الاسلام وثقافة الانسان
الطبعة : الطبعة التاسعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   816
تاريخ النشر :   2002




القسم الرابع - كيفيّة حَمل الدعوة الإسلاميَّة

تجاوز محاولات التوفيق
الخوف «مظهرٌ من مظاهر غريزة حبّ البقاء»
الصـبـر، الجهـاد، الهـدف، مقياس الأفعال
الإنسان يملك قوى عديدة مؤثرة دافعة للعمل
الوعي السياسي
حمل الدعوة الإسلامية فرض على المسلمين


كيفية حمل الدَّعوة الإسلامِيَّة
قال رسول الله (ص):
«يَحْمِلُ هذا الدينَ في كُلِّ قَرْنٍ عْدْولٌ يَنْفْونَ عنه تأويل المبطلين وتحريف الغالين وانتحال الجاهلين كما ينفي الكيرُ خَبَثَ الحديد»


تجاوُزُ مُحاوَلاتِ التوفيق
على حامل الدعوة الإسلامية أن يطلع على محاولات التوفيق بين الإسلام والأفكار والأحكام الغريبة عنه:
ـ إنّ ميولَ مُعظمِ المسلمينَ قد جاوَزَتْ محاوَلَةَ التوفيقِ بينَ الإسلامِ والأحكامِ والمُعالجاتِ الرأسماليّة. ووصلَتْ إلى حَدّ الشّعورِ بعَجزِ الإسلامِ عن إيجادِ مُعالجاتٍ لمشاكلِ الحياةِ المُتجدّدةِ، والشّعور بضرُورةِ أخذِ الأحكامِ والمُعالجاتِ الرأسماليةِ، كما هي دونَ حاجةٍ إلى التوفيقِ. ولا يرى المُسلِمُ ضيراً في تركِ أحكامِ الإسلام وأخْذِ غيرِها منَ الأحكامِ ليتمكّنَ منَ السّيرِ قُدُماً في مُعتركِ الحياةِ معَ العالمِ المُتمدّنِ، ويلحَقَ بقافلةِ الأممِ الرأسماليّةِ أوِ الشعوبِ التي تُطبّقُ الاشتراكيّةَ وتسيرُ نحو الشيوعيّة باعتبارها الشعوب الرّاقية في نَظَرهِ. وأمّا البقيّةُ الباقيَةُ منَ المُتمسّكِينَ بالإسلامِ فَلَدَيهم المَيْلُ نفسُهُ للأفكارِ الرأسماليّةِ، ولكنّهُم لا يزالونُ يأملونَ بإمكانيّةِ التوفيقِ بينها وبينَ الإسلامِ. ولكنّ هؤلاءِ الذينَ يحاولونَ التوفيقَ بينَ الإسلامِ وغيرهِ لا أثَرَ لهم في مُعتركِ الحياةِ، ولا وجودَ لهم في المجتمعِ، أي في العلاقاتِ الدائرةِ فِعلاً بينَ الناسِ.
ومن هنا كانَ إعطاءُ الأفكارِ الإسلاميّةِ والأحكامِ الشرعيّةِ لمُعالجةِ مشاكلِ الحياةِ، لا يمرُّ بسهولةٍ، بل يصطدمُ بعُقُولٍ عقيمةٍ بائسةٍ مُجرّدةٍ مِنْ كلّ تفكيرٍ. ويصطَدِمُ بالمُيُولِ المُوزَّعةِ بينَ الأفكارِ الرأسماليّةِ أوِ الاشتراكيّةِ، كما يصطدمُ بواقعِ الحياةِ العَمَلَيّة التي يتحكّمُ فيها النّظامُ الرأسماليّ. فما لم يكن الفِكرُ قويّاً إلى دَرَجَة إحْدَاثِ رجّةٍ في النّفوسِ والعقولِ، فإنّهُ عاجزٌ عن أن يهُزّ الناسَ، بلْ لا يمكن أن يصلَ إلى حالةٍ تَلفِتُ النّظَرَ، لأنّ واجِبَ هذا الفِكرِ أن يحملَ العقولَ الخاملَةَ السّطحيّةَ على التعمّقِ في التفكيرِ، وأنْ يهُزَّ المُيُولَ المُنحرفة والأذواقَ المريضةَ حتى يُوجدَ الميلَ الصادِق للأفكار الإسلاميّةِ والأحكامِ الشرعيّةِ والحمد لله جاءت حادثة 11 أيلول في نيويورك وواشنطن هزّت العالم بأسره.
ومِنْ هنا كانَ لِزاماً على حامِلِ الدّعوَةِ الإسلاميّةِ أنْ يتعرّضَ للأسسِ التي تقومُ عليها جميعُ المُعالجاتِ والأحكامِ المُخالِفَةِ للإسلامِ، وأن يُبَيّنَ زيْفَها بإظهارِ واقِعِها، وأن يعمَدَ إلى وقائع الحياةِ المُتجدّدةِ المُتعدّدةِ، فيُبَيّنَ علاجَ الإسلامِ لها باعتبارِهِ أحكاماً شرعيّةً مُستنبطةً من الكتابِ والسنّةِ أو ممّا أرشدَ إليهِ الكتابُ والسنّةُ من أدلّةٍ، لا من حيثُ صلاحيّتُها للعصر أو عَدَمُ صلاحيّتها. ومن أعظَمِ ما فُتِنَ به المُسلمونَ، وأشدّ ما يُعانُونَهُ من بلاءٍ في واقع حياتهم، الأفكارُ المُتعلّقَةُ بالحكمِ والاقتصادِ. فهي من أكثرِ الأفكارِ التي وَجَدَتْ ترحيباً لدى المُسلمينَ، ومن أكثرِ الأفكارِ التي يحاولُ الغربُ تطبيقها عمليّاً، ويسهَرُ على تطبيقِها في دأبٍ متُواصلٍ. وإذا كانتِ الأمّةُ الإسلاميّةُ محكُومةً بنظامٍ ديمقراطيٍّ من حيثُ الشكلُ، فإنها محكومةٌ بالنظامِ الاقتصاديّ الرأسماليّ عمليّاً.
ولذلكَ كانت أفكارُ المسلمينَ عنِ الاقتصادِ من أكثرِ الأفكارِ المُؤثّرَةِ في واقعِ الحياةِ الاقتصاديّةِ في العالمِ الإسلاميّ من حيثُ إنها ستَقْلبها رأساً على عَقِب، وستكونُ من أكثرِ الأفكارِ التي يحاربها الاستعمارُ وعُملاؤهُ والمَفْتُونونَ به منَ الظلاميين.
ولذلكَ لم يكنْ بُدّ من إعطاءِ صورةٍ واضحةٍ عنِ الاقتصادِ في النّظامِ الرأسماليّ والاشتراكيّ الشيوعيّ، والأسسِ التي يقومُ عليها كلّ منهما حتى يَلْمُسَ عُشاقُ هذين النظامينِ تناقُضهما مَعَ الإسلام.
ثم يرونَ الأفكارَ الإسلاميّةَ الاقتصاديّةَ، وهي تُعالجُ مشاكِلَ الحياةِ الاقتصاديّةِ المُعالجَةَ الصحيحةَ، وتجعلُها طرازاً خاصاً من العَيشِ يتناقضُ معَ الحياةِ الرأسماليّةِ والاشتراكيّةِ الشيوعيّةِ في الأسس والتفاصيل.


الخوف «مظهرٌ من مظاهِر غريزة حُبِّ البقاء»
وعلى حامل الدعوة أن لا يخاف إلا من الله سبحانه وتعالى:
ـ الخوفُ مُشكلَةٌ منَ المُشكلاتِ الخطِرةِ التي تُكابدُها الشعوبُ المُتخلفةُ والأممُ الضعيفةُ.
وإذا سيطرَ الخوفُ على شخصٍ وشلّ ذاكرَتَهُ وقابليّةَ التمييزِ عنده، أفقَدَه لذّةَ العَيشِ، وأنْبَلَ الصّفاتِ، وأربَكَهُ ذهنياً حتى يَفْقدَ القُدرَةَ في الحكم على الأشياء.
وأخْطَرُ أنواعِ الخوفِ، الخوفُ منَ الأوهامِ والأشباحِ. كما لو رأى شجرَةً فتوهّمَها حيواناً مُفترِساً، أو رأى عمُوداً فتخيّلَهُ شَبَحاً فأسرَعَ في الهرَبِ منه. ولا يكونُ ذلكَ إلاّ عند ضعافِ العقولِ إمّا لأنّ نموّهم العقليّ لم يكْتمِلْ كالأطفالِ، أوْ لعَدَمِ معرفَةِ المعلوماتِ الكافيةِ للرّبْطِ بالواقع. ويُعالجُ الخوْفُ لدى هؤلاء إمّا بالتعمّقِ في البحثِ وتقريبِ الأشياء لإدراكهِم، وإمّا بإعطائهم أفكاراً مُتّصلةً بما يخافونَ منه على أن يكونَ لهذه الأفكارِ واقعٌ محسوسٌ لديهم. وبهذا العلاجِ يتخلّصونَ من سَيْطَرَةِ الخوفِ إما بإزالته، أو بتخفيفِهِ تدريجياً إلى أنْ تَنْقَلعَ بقاياه..
وهناكَ نوعٌ من الخوفِ شائعٌ ناتجٌ عن عدَمِ الموازنةِ بينَ ما ينتج من القيامِ بالعَمَلِ، وما ينتجُ من عدمِ القيامِ به. وكلاهما يُسبّبُ أذى، فيُؤدّي الخطأ في هذه الموازنَةِ إلى الخوْفِ من بسائط الأمورِ والوقوعِ في المخاطرِ، وذلك كالخوفِ من الحاكمِ الظالمِ، في أنْ يُوقِعَ الأذى بالفَرْد الذي يُؤَدّي بدورِهِ إلى إيقاعِ الأذى بالأمّةِ، وكخوفِ الجنديّ في ساحةِ القتالِ من الموتِ الذي يُؤدّي إلى إبادةِ الجيشِ كلّهِ، وهو واحِدٌ منه، وكخَوفِ حاملِ الدعوةِ منَ السّجن في سبيل العقيدَة التي يحملها، مما يُؤدّي إلى ضياعِ العقيدَة، وهو أكثرُ ألماً من السجن.
وهذا الخوفُ خَطِرٌ جداً على الأمّة لأنه يُؤدّي بها إلى المخاطرِ، بل رُبما أدّى إلى الدّمار والهلاكِ.
لكنّ الخوْفَ نافعٌ ومفيدٌ في بعضِ الأحيانِ. فالخوفُ من الأخطارِ الحقيقيّةِ أمرٌ مُفيدٌ أحياناً، وهو واجبٌ، والاستهتارُ به مُضِرّ، ولا يجوزُ سواء كانتِ الأخطارُ على الفردِ نفسهِ أو على أُمّتِهِ. فالخوْفُ في هذه الحالة هو الحارسُ والحامي.
ولذلكَ لم يَكُنْ بُدّ مِنْ شرح الأخطارِ المُحدِقَةِ بالأمّةِ حتى تحسبَ حسابها وتعْمَلَ للدفاعِ عن نفسها وتقضيَ على الأخطارِ المذكورةِ.
والخوفُ من الله ومن عذابهِ أمْرٌ مُفيدٌ وواجبٌ وهو الحارسُ الأمينُ.
ولذلكَ كان هذا النوع من الخوف أرْوَعَ أنواعهِ. إنه نافعٌ ومفيدٌ. ويجبُ أن يكونَ وأن يُعْمَلَ على تكوينِهِ، لأنّهُ هو الحارس الأمينُ، وهو الذي يَضمَنُ سير الإنسانِ على الصراطِ المستقيم.
وبناءً عليه، فإنّ الخوْفَ جزءٌ من فِطْرَةِ الإنسانِ.
والمفاهيمُ هي التي تُثيرُهُ فيه، أو تُبعِدُهُ عنهُ. وهو كما رأينا منْ أخطَرِ الأمورِ على الإنسانِ في نواحٍ، كما أنّهُ من أكثرِها فائدةً في نواحٍ أخرى.
فلكي يتّقيَ الإنسانُ أخطارَهُ ويتمتّعَ بمنافِعِه يجبُ عليه أن يخضعَ للمفاهيم الصادقةِ وحدَها، ألا وهي مفاهيمُ الإسلام.
وذلكَ بالنسبةِ لجميعِ مظاهرِ الغرائزِ التي فُطِرَ عليها الإنسانُ.
صِدق المُعَاملة
وعلى حامل الدعوة أن يكون صادق المعاملة:
ـ العاطفةُ القويّةُ الصادقَةُ المُخلِصَةُ قادرةٌ على التأثيرِ، بعد الانتهاءِ من جميعِ الوسائلِ المُمكنِ أنْ يكونَ منْ ورائها إصلاحٌ. فعلى الإنسان أن يأخُذَ غيرَةَ الأبِ بالنسبةِ لولدِهِ فيراهُ أقوى على إصلاحهِ، ويراه يستعملُ جميعَ الوسائلِ، التي تؤدّي إلى نتيجةٍ يرغبها، ويرضى عنها، حتى إذا فرغَ منها، وتملّكهُ اليأسُ، وتركهُ وحاولَ نسيانَهُ، مع العلم أن العاطفةَ تخفّ، ولكنها سرعانَ ما تعودُ بقوّةٍ أكثرَ مما كانتْ عليه، إذا رَجَعَ هذا الولدُ إلى صوابهِ واهتدى إلى طريقهِ. فعلى حَمَلَةِ الدعوةِ الإسلاميّةِ أن يصبرُوا على عبادِ الله ومخلوقاتهِ، ويستعملوا جميعَ الوسائلِ المُمْكِنَةِ، على أن لا تخالفَ الشرعَ ولا تتعدّى حدودَ الله. وليعلموا أن هذهِ المخلوقاتِ عزيزةٌ على الله ولها شأنٌ يذكرُ إذا رجعتْ إلى هداها، وأبصرتْ طريقها، وثابتْ إلى بارئِها، وأدركت حقيقةَ وجُودِها. وعليهم أن لا يروا شيئاً مستحيلاً، وإذا حاولَ اليأسُ أن يتملّكهُمْ فعليهمْ أنْ يُبعِدُوه بالصبرِ والتقوى والمُصابرةِ، {اصْبِرُوا وَصَابِرُوا} [آل عِمرَان: 200].
إذ عندما يكونُ العَمَل للّهِ، والقولُ صادراً عن أشياءَ تتعلّقُ بثوابِ الله أو عِقابِهِ، يُترَكُ حكمُ ذلك للّهِ. ولا يجوزُ لأيّ عبدٍ أن يصدر أي حكمٍ عليها، لأنّها ليست من خصائِصِهِ، فإذا حكمَ لا يكونُ حكمُهُ مقطوعاً به.
والأمة بالنسبةِ لأيّةِ حركةٍ تقفُ منها موقفينِ لا ثالث لهما:
1 ـ موقِف اللامُبالاةِ: وهو يميتها.
2 ـ موقِفُ الاهتمامِ: كرهاً أو تأييداً، وهو يحييها.


الصَّبْر
وعلى حامل الدعوة أن يتحلّى بالصبر:
ـ على كلّ مَؤمنٍ بحركَةٍ أن يقومَ بالأعمالِ التاليةِ:
1 ـ أن يتّصلَ بالجمهورِ اتّصالاً وثيقاً.
2 ـ أن يُوضِحَ فِكْرَتَهُ ويشرَحَ الطريقَةَ التي تُوصلُ إلى تنفيذِ الفِكْرَةِ.
3 ـ أنْ يصبرَ على جميعِ التقلبّاتِ التي تَقَعُ عليهِ مِنْ جميعِ الجهات لأنّ الله تعالى يقولُ: {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ *} [فُصّلَت: 35] ويقولُ: {فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلاً *} [المعَارج: 5] ويقولُ على لسانِ لُقْمان سلامُ الله عليهِ يُوصي ابنهُ: {يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاَةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ *} [لقمَان: 17]. فإنّ طاعَةَ الله بإقامَةِ الصّلاةِ وشرُوطها، وحَمْلِ الدّعوَةِ الإسلاميّةِ والصّبرِ على مشاكلِ الحياةِ، وما يَنْتجُ عنها مِنْ متاعِبَ يُعْتبرُ مِنْ عَزْمِ الأمُورِ. وأولو العَزْمِ الذينَ ذَكَرَهُمْ الله سُبحانَهُ وتعالى هُمُ الأنبياءُ الخمسةُ: نُوحٌ وإبراهيمُ وموسى وعيسى ومحمّد سلامُ الله عليهم جميعاً. فمَنْ أرادَ أن يتشرّفَ بهذا الشّرَفِ العظيمِ فعليهِ أن يُطبّقَ مفهومَ هذه الآيةِ الكريمةِ.


الجِـهَـاد
وعلى حامل الدعوة أن يكونَ دائماً مُستعداً للجهادِ في سبيلِ إعلاء كلمة اللَّهِ:
- الجهادُ بَذْلُ الوسعِ بساحَةِ القِتالِ في سبيلِ الله لإعلاء كلمتِه مُباشرةً أو مُعاونةً بمالٍ أو رأيٍ أو تكثيرِ سوادٍ، أو غيرِ ذلكَ. وهو خاصّ بالقتالِ وما يتّصلُ بهِ مُباشرةً، كخُطْبَةٍ في الجيشِ لتَحْمِيسهِ عندَ المعركةِ، أو كتابةٍ للحثِّ على القتال. والجهادُ فَرْضٌ على جميعِ المسلمينَ بنصّ القرآنِ والحديثِ قال تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} [الأنفَال: 39] وقال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ *} [التّوبَة: 123] وقال رسول الله (ص): «الجهادُ ماضٍ إلى يَومِ القيامةِ»(+). وفي حديثِ الحسنِ سلامُ الله عليه قال: «غدْوَةٌ أوْ رَوْحَةٌ في سبيلِ اللّهِ خيرٌ منَ الدّنيا وما فيها». والجهادُ فَرضُ كِفايةٍ ابتداءً، وفرضُ عَينٍ إنْ هَجَمَ العدوّ.
ومعنى كونهِ فَرْض كفايَة ابتداء أن نبدأ بقتالِ العَدُوّ وإنْ لم يَبَدَأنا، وإنْ لم يَقُم بالقِتالِ ابتداءً أحَدٌ في زمنٍ ما أثم جميعُ المسلمينَ بتركِهِ. ولا تَسقُطُ فريضتهُ عن أهلِ إيران وباكستان بقيام أهل سوريّا والأردن به مثلاً، بل يُفرَضُ على الأقرَبِ فالأقربِ منَ العدُوّ إلى أنْ تَقَعَ الكفايةُ بمن قاموا بالقتالِ بالفعلِ. فلو لم تَقَعِ الكفايةُ إلاّ بكلّ المُسلمينَ لصار الجهادُ فَرضَ عينٍ على كلّ مُسلمٍ. وذلك كإقامَةِ دولةٍ تحكمُ بما أنزلَ الله على المسلمينَ، فإنّ قيامَها فَرْضٌ عليهم جميعاً. فإن أقامها البَعْضُ سَقَطَتْ فريضَتُها، وإنْ لم يُقِمها المسلمونَ، ظلّتْ فريضتُها عليهم جميعاً حتى تحصُلَ الكفايةُ بإقامَتِها بالفِعلِ. وكذلك الجهادُ إنْ بقي العدُوّ في الساحةِ ظلّ فَرْضاً على المسلمينَ حتى يُدفَعَ العدوّ.
ومن هنا جاءَ الخطأ في تعريفِ الفُقهاءِ لفرضِ الكفايةِ بأنّهُ إذا قامَ بهِ البَعْضُ سَقَطَ عن الباقين، لأنّ هذا التعريفَ يقضي بأنّهُ إذا قامَ أهلُ عَدَنٍ بالجهادِ ضدّ بريطانيا بالفِعلِ سَقَطَ عن باقي المسلمينَ، ويقضي بأنّهُ إذا قامَ أهلُ فلسطينَ بالجهادِ ضدّ إسرائيلَ بالفعلِ سَقَطَ عن باقي المسلمينَ. لأنّهُ حسبَ تعريفهم، قام البعضُ بالفَرضِ، وهو الجهادُ، فيَسْقُطُ عن الباقينَ. وهذا خطأ بلا خلاف بين المسلمينَ منذ عهدِ الرّسولِ (ص) إلى اليوم، ويُناقِضُ نصّ القرآنِ القطعيّ في فرضهِ الجهادِ حتى يخضعَ العَدُوّ.


الهَدف
وعلى حامل الدعوة أن يتصوّرَ دائماً الهدف الذي يسعى إليه:
ـ علينا أن نغسلَ هذا الثوبَ الإسلاميّ الذي وسّختهُ العصبيةُ، ولطختهُ الأهواءُ الشخصيّةُ، وسدلت عليه الثقافةُ الأجنبيةُ ستاراً من الظلام. علينا أن نُكرّسَ حياتنا لغايةٍ نبيلةٍ، تأخذ بيد البشرية جمعاءَ. يجبُ أن نعيشَ لهدفٍ مُعيّنٍ، وهلْ يُوجَدُ حاليّاً لدى الأمّةِ الإسلاميّةِ هدفٌ سامٍ تسعى لتحقيقهِ؟
إنّ الأمّةَ التي تعيشُ على هامشِ الحياةِ يؤولُ أمرها إلى الخنوعِ والذلّ وستصيرُ إلى التمزيقِ والتشتيتِ.
وبلوغُ الهدف لا يكونُ إلا إذا سلكنا سبيلَ الطريقةِ العمليّةِ القائمةِ على أرْبعةِ أُمورٍ هي:
1 ـ تصوّرُ الهدف.
2 ـ الطريقةُ الموصلةُ إليه.
3 ـ معرفةُ العوائقِ التي تقفُ بيننا وبين الهدف.
4 ـ معرفةُ ما يُبنى وما يُهْدَمُ، حتى نبني ما يجبُ بناؤهُ، ونهدمَ ما يجبُ هدمهُ.
الارتقاء المستمرّ
وعلى حامل الدعوة أن يسعى للأحسن بتصحيح مفاهيمه:
ـ الحيويّةُ في الحياةِ هي التي تدْفَعُ الإنسانَ دائماً إلى الأمام. ومهما صار الإنسانُ المفكّرُ مُكتفياً من كلّ شيء، ومهما اعتقدَ الناسُ بأنه الشخص المثالي، فإن شعورَهُ الصادقَ يدفعهُ للإيمان بأن الارتقاءَ لا حدّ له. والإنسانُ يتميّزُ بعقلِه، وسلوكه هو الذي يدل على ارتفاعه أو انخفاضهِ.
السلوك
إن الإنسان إذا سلك طريقاً قويمةً مُعَينةً، وربطَ نفسهُ إلى عجلَةِ العَرَبَةِ السائرَةِ على هذه الطريقِ وأعلنَ عن نفسهِ أنه لا يحيدُ قيدَ أُنملةٍ عنها، ثم سوّلَت له نفسهُ الابتعادَ عن الطريقِ التي يسيرُ عليها، أو فاجأه مرضٌ أو انتابهُ مللٌ أو قصّرَ ولو قليلاً، وُجّهَ له اللومُ والانتقاد ممن يعرفه، ولو كان من الذينَ لا يسيرونَ على نفسِ الطريقِ، أو كانَ أقلّ منهُ سرعةً في السيرِ عليها: عندئذٍ يكونُ الإنسانُ مربوطاً بالحبل الذي رَبَطَ نفسهُ به، ويصعبُ عليهِ الإفلاتُ، حتى أمامَ مؤيديه ومخالفيه.
والسلوكُ الإنسانيّ مربوطٌ بالمفهومِ الإنسانيّ، فعندما تجدُ شخصاً يغيّر سلوكهُ، ويصرّ على هذا التغيير، فكُنْ على يقينٍ من أنّ مفهومَهُ قد تغيّر، وصدَقَ الله العظيمُ حيثُ يقولُ: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرّعد: 11].
التوفِيق والتوكّل
وعلى حامل الدعوة أن يتوكل على الله وأن يكون معتقداً أن التوفيق بيدِ الله:
ـ التوفيقُ لا يكونُ توفيقاً إلاّ إذا احتوى حالتينِ:
1 ـ الحالةُ الأولى أن يملكَ الإنسانُ أسباباً يثقُ بها أولاً، ويثِقُ أنّه قادِرٌ على أدائها.
2 ـ أن يُسهَّلَ لهُ هذا الأداء من الله تعالى. وأما صحةُ التوكّلِ على الله فهي ربط الأسبابِ بالمسبباتِ، وتركُ النتيجةِ إلى الله سبحانه وتعالى.
الفرق بين القيادة الفِكرية والقيادةِ العسْكرية
وعلى حامل الدعوة أن يفرق بين القيادة الفكرية والقيادة العسكرية:
ـ الفارقُ كبيرٌ بين القيادةِ العسكريّةِ والقيادةِ الفكريّةِ. فالقيادة العسكريّةُ تحتاجُ إلى الحزمِ والقسوةِ من القائدِ، ولا يجوزُ أن يشعرَ الجنديّ بأيّ تسامحٍ على تخاذلٍ. وهكذا نزلت الآيات البيّناتُ تعنّفُ الذين يفرّونَ من وجهِ العدوّ، وتتوعّدهُم بعذابٍ شديدٍ يومَ القيامةِ.
باستطاعةِ كلّ فردٍ أن يكونَ جنديّاً.
أمّا القيادةُ الفكريّةُ فإنّها تقضي العفوَ من القائمينَ عليها. ومن هنا ترى أن الآياتِ البيّناتِ تتحدّثُ عن الناحيةِ الفكريّةِ، فلا ترى في سياقها ونصّها ودلالتها ومفهومها سوى طولِ الأناةِ والصبرِ عليهم والرحمةِ والرأفةِ بهم والاستغفارِ عن ذنوبهم؛ وهذا يعودُ لسببٍ وجيهٍ جداً، لأنه لا يستطيع كلُّ فردٍ أن يكون نبياً، وهذا من عملِ الأنبياءِ.
{فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} [آل عِمرَان: 159].
الأسْلوبُ وأهمِّيّته
وعلى حامل الدعوة أن يهتم بالأسلوب اهتماماً كبيراً:
ـ يجب أن نُعيرَ الأسلوبَ التفاتاً كبيراً. فننظُرَ إليه نظرةً صحيحةً، وندرسهُ دراسةً عميقةً مستنيرةً. فالأسلوبُ ليس شيئاً رخيصاً ولا شيئاً مُمْتَهناً، بل يجبُ على حامِلِ الدّعوةِ أن يُتقِنَ الأسلوبَ كلّ الإتقانِ، فبِهِ تُنْشرُ الدعوةُ، وتُوضّحُ الطريقةُ، وبحسنِ استخدامهِ تقاد الأمّة، وبنجاحِ تنفيذهِ تُبلغُ الغايةُ المقصودةُ. كلّ شيء، إذاً، نُنْشِئُهُ نحنُ، هو أسلوبٌ، لا فكرَة ولا طريقة، فالفكرَةُ والطريقةُ ليستا من صُنعِنا ولا اجتهادِنا، بل هما من القرآن الكريم والسنّة النبويّة.


مقياسُ الأفعَـال
على حامل الدعوةِ أن يجعلَ مقياس أعماله الحلال والحرام:
ـ يسيرُ كثيرٌ منَ الناسِ في الحياةِ على غيرِ هُدًى، فيقومونَ بأعمالهم على غيرِ مقياس. ولذلك تراهم يقومونَ بأعمالٍ قبيحةٍ يظنّونها حسنةً ويمتنعونَ عنِ القيامِ بأعمالٍ يظنّونها قبيحةً: فالمرأة المسلمةُ التي تمشي في شوارعِ المدُنِ الإسلاميّةِ الكبرى كبيروتَ وبغدادَ ودمشقَ والقاهرةِ واستنبولَ وطهرانَ وغيرِها، تكشفُ ساقيْها وتُبرزُ محاسِنَها ومفاتِنَها، وتظنّ أنها تقومُ بفِعلٍ جميلٍ. والرجلُ الوَرِعُ الملازمُ للمساجدِ يمتنعُ عن الخوضِ في تصرّفاتِ الحكامِ الفاسدةِ، لأنها من السياسةِ، ويظنّ أنّ الخوضَ في السياسةِ فِعلٌ قبيحٌ. فهذه المرأةُ وهذا الرجلُ وقعا في الإثم، فكَشَفَتْ هي عورتَها ولم يهتمّ هو بأمرِ المسلمينَ، لأنهما لم يتخذا لنفسَيهِما مقياساً يقيسان به أفعالهما. ولو فعلا لما تناقضا هذا التناقضَ في تصرّفاتهما معَ المبدأ الذي يعلْنانِ بصراحةٍ أنهما يعتنقانهِ. لذلكَ كانَ المقياسُ ضروريّاً حتى يعرفَ المسلمُ حقيقةَ العملِ قبلَ أن يُقدِمَ عليه.
والإسلامُ جَعَلَ مقياساً للأشياءِ والأفعال يُعرَفُ به الحُسْنُ منَ القُبْحِ أو الخيرُ من الشر. وهذا المقياسُ هو الشّرعُ وحدهُ، طبعاً من حيثُ الثوابُ والعقابُ. فالعقلُ يستطيعُ تقريرَ الحسنِ والقبحِ من حيثُ واقعُ الأفعالِ والأشياءِ لا من حيثُ الثوابُ والعقابُ. إنّ العقلَ يستطيعُ أن يحكمَ أنَّ العلمَ حسنٌ والجهلَ قبيحٌ، ولكنّ الحكمَ بأنّ العلمَ عليه ثوابٌ أو عقابٌ لا يستطيعُهُ العقلُ، بل يقرّرُهُ الشّرعُ..
فما حسّنَهُ الشرعُ منَ الأفعالِ هو الحَسَنُ أي الخير وما قبّحهُ هو القبيحُ أي الشر. وهذا المقياسُ دائميّ، فلا يُصبحُ الحسنُ قُبحاً ولا يتحولُ القبحُ إلى حُسنٍ. بل ما قالَ عنهُ الشرعُ حسناً يبقى حسناً، وما قال عنه قَبيحاً يبقى قبيحاً. وبذلك يكونُ الإنسانُ سائراً في طريقٍ مُستقيمٍ، وعلى هُدًى مِن أمره، فيُدرِكُ الأمورَ على حقيقتِها. بخلافِ ما لو لم يجعلِ الشرعَ مقياساً للحُسنِ والقُبحِ، وتركَ الأمرَ للعَقلِ وحدَهُ، فإنّهُ يسيرُ مُتخبطاً لأن الشيء يُصبحُ حسناً في حال، وقبيحاً في حالٍ آخر. فيُصبحُ الحكمُ على الأشياء في مهبّ الرّيحِ، ويصبحُ كلٌّ من الحسنِ والقُبحِ نِسبيّاً لا حقيقياً، وعندئذ يَقَعُ في ورطَةِ القيامِ بالفعلِ القَبيحِ، وهو يظنّهُ حَسناً، ويمتنعُ عن الفِعلِ الحَسنِ، وهو يظنّهُ قبيحاً. لأنَّ العقلَ ما يراهُ اليوم حسناً قد يراهُ غداً قبيحاً وما يراهُ اليومَ قبيحا قد يراه غداً حسناً.


الإنسان يملك قوىً عديدةً ژمؤثرة دافِعة للعمل
وعلى حامل الدعوة أن يجعل القوى الدافعة إلى العمل قوىً روحية:
ـ يملكُ الإنسانُ قوىً ماديّةً تتمثْلُ في جسمهِ وفي الوسائلِ التي يستعملها لإشباع شهواتهِ وهي أضعفُ القوى تأثيراً.
ويملك قوى معنويّة تتمثّلُ في الصفاتِ المعنويّةِ التي يهدفُ إلى الاتصاف بها وهي أكثرُ تأثيراً من القوى الماديّة.
ويملكُ قُوى روحيّة تتمثّلُ في إدراكهِ لصلتهِ بالله سبحانهُ وتعالى، وهذه القوى الروحيّةُ أقواها تأثيراً وأشدّها فعاليّةً.
وقد حرص الإسلامُ على جعل القوى الدافعة للمسلم قوى روحيّةً، حتى ولو كانت مظاهرُها ماديّة أو معنويّة. وحتّمَ عليه أن يقومَ بأعمالهِ كلّها، صغيرِها وكبيرِها، بحسبِ أوامرِ اللّهِ ونواهيهِ. وطلب منه أن يصبرَ ويُصابِرَ إزاءَ المحَنِ والشدائدِ حتى لا يأبه لأيِّ مصيبةٍ إذا كانت في سبيل الله، ولا يفرحَ بنعمةٍ، إن لم يكنْ فيها نصيب لله.


الوعي السّياسيّ
وعلى حاملِ الدعوةِ أن يكون واعياً سياسياً:
ـ حديثٌ شريفٌ «مَنْ أصْبَحَ ولمْ يهتمّ بأمْرِ المُسلمينَ فليسَ منهم»(+) والاهتمامُ هو التدبّرُ لرعايةِ الشؤونِ، ورعاية الشؤون هي السياسة، والوعي هو الإدراك المركز، والوعي السياسيّ هو النظرةُ إلى العالمِ من زاويةٍ خاصةٍ. لأنّ النظرةَ، إن لم تكُنْ منَ الزّاويةِ المذكورةِ، كانتْ سطحيَّةً لا وعياً سياسياً. أما النظرة إلى المجال المحليّ وحدَهُ فتفاهةٌ لا غير. ووعيُ الأوضاعِ السياسيّةِ أو الموقفِ الدّوليّ أو الحوادثِ السياسيّةِ غيرُ الوَعيِ السياسيّ، لأنّ وعيَ الأوضاعِ السياسيّةِ، أو الموقفِ الدّوليّ أو الحوادثِ السياسيّةِ هو تدبّرُها. أما الوعيُ السياسيّ، فهو تدبّرُ الإنسانِ لرعايةِ شؤونهِ على أساس مركز، وهو يقومُ على أمرين اثنينِ:
أولاً: أن تكونَ النظرة إلى العالمِ كلّهِ.
ثانياً: أن تنطلِقَ هذه النظرةُ من زاويةٍ خاصةٍ محدّدَةٍ.
المقصودُ بالنّظرَةِ إلى العالمِ يتركّزُ في النّظرَةِ إلى الإنسانِ الذي يعيش في العالمِ، والمقصودُ بالنظرةِ من زاويةٍ خاصةٍ يتركّزُ في مفهومهِ للحياة القائمةِ على فلسفةٍ خاصّةٍ محدودَةٍ مهما كانت هذه الفلسفةُ، مبدأ مُعيّناً أو فِكْرَةً مُعَيّنَةً.
لكنْ الفلسفةَ الخاصّةَ، إنْ كانت مبدأ جعلتِ الوَعيَ السياسيّ ثابتاً آخذاً طريقه في مسيرِ غاياتهِ كلها نحو غايةٍ واحدةٍ لا يتحوّلُ عنها، ويكسبُ العراقةَ والتركيزَ في نفسِ الأمّة لا في نفوسِ الأفرادِ فحسب. والوعيُ السياسيّ يحتّمُ طبيعيّاً خَوْضَ النّضالِ في سبيلِ تكوينِ مفهومٍ مُعيّنٍ عن الحياةِ لدى الإنسانِ، من حيثُ هو إنسانٌ في كلّ مكانٍ. وتكوينُ هذا المفهومِ هو المسؤوليّةُ الأولى التي أُلقيت على الوعي، ولا تنالُ الراحةُ إلا ببذْلِ المشقّةِ في أدائها. والواعي سياسيّاً يتحتمُ عليه أن يخوضَ النضالَ ضدّ جميعِ الاتجاهاتِ التي تناقضُ اتجاهَهُ، وضدّ جميعِ المفاهيم التي تتعارض مع مفاهيمه إذا أرادَ غَرْسَ اتجاهاتِهِ، ولا ينفَصِلُ سلوكُه عن مفاهيمِهِ في النضالِ قيدَ شعْرَةٍ.
والوَعْيُ السياسيّ لا يعني الإحاطة بما في العالم، وإنما يعني أن تكونَ النظرَة إلى العالمِ من زاوية خاصة، مهما كانت معرفتُهُ بهذه الزاويةِ قليلةً أو كثيرةً. فمُجرّدُ تكوينِ النّظَرَةِ إلى العالمِ النّابِعَةِ من زاويةٍ خاصة يدلّ على وجودِ الوعي السياسي، وإن كان يتفاوتُ هذا الوعيُ قُوّةً وضعْفاً بتفاوتِ المعارِفِ للعالمِ وللزاويةِ.
بناء على ذلك فالوعيُ السياسيّ لا يخصّ السياسيينَ والمفكّرين، وإنما هو عامّ وممكنٌ أن يكونَ حتى لدى العامةِ والأميينَ كما يمكن إيجادُهُ لدى العُلماء والمُتعلّمينَ. والوعيُ السياسيّ حاجةٌ مُلحّةٌ لا غنى عن تأمينها لدى الأمّةِ الإسلاميّةِ. وبدونِ هذا الوعْي لا يمكِنُ إدراكُ قيمَة الإسلامِ في حياةِ الأفرادِ والمجتمعِ، ولا يمكنُ ضمانُ سيرِ الأمّةِ معَ الذينَ يُكافحونَ الاستعمارَ سيراً دائمياً في جميعِ الظُّروفِ، في الانتصارِ والهزيمةِ على السواء.
وبدُونه تتعطّلُ فضائلُ الإسلامِ وتزدادُ حالةُ الأمّةِ سوءاً وتنقطعُ أسبابُ الرقيّ عنها، وتُهْدَرُ كلّ الجهودِ التي تُبْذَلُ في إنهاضها. فوجودُ الوعي السياسيّ مسألةٌ في مُنتهى الضرورَةِ للأمّةِ الإسلاميّةِ. وهي، دونَ مبالغةٍ، مسألةُ حياةٍ أو مَوْتٍ. ويظهَرُ هذا الوعيُ في الأمّةِ إذا نظرت إلى العالمِ من زاويةِ الإسلامِ، ولكن لا يظهرُ لدى الفردِ إلاّ إذا نما وتفتّح.
ومن هنا كان على الواعي سياسياً أن لا يحصرَ ذهنه في القضايا الهامة وما يقعُ فيها من أعمالٍ سياسيةٍ، بل يجبُ أن يجعلَ نظرتَه نظرةً واسعةً بحيث تتناولُ كلّ عملٍ سياسيّ يحصلُ من أي دولةٍ كبرى.
ومما يجبُ هنا النظر إليه أن السياسيَّ حين ينظرُ في الأعمالِ السياسيةِ يجبُ أن يبعدَها عن التجريد والشمولِ، وأن يربطَ كلّ عملٍ بالظروفِ المحيطةِ به والملابساتِ التي تكتنفه، فلا يصحُّ أن يأخذَ العمل مجرداً من ظروفهِ وملابساتهِ، ولا يصحُ أن يعممَ الموضوعَ تعميماً شاملاً، ولا يصح أن يقيسَ على العملِ الواحدِ أي أعمال أخرى، ولا أن يرتب الأعمال ترتيباً منطقياً فيصلَ إلى نتائج منطقية. بل يجبُ أن يتجنبَ ذلك ويبتعدَ عنه، فلا يوجد أخطر على الفهم السياسي من المنطقِ والقياس، لأنَّ أعمالَ الحياة متباينة ومختلفة ولا يشبهُ بعضها بعضاً، بل كل عمل له ظروفهُ وله ملابساته، ولذلك عليه أن يربط العمل بالمعلوماتِ السياسية المتعلقة به. وأن يأخذه وسط ظروفه وملابساته، وحينئذٍ يفهمُه فهماً أقرب إلى الصواب.
والواعي سياسياً يحذَرُ دائماً أن يكونَ ذهنُهُ فريسةَ الدعاياتَ والإعلاناتِ ويتحامى أن يضيعَ عن الوقائعِ أو يضلّ في تحرّي الحقيقةِ عن الغايةِ التي يعملُ بها. والميزَةُ التي يتمتّعُ بها الواعي سياسياً هي الحَذَرُ في تلقّي الأنباءِ والآراءِ من أن يعلَقَ بها شيءٌ مهما بلغت تفاهتُهُ.
ويحذَرُ الواعي سياسيّاً من تسلّطِ ميولهِ على الآراءِ والأنباءِ. فرغباتُ النّفسِ لشيءٍ ذاتيّ أو جزئيّ أو مبدئيّ قد يُفسّرُ الرأي والنبأ، أو قد يُضفي عليه ما يجعلُهُ يبدو أنّهُ صِدق، وهو كذِبٌ، أو يخيّلُ إليهِ أنّهُ كذبٌ وهو صدْقٌ. ولذلك لا بدّ من أن يتبيّنَ القولَ الذي يُقالُ والعملَ الذي يُعْمَلُ. ولا يكفي أن يُدْرِكَ ذلك، بل إن الواعي سياسياً هو الذي يُدرِكُ الأشياءَ ويُعلنُها للناسِ ويضعها على بساطِ البحث والمُناقشة حتى يَعْمَلَ على إيجادِ الوعي عند الأمْةِ في مجموعها، وحتى لا تُؤخَذَ بعدُ بالألفاظِ والأسماءِ والألقابِ، وتتعوّدَ غربلةَ الأنباء والآراء وتصفيتها. ولا يصحّ اعتبارُ المرءِ واعياً سياسياً إذا كانَ يقولُ شيئاً ويعملُ بخلافِهِ، أو يرى رأياً ولا يجهَدُ في تطبيقهِ. إنّ إيمانَ الواعي بمبدإٍ أو فكرةٍ وعياً سياسياً يتمثّلُ في أفعالهِ لا في خطاباتهِ وكتاباته ولا في أحاديثِه ومناقشاتهِ. فإذا لم تتجسّدْ أفكارُهُ في أعمالٍ وآثارٍ، حقّ لغيرِهِ أن يشُكّ في وعيهِ أو في صحّةِ وعيهِ على الأقلّ. فالواعونَ، أفراداً كانوا أو جماعاتٍ، لا يتأكّدُ وعيهم إلا بالعملِ، ولا يظهرُ صدقهم إلاّ بالإقدام والتضحيَةِ.
وهذه هي العلامةُ الفارقةُ للوعي السياسيّ الصحيح.
بناءً على ذلك لا بُدّ أن يُنفَقَ حاملُ الدعوةِ من الجهدِ أقصى حدٍّ في تكوين الوعيِ السياسيّ لدى الأمةِ، وبقَدرِ ما يُنفق من جهدٍ في إيجادِ المفاهيمِ الإسلاميّةِ وإذكاءِ المشاعرِ الإسلاميّة، يرتفِعُ الوعيُ ويقوى. فإيجاد الشعورِ بحاجةِ العالمِ إلى الإسلامِ يجبُ أن ينبثقَ عنِ الشعورِ بحاجةِ الأمّةِ إلى الإسلام. أي يجبُ أن يُنفقَ الجهدُ لأن تنظُرَ الأمّة إلى العالم من زاويةِ الإسلامِ حتى تتركّز هذه النظرةُ ولو إجمالاً في جَمهرَةِ الناسِ، وأن يُلاحظَ هذا الأساسُ عند بذلِ الجهدِ ليُفهَمَ الإسلامُ وتثار أشواقُ الناسِ إليهِ ما دامتْ تعاليمُهُ فِطريّةً.


حَمْل الدعوة الإسلامية فرض على المسلمين
لم يَتخلّف المسلمونَ عن ركبِ العالمِ نتيجةً لتمسّكِهِمْ بدينِهِمْ، وإنما بدأ تخلّفُهم يومَ تركوا هذا التمسّكَ، وتساهلوا فيه، وسمَحوا للحضارَةِ الأجنبيّةِ أن تَدخُلَ ديارَهُم، وتحتلّ أذهانهم وتستهويَ أبناءَهم، يومَ تخلّوا عن القيادةِ الفكريّةِ في الإسلامِ، حينَ تقاعَسوا عن دعوتهِ وأساؤوا تطبيقَ أحكامِهِ. فلا بُدّ أن يستأنفوا الحياةَ الإسلاميّةَ حتى يُتاحَ لهم النهوضُ، ولن يستأنفُوا هذهِ الحياةَ إلاّ إذا حَمَلوا الدّعوةَ الإسلاميّةَ بحملِ قيادةِ الإسلامِ الفكريّةِ.
ويجبُ أن تُحمَلَ الدَّعوَةُ الإسلاميّةُ اليومَ، كما حُمِلَتْ من قبلُ، ويُسارَ بها اقتداءً برسولِ الله (ص) دونَ أن يُحادَ عن ذلكَ قيدَ شعرةٍ في كليّاتِ الدّعوةِ وجزئيّاتها، ودونَ أن يحسبَ لاختلافِ العُصورِ أيّ حسابٍ. لأنّ الذي اختلفَ هو الوسائلُ والأشكالُ، وأمّا الجوهَرُ والمعنى فلم يختلفا أبداً، ولن يختلفا مهما تعاقَبَتِ العُصُورُ واختلفَتِ الشعوبُ والأقطارُ.
ولذلكَ فإنّ حَمْلَ الدّعوةِ الإسلاميّةِ يقتضي الصراحةَ بالحقّ والجرأةَ على الباطلِ، والقوةَ بالإيمانِ، والفكرَ المُستنيرَ، ومجابهةَ الأفكارِ الفاسدة لبيانِ زَيفها. ويقتضي حَمْلُ الدّعوةِ الإسلاميّةِ، أن تكونَ السيادَةُ المُطلَقَةُ للمبدإ الإسلاميّ، بغضّ النّظَرِ عَمّا إذا وافَقَ جمهورَ الشّعبِ أم خالفهم، وتمشى مع عاداتِ الناسِ أم ناقضها، وقَبِلَ بهِ الناسُ أم رفضوهُ وقاوموهُ. فحاملُ الدّعوةِ لا يتملّقُ الشّعبَ، ولا يُداهِنُهُ ولا يُداجِي من بيدهِم الأمورُ ولا يُجاملُهمْ. والدّعوةُ الإسلاميّةُ تقضي أنْ يكونَ كلّ عَمَلٍ من أعمالها قائماً على غايةٍ مُعيّنةٍ. فحاملُ الدّعوةِ لا يرضى بالفكرِ دونَ العَمَلِ، ويعتبرُهُ فَلْسَفَةً خياليّةً مخدِّرةً، ولا يرضى بالفكرِ والعَمَلِ بغيرِ غايةٍ، ويعتبرُ ذلك حركةً لَوْلَبِيّةً تنتهي بالجمُودِ واليأس.
فالرّسولُ (ص) حَمَلَ القيادةَ الفكريّةَ في مكّةَ. فلمّا وجَدَ أنّ أبناءَ مكّةَ لا يحقّقونَ الغايةَ، هَيّأ أبناءَ المدينةِ لذلكَ، ثم أوجَدَ الدّولةَ، وطبّقَ الإسلامَ، وحَمَلَ رسالَتَهُ، وهيّأ الأمّةَ لتحملَهُ من بَعْدِهِ، وتسيرَ في الطريقِ التي رسمها لها.
ولا بُدّ أنْ يظهَرَ في الدّعوَةِ إلى الإسلامِ تصحيحُ العقائدِ، وتقوية الصّلَةِ بالله، وأنْ يُبَيّنَ حاملُ الدعوةِ للنّاسِ حَلّ مشاكلهم حتى تكونَ هذه الدعوَةُ حيّةً في جميعِ ميادينِ الحياةِ، لأنْ سرّ نجاحِ الدّعوةِ الإسلاميّة قائمٌ على أنها دعوةٌ حيّةٌ، تُعالجُ مشاكلَ الإنسانَ كلّهِ كإنسانٍ، وتحدِثُ فيهِ الانقلابَ الشاملَ.
ولا يتأتى لحمَلَةِ هذه الدعوةِ أن يضطلِعوا بالمسؤوليةِ ويقوموا بالتبعاتِ، إلاّ إذا غرسوا في نفوسهم النّزوعَ إلى الكمالِ، وكانوا ينقّبونَ دائماً عنِ الحقيقةِ، ويقلّبونَ كلَ ما عرفوهُ حتى ينقّوا منهُ كلّ ما يعلقُ بهِ منْ شيءٍ غريبٍ عنهُ، ويُبعدُوا عنهُ كلّ ما يمكنُ أنْ يلْصَقَ بهِ منْ عَيْبٍ حتى تظلّ الأفكارُ التي يحملونها نقيّةً صافيةً. وصفاءُ الأفكارِ ونقاؤها هو الضمانُ الوحيدُ للنجاحِ ولاستمرارِهِ. وعلى حَمَلَةِ هذهِ الدعوةِ أنْ يؤدّوا واجبَها كواجبٍ كلّفَهُمْ بهِ اللّهُ، وأنهم مسؤولونَ أمامَهُ إذا لم يقوموا بهِ، والله سبحانهُ وتعالى يحمّلُهُمْ هذه المسؤوليّةَ بقولهِ تعالى: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ *} [الزّخرُف: 44] ومنْ بعضِ كلامٍ لعليّ أميرِ المؤمنين سلامُ الله عليهِ: «ومَنْ يبلغ عنِ اللّهِ بعدَ رسُلِ السّمَاءِ إلا البشر»؟
هكذا تُحْمَلُ الدعوةُ الإسلاميّةُ كي تحقّقَ نهضةً فكريّةً صحيحةً، لكي تَنهضَ بالعالمِ كلّهِ، ولكي تخلّصهُ مما هو فيه، لأنّهُ يسيرُ إلى الانتحار، وتتراكمُ عليه المشاكلُ فيقِفُ إزاءَها مشدوهاً متحيّراً مرتبكاً، لا يعرفُ كيف يبدأ لكي يعرف كيف ينتهي.
ولذلكَ تراهُ إما أن ينتظر الزمنَ ليحلّها، وإمّا أن يُرَقّعَ وهو غيرُ مقتنع بصلاحيّةِ هذا الحلِّ وصوابيته.
وتتلخّصُ كيفيّةُ حملِ الدّعوةِ الإسلاميّةِ بعشرِ نقاطٍ هي:
1 ـ الإسلامُ هوَ الصحيحُ فقط.
2 ـ أن يُحملَ الإسلامُ كقيادةٍ فكريةٍ.
3 ـ السيادةُ للمبدإ الإسلاميّ.
4 ـ التحدّي للأفكارِ الدخيلةِ الفاسدةِ.
5 ـ لا هوادةَ ولا تساهلَ في الأمورِ التي تناقضُ الإسلام.
6 ـ القاعدةُ العمليّةُ.
7 ـ تصحيحُ العقائدِ وتقويةُ الصلَةِ باللّهِ سبحانه وتعالى، وتبيينُ الأحكامِ التي تحلّ مشاكلَ الناسِ. كما بُيِّنَتْ من قبلُ عندما كانَ الناسُ يعبدونَ آلهةً متعدّدةً، ويئدونَ بناتهم، ويقتلونَ القريبَ بجريرةِ قريبهِ الخ.. وهناكَ الآنَ مشاكلُ اقتصاديّةٌ، وفوضى جنسيّة.. الخ.
8 ـ الأحكامُ والأفكارُ الشرعيّة الظنيّةُ صوابٌ تتحمّلُ الخطأ.
9 ـ أن يكونَ حَمْلُ الدعوةِ من أجلِ رضوانِ الله سبحانهُ وتعالى وإقامةِ حدودهِ وصونِ حُرُماتهِ.
10 ـ التقيّد بالطريقةِ التي جاء بها رسولُ الله محمد (ص). والطريقةُ بقسميها السياسيّ والفكريّ التي يجبُ أن نسلكها الآن هي نفسُها التي سُلكَتْ منذُ أربعةَ عشر قرناً. والدليلُ على ذلك قولهُ تعالى على لسان رسوله: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} [يُوسُف: 108] والسّبيلُ هيَ الطريقُ.
والواقعُ السياسيّ أن حالَ المسلمين اليومَ من حيثُ وجودُ روسيا والصين في الشرق والمعسكر الغربيّ في الغرب، هو نفس الحالِ الذي كان في زمنِ الرسول من حيثُ كسرى في الشرقِ، وقيصرُ في الغرب. فكما نجح الرسولُ في إقامةِ نواةٍ إسلاميّةٍ في الجزيرةِ العربيّةِ، وبدأ يستفيدُ من الموقفِ الدوليّ من حيثُ توازُنُ القوى بين فارس والرومِ والعداوةُ القائمةُ بينهما بالنسبةِ إلى المُعْتَقَدِ والمصلحةِ حتى استطاعَ في بضعِ سنينَ أن يوحّدَ الجزيرة العربيّةَ بأجمعِها تحت راية الإسلام، ويكوّنَ قوّةً ثالثةً استطاعتْ فيما بعدُ أن تأخذَ زمامَ المبادرةِ من كلتا الدولتين، كذلكَ نستطيعُ نحنُ اليومَ أن نصنعَ، فنشحذ الهمَمَ ونقوي الإيمانَ ونشدّ العزيمةَ ونسير على الطريقِ السياسيّ الذي سَلَكَهُ الرسولُ (ص) لجمعِ المسلمينَ تحتَ رايةٍ واحدةٍ مستفيدينَ من الموقفِ الدوليّ، أي من توازنِ القوى بالنسبة للعداوةِ القائمة بينَ المعكسَرِ الغربيّ، والمعسكر الشرقيّ سابقاً من حيثُ النظرةُ إلى المبدإ والمصلحة وأما اليوم فالآمر يختلف، ولكن سرعان ما يعود التوازن الدولي. هكذا علّمنا التاريخ.
والسؤالَ الذي يطرحُ نفسَهُ اليوم: كيفَ نستطيعُ أن نسلكَ الطريقَ التي سَلَكَهَا الرسولُ، معَ وجودِ هذهِ المقاومةِ الشديدةِ التي نراها ونحُسّها الآنَ، ولاسيّما من بعض أبناءِ الأمْةِ الإسلاميّةِ التي تقاومُ هذه الفكرةَ عن جهلٍ بالإسلامِ، وعن اعتقادٍ بعدمِ صلاحيته في العصر الحاضر؟
والجوابُ على ذلك أنّ الله سبحانهُ وتعالى: أمرَ رسولهُ بقولهِ: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} [يُوسُف: 108].
والرسولُ منَ الناحيةِ الفكريّةِ تحرّكَ في ثلاثِ مراحلَ:
المرحلة الأولى: بدأ يُدَرِّسَ الإسلامَ جماعيّاً وقد دعا قريشاً إلى وليمةٍ في بيتهِ وبدأ يشرحُ لهم الدعوةَ ويبشرهم بجنةٍ عرضها السمواتُ والأرض أعدّتْ للمتّقينَ، وينذرهم بنارٍ إذا قيلَ لها: «هلِ امتلأتِ؟ فتقولُ: هل من مزيد؟» وفرديّاً مثلما دعا عليّاً وخديجةَ وأبا بكرٍ وسواهم، حتى توفّرَ لديهِ شخصيّاتٌ إسلاميْةٌ متميّزَةٌ عن بقيّةِ أقرانها من حيثُ السلوكُ والفهم.
وفي المرحلة الثانية: خرجَ بهذه الكتلة، وضربَ بها المجتمعَ القديمِ، وبدأ يتعرّضُ لعلاقاتِ الناسِ ويعيبُ آلهةَ قريشٍ، ويُندّدُ بعقائدهمْ ويزيّفُ أفكارَهمْ ويطعَنُ بسلوكهم. والآياتُ التي تدلّ على ذلكَ كثيرةٌ، منها قولهُ تعالى على لسانِ رسولهِ: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} [الأنبيَاء: 98] وقولهُ: {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ *الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ *وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ *} [المطفّفِين: 1-3] وهذا التحدّي يجرّ النقمةَ على كلّ مَن يقومُ به لأنّ الذي يألَفُ شيئاً ويتعوّدهُ لا يستطيعُ التخلّي عنهُ بعدما أصبحَ كيانهُ قائماً عليهِ، فيثورُ على كلّ مَنْ أرادَ تغييرَه أو تبديلَهُ. وهكذا نَقَمَتْ قريشٌ ومَن حالفَها، وبدأت تكيدُ لرسولِ الله (ص) بكلِّ ما أُوتيَت من قوّةٍ. وبدأ دور التفاعل ليبدأ الكفاح بين فكر وفكر.
وإليكم بعض الأمثلة التي حصلَت في تلك الفترةِ معَ الرسولِ الكريم:
مشى ابنُ خَلَفٍ وهو واضعٌ عَظْمَةً في كفّهِ، ففتّها أمام رسولِ اللّهِ (ص) وهو جالسٌ بينَ جماعةٍ يدعوهم إلى الإسلام، ونَفَخَها في وجههِ وقالَ لهُ: يا محمد! أيبعثُ الله هذا بعد ما أرم؟ فأجابهُ الرسولُ بكلِّ ثباتٍ وصبرٍ وثقةٍ ويقينٍ: «نعم! ثمّ يَبْعَثُكَ الله وإيّاهُ ويُدخِلُكَ اللّهُ النارَ». ونظراً لشدّةِ الموقفِ ورهبتِهِ نزلَ الوحيُ على رسولِ الله فقالَ: {أَوَلَمْ يَرَ الإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ *وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ *قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ *} [يس: 77-79]. وسرعانَ ما ضَرَبَ الحقّ الباطلَ ودَمَغَهُ، وسرعانَ ما بدّدَ النورُ الظلامَ ومزّقهُ، وأصبحتِ الأفكارُ الإسلاميّةُ في المدينةِ المنوّرةِ هي السائدةَ بعدَ ذهاب مصعبِ بن عميرٍ إلى المدينةِ ورجوعهِ إلى مكّةَ، وقولهُ لرسولِ الله: لقد أصبَحَتِ المدينةُ إسلاماً يا رسولَ الله.
وفي هذه الأثناءِ كانت بيعَةُ العقبَةِ الثانيةِ، وبايَعَ الأنصارُ رسولَ الله على حربِ الأسودِ والأبيضِ منَ الناسِ. ومما قالوا له: بايعناك على السمع والطاعة في عسرنا ويسرنا ومنشطنا ومكرهنا، وأن نقول الحق أينما كان لا نخاف في الله لومة لائم. وهناك قالَ العبّاسُ بنُ عبادةَ بن فَضْلَةَ الأنصاريّ لرسولِ الله: «والذي بَعَثَكَ بالحقّ إن شئتَ لَنَمِيلَنّ غداً على أهلِ منى بأسيافنا»، فقال رسولُ الله: «لمْ نُؤمَرْ بذلكَ بعدُ». فمِن قولِ العبّاسِ بن عبادَة الأنصاريّ ومن قولِ رسولِ الله، نستطيعُ أن نحكُمَ على أن الرسولَ كانَ يسيرُ على طريقةٍ معيّنةٍ للوصولِ إلى الحكمِ ولا يجوزُ لهُ مخالفتها.
وفي المرحلة الثالثة: أمر الرسولُ بالهجرةِ إلى المدينةِ بعدما اطمأنّ إلى قواه، وأقامَ هناك نواة دولة الإسلام.
بهذهِ الأفكارِ المحدّدةِ عنِ الكونِ والإنسانِ والحياةِ، وبهذهِ النظرة إلى الأوضاعِ القائمةِ في العالمِ وإرجاعها إلى مصادرها، بحيثُ يتمكّنُ المسلمُ وغيرهُ من تمييزِ واختيارِ القاعدةِ التي يُقِيمُ عليها أفكارَهُ، والكيفيّةِ التي يبني عليها ميولَهُ لإشباعِ غرائزِهِ وحاجاتهِ العضويَةِ.
وبهذهِ النظرةِ من زاويةٍ خاصّةٍ إلى المجالِ المحليّ والعالميّ، من حيثُ علاقاتُ الناسِ ورعايةُ شؤونهمْ، يصبحُ لدى الأمّةِ في مجموعها أفكارٌ محدّدَةٌ ومفاهيمُ معيّنَةٌ، وبالتالي تتحسّسُ بالنهضةِ وتسعى إليها حتى تبلغها بإذنِ الله تعالى.
والحمد لله على عونه. نسأله تعالى برحمته التي وسعت كل شيء أن يكونَ راضياً، إنَّه جلَّ شأنهُ يقبلُ القليل ويعفو عن الكثير، إنه عفوٌّ كريم وإنه سميعٌ عليم.


cetirizin netdoktor cetirizin yliannostus cetirizin hund dosis



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB