَ الحج فوريّ، ولا يجوز تأخيره بعد توفر الاستطاعة، فإن أخَّر فقد عصى، ولكن يصح حجه، ويكون أداءً لو أتى به فيما بعد.
والمراد بالفورية وجوب المبادرة إلى الحج في أول عام الاستطاعة.
- وقال الشافعية، ومحمد بن الحسن بن الحنفية: وجوب الحج على التراخي، ولكن هذا ليس معناه التأخير، بل عدم لزوم الفورية، لأن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أمّر أبا بكر على الحج، وتخلّف بالمدينة، لا محارباً ولا مشغولاً بشيء، وتخلف أكثر الناس قادرين على الحج، فدلَّ على أن وجوبه على التراخي. ويُسَنُّ لمن وجب عليه الحج ألاَّ يؤخر ذلك عن سنة الاستطاعة، مبادرةً إلى براءة ذمّته، ومسارعةً إلى الطاعات، ولأنه إذا أخَّره، فقد يعرّضه للفوات ولحوادث الزمان.
وخلاصة القول: إن جميع الأئمة يقولون: إن الفوريَّة والاستعجالَ أحفظُ للدين وأحوط.
فروع الاستطاعة:
والمقصود بهذه الفروع بعض الواجبات المترتبة على الإنسان، وكيفية القيام بها. ويدخل في ذلك: الترخيص بالحج للنساء، الزواج، البذل، الزكاة، الخمس.
أ - الإذن للزوجة: اتفق جميع الأئمة على أنه لا يشترط إذن الزوج للزوجة في الحج الواجب، ولا يجوز له منعها عنه.
وتباينت آراؤهم حول التي لا تجد زوجاً أو مَحْرَماً يَصحبُها، فهل يجب عليها الحج أم لا؟
- قال الإمامية والمالكية والشافعية: ليس الزوج أو المحرَمُ شرطاً بحال، سواء أكانت المرأة عجوزاً أم شابة، متزوجة أم غير متزوجة، لأن المحرمَ وسيلة للأمان معها، لا غاية بنفسه، وعليه فإما أن تكون في أمان على نفسها في السفر، وإما غير أمينة على نفسها: «ففي الحالة الأولى يجب عليها الحج ولا تأثير لوجود المحْرَمِ على حجِّها، وفي الحالة الثانية لا تكون مستطيعة حتى ولو كان معها محرم.
وبناء على هذا لا يكون ثمة فرق بين الرجل والمرأة من هذه الجهة.
ومهما يكن، فقط كان لهذا الموضوع وأمثاله في الماضي واقع يعيشه الناس من حيث مدة السفر طويلاً، والمخاطر التي تحفُّ بالطريق، فكان على الإمام الفقيه وجوب بحث هذا الأمر ومعالجته. أما اليوم، فلا ضرورة لبحثه، ولا يترتب على هذا البحث فائدة ترتجى، لأن الناس باتوا يسافرون، في معظمهم، بأمن وأمان على أنفسهم وأموالهم بالسيارات والطائرات وغيرها، ما لم تكن هنالك حالات خاصة، وظروف استثنائية أو قاهرة، لا يجد معها الإنسان أماناً، ويكون هو أدرى بأحواله وظروفه.
- وقال الحنفية والحنبلية: إنَّ وجود الزوج أو المحرم شرط لحج المرأة، وإن كانت عجوزاً، ولا يجوز لها أن تحج بدونه.
ب - الزواجُ أو الحجُّ: قال المحققون من الإمامية، والشافعية والحنبلية: لو كان عند أحدهم ما يكفيه للحج فقط، أو للزواج فقط، يُقَدّم الزواج إذا كان في تركه حرج عليه ومشقة(+).
وروي عن أبي حنيفة أنه لما سئل عن ذلك أجاب بتقديم الحج(+).
وإطلاق الجواب للإمام أبي حنيفة بتقديم الحج، مع أن التزوج قد يكون واجباً في بعض الأحوال، ربما يكون من باب الحث على عدم التراخي بفريضة الحج، وليس من وجهة تأخير الزواج إذا كان الرجل مضطراً إليه ولا يملك سوى المال الذي يمكنه من أحد الأمرين: إما الحج وإما الزواج.
ج - البذل: قال الإمامية إذا أعطى أحدٌ لآخر مالاً مشترطاً عليه الحج، وجب قبوله، ولا يجوز له أن يرفضه، حتى ولو كان الباذل أجنبيّاً، لأنه، والحال هذه يصير مستطيعاً، ولأنّه بُذِلَ له ما يكفيه لإقامة جميع مناسك الحج.
وقال الشافعية: إذا بذل له ولدُه ما يتمكن به من الحج لزِمَهُ، لأنه تمكّن من الحج من غير منّة تلزمه.
وقال الحنبلية: إذا بذل شخص مالاً لغيره فلا يجب عليه أن يقبل البذل، ولا يصير مستطيعاً بذلك سواء أكان الباذل قريباً أم أجنبيّاً، وسواء أبذل له الركوب أو الراحلة، والزاد أم لا(+).
د - الزكاة والخمس: اتفق جميع الأئمة على أن الزكاة والخمس مقدمان على الحج، ولا تكون هنالك استطاعة للحج إلا بعد وفائهما، لأنهما دين لله تعالى، كغيرهما من ديون العباد.
الاستنابة إلى الحج:
اتفق جميع الأئمة على طاعات العبادات أنها تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
1 - مالية خالصة، لا أثر فيها للبدن وأعماله، كالزكاة والخمس والكفارات وتوزيع الأضاحي. وهذا النوع يقبل الإنابة، فيجوز للمالك، صاحب المال، أن يوكل من يخرج عنه زكاة ماله، وسائر صدقاته.
2 - بدنيّة خالصة، لا أثر فيها للمال، كالصلاة والصوم. وهذان النوعان وأمثالهما من العبادات البدنية، المفروضة عيناً على المكلَّف، لا يقبلان النيابة بحال من الأحوال عن الأحياء.
3 - مالية وبدنية حركيّة: كالحجّ فإنه يفتقر إلى الحركة المطلوبة كالطواف والسعي والرمي، وإلى المال للسفر والطعام والطبابة إلخ...
واتفق جميع الأئمة على أن القادر على الحج بنفسه، الجامع لشروطه، يجب عليه القيام به مباشرة، ولا يجوز له الاستنابة فيه، وإن استناب غيره لم يجزه.
وتباينت آراء الأئمة حول من لم يقم بالحج مع الاستطاعة:
- قال الإمامية والشافعية والحنبلية: لا يسقط عنه الفرض، وإذا مات ولم يوصِ بالحج، وجب أن يُستأجر عنه بأجرة المثل، وتؤخذ الأجرة من صُلب تركته، لأنها أجازوا الإجارة على الحج. واستدلوا على مشروعية النيابة في الحج بحديث ابن عباس وغيره، حيث رُوي عنه: «أن امرأة من خثعمَ، قالت لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بأن اباها أدركته فريضة الله تعالى في الحج، وقد صار شيخاً كبيراً، لا يستطيع أن يستوي على ظهر بعيره، فقال لها (صلى الله عليه وآله وسلم): «فحجّي عنه» (+). فدل على جواز الحج عن الوالد غير القادر لها على القيام بحجّه، علماً بأن ذلك كان في حجة الوداع.
وعن ابن عباس أيضاً: «أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقالت: إن أمي نذرت أن تحجَّ، فلم تحجَّ حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «نعم حُجّي عنها، أرأيتِ لو كان على أمكِ دينٌ أكنْتِ قاضِيَتَهُ؟ اقضوا الله، فـالله تعالى أحقُ بالوفاء» (+). وروي هذا الحديث بلفظ آخر، أي أنه: «أتى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) رجلٌ فقال: إن أبي مات، وعليه حجة الإسلام، أفأحج عنه؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): أرأيت لو أن أباك ترك ديناً عليه، أقضيتَهُ عنه؟ قال: نعم. قال (صلى الله عليه وآله وسلم): فاحجُج عن أبيك» (+). مما دلَّ على جواز قيام الولد بالحج عن أبيه الميت، وشبَّهه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بالدين الواجب الأداء. ولكن يشترط أن يكون النائب، الذي ينوي الحج عن أحد والديه، أو عن غيرهما، قد حجَّ غن نفسه أوَّلاً، كما روي عن ابن عباس أنه قال: «إن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) سمع رجلاً يقول: لبيك عن شبرمة، فسأل (صلى الله عليه وآله وسلم): مَن شبرمة؟ فقال الرجل: هو أخٌ لي - أو قريبٌ لي - قال (صلى الله عليه وآله وسلم): حججتَ عن نفسك؟ قال الرجل: لا، قال (صلى الله عليه وآله وسلم): حجَّ عن نفسك، ثم احجج عن شبرمة» (+).
وذهب أنصار الاستنابة إلى القول بأنه يمكن للحاجّ أن يستأجر من يحج عنه إذا كان مستطيعاً ماديّاً، وغير مستطيع جسديّاً، لقول جعفر الصادق (عليه السلام): «إن رجلاً أتى عليّاً (عليه السلام) ولم يحجَّ قطّ، فقال: إني كنت كثير المال، وفرَّطت في الحج حتى كبرت سنِّي، فقال له عليٌّ (عليه السلام): أفتستطيع الحج؟ فقال: لا، فقال عليٌّ (عليه السلام): إن شئت فجهِّز رجلاً ثم ابْعثْهُ عنك»(+).
واعتبر الحنفية المتقدمون أن الاستئجار على الحج غير جائز، كما لم يجيزوه لتعلم القرآن والفقه وجميع القربات الدينية لاختصاص فاعلها بها. فلو قال رجل لآخر: استأجرتك على أن تحجَّ عني بكذا.. لم يجز حجه، وإنما يقول: أمرتك أن تحج عني بلا ذكر إجارة، وتكون له نفقة مثله، بطريق الكفاية، لأنه فرَّغ نفسه لعمل ينتفع به المستأجر، وإنما جاز الحج عنه لأنه لما بطلت الإجارة، بقي الأمر بالحج.
وأما دليل الحنفية على عدم جواز الإجارة على الحج وبقية الطاعات، قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لعثمان بن أبي العاص: «واتخذْ مؤذِّناً لا يأخذ على آذانه أجراً»(+)، ولأن الحج عبادة يختص فاعلها أن يكون من أهل القربة، فلم يَجز أخذ الأجرة عليها كالصلاة والصوم.
أما جمهور الفقاء، ومتأخرو الحنفية(+) فقد أجازوا الإجارة على الحج وبقية الطاعات لقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله» (+). ولأنه يجوز أخذ النفقة على الحج، كما أقرَّ متقدمو الحنفية أنفسهم، فجاز الاستئجار عليه، كبناء المساجد ونحوه.
- وقال المالكية: يجوز أخذ الإجارة عن الميت الذي أوصى بالحج، ولكنهم قالوا بكراهة إجارة الإنسان نفسه في عمل الله تعالى، حجّاً أو غيره كقراءة القرآن، والإمامة، وتعليم علم، إلا تعليم كتاب الله تعالى، وتصح إن أجَّر نفسه. والإجارة على الحج عندهم نوعان:
الأول: إجارة بأجرة معلومة تدفع ملكاً للأجير، كسائر الإجارات، فما عجز عن كفايته من أمور الحج وفاه من ماله، وما فضل كان له.
الثاني: البلاغ، وهو أن يدفع إليه المال ليحج عنه، فإن احتاج إلى زيادة أخذها من المستأجر، وإن فضل شيء ردَّهُ إليه.
وإذا أوصى الشخصُ أن يُحجَّ عنه من مالِهِ بعدَ موتِه، وكان صرورة(+)، نُفذتِ الوصيةُ من ثلث ماله، فإن لم يوصِ سقط عنه (أو تبرع به الوارث).
وخلاصة ما تقدم، فيما يتعلق باستنابة الصلاة والصوم والحج:
- باتفاق غالبية الأئمة أن الاستنابة في الحج تجوز عن الأحياء مع عجز المستناب عنه، وتجوز عن الأموات أيضاً من باب أولى، ما عدا المالكية فإنهم قالوا: لا تجوز الاستنابة لا عن الأحياء، ولا عن الأموات.
- واتفق جميع الأئمة على أن الاستنابة في الصوم والصلاة عن الأحياء، لا تصح بحال، سواء كان المستناب عنه قادراً أو عاجزاً. ولكن تباينت آراؤهم عن الأموات: فقال الإمامية تصح الاستنابة في الصوم والصلاة عن الأموات كما تصح في الحج. وقال أئمة المذاهب الأربعة الأخرى لا تصح الاستنابة في الصوم والصلاة عن الأموات، كما لا تصح عن الأحياء.
الاستنابة في المستحب:
قال الإمامية والحنفية: من حجَّ الفرض، ثم أحبَّ أن يستنيب غيره، فيما بعد، تطوعاً أو استحباباً، فله ذلك، وإن كان هو متمكناً من المباشرة بنفسه.
وقال المالكية: يجوز للمريض الذي لا يرجى برؤه أن يستأجر غيره للحج ويصح حجه، ولمن حج حجة الإسلام، ولكن ذلك مكروه ولا يكتب الحج للمستأجر، وإنما يقع مستحبَّاً للأجير. وللمستأجر ثواب الإعانة على الحج وبركة الدعاء. وإذا حج عن الميت بوصية منه أو غير وصية، فلا يكتب له أصْلاً، ولو فرضاً ولا نفْلاً، ولا تسقط عنه به حجة الإسلام(+).
وقال الشافعية والحنبلية: لا يجوز. ولكن رويت عن الإمام أحمد بن حنبل رواية أخرى تفيد أنه يجوز.
شروط النائب:
اتفق الأئمة على أنه يشترط في النائب: البلوغ والعقل والإسلام، وفراغ ذمته من حج واجب، والوثوق بالأداء. ويجوز أن ينوب الرجل عن المرأة، والمرأة عن الرجل، وإن كان كل من النائب والمنوب عنه صرورة.
قال الإمامية والحنفية والمالكية إذا شرع الصرورة نيابة عن غيره، يقع حجه على ما نواه، في حين قال الشافعية والحنبلية إن الحج يصير عنه شخصياً وليس عن المناب عنه.
شروط النائب بالحج:
وهل يشرع بالذهاب إلى الحج من بلده أم من بلد الميت، أو في أحد المواقيت؟.
قال الإمامية: الحجة منها بلدية وهي التي تكون من بلد الميت. ومنها ميقاتية، وهي التي تكون من الميقات، فإن عيّن إحداهما تعيّنت، وإن أطلق ولم يبيّن، فإن كان هنالك انصراف إلى إحداهما فبها، وإلاّ فمن أقرب ميقات إلى بلد الميت. وأجرة الميقاتية في الحج الواجب تكون من التركة، وما زاد عن الميقاتية تكون من الثلث.
وقال الحنفية والمالكية: يحج الأجير عن الميت من بلده إذا هو لم يعين المكان.
وقال الشافعية: فإن عيّن الميت ميقاتاً خاصاً وجب العمل بقوله، لأن المدار على الميقات، وإلاّ تخيّر الأجير من أي ميقات شاء.
وقال الحنبلية: يجب أن يحج عنه من المكان الذي وجب عليه فيه الحج، لا من المكان الذي مات فيه. فإذا استطاع الحج في المهجر، ثم عاد إلى بلده ومات فيه، فيستناب عنه من مهجره، لا من وطنه إلاّ إذا كان بين وطنه ومهجره أقلّ من مسافة القصر.
تأخير النائب:
اتفق الأئمة على أنه إذا استؤجر النائبُ، وجبتْ عليه المبادرةُ، ولا يجوز له أن يؤخرَ الحجَّ عن السنة الأولى. وليس له أن يستنيبَ غيرَه، لأن الفعلَ مضافٌ إليه. وإذا لم يُعلَمْ بأنه ذهب إلى الحج، وقام بأعماله، فالأصل عدم الإتيان، أي عدم قيامه بالحج، حتى يثبتَ العكس. وإذا عُلمَ أنه ذهب وقام بالأعمال على وجه الإجمال، وكان هنالك شكٌّ حول إتيانه مناسك الحج بصورة صحيحة وكما ينبغي، أو أنه أخلَّ بشيء من تلك المناسك حُمِلَ فعلُهُ على الصحة، حتى يثبت العكس.
أنـواع الحج
اتفق جميع الأئمة على أن أنواع الحجّ ثلاثة: تمتع وإفراد وقران.
أما حج التمتع فهو أن يقوم الحاجّ بالعمرة أوَّلاً في أشهر الحج، وبعد الفراغ منها يؤدي مناسك الحج.
وأما حج الإفراد فهو أن يحج المرء أولاً، وبعد الفراغ من مناسكه يُحرم بالعمرة ويأتي بأعمالها.
وعن حج القران:
- قال الإمامية بأنه وحج الإفراد شيء واحد، لا يفترقان إلا في حالة واحدة وهي أن القارن يسوق الهدي عند إحرامه، فيلزمه أن يهدي ما ساق، أما من حجَّ حجة الإفراد فليس عليه هدي أصلاً. وبمعنى آخر، لا يجيز الإمامية التداخل بين إحرامين(+)، ولا إتيان الحج والعمرة بنيَّةٍ واحدة في حال من الأحوال. وليس القصد من القران الجمعَ بين الحج والعمرة، بل لأنه اقترن، أي أضيف سياق الهدي إلى الإحرام.
- وقال الأئمة الأربعة إن معنى القران أن يُحرم بالحج والعمرة معاً، بحيث يقول الحاجُّ: لبيك اللهم بحجٍ وعمرة. وقد وافق ابن عقيل الأئمة الأربعة بالرأي على أن القران هو الجمع بين العمرة والحج في إحرام واحد، فكان متفرداً بذلك عن الإمامية.
واتفق الأئمة جميعاً على أن من حج حجة الإفراد لا يلزمه هدي وإن تطوَّع فخيرٌ له، والله شاكر عليم.
أما عن التمتع فقد قال الإمامية بأنه فرض على من نأى عن مكة المكرمة ثمانية وأربعين ميلاً. ولا يجوز له العدول عنه إلاّ لحالة الضرورة، كضيق وقت أو حيض، فيجوز عندئذٍ العدول إلى القران أو الإفراد على أن يأتي بالعمرة بعد الحج. وكذلك لمن فرضه القران أو الإفراد. وعندهم أنَّ القران والإفراد هما فرض على أهل مكة، أو على من كان بينه وبين مكة المكرمة دون المسافة المذكورة. ولا يجوز لهؤلاء (أهل مكة، وأهل المسافة) غير هذين النوعين. وقد استدل الإمامية على ذلك بقوله تعالى: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البَقَرَة: 196]. والتمتع عندهم أفضل من الإفراد والقران.
أما الأئمة الأربعة فقد قالوا: يجوز لأي حاجّ، مكِّيَّاً كان أم غير مكيٍّ، أن يختار أي نوع شاء من أنواع الحج الثلاثة: التمتع أو القران أو الإفراد، دون كراهية، إلاّ أن أبا حنيفة قال: يكره للمكي حج التمتع والقران.
وتباينت آراء الأئمة الأربعة حول أفضلية حج التمتع والقران والإفراد:
- قال الحنفية: القران أفضل من التمتع والإفراد.
- وقال المالكية: الإفراد أفضل.
- وقال الشافعية: الإفراد أفضل الثلاثة، والتمتع أفضل من القران.
- وقال الحنبلية: التمتع أفضل من الإفراد والقران.
مواقيت الإحرام في الحج والعمرة:
الحج بأنواعه الثلاثة وكذلك العمرة، لها جميعاً مواقيت إحرام.
والميقات ركن من أركان الحج أو العمرة عند الإمامية، بينما هو واجب عند باقي الأئمة(+).
وقد اتفقت المذاهب جميعها على أن:
ميقات أهل المدينة الذي منه يبدأون هو مسجد الشجرة، وهو ذو الحُلَيْفَة.
وميقات سكان سوريا ولبنان والأردن وفلسطين هو الجحفة.
وميقات أهل العراق هو العقيق.
وميقات أهل اليمن ومن عبر على طريقهم فهو يَلَمْلَم.
أما ميقات أهل الآفاق الذين تقع ديارهم خارج المواقيت، لمن أراد الحج أو العمرة منهم، فقد ورد عليه الحديث، كما عن المواقيت الموحى بها في الصحيحين، وذلك عن ابن عباس أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حددها بقوله: «إنه وقت لأهل المدينة وهو ذو الحُلَيْفة، ولأهل الشام الجُحفة، ولأهل نجد قَرْن المنازل، ولأهل اليمن يلملم، فهنَّ لهنَّ ولمن أتى عليهنَّ من غير أهلهن، لمن كان يريد الحج والعمرة، فمن كان دونهنَّ فَمَهِلُّهُ من أهله، وكذلك حتى أهل مكة يُهِلُّون منها» (+) وقد ذُكر أيضاً - كما ورد في صحيح مسلم عن جابر مرفوعاً - أن مهلَّ أهل المدينة من ذي الحُليفة والطريق الآخر من الجُحْفة، ومهلَّ أهل العراق من ذاتِ عِرْق»(+).
تلك هي المواقيت الخمسة لغير المقيم في مكة المكرمة منقسمة بحسب جهات الحرم الشريف، ولا يجوز للإنسان أن يتجاوزها، عندما يحج إلى مكة المكرمة، سواء للحج أو للعمرة، إلاَّ محرماً بأحد هذه المواقيت.
ويمكن تفصيل المواقيت الخمسة، كما وردت لدى الفقهاء، على الشكل التالي.
أولاً: ميقات أهل المدينة: ذو الحُليفة (آبار علي): مكان على ستة أميال من المدينة، وعشر مراحل من مكة المكرمة، فهو أبعد المواقيت.
ثانياً: ميقات أهل مصر والمغرب العربي كله، وأهل بلاد الشام (وهم اليوم أهل سورية ولبنان الذين يمرون بميقات الجُحْفة (رابغ): وهو موضع على بعد ثلاث مراحل من مكة المكرمة، وبما أن أهل بلاد الشام الآن يمرون بميقات أهل المدينة، وبميقاتهم هذا، فلهم الخيار بالإحرام في أي منهما، لأن الواجب على من مرَّ بميقاتين ألاَّ يتجاوز آخرهما إلاّ محرماً.
ثالثاً: ميقات أهل العراق وغيرهم من بلدان المشرق: ذات عِرق، وهي قرية على مرحلتين من مكة المكرمة، مشرفة على وادي العقيق، في الشمال الشرقي من مكة المكرمة.
رابعاً: ميقات أهل اليمن والهند: يَلمْلَم، وهو جبل جنوبي مكة المكرمة على مرحلتين منها.
خامساً: ميقات أهل نجد والكويت: ميقات أهل نجد والكويت: قَرْن المنازل. وهو جبل على مرحلتين من مكة المكرمة. ويقال له أيضاً: قرن الثعالب. وهو قريب من المكان المسمى الآن بالسبل.
تلك هي أمكنة الإحرام أو مواقيته. ومن تجاوز هذه المواقيت دون إحرام وجب عليه الدم (أي الفداء والأضحية)، إلا إذا عاد وأحرم. ولا يسقط عنه الدم عند المالكية، وإن رجع إليه بعد إحرامه. وإذا تجاوز الميقات بنيَّة الإقامة في مكان غير الحرم جاز له ذلك إذا نوى الإقامة، لأن حكم الوطن لا يثبت إلا بنيّة الإقامة.
الإحرام
اتفق جميع الأئمة على أن الإحرام ركن من أركان الحج أو العمرة. وهو عمل يجب أن يبتدئ به الحاج سواء أكان معتمراً بعمرةٍ مفردةٍ، أم حاجاً حجة كاملة. ولهذا الإحرام مستحبات وواجبات.
مستحبات الإحرام:
اتفق جميع الأئمة على أنه يستحب لمن يريد الإحرام أن ينظف جسده، ويقلم أظافره، ويأخذ من شاربه، ويزيل الشعر من تحت إبْطَيْهِ. ويستحب أن يحرم بعد صلاة مفروضة. وإن لم تكن عليه صلاة مفروضة صلَّى للإحرام ست ركعات، أو أربعاً، وركعتين على أقل تقدير. وأن يغتسل، حتى ولو كان المحرم امرأة في الحيض أو النفاس.
وعن الغسل: قال أكثرية الإمامية والحنفية والمالكية: إذا فقد الماء سقط الغسل. وقال الشافعية والحنبلية بل يتيمم بدلاً من الغسل.
واجبات الإحرام:
اتفق جميع الأئمة على أن واجبات الإحرام ثلاثة: النية، والتلبية، ولبس ثوب الإحرام.
1 - النية:
- قال الإمامية والشافعية والحنبلية: ينعقد الإحرام بمجرد النية. وأضاف الإمامية بأنه يجب أن تكون النية مقارنة للشروع بالإحرام ولا يكفي حصولها في أثنائه ويُعَيَّنُ الإحرام من أنه لحج أو لعمرة..
- وقال الحنفية: لا يصير شارعاً في الإحرام بمجرد النية ما لم يأتِ بالتلبية.
- وقال المالكية: يستحب أن يعيِّن الحاج ما أحرم له من أنه لحج أو عمرة.
- وقال الأئمة بالاتفاق: إنه لو نوى بإحرامه ما أحرم به فلانٌ، صحّ إحرامه إذا كانت النية معينة.
2 - التلبية:
اتفق جميع الأئمة على أن التلبية مشروعة في الإحرام، ولكن اختلفوا في حكمها من حيث الوجوب أو الندب، فقال الإمامية والحنفية والمالكية بأن التلبية واجبة، ولكنّ آراءَهم تباينت حول تفاصيلها.
- قال الإمامية: لا ينعقد إحرام حج التمتع، ولا حج الإفراد، ولا عمرتهما، ولا العمرة المفردة إلاّ بالتلبية، وأنه لا بد من تكرارها أربع مرات. أما من يريد حج القران فيخيّر بين التلبية، وبين الإشعار أو التقليد (والإشعار والتقليد هما سوق الهدي الذي يحمل علامات في عنقه وعلى جانبه الأيمن، دالَّةً على أنه هدي).
- وقال الحنفية: التلبية، أو ما يقوم مقامها كالتسبيح وسوق الهدي شرط من شروط الإحرام.
- وقال المالكية: لا يبطل الإحرام بالفاصل الطويل بين التلبية وبين الإحرام، ولا يتركها كُلِّيَّةً، وإنما يلزم تاركها أن يضحي.
- وقال الشافعية والحنبلية: إن التلبية سنَّة، ويستحب اتصالها بالإحرام؛ ولو نوى الإحرام بدون تلبية، صح.
صيغة التلبية: التلبية، وفق ما اتفق عليه الأئمة، تكون على الشكل التالي: «لَبَّيْكَ اللهمَّ لَبَّيْكَ، لا شريك لك لبيك، إنَّ الحمدَ والنعمةَ لك والمُلك. لا شريك لك».
ويبدأ بها المحرم من وقت الإحرام، ويستحب الاستمرار بتكرارها إلى رمي جمرة العقبة، ويستحب الجهر بها من الرجل. أما المرأة فتُسمع نفسها ومَن يليها. ويستحب أن يرافقها الصلاة على النبي وآله. ولا يشترط في التلبية الطهارة.
لباس المحرم:
اتفق جميع الأئمة على أن المحرم لا يجوز له أن يلبس مخيطاً، ولا ثوباً يزرره، ولا قميصاً ولا سراويل، ولا أن يلبس الخفَّين، إلا إذا لم يجد نَعْلاً، فيلبس خفين بعد أن يقطع أسفل الكعبين(+).
والمرأة تغطي رأسها، وتكشف وجهها إلا مع خوف نظر الرجال إليها بريبة. ولها أن تلبس الحرير والخفين، أي حذاء النساء.
لباس الحاج قبل شروعه في الإحرام:
قال الإمامية: يجب على الحاج أن يضع على جسده الإزار(+) والرداء(+) قبل الشروع في الإحرام ويستحب أن يكون من القطن الأبيض. ويجوز لِلمُحْرِمِ أن يلبس أكثر من ثوبين شريطة ألاَّ يكون مخيطاً. كما يجوز له أن يبدِّل ثياب الإحرام. ولكن من الأفضل أن يطوف بالثوبين اللذين أحرم بهما. واشترطوا في لباس المحرم كل ما اشترطوه في لباس المصلي من الطهارة.
وقال الحنفية: يلبس إزاراً ورداءً، وهو مستحب.
وقال المالكية: يندب أن يلبس إزاراً، ورداءً، ونعلَين، ولو لبس غير الرداء والإزار مما ليس مخيطاً، ولا محيطاً(+)، فلا يضر.
وقال الشافعية: يلبس الحاج قبل شروعه في إحرامه إزاراً ورداءً أبيضين جديدين، نظيفين وطاهرين، وإلاّ فمغسولين.
وقال الحنبلية: يُسنّ للحاج قبل إحرامه لبس إزار ورداء أبيضين، جديدين نظيفين، ونعلين.
وإجمالاً: إن كل ما هو جائز عند الإمامية، هو مُجُزٍ كذلك عند الأئمة الأربعة بالنسبة للباس الإحرام.
محظورات الإحرام:
لقد نهى الشرعُ المحرمَ عن الإتيان بأشياء عديدة، هي:
أ - الجماع: اتفق الأئمة على أنه لا يجوز للمحرم أن يجامع زوجته، أو يتمتع بها بأي نوع من أنواع الاستمتاع، لقوله تعالى: {فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ} [البَقَرَة: 197] وإذا جامع قبل التحليل(+) فسدَ حجُّهُ، ولكن عليه المُضِيّ في تكملة الشعائر لإتمام حجِّهِ، ثم القضاء في العام القادم، على أن يُفَرَّقَ بين الزوجين في حج القضاء، وذلك وجوباً عند الإمامية والمالكية والحنبلية، وندباً عند الحنفية والشافعية. بل وأضاف الإمامية والمالكية والحنبلية أنه تلزمه بُدْنة(+) بالإضافة إلى فساد حجّه. وقال الحنفية: تلزمه شاة.
ولكن هنالك اتفاق بين جميع الأئمة على أنه إذا جامع بعد التحليل الأول فلا يفسد حجه، ولا قضاء عليه، ولكن عليه بدنة كما ذهب إليه الإمامية والحنفية، والشافعي في أحد قوليه. أما مالك فقال: تلزمه شاة.
وينطبق ذلك على المرأة إذا كانت مطاوعة لزوجها، أي أنه يفسد حجها أيضاً، وعليها أن تُكَفِّرَ ببدنة، وأن تحج قضاءً العام القادم. وإذا كانت مكرهة، فلا يتوجب عليها لا قضاء، ولا كفارة بدنة، بل على الزوج أن يكفّر ببدنتين: إحداهما عن نفسه، والثانية عن زوجته. وإذا كانت المرأة محلة، وزوجها محرم، فلا يتوجب عليها شيء من قضاء أو كفارة.
واتفق الأئمة على أن الحاج إذا قبَّل زوجته وهو محرم، ولكن لم ينزل المني، فلا يفسد حجه، ولكن عليه أن يكفّر ولو بشاة. أما إذا أنزل فقد اعتبر المالكية أن حجه يفسد، بينما اتفق الأئمة الآخرون على صحة حجه، إنما تجب عليه كفارة، وهي بدنة عند جماعة من الإمامية، والحنبلية، وشاة عند الحنفية والشافعية.
وإذا نظر في الحج إلى غير زوجته، أي إلى امرأة أجنبية، بشهوة فأمنى، لم يفسد حجه، ولكن عليه بدنة عند الإمامية والحنفية والشافعية والحنبلية، لأنه إنزال من دون مباشرة. أما المالكية فقالوا إن إعادة النظر ثانية وثالثة، أي بتردده النظر، حتى أجنب، فإن حجه يفسد وعليه القضاء.
الطيب:
اتفق الأئمة على أن كل مُحرمٍ، رجلاً كان أو امرأة، يحرم عليه الطيب شمَّاً وأكلاً وتطيُّباً، وأن المحرم إذا مات لا يجوز تغسيله، ولا تحنيطه بالكافور، ولا بغيره من أنواع الطيب.
أما إذا تطيّب المحرم ناسياً أو جاهلاً:
فقال الإمامية والشافعية: لا كفارة عليه.
وقال الحنفية والمالكية: عليه فدية.
ونقل عن الإمام أحمد: الروايتان.
ولكن لو استعمل الطيب لمرض جاز له ذلك، ولا فدية عليه. ولا بأس بخلوق الكعبة، ولو كان فيه زعفران، وكذا الفواكه.
قطع الشجر، وقص الشعر، وتقليم الأظافر:
اتفق جميع الأئمة على أنه لا يجوز للمحرم قطع الشجر، ولا تقليم الأظافر، ولا حلق الشعر أو قصه أكان على الرأس أم على البدن، وإن خالف عليه كفارة.
تغطيه الرأس والاستظلال:
اتفق الأئمة على أن المحرم لا يجوز له أن يغطي رأسه اختياراً. وأضاف الإمامية والمالكية أنه لا يجوز له أيضاً أن يرتمس في الماء ولكن يجوز له أن يغسل رأسه، وأن يفيض عليه الماء.
ولو غطَّى رأسه ناسياً، فلا شيء عليه عند الإمامية والشافعية، وعليه الفدية عند الحنفية. كما اتفق الأئمة على أنه لا يجوز للمحرم أن يستظل في حال السير، فيحرم عليه ركوب سيارة إن كان له سقف. أما إذا كان ماشياً فيجوز له أن يمرّ تحت الظل عابراً. ولو اضطر إلى الاستظلال وهو مسافر، لمرض أو حرٍّ أو برد، جاز له ذلك ولكن، عند الإمامية، عليه كفارة.
واتفق الأئمة كذلك على أنه في حال الاستقرار، وعدم السير، يجوز للمحرم أن يستظل بالسقف، والحائط والخيمة، والشجرة وما إلى ذلك.
المخيط والمحيط:
اتفق الأئمة على أن الرجل المحرم ممنوع عليه لبس المخيط، والمحيط برأسه كالعمامة والطربوش ونحوه.
الصيد:
قال الله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} [المَائدة: 96] وبمقتضى هذه الآية الكريمة إن صيد البحر، وأكل ما يُصطاد منه، حلال إطلاقاً، سواء كان محرماً أم غير محرم. ولكن صيد البر حرام على المحرم. ولذا اتفق جميع الأئمة على عدم التعرض لصيد الحيوان والطير البري بالقتل، أو الذبح، والدلالة عليه أو الإشارة إليه، كما يحرم التعرض لبيضه وفراخه. وتحريم الصيد في حرم الكعبة الشريفة يشمل المُحِلَّ والمُحْرِمَ على السواء، أما خارج الحرم فيجوز للمحلِّ دون المُحرِم. ولو ذبح المحرم الصيد يصير ميتة، ويحرمُ أكله على جميع الناس.
واتفق الأئمة على أن للمحرم أن يقتل الحية، والغراب، والفأرة والكلب العقور والحديا أو الحدأة (طائر خسيس يخطف طعام الناس)، وكل مؤذٍ من الحيوانات والحشرات.
قتل الصيد البري:
قال الله تعالى: [Kerr] .
والمعنى أنه لا يجوز لكم أيها المؤمنون أن تقتلوا ما يصاد من الحيوان والطير وأنتم محرمون بحج أو عمرة. ومن قتله متعمداً فعليه جزاءٌ هو مثلُ ما قتل من النَّعم، ويحكم بهذا المثْل رجلان عدلان، خبيران بأن ذاك الحيوان البري المقتول ربما يشبهه أو يماثله هذا الحيوان الأليف أو الذي تُربُّونه. ويُحملُ هذا الحيوانُ المشابه هدياً إلى الكعبة، أي يُهدى به إليها حيث يُذبحُ ويُتصدَّقُ به على المساكين.
قال الإمامية والشافعية والحنبلية: إن الصيدَ البرّيَ إن كان له مثل أو مشابه في الحيوان الأليف (كالبقر الوحشي تماثلهُ البقرة، والنعامة تماثلها الناقة، والظبية تماثلها الشاة) فإن القاتل يُخير بين أن يقدم مثله من النعم - أي الحيوانات الأليفة - فيذبحه، ويتصدق به، وبين أن يقوِّمَ المثْلَ بالنقود، فيشتري بها طعاماً، ثم يتصدق به على المساكين، بحيث يكون لكل مسكين مدٌّ من الطعامِ، أي 1600 غرام (ألفاً وستمئة غ) على وجه التقريب، وبين أن يصوم يوماً. أي له واحد من خيارات ثلاثة: إما تقديم حيوان مماثل، أو تقويم قيمته نقوداً، أو صيام. وذهب المالكية إلى نفس الرأي إلا أنهم أضافوا بأنه يُقَوَّم نفس الصيد لا مثله.
وقال الحنفية: تجب القيمة بقتل الصيد أو الدلالة عليه. والصيد المقصود هو كل حيوان بري متوحش. ويُضمن الصيد بالقيمة سواء أكان له مثل أم لم يكن. ومتى قوَّمه يخير القاتل بين أن يشتري بالثمن المقابل من النعم ويُنفقه صدقة، وبين أن يشتري بالقيمة طعاماً ويتصدق به، وبين أن يصومَ عن كل مدٍّ يوماً.
وقد أطال الفقهاء الكلام في الصيد وكفارته، وفرَّعوا له فروعاً، وافترضوا له صوراً شتى، مبتدئين من صيد النعامة التي تشبه الناقة إلى صيد العصفور والجرادة. ونحن لن ندخل في تلك التفصيلات، لأنه لا جدوى من التطويل، وخاصة في عصرنا الحاضر، حيث إن قاصد الحرمين الشريفين، حاجّاً أو معتمراً، لن يصحب معه عدة الصيد، ولن يقوم أصلاً بالصيد، فهو ذاهب إلى هنالك ناسكاً زاهداً، لا متنزِّهاً صائداً.
الطواف
الطواف ركن من أركان العمرة، وكذا طواف الإفاضة فإنه ركن لحجِّ التمتع والإفراد والقران. وإذا كان الحاج قد أحرم للعمرة فعليه أن يُثَنِّي بالطواف - بعد الإحرام - لا بغيره، سواء أكانت عمرة التمتع، أم كان مريداً العمرة المفردة. فالطواف بالنسبة إلى المعتمر هو العمل الثاني باتفاق جميع الأئمة. أما إذا أراد الحاج بإحرامه الحجَّ فقط، كمن قصد حج الإفراد، أو حج التمتع بعد أن أنهى أعمال العمرة، فإنه يثنِّي بعد الإحرام بالوقوف في عرفات.
أنواع الطواف:
قسّم أئمة المذاهب الأربعة الطواف إلى ثلاثة أنواع، حيث قالوا: إن الطوافات المشروعة في الحج ثلاثة:
الأول : طواف القدوم يقوم به الحاجّ - غير المكي ومَن هو في جوار مكة - حين يدخل مكة المكرمة، وهو أشبه بركعتي التحية للمسجد، ومن هنا سمّي طواف التحية، وقد اتفق الأئمة على أنه مستحب، ولا شيء على تاركه، إلاّ المالكية فقد فرضوا على تاركه أن يضحّي.
الثاني : طواف الزيارة، ويسمى أيضاً طواف الإفاضة، لأن الحاجّ يأتي به بعد أن يقضي مناسكه بمنىً من رمي جمرة العقبة، والذبح، والحلق أو التقصير، حيثُ يرجع إلى مكة ويطوف. وقد سمي طواف الزيارة كذلك، لأن الحاج ترك منى وزار الكعبة المشرفة، أعزَّها اللهُ تعالى. أما تسميته بطواف الإفاضة، فلأنه أفاض - أي رجع - من منى إلى مكة المكرمة. ويسمى أيضاً طواف الحج، لأنه ركن من أركان الحج باتفاق جميع الأئمة وبإتمام هذا الطواف يحلُّ كل شيء كان محرماً على الحاجّ عند الأئمة الأربعة النساء. أما الإمامية فهم يُحِلُّوَنَ للمُحرِم كلَّ شيء بعد طواف الزيارة إلاّ النساء، فإنها لا تَحلّ حتى يسعى بعد طَواف النساء.
الثالث : طواف الوداع - وسمي كذلك لأن به وداع البيت الحرام، وهو آخر ما يفعله الحاج عندما يريد السفر من مكة المكرمة. وهو واجب عند الحنفية والحنبلية، وعلى من تركه أن يضحي فقط. أما المالكية فقد قالوا إنه مستحب، ولا شيء على من تركه. ونُقل عن الإمام الشافعي قولان: بوجوبه، واستحبابه.
ويرى الإمامية:
- أن طواف الزيارة أو الإفاضة ركن من أركان الحج، ويبطل الحجُّ بتركه عمداً، ويجب قضاؤه لو تُرك سهواً.
- أن طواف القدوم مستحب ويجوز تركه.
- أن طواف الوداع مستحب، ولا يلزم تاركه شيء.
ثم زاد الإمامية طوافاً رابعاً كما ذكرنا، وهو طواف النساء، وقالوا بوجوبه، وعدم جواز تركه في العمرة المفردة، وفي الحجّ بشتى أنواعه ومَن تركه تحرم عليه النساء إلى أن يقضيه.
ومما تقدم نستخلص بأن الأئمة الأربعة يرون بأن ليس بعد طواف الحج طواف واجب، وبعده تحلّ النساء. بينما يرى الإمامية أنه يجب على الحاج بعد أن يطوف طواف الحجِّ أن يسعى ثم يطوف ثانية طواف النساء. وإذا ترك هذا الطواف حرمت عليه النساء إن كان رجلاً، وحرم عليها الرجال إن كانت امرأة، إلى أن يقوم به الحاج بنفسه، أو يقوم به من يستنيبه لذلك.
وقد اتفق جميع الأئمة على أنه يستحب لمن دخل مكة المكرمة أن يغتسل، وأن يدخل من أعلاها، ومن باب بني شيبة، وأن يرفع يديه بالدعاء عند رؤية البيت الحرام، ويُكَبِّر ويهلِّل، ويدعو الله تعالى بتلاوة آيات من كتاب الكريم، أو بالمأثور عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، أو بما تيسّر له من الدعاء. وأن يأتي إلى الحجر الأسعد (أو الأسود) فيقبِّله إن استطاع، وإلاّ لمسه، وإن لم يستطع أشار إليه بيده، ودعا ربه بما شاء من الدعاء.
شروط الطواف:
قال الإمامية: يشترط في الطواف الواجب الطهارة من الحدث والخبث، وستر العورة بثوب طاهر شرعي غير مغصوب، كما هي الحال في الواجبِ للصلاةِ تماماً. كما يشترط في الطائف الخِتان، فلا يصح طواف الأغلف، رجلاً كان أو صبيَّاً.
وقال الحنفية: إن طهارة الثوب والبدن والمكان سنة مؤكدة.
وقال المالكية والشافعية والحنبلية: يشترط في الطواف الطهارة من الحدث والخبث، فلا يصح الطواف من الجُنُب، ولا من الحائض والنفساء. كما يشترط ستر العورة، تماماً كما هي الحال في الصلاة.
كيفية الطواف:
قال الإمامية: للطواف واجبات هي:
1 - النية.
2 - أن يطوف ماشياً، فإن عجز طاف محمولاً أو راكباً، حيث جاء في كتاب (من لا يحضره الفقيه) «أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) طاف على راحلته».
3 - أن يبتدئ بالحجر الأسود ويختتم به.
4 - أن يجعل البيت على يساره.
5 - أن يطوف حول حِجْر إسماعيل (عليه السلام)(+) دون أن يدخل فيه، ويكون على يساره. فإذا طاف بينه وبين البيت، فجعله على يمينه، بطل الطواف.
6 - أن يكون الطائف بجميع بدنه خارج البيت، لأن الله سبحانه وتعالى يقول: {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ *} [الحَجّ: 29]. أي حوله لا فيه، كما تقضي بذلك لغة العرب(+).
7 - أن يكون طواف الحاج أو المعتمر بين البيت العتيق والصخرة التي هي مقام إبراهيم (عليه السلام)، أي الحجر الذي وقف عليه أبو الأنبياء حين أعاد، وابنه إسماعيل، بناء البيت، بأمر من ربه تعالى.
8 - أن يتم سبعة أشواط بلا زيادة، أو نقصان.
ومن البديهي القول إن هذه الأماكن تحتاج إلى عارف، خبير يحددها للطائف ويدله عليها، وعلى كيفية أداء مناسكها. ومتى انتهى الحاج من طوافه وجب عليه أن يصلي ركعتين في مقام إبراهيم (عليه السلام). وإن كان المقام مزدحماً، ولم يتمكن فحول المقام، فإن لم يتمكن فحيث أمكنه من المسجد بناحية المقام. ولا يجوز أن يباشر بطواف ثانٍ إلا بعد صلاة هاتين الركعتين، فإن نسيهما وجب عليه الرجوع إلى الطواف ثم الإتيان بهما.
وقال الحنفية والمالكية والشافعية: تكفي نية الحج بوجه العموم ولا يشترط النية للطواف على وجه الخصوص.
وقال الحنبلية: لا بد من عقد النية للطواف بالذات، لأن النية بمعنى الدافع والباعث، لا تقبل النزاع والجدال، فهي من الأمور القهرية.
وقد اتفقت المذاهب الخمسة على الابتداء بالطواف من الحجر الأسود والختم به، وجعل البيت على يسار الطائف، بحيث يقع الطواف خارج البيت، وأن الأشواط سبعة. واستلام الحجر، والركن مستحب.
وتباينت آراء المذاهب حول الموالاة، وعدم الفاصل بين الأشواط.
- قال الإمامية والمالكية والحنبلية بوجوب الموالاة، وعدم الفاصل بينها. أي بإتيان الطواف سبعة أشواط متتالية، دون أن يفصل بين شوط وآخر أي وقوف أو راحة، أو ترك للطواف.
- وقال الحنفية والشافعية: الموالاة سُنَّة، فلو فرَّق الطائف بغير عذر لا يبطل طوافه، بل يبني على طوافه.
وقال الحنفية والمالكية والحنبلية: بوجوب المشي على الطائف. بينما قال جماعة من الإمامية والشافعية: المشي غير واجب، ويجوز الركوب اختياراً.
وقال الإمامية والحنفية والمالكية: بوجوب صلاة ركعتين بعد الطواف، وهما كصلاة الصبح تماماً. بينما قال الشافعية والحنبلية إن صلاة ركعتين بعد الطواف من المستحبات.
أحكام الطواف:
- قال الإمامية: إذا حاضت المرأة أثناء الطواف، فإن حدث ذلك بعد أربعة أشواط قطعت الطواف وسعت، فإذا فرغت من السعي أتمت الطواف بعد طهرها، ولا يجب عليها إعادة السعي.
أما إن حدث الحيض قبل إتمام أربعة أشواط توقفت وانتظرت عرفة، فإن طهرت وتمكنت من باقي الأفعال فعلت، وإلاّ صارت حجتها مفردة.
- وقال الحنفية: ليست الطهارة من الحدث والجنابة والحيض والنفاس شرطاً لجواز الطواف، لقوله تعالى: {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ *} [الحَجّ: 29]. فهو أمر من الله تعالى بالطواف مطلق من كل شرط، بما فيه شرط الطهارة. ولا يجوز تقييد مطلق الكتاب بخبر الواحد، فيحمل حديث «الطواف صلاة إلا أن الله تعالى أباح فيه الكلام»(+) على التشبيه كما في قوله تعالى: {وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} [الأحزَاب: 6]، أي كأمهاتهم. فيكون معنى الحديث: الطواف كالصلاة إما في الثواب، أو في أصل الفريضة، فإذا طاف من غير طهارة، فما دام بمكة تجب عليه الإعادة، لجبر الشيء بجنسه. وإن أعاد في أيام النحر فلا شيء عليه، وإن أخره عنها فعليه أن يضحي. وإن لم يُعد ورجع إلى أهله فعليه أن يضحي، فإن كان محدثاً فعليه شاة لكون النقصان يسيراً، وإن كان جنباً فعليه بدنة (أي ناقة) لكون النقصان فاحشاً.
وخلاصة الآراء: إنَّ الطهارة عن الحدث والنجس واجبة، وشرط للطواف عند الإمامية والمالكية والشافعية والحنبلية، بينما هي ليست بشرط عند الحنفية.
الشك في الطواف:
- قال الإمامية: إذا انتهى الطائف من الأشواط السبعة ثم شك: هل قام بها على الوجه الصحيح والمطلوب شرعاً، وبدون زيادة أو نقصان؟ فلا أثر لشكّه، بل يبني على الصحة والتمام، ويمضي ولا شيء عليه. هذا في الطواف الواجب.
أما في الطواف المستحب فإنه يبني على الأقل دائماً، ويتم إن كان أحد طرفي الشك ما دون السبعة، بدون فرق بين أن يكون الشك في أثناء الطواف، أو عند انتهاء الشوط الأخير.
- أما الأئمة الأربعة: فالقاعدة عندهم هي البناء على الأقل، أخذاً بالقدر المتيقن، كما هي الحال في الشك بعدد ركعات الصلاة.
هذا هو الطواف بواجباته ومستحباته وأحكامه، وهو كالركوع والسجود، واجباً كان أو مستحباً.
ونعيد التذكير، بما أوردنا سابقاً، وهو أن الطواف يأتي مباشرة بعد الإحرام، أثناء القيام بالعمرة، سواء أكانت عمرة مفردة، أم عمرة تمتع. أما في أعمال الحج فيأتي الطواف بعد أن يؤدي الحاج مناسكه في منىً يوم العيد.
السعي والتقصير:
اتفق جميع الأئمة على أن مرتبة السعي تأتي بعد الطواف، وبعد ركعتيهِ عند من أوجب هاتين الركعتين، أما من سعى قبل أن يطوف، فعليه أن يرجع فيطوف، ثم يسعى.
الـمستحبات فـي الحج
هنالك أمور كثيرة لا تدخل ضمن الشعائر الأساسية في الحج، وقد اعتبرت من المستحبات، إنما يقوم بها الحاجّ عادةً، زيادة في العبادة وطلب الاستغفار.
وأهم تلك الأمور هي التالية:
1 - السعي:
اتفق جميع الأئمة على أن الحاجَّ يقوم بالسعي بين الصفا والمروة - وهما مكانان صخريّان يرتفعان عن أرض الحرم بعض الشيء -. لكن تباينت آراؤهم حول ركنيّة هذا السعي:
فقال الإمامية والمالكية والشافعية: إن السعي ركن من أركان الحج.
واعتبره أبو حنيفة واجباً وليس ركناً.
وروي عن أحمد بن حنبل روايتان: إحداهما أنه اعتبره ركناً، والأخرى أنه اعتبره واجباً.
وعدد أشواط السعي سبعة عند جميع الأئمة. وعلى الساعي أن يبدأ بالصفا ويختم سعيه بالمروة. وأن يعود من المروة إلى الصفا، وهكذا دواليك حتى يتم الأشواط السبعة، ويحسب الذهاب شوطاً مستقلاً، وكذلك الإياب، فيكون السعي فعليّاً أربعة أشواط من الصفا إلى المروة، وثلاثة أشواطاً إياباً من المروة إلى الصفا. واتفق كذلك الأئمة على جواز الركوب مع القدرة على المشي، ما عدا الحنبلية فإنهم لم يجوزوا الركوب إلا للعاجز.
- أحكام السعي: يتفق الأئمة على أنَّ غير القادر على السعي، ولو بواسطة الركوب، يمكنه أن يستنيب غيرَهُ ليسعى عنه، ويصحُ حجُّة بذلك. ولا بأس من الالتفات يميناً أو يساراً في أثناء السعي، سواء في الذهاب أو الإياب.ومن زاد على سبعة أشواط عمداً بطل سعيُهُ، ولكنه لا يَبطلُ إن كانت الزيادة سهواً.
وعن الشك في عدد الأشواط:
- قال الإمامية: إذا شك الحاج في عدد الأشواط التي قام بها، أو في صحتها، وذلك بعد انتهائه، وفراغه من سعيه، بنى على صحته، ولا شيء عليه.
- وقال الأئمة الأربعة: إن من شك في عدد الأشواط أخذ بالأقل، كما في الصلاة.
2 - الصعود:
يستحب الصعود على صخرة الصفا، وصخرة المروة، والدعاء من فوقهما، بما أوتي الحاجُّ أو المعتمر من أدعيةٍ حول أمور الدين والدنيا وهو يتلو أدعيتهُ ووجهُهُ نحو بيت الله الحرام. فالمشهور عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه خرج من باب الصفا، ثم رَقِيَ على الصخرة حتى رأى البيت، فاستقبله، فوحَّد اللهَ تعالى وكبَره ثلاثاً، ثم حَمِدَهُ بالقول: «لا إله إلاّ اللهُ، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يُحيي ويُميت وهو على كل شيء قدير. لا إله إلاّ اللهُ وحده، أنجزَ وعدَهُ، ونصَرَ عبدَه، وهَزَمَ الأحزاب وحدَه». ولذلك يستحب الصعود على الصفا وإطالة الوقوف عليه، وهناك يكبِّر الحاجُّ اللهَ تعالى سبع مرات ثم يدعو قائلاً: «لا إله إلاّ اللهَ، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت وهو حيٌّ لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير». ويكرر الحاجُّ هذا الدعاء ثلاث مرات.
- ويستحب استلام الحجر الأسود.
- ويستحب أيضاً الشرب من ماء زمزم، والصبُّ منه على الجسم والخروج المقابل للحجر الأسود.
3 - التقصير:
- قال الإمامية: إن للحاجّ أن يختار عندما يقصّر أن يأخذ من شعر الرأس أو من الشارب أو اللحية.
وقال أبو حنيفة: يكفي الربع من شعر الرأس.
- وقال مالك وأحمد: لا بد من استيعاب كامل شعر الرأس بالحلق أو التقصير.
- وقال الشافعي: يكفي أن يحلق أو يقصّر الحاج ثلاث شعرات.
وقد اتفق الأئمة على أن تقصير الشعر هو من المناسك الواجبة، أي هو عبادة واجبة، وليس بركن من أركان الحج. وبه يتحلل المُحرِم من إحرامه.
التقصير في العمرة:
- قال الإمامية: إذا سعى المعتمر بعمرة التمتع تعيّن عليه التقصير، ولا يجوز له الحلق. ومتى قصَّر له ما حرم عليه. وإذا حلق عليه أن يكفِّر بشاة. أما إذا كان معتمراً بعمرة مفردة، فهو مخير بين الحلق والتقصير، سواء أكان معه هدْيٌ أم لم يكن.
وإذا ترك التقصير عمداً، وكان قاصداً حج التمتع، وأحرم للحج قبل أن يقصر بطلت عمرته، ووجب عليه أن يحجَّ حجة الإفراد، أي يأتي بأعمال الحج، ثم يأتي بعدها بعمرة مفردة.
- وقال الأئمة الأربعة: إذا فرغ من السعي فهو مخيَّر بين الحلق والتقصير. أما الإحلال مما حرَّم الله تعالى عليه، فينظر فيه: فإن كان المعتمر غير متمتع يحل التقصير أو الحلق، سواء أكان معه هديٌ أم لم يكن. وإن كان المعتمر متمتعاً فيحلُّ إن لم يكن معه هديٌ، ويبقى محرماً إن كان معه هدي(+).
التقصير في الحج:
اتفق جميع الأئمة على أن التقصير الثاني هو من أفعال الحج بأنواعه الثلاثة: التمتع، والقران، والإفراد. ويأتي به الحاج بعد الذبح لقوله تعالى: {وَلاَ تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} [البَقَرَة: 196].
والحاج مخيّر بين التقصير والحلق، والحلق أفضل من التقصير.
كما اتفق الأئمة على أن النساء ليس عليهن حلق، بل عليهن التقصير.
وعن مكان التقصير أو الحلق: - قال الإمامية يجب أن يكون في منىً. بينما قال الأئمة الأربعة أنه يجب أن يكون في الحرم.
حكم الأصلع:
قالت جماعة من الإمامية وأبو حنفية: إن الأصلع، من لا شعر في رأسه، يجب إمرار الموسى على رأسه.
وقال المالكية والشافعية والحنبلية: إمرار الموسى على رأسه مستحب وليس بواجب.
الوقوف في عرفة:
هو العمل الثاني في الحج. فقد اتفق جميع الأئمة على أن العمل الثاني في الحج، بعد الإحرام، هو الوقوف في عرفة. وهو ركن من أركان الحج. ولا فرق بين أن يكون الحج متمتعاً أو مفرداً، ولكن يجوز للمفرد والقارن القادمين إلى مكة أن يطوفا (بعد الإحرام، وقبل الخروج إلى عرفة) طواف القدوم، الذي هو أشبه بركعتي التحية للمسجد، أما المتمتع فيكتفي بطواف العمرة عن طواف القدوم.
قبل الوقوف في عرفة:
وكما اتفق عليه جميع الأئمة، يستحب للحاجِّ أن يخرج من مكة مُحرماً يوم التروية(+)، متوجهاً إلى منىً في طريقه إلى عرفة. وتجوز المبادرة إلى عرفة قبل يوم التروية بيوم أو يومين، وبصورة خاصة للمريض، والشيخ الكبير، والمرأة، ومن يخاف الزحام. كما يجوز التأخير إلى صباح اليوم التاسع على أن يكون عند الزوال في عرفة.
وقت الوقوف في عرفة:
باتفاق الجميع إن وقت الوقوف في عرفة هو اليوم التاسع من ذي الحجة.
ولكن تباينت آراؤهم حول ابتداء الوقف وانتهائه من هذا اليوم:
- قال الإمامية: من زوال التاسع من ذي الحجة إلى غروب شمسه. أما المضطر فإلى طلوع الفجر.
- وقال الحنفية والمالكية والشافعية: يبتدئ من وقت الزوال في اليوم التاسع إلى فجر اليوم العاشر.
- وقال الحنبلية: بل من فجر التاسع إلى فجر العاشر.
واتفق الأئمة على أنه يستحب الغسل، تماماً كغسل يوم الجمعة، ولا شيء على الحاج للقيام به من الأعمال أثناء وقوفه على جبل عرفات سوى الحضور في أي جُزءٍ منه، ولو كان نائماً، أو مستيقظاً، أو راكباً، أو ماشياً، أو مستلقياً أو قاعداً.
شروط الوقوف في عرفة:
قال جميع الأئمة إنه لا تشترط الطهارة للوقوف في عرفة، ولكنها تستحب، كما يستحب استقبال القبلة، والإكثار من الاستغفار، والدعاء، مع الخشوع والخضوع لله الواحد القهار.
وعن النية والقصد: قال الإمامية والمالكية: لا بد من النية، وقصد الوقوف في عرفة. والقصد يستدعي العلم بها، فلو مرَّ بها وهو لا يعلم، أو علم ولم يقصد الوقوف المأمور به، لا يعتبر وقوفاً.
وقال الحنفية: لا تشترط النية، ولا العلم، ولا العقل. فمن حضر عرفة في الوقوف المحدد صحَّ حجه.
وقال الشافعية والحنبلية: لا يشترط القصد ولا العلم. وإنما الشرط أن لا يكون الحاج مجنوناً، ولا سكران، ولا مغمىً عليه.
الوقوف في المزدلفة(+):
اتفق جميع الأئمة على أن الحاجَّ يتوجه من عرفة إلى المزدلفة، وفيها المشعر الحرام المراد بقوله تعالى: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ} [البَقَرَة: 198].
واتفقوا كذلك على أن الحاج يستحب له أن يؤخر صلاة المغرب من ليلة العيد إلى المزدلفة، أي إذا غربت الشمس في عرفة فعليه الإفاضة منها قبل الصلاة إلى المشعر الحرام وعليه أن يصلي المغرب هناك.
المبيت في المزدلفة:
- قال الإمامية والمالكية: لا يجب المبيت في المزدلفة، ولكنه الأفضل والأحوط.
- وقال الحنفية والشافعية والحنبلية: يجب المبيت في المزدلفة، ومن تركه فعليه أن يضحّي.
الوقوف في المشعر الحرام(+):
- قال الإمامية والحنفية: يجب الوقوف بالمشعر الحرام بعد طلوع الفجر. فلو أفاض الحاج قبل طلوع الفجر مختاراً، عامداً، بعد أن وقف ليله، جَبَره بشاة.
والوقوف بالمشعر الحرام له قدر كبير عند الإمامية، ولذا قالوا: من فاته الوقوف في عرفة، وأدرك الوقوف بالمشعر الحرام قبل طلوع الشمس، تمَّ حجُّه.
- وقال المالكية والشافعية والحنبلية: يجوز الخروج من المزدلفة بعد منتصف الليل. ولكن من المستحب أن يبقى الحاج إلى طلوع الفجر لأنه سُنَّةٌ من سُننِ الحج، وليس فرضاً.
حصيات الجمار:
قال الأئمة: يستحب للحاج أن يأخذ حصيات الجمار من المزدلفة إلى منى. ويجوز أخذها من حيث شاء. وقالوا: يستحب له الطهارة الكاملة، والتهليل، والتكبير، والدعاء لله العلي العظيم.
مناسك منى:
اتفق الأئمة جميعاً على أن المناسك التي تلي الوقوف بالمشعر الحرام هي مناسك منى.
وفي منى تنتهي واجبات الحج. وتسمى الأيام الثلاثة التي تلي العيد أيام التشريق(+).
ومناسك منى، في يوم العيد، ثلاثة هي: رمي جمرة العقبة، والذبح، والحلق أو التقصير.
جمرة العقبة: اتفق الأئمة على أن من الواجب على كل حاج رمي الجمار في منى متمتعاً كان، أو قارناً، أو مفرداً. وعدد الحصى عشر، وهي موزعة على أربعة أيام:
وفي اليوم الأول: وهو يوم العيد ترمى فيه حصاة واحدة، وتسمى جمرة العقبة.
في اليوم الثاني: وهو يوم الحادي عشر من ذي الحجة، وترمى فيه ثلاث جمار.
في اليوم الثالث: ثلاث جمار.
في اليوم الرابع: ثلاث جمار. هذا إن بات الحاج بمنىً ليلة الثالث عشر، وإلاّ فلا رمي عليه في هذا اليوم.
وباتفاق جميع الأئمة أن من رمى جمرة العقبة في الوقت المتخلل بين طلوع الشمس وغيابها في اليوم العاشر أجزأه ذلك وكفى، أي يغنيه عن رمي باقي الجمار. وقالوا أيضاً: لا يجوز رمي جمرة العقبة قبل الفجر، فإن رماها قبل الفجر، من غير عذر، أعاد. ولذا أجازوا التقديم بعذر كالعجز، والمرض، والخوف. إلاّ الشافعية فقد قالوا لا بأس بالتقديم، لأن الوقت المذكور للاستحباب لا للوجوب.
شروط الرمي:
اتفق الأئمة على أن الرمي يكون بسبع حصيات. وأن يرميها الحاجُّ حصاةً فحصاةً بصورة إفرادية. وأن تصل كل حصاة إلى الجمرة، أي الهدف المعلوم، وهو ما يقصد به: دحر الشيطان. وأن يكون إيصالها بواسطة الرمي. ولا يشترط الطهارة في الرمي، وإن كان من الأفضل أن يكون الرامي طاهراً. ويستحب أن يكون الرامي راجلاً، ويجوز له راكباً، وأن لا يكون بعيداً عن الجمرة، أي الهدف، أكثر من عشرة أذرع. وأن يكون الرمي باليد اليمنى، مصحوباً بالدعاء إلى الله تعالى، بما شاء الحاج من الأدعية ومن المأثور هذا الدعاء: «اللهم اجعله حجّاً مبروراً، وذنباً مغفوراً. اللهم إنّ هذه حصيّاتي، فأَحْصِهِنَّ لي، وارفعهنَّ في عملي.. الله أكبر، اللّهم ادحر الشيطانَ عني».
الشك في الرمي:
اتفق الأئمة على ان الحاج إذا شك في أنه أصاب الهدف أو لا، بنى على عدم الإصابة. وإذا شك في العدد بنى على الأقل، لأن الأصل عدم الزيادة.
وإن جمرة العقبة هذه، هي أول منسك يؤديه الحاج من مناسك منى في يوم العيد، ثم يضحّي، ثم يحلق أو يقصّر، ثم يمضي إلى مكة لأجل الطواف في يوم العيد بالذات.
الهديُ وأنواعه:
ينقسم الهدي إلى واجب ومستحب. والمستحب هو الأضحية.
ولقد جاء في تفسير قوله تعالى: {فَصَلِّ لِرَّبِكَ وَانْحَرْ *} [الكَوثَر: 2] أن الله سبحانه وتعالى آمر نبيَّهُ المرسل (صلى الله عليه وآله وسلم) بالنحر بعد صلاة عيد الأضحى. فصارت الأضحية من مناسك الحج بلا منازع. وفي رأي الإمامية والشافعية أن الأيام التي تستحب فيها الأضحية في منى أربعة: يوم العيد، والأيام الثلاثة التي تليه وهي أيام التشريق. أما في غير منى فأيام الأضحية ثلاثة فقط: يوم العيد، والحادي عشر من ذي الحجة، والثاني عشر.
وفي رأي الحنفية والمالكية والحنبلية أن أيام الأضحية ثلاثة في منى، وغير منى.
ومهما يكون القول فإن أفضل أوقات الأضحية: يوم الأضحى بعد طلوع الشمس، ومضيّ ما يتسع لصلاة العيد والخطبتين.
واتفق الأئمة على أن الدماء الواجبة والثابتة بنص القرآن الكريم هي دماء الهدي الذي ينقسم إلى أربعة أنواع.
أنواع الهدي:
1 - هدي التمتع: قوله تعالى: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البَقَرَة: 196].
2 - هدي الحلق، وهو مخيَّر بين الصيام، أو الصدقة، أو الهدي. قال عزَّ من قائل: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} [البَقَرَة: 196].
3 - هدي الجزاء: قال الله سبحانه وتعالى: {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} [المَائدة: 95].
4 - هدي الحصار: قال اللهُ عزَّ شأنه: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البَقَرَة: 196].
ويضاف إلى هذه الأنواع الأربعة: ما وجب بالنذر، أو اليمين، أو العهد.
الهدي: على من يجب؟
اتفق الأئمة على أن الهدي لا يجب على من اعتمر بعمرة مفردة ولا على الحاج المفرد. واتفقوا على وجوب الهدي على المتمتع غير المكي.
وقال الإمامية: لا يجب الهدي على القارن إلا بنذر، أو بسوق الهدي معه من الإحرام.
وقال الأئمة الأربعة: يجب الهدي على القارن، سواء نذر أم لم ينذر.
أما بخصوص المكي، فقال الإمامية: لو حجَّ المكي حجَّ التمتع يجب عليه الهدي. وقال الأئمة الأربعة: لا يجب عليه الهدي. وباتفاق جميع الأئمة أن الهدي ليس ركناً من الحج.
صفات الهدي:
اتفق الأئمة على أن الهدي يكون من الأنعام: الإبل والبقر، والغنم والماعز. ويشترط أن يكون الهدي تامّاً وخالياً من العيوب، فلا تُجزي العوراء، ولا العوجاء، ولا المريضة، ولا الكبيرة المسنَّة.
وقال الإمامية: يُجزي من الغنم ما دخل في السنة الثانية. ومن البقر والماعز ما دخل في الثالثة. ومن الإبل ما دخل في السادسة.
وقال الأئمة الأربعة: لا يجزي من الضأن إلا الجذع أي ما له ستة أشهر، ومن الماعز الثني وهو ما له سنة. ومن البقر ما له سنتان. ومن الإبل ما له خمس سنوات.
وقت الهدي ومكانه:
- قال الإمامية: إن وقت الذبح أو النحر هو يوم العيد، فإن أخَّره الحاج إلى اليوم الثاني أو الثالث أو الرابع يجزي، ولكن يأثم بالتأخير. ولا يجوز تقديم الذبح أو النحر على اليوم العاشر من ذي الحجة، أي لا يجوز أن يسبق يوم العيد.
وعن مكانه قالوا: لن يكون للمتمتع إلا بمنى، حتى لو تمتع ندباً، لا وجوباً. أما ما يساق في أيام العمرة فينحر أو يذبح بمكة المكرمة.
- وقال الحنفية والمالكية والحنبلية: إن وقت ذبح الهدي هو يوم العيد، والحادي عشر، والثاني عشر من ذي الحجة. وحصر الحنفية هذا الوقت لهدي القران والتمتع، أما غيره فلا يقيد بزمان.
- وقال الشافعية: وقت الهدي هو الواجب على المتمتع إحرامه بالحج، ويجوز تقديمه عليه، ولا حدَّ لآخره. والأفضل يوم النحر.
أما عن مكان الهدي، فقال الحنفية والشافعية والحنبلية: هو الحرم، ويشمل الحرم منىً وغيرها.
وقال المالكية: لذبح الهدي على أرض منى ثلاثة شروط:
الأول : أن يكون مسبوقاً في إحرام الحج، لا في إحرام العمرة.
الثاني : أن يقف بالهدي في عرفة جزءاً من ليلة العيد.
الثالث : أن يريد نحره في يوم العيد أو تاليه.
وعلى أية حال، فإن الهدي جائز نحره بمنىً، عند جميع الأئمة، وهو الأفضل. والفرق بين الإمامية وغيرهم أنه يعيّنون منى، بينما غيرهم من الأئمة أجازوا التخيير بين منى وغيرها من أجزاء الحرم.
لحم الهدي:
- قال الإمامية: يتصدق الحاج بثلث هديه على الفقير المؤمن، ويهدي الثلث الآخر إلى المؤمنين حتى ولو كانوا أغنياء، ويأكل من الثلث الباقي.
- وقال الحنفية: دم القران والتمتع دم شكر فيأكل منه صاحبه.
- وقال المالكية: يأكل الحاج من الهدي كله، إلاّ فدية الأذى، وجزاء الصيد، وما نذر للمساكين، وهدي التطوع إلاّ إذا عطب قبل محله.
- وقال الشافعية: كل ما كان واجباً من الهدي لا يجوز الأكل منه، وكل ما كان تطوعاً يجوز الأكل منه.
بدل الهدي:
اتفق الأئمة جميعاً على أن الحاج إذا لم يجد الهدي ولا ثمنه يمكنه البدلُ عنه، وهو صوم عشرة أيام: ثلاثة منها متتابعات في أيام الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله، لقوله تعالى: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} [البَقَرَة: 196]. وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «فمن لم يجد هدياً فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله»(+).
ولا يجوز صومها في طريق العودة.
وتعتبر القدرة على الهدي في مكانه، فمن عُدم من موضعه، أي لم يكن قادراً على إيجاد الهدي أو بدله في المكان المحدّد عند الأئمة، انتقل صاحبه إلى الصوم، حتى ولو كان قادراً عليه في بلده، لأن وجوبه مؤقت. وما كان كذلك اعتبرت القدرة عليه مؤقتة، تماماً كالماء في الطهارة من أجل الصلاة، أو غيرها من العبادات.
التوكيل بالذبح:
قال جميع الأئمة بأنه يجوز للحاجّ أن يوكل غيره بالذبح عنه، وإن كان يُفَضَّلُ أن يتولَّى بنفسه. ولذا يعتبر الذبح من الأفعال التي تقبل النيابة، على أن ينوي الوكيل النيابة في الذبح عن الأصيل.
المبيت بمنى:
قال الأئمة: إذا انتهى الحاج من الطواف وجب عليه العودة إلى منى في ليالي التشريق (أي ليلة الحادية عشر، وليلة الثاني عشر، وليلة الثالث عشر) إلا إذا تعجل وخرج بعد الزوال وقبل غروب الشمس في اليوم الثاني عشر فلا يجب عليه شيء، والحال هذه في اليوم الثالث عشر لقوله تعالى: {فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ} [البَقَرَة: 203].
وفي تلك الليالي، لا يتوجب على الحاج عمل شيء من الأعمال في منى، اللّهم إلاّ ما يستحب من التهجد وذكر الله تعالى، والدعاء.
واتفقوا على أن المبيت هو نسك من المناسك وليس ركناً.
ولكنهم لم يتفقوا حول ترك هذا المبيت:
فقال الإمامية: إذا بات بغير منىً، فإن كان بمكة مشتغلاً بالعبادة حتى أصبح فلا فدية عليه.
أما إذا بات غير متعبِّد، أو إذا بات في غير مكة وإن تعبَّد، كان عليه عن كل ليلة شاة، حتى ولو كان ناسياً أو جاهلاً.
وقال الحنفية: المبيت بمنى سُنَّة، وليس بواجب.
وقال المالكية: عليه فدية.
وقال الشافعية: عليه أن يُكَفِّر بِمُدّ.
وقال الحنبلية: لا شيء عليه.
رمي الحصى أيام التشريق:
اتفق جميع الأئمة على أن يرميَ الحاجُّ أيام التشريق، وفي كل يوم من الأيام الثلاثة، إحدى وعشرين حصاة، على ثلاث دفعات، في كل مرة سبع حصيّات. يبتدئ بالأولى وهي أبعد الجمرات من مكة، وتلي مسجد الخيف، ويكبّر عند رمي كل حصاة، ويدعو الله سبحانه وتعالى لنفسه وأهله، ولعامة المسلمين بالخير.
ثم يتقدم إلى الجمرة الثانية، وتسمى الوسطى ويقف عند يسار الطريق، ويستقبل القبلة، ويحمد الله تعالى ويُثني عليه، ويُصلّي على محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم يَتَقَدَّمُ قليلاً، ويدعو، ثم يرمي الجمرة. ويصنع كما صنع في الأولى، ويقف ويدعو أيضاً بعد الحصاة الأخيرة. ثم يمضي إلى الجمرة الثالثة، وتسمى أيضاً بجمرة العقبة ويرميها كالسابقة ولكن لا يقف عندها. وبهذه يختم الرمي.
ويقول جميع الأئمة: إن الحاجَّ إذا بات بمنى حتى ليلة الثالث عشر، فيرمي كل يوم إحدى وعشرين حصاة، تضاف إلى السبع التي رماها يوم العيد، فيكون مجموع ما رماه في منى قد تم على السبعين حصاة.
ويقولون أيضاً: على أنَّ الرامي يجوز أن يكون راكباً أو ماشياً. ولكن المشي أفضل، ويجوز لمن لديه عذر أن ينيب عنه.
وللحاجّ أن يكتفي بيومين من أيام التشريق، فيخرج من منى قبل غروب يوم الثاني عشر. فإن غربت شمسه وهو لا يزال في منى، وجب عليه المبيت والرمي في الثالث عشر.
ولكن الإمامية قالوا: إنما يجوز هذا الخروج والتعجيل لمن كان قد اتقى الصيد والنساء في إحرامه. وإلا فيجب عليه المبيت في ليلة الثالث عشر.
وقال جميع الأئمة: يستحب بعد الانتهاء من مناسك منى أن يطوف الحاجُّ طواف الوداع. وإذا حاضت المرأة أثناء ذلك، فلا وداع عليها.
وبهذا يُتِمُّ أعمالَهُ مبرورةً إن شاء الله تعالى.
الحج بالصورة العملية
تنبيهات عامة:
عندما ينوي المسلمُ أن يحجَّ إلى بيت الله الحرام، عليه أن يقوم بالاستعدادات التالية:
- يجهِّز جواز السفر.
- يحصل على التأشيرة اللازمة للدخول إلى السعودية.
- يحصل على البطاقة الصحية.
- يقطع تذكرة السفر بالطائرة، أو يتفق مع أحد المسؤولين عن قوافل حجّاج البر للسفر بالسيارة (الأتوبيس أو البوسطة).
- يبدِّل عملة بلاده (المال الذي يحمله معه) بعملة سعودية من أحد المصارف.
- يحضِّر الإزار والرداء من اللون الأبيض (وهما عبارة عن منشفتين كبيرتين جديدتين أو مستعملتين شرط طهارتهما ونظافتهما. وتُعدُّ المرأةُ ملابس الإحرام لها.
- يجهز صندل الرجلين، فلا ينتعل حذاءً مخيطاً بل «شحَّاطة» أي ما يظهر منه الكعبان ولا يغطي منه الكعبان ولا يغطي قبة القدم.
- يُعدُّ حزاماً جلديّاً لوسطه أو زنَّاراً ذا جيوب حتى يضع فيها النقود التي يحملها معه.
- يشتري حقيبة جلدية صغيرة ليضع فيها جواز سفره وأوراقه وبعض نقوده.
- يحضِّر مظلّة تقيه وهج الشمس لأنه لا يجوز له بعد أن يحرم أن يغطي رأسه بطاقية أو قلنسوة أو عمامة أو طربوش أو أي شيء.
- يحضِّر جلباياً أبيض (عباءة) ليلبسها بعد التحلل من الإحرام.
- يحمل معه شيئاً خفيفاً من المأكولات (إذا رغب في ذلك).
- لا يحمل معه أشياءَ ثقيلةً قد تُرهقُهُ ولا تنفعه.
- عندما يصل إلى مكة المكرمة يستأجر مكاناً للنزول فيه طيلة أيام الحج وحتى رجوعه إلى بلده
أداء فريضة الحج:
عندما يحين وقت السفر إلى الحج، وقبل أن يغادر الحاجُّ منزله يصلي ركعتين، هما ركعتا السفر:
الركعة الأولى : ويقرأ فيها «سورة الفاتحة» و«سورة الكافرون» أي يصلي قائلاً: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ *} [الفَاتِحَة: 1-7] ! " £ $ {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلاَ أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلاَ أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُّمْ * وَلاَ أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ *} [الكافِرون: 1-6].
الركعة الثانية : ويقرأ فيها «سورة الفاتحة» و«سورة الإخلاص»، أي يقول:
! " £ $
{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ *} [الإخلاص: 1-4]. ثم يركعُ ويسجدُ ويتشهَّدُ ويسلِّم.
- بعد الفراغ من صلاة السفر ينوي الحاجُّ (إذا لم يكن قام بعمرة التمتع سابقاً) أن يؤدي فريضة الحجّ على مرحلتين: عمرة التمتع، وحج التمتع.
- عندما يَصلُ الحاجُّ إلى المدينةِ يَقومُ بزيارةِ الرسولِ (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمةِ الطاهرينَ (عليهم السلام).
- بعد الفراغ منَ الزيارةِ يتحرَّكُ موكبُ الحجاجِ إلى مكةَ المكرمة استعداداً لأَداء مناسِكِ العُمرة والحج.
الإحرام:
وتَبدأُ هذه المناسكُ بالإحرام. ويكونُ الإحرامُ من مسجدِ الشجرة «ذو الحليفة» وآبار علي (عليه السلام) الذي يَبعُدُ عن المدينة المنورةِ 25 كيلو متراً.
أي أنَّ الإحرامَ يَتمّ بلباسِ الإزارِ والرداءِ من مسجد الشجرة (الذي يُعتبرُ ميقاتَ أهل المدينة المنورة).
التلبية(+):
منذ الشروع بالإحرامِ يبدأُ الحاجُّ بالتلبيةِ وهي أَنْ يَقول: «لَبَّيْكَ اللّهمَّ لَبَّيْكَ. لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لكَ لَبَّيْكَ. إنَّ الحمدَ والنعمةَ لَكَ والمُلك. لا شريكَ لَكَ لَبَّيْك».
التطيّب بالروائح العطرة:
لا يجوزُ بعدَ الإحرامِ أن يضَعَ الحاجُّ - رجلاً كانَ أو امرأةً - الروائح العَطِرة، ولا أَنْ يَشُمَّها، أو يَأْكُلَ شيئاً منها. كما لا يَجوزُ لَهُ الارتمـاسُ في المـاء (أي الغطس بكل جسـمِهِ فيه) إلاَّ اَنَّهُ يَجـوزُ له أن يَغسِـلَ رأسَهُ، وأَنْ يَفيضَ عليه المـاءَ. كما لا يَجـوزُ لِمَـنْ أَحرَمَ أن يقصَّ أظافِرَهُ، أو أن يَحلِقَ الشَعرَ أو يَقصَّهُ إلى حين التقصير (كما سنرى).
الوصول إلى مكَّة المكرَّمة:
ويَستمرُ المُحرمُ على التلبيةِ مِنَ الميقات - أو من محاذاته - إلى أَنْ يَصلَ مكةَ المكرمةَ ويَقَعَ بَصَرُهُ على الكعبةِ الشريفة، فيهلِّل ثلاثَ مراتٍ: لا إِله إلاّ اللهُ.. ويكبِّر ثلاثَ مرات: اللهُ أكبرُ.. ثم يدعو قائلاً: «لا إله إلاَّ اللهُ وَحدَهُ لا شريكَ لَه. لَهُ الملكُ ولَهُ الحمدُ وَهُوَ على كل شيءٍ قدير. اللهمَّ زِدْ بَيتَكَ تَشريفاً وتكريماً وتَعْظيماً وَمَهابةً ورِفْعةً وبِراً. وَزِدْ مِنْ شرفِهِ، وَكَرِّمْهُ، وَعَظِّمْهُ مِمَّنْ حَجَّهُ أو اعتمرَهُ تَشْريفاً وتكريماً وَمَهابةً ورِفْعةً وبِراً. لبيك اللهمَّ لبيكَ. لبيكَ لا شريكَ لَكَ لبيكَ. إنَّ الحمدَ والنعمةَ لَكَ والملك. لا شريكَ لَكَ لبيك».
عمرة التمتع
وواجباتها خمسة، على الشكل التالي:
1 - الإحرام: ويكون - كما قلنا - مِنْ مسجد الشجرةِ بالنسبة للقادمينَ مِنَ المدينةِ المنورة.
ويقصدُ الحاج نية عمرة التمتع ويقول: «أُحْرِمُ لِعْمرةِ التمتعِ لحجةِ الإسلامِ الواجبةِ لنفسي قُربةً إلى الله تعالى» بعد أَنْ يغتسل. ثم يبدأ بالتلبية، وبعدها يذهبُ إلى طوافِ القدوم(+).
2 - الطواف: بعد الانتهاءِ مِنْ طوافِ القُدوم (ويمكن أنْ لا يقومَ به الحاجُّ لأنه مُستحب) عليه القيامُ بطواف العمرة، فينوي ويقول: «أطوفُ سبعةَ أشواطِ حول البيتِ لعُمرةِ التمتعِ لحجِ الإسلامِ الواجبِ لنفسي قُربةً إلى الله تعالى».
ويدعو أثناء الطواف قائلاً: «بسم الله. واللهُ أكبرُ وللهِ الحمد. اللّهمَّ إيماناً بكَ وتَصْديقاً بكتابِكَ، وفاءً بِعَهْدِك، واتّباعاً لِسُنَّةِ نبيِّك محمدٍ (صلى الله عليه وآله وسلم)».
ويكونُ الطوافُ سبعةَ أشواط ، ابتداؤها مِنْ مُحاذاةِ الحجرِ الأسودِ وانتهاؤُها من محاذاتِه.
ويُستحبُ أَنْ يَدعوَ أثناءَ الطوافِ بِدُعاءٍ آخَرَ يقولُ فيه: «اللَّهُمَّ اجْعلها عُمرةً مبرورةً، وذَنْباً مغفوراً، وسعياً مَشْكوراً. ربِّ اغْفِرْ وارحَمْ، واعْفُ عمَّا تَعْلمَ، إِنَّكَ أَنتَ الأَعَزُّ الأَكْرَم. رَبَّنا آتِنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرةِ حسنةً وقِنَا عَذَاب النار».
2 - صلاة الطواف: بعد أَن ينتهيَ مِنَ الأَشواطِ السبعة، يُصلي خلفَ مقامِ إبراهيمَ (عليه السلام).
ونيّةُ هذه الصلاة أَنْ يقول: «أُصلي رَكعَتَيْ طوافِ عُمرةِ التمتع لحجةِ الإسلامِ الواجبةِ لنفسي قربةً إلى الله تعالى». ثم يؤدي ركعتَيْن مٍثلَ صَلاةِ الفجر (وَهُوَ مخيّر فيها بينَ الجهرِ والإِخفات).
وإذا لم يقدرْ على أدائها خَلفَ مقامِ إبراهيمَ، فيمكنُ أنْ يُصليَها في أي مكانٍ في المسجدٍ مُراعياً الأَقربَ فالأَقرب.
4 - السعي: ونيتُهُ: «أَسعى سبعة أشواطِ بينَ الصفا والمروةِ لعُمرةِ التمتعِ لحجة الإسلامِ الواجبةِ لنفسي قُربةً إلى الله تعالى». ويكونُ السعيُ بين الصفا والمروة سبعةَ أشواطِ.
يَبدأُ من الصفا إلى المروة، ويعود من المروةِ إلى الصفا، ويُعتبر الذهاب شوطاً، والإِيابُ شوطاً آخَرَ.
ويُستحبُّ أثناء السعيِ الدعاءُ لله تعالى، كما في هذا الدعاء:
«ربَّنا تَقَبلْ مِنَّا، وعَافِنا واعْفُ عَنَّا، وعلى طاعتِكَ وشُكرِكَ أَعِنَّا، وعلى غيرِك لا تَكِلْنا، وعلى الإِيمانِ و الإسلامِ الكاملِ تَوَفَّنَا وأَنتَ راضٍ عَنَّا، اللّهم ارحمني بتركِ المعاصي أَبداً ما أَبْقَيتَني، وارحَمْني مِنْ أَنْ أَتكَلَّفَ ما لا يَعْنِيني، وارزقْني حُسنَ النظر فيما يُرضيكَ عَني يا أَرحمَ الراحمين».
ويمكنْ قراءة القرآن أثناءَ السعي، أو الدعاء بأيِّ دُعاءٍ آخر.
5 - التقصير: ونيته: «أُقصِّرُ للإِحلالِ من إِحرام عُمرةِ التمتعِ لحجةِ الإسلامِ الواجبةِ لنفسي قُربةً إلى الله تعالى». ثم يأْخذّ الحاج شيئاً مِنْ شعرِهِ أو أظافِرِه، فيحلّ مِنَ الإِحرام.
(وليسَ شيءٌ يمنعُهُ أنْ يَبْقى على إِحرامِهِ دونَ أن يُقصرَ أو يحلَّ من الإحرام حتى يُتمَّ مناسِكَ الحج).
وهنا تنتهي مرحلةُ عُمرةِ التمتع.
الذهاب إلى بئر زمزم:
يُستحبُ للحاج أن يذهبَ بعد الانتهاءِ من عُمرةِ التمتع إلى بئرِ زمزمَ، فيشربَ من مائِها الطاهرة، أو يَصبّ على رأسِهِ، وَجَسدِه.
الإقامة في مكة المكرمة إلى بدء الحجّ:
يبقى الحاجُّ مقيماً في مكة المكرمة، حتى تَبدأَ مناسِكُ الحجِّ وذلك في اليومِ الثامِنِ من ذي الحجة (ويُسمى يوم التروية).
حجُّ التمتع
1 - الإحرام: والنية فيه: «أُحِرمُ لحجِّ التمتعِ حجةِ الإسلامِ الواجبةِ لنفسي قُربةً إلى الله تعالى».
2 - الوقوف في عرفات: يخرج الحاجُّ إلى جبلِ عرفات مُحرِماً وملبّياً (ويمكنه الخروجُ في اليوم السابع). وفي الطريق يَمُرُّ بِمِنىً (فمنْ أرادَ المبيتَ فيها باتَ حتَى تبزغَ شمسُ التاسعِ فيذهبَ إلى جبلِ عرفات).
عندما يصل إلى عرفاتِ يعقِدْ النية فيقول: «أَقِفُ في عرفات. لحجِّ التمتع حجةِ الإسلامِ الواجبةِ لنفسي قُربةً إلى الله تعالى».
وفي عرفات يجمَعُ بين صلاتَي الظهرِ والعصرِ مع القَصر.
وأثناءَ وجوده في عرفات يَدعو ما شاءَ لَهُ من الأَدعية، ومنها هذا الدعاءُ:
«لا إله إلا اللّهُ وحدَه لا شريكَ لَهُ لَهُ الملكُ. ولَهُ الحمد. يُحيي ويُميتُ وهُوَ حيٌ لا يَموت. بيدهِ الخيرُ وهوَ عَلى كل شيءٍ قدير. اللَّهُمَّ إني قدْ وفَدتُ إليك، بينَ يديْكَ في هذا الموضعِ الشريف، رَجاءً لما عِندكَ يا كريمُ، فأَكْرِمني بالجنةِ وأَجِرْنِي مِن النار. انقطَعَ الرجاءُ إلا منكَ، وأَغْلقتِ الأبوابُ إلاّ بابك، فلا تَكِلْني إلى أحدٍ سواكَ في أُمورِ ديني وَدُنيايَ طرفَةَ عين. وأعِذْني مِنَ الشرِّ كلِّهِ، واجْمعْ ليَ الخيرَ كُلَّهُ، يا أَكرَمَ مَنْ سُئِل وَأَجوَدَ من أَعطى».
ويجبُ البقاءُ في عرفات(+) حتى غروبِ الشمس. ومن ثَمَّ تكونُ الإِفاضَةُ مِنْ عرفات إلى المُزدلفة.
3 - في المزدلفة: يصلي الحاجُّ صلاتَي المغربِ والعشاءِ فيجمعُ بينهما مع القصر(+).
ثم يجمعُ من 49 - 70 حصاة صغيرة (حسب أيام الرمي التي ينويها).
ويبيتُ الحاجّ في المزدلفة(+) حيثُ يقفُ عند المَشْعَرِ الحرام(+) ليلة العيدِ مِنْ طلوع الفجر حيث يعقد النية وهذه صيغتها: «أَقفُ في المزدلفة من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس لحج التمتع حجة الإسلام الواجبة لنفسي قربة إلى الله تعالى» ثم يُصلي ركعتَي الفجر، ويُهلل ويكبّر، ويَدعو اللهَ تعالى إلى شروقِ الشمس من صباح يوم العيد.
4 - الإفاضة إلى منى: يخرجُ الحاجُّ بعد شروق الشمس من المزدلفة إلى مِنىً، حيث يقومُ بأعمالِ يوم العيد وهي حسب الترتيب التالي:
1 - رمي جمرة العقبة حيث يَرمي حجرةَ العقبة الكبرى بسبع حصيّات وهو ينوي قائلاً: «أَرمي جمرة العقبة سبعَ حُصياتِ لحجِ التمتعِ حجةِ الإسلامِ الواجبة لنفسي قُربةً إلى الله تعالى».
ويستمر الرميُ مِنْ طلوعِ الشمس حتى غيابها. أي يُمكنُ للحاجّ أن يقومَ برمي جمرة العقبة في أي وقتٍ طوال نهار العيد.
2 - الذبح أو النحر في منى: والنيةُ فيه أن يقول: «نويتُ النَّحر لحجِ التمتعِ حجةِ الإسلام الواجبة لنفسي قربة إلى الله تعالى».
ويجبُ أنْ يتمَّ هذا النحرُ في النهار. ومعنى النحرِ أن يَشتري الحاجُّ إحدى الأَنعام فيذبحها قُربةً إلى الله تعالى - أوُ يكلف غيره بذبحها - وله أن يأكل منها، ويوزِعها على الفقراء.
3 - الحلق أو التقصير: ونيته: «أَحلقُ للإحلال من إحرام حج التمتعِ حجةِ الإسلامِ الواجبةِ لنفسي قُربةً إلى الله تعالى. ويمكنُ أنْ يُقصِّرَ بَدَلَ أنَ يحلقَ شَعرَه (إذا كان يحجُّ للمرَّةِ الثانية عند الإمامية). ويجبُ أن يتمَّ الحَلقُ (أو التقصير) في النهار.
ولا يجوزُ للنساء الحلقُ بل يتعيّنُ عليهنَّ التقصير.
ويحلُ له بعد الحلق أو التقصير ما حرم عليه إلاّ النساء والطيب(+).
وبذلك تنتهي أعمال يوم العيد.
الواجبات التي تلي أعمال يوم العيد:
بعد الرمي، والذبح والحلق (أو التقصير) يعودُ الحاج في يوم العيد نفسِهِ إلى مكّة المكرمة حيثُ يقومُ بالأعمال التالية:
1 - طواف الزيارة: سبعة أشواط حول الكعبة الشريفة.
2 - صلاة الطواف: ركعتان خلف مقام إبراهيم (عليه السلام) أو في قربه(+).
3 - السعي: بين الصفا والمروة سبعة أشواط.
4 - طواف النساء: سبعة أشواط حول الكعبة الشريفة (وهذا الطواف واجب عند الشيعة الإمامية دون سائر المذاهب الأخرى) وفي كل مرةٍ يعقدُ النية، ويتلو الأدعية، كما مرَّ معنا في السابق).
ومِنْ بعد طواف النساء يَحِلُّ للحاج كلُّ ما كان محرماً عليه أثناءَ المناسك السابقة، بما في ذلك النساء، والروائحُ الطيبة.
المبيت في منى:
ويعودُ الحاجُّ في نفسِ يومِ العيد، إلى منىً حيثُ يَبيتُ ليلةَ الحادي عشر وليلة الثاني عشر.
في اليوم الحادي عشر (أي ثاني يوم العيد) ومنذُ زوالِ الشمس بعد الظهيرة وحتى غروبها يرمي الجمار الثلاث: الجمرةَ الصُغرى، ثم الجمرة الوسطى، ثم جمرة العقبةِ أو الجمرةَ الكبرى.
وفي اليوم الثاني عشر يَقومُ بالرمي كما فعلَ بالأمس، وقبل الغروب يَترُكُ منىً ويذهبُ إلى مكة المكرمة (أما إذا دَخَلَ غروبُ الثاني عشر وكانَ الحاجُّ ما يزالُ في منىً فوجَبَ عليه المبيت فيها، ورمي الجمراتِ الثلاثِ قي النهار على أن يَذهبَ إلى مكةَ المكرمة إما قبلَ صلاةِ الظُهر أو بعدَها.
طواف الوداع(+):
وفي مكة يقومُ الحاجّ بطوافِ الوداع حول الكعبة الشريفةِ سبعةَ أشواط، وهو يُهلِّلُ ويكبِّر ويدعو الله تعالى بِما شاءَ مِنَ الأدعية، ومنها هذا الدعاء:
«اللّهم هذا بيتُك، وأنا عبْدُكَ وابنْ عبدكَ وابنُ أَمتِك... حَمَلْتَني على ما سَخَّرتَ لي وسَيَّرْتَني في بلادٍ حتى بلَّغْتَني بِنِعمتِكَ إلى بيتك، وَأَعَنْتَني على أدَاءِ نُسُكي.
فإنْ كُنتَ اللّهم رضيتَ عني فازْدَدْ رضىً، ولك الحمد والشكر يا سيدي ومولاي. هذا أَوانْ انْصرافي إنْ أَذِنْتَ لي غيرَ مُتَبَدِّلٍ بك ولا ببيتك، ولا راغباً عنك، ولا عن بيتك. اللّهمَ فاصْحَبْني العافيةَ في بدني، والصحةَ في جسمي، والعِصمةَ في دِيني، اللّهمَ أَحْسِنْ مُنْقَلَبي، وارْزقْني طاعتَكَ ما أَبْقيتَني، واجمعْ لي بينَ خيرِ الدنيا وخير الآخرة إنك على شيء قدير.
وَصلِّ اللَّهمَّ وسلِّمْ، وزدْ وباركْ على سيدِنا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلى آلِهِ وصحبهِ أجمعين».
وبذلك تنتهي مناسك الحج.
cetirizin netdoktor cetirizin yan etkileri cetirizin hund dosis



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB