العبادات
الطبعة : الطبعة الاولى  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   504
تاريخ النشر :   1994




الزكاة

الأصلُ في الزكاة: النموُّ والزيادةُ، وكلُّ ما يحصلُ منهما بركةً من الله تعالى. وتُعتبرُ هذه البركةُ في أمورِ الدنيا، كما في أمورِ الآخرة.. ويقال: زكا الزرعُ، يزكو زكاةً، إذا حصل فيه نموٌّ زائدٌ، وكثرت غلّتُهُ عما هو مألوف.
وإنه لمن نافلِ القولِ بأن الدّينَ الإسلاميَّ الحنيفَ يضَعُ في أولويّاته صيانةَ المجتمعِ البشريِّ من الآفاتِ المدمّرةِ التي من شأنها أن تنخرَ بنيانَهُ، وتفكّكَ كيانَه، وتزعزعَ أركانَه، حتى يضمحِلَّ ويتلاشى رويداً رويداً ثم يعمَّهُ في النهايةِ البلاءُ والاندثار. ولعلَّ من أهمِّ مقوماتِ هذا الانحلال: البعدَ عن الدين، والتماديَ في الخلاف، والغرقَ في ظلمات الجهل والتخلّف، والسعيَ للدنيا دون الآخرة...
ومن أجل تلافي مثل هذِه الشرورِ والمفاسدِ، وتفادياً لكل المساوئ التي تطرأُ على المجتمع وتطغى على أبنائه، فرضَ الإسلامُ على أبنائه الاهتمامَ بشؤون مجتمعاتهم، وبناءَها على أسسٍ سليمة وصحيحةٍ مثل العدلِ، والمساواةِ، ومحاربةِ الظلم، والعنايةِ بالفضائل والقيم، وغرس روح التعاون والإخاء والتضامن بين جميع أبنائها. وقد اعتُبرت الزكاة من أهمِّ المقوّمات التي تقوم عليها تلك الأسسُ المجتمعية، لأنها تعالج أوضاعَ الأموالِ عندما تفرضُ على الأغنياء تقديمَ جزء من أموالهم للمستحقين من أبناء المجتمع، وتشترط أن يكون المالُ حلالاً، طاهراً لا تشوبه شائبةٌ من حرام بحيث يخرجُه الإنسان المزكِّي من مالِهِ حقّاً لله تعالى، بدليل قوله عزَّ وجلَّ: {وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ *} [الذّاريَات: 19]. فهو حقٌّ لله سبحانه وتعالى، لأنه فرضهُ على عبادِهِ فرضاً، وأوجب أداءَهُ عيناً، على أن يُعطى لكلِّ من يشتملُ عليه النصُّ بقوله تعالى: {وَالْمَحْرُومِ *} [الذّاريَات: 19]..
أما السائلُ فهو الذي يسألُ الناسَ عن حقِّه ويطالبُهم به، بينما المحروم هو الذي حرم نفسَهُ حقَّ المطالبةِ بترك السؤال. وهو إن سأل لا يكونُ قد حرم نفسَهُ وإنما يكونُ الغيرُ هو الذي حَرَمَهُ، وهو إن لم يسألْ يكونُ قد حرم نفسَهُ، وحرمَهُ الناسُ، فبات مستضعفاً محروماً..
والسائلُ والمحرومُ، يمكن أن يُكنَّى بهما عن جميع الناس الذين وقعوا في العُسر، وغلبتهم ظروفُ الحياة فجعلتهم فقراءَ محتاجين حتى صاروا كَلاًّ على المجتمع، لا يستفيد هو من جهودهم وأعمالهم التي قد يقومون بها، ولا يعيشون هُم عيشةً تليقُ بكرامتهم الإنسانيّة. ولذلك كانت الزكاةُ فريضةً في أموال الأغنياء بحقٍّ معلومٍ - أي بقدرٍ محددٍ - لكلِّ من يستحقُّها.
والزكاةُ تعني أيضاً الحلال لقوله تعالى: {أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا} [الكهف: 19].. أيْ أيّ طعامٍ يكونُ حلالاً. وذلك ينطبقُ على كلِّ مالٍ حلال، مهما كان نوعُ هذا المال مما يجنيه الإنسانُ أو يكسبه أو يحوزه..
ومن مزايا الزكاةِ أنها لا تطهِّر المالَ بأدائها وحسب، بل وتطهِّر أيضاً نفسَ المزكِّي أي تجعلُها راضية مطمئنة. ومثلُ هذه النفس يستحقُّ صاحبُها الأوصافَ الحميدةَ في الدنيا، وينالُ - إذا شاءَ الله - الأجرَ والثوابَ في الآخرة.
والزكاةُ تُنسبُ، تارةً للعبد نفسه، لكونه مكتسباً إيّاها، طالما أنَّ لكلِّ نفسٍ ما كسبت، كما في قوله تعالى: {وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا *} [الشّمس: 10] أي زكى نفسه بالحلال، وتُنسبُ تارةً أخرى، لله تعالى، كما في قوله العزيز: {بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ} [النِّسَاء: 49]. وهي تُنسب، أخيراً، لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لكونه المبلِّغَ أمرَ الله تعالى للناس، وداعياً إياهم لنفيذِ هذا الأمر، أي إيتاء الزكاةِ بدفع النصيبِ المفروضِ على أموال المتصدِّقين والمزكِّين، حتى تطهِّرهم وتزكّي أنفسهم كما تشير إلى ذلك الآية الكريمة: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ} [التّوبَة: 103].
ولا ريب بأن المزكّين يأتون في طليعةِ من يشاركون بالواجبات العامة وينهضون بأعباء الأمّة. لكي يكونَ بنيانُها صحيحاً، ومقوّماتُ وجودها سليمةً، فتقوى مع الأيام، وتقدِّمُ للإنسانيّة ما انتدبَها الله تعالى إليه.
ومن هنا كانت الزكاةُ قاعدةً لها، أنزلها الله تعالى على رسولِهِ محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ليبلِّغها إلى الناس، فيعملوا بها. فيكون الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، والحالةُ هذه، منفّذاً لأمر ربّه، وليس مُنشئاً لهذه القاعدة. ولذلك كان أخذُ الزكاةِ من المسلمين فرضاً على الحاكم لا يجوزُ التهاونُ به، أو التلكؤُ بالقيام به، لكي يكونَ مستجيباً لأمر الله تعالى، فيصرفَها في مخارجها الشرعيّة، أو في مصارفها المقررة في النص القرآنيّ.
قال ابن جرير: مرفوعاً عن ابن عباس، أنه حدَّثَ قائلاً: لما أطلقَ رسولُ الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أبا لبابةَ وصاحبيه، انطلقوا بأموالهم فأتوا بها رسولَ الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقالوا: خُذْ من أموالنا فتصدَّقْ بها عنا وصلِّ علينا. يريدون: استغفرْ لنا وطهِّرْنا.. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا آخذ منها شيئاً حتى أُؤْمر» ، فأنزل الله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} [التّوبَة: 103].
وقال الإمامُ جعفر الصادق (عليه السلام): «نزلت هذه الآيةُ المباركةُ في شهر رمضان، فأمر رسولُ الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مناديَهُ فنادى في النّاس: إنّ الله تبارك وتعالى قد فرض عليكم الزكاةَ، كما فرض عليكم الصلاةَ، ففرض الله تعالى عليكم من الذهب والفضة، والإبل والبقر والغنم، والحنطة والشعير والثمر والزبيب. ونادى فيهم بذلك في شهر رمضان، وعفى لهم عما سوى ذلك»(+).
تعريفُ الزكاة:
الزكاةُ قدرٌ من المال، يُؤخذُ من قدرٍ مخصوص، ويُعطى لقومٍ مخصوصين. وهؤلاء القومُ الذين خصَّهم الذكرُ الحكيمُ هم الأصنافُ الثمانيةُ الذين ورد تعدادُهم في قوله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ *} [التّوبَة: 60].
ومن مجمل الآياتِ الكريمةِ التي وردت فيها «الزكاة» يتبيَنُ أنها ترادفت مع «فعل الإيتاء» كما يدلُّ قوله تعالى: {وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البَقَرَة: 43] ومعناه: أَدّوا الحقّ المعلومَ من المال، على القدر الذي فرضَهُ الله تعالى عليكم حقَّاً لأصحابها. وقد سُميتِ الزكاةُ أيضاً «صدقة» لأنها تدلّ على صدق العبد في طاعةِ الله تعالى، وعبادةِ ربّه، خالقه ورازقه.
الحكمةُ من الزكاة:
لم يخلقِ الله تعالى الخلقَ، ولم يبسطِ الرزقَ لمخلوقاته على قدر واحد، بل جعلَه متفاوتاً ومختلفاً بين الناس، بما فضل بعضَهم على بعضٍ لقوله تعالى: {وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ} [النّحل: 71]. وليس معنى الرزقِ هنا الأموال وحدها، بل ويتناولُ هذا الرزق كلَّ شيء في حياةِ الناس، حيث فضل بعضَهم على بعض في الهيئةِ والبدنِ، وفي العقولِ والنفوسِ، وفي المراكزِ والمناصبِ، والصحّةِ والمرضِ، والغنى والفقر.. لا بل وفي تقدير العزيز الحكيم أن هذا التفاوتَ وعدم المساواةِ، وهذا التفضيلَ للبعضِ على البعضِ الآخرِ إنما كان لحكمةٍ إلهيةٍ ليختبر الناسَ {أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً *} [الكهف: 7]، فكان أن ابتلى الغنيَّ بالفقير، والقويَّ بالضعيف، والمعافَى بالمريض، والحاكمَ بالمحكوم، والمبصرَ بالأعمى، والمتعلِّم بالجاهل. وكلُّ ذلك لكي يَعتبرَ الناسُ ويطبّقوا منهاجَ الله تعالى في الأرض. وفرضُ الزكاة أحد أهم السبل التي تؤدّي هذا المنهاجَ حقَّه، وتعالجُ القضايا الحياتيَّة للناس، بما يخفّفُ من حدة التفاوت وقساوته، ويقيمُ بينهم علاقاتِ التعاونِ، والتكافلِ والتضامنِ، ولا سيّما بين أبناء المجتمع الواحد، وأبناءِ الأمّة الواحدة.
من هنا كانت الغايةُ من الزكاة معالجةَ العديد من المشاكل التي يعانيها الكثيرون في حياتهم. إنما لا يمكن أن تتوفرَ لهم هذه المعالجةُ التامّةُ والدائمةُ إلاّ بإقامةِ دولة الإسلام، وتطبيقِ أحكام هذا الدين القيم عقيدةً ومنهاجاً.
وفضائلُ الزكاة، وإن كانت عديدةً لا تحصى، إلاّ أن أهمَّها وأبرزَها ما يلي:
أولاً - إنّ الزكاةَ تصونُ مالَ المزكِّي وتُحَصِّنُهُ من تطلّع الأعين التي قد تُصيبُه بحسدها. وكثيراً ما نجد في الحياة حاسداً، متطفِّلاً، يعاني من فراغٍ في مشاعره، فلا يقبلُ بالنعمةِ لغيره، بل تسوِّلُ له نفسُهُ حرمانَه من تلك النعمة واقتناصَها منه. والحسدُ في الحقيقة شرّ قاتل، ولذلك يُحذِّرنا الله تعالى من شرِّ الحاسد، ويُنبِّهُنا لأن نستعينَ به - سبحانه - على اتقاءِ هذا الشرّ، ودفع خطره عنا، وذلك بقوله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِنْ شَرِّ النَفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ *} [الفَلَق: 1-5].
وكما تحصّنُ الزكاةُ المالَ من الحسد، فهيَ تصونه أيضاً من الطارئ الحرامِ الذي قد يطرأ عليه، فلا تمتدُّ إليه أيدي المجرمين والمفسدين للعبث به. وما أكثر هؤلاء بين الناس، وما أكثر دوافعهم للعبث والفساد، فكأنما الزكاة هي الحصنُ الذي يحمي المال، ويحفظُه، كما دلَّنا على ذلك قولُ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «حصّنوا أموالكم بالزكاة، وداووا مرضاكم بالصدقة، وأعدوا للبلاء الدعاء» (+). ومن قبيله ما ورد في كتاب (وسائل الشيعة) عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) أنه قال: «سوسوا إيمانَكم بالصّدقة، وحصنوا أموالَكم بالزكاة، وادفعوا أمواجَ البلاء بالدعاء».
ثانياً - إن الزكاة عون للفقراءِ والمساكينِ، وكلِّ المحتاجين إليها، إذ هي تأخذ بأيدي القادرين على العمل لاستئناف المهنة التي يزاولون، ولا سيما أولئك الغارمين، الذين رزحوا تحت نير الديون حتى شُلَّت حركتهم، فتُقدِّم لهم الزكاةُ ما يسدِّدون به تلك الديونَ، ويعاودون دورةَ نشاطهم من جديد. وهي، من ناحيةِ ثانية، تعينُ فئاتٍ كثيرةً من أبناء المجتمع على العيش الكريم، ولا سيما أولئك العاجزين والمقعدين، بما تؤمن لهم من بيوتٍ تُؤويهم، وأناسٍ يُشْرِفونَ على رعايتهم أو تدريبهم وتُداري كل أحوال العجز فيهم.
ولا شك بأن توفيرَ تلك الوسائل، سواءٌ للمديون، أو الفقيرِ، أو المريضِ، أو العاجزِ، هي ما يحمي المجتمعَ من جوانب عديدة، منها:
1 - اتقاء شرور أصحاب النفوس المريضةِ بالحقدِ والضغينة تجاه ذوي اليسر والغنى.
2 - حماية الدولة نفسها من التفكُّك، بوصفها مسؤولةً عن المحتاجين وكفايتهم. فهي عندما تنفق من بيت المال على العاطلين عن العمل مثلاً، أو على المعوزين والمعاقين، أو عندما تمدُّ يَدَ العونِ للمدينين المعسرين فإنَّ العون هذا يقوّي فيهم روحَ الارتباط بالنظام، وعدم مخالفة القواعد العامّة التي تسيّرُ أوضاعَهم، وتديرُ شؤونَهم. هذا بالإضافة إلى ما تؤصِّل في النفوس الزكيّة من مزايا وفضائلَ وتجعلُ أصحابَها أعزاء في مجتمعها غير أذلاَّء، فيصبحون مصوني الكرامةِ غيرَ مهانين، الأمر الذي يزيد المتصدّقين تشجيعاً، والمزكَّى إليهم اطمئناناً. يقول الإمامُ جعفر الصادق (عليه السلام): «إنما وُضعت الزكاةُ اختباراً للأغنياء ومعونةً للفقراء. ولو أن الناس أدَّوْا زكاةَ أموالهم، ما بقي مسلمٌ فقيراً أو محتاجاً، ولاستغنى بما فرض الله تعالى له. وإنّ الناسَ ما افتقروا ولا احتاجوا، ولا جاعوا، ولا عروا، إلا بذنوبِ الأغنياء. وحقيقٌ على الله تعالى أن يمنع رحمته ممن منع حقَّ الله في ماله. وأُقسم بالذي خلق الخلقَ، وبسط الرزقَ أنه ما ضاع مالِ في بَرٍّ ولا بَحْرٍ إلاّ بترك الزكاة»(+).
وعلى هذا فإن الزكاة تحفظ المال وتطهّرُ النفسَ من داءِ الشحّ والبخل، وتعوّدُ المؤمنَ البذلَ والعطاء. قال الإمام جعفر الصادق(عليه السلام): «وإن أحبَّ الناس إلى الله تعالى أسخاهم كفًّا. وأسخى الناسَ من أدى زكاةَ ماله، ولم يبخلْ على المؤمنين بما افترض الله تعالى لهم في ماله»(+).
ورُوِيَ عن أمير المؤمنين عليٍّ (عليه السلام) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: «ويلٌ للأغنياءِ من الفقراء يومَ القيامة يقولون: ربَّنا ظلمونا حقوقَنا التي فرضتَ لنا عليهم، فيقول الله تعالى: وعزتي وجلالي لأُدْنِيَنَّكُمْ ولأُباعِدَنَّهُمْ. ثم تلا (صلى الله عليه وآله وسلم) قوله تعالى: {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ *} [المعَارج: 24-25](+).
وروى جعفر الصادقُ عن آبائه - عليهم السلام - عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: «إذا أراد الله تعالى بعبدٍ خيراً بعث إليه مَلَكاً من خُزّانِ الجنّةِ فيمسحُ صَدْرَهُ ويُسخّي نفسَه بالزّكاة».
ثالثاً : جعل الله تعالى إيتاءَ الزكاةِ هدفاً من أهدافِ التمكين في الأرض بقوله تعالى: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ *} [الحَجّ: 41].
والتمكينُ في الأرض يعني تسلُّمَ مقاليدِ الأمور، وتثبيتَها لمن يتسلّمُها. وهؤلاء يختارهُم الله تعالى لذواتهم الصافية، وأنفسهم المؤمنة، لأنهم عرفوا حقيقة ربِّهم حقَّ المعرفة فعملوا بوحي هديه ورضاه، من أجلِ تحقيقِ شرعه ومنهاجه في الحياة.. هؤلاء ترعاهم عنايةُ الله تعالى القويِّ العزيزِ، فيقوَوْنَ في أنفسهم وفي وسائلهم وأدواتهم، وفي أهدافهم وقيمهم.. وهم إذا تمكّنوا في الأرض بما وفَّر الله تعالى لهم من قوةٍ ونفوذٍ ماذا يفعلون؟.
- «أقاموا الصلاة».. فعبدوا الله ربَّهم حقَّ عبادته، وأخلصوا له الدّينَ، طائعين، مختارين، مستسلمين.
- «وآتوا الزكاة».. فأدَّوا حقَّ المال، وانتصروا على شُحِّ النفس، وغلبوا وسوسةَ الشيطان، وسدُّوا حاجة الجماعة، وكفلوا المحتاجين فيها والضعفاء.
- «وأمروا بالمعروف».. فدعوا إلى الخير، والبرِّ، والصلاح، وشَرَّعوا له الأبوابَ، ومهّدوا إليه الطرقَ، ورفعوا الناسَ إليه في معارج الإيمانِ والحقيقةِ، والإخلاص، والأمن والأمان.
- «ونَهوا عن المنكر».. فقاموا الشرَّ والفساد، وقَوَّمُوا الاعوجاجَ والانحرافَ، وقَضَوُا على المثالبِ والمعاصي، وعلى كل منكر يصدرُ عن الفردِ والجماعة.
وهذه المزايا والخصالُ هي التي تحقّقُ وجود الأمّة المسلمةِ، التي لا تُبقي على منكرٍ وهي قادرةٌ على تغييره، ولا تقفُ دون معروفٍ وهي واثقةٌ من تحقيقه.
فرضُ الزكاة:
الزكاةُ ركنٌ من أركان الإسلام الخمسة، فرضها الله تعالى وأنزلَ أحكامَها في السنةِ الثانيةِ للهجرة، يوم كان المسلمون في بداية عهدهم بالانطلاق نحو القوةِ وإثباتِ الوجود.
والزكاةُ في الدين الإسلاميِّ واجبةٌ بضرورة الدين. ولذا قرنها الله تعالى بالصلاةِ في القرآنِ الكريمِ في كثيرٍ من المواضع، مما يدلُّ على تمام الاتصالِ بها وكماله. من ذلك قولُه تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} وقوله تعالى: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ}. وقوله تعالى: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ}. وقوله تعالى: {فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاَكُمْ}. وقوله تعالى: {فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاَكُمْ} [الحَجّ: 78]. وقوله تعالى: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ} [التّوبَة: 11]. وقوله تعالى: {فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاَكُمْ}. وقوله تعالى: {فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاَكُمْ} [الحَجّ: 78]. وقوله تعالى: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} [التّوبَة: 5]. وقوله تعالى: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ}. وقوله تعالى: {فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاَكُمْ}. وقوله تعالى: {فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاَكُمْ} [الحَجّ: 78]. وقوله تعالى: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ} [التّوبَة: 11]. وقوله تعالى: {فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاَكُمْ}. وقوله تعالى: {فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاَكُمْ} [الحَجّ: 78]. وقوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البَقَرَة: 43] وقوله تعالى: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ}. وقوله تعالى: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ}. وقوله تعالى: {فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاَكُمْ}. وقوله تعالى: {فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاَكُمْ} [الحَجّ: 78]. وقوله تعالى: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ} [التّوبَة: 11]. وقوله تعالى: {فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاَكُمْ}. وقوله تعالى: {فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاَكُمْ} [الحَجّ: 78]. وقوله تعالى: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} [التّوبَة: 5]. وقوله تعالى: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ}. وقوله تعالى: {فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاَكُمْ}. وقوله تعالى: {فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاَكُمْ} [الحَجّ: 78]. وقوله تعالى: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ} [التّوبَة: 11]. وقوله تعالى: {فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاَكُمْ}. وقوله تعالى: {فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاَكُمْ} [الحَجّ: 78]. وقوله تعالى: {وَأَقِمْنَ ؛ الصَّلاَةَ ؛ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [الحَجّ: 78]، [الأحزَاب: 33].
والرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: «لا يقبلُ الله تعالى صلاةَ رجلٍ لا يؤدّي الزكاةَ حتى يجمعَهما، فإنَّ الله تعالى قد جمعهما فلا تفرّقوا بينهما» (+).
والبحثُ في الزكاةِ يتناول ما يلي:
أولاً - المكلَّفين الذين تتوجّبُ عليهم الزكاة.
ثانياً - الأموالَ التي تخضعُ للزكاة.
ثالثاً - الأصنافَ الذين يستحقون الزكاة.
وقد أجمع الأئمةُ على القولِ بأن إخراجَ الزكاةِ لا يصحُّ إلاّ بنيّةِ القربةِ لله تعالى. إلاّ أن هذا الإجماعَ على النية، لم يجدْ لديهم إجماعاً مماثلاً على شروط وجوبها.
فما هي الشروطُ التي توجبُ إيتاءَ الزكاة؟.
شروطٌ توجبُ الزكاة:
أهمُّ هذه الشروطِ هي التالية:
1 - العقلُ والبلوغُ: - قال الإماميّةُ والحنفيّةُ: إن العقلَ والبلوغَ شرطان في وجوب الزكاة، وعليه فلا تجب زكاةٌ في مالِ الطفل والمجنون.
وقد ميّز الحنفيّةُ بين زكاةِ النقودِ والأنعامِ وزكاةِ الزّروع والثمار، فلم يأخذوا بشرطَيِ العقلِ والبلوغِ لتوجُّبِ زكاةِ الزّروع والثّمار.
- وقال المالكية والشافعية والحنبلية: لا يشترط البلوغ والعقل للزكاة، فهي تجب في مال المجنون، والطفل، وعلى الوليِّ أن يُخرجها من مالهما.
2 - المدة الزمنية: وهي استقرار ملكية المال خلال حولٍ كامل. فلو خرجت عن ملك مالكها أثناء الحول لم تجب فيها الزكاة. والمراد بالحول هنا مضيُّ أحد عشر شهراً والدخول في الشهر الثاني عشر من الأشهر القمرية. وهكذا فإن حَوَلان الحوْل القمري على المال في ملكية صاحبه يوجب عليه الزكاة.
3 - النصاب : لا تتوجب الزكاة إلا ببلوغ النصاب، فمن لم يملك النصاب الشرعي فلا زكاة عليه. والمقصود بالنصاب ما ينصبه الشارع أي ما يحدده مقداره على وجوب الزكاة. ويختلف هذا المقدار باختلاف أنواع الأموال التي تجب فيها الزكاة كما سيأتي بيانه في بحث أموال الزكاة فيما بعد.
الأموال التي تتوجب فيها الزكاة:
هنالك إجماع عند الفقهاء على أن الزكاة واجبة في الأموال التي تكون ملكيتها تامة وغير ناقصة بحيث يكون المالك متسلطاً على ماله، وهو تحت يده، ويمكنه التصرّف به كيفما يشاء. وعلى ذلك فلا تتوجب الزكاة على الضالة، ولا على المال الذي اغتصب من صاحبه. ولا على المال الذي أدانَهُ مالكُه للغير إلاّ بعد قبضه من المدين.
المال المدين:
كثيراً ما يوجه المسلمين السؤالُ التالي: إذا كان أحدهم مديناً وعنده مالٌ يبلغ النصاب فهل تتوجب عليه الزكاة؟ أو بعبارة أخرى: هل الدينُ يمنعُ الزكاة بوجه عام؟
لقد تباينت آراء الأئمة حول هذا الأمر:
- فقال الإمامية والشافعية: لا يُشترط فراغ المال من الدين، فمن كان مديناً تجب على ماله الزكاة حتى ولو استغرق الدين تمامَ النصاب.
- وقال الحنفية: إن كان الدين حقّاً لله تعالى في ذمة صاحبه، ولا مُطالِبَ له من العباد كالحج والكفارات، فإن هذا الدين لا يمنع الزكاة. وإن كان دَيْناً للناس، أو ديناً لله تعالى ولكن وراءه مطالِبٌ، كالزكاة التي توجبت من قبلُ - في زمنٍ سبقَ - ويطالب بها الإمامُ الآنَ، فإنّه لا زكاة من أي نوع قبل أن تؤدَّى الزكاة السابقة التي تعتبر ديناً، فأداؤها يعتبر وفاءً لدين سابق هو لله تعالى. ويخرج عن ذلك زكاة الزروع والثمار.
- وقال المالكية: الدين يمنع من زكاة الذهب والفضة، أي النقود، ولكنه لا يمنع من زكاة الحبوب والماشية والمعادن. فمن كان عليه دين وعنده من النقود بقدر النصاب فعليه وفاء الدين أوَّلاً، وبعد إتمام الوفاء تتوجب الزكاة. ومن كان عليه دينٌ وعنده من الزروع والثمار وغيرها بقدر النصاب، فالزكاة عليه واجبة.
- وقال الحنبلية: الدين يمنع من الزكاة عموماً. فمن كان مديناً، وعنده مال، فعليه وفاء ديونه أولاً، فإن بقي من ماله بقدر النصاب أدَّى زكاته، وإلاّ فلا شيء عليه.
الزكاة في الحلى:
اتفق جميع الأئمة على أنه لا زكاة واجبة في الحلى من ذهب وفضة(+)، ومن أحجار كريمة كالألماس والمرجان والفيروز وغيرها من الجواهر.
الزكاة في الدار والأثاث:
اتفق جميع الأئمة على أن الزكاة لا تتوجب في دار السكن، والثياب، وأثاث المنزل، ولا في دابة الركوب، وكل وسيلة من وسائل النقل التي يحتاجها الإنسان في تنقلاته ولا غنى له عنها.
كما لا تتوجب الزكاة في كل ما يحتاجه الإنسان من أدوات، وكتب، وآلات وما إلى ذلك من حاجات..
ولقد ذهب جميع الفقهاء إلى أنه لا يفرق في الزكاة بين الأموال النقدية، وأموال الزراعة، أو الصناعة، أو التجارة، أو الماشية، لأن المال هو كل ما يتموَّل به. ولكنهم أوجبوا للزكاة المال الحلال، مما يفرض علينا بيان آرائهم في كل نوع من أنواع الأموال: الأنعام، والزروع، والثمار، وأنواع النقود والمعادن.
أوَّلاً - زكاة الأنعام
اتفق الأئمة جميعاً على أن الزكاة تجب في ثلاثة أصناف من الأنعام:
الإبل، والبقر ويشمل الجاموس، والغنم ويشمل الماعز.
واتفقوا أيضاً على عدم وجوب الزكاة في الخيل، والبغال والحمير إلاّ إذا كانت من أموال التجارة، ما عدا الحنفية فقد أوجبت الزكاة في الخيل فقط، إذا كانت مجتمعة مع بعضها، ذكوراً وإناثاً.
والزكاة في الأنعام، يجب أن تكون - باتفاق الجميع - قد بلغت النصاب الشرعي، وأن يحول عليها حول كامل في ملك صاحبها، أي أن يمضي سنة على بدء تملكها، وتبقى تلك الملكية طوال تلك السنة، فإن لم تمر هذه المدة بتمامها، فلا تجب الزكاة، لقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول»(+).
ولقد ثبتت فريضة الزكاة في الإبل والبقر والغنم لحديث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى معاذ عندما بعثه إلى اليمن وأمره أن يأخذ من كل ثلاثين بقرة تبيعاً أو تبيعة(+). وفي حديث أبي ذر الغفاري (رضي الله عنه) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «ما من صاحب إبل، ولا بقر، ولا غنم لا تُؤَدَّى زكاتها، إلاَّ جاءت يوم القيامة أعظم ما كانت وأسمن، تنطحه بقرونها، وتطأه بأخفافها، كلما نفدت أخراها، عادت عليه أولاها، حتى يقضى بين الناس» (+).
والشروط في زكاة الأنعام خمسة، على الشكل التالي:
1 - الشرط الأول: النصاب
1 - نصاب الإبل: وهو باتفاق الجميع أنه إذا بلغ عدد الإبل خمساً فزكاتها شاة واحدة، وإذا بلغ عددها عشراً فزكاتها اثنتان من الشياه.
ولكن ماذا لو بلغ عدد الإبل خمساً وعشرين؟.
- عند الإمامية: زكاتها خمسٌ من الشياه. أما إذا بلغت ستاً وعشرين ففيها بنت مخاض(+)، أي إذا بلغت هذا العدد صارت كلها نصاباً واحداً.
- وعند الأئمة الأربعة: في الخمس وعشرين: بنت مخاض.
- وعند جميع الأئمة أن الإبل إذا بلغت ستاً وثلاثين: ففي بنت لبون(+). وإذا بلغت ستاً وأربعين ففيها حُقَّة(+). وإذا بلغت إحدى وستين ففيها جدعة(+). وإذا بلغت ستاً وسبعين ففيها بنتاً لبون. وإذا بلغت إحدى وتسعين ففيها حُقّتان.
وباتفاق الجميع أنه ليس شيء فيما يزيد على إحدى وتسعين، حتى تبلغ الإبل مئة وإحدى وعشرين. لكن عند هذا العدد تتفرق الآراء عند المذاهب إلى تفصيلات وتشعبات لا حاجة ماسة لنا بها في عصرنا الحاضر، لا سيما وأن قلائل من الناس من يملكون هذا المقدار من الجمال والنوق.
وعند الجميع أيضاً أنه ليس في الإبل أي زكاة إذا لم تبلغ الحد الأدنى من النصاب، ولا في العدد ما بين النصابين. ومعنى ذلك أنه في كل خمس من الإبل شاة، وفي التسع شاة واحدة أيضاً، حتى يصير عددها عشراً فتكون زكاتها شاتَيْن.. وهكذا..
2 - نصاب البقر: باتفاق جميع الأئمة أن النصاب في زكاة البقر هو تبيع أو تبيعة عندما يبلغ عددها ثلاثين بقرة (يقال تبيع أو تبيعة لذكر البقر أو أنثاه إذا أكمل السنة ودخل في الثانية).
وإذا بلغ عددها أربعين فزكاتها: مسنة (والبقرة المسنة التي أكملت السنتين ودخلت في الثالثة).
(ويرى المالكية، بخلاف الآخرين جميعاً، أن البقر يكون تبيعاً إذا أكمل سنتين ودخل في الثالثة، وتكون البقرة مُسنةً إذا أكملت ثلاث سنين ودخلت في الرابعة).
وإذا بلغ عدد البقر ستين فزكاتها: تبيعان. وفي السبعين: مُسنة وتبيع. وفي الثمانين: مُسنتان. وفي التسعين: ثلاث تبيعات. وفي المئة: مُسنة وتبيعان. وفي المئة وعشر: مسنتان وتبيع. وفي المئة وعشرين: ثلاث مُسنّات أو أربع تبيعات.. وهكذا.
وليس بين الفريضتين زكاةٌ، فهو عفو.
3 - نصاب الغنم: اتفق جميع الأئمة على أن النصاب في الغنم شاة واحدة في كل أربعين. وزكاة المئة وإحدى وعشرين: شاتان اثنتان. وزكاة المئتين وواحدة: ثلاث شياه.
أما فوق العدد الأخير، ففيه رأيان:
- قال الإمامية: إذا بلغت الغنم ثلاثمئة وواحدة فزكاتها أربع شياه حتى تبلغ أربعمئة وما فوق، ففي كل مئة شاة.
- وقال الأئمة الأربعة: الثلاثمئة وواحدة مثل المئتين وواحدة تماماً، زكاتها ثلاث شياه. فإذا بلغت أربعمئة ففيها أربع شياه، وما زاد، ففي كل مئة شاة.
ومثل البقر لا زكاة على الغنم ما بين الفريضتين كما مر في زكاة البقر، فهو عفو.
2 - الشرط الثاني:
اجتماع الأنعام دون النصاب: اتفق جميع الأئمة على أنه عندما يكون للمالك من كل صنف - أي من الإبل، أو البقر، أو الغنم - ما يقل عن النصاب، فلا يتوجب عليه أن يضم هذا الصنف إلى الآخر، أي فلا يضم الإبل إلى البقر، ولا البقر إلى الغنم، ولا الغنم إلى الأبل.. أي إذا كان عنده مثلاً أقل من ثلاثين بقرة، وأقل من أربعين شاة، فلا يجب عليه أن يتم البقر بالغنم، ولا الغنم بالبقر... وهكذا الأمر بالنسبة لسائر أنواع الأنعام. وتباينت الآراء حول اشتراك مالكين في نصابٍ واحدٍ.
قال الإمامية والحنفية والمالكية: لا تجب الزكاة على النوعين، ولا على أحدهما، ما دام نصيبه لم يصل إلى الحد المعلوم أو الحق المعلوم أي ما دام نصاب الزكاة لم يتحقق.
وقال الشافعية والحنبلية: تجب الزكاة في المال المشترك إذا بلغ النصاب، حتى وإن نقص نصيب كل شريك عن النصاب الشرعي.
3 - الشرط الثالث:
الأنعام السائمة(+): وهي التي تعيش على المرعى الطبيعي وليس على العلف.
وقد اتفق جميع الأئمة على أن الماشية السائمة تجب فيها الزكاة لقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «في كل سائمةِ إبلٍ بلغت الأربعين بنت لبون» (+). وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «وصدقة الغنم، إذا بلغت أربعين إلى مئة وعشرين، شاة» (+)
4 - الشرط الرابع:
الأنعام العاملة والمعلوفة:
- قال الإمامية: إن الأنعام المعلوفة لا تتعلق بها الزكاة، إجماعاً ونصًّا، بالغة ما بلغت. ومنه قول الإمام علي (عليه السلام): «ليس على ما يعلف شيء، إنما الصدقة على السائمة المرسلة في مرجها - مرعاها - عامها الذي يقتنيها فيه الرجل، فأما ما سوى ذلك. فليس فيه شيء»(+). وأن لا تكون من العوامل، أي البهائم التي لا يعمل عليها، فلو استعملت للركوب، أو الحرث، أو الحمل تسقط عنها الزكاة، إجماعاً ونصاً. ومنه قول الإمام علي (عليه السلام): «ليس على العوامل شيء»(+).
وقال الجمهور عند الحنفية والشافعية والحنبلية: لا زكاة في المعلوفة والعوامل، لأنها من الحوائج الأصلية. والمعلوفة هي التي تسقى بفعل أصحابها، وتطعم من أموالهم، وترعى في مراعيهم.
- وقال المالكية: لا فرق بين المعلوفة والعاملة والسائمة في وجوب الزكاة.
5 - الشرط الخامس
توفر النصاب على مدار الحول: اتفق الإمامية والشافعية والحنبلية: على أنه إذا حال الحول على الأنعام، أي إذا بقيت عند صاحبها سنة كاملة، بجميع أفراد نصابها، وجبت عليها الزكاة. أما إذا نقصت واحدة أو أكثر في وقت ما خلال السنة، ثم أكملها في وقت آخر حتى آخر السنة فلا تجب عليها الزكاة. ومثاله: من كان عنده أربعون شاةً في أول السنة، وبعد مضي شهر أو أكثر نقصت غنمه، ولو واحدة، بموتٍ أو هبة، أو بيع أو ذبح لحاجة صاحبها، ثم أكملت على الأربعين فيما بعد، فلا تجب عليها الزكاة في آخر السنة، بل يستأنف سنة جديدة. فالأصل هنا في النقصان الحاجة الفعلية عند المالك.
وقال الحنفية: إذا نقص النصاب في أثناء الحول، وجبت فيه الزكاة، كما تجب لو بقي كاملاً من أول الحول إلى آخره. وتؤكد الحنفية على أن الحول المعتبر شرعاً - كما لدى الجميع - هو الحول القمري، أي اثني عشر هلالاً.
ثانياً - زكاة النقدين: الذهب والفضة
قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَِنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ *} [التّوبَة: 34-35].
الزكاة واجبة في نقود الذهب والفضة، متى بلغ مقدار المملوك منها نصاباً شرعياً، وحال عليه الحول، وكان فارغاً من الدين، وفائضاً على الحاجات الأساسية للإنسان.
ومقدار الزكاة الواجب في الذهب والفضة: ربع العشر - أي اثنان ونصف في المئة - فإذا ملك الإنسان المسلم مئتي درهم، وحال عليها الحول، ففيها خمسة دراهم. وفي العشرين ديناراً، نصف دينار بالقياس إلى الدرهم. والدليل على ذلك حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إذا كانت لك مائتا درهم، وحال عليها الحول، ففيها خمسة دراهم، وليس عليك شيء حتى يكون لك عشرون ديناراً، فإذا كانت لك عشرون ديناراً، وحال عليها الحول، ففيها نصف دينار»(+).
وعن علي (عليه السلام) قال: «إن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: ليس عليك شيء - يعني في الذهب - حتى يكون لك عشرون ديناراً، فإذا كانت لك عشرون ديناراً، وحال عليها الحول، ففيها نصف دينار، فما زاد فبحساب ذلك، وليس في مالٍ زكاةٌ حتى يحول عليه الحول»(+).
وعن الإمام علي الرضا (عليه السلام) في كتاب له إلى المأمون، قال: «والزكاة المفروضة في كل مائتي درهم خمسة دراهم، ولا يجب فيما دون ذلك، وفيما زاد في كل أربعين درهماً درهم، ولا يجب فيما دون الأربعين شيء، ولا تجب حتى يحول الحول، ولا تُعطى إلاّ لأهل الولاية، وفي كل عشرين ديناراً نصف دينار»(+).
وهذه المقادير متفق عليها عند جميع الأئمة، فيما يتعلق بنقدي الذهب، والفضة(+). ولكن آراءهم تباينت حول السبائك والحلى:
- قال الإمامية: تجب الزكاة في الذهب والفضة، إذا كانت مسكوكة بسكة النقد فقط، ولا تجب في السبائك والحلى، والأحجار الكريمة.
- وقال الأئمة الأربعة: تجب الزكاة في السبائك، كما تجب في النقود. واختلفوا فيما بينهم حول الحلى، فقال بعضهم إن الزكاة لا تجب فيها، وقال بعضهم الآخر بوجوبها. أما الأحجار الكريمة فقالوا: لا تجب فيها الزكاة إلا إذا كانت معدة للتجارة.
ونظراً لأن النقود المعتمدة في العصر الحاضر، لم تعد من الذهب والفضة، بل هنالك عدة أنواع منها كالأوراق النقدية النائبة (أي التي تنوب عن الذهب أو الفضة) وتودع في البنوك، والنقود الوثيقة (أي التي تمثل مقداراً معيناً من احتياطي الذهب، وعوضاً معيناً من السلع والخدمات) وقد سميت وثيقة لأنها موثَّقة من قبل الدولة التي طبعتها، والتي تكون مسؤولة عنها، وأوراق البنكنوت والسندات وغيرها، فإن جميع هذه الأنواع باتت أكثر شيوعاً، وتداولاً، ويتعامل بها الناس، بحسب المعاملات التي يجرونها.. الأمر الذي يستوجب معرفة النصاب الشرعي في هذه الأنواع من النقود (أو بصورة أدق، من الأموال).
وقد اتفق الفقهاء على وجوب تقدير نصاب الزكاة، في كل زمان ومكان بحسب القوة الشرائية للنقد المعاصر وما يمثله من الذهب والفضة، في البلد الذي يعيش فيه المزكِّي، وفي وقت إخراج زكاته. لا سيما وأن سعر الصرف للعملات - محلية أو أجنبية - أصبح متقلباً جدًّا، وكذلك سعر صرف الذهب وما يطرأ عليه من تقلبات وعدم ثبات، تبعاً للظروف التي يعيشها العالم اليوم.
من أجل ذلك، وجب علينا، كمسلمين، أن نعود دائماً إلى النصاب المقرر في أصل الشرع، وهو الذهب والفضة، وإن لم يعد التعامل بهما له الأثر البارز بين الناس، نتيجة للتعامل بالنقود الورقية. إلاّ أنه - في حياة المسلمين - يبقى هذان المعدنان هما الأصل في التعامل، لأن كثيراً من الأحكام الشرعية تتعلق بهما. غير أنه وبالنظر لكون النقود الورقية هي الأكثر شيوعاً واستعمالاً، فقد غدت الزكاة (أو الخمس) مفروضة على بعض هذه النقود، طالما أنها المقياس لأثمان الأشياء. ومن أجل ذلك قال الحنفية والمالكية والشافعية إن الزكاة تجب في الأوراق النقدية، إذا توفرت لها شروطها من بلوغ النصاب والحول. بينما اعتبر الحنبلية أن الزكاة لا تجب في النقود الورقية إلاّ إذا صرفت ذهباً أو فضة.
وقال الإمامية: يتوجب الخمس (أي واحد من خمسة) على الأوراق المالية، في كل ما يزيد على مؤونة السنة، وسيأتي تفصيل ذلك عند البحث في الخمس.
المهم أنَّ النقود، وما لها من تأثير في الحياة المعاصرة، تستدعي التوقف عندها، وبيان ماهية النقد في النظام الإسلامي. وإلى القارئ الكريم بيان ذلك:
النقود:
النقودُ مقياسُ المنفَعَةِ التي في السلعَةِ والجُهْدِ، ولذلكَ تُعرَّفُ النقودُ: بأنها الشيء الذي تُقاسُ بهِ السلَعُ والجهدُ. فالثمنُ للشيءِ أو السلعة، والأجرُ للشخصِ أو الجهد، وكلّ منهما قائمٌ على تقديرِ المجتمَع لقيمةِ ذلكَ الشيءِ وجُهْدِ ذلكَ الشّخْصِ. ولا تُعتَبَرُ السنداتُ، ولا الأسهُمُ وما شاكَلَها، منَ النّقودِ. وهذا التقديرُ لِقيَمُ الأشياءِ والجهد، يُعبّرُ عنهُ بوحداتٍ في شتى البلدان، ثم تصبحُ هذهِ الوحدات مقياساً تقاسُ بهِ منفَعَةُ الشيءِ ومنفعة الجُهْدِ. وهذه الوحداتُ واسطةٌ للمبادَلَةِ، وهيَ النقودُ. والإسلامُ حينَ قرّرَ أحكامَ البيعِ والإجارَةِ، لمْ يُعَيِّنْ لمبادلَةِ السلعِ أو الجهودِ والمنافعِ شيئاً مُعيّناً تجري المُبادَلَةُ على أساسهِ فرُْضاً، وإنما أَطْلَقَ للإنسَانِ أنْ يُجْريَ المبادلةَ بما يشاءُ ما دام التراضي موجوداً في هذه المبادلَةِ. فيجوزُ لشخصٍ أن يتزوّجَ امرأةً بتعليمها القرآنَ الكريمَ، ويجوزُ له أنْ يشتريَ سِلْعةً بالعملِ عندَ صاحِبها يوماً. ويجوزُ له أنْ يشتغِلَ عندَ شخصٍ عدداً من ساعات العمل بعدَدٍ معيَّنٍ مِنْ أرغفة الخُبْزِ. وهكذا أطلَقَ الإسلام المُبادلَةَ لبني الإنسان بما يريدونَ من الأشياءِ.
إذن فأداة المبادلة هي الوحدات التي تقاس بها المنفعة، وقد اتخذت هذه الوحدات النقود، بحيث أصبحت المبادلة تقوم أساساً على النقود.
ومُبادَلَةُ السلعَةِ بوحدةٍ معيَّنَةٍ منَ النقْدِ قدْ عُيّنَتْ للمسلمينَ في جنسٍ معيّنٍ من النقد: الذهب، والفضة. ولم يترك الإسلام للمجتمع أنْ يُعَبِّرَ عن تقديرِه لمقياسِ المنفَعَةِ للأشياءِ أو الجهود بوحداتٍ نقديّةٍ ثابتةٍ أو متغيّرةٍ يتصرّفُ بها كما يشاءُ، وإنما عيّنَ هذه الوحدات النقدية التي يُعبِّرُ بها المجتمعُ عنْ تقدير القِيَم للأشياء وللجهودِ تعييناً ثابتاً بوحداتٍ نقديّةٍ معيّنَةٍ من الذهب والفضّة. ويُفْهَمُ هذا التعيينُ منْ عدّةِ أُمورٍ:
أولها: إنّ الإسلامَ حينَ نهى عن كَنْزِ المال، خصّ الذهب والفضّةَ بالنهْي، معَ أنّ المالَ هو كلّ ما يُتموّلُ به الإنسان والنقد أَحد أفراده. فالقمْحُ مالٌ، والتمرُ مالٌ، والنّقْدُ مالٌ. والكَنْزُ مالٌ. والكَنْزُ إنما يظْهَرُ في النَقدِ، لا في السلعِ والجهودِ. والمرادُ منَ النهي الوارد في الآية 34 من سورة التوبة هو النهي عَنْ كَنْزِ النقْدِ لأنّهُ أداةُ التبادل العامة، ولأنَّ أثرَ النهي مُنْصَبٌّ على كنزِه. أمّا غيرُ النقْد فلا يسمّى احتكاراً. وهكذا فإن النص القرآني الذي نهى عنْ كنْزِ الذهبِ والفِضة إنما نهى عنْ كَنْزِ النقْدِ. وقدْ عيّنَتِ الآيةُ النقْدَ الذي نهى الله تعالى عن كنزه بالذهب والفضّة. قالَ تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَِنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ *} [التّوبَة: 34-35]. فالنهيُ منصَبّ على أداةِ التبادل النقديّة دون غيرها. وعلى هذا فإنّ كَنْزَ الذهبِ والفضّةِ عَيْناَ حرام. وكَنْزُ النقودِ النائبةِ عن الذهب والفضة حرامٌ لأنها تمثّلُ كميةً منَ الذهبِ والفضّةِ على شكْلِ نقودٍ مُودَعَةً في مكانٍ معيّن، هذا إذا كانَ المبلغُ الذي يمثّلُهُ الورقُ(+) يساوِيه. أمّا إذا كان لا يساويه فإنّ كَنْزَهُ حرامٌ بالمبلغ الذي يُساوِيه فَقَطْ. وأمّا النقودُ الورقيَةُ الإلزاميةُ، أي البنكنوت، فلا يُعتَبرُ كَنْزُها حراماً، لأنها أوراقٌ اصطُلِحَ عليها اصطلاحاً، فلا يُعْتَبَرُ كَنْزُها كَنْزاً لذَهَبٍ أوْ فضّةٍ، فنصّ الآيةِ على تحريمِ كَنْزِ أداةِ التبادُل أو تعيينِ جنسِها يدلّ على أنّ هذا الجنسَ هو النقدُ الذي يتّخذه المسلمون أداةَ التبادُلِ الشرعية. وتحريمُ الإسلام كَنْزَ الذهَبِ والفضّةِ - حينَ حرّمَ كَنْزَ النقْدِ - دليلٌ على أنّ الذهبَ والفضّةَ هما النّقْدُ في الإسلام.
ثانيهما: لقد عيّنَ الرسولُ (صلى الله عليه وآله وسلم) الذّهبَ والفضّةَ نقْداً، وجَعَلَهُما وحدَهما المقياسَ النقديّ الذي يرجعُ إليهِ مقياسُ السلَعِ والجهُودِ، وعلى أساسِهما كانتْ جميعُ المعاملاتِ مجُديَةً. وجَعَلَ المقياسَ لهذا النقْدِ الأوقيةَ والدرهَمَ والدّانقَ، والقيراطَ والمثقالَ والدينارَ. وكانتْ هذه كلّها معروفةً ومشهورةً في زمن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يتعاملُ بها الناسُ. والثابتُ أنّهُ (صلى الله عليه وآله وسلم) أقَرّها. وكانتْ جميع البيوع تقعُ بالذهبِ والفضّةِ بوصفِهما نقْداً. وحدّدَ الرسولُ (صلى الله عليه وآله وسلم) ميزانَ الذهبٌِ والفضّةِ نقداً بقوله: «الميزانُ على ميزانُ أهلِ المدينةِ» (+). ومن مُراجَعَةِ الموازينِ النقديةِ في الإسلام يتبيّنُ أنّ الأوقيّةَ الشرعيّةَ أربعون دِرْهَماً، والدِّرْهَمَ ستُّ دوانقَ، والدينارَ أربعةٌ وعشرونَ قيراطاً، وكلَّ عَشَرَةِ دراهِمَ سَبْعَةُ مثاقيلَ. وموازينُ المدينةِ أقرّتْ ذلك.
ثالثها: ربط الإسلامُ الذهبَ والفضّةَ بأحكام ثابتة لا تتغيّر، فحين فرض الدِّيَة عَيَّن لها مقداراً معيناً من الذهب. قال (صلى الله عليه وآله وسلم) في كتابه الذي كتبه إلى أهل اليمن: «وأنَّ في النفس المؤمنة مئةً من الإبل، وعلى أهل الورق ألف دينار» وقال: «لا قطع إلاَّ في ربع دينار فصاعداً» (+). فهذا التحديد لأحكام معينة بالدينار أو الدرهم والمثقال يجعل الدينار - بوزنه من الذهب، والدرهم بوزنه من الفضة - وحدةً نقدية تقاس بها قِيَمُ الأشياء والجهود.
رابعها: إنّ الله سبحانَهُ وتعالى أوْجَبَ زكاةَ النّقْدِ في الذهَبِ والفضّةِ، وعينَ لها نِصاباً منهما. فاعتبارُ زكاةِ النقْدِ بالذّهبِ والفضّةِ يعني أنّ النقدَ محْصورٌ بالذّهبِ والفضّةِ. ولو كان غيرُهُما نقداً لما وَجَبَتْ فيهِ زكاة نقدٍ، لأنّه لم يأتِ نصّ في زكاةِ النْقدِ، إلاّ على الذهبِ والفضّةِ، ممّا يدلّ على أنّه لا اعتبارَ لغيرِهِما منَ النقود.
خامسها: إنّ أحكامَ الصرْفِ التي جاءَتْ في معاملاتِ النقْدِ فقط إنما جاءت بالذهبِ والفضّةِ وحدَهُما. وجميعُ المعاملاتِ الماليّةِ التي وردتُ في الإسلامِ كان النصّ فيها على الذهب والفضّةِ فقط، والصرْف يكون بالعملةِ نفسِها أوْ بَيْعِ عمْلَةٍ بعمْلَةٍ أُخرى. وبعبارةٍ ثانية الصرْفُ مُبادَلَةُ نَقْدٍ بنَقْدٍ، فتعْيينُ الشّرْعِ للصرْفِ - وهوَ معاملةٌ نقديّةٌ بحْتَةٌ ولا تتعلقُ إلاّ بالنقْدِ - بالذهَبِ والفضّةِ دليلٌ صريحٌ على أنّ النقْدَ المقصودَ يجبُ أنْ يكونَ بالذهَب والفضّة لا غير. فقد جاء في الأثر: «بيعوا الذهبَ بالفضّةَ كيفَ شِئْـتُم يداً بيدٍ» . وعلى ذلك تُعْتَبَرُ النقودُ من الأشياءِ التي جاءَ الإسلامُ بحكمِها، وليستُ منَ الأشياءِ التي تدخُلُ في الرأي والمَشورَةِ، ولا بما تتطلبه الحياةُ الاقتصادية أو الحياة، الماليّة. بلْ هيَ منْ حيثُ كوْنها وَحْدَةً نقديةً، ومن حيثُ جِنْسها، ثابتةٌ بحُكمٍ شرعيٍّ، ترتبطُ بهِ أحكامٌ شرعيةٌ أخرى. فتحريمُ كَنْزِ النقد، وَوُجوبُ الزكاةِ فيهِ، وجعْلُ أحْكامِ الصرْفِ لهُ، وإقرارُ الرسولِ للتعاملِ بهِ، وربْطُ الديةِ والقطْع في السرِقة فيهِ، كلّ ذلك يَجعلُهُ أمراً يتوقّفُ الرأيُ فيه على نصِّ الشرع. فإذا نصّ الشرْعُ على هذا النقْدِ بالأحكامِ المتعلّقةِ بهِ وحدَهُ والمُرتَبطَة به، بأنّهُ الذهبُ والفضّةُ، كان ذلكَ دليلاً واضحاً على أنّ النقْد يجبُ أن يكونَ منَ الذهب والفضّةِ، أو أساسهُ الذهَبُ والفضّةُ. وعندئذٍ لا بدّ من التزامِ ما عينتهُ الأحكامُ الشرعيةُ منْ نوْعِ النّقْدِ، ولا بدّ من أنْ يكونَ النقدُ في الإسلامِ ذَهَباً أوْ فضّةً، ولا يجوزُ أن يكونَ غيرهما بأيّ وجهٍ من الوُجوه..
ولكن كون الذّهَب والفضّةِ وحْدَهُمَا نَقْداً لا يعني ذلكَ أنهُ لا يجوزُ التبادُلُ بغيرِهما، بلْ معناه، أنه لا يجوزُ للمسلمينَ أنْ يتخِذوا نقْداً لهُمْ سوى الذّهَبِ والفضّةِ. وموضوعُ النقْدِ هُنا غيرُ موضوعِ التبادُلِ، بلْ هو موضوعُ اتخاذ نقْدٍ. ومعَ جوازِ التبادُلِ بينً الناسِ بكلِّ شيءٍ، فإن اتخاذ مقياسٍ نقديّ للتبادُلِ ولغيرِهِ لا يجوزُ أنْ يتعدّى الذّهَبَ والفضّةَ، أي لا يجوزُ أنْ يكونَ النّقْدُ في الإسلامِ إلاّ ذهباً أو فضّةً أو أساسه الذهب والفضة كما تقدم.
والرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يضرب نقداً معيناً على صفةٍ معيّنة لا تختلِفُ، بلْ كانتُ وحداتُ الذهَبِ والفضّةِ من ضروبِ فارسٍ والرّومِ صغيرةً وكبيرةً، وقِطَعَ فضّةٍ غير مضروبةٍ ولا منقوشةِ، ويمنيَةً ومغربيّةً، وكان يُتَعامَلُ بها جميعها. وكانت حقوقُ الله تعالى كالزّكاةِ، وحقوقُ العبادِ كالدّينِ وثمنِ المبيع، تتعلّقُ بالدراهمِ والدّنانير. وظلّ الحالُ كذلكَ طوالَ أيامِ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وطوالَ أيام الخلَفَاءِ الرّاشدينَ إلى أن جاء عبْدُ الملكِ بنُ مروانَ فصيَّرَ النقْدَ وزْناً واحداً، لا يختلفُ عنْ وزْنِ المدينةِ، وكانَ ذلكَ سنة خمسٍ وسبعينَ هجريّة. ومنذُ ذلكَ التاريخِ صُكّتْ دراهمُ إسلاميةٌ ودنانيرُ إسلاميّةٌ أيضاً بناء على ذلك.
وهكذا فنظامُ النقْدِ في الإسلام، من حيثُ أساسه، محصورٌ بوزنِ الذهبِ والفضّةِ. أمّا حجمُهُ وضربُهُ وشكلُهُ ونوعُ نقشِهِ فلا يتعدّى الأسلوبَ. وعليهِ تكونُ كلمةُ الذّهب والفضّةِ، أينما وردَتْ في ألفاظ الشرْعِ وتقديراتِه، تنطبقُ على أمرين:
على النقْدِ الذي يُتَعَامَلُ بهِ ولو كانَ نُحاساً أو برونزاً أو وَرقا نقديَّاً إذا كانَ لهُ مُقابِلٌ (باعتبارِ ما يقابِلُهُ) منَ الذهَبِ والفضّةِ.
وعلى معدنَي الذهب والفضّةِ. فما كانَ منَ النقْد ذهباً أو فضّةً اعْتُبرَ، وما كانَ أوراقاً نقديةً أو نُحاساً أو غيرَ ذلكَ، مما يمكنُ تحويلُهُ إلى قيمتِهِ منَ الذَهبِ أوِ الفضّةِ، اعتُبرَ أيضاً إذا كان يستندُ إلى الذّهَب والفضّةِ. أمّا إذا كان لا يستنِدُ إليهما كالنقود الورقيّة الإلزامية فلا يُعتَبَرُ.
والنقودُ الورقيةُ الإلزاميةُ يُطلَقُ عليها أيضاً اسم الأوراق النقدية، وهيَ أوراقٌ تُصدِرها الحكوماتُ وتجعلُها نقوداً رئيسيةً ولكنها لا تُصرَفُ بذهَبٍ أو فضّةٍ، ولا يضمَنُها احتياطيّ ذهبٍ أو فضةٍ أو أوراقٍ مصرفيةٍ «بنكنوت»، ولكنُ يصدُرُ بشأنها قانونٌ يُعْفي المصرفَ الذي أصدرَها من التزامِ صرْفها بالذهبِ والفضّةِ. وهذه الأوراقُ النقديةُ جميعُها نقودٌ أهليةٌ، فلا يتعدّى تداوُلُها حدودَ البلَدِ الذي يخضَعُ للقانونِ الذي قضى بجعْلِها عِمْلَةً رئيسيةً. وليسَ لهذِه الأوراقِ النقديةِ سوى قيمة قانونية. وليسَ لها قيمةٌ سلعيةٌ لأنها تستمِدّ قيمتَها منْ إرادةِ المُشرّع الذي فرضَ تداوُلها، فإذا ألغى التعاملَ بها أصبحتْ عديمةَ القيمةِ.
زكاة الزروع والثمار:
قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ} [البَقَرَة: 267]. أي زكّوا من خير ما عملت أيديكم وكسبت من المال، ومن خير ما أنبتنا لكم من الأرض، ومن طيب الثمار، وأجود الحبّ.
وقال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ *} [الأنعَام: 141].
الله سبحانه وتعالى هو الذي خلق لكم هذه الجنائن والبساتين التي أنبت فيها زروعاً معروشة، تنبسط على الأرض كالبطيخ والكوسى والخيار، وأشجار الكرمة والأعناب.. وغيرها مما ترونه يمتد في سوقه وأغصانه حتى يملأ تلك المساحات الشاسعة من أرض الله الواسعة. وهو سبحانه الذي أنبت لكم أيضاً النباتات والأشجار الباسقة، غير المعروشة، التي ترتفع عن سطح الأرض باسقة عالية، مثل: النخل، أو الزيتون أو الرمان.
ومنه ما هو متشابه في الشكل واللون والطعم، أو مما يتشابه في الساق والغصن والورق ولكنه غير متشابه في الثمر والطعم.. فتلك الزروع من نباتات الأرض وأشجارها كلوا من ثمارها عندما تثمر وعندما تنضج، ولكن عليكم أن تُؤتوا زكاتها يوم حصادها أو قطافها، إنما من غير أن تسرفوا في العطاء، لكي يبقى لكم ولعيالكم منه. فلا تخالفوا أمرَ ربكم، حتى لا تتجاوزوا حدود ما شرع لكم، وتكونوا من المسرفين، والله سبحانه لا يحب المسرفين.
قال ابن عباس: «وآتوا حقه»، أي أدُّوا زكاتَه المفروضة. وحدود هذه الزكاة من الزروع والثمار قد بيّنها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في قوله: «فيما سقت الأنهارُ والغيمُ العشور، وفيما سُقي بالسّاقية نصف العشور» (+). وجاء في الأثر: «فيما سقت السماء والعيون، أو كان عثرياً، العشر، وفيما سُقي بالنضح نصف العشر»(+). (والمقصود بالعثري: الزرع الذي يُسقى من المطر فقط من غير اليد أو الآلة، ويُقال عنه، في بعض البلدان، الزرع البعل).
ومن أقوال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كما هو باتفاق الجميع أن نصاب الزكاة في الزروع والثمار هو:
- العشر (أي عشرة بالمئة: 10/1) في كل ما يُروى من ماء المطر، أو النهر، أو النبع، أو الساقية، ويلحق به أيضاً البعل.
- ونصف العشر أي 1/20 أو خمسة بالماية مما يرويه الإنسان بعمله وجهده، كما كان يروى الزرع في القديم بواسطة الساقية (أي الناقة التي ينقل عليها الماء من البئر إلى الحقل)، أو كما يروى اليوم بواسطة القنوات التي يشقها الإنسان، أو باستعمال الآلات الحديثة لحفر الأبار الارتوازية ومد الشبكات اللازمة لمياهها.
وقد كانت زكاة الزروع والثمار تؤخذ على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من الحنطة، والشعير، والتمر والزبيب. فعن أبي بردة: «عن أبي موسى ومعاذ أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عندما بعث هذين الأخيرين إلى اليمن كي يُعلِّما الناس أمر دينهم، أمرهما ألاَّ يأخذا الصدقة إلا من الحنطة والشعير، والتمر والزبيب»(+).
وأما الكمية أو المقادير التي تجب فيها الزكاة من الزروع والثمار، فهي ما بلغت خمسة أوسق (والوسق مكيال ستين صاعاً) أي ما يبلغ مجموعه، في لغة العصر، تسعمئة وعشرة كيلوغرامات (وهو عند الإمامية ثمانمئة وسبعة وأربعون كيلوغراماً تقريباً) ولا زكاة فيما دون هذا المقدار. وهذا باتفاق غالبية الأئمة، ما عدا الحنفية التي أوجبت الزكاة في قليل الزروع والثمار أو كثيرها، على حدٍّ سواء، ومهما كان مقدارها.
وإذا كان هنالك اتفاق على مقدار الزروع التي تجب فيها الزكاة، عند جميع الأئمة، إلاّ أن آراءهم تباينت حول أنواع تلك الزروع والثمار التي تجب فيها الزكاة:
- فقال الإمامية: تجب في الحنطة والشعير، والتمر والزبيب. وفيما عدا هذه الأنواع فهي غير واجبة، وإنما مستحبة.
وقال الحنفية: تجب الزكاة في كل ما أخرجته الأرض من الثمار والزرع، إلاّ الخشب والحشيش والقصب.
وقال المالكية والشافعية: تجب الزكاة في كل ما يُدَّخر للمؤونة كالحنطة والشعير والأرز والتمر والزبيب.
وقال الحنبلية: تجب الزكاة في كل ما يكال ويدخر من الثمار والزرع.
زكاة مال التجارة:
اتفق الأئمة جميعاً على أن المال الموروث لا يعتبر مال تجارة، لأن مال التجارة يتأتّى ملكه بفعل الإنسان نفسه، وتعريف هذا المال بأنه المال المملوك بعقد معاوضة بقصد الربح والاكتساب. وزكاة مال التجارة واجبة عند الأئمة الأربعة، ومستحبة عند الإمامية.
ويجري إخراج الزكاة من قيمة السلع التي يُتَّجَر بها ومقدارها عشر الربع، أي واحد من أربعين. والشروط التي قال بها الفقهاء لهذه الزكاة هي كما يلي:
عند الإمامية: يشترط وجود رأس مال من أول الحول إلى آخره. فلو نقص في أثناء الحول لم تكن هنالك زكاة، وإذا عادت القيمة إلى أساسها، استؤنف الحول من حيث عودتها، أي من حين عودة رأس المال وتحققه.
- وعند الأئمة الأربعة يجب توفر شرط الحول لتحقق الزكاة في مال التجارة، ويبتدئ من حين حصول العقد بقصد التجارة، فإذا تم الحول وحصل الربح كانت الزكاة. وأضاف الحنفية والمالكية أن العبرة بطرفي الحول، لا بوسطه، فمن ملك النصاب في أول الحول، ثم نقص في أثنائه، ثم كمل في آخره وجبت الزكاة. أما لو نقص في أوله أو في آخره، فلا تجب عندها الزكاة. ويرى الشافعية والحنبلية أن العبرة بآخر الحول، لا بطرفيه (أي أوله وآخره) فمن لم يملك النصاب في أول الحول، ولا في أثنائه، ثم ملكه في آخره، وجبت عليه الزكاة.
الزكاة في الذمة أو في العين:
تباينت الآراء حول هذه الزكاة، فهل تكون في نفس المال الذي يكون فيه المستحق للزكاة شريكاً للمالك كسائر الشركاء؟ وهل إن الزكاة تجب في ذمه المالك كسائر الديون، أو تتعلق بالمال كتعلق الدين في تركة الميت؟.
قال الإمامية والمالكية والشافعية: إن الزكاة تجب في عين المال، والفقير شريك حقيقي للمالك بدليل قوله تعالى: {وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ *} [الذّاريَات: 19]. وقد تواترت الأحاديث أن الله تبارك وتعالى أشرك بين الأغنياء والفقراء، ولكن رفقاً بالمالك أجاز الشرع أن يؤدي هذا الحق من الأموال الأخرى التي لا زكاة فيها.
- وقال الحنفية والحنبلية: تتعلق الزكاة بالعين كتعلق حق الرهن بالمال المرهون، ولا يزول هذا الحق إلاّ بالدفع إلى المستحق.
أصناف الـمستحقين للزكاة
اتفق الأئمة على أن الأصناف من الناس التي تستحق الزكاة ثمانية لقوله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ} [التّوبَة: 60].
وهذه أقوال المذاهب في تحديد هذه الأصناف أو الفئات..
أولاً الفقراء: اتفق الإمامية والمالكية على أن الفقير شرعاً هو من لا يملك مؤونة السنة له ولعياله. فمن كان عنده مال، أو عقار، أو مواشٍ ولا تكفي عياله طول سنة يجوز إعطاؤه من الزكاة. ومن ادّعى الفقر يُصَّدَّقْ عليه من غير بيّنة ويُعَنْ إذا لم يكن له مال ظاهر أو لم يعلم كذبه.
وقال الحنفية: الفقير هو من يملك أقل من النصاب، وإن كان صحيحاً، معافًى وذا كسب. أما من يملك نِصاباً من أي نوع كان، زائداً على حاجاته الأصلية (وهي مسكنه وأثاثهُ وثيابه وما إلى ذلك) فلا يجوز صرف الزكاة له. وحجة الحنفية في ذلك أن من يملك النصابَ تجب عليه الزكاة، ومن وجبت عليه، فلا تجب له.
وردَّت بقيةُ المذاهبِ عليهم بالقول: إن العبرة بالحاجة لا بالملك. فمن كان غير محتاج تحرم عليه الزكاة وإن لم يملك شيئاً، والمحتاج تحل له وإن ملك نصاباً، لأن الفقر معناه الحاجة، قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ} [فَاطِر: 15]، أي المحتاجون إليه.
وقال الشافعية والحنبلية: من وجد نصف كفايته لا يُعَدُّ فقيراً، ولا تجوز له الزكاة.
والاكتساب شيء أساسي في حياة الإنسان، لأنه نتيجة القدرة على العمل، فهل تحل الزكاة لمن كان قادراً على الاكتساب؟.
- قال الإمامية والشافعية والحنبلية: مَن قَدِرَ على الاكتساب لا تحل له الزكاة.
- وقال الحنفية والمالكية: بل تحل لمن يقدر أن يكتسب، وتدفع له، عندما يكون محتاجاً.
ثانياً المساكين: قال الإمامية والحنفية والمالكية: المسكين اسوأ حالاً من الفقير.
وقال الشافعية الحنبلية: المسكين أحسن حالاً من الفقير، لأن الفقير من لا يملك شيئاً ولم يجد نصف كفايته، بينما المسكين من يجد نصف كفايته، فيعطى النصف الآخر من الزكاة.
ومهما يكن الرأي حول الفقير أو المسكين وأيهما الأسوأ حالاً، فالخلاف ليس جوهريَّاً لأنه خلاف على مدلول الألفاظ، لا على واقع الإنسان الذي يعيش حالة العَوَزِ والحاجة. وتبقى العبرة بإيتاء الزكاة لكي تسد حاجة مضطر إلى مسكن أو ملبس أو مأكل، وما إلى ذلك من الحاجات الأساسية.
بل ولِمَ لا نتوسع، اليوم، في مفهوم الحاجة لتشمل المريض غير القادر على معالجة نفسه أو أحد أفراد عائلته، والأب الذي يريد أن يعلم ولده ولا يجد المال لتعليمه، وغير ذلك من الأوضاع التي تؤمن التكافل والتضامن بين أبناء المجتمع الإسلامي، والتي يدخل أصحابها في فئات الفقراء والمساكين، أي ذوي الحاجات الفعلية والحقيقية.
واتفق الأئمة على أنه لا يجوز لمن وجبت عليه الزكاة أن يدفعها لأَبَويْهِ وأجداده، ولا إلى أولاده وأولادهم، ما عدا المالكية فقد أجازوا دفعها إلى الجد والجدة، وأبناء البنين، لأن نفقتهم غير واجبة عندهم، في حين أن نفقة الأب والأم واجبة.
واتفق جميع الأئمة أيضاً على أنه يجوز دفع الزكاة للإخوة والأعمام والأخوال. ولكنها لا تجوز لأب المزكّي وأمه وأولاده إذا دفعت لهم من سهم الفقراء. أما لو كان أبو المزكّي أو أبناؤه من غير الفقراء، ففي بعض الحالات تدفع لهم الزكاة، كما لو كان الأب، أو الابن غازياً في سبيل الله تعالى، أو داعية إلى الله تعالى، أو من المؤلفة قلوبهم، أو غارماً في حِلٍّ أو إصلاح ذات بَيْنٍ، أو عاملاً على جباية الزكاة، فإن جميع هؤلاء يأخذون مع الغني والفقير، حتى ولو كانوا من أهل المزكِّي.
وأخيراً فإن ذوي القربى الذين لا تتوجب لهم الزكاة، هم أولى من الآخرين في البذل لهم، حين جواز صرف الزكاة عليهم، فبدل أن ينفق المزكّي على الغير. فإن صرف زكاته لذوي القربى أفضل وأَوصَلُ للرحم.
وتباينت آراء الأئمة حول نقل مال الزكاة من بلد إلى آخر:
فقال الإمامية الحنفية: أهل بلد المزكي أولى وأفضل إلاّ لحاجة ماسَّة، ولضرورة تستدعي أولوية النقل.
- وقال المالكية والشافعية: لا يجوز نقل مال الزكاة من بلد إلى بلد آخر.
- وقال الحنبلية: بل يجوز نقل مال إلى بلدٍ لا تقصر فيه الصلاة، ويحرم نقلها إلى مسافة القصر.
والزكاة بالحقيقة إنما وجدت في الأصل لصالح المجتمع الإسلامي، فإن وجدت بعض الظروف الصعبة التي تمرُّ فيها جماعة إسلامية، في أي بلد من العالم، وكانت تلك الظروف تستدعي مساعدة تلك الجماعة، فلا شيء يمنع من نقل أموال الزكاة إليها، كما هي الحال اليوم بالنسبة إلى مسلمي البوسنة والهرسك الذين يدافعون عن وجودهم، وعن حقهم الطبيعي في الحياة، ضد عدو ظالم، يحاول قهرهم وإبادتهم بالقوة ليقضي على مقومات وجودهم في تلك المنطقة من العالم، لأن هدفه الخبيث هو محو الإسلام من تلك المنطقة. وكذلك هي الحالُ بالنسبة إلى أهل الصومال حيث يموتون جوعاً، ومرضاً وفاقةً. والعالم كله ينظر إليهم، وكأنَّ المأساة الإنسانية التي يعاني منها الصومال، لا تعنيه إلاّ من خلال مصالحه السياسية والعسكرية. وما هذه المعونات التي يقدمها إلاّ لبقائه وترسيخ نفوذه في البلاد، أفلا تجب لهم الزكاة من أي مسلم، وإلى أي بلدٍ انتمى؟!
ثالثاً - «العاملون عليها»: وهم باتفاق الأئمة السعاة، أو الموظفون الذين يتولون جباية الزكاة وتحصيلها.
رابعاً - «المؤلفة قلوبهم» : قال الحنفية شرع حكم الزكاة لهم في بداية الإسلام، يومَ كان المسلمون قليلي العدد وفي حالة ضعف. أما اليوم، وقد كثر المسلمون، والحمد لله، وباتوا ذوي قوة، فقد ذهب الحكم بذهاب سببه.
ونحن نقول: هذا صحيح، فالعداوة التي واجهت المسلمين من المشركين والكفار، عند ظهور الإسلام كانت تستدعي تأليف القلوب، وتقريبها لهذا الدين، ولو عن طريق جذب الناس إليه بالمال.. ولكن الأصحَّ أيضاً أنه إذا عاد السبب عاد الحكم. والسبب في رأينا لم ينقطع أبداً، لأن الله تعالى عندما بعث نَبِيَّنا محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم) فإنما أرسله للناس كافة، وليس لأمة أو جماعة معينة من الناس، فأصبح فرضاً على المسلمين الدعوة الدائمة والمستمرة إلى الإسلام. ولعلّنا اليوم (وأكثر من أي وقت مضى) نجد مجالاتٍ واسعة لمن ينطبق عليهم وصف «المؤلفة قلوبهم»، فهؤلاء يجب الاحتكاك بهم، والاتصال معهم، بل إنَّ الحاجة تستدعي بذل الجهود لمعرفة «المؤلفة قلوبهم»، في شتى بلدان العالم، لتخفيف الضرر والضغط على المسلمين، ولتقريب الناس إلى الدين الإسلامي، وشرح معانيه وحقائقه، حتى يقيّض الله تعالى الهداية للعديد منهم، والدخول في الدين الحنيف. وإلاّ فما معنى حمل الدعوة الإسلامية ووجوب نشرها بين الناس؟ وهل نشر الإسلام موقوف على زمن معين، وعلى مكان معين؟ أم هو في الحقيقة واجب على الدعاة، بل وواجب على المسلمين جميعاً، كفرض كفاية، عليهم أداؤه حتى يرضى الله تعالى عنهم، وعن هذه البشرية التي تتخبط اليوم - كما نرى - في الضلال والفساد؟!.
وحول تعداد فئات «المؤلفة قلوبهم»، أطالت بقية المذاهب غير الحنفية، الشرح في ذلك. ومهما تشعبت آراؤها وتفسيراتها فإنه يمكن إرجاعها إلى شيء واحد، وهو أن الحكم باق ولم ينسخ، وأن سهم المؤلفة قلوبهم، يعطى للمسلم وغير المسلم، على شريطة أن يعود هذا العطاء بالخير، ولمصلحة الإسلام والمسلمين. وقد أعطى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) صفوان بن أمية، وهو مشرك، كما أعطى أبا سفيان وأمثاله، بعد أن أظهروا الإسلام، وذلك خشية كيدهم للمسلمين.
خامساً - وفي الرقاب: إن جميع الأئمة يرون بأن الرقيق، متى وجد، يشترى من مال الزكاة، ويعتق.
وفي هذا دلالة واضحة على فهم فقهاء المسلمين، لمضامين الدين الإسلامي في العمق. ذلك أن الإسلام قد أوجد سُبُلاً شتى للقضاء على فكرة الرقيق، تلك الفكرة الخبيثة التي شرَّعت استعباد الإنسان للإنسان، وغالباً بدون وجه حق. وفي تاريخ البشرية، ولا سيما في أوروبا، أيام القرون الوسطى، ما ينبئ عن ذلك الظلم الكبير. بل وتجارة الأوروبيين للرقيق، بنقل أهل أفريقيا، بالقوة، والعنف، والدهاء إلى أميركا، منذ أقل من قرنين هو أيضاً دليل ساطع على ظلم الإنسان للإنسان. كما أن التمييز العنصري - في العالم اليوم - ما يزال يستشري في نفوس كثيرين من أبناء بعض البلدان، بينما في بلدان أخرى نرى الاستغلال والجشع والظلم الذي يقوم به الناس تجاه بعضهم بعضاً، نراه يظهر بأبشع صوره وهم يشغِّلون الطبقات الفقيرة أو العاملة بأقصى الجهد وأقل الأجر، وأسوأ الأوضاع.. وهم في ذلك كله يستعلون عليهم ويستكبرون... أفلا يُعتبرُ هذا نوعاً من الرق المبطَّن الذي يجب القضاء عليه؟ على أنه وإن كان الرقيق بمعناه الأساسي لم يعد موجوداً في العصر الحاضر، أي بمعنى شراء الإنسان واعتباره سلعة للمتاجرة، إلاّ أن الفضل الأول في القضاء على تلك الفكرة إنما يعود للإسلام وحده، الذي شرع في القضاء على الرق يوم كان في ذروته، ثم جاءت من بعده الدول تبلور فكرة الإسلام بقوانين وضعية، ومن ثم تبعتها كافة الشرعات الدولية في تحريم الاسترقاق، وإعطاء الأفراد حقوقهم في العيش والحرية، والشعوب حقها في تقرير المصير.
ولعل من مفاخر الإسلام، على مدى الدهر، هو أنه انتزع من نفوس أبنائه فكرة الرق، وبذلك لم يَعُدْ له، والحمد لله، وجود في ديار المسلمين، وأصبح حكم «وفي الرقاب» كأنه بدون موضوع في هذه الديار.
ولكن من جهة أخرى، وكما يلاحظ المفكرون، ذوو النزعة الإنسانية، أن الدول الكبرى، ولا سيما المستعمرة منها، قد حررت الفرد ظاهريّاً من العبودية، إلاّ أنها استبدلت هذه العبودية بأخرى أشدَّ وأدهى، ألا وهي استعباد الشعوب الضعيفة والمتخلفة، تارة بالانتداب والوصاية، كما كان الحال عليه إثر نشوء منظمة الأمم المتحدة، وتارة بالاحتلال العسكري المباشر، أو افتعال الحروب في البلدان الأخرى.. بل والأشد والأدهى، أن الدول الكبرى، عندما لا تستطيع افتعال حرب فعلية وعلنية، أو عندما لا تستطيع تفجير الصراعات الداخلية، في هذه الدول أو تلك، فإنها تلجأ إلى الأساليب والوسائل التي تمكّنها من الاستعباد الخَفِيِّ للشعوب الأخرى، وتفرض عليها شكل الحكم الذي تريد، حتى تبقيها مرتبطة بعجلتها السياسية والاقتصادية، وبالتالي حتى تظل قادرة على التحكم بمصيرها.. وما ذلك إلا لأن الدول القوية، التي تحكمها ذهنية الاستعمار، ما زالت تتحكم بها هذه الذهنية البغيضة، التي تكمن وراءها فكرة الرِّق والاستعباد والاستغلال.. وإنه لمن نافل القول أنه لم يتسنَّ للبشرية حتى الساعة، أن تشهد ولادة عالم جديد، خالٍ من كل أشكال التعصب، والتمييز العنصري، واغتصاب حقوق الآخرين، واستغلال بلادهم إلخ... عالمٍ جديدٍ يقوم على الحق، والعدل، والمساواة، وعلى الأمن والسلام. ونحن على يقين لو أن المسلمين خاصة طبقوا الإسلام شرعة ومنهاجاً، والعالم عامة اعتنق مبدأ الإسلام، لكان لنا ذلك العالم الجديد، عالم الإنسانية بكل معانيها الحقيقية.
سادساً - «والغارمين»: اتفق جميع الفقهاء على أن الغارمين، هم المدينون في غير معصية، يُعطون من الزكاة لوفاء ديونهم.
سابعاً - «وفي سبيل الله»: قال الإمامية: سبيل الله تعالى عام. ويشمل الغزاة من أجل الدِّينِ، وبناء المستشفيات، والمدارس والمساجد، وجميع المصالح العامة، وفي سبيل الله تدفع الزكاة.
وقال الأئمة الأربعة: المراد منه هنا، وبالتحديد، الغزاة فقط، وهم المتطوعون في الحرب دفاعاً عن الإسلام.
ثامناً - «وابن السبيل»: اتفق جميع الأئمة على أن ابن السبيل هو الغريب، المنقطع من ماله وعن بلده، فيجوز صرف الزكاة له بقدر مايصل به إلى وطنه.
وجميعُهُمْ في اتفاقٍ أيضاً على أن الزكاة تحرم على بني هاشم بجميع أنواعها، إذا كانت من غيرهم، وتحل زكاة بعضهم لبعض.
وعند جميع الأئمة المسلمين أن أموال الزكاة قسمان:
الأول: ما يراعى فيه الحول، وهو الحيوان، وقيمة التجارة، ولا تجب الزكاة فيه قبل مضي سنة. وهذه السنة، عند الإمامية، أن يمضي على المال في ملك المزكي أحد عشر شهراً، ويهلّ أو يبتدئ الثاني عشر كما مرَّ.
الثاني: ما لا يجب فيه الحول، كالثمار والغلال، فتجب فيها الزكاة عندما يبدو صلاحها، إمّا وقت الإخراج والتنفيذ فحين تقطف الثمرة، وتشمَّس، وتجفف أو حين تحصد الغلة وتُصفَّى من التبن والقشور. ومن أخَّر إخراج الزكاة مع حلول الوقت، وبإمكانه الأداء، فهو آثم. ويضمن مع التلف لأنه أخَّر الواجب عن وقته، وفرَّط بالتأخير.
والسؤال الأخير: هل يجوز أن تُعطى الزكاة كلها لأحد الأصناف الثمانية، أي للفقراء مثلاً، أو للغارمين أو لأي صنف دون الآخرين.
قال الإمامية: يجوز، على أن تعطى للفقير دفعة واحدة، لا على دفعات.
وقال الحنفية والحنبلية: يجوز إعطاؤُها لشخص واحد إذا لم تخرجه إلى الغنى.
وقال المالكية: يجوز دفع الزكاة، ولو لواحد من الأصناف الثمانية، إلاّ العامل على جبايتها فلا يجوز له أن يأخذ أكثر من أجرة عمله.
وقال الشافعية: يجب تعميم الزكاة على الأصناف الثمانية إذا وجدوا. وإذا فقد بعضهم أعطي للموجود منهم، وأقل ما يعطى ثلاثة أشخاص من كل صنف.
زكاة الفطر:
شرّعت زكاة الفطر، في شهر شعبان، من السنة الثانية للهجرة. وهي واجبة على كل فرد من المسلمين، صغيرٍ أو كبيرٍ، ذكرٍ أو أنثى، حُرٍّ أو عبدٍ، فعن ابن عباس (رضي الله عنه) قال: «فرض رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) زكاة الفطر طُهْرةً للصائم من اللغو والرفث، وطعمةً للمساكين. من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة، فهي صدقة من الصدقات»(+). وعن أنس قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): من صام شهر رمضان وختمه بصدقة وغدا إلى المصلى بغُسلٍ رجع مغفوراً له» (+).
وتسمى زكاة الفطر، زكاة الأبدان، وهي تعني هنا من تجب عليه الزكاة، ومدى مقدارها، ومن تخرج عنه، ووقت خروجها، وأخيراً من يستحقُّها.
قال أئمة المسلمين: تجب زكاة الفطر على كل مسلمٍ قادرٍ، كبيراً كان أم صغيراً. فيجب على الولي أن ينفقها من مال المجنون والطفل، ويدفعها للفقراء. واشترط الإمامية مع القدرة على الأداء أن يكون المزكي بالغاً، عاقلاً. وفسَّروا القادر بأنه الذي يملك مؤونة سنة له ولعياله بالفعل، أو بالعمل، بحيث يكون له ما يستثمره، نحو صنعة يكتسب بها. وقال الحنفية: القادر هو الذي يملك نِصاباً زكويّاً، أو قيمة هذا النصاب، وأن يكون فاضلاً (أي زائداً) عن حاجته.
وقال المالكية والشافعية والحنبلية: القادر هو الذي يجد ما يفضل عن قوته وقوت عياله، في يوم العيد وليلته، مع استثناء ما يحتاج إليه من المسكن، والثياب، والأدوات الضرورية.
إخراج زكاة الفطر:
قال الإمامية: يجب على ولي الأمر في البيت إخراج زكاة الفطر عن نفسه، وعن كل من يعوله حين دخول ليلة العيد، من غير فرق بين واجب النفقة أو غيره، ولا بين الصغير والكبير، ولا بين المسلم وغير المسلم، ولا بين الرحم القريب، والغريب البعيد، حتى ولو جاءه ضيف قبل دخول هلال شوال بلحظات، وأصبح في جملة العيال تلك الليلة، يجب أن يخرج عنه زكاة الفطر. أما إذا جاء الضيف بعد الغروب فلا يجب الإخراج عنه. وكل من وجبت زكاة فطره على غيره سقطت عنه.
وقال الحنفية: يجب على المكلف أن يخرج زكاة الفطر عن نفسه، وولده الصغير، وخادمه، وعن ولده الكبير إذا كان مجنوناً، أما إذا كان عاقلاً فلا تجب على أبيه. كما أنه لا يجب على الزوج أن يخرج زكاة الفطر عن زوجته، فلو أداها عنها أجزاها استحساناً.
وقال المالكية: يجب على المكلف أن يخرجها عن نفسه، وعن زوجته، وعمَّن يقوم بنفقتهم وهم: الوالدان الفقيران، وأبناؤه الذكور الذين لا مال لهم، إلاّ أن يبلغوا ويصبحوا قادرين على الكسب، وبناته الفقيرات إلى أن يتزوجن، ويدخل الزوج بهن.
وقال الشافعية والحنبلية: يجب على المكلف إخراجها عن نفسه، وعمَّن تلزمه نفقته كالابن والأب والزوجة.
أما عن المقدار الواجب إنفاقه عن كل شخص، فهو، باتفاق الأئمة، صاع من الشعير أو التمر أو الزبيب أو الأرز أو الذرة وما إلى ذلك من القوت الغالب في البلد. أما الحنطة، فقالوا بالاتفاق إن مقدارها صاعٌ كبقية الأنواع، إلاّ الحنفية فقد جعلوها نصف صاع عن الفرد الواحد.
(والصاع يقدر بحوالي ثلاثة كيلوغرامات من الطحين).
وقت وجوب إخراج زكاة الفطر:
قال الإمامية: تجب زكاة الفطر بدخول ليلة العيد، ويجب أداؤها من أول الغروب إلى وقت الزوال، والأفضل أداؤها قبل صلاة العيد. وإذا لم يجد المكلف من يستحقها في هذا الوقت، فعليه أن يعزلها مستقلة عن ماله، بنيّة دفعها في أول فرصة. وإذا تأخر بأدائها عن هذا الوقت مع وجود المستحق، وجب أداؤها بعد ذلك. وعلى ذلك فإن الزكاة لا تسقط عندهم بحال.
وقال الحنفية: وقت وجوب زكاة الفطر من طلوع فجر العيد إلى آخر العصر، لأن زكاة الفطر من الواجبات الموسَّعة، ويصح أداؤها مقدماً أو مؤخراً.
وقال المالكية: تجب بغروب الشمس في آخر يوم من رمضان.
وقال الشافعية: وقت وجوبها حين الغروب وقبله بقليل، من اليوم الأخير من شهر رمضان المبارك، ويُسنّ (يستحسن) إخراجها في أول يوم من أيام العيد، ويحرم إخراجها بعد اليوم الأول، إلاّ لعذر شرعي.
وقال الحنبلية: يحرم تأخيرها عن يوم العيد، وتجزي قبل العيدين بيومين، لا قبل هذه المدة.
واتفق جميع الأئمة على أن المستحقين لزكاة الفطر هم المستحقون للزكاة العامة، ويكفي ثمن الحبوب عوضاً عنها، ولا تنقل من بلدٍ إلى آخر مع وجود المستحق. ويستحب أداؤها خاصة لذوي القربى المحتاجين، ثم الجيران، فقد جاء في الحديث الشريف: «جيران الصدقة أحق بها» (+).
cetirizin netdoktor cetirizin csepp cetirizin hund dosis



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB