الاسلام وثقافة الانسان
الطبعة : الطبعة التاسعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   816
تاريخ النشر :   2002




القِسم الثالِث - خُطوطٌ عَريضَة عَنِ الثقافَةِ الإسْلاميَّة

اللغـة، الدليل الشرعي وقوته، مقاصد الشريعة الإسلامية
الاستدلال، القواعد الكلية، الإصلاح والتقدير والعرف
التعادل والترجيح
تكاليف الشريعة ترجع إلى حفظ مقاصدها في الخلق
إخفاق القيادتين الفكريتين في حل مشاكل العالم
الحاكم، نظام الحكم في الإسلام، الاقتصـاد
الفقر والغنى، النظام الاجتماعي في الإسلام
سياسة التعليم، السياسة الخارجية
الاستدلال بالكتاب والسنة
الاستدلال بالكتاب والسنة يتوقف على معرفة لغة العرب ومعرفة أقسامها لأنهما واردان بلغة العرب وقد قال تعالى: «بلسان عربي مبين» ولذلك لا بد من ذكر مباحث اللغة العربية وأقسامها.
وسنبحث من أقسام القول ما يتعلّق باستنباط الحكم فقط، إذ لا حاجة إلى بحث غيره في أصول الفقه. على أن ما يبحث من الكتاب والسنة ينقسم إلى خبر وانشاء والأصولي إنما ينظر في الانشاء دون الاخبار لعدم ثبوت الحكم بها غالباً، ومن هنا كان القول في الكتاب والسنة ينقسم إلى أمر ونهي، وعام وخاص، ومُطلق ومُقيد، ومُجمل ومُفصل، وناسخ ومنسوخ.
وبناء على ذلك فلا بد من إجمال بحث اللغة وبحث هذه الاقسام منهما اجمالاً حتى يمكن الاستدلال بالكتاب والسنة على الاحكام الشرعية
حُمل الإسلام بثلاثة
بكتاب الله وسنة رسوله واللغة العربية
«إنّا انزلناه قرآناً عربياً لقوم يعقلون»
واللغة العربية جزء لا يتجزأ من الإسلام ولا تُحمَل الدَّعوة الإسلامية إلا بِها


اللغة
اللغةُ أصواتٌ يُعبِّرُ بها كلّ قومٍ عنْ أغراضِهِمْ. ويقال لَغَوْتُ أيْ تكلمتُ، وقالَ تعالى: {وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا *} [الفُرقان: 72] أي الباطِلِ. وفي الحديثِ: «منْ قالَ في الجمعةِ صَه فقد لغا»(+) أي تكلّم. واللغةُ منَ لغا إذا لهِجَ بالكلامِ. وأمّا تصريفُ اللغةِ فهو «كلّ لفظٍ وُضِعَ لمعنى».
وطريقةُ معرفةِ اللّغاتِ الروايةُ فقط.
أقسام اللغات
تقسَمُ اللغاتُ في العالمِ إلى ثلاثةِ أقسامٍ: الساميّة، والآريّة والطورانيّة.
1 ـ الساميّةُ: يرتقي نَسَبُها إلى سامِ بنِ نوحٍ، وهيَ أقدمُ عهداً من الآريّةِ والطورانيّةِ، وأشهرُها منَ اللغاتِ الحيّةِ: العربيّةِ والعبرانيّةِ والسريانيّةِ والكلدانيّةِ والحبشيّةِ. ومنَ الدواثرِ: الآشوريّةِ والبابليّةِ والفينيقيّةِ والحميريّةِ والنبطيّة.
2 ـ القسم الثاني: الآريّة: وتعودُ إلى أصلٍ واحدٍ: اللغة الهنديّةُ القديمة وتُعرَفُ بالسنسكريتيّةِ، ومن سلالتها الفارسيّةُ القديمةُ واليونانيّةُ واللاتينيّةُ والجرمانيّةُ وما تفرّعَ عنها من اللغاتِ الحديثةِ، كالإنكليزيةِ والألمانيّةِ والافرنسيّةِ والإيطاليّةِ والإسبانيّةِ وغيرِها من اللغاتِ العصريّةِ الحيّةِ.
3 ـ القسم الثالث: اللغات الطورانيّة: وأشهرُها التركيّةُ والمجريّةُ والتتريّةُ والمغوليّةُ.
طبقاتُ اللغات
تُقْسَمُ اللغاتُ، منْ حيثُ تكوينُها، إلى ثلاثِ طبقاتٍ: أُحاديّة، ومزجيّة ومتصرّفة.
1 ـ الأُحاديّةُ: تتألّفُ ألفاظُها من مقْطَعِ واحدٍ لا يتغيّرُ تَبعاً للمعاني كاللغةِ الصينيّةِ، فإنّكَ تجدُ فيها عشراتِ الألوفِ من الحروفِ وهي من أضعفِ اللغاتِ.
2 ـ ألمَزجيّةُ: التي تتركّبُ الألفاظُ فيها من كلمتينِ تدلّ أولاهما على أصل المعنى، والثانيةُ على المعنى المضاف إليه كالفاعلِ والزمانِ والمكانِ: مثل اليابانيّةِ والتركيّةِ، وهي أرقى من الطبقةِ الأولى.
3 ـ ألمتصرّفة: التي يتحوّلُ فيها الأصلُ الواحدُ إلى صِيَغٍ شتى، كلّ منها يدلّ على معنى لا يدلّ عليهِ الآخَرُ كالعربيةِ والعبرانيّةِ والسريانيّةِ. ولكنّ العربيّةَ امتازَتْ بكونها لغةَ اشتقاقٍ وإعرابٍ معاً، فبالاشتقاقِ تتحوّلُ المادّةُ الواحدةُ إلى صوَرٍ متعدّدةٍ تبعاً للمعاني الجزئيّة، وذلكَ منْ خصائصِ علمِ الصرْفِ.
فنقولُ من وضعَ مثلاً: يضعُ وضْع واضِع موضوعٌ وضيعٌ وضاعَة الخ.. وبالإعرابِ تُعْرَفُ كلّ كلمةٍ منَ الجملةِ فاعلاً كانتْ أوْ مفعولاً أو مبتدأ أو خبراً الخ..
وأمّا اللغاتُ الحديثةُ فأكثرُها منْ نوعِ اللغاتِ التحليليّةِ، وهي التي يكونُ فيها للمعنى، ولكلٍ منْ توابعهِ لفظةٌ خاصّةٌ، بخلافِ العربيّةِ وهيَ منْ فصيلةِ اللغاتِ الإجماليّةِ التي تجدُ فيها ما يدلّ على أصلِ المعنى، كما يدلّ على تابِعِهِ من فاعلٍ ومفعولِ وزمانٍ ومكانٍ الخ..
أسبابُ وَضْعِ اللّغاتِ
اللّغاتُ هي عبارةٌ عنِ الألفاظِ الموضوعةِ للمعاني. فلما كانت دلالةُ الألفاظِ على المعاني مستفادةً من وضعِ الواضعِ كانَ لا بدَّ من معرفةِ الوضعِ ثمَّ معرفةِ دلالةِ الألفاظِ. والوضعُ هو تخصيصُ لفظٍ بمعنى، ومتى أُطلقَ اللّفظُ فُهِمَ المعنى. وسببُ وضعِ اللغةِ هو أنَّ الإنسانَ محتاجٌ إلى غيره من أبناءِ جنسهِ لأنّهُ لا يستطيعُ أن يستقلّ بما يحتاجُ إليهِ في المعاشِ والغذاء واللّباسِ والمسكنِ والسلاحِ إبقاءً للجسدِ وصوناً لهُ من الحرّ والبردِ والاعتداءِ ولذلكَ كانَ لا بدَّ لهُ منَ الاجتماعِ معَ غَيرهِ من بني الإنسانِ، ومن هنا كانَ اجتماعُ الإنسانِ بالإنسانِ أمراً طبيعياً. فالإنسانُ اجتماعيٌّ بطبعِهِ، وهذا الاجتماعُ بَينَ الناسِ لا يَتِمُّ فيهِ التعاونُ إلا بأن يَعرِفَ كلٌّ منهم ما في نفسِ الآخرِ، فاحتيجَ إلى شيءٍ يحصلُ بهِ التعريفُ. ومن هنا جاءَ وضعُ اللغاتِ لأنَّ هذا التعريف لما في الذِّهنِ لا يتمّ إلا باللّفظِ أو الإشارة أو المثال. واللفظُ أفيدُ منَ الإشارةِ أو المثالِ لعمومهِ. إذ اللفظُ يشملُ الموجوداتِ، محسوسةً ومعقولةً، ويشملُ المعدوماتِ، ممكنةً أو ممتنعةً، لإمكانيةِ وضعِ اللفظِ بإزاءِ ما أُريدَ من تلكَ المعاني، بخلافِ الإشارةِ، فإنّه لا يمكن وضعُها إزاءَ المعقولاتِ ولا الغائبِ ولا المعدوم، وبخلافِ المثالِ، فإنّه يتعذَّرُ أو يتعسّرُ أن يحصَلَ لكلّ شيءٍ مثالٌ يطابقُهُ، لأنَّ الأمثلةَ المجسّمةَ لا تفي بالمعدوماتِ. وأيضاً فإنَّ اللَّفظَ أيسرُ منَ الإشارةِ والمثالِ، لأنَّ اللّفظَ مركّبٌ منَ الحروفِ الحاصلةِ منَ الصّوتِ، وهو يحصلُ منَ الإنسانِ طبيعيّاً، فكانَ اتخاذهُ وسيلةً للتعبيرِ عما في النفسِ أظهرَ وأولى. ومن هنا كان سببُ الوضعِ للّغاتِ هو التعبيرَ عمّا في النفسِ، وكانَ موضوعُها هو الألفاظَ المركّبةَ من الحروفِ. واللّفظُ قَد وُضعَ للتعبيرِ عمّا في الذِّهنِ وليسَ للماهيّةِ، فهوَ غيرُ الفكرِ. فالفكرُ هو الحكمُ على الواقعِ، وهو الفكرُ عبارةٌ عن نَقلِ الواقعِ بواسطةِ الإحساسِ إلى الذّهنِ مع معلوماتٍ سابقةٍ تفسّرُ هذا الواقعَ. بخلافِ اللّفْظِ فإنّهُ لم يُوضَعْ للدّلالةِ على حقيقةِ الواقعِ ولا على الحكمِ عليهِ بلِ وُضعَ للتعبيرِ عمّا في الذّهنِ، سواءٌ طابقَ الواقعَ أم خالفهُ. لأنّ إطلاقَ اللّفظِ دائرٌ معَ المعاني الذّهنية دونَ الخارجيةِ. فإنّا إذا شاهدنا شَيئاً فظننا أنّهُ قلمٌ فأطلقنا عليه لفظَ القلمِ، فإذا دَنَونا منهُ وظنناهُ مِلعقةً أطلقنا عليهِ لفظَ المِلعقةِ، ثمّ إذا دَنونا منه ظننّا أنّهُ سكِّينٌ أطلقنا عليهِ لَفظَ السكّين. فالمعنى الخارجيّ لم يتغيّر معَ تغيرِ اللّفظِ فدلَّ على أنَّ وضعَ الألفاظِ ليسَ للواقعِ الخارجي بل للصورة المنطبعةِ في ذِهنِ الإنسانِ. وأيضاً لو قلنا سميرٌ جالسٌ ووضعنا الألفاظَ لجلوسِ سميرٍ الموجودِ في الخارجِ، ثُمّ وَقَفَ سميرٌ أو مَشَى أو نامَ فدلَّ على أنَّ الوضعَ ليسَ للحقيقةِ القائمةِ وإنّما هو تعبيرٌ عمّا في الذّهنِ. فالألفاظُ وُضعتْ ليُفيدَ الوضعُ النّسبَ الإسناديّةَ أو التقيديّةَ أو الإضافيةَ بينَ المفرداتِ يُضمّ بعضها إلى بعضٍ كالفاعليّةِ والمفعوليّةِ وغيرِهِما، ولإفادة معاني المركّباتِ من قيامٍ وجلوسٍ. فلفظ «سميرٌ جالسٌ» مثلاً، وُضِعَ ليستفاد به الإخبارُ عن مدلولهِ بالجلوسِ أو غيرِهِ، وليسَ القصدُ منَ الوضعِ أن يُستفادَ بالألفاظِ معانِيها المفردةُ التي تُصوّرُ تِلكَ المعاني بلِ القصدُ منْ وضعِ اللّفظِ إفادة النسبِ ليحصلَ التعبيرُ عما في الذّهنِ.
واللغاتُ كلّها اصطلاحيةٌ فهي منْ وضعِ الناسِ ولَيْسَتْ من وضعِ اللَّهِ تعالى. واللّغةُ العربيّةُ كسائرِ اللّغات وضعَهَا العربُ واصطلحوا عليها فتكونُ من اصطلاحِ العربِ وليستْ توقيفاً من الله سبحانهُ وتعالى. وأمّا قولُهُ تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا} [البَقَرَة: 31] فإنَّ المرادَ مُسمّياتُ الأشياءِ لا اللّغات أي عَلّمَهُ حقائقَ الأشياءِ وخواصها أي أعطاهُ المعلوماتِ التي يستعملها للحكمِ على الأشياءِ التي يُحِسّها. فإنَّ الإحساسَ بالواقعِ لا يكفي وحدَهُ للحكمِ عليهِ وإداركِ حقيقتهِ بل لا بُدّ من معلوماتٍ سابقةٍ يُفسّرُ بواسطتها الواقعُ. وأمّا تعبيرُ القرآنِ الكريمِ بكلمةِ الأسماءِ فإنّهُ قد أطلَقَ الاسمَ وأرادَ المسمّى كما يدلّ على ذلك الواقعُ، فإنَّ آدمَ عَرَفَ الأشياءَ ولم يعرفِ اللغاتِ، فكلُّ ما يُعرَفُ ماهيّتُهُ ويُكشفُ عن حقيقتِهِ هو محلُّ التّعليمِ والمعرفةِ. واللغةُ إنّما هي وسيلةٌ للتعبيرِ لَيسَ إلاّ، فسياقُ الآيةِ يدلُّ على أنَّ المرادَ من كلمةِ «الأسماءَ كلّها» المسمّياتُ أي الحقائقُ والخواصُّ. وأمّا قولُهُ تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفُ أَلْسِنَتِكُمْ} [الرُّوم: 22] أي لغاتِكُمْ فلا دلالةَ فيهِ على أنَّ اللغاتِ من وضعِ الله تعالى لأنَّ معنى الآيةِ: ومنَ الأدلّةِ على قدرةِ الله كونُكم تختلفونَ في اللّغاتِ وليس معناها كونَ الله سبحانَهُ وتعالى قد وضعَ لغاتٍ مختلفةً. إذ لو كانتِ اللّغاتُ توقيفيّةً عنِ الله عزَّ وجلَّ لَلَزِمَ تقدُّمُ بعثةِ الرّسُلِ على معرفةِ اللّغاتِ حتى يعرّفوا الناسَ اللّغةَ التي وضعها الله ثُمَّ بعدَ ذلكَ يُبَلِّغُهُم الرّسالةَ، لكنَّ البعثةَ متأخرةٌ والدليلُ على هذا قولُهُ تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ} [إبراهيم: 4] وبِهذَا يَثْبُتُ أنَّ اللغَةَ ليستْ توقيفيّةً عن طريقِ الوَحي أي من وضعِ الله عزَّ وجَلَّ، بل هي من وضعِ الإنسانِ.
القرآن عَرَبيٌّ
لم يشتملِ القرآنُ الكريمُ على كلمةٍ واحدةٍ غيرِ عربيّةٍ مُطلقاً بل كلهُ عربيٌّ، والدليلُ على ذلك قولهُ تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا} [الزّخرُف: 3] وقولهُ: {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ *} [الشُّعَرَاء: 195] وقولهُ: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ} [إبراهيم: 4] فلو اشتملَ القرآنُ على غيرِ اللّغةِ العربيّةِ لكانَ مخالفاً لهذه الآياتِ، ويكونُ الرسولُ (ص) قد أُرسِلَ بغيرِ لسانِ قومِهِ. والقرآنُ يُطلَقُ على مجموعِهِ وعلى جزءٍ منهُ، فلو كانَ جزءٌ منهُ غيرَ عَربيٍّ لما كانَ منَ القرآنِ، وأيضاً فإنَّ اللَّهَ تعالى يقولُ: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلاَ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ} [فُصّلَت: 44] فنفَى أن يكونَ أعجميّاً.
وأمّا اشتمالُ القرآنِ على ألفاظٍ مأخوذةٍ منَ اللّغات الأخرى كاشتمالهِ على لَفظِ «المشكاةِ» وهي لفظةٌ هنديّةٌ وقيلَ حبشيّةٌ وهي الكوّةُ، وعلى لفظِ «القسطاس» وهي روميّةٌ ومعناها الميزانُ، وعلى لفظِ «الاسْتَبْرَقِ» ومعناها الدّيباجُ الغليظُ، وعلى لفظِ «سِجّيل» ومعناها الحجرُ منَ الطينِ وهما لفظتانِ فارسيّتانِ فإنّهُ لا يكونُ بِذلكَ مشتملاً على كلماتٍ غيرِ عربيّةٍ لأنَّ هذهِ الألفاظَ قد عُرّبَتْ فصارت معرّبَةً، فهو مشتمِلٌ على ألفاظٍ مُعَرَّبةٍ لا على ألفاظٍ غيرِ عربيّةٍ. واللفظُ المعرّبُ عَربيٌّ، كاللفظِ الذي وضعتْهُ العربُ سواءٌ بسواء. والشّعرُ الجاهليّ قدِ اشتملَ على ألفاظٍ معرّبةٍ من قبَلِ أن يُنَزَّلَ القرآنُ مثلَ كلمةِ «السّجنجل» بمعنى المرآةِ في شعرِ امْرِىءِ القيسِ وغيرِها منَ الكلماتِ عندَ كثيرٍ من شعراءِ الجاهليةِ. والعربُ كانوا يعتبرونَ اللّفظةَ المعرّبةَ عربيةً كاللفظةِ التي وضعوها سواءٌ بسواءٍ.
والتّعريبُ لَيسَ أخْذاً للكلمةِ منَ اللّغاتِ الأخرى كما هي ووضعها في اللّغةِ العربيّةِ بلِ التَعريبُ هوَ أن تُصاغَ اللّفظةُ الأعجميّةُ بالوزن العربيّ فتصبحَ عربيّةً بعدَ وضعِها على وزنِ الألفاظِ العربيّةِ أو على حدِّ قَولِهِمْ على تفعيلةٍ من تفعيلاتِ اللّغةِ العربيّةِ، مِثْلَ أفْعَلَ وَفَعَلَ وَفَاعَلَ وافْتَعَلَ وَانْفَعَلَ وغيرِها. فإن وافقتْها ووافقتْ حروفُها حروفَ اللغةِ العربيّةِ أخذوها، وإنْ لم تكنْ على أوزانِ التّفعيلاتِ العربيّةِ ولم توافق أيَّ وزنٍ من أوزانِ العربِ حَوَّروها بزيادةِ حرفٍ أو بنقصانِ حرفٍ أو حروفٍ وصاغُوها على الوزنِ العربيّ؛ وكذلك يفعلونَ في حروفِها فيحذفونَ الحرفَ الذي لا ينسجمُ معَ اللّغةِ العربيّةِ، ويضعونَ بدلاً منهُ حرفاً من حروفِها حتى يُصبحَ جزءاً منها. فالتّعريبُ هو صوغُ الكلمةِ الأعجميّةِ صياغةً جديدةً بالوزنِ والحروفِ حتى تُصبحَ لفظةً عربيّةً في وزنِها وحروفِها.
وبمناسبةِ الحديثِ عنِ الألفاظِ المعرَّبةِ قد يرِدُ سؤالٌ وهوَ: هلِ التّعريبُ خاصٌّ بالعربِ الأقحاحِ الذينَ وضعُوا اللّغةَ العربيّةَ ورُوِيَتْ عَنهُمْ أمِ التّعريبُ جائزٌ لكلِّ عربيٍّ في كلِّ عَصرٍ؟
الجوابُ على ذلكَ: التّعريبُ جائزٌ لكلِّ عربيٍّ في كلّ عصرٍ على شرطِ أن يكونَ مجتهداً في اللُّغةِ العربيّةِ. لأنَّ التّعريبَ ليسَ وضعاً أصليّاً وإنّما هُوَ صياغَةٌ عَلى وزنٍ مخصوصٍ بحروفٍ مخصوصةٍ. هذا هو واقعُ التّعريبِ، وأمّا الوضعُ فخاصٌّ بالعربِ الأقحاحِ، وحدهُم، ولا يَجوزُ لغيرِهِمْ لأنّهُ إيجادٌ من شيءٍ غيرِ موجودٍ من الكلامِ، واصطلاحٌ ابتداءً فلا يصحُّ إلاَّ لأهلِ الاصطلاحِ، ولكنَّ التّعريبَ ليسَ إيجاداً لشيءٍ غيرِ موجودٍ بل هو اجتهادٌ في الشيءِ الموجودِ، وهوَ ليسَ اصطلاحاً ابتداء وإنّما هُو اجتهادٌ في ما جرى الاصطلاحُ عَلَيهِ. فإنَّ العربَ قَدْ حدّدتْ أوزانَ اللّغةِ العربيّةِ وتفيعلاتِها، وحدّدتْ حروفَ العربيّةِ بحروفٍ معينةٍ وعددٍ محدّدٍ، والتعريبُ هوَ صَوْغُ لفظةٍ من هذهِ الحروفِ على وزنٍ منَ الأوزانِ العربيّة.
ومن هنا كانَ التعريبُ جائزاً لكلِّ مجتهدٍ في اللّغةِ العربيّةِ، فهو كالاشتقاقِ سواءٌ بسواءٍ. فالاشتقاقُ أن تصوغَ من المصدرِ فعلاً أوِ اسمَ فاعلٍ أوِ اسمَ مفعولٍ أوْ غيرَ ذلك منَ المشتقّاتِ مِن حروفِ العربيّةِ وعَلى استعمالِ العربِ، سواءٌ أكانَ ما صغتَهُ قد قالتْهُ العربُ أم لم تقلْهُ. والمشتَقُّ لا خلافَ في جوازهِ لكلِّ عالِمٍ بالعربيّةِ، فكذلكَ التّعريبُ لأنّهُ صياغَةٌ وليسَ بوضعٍ. ولهذا فإنَّ التّعريبَ ليسَ خاصّاً بالعربِ الأقحاحِ بلْ هوَ عامٌّ لكلّ مجتهدٍ باللّغةِ العربيّةِ. غَيْرَ أنّهُ ينبغي أنْ يُعْلَمَ أنَّ التعريبَ خاص بأسماءِ الأشياءِ وليسَ عاماً لكلِّ لفظٍ أعجميّ. فالتّعريبُ لا يُدخلُ الألفاظَ الدّالّةَ على المعاني ولا الجُمَلَ الدّالة على الخيالِ، وإنما هو خاصٌّ بأسماء الأشياءِ ولا يصحُّ في غيرها مطلقاً. والعربُ حينَ عَرَّبتْ إنّما عرّبت أسماءَ الأشياءِ ولم يجرِ التّعريبُ في غيرِها. فإنّهم بالنّسبة للمعاني قدْ وضعوا الاشتقاق وبالنّسبةِ للتخيّلاتِ والتّشبيهاتِ قد وضعوا المجازَ ولم يستعملوا التّعريبَ إلاَّ في أسماءِ الأشياءِ، ويدخلُ فيها أسماءُ الأعلامِ مثلَ إبراهيمَ. ولهذا لا يجوزُ التّعريبُ إلاّ في أسماءِ الأشياءِ وأسماءِ الأعلامِ ولا يجوزُ في غيرِهما. أمّا غيرُ أسماءِ الأشياءِ وأسماءِ الأعلامِ فإنَّ مجالَ أخذِها واسعٌ في الاشتقاقِ والمجازِ. إنَّ الاشتقاقَ مجالٌ واسعٌ لأخذِ المعاني والتعبيرِ عنها مهما بلغت من الكثرةِ والتّنوُّعِ، وكذلك المجازُ مجالٌ خصبٌ لأخذِ الخيالِ والتّشبيهاتِ والتّعبير عنها مَهما كانت. ومن هنا كانَ لزاماً على علماءِ اللّغةِ العربيّةِ أن يُوجدُوا ألفاظاً جديدةً للأسماءِ والمعاني الجديدةِ. ولا مناصَ لهم من إيجادِ هذهِ الألفاظِ الجديدةِ وإلاّ وقفوا عنِ السّيرِ معَ الحياةِ ومتطلّباتِها، ووقفوا عن بيانِ حُكمِ الشّرعِ في وقائعَ وأشياءَ لا بدَّ من بيانِ حكمِ الشّرعِ فيها. واللّغةُ العربيّةُ نفسُهَا إنّما تبقى وتحيا بالاستعمال فإذا وُجِدَتْ معانٍ جديدةٌ ضروريّةٌ لحياةِ الأمّةِ ولم توجَدْ في اللّغةِ العربيّةِ ألفاظٌ تعبّرُ بها عنها انصرفَتِ الأمّةُ حتماً إلى لُغَةٍ أخرى لتعبِّرَ بها عمّا هُوَ من ضروريّاتِها، وبذلكَ تجمدُ اللّغةُ ثم معَ الزّمنِ تُتْرَكُ وتُهجر.
ومن هنا كان التّعريبُ كالاشتقاقِ والمجازِ ضرورةً من ضروراتِ حياةِ اللّغةِ العربيّةِ وبقائِها، ولذلكَ لا بدَّ منَ التّعريبِ. واللّغةُ العربيّةُ ليستْ في حاجةٍ لأنْ يُؤخذَ معنى اللّفظةِ الأعجميّةِ ويعبّرَ عنه بلفظٍ يدلُّ على معنى مثلِهِ بالعربيّةِ، كَمَا حاولَ المسلمون أن يفعلوا ذلكَ، بل تُؤخذُ اللّفظةُ الأعجميّةُ نفسُها وتُصاغُ على وزنٍ عربيٍّ. فما فعلوهُ من وضعِ كلماتِ قطارٍ وسيّارةٍ وهاتفٍ ومِقودٍ وما شاكلَ ذلكَ عمَلٌ كلّهُ خطأٌ، ويدلُّ على الجمودِ الفكريّ وعلى الجهلِ المُطبِقِ. فهذهِ أشياءُ وليستْ معانيَ ولا تخيّلاتٍ وتشبيهاتٍ فلا تُوضَعُ لها أسماءٌ لمعاني تشبهُها ولا تُشتقُّ لها أسماءٌ وإنّما تُؤخذُ أسماؤها الأعجميّةُ نفسُها وتُصاغُ على تفعيلةٍ من تفعيلاتِ العربِ. فكلمةُ «تلفون» كان يجبُ أن تُؤخذَ كما هي لأنَّ وزنها وزنٌ عربيٌّ «فعلول» ومثلُها عربون، وحروفُها كلُّها حروفٌ عربيّةٌ، وكلمةُ «كِدون» وزنها وزنٌ عربيٌّ «فعول» ومنهُ جهول ولكنَّ حرف {G} غيرُ موجودٍ في اللغةِ العربيّةِ فيوضعُ بدلاً منه حرف «غ» فيُقالُ «غدون» أو «ج» فيُقالُ «جدون» فتصبحُ لفظةً معرّبةً وهكذا. ومن هنا كانتِ الألفاظُ التي وُضعتْ لأسماءِ الأشياءِ الجديدةِ كالقطارِ والسيّارةِ ونحوِهما لا تُعتبرُ من ألفاظِ اللّغةِ العربيّةِ مُطلقاً لأنَّ اللفظَ العربيَّ هو اللّفظُ الذي وضعه العربُ للدّلالةِ على معنى معينٍ، فإذا حصلَ اصطلاحٌ للفظٍ وضعَهُ العربُ على معنى لم يضعوهُ لهُ كانَ ذلكَ حقيقةً شرعيّةً أو حقيقةً عُرفيّةً وليسَ حقيقةً لُغويةً.
والحقيقةُ اللّغويّةُ هي اللّفظُ المستعملُ في ما وُضعَ له أولاً في اللّغةِ، ولفظُ المِقودِ وما شابَهَهُ لم يضعهُ العربُ بإزاء هذا المعنى للدّلالةِ عَليهِ فلا يكونُ حقيقةً لُغويّةً، وبما أنّهُ ليس حقيقةً شرعيّةً ولا حقيقةً عُرفيّةً، فيكونُ لفظاً غيرَ عربيٍّ لأنّ ألفاظَ اللّغةِ العربيّةِ لا تخرجُ عَن هذه الثلاثِ.
الحقيقةُ العُرفيّةُ والحقيقةُ الشرعيّةُ
الحقيقةُ الشرعيّةُ هي اللفظ المستعملُ في ما وُضعَ لهُ أولاً في اصطلاحِ الشّرعِ. والأسماءُ الشّرعيّةُ مثل الصلاةِ للأفعالِ المخصوصةِ، والصومِ للإمساكِ المعروفِ، إلى غيرِ ذلك... هيَ الأسماءُ التي جاءَ بها الشّرعُ.
الحقيقةُ العرفيّةُ هي اللّفظُ المستعملُ في ماوُضعَ لهُ بعُرفِ الاستعمالِ اللُّغويّ. أيْ هي اللّفظةُ التي انتقلَتْ عَنْ مُسمّاها اللّغويِّ إلى غيرِهِ للاستعمالِ العامّ في اللغةِ بحيثُ هُجِرَ الأوّلُ. وهيَ قسمانِ: الأولُ: أن يكونَ الاسمُ قد وُضعَ لمعنى عامٍّ ثُمّ يُخصّصُ بِعرفِ استعمالِ أهلِ اللغةِ ببعضِ مُسمياتِهِ، كاختصاصِ لفظِ الدّابّةِ بذواتِ الأربعِ عُرفاً. وإن كانَ في أصلِ اللّغةِ لكلّ ما دبَّ على الأرضِ فتشمل الإنسانَ والحيوانَ. ولكنَّ الاستعمالَ العامَّ في اللّغةِ خصّصَها بذواتِ الأربعِ وهُجِرَ المعنى الأوّلُ فصارتْ حقيقةً عُرفيّةً لُغويّةً في المعنى الذي نُقِلَتْ إلَيهِ.
الثاني: أن يكونَ الاسمُ في أصلِ اللّغةِ بمعنى ثمَّ يشتهرُ في عُرفِ استعمالِهِمْ بالمعنى الخارجِ عنِ الموضوعِ اللُّغويّ، بحيث إنّهُ لا يُفهمُ من اللّفظِ عند إطلاقِ غيرِهِ، كاسمِ الغائطِ، فإنّهُ وإن كانَ في أصلِ اللّغةِ للموضعِ المنخفِضِ منَ الأرضِ، غير أنّهُ قد اشتهرَ في عُرفِهِم بالخارجِ المُسْتَقْذَرِ منَ الإنسانِ حتّى أنّهُ لا يُفهَمُ مِنْ ذلكَ اللّفظِ عندَ إطلاقِهِ غيرُهُ. فالحقيقةُ اللّغويّةُ قد وضعها العربُ فهي وضعيّةٌ والحقيقةُ العُرفيَةُ استعملَها العربُ فهيَ عُرفيّةٌ أي تعارف العربُ عليها باستعمالِهِمْ لها.
وأمّا أنّهُ يوجدُ لكلِّ طائفةٍ من العلماءِ من الاصطلاحاتِ التي تخصهم مثل اصطلاحِ النحاةِ على الرفعِ والنصبِ والجرِّ فإنّهُ حقيقةٌ عرفيّةٌ خاصّةٌ. وهي غيرُ الحقيقةِ العرفيّةِ اللّغويّةِ، لأنَّ الحقيقةَ العرفيّةَ اللغويةَ من العربِ أنفسهِم، وأمّا الحقيقةُ العرفيّةُ الخاصّةُ فهي ليستْ من العربِ الأقحاحِ وإنّما تعارَفَ عليها علماءُ كلِّ علم، للدّلالةِ على معانٍ معينة، كعلماءِ الهندسةِ والكيمياءِ والطبِّ والاقتصادِ وما شاكلَ ذلكَ، فكل ما اصطلحَ عليهِ علماءُ أيِّ علم، أو فنٍّ في أيِّ عصرٍ هُو حقيقة عُرفيةٌ خاصّةٌ، وهي منَ اللغةِ العربيّةِ كالحقيقةِ العُرفيةِ العامّة سواءٌ بسواءٍ لأنَّ العرفيّةَ العامّةَ قد استعملَها العربُ في غيرِ ما وضعُوها له واشتُهرت بهِ فكانت عربيّةً لاستعمالِ العربِ لها، فهي كالوضعِ من قِبَلِهِم. وكذلك العُرفيّةُ الخاصّةُ قد جرى الاصطلاحُ عليها من قِبَل علماءِ العربِ وعلى مسمعٍ منهم وأقرّوهُ واعتبرُوهُ منَ اللّغةِ، بل استعملوها في معانيها التي وُضعت لها كاستعمالِ الحقيقةِ العُرفيّةِ. وكذلك هم استعملوا اللّفظةَ في النّحوِ في غيرِ ما وُضعتْ له استعمالاً خاصاً في علمٍ مخصوصٍ فكانت لذلكَ عربيّةً كالذي استعملوهُ استعمالاً عامّاً وكالذي وضعوهُ. وما انطبقَ على العلومِ التي وضعوها والعلومِ التي أقرّوا استعمالها ينطبقُ على كلِّ علمٍ منَ العلومِ الحديثةِ، ومن هنا كانتِ الحقيقةُ العرفيّةُ الخاصّةُ عربيّةً كالحقيقةِ العُرفيّةِ العامّةِ سواءٌ بسواءٍ.
وأمّا الحقيقةُ الشّرعيّةُ فتنقسمُ إلى أسماءِ الأفعالِ كاسمِ الفاعل واسمِ المفعولِ والصفّةِ وأفعلِ التّفضيلِ كقولِنا زيدٌ مؤمنٌ أو فاسقٌ أو محجوجٌ عنه أو أفسقُ من عمرو. وأمّا بالنسبةِ للحروفِ فإنَّ الحروفَ الشرعيّةَ لم تُوجد مطلقاً لأنها لا تُفيدُ وحدَها، ولأنَّ المعانيَ التي وُضعَ كلُّ حرفٍ ليؤدّيَها معَ غيرهِ مثلَ الباءِ للإلصاقِ، واللاّمِ للاختصاصِ، وما شاكلَ ذلكَ، لم يوجدْ في الاستعمالِ الشرعيّ نقل لها عن معناها، ولذلكَ لم تكن موجودةً. وأمّا الفعلُ نحو صلّى الظّهرَ فإنّ الفعلَ عبارةٌ عنِ المصدرِ والزمانِ، فإن كانَ المصدرُ شرعيّاً، استحال أن يكونَ الفعلُ إلاَّ شرعياً وإن كانَ لُغويّاً فكذلك.
الحِكمة في وضعِ الألفاظِ العَربية
إذا قُيّضَ لكَ أنْ تَتَبَحّرَ في لغتكَ العربيّةِ، وتقِفَ على مكنوناتها، وتطّلِعَ على سرِّ الوضْعِ فيها، والطريقةِ التي تمشّى عليها الواضعُ في صياغةِ أُصولها، وكيفَ أحسنَ التفريعَ على تلكَ الأصولِ مع مراعاةِ التناسُبِ بينَ كل أصلٍ وفرعِهِ، لمْ تملكْ نفسَكَ عنِ الإعجابِ بذهنِ العربِ الشفّافِ الذي عَرَفَ كيفَ يحوِّلُ الكلماتِ الجامدةَ إلى حياةٍ.
ولولا ظهورُ اختلالٍ في بعْضِ متونِ اللغةِ، واضطراب في أوضاعِها لكانتِ الصلَةُ بينَ المعنى الحقيقيّ والمعنى المجازيّ أسْطَعَ من جبينِ البدْرِ في جوْفِ الظلماءِ. ولما كنّا نرى بين بعضِ الكلماتِ بَوْناً شاسعاً بحيثُ كادَتْ تنعدمُ أيّةُ رابطةٍ بينَ المعاني المختلفةِ للكلمةِ الواحدةِ. وهذا أكبر دليلٍ على أنّ اللغةَ التي انتهتْ إلينا قد اعتورَتْها أيدي التصحيفِ والتحريف والإفسادِ، وبعدَ أن تظاهرتْ عليها عواملُ العُجْمَةِ، وبعدَ أنْ تفرّقَتِ القبائلُ العربيّةُ في جميعِ الأطراف حتى كادتْ تلحقُ بشقيقاتها اللغاتِ الساميّةِ، لوْ لمْ يحفَظْ لها كيانَها القرآنُ الكريمُ.
وها نحنُ نوردُ لكَ شيئاً منْ تلكَ الألفاظِ الناطقةِ بحكمةِ واضعيها. فقدْ قالوا: أسْرَفَ الرجلُ مالَهُ: إذا بذّرَهُ وأنفَقَهُ في غيرِ حاجةٍ، وهو مشتقّ من السّرفةِ وهيَ دُوَيْبةٌ سوداءُ الرّأسِ سائرها أحْمَرُ، تَقَعُ على الشجرةِ فتأكلُ وَرَقَها وتُفْسِدُها. وقريبٌ من هذا المعنى قولهمْ بذّرَ مالهُ: إذا أفسدَهُ وأنْفَقَهُ إسرافاً، وهو مجازٌ عن قولهم: بذّرَ الحَبّ إذا نَثرَهُ في الأرضِ وبذّرَ الشيءَ إذا فَرّقَهُ فكأنّ المُبذّرِ لمالهِ يبدّدُهُ وينثرهُ في الأرضِ حتى يضيعَ أو يلْتَقِطَهُ عابرُ سبيلٍ.
ألفاظ اللغة وأقسامُها
وضعَ العربُ ألفاظاً معيّنة للدلالةِ على معانٍ مُعيّنَةٍ، فكانَ اللّفْظُ هو الدالّ على المعنى، وكانَ المعنى مدلولاً عليهِ باللّفْظِ. ولهذا كانَتْ أبحاثُ اللغةِ أبحاثاً عن الألفاظِ وحدها، وأبحاثاً عن الألفاظِ والمعاني، وَأبحاثاً عن المعاني. ومن هنا كانت الألفاظُ الموضوعةُ ثلاثةَ أقسامٍ:
أولاً: «دَلالَةُ المُطابَقَةِ، وهيَ دلالةُ اللّفْظِ على تمامِ مُسمّاهُ، كدَلالَةِ الإنسانِ على الحيوانِ النّاطقِ، وسُمّيَ بذلكَ لأنّ اللفظَ طابقَ معناهُ».
ثانياً: «دلالَةُ التضمّنِ، وهيَ دلالةُ اللّفظِ على جُزْءٍ المسمّى، كدلالَةِ الإنسانِ على الحيوانِ أو على النّاطقِ فقطْ، وسُمّيَ بذلكَ لتضمنّه إيّاهُ، وسُمّيَ تَضمّناً لكونِ المعنى المدلولِ في ضمنِ الموضوعِ لهُ».
ثالثاً: «دَلالَةُ الالتزامِ، وهيَ دلالَةُ اللّفظِ على لازمهِ، كَدَلالَةِ الأسَدِ على الشجاعةِ، وسُمّي بذلكَ لكونِ المعنى المدلولِ لازماً للموضوعِ لهُ. والمقصودُ باللزومِ اللزومُ الذِّهْنِيُّ أي الذي ينتقلُ الذهْنُ إليهِ عندَ سماعِ اللّفْظِ».
الكلام
الكلامُ حرْفٌ وصوْتٌ. فَقَطّعُوهُ وجزّأُوهُ على حركاتِ أعضاءِ الإنسانِ التي يخرجُ منها الصوتُ، وهو من أقصى الرّئةِ إلى منتهى الفَمِ، فوجدوه تسعةً وعشرينَ حرفاً لا تزيدُ على ذلكَ. ثمّ قَسّموها على الحَلْقِ والصّدْرِ والشّفَةِ واللثّةِ. ثمّ رأوا أنّ الكفايةَ لا تتمّ بهذه الحروفِ التي هيَ تسعةٌ وعشرونَ حرفاً، ولا يحْصُلُ المقصودُ بإفرادِها، فركّبوا منها الكلامَ ثُنائياً وثلاثيّاً ورُباعيّاً وخُماسيّاً. هذا هوَ الأصلُ في التركيبِ وما زادَ على ذلكَ فَمُسْتَقِلّ.
فلم يضعوا كلمةً أصليّةً زائدةً على خمسةِ أحْرُفٍ إلاّ بطريقِ الإلحاقِ والزيادةِ لحاجةٍ.
خصَائِص الحروف
وممّا يستدعي الإعجابَ أنّ العَربَ عَرفُوا بالاستقراءِ وطولِ الإدمان مدْلولاتِ بعضِ الحروفِ عندَ دخولِها في تركيبِ الألفاظ، فقالوا مثلاً: إنّ الحاءَ إذا تطرّفَتْ دلّتْ الكلمةُ المختومةُ بها على معنى الاتساعِ والامتداد والانتشارِ، مثل: باحَ، وساحَ، وفاحَ، وراحَ، وفلحَ، الخ..
والشينُ إذا وقعتْ في أوّلِ الكلمةِ دلّتْ على التفريق مثلُ: شَتّتَ، والظهورِ، مثل: شقّ، ويدلّ على القطْعِ والكسرِ كلّ ما كانَ ثانيهِ تاءً أو ثاءً أو دالاً أو ذالاً أو صاداً أو ضاداً أوْ طاءً، مثل: بتّ وقَدّ وقصّ وَقَضَمَ، وقَطَعَ، وقَطَمَ، وقَطَفَ، وقَطَرَ، الخ..
(والغين) إذا وَقَعَتْ في صَدْرِ الكلامِ تدلّ على معنى الخفاءِ، مثل غابَ وغارَ وغاصَ وغاضَ الخ..
أجناسُ الكلام
يكونُ على وجوهٍ: فمنهُ ما يختلفُ لَفْظُهُ ومعناهُ، وهو الأكثرُ والأشهرُ: رجل. قلم. سيف. أسد.
ومنه ما يختلفُ لفظُهُ مع وَحْدَةِ المعنى: سيف عضب. ليث أسد.
ومنهُ ما يتفقُ لفظهُ ويختلفُ معناهُ، مثل: عين التي تُطْلَقُ على العينِ الباصِرَةِ، والمالِ والميزانِ.
ومنهُ قضى: بمعنى حَتّمَ وأمَرَ وأعْلَمَ وَصَنَعَ وفَرَغَ.
ومنهُ ما يجتمعُ تحتهُ الضدّانِ. مثل: جَلَل للكبيرِ والصّغيرِ وللعظيمِ أيضاً، والجَوْن للأسْودِ والأبيضِ، والرّجاءِ للرّغبةِ والخوفِ، والقُرْء للحيضِ والطّهْرِ، والغابرِ للباقي والماضي. والناهل للعطشانِ والذي قد شرِبَ حتى ارتوى.
ومنهُ ما يتقارَبُ لفظهُ ومعناهُ: كالحَزْمِ والحزْنِ، فالحزم منَ الأرضِ أرْفَعُ من الحزْنِ، وكالخَضْم وهو بالفمِ كلّهِ، والقَضْم وهو بأطراف الأسنانِ.
ومنهُ ما يختلفُ لفظاهُ ويتقاربُ معنياهُ: مَدَحَهُ إذا كانَ حيّاً، وأبّنَهُ إذا كانَ ميتاً، وعادَهُ إذا كانَ مريضاً، وزارَهُ إذا كانَ مُعافى.
ومنهُ ما يتقاربُ لفظاهُ ويختلفُ معنياهُ: مثل: «حرج» إذا وقع في الحرجِ، وتَحَرّجَ إذا تَبَاعَدَ منَ الحَرجِ، وكذلكَ فَزِعَ إذا أتاهُ الفَزَعُ. وَفَزّعَ عن قلبه إذا نُحّيَ عنهُ الفزعُ.
هذا الاختلافُ في المعاني والتَفاوُت في الألفاظِ المُعَبّرَةِ عنْ معانٍ لهُ واقِعٌ، يشيرُ إلينا أن لا نأخُذَ معنًى واحداً من أيّ جملةٍ حتى نعودَ إلى مصادرها ومتفرّعاتها، كيْ يكونَ فَهْمُنا للجملةِ فَهْماً مبنيّاً على واقعٍ وحقيقة.
حديث شريف «أنا أفصَح العَرَب بَيْدَ أنّي من قريش»(+)
كانتْ وفودُ العربِ إذا جاءتْ إلى مَكّةَ في أوقاتِ الحجّ تتحاكمُ في سوقِ عُكَاظٍ إلى قريشٍ، وتنزِلُ عندَ أحكامِ أئمّتِها وجهابِذَتها بدونَ أدنى اعْتراضٍ. معَ أنّ القبائلَ التي كانتْ تؤمّ السوقَ العكاظيّةَ من جميعِ الأمصارِ العربيةِ لمْ تكنْ لتألوَ جهداً في تهذيبِ أشعارِها وانتقاءِ ألفاظِها واختيارِ معانيها، لكي تنالَ موقِعاً في قلوبِ القرشيينَ فكانَ أن انتشرت الألفاظُ السّلِسَةُ الرقيقةُ بينَ القبائلِ العربيةِ. على أنّ قريشاً لمْ تَعْدَمْ مع ذلك فائدةً منْ هذا الامتزاجِ بهذهِ الوفودِ إذْ كانتْ تتخيّرُ من منظومهِمْ ومنثورهِمْ أحسنَ الألفاظِ وأصفى المعاني وتضمّهُ إلى ما عندها من الكلماتِ الفصحى حتى صارتْ بذلكَ أفصحَ العرب. وخلَتْ لُغَتُها من الألفاظِ الركيكةِ كالكشكشةِ، وهيَ في ربيعة ومضرَ الذين كانوا يجعلونَ «كاف» الخطاب في المؤنث شيناً فيقولونَ: بشِ وعليكِ بدلاً من بكِ وعليكِ، وقرأ بعضهم: قد جعل ربش تحتش سريّاً بدل: {قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا *} [مَريَم: 24] في سورةِ مريم. والعنعنة وهي الشائعةُ في لغَةٍ قيسٍ وتميمٍ التي تجعَلُ الهمزةَ في أوّلِ الكلمةِ عيْناً، فيقولونَ في «أنك» عنّك، وفي «أسلم» عسلم، وفي «إذن» عذن. ومن ذلكَ ما وردَ في لغةِ اليمنِ من جعلِ السين تاءً كالنّات في النّاسِ وأنشدوا:
يا قبّحَ الله بني السعلات
عمرو بن يربوع شرار النات
والشنشنة التي تقلبُ الكافَ شيناً: اللّهمَ لبيش، أي لبيك.
ومن ذلكَ الاستنطاء في لغةِ سعد بن بكرٍ وهذيل والأزْدِ والأنصارِ، وهو جَعْلُ العينِ الساكنَةِ «نوناً» إذا جاورتِ الطّاءَ كأنطى في أعطى.
وقبائلُ العربِ التي أُخِذَ عنها اللسانُ العربيّ هي قيسٌ وتميمٌ وأسد، وعلى هؤلاءِ اتّكلَ في الغريبِ وفي الإعرابِ والتصريفِ. ثمّ هذيلٌ وقسمٌ منْ كنانةَ والطائيينَ، ولم يُؤَخَذْ عن غيرهمْ من سائرِ القبائلِ. كما لمْ يُؤخَذْ عن حضَري قطّ ولا عن سكّان البراري ممن كانَ يسكنُ أطرافَ بلادهِم المجاورةِ لسائرِ الشّعوبِ الذينَ حوْلهمْ. فلم يُؤخَذْ من لخمٍ ولا من جذامٍ لمجاورتهمْ أهْلَ مصرَ والقِبْطَ، ولا منْ قُضاعةَ وغسّانَ وإيادٍ لمجاورتهمْ أهلَ الشّامِ، وأكثرُهُمْ نصارى يقرأُونَ بالعبرانيّةِ، ولا منْ تَغْلِبَ واليمنِ لأنهُمْ كانوا بالجزيرةِ مجاورينَ لليونانِ، ولا منْ بكرٍ لمجاوزتهمْ للفُرْسِ، ولا منْ عبدِ القيسِ وأزْدِ عُمان، لأنهم كانوا بالبحرين يخالطونَ الهندَ والفرسَ، ولا منْ أهلِ اليمنِ لمخالطتهم الهندَ والحبشَةَ، ولا من بني حنيفةَ وسكانِ اليمامةِ، ولا من ثقيفٍ وأهلِ الطائفِ لمخالطتهِمْ تجّارَ اليمنِ المقيمينَ عندهمْ، ولا من حاضرَةِ الحجازِ لأنّ الذينَ نقلوا اللّغَةَ حين ابتدأُوا يَنقُلونَ لغة العرب، وجدوا شيئاً منَ الفسادِ في ألسنتِهِمْ بَعْدَما اختلطوا بغيرهمْ منَ الأعاجمِ.
والذي نَقَلَ اللّغةَ واللّسانَ العربيّ عنْ هؤلاءِ، وأثبتها في كتابٍ فصيّرها عِلْماً وصناعةً همْ أهْلُ البصرةِ والكوفةِ فقطْ منْ بينِ أمْصارِ العربِ. وكأنَ المولى عزّ وجلّ قدْ أرادَ السّلامةَ لهذهِ اللغَةِ الشريفةِ، فلمْ تنقشِعْ غيومُ الجاهليّة حتى جاءَ القرآنُ الكريمُ بلغتهِ الفُصْحى، وهو الذي عَلّمَ الشعراءَ والكتّابَ أسْلَسَ الألفاظِ وأبلغَ الجُمَلِ وحرّرهمْ منَ الخشونةِ الجاهليّةِ والغلاظةِ البدويّةِ، وهو الذي أوحى إلى الحكماءِ جوامِعَ البيانِ ومعجزاتهِ.
ومن فصاحةِ رسولِ الله (ص) أنّهُ تكلّمَ بجملٍ لم يسبقه إليها أحَدٌ منَ العربِ كقولهِ ماتَ حَتْفَ أنْفِهِ، وحَمِيَ الوطيسُ. ولا يُلْدَغُ المؤمنُ من جُحْرِ مرّتينِ.
الجزاء على الفِعْلِ بمثل لفظه
{إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ} [البَقَرَة: 14-15] أي يجازيهمْ جزاءَ الاستهزاءِ. {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ} [آل عِمرَان: 54] {فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ} [التّوبَة: 79] {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} [التّوبَة: 67] {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشّورى: 40].
ومثلُهُ قولُ الشاعر:
ألا لا يَجْهَلَنْ أحَدٌ عَلَيْنا
فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الجاهلينا
الأسْلوبُ
عُرِّفَ الأسلوبُ بأنّهُ المعنى المصوغُ في ألفاظٍ مؤلّفَةٍ على صورةٍ تكونُ أقْربَ لنيْلِ الغَرَضِ المقصودِ منَ الكلامِ، وأفعلَ في نفوسِ سامعيهِ.
وينقسمُ أُسلوبُ الكتابةِ إلى نوعينِ: فكريٍّ وأدبيٍّ.
المرادُ من الكتابةِ أداءُ المعاني التي في نفْسِ الكاتبِ للقارىء. فالأصْل إذن في التعبيرِ المعاني، ثمّ تأتي بعدَ ذلكَ الألفاظُ التي تؤدّيها كما هيَ لدى الكاتبِ. فالمسألةُ إذنْ تنْحَصِرُ في أمرينِ: المعاني والألفاظِ. ومن هنا اختَلَفَتْ عنايةُ الكتّابِ بالمعاني والألفاظِ. فمنهُمْ مَنْ وَجّه عنايتهُ إلى المعاني أوّلاً، وأخضَعَ الألفاظَ إلى الدقّةِ في أدائها. ومنهمْ مَنْ وَجّهَ عنايَتَهُ إلى الألفاظِ أوّلاً وضحّى بشيءٍ منَ المعاني في سبيلِ الألفاظِ. ولذلكَ انقسم الأسلوبُ في الكتابةِ إلى قسمينِ أحدهما فكريّ، والآخر أدبيّ. ولكلٍّ منهما نسيجٌ خاصّ يخالفُ الآخر.
الأسلوبُ الفِكْريّ
يختارُ الكاتبُ فيهِ الأفكارَ التي يريدُ أداءَها لجدّتها أو قيمتِها أو ملاءمتِها لمقتضى الحال، ثمّ يرتِّبُ هذهِ الأفكارَ ترتيباً معقولاً ليكونَ ذلكَ أدعى إلى فَهْمِها، وحسْنِ ارتباطِها في ذِهْنِ القارىءِ. وأخيراً يُعبّرُ عنها بالألفاظِ اللائقَةِ بها. وفي الأسلوبِ الفكريّ يكونُ الانفعالُ طبيعيّاً أساسيّاً صادراً مِنْ نفْس صادقةٍ. والمعارفُ العقليّةُ هيَ الأساسُ الأوّلُ في بنائهِ، ولا يَظْهَرُ فيهِ أيّ أثرٍ لصفةِ الانفعالِ. وتمتازُ عبارتُهُ بالدقّةِ والتحديدِ والاستقصاءِ.
والأصلُ فيهِ أنْ يقومَ على العقْلِ ونشرِ الحقائقِ الفكريّةِ والمعارفِ التي يحتاجُ الوصولُ إليها لجهْدٍ وتعمّقٍ. ويتكوّنُ في جُمْلَتِهِ من عنصرينِ أساسيّينِ: أحدهما الأفكارُ والثاني العبارةُ.
الأسْلوبُ الأدَبيّ
الكاتبُ لا يقفُ عندَ الحقائقِ والمعارفِ، ولا يكونُ قصْدُهُ الوحيدُ تغْذِيَةَ العقْلِ بالأفكارِ، وإنما يُقَرِّبُ هذهِ الحقائقَ ويختارُ أهمّها وأبرزَها الذي يستطيعُ أنْ يجدَ فيهِ مَظْهَراً لجمالٍ ظاهرٍ أو خفيٍّ، أوْ معْرِضاً لِعِظَةٍ، أو اعتباراً لتفكيرٍ أو تأثيرٍ. ثمّ يفسّرُ ما اختارَهُ تفسيراً خاصّاً بهِ بما يَخْلَعُ عليهِ منْ نفْسِهِ المُتعجّبَةِ أوِ الراضيَةِ أوِ السّاخِطَةِ، ثمّ يحاولُ نَقْلَ هذا الانفعالِ، أو إثارَةَ مِثْلِهِ في نفوسِ القُرّاءِ ليكونوا مُتعجّبينَ أو مُغْتَبِطينَ راضينَ أو ساخطينَ. والأسلوبُ الأدبيّ يعتمدُ على الانفعالِ، والعنايةِ بإظهارِهِ في المعاني والألفاظِ التي يؤدّي بها أفكارَهُ. والاهتمامُ فيهِ منصبّ على قُوّةِ الانفعالِ أوِ العاطفَةِ والمشاعرِ.
ولذلكَ لا يمكنُ أنْ تؤدّى الفَلْسَفَةُ والتشريعُ والعلومُ التجريبيّةُ وما شاكَلَهَا، إلاّ بالأسلوبِ الفكريّ. كذلكَ لا يمكِنُ أنْ يُؤدّى الشعرُ والخطابةُ وما شابههما بغيرِ الأسلوبِ الأدبيّ.
فالأسلوبُ الفكريّ واجبٌ في أداءِ الأفكارِ. والأسلوبُ الأدبيّ يقومُ على إثارةِ الناسِ وتحريضِهِمْ على العَمَلِ الذي يُرادُ منهمْ. ومنْ هنا نجدُ الأسلوبَ الفكريّ يفشو في الأمّةِ، وهيَ في حالِ نهضتِها وعنفوانِ سيرِها التصاعديّ، والأسلوب الأدبيّ يشيعُ في الأمّةِ عندما تكونُ سطحيّةَ التفكيرِ أو في حالَةِ الترفِ. ولذلكَ نرى الشعر يضعفُ في بدايةِ الدعوةِ الإسلاميّةِ ويشيعُ الأسلوبُ الفكريّ في الخطَبِ والأحاديثِ.
وكانَ القرآنُ الكريمُ أروَعَ مَثَلٍ في الأسلوبِ الفكريّ، وكانَ أكثرُهُ قائماً على هذا الأسلوبِ، وإن كانَ قَدْ حوى أروَعَ ما في الأسلوبِ الأدبيّ، ولكنّهُ يلتزمُ ما يلتزمُ في الأسلوبِ الفكريّ منَ الدقّةِ والتحديدِ.
وقد انتعشتْ في الأمّةِ بهذا العصْرِ أحاسيسُ النهضَةِ، فهيَ في حاجةٍ إلى الأسلوبِ الفكريّ لتأديَةِ الحقائقِ للناسِ، وإنْ كانتْ لا تستغني عنِ الأسلوبِ الأدبيّ في تحريضِ النّاسِ على العَمَلِ، ولكنْ بعدَ وضعِ الفكرِ الّذِي تُريدُ أنْ يسودَ في أذهانهمْ.
خُلاصَة القَول
إنّ اللغةَ العربيّةَ تنقسمُ إلى مفردٍ ومُركّبٍ.
المركَّب
المركّبُ ما دلّ أحدُ جزأيه على جزءٍ من المعنى، وقد صيغَ لإفهامِ السّامعِ النسبَ والمعاني المركّبَةِ بعدَ علمهِ بأوضاعِ المفرداتِ.
وينقسِمُ المركّبُ إلى ستّةِ أقسام: الاستفهامُ والأمْرُ والالتماسُ والسؤال والخبرُ والتنبيهُ. فالمتكلِّمُ صاغ المركّب من المفرداتِ، وألّفهُ منها لإفهامِ الغيرِ ما في ضميرِهِ؛ فتارةً يُفيدُ الطلَبَ وتارةً يُفيدُ الأخبارَ. فإنْ أفادَ الطّلَبَ بذاتهِ أي بالوضع يُنْظَرُ فيهِ، فإن كانَ الطلبُ للماهيّةِ فهو الاستفهامُ، كقولك ما حقيقةُ الإنسانِ؟ وهلْ قامَ زيْدٌ؟ وإنْ كانَ الطلبُ لتحصيلِ الماهيّةِ مع الاستعلاءِ على المطلوبِ منهُ، فهو الأمْرُ، كقولهِ تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البَقَرَة: 43] وإنْ كانَ الطلبُ لتحصيلِ الماهِيّةِ معَ التساوي فهو الالتماسُ، كَطَلَبِ الشّخْصِ من نظيرِهِ، وذلكَ عندما تقولُ لصديقكَ: أعطني القَلَمَ وخُذِ الكتابَ، وإنْ كانَ الطلَبُ لتحصيلِ الماهيّةِ معَ التذلّلِ، فهو السؤالُ كقولِ العبْدِ: اللهمّ اغفرْ لي! اللهمّ ارْحَمْني!
وإن كانَ المركّبُ يحتمِلُ الصّدقَ والكذبَ فهو الخبرُ: كقولهمْ قامَ زيدٌ. وإن كانَ لا يحتمِلُ الصدقَ والكذبَ فهو التنبيهُ. ويشمل الترجي والتمني والقَسَم والنداءَ.
المُفْرَد
ينقسم المفردُ إلى ثلاثةِ أقسام: اسم وفعل وحرف.
الاسم: ما دلّ على معنى في نَفْسِهِ، ولا يلزمُ منهُ الزمانُ الخارج عن معناهُ لنيتهِ. وهو إمّا أنْ يكونَ كليّاً أو جزئيّاً.
فالكليّ ما يَصِحّ أنْ يشتركَ في مفهومهِ عدَدٌ منَ الأنواعِ كحيوانٍ وإنسانٍ. والجزئيّ ما لا يصِحّ فيهِ ذلكَ مثل: زيد وعمرو، ومثل الضمائر: هيَ، وهوَ.
الفعل: ما دلّ على حدَث مقترن بزمانٍ محَصّلٍ، والحدثُ هو المصدرُ وهو اسمُ الفِعلِ. والزمانُ المُحَصّلُ، هو الماضي والحالُ والمستقبلُ.
الحرف: ما دلّ على معنى مُقْتَرنٍ بغيرِهِ فإنْ لمْ يقترنْ بغيرِهِ فلا معنى لهُ. ولا بُدّ من تفسيرِ الحرفِ الذي تَشْتَدّ الحاجةُ في الفقْهِ إلى معرفتهِ لوقوعهِ في أدلّتِهِ وهو على أصناف:
الحَرف وَأصْنافه
الحرفُ ما دلّ على معنى في غيرِهِ وهو على أصنافٍ: الصنفُ الأوّلُ حرفُ الإضافةِ.
حرفُ الإضافةِ ما يقضي بمعاني الأفعال إلى أسماء وهو ثلاثة أقسام:
القِسم الأوّل
ما يقتصر على كونهِ حرفاً مثل: من، إلى، حتى، في، ب، ل، رب، واو القسم.
1 ـ «من» لابتداءِ الغايةِ: سرتُ مِنْ بغدادَ... وللتبعيضِ: أكلتُ منَ الخُبْزِ، ولبيانِ الجنسِ: خاتمٌ من ذهبٍ، وزائدة: ما جاءنِي من أحدٍ.
2 ـ «إلى» لانتهاءِ الغايةِ: سرتُ إلى بيروتَ. وبمعنى مع، كقوله تعالى: {وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ} [النِّسَاء: 2].
3 ـ «حتى» بمعنى إلى.
4 ـ «في» للظرفيّة: زيدٌ في المدينةِ. وبمعنى «على» كقولهِ تعالى: {وَلأَُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} [طه: 71] وقد يُتَجَوّزُ بها: نظرتُ في العالمِ الفلاني.
5 ـ «ب» للإلصاق: به داءٌ. وللاستعانة: ضربْتُ بالعصا. والمصاحبة اشتريتُ السيف بقِرابه. ومعنى «على» قالَ الله تعالى: {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} [آل عِمرَان: 75] وبمعنى من أجل، قال الله تعالى: {وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًا *} [مَريَم: 4] وقد تكونُ زائدة كقولهِ تعالى: {وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البَقَرَة: 195].
6 ـ «ل» للاختصاص: المالُ لزيدٍ، وزائدة مثل: «ردف لكم».
7 ـ «رب» للتقليل، ولا تدخُلُ إلاّ على النكرةِ: رب رجلٍ عالم.
8 ـ «واو القسم»، مثل: والله وبالله وتالله.
القِسْم الثاني
ما يكون حرفاً واسماً: على، عن، ك، مذ، منذ.
1 ـ «على» للاستعلاء: على زيدٍ دَينٌ (حرف) غَدَتْ مِن عليهِ ما تمّ ظمئُها (اسم).
2 ـ «عن» للمباعدة كقوله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} [النُّور: 63] (حرف) وجلستُ مِنْ عنْ يمينِهِ (اسم).
3 ـ «ك» للتشبيه: زيدٌ كعمرٍو (حرف)، ومثل قول الشاعر: يَضْحَكْنَ عن كالبرد (اسم).
4 ـ «مذ، منذ» لابتداءِ الغايةِ في الزمانِ: ما رأيتهُ مُذْ أو مُنْذُ يومِ الخميسِ، وقد يكونانِ اسمينِ إذا وقعا ما بعدهما.
القِسْم الثالِث
ما يكون حرفاً وفعلاً مثل: حاشا، خلا، عدا، فإنها تجر ما بعدها على اعتبار أنها حرفٌ وقد تنصبُهُ على اعتبارِها فعلاً.
حروف العطف عشرة
أربعةٌ منها تشتركُ في جمْعِ المعطوفِ والمعطوفِ عليهِ في حُكْمٍ، غيرَ أنها تختلِفُ في أُمورٍ أُخرى، وهذه هي: «و، ف، ثم، حتى».
1 ـ «الواو» للجمع المطلَقِ غير مقتضيةٍ ترتيباً ولا معيّةً.
2 ـ «الفاء» وتقتضي الترتيبَ السريعَ كقولهِ تعالى: {وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا} [الأعرَاف: 4] وقولهُ تعالى: {لاَ تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ} [طه: 61] وقولهُ تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} [البَقَرَة: 283] فإنّهُ وإن كانَ الإسحاتُ بالعذابِ مما يتراخى عن الافتراءِ بالكذبِ، وكذلكَ الرّهْنُ مما يتراخى عن المداينةِ، غيرَ أنّهُ يجبُ تأويلُهُ بأنّ حكمَ الافتراءِ الإسحاتُ وحُكْمَ المداينةِ الرّهينة.
3 ـ «ثمّ» تدلّ على التراخي: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى *} [طه: 82] وتَرِدُ بمعنى الواو كقولهِ تعالى: {فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ *} [يُونس: 46] لاستحالةِ كونهِ شاهداً بعدما لم يكنْ شاهِداً.
4 ـ «حتى» موجبةٌ لكونِ المعطوفِ جزءاً منَ المعطوفِ عليه، نحو: ماتَ النّاسُ حتى الأنبياءُ. استنتِ الفصالُ حتى القرعى؛ فالأوّلُ أفضلُهُ والثاني دونَهُ.
وثلاثة منها تشترك في تعليق الحُكم بأحَدِ المذكورين وهي: أو، أمّا، أمْ
1 ـ أو وأما: يقعانِ في الخَبرِ والأمرِ والاستفهامِ.
أ ـ في الخبر للشك، مثل: جاءَ أحمدُ، أو حسنٌ، وجاءَ إمّا أحمدُ وإمّا حسنٌ.
ب ـ في الأمر للتخيير: أطعِمْ أحْمَدَ أو حسناً، وأطعِمْ إما أحْمَدَ وإما حسناً، وللإباحةِ، مثل: رافق الحسنَ أو الحسينَ.
ج ـ في الاستفهام مع الشك في وجود الأمرينِ.
2 ـ أم مع العلمِ بأحدهما والشك في تعيينهِ.
وثلاثة منها تشترك في أن المعطوف مخالف للمعطوف عليه في حكمِه وهي: لا، بل، لكن.
مثل: جاءني زيدٌ لا عمرُ. بلْ عُمَرُ. وما جاءني زيدٌ لكنْ عُمَرُ.
أحرف النفي
هي: ما، لا. (لم، لما) لن، إن بالتخفيف.
1 ـ ما: لنفيِ الحالِ أو الماضي القريب من الحال، مثل: ما تفعلُ، ما فَعَلَ.
2 ـ لا: لنفيِ المستقبلِ: وإمّا أن يكونَ خبراً، مثل: لا رجلَ في الدارِ، وإما نهياً لا تفعلْ. أو دعاءً لا رعاكَ الله.
3 ـ لم ولما: لقلبِ المضارع إلى الماضي مثل: لمْ يفعلْ ولمّا يفعلْ.
4 ـ لن: لتأكيدِ المستقبلِ، كقولهِ تعالى: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا} [البَقَرَة: 24].
5 ـ إن: لنفيِ الحالِ، مثل قولهِ تعالى: {إِنْ كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً} [يس: 29].
حُروف التنبيه
هي: ها، ألا، أما.
مثل: ها أفعلُ كذا. ألا زيدٌ قائمٌ، أما أنك خارجٌ.
حُروف النِّداء
هي: يا، أيا، هيا، أي، أَ، وا.
1 ـ يا: لنداء القريب والبعيد، أيا، هيا: لنداء البعيد.
2 ـ أَ، أي: لنداء القريب، وا: للندبة والاستغاثة.
حُروف التصديق والإيجاب
هي: نعم، بلى، أجل، جير، إي، إن.
1 ـ «نعم» تصديقٌ لما سبقَ من قولِ القائلِ: أقام زيد؟ نعم قام زيد.
2 ـ «بلى» لإيجابِ ما نُفِيَ، مثل: «بلى» لمن قال ما قام زيد. ـ أي قام ـ.
3 ـ «أجل» لتصديقِ الخبرِ لا غير، مثل: أجل، لمن سأل قام زيدٌ.
4 ـ «جير، إن، إي» للتحقيق، مثل: جيرِ لأفعلنّ كذا. إن الأمر كذا. إي والله.
مِنْ حُروف الاستِثناء
إلا، غير، سوى، حاشا، عدا، خلا.
ما حضرَ الغائبونَ إلاّ إيّاكَ. ذبلتِ الأزهارُ خلا زهرةً. سقيتُ الأشجارَ عدا شجرةً. عرفتُ الأسماءَ خلا اسمٍ.
حَرفا المَصدَر
ما، أن، مثل: ما أعْجَبَ ما صنعتَ أي صنعك. «أن»: أُريدُ أنْ تفعلَ كذا، أي فعلك.
حُروف التحضِيضِ
وهي: لولا، لوما، هلا، ألا. ألاَ فَعَلْتَ كذا! إذا أردْتَ الحَثّ على الفِعْلِ.
حَرف تقريب الماضِي من الحال
قد، مثل: قد قامَ زيدٌ، وهو حرف تحقيق إذا كان الفعل ماضياً، وحرف تقليل إذا كان الفعل مضارعاً نحو: قد يأتي المسافرُ قريباً.
حُروف الاستقبال
وهي: السينُ، سوف، ان لا، إِنْ في قولكَ: سيفعلُ... سوفَ يفعلُ، أُريدُ أنْ تَفْعَلَ، لا تفعلْ، إنْ تفعلْ.
من حُروفِ الشرط
هي: إِنْ، وَمَنْ نحو: إِنْ تَجْلِسْ أَجْلِسْ، مَنْ يَجْتَهِدْ يَنْجَحْ، ما، مهما، إذ ما، كيفما، حيثما، أيّان، أينما، أنَّى.... ولو وإذا غير جازمتين نحو: لو جئتني لأكرمتك. خرجت من البيت فإذا الدائن على الباب. وهنا تسمى إذا الفجائية. أيضاً إذا سافرت فسوف أسافر.
حُروف اللامات
لام التعريف: الرجل. لام جواب القسم، مثل: والله لأفْعَلَنّ كذا، والموطّئَة للقسمِ في قولهِ: واللَّهِ لئنْ أكْرَمْتَني لأكْرِمَنّكَ. ولام جواب لو وإلا. في قولكَ: لو كان كذا لكان كذا.
ولام الأمر، مثل: ليفعلْ كذا.
ولام الابتداء، مثل: لزيدٌ منطلقٌ.
أقسام الكِتابِ والسُّنّة
بعدَ أنِ انتهى بحثُ اللغةِ العربيّةِ وعرفناها بأقسامها، أصبحَ من الواجبِ معرفةُ أقسامِ الكتابِ والسنّةِ. وذلكَ لأنّ معرفةَ اللغةِ ومعرفةَ أقسامِها لا تكفي للاستدلالِ بالكتابِ والسنّةِ على الأحكامِ الشرعيّةِ.
ويتبيّنُ بعدَ الاستقراءِ أنّ أقسامَ القرآنِ الكريمِ والسنّةِ محصورةٌ بخمسةِ أقسامٍ هي:
الأوامرُ والنواهي، والعمومُ والخصوصُ، والمطلَقُ والمقيّدُ، والمجملُ والبيانُ والمبينُ، والناسخُ والمنسوخُ، ولا يوجدُ غيرُها مطلقاً.
الأوامِرُ وَالنواهي
الأمر: طلبُ الفعلِ على وجهِ الاستعلاءِ.
والنهي: طلبُ التركِ على وجهِ الاستعلاءِ.
والأمرُ والنهْيُ معناهما الطلبُ، فالأمرُ طلبُ القيامِ بالفعلِ، والنّهيُ طَلَبُ تركِ الفعلِ، وليس الأمرُ والنّهيُ في كلِّ ما أمرَ بهِ الشارعُ أو نهى عنهُ على وتيرةٍ واحدةٍ.
وتختلفُ الأوامرُ، وكذلكَ النواهي باختلافِ القرائنِ والأحوالِ، فقد يكونُ الأمرُ للوجوبِ وقد يكونُ لغيرِهِ. وقد اتفقَ الأصوليّونَ على إطلاقها بإزاء ستةَ عشرَ اعتباراً إذا وردتْ مطلقةً عاريةً عنِ القرائنِ
مثل:
1 ـ الوجوب: كقولهِ تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلاَةَ} [هُود: 114].
2 ـ الندب: كقولهِ تعالى: {فَكَاتِبُوهُمْ} [النُّور: 33].
3 ـ الإرشاد: كقوله تعالى: {فَاسْتَشْهِدُوا} [النِّسَاء: 15] وهو قريبٌ من الندبِ غير أنّ الندبَ لمصلحةٍ أُخرويّةٍ، والإرشادَ لمصلحةٍ دنيويّةٍ.
4 ـ الإباحة: كقولهِ تعالى: {فَاصْطَادُوا} [المَائدة: 2].
5 ـ التأديب: وهو داخلٌ في النّدب كقولهِ: «كُلْ ممّا يليك».
6 ـ الامتنان: كقولهِ تعالى: {كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ} [الأنعَام: 142].
7 ـ الإكرام: {ادْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ آمِنِينَ *} [الحِجر: 46].
8 ـ التهديد: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ} [فُصّلَت: 40].
9 ـ والإنذار: تَمَتّعوا، وهو بمعنى التهديدِ.
10 ـ السخرية: {كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ *} [البَقَرَة: 65].
11 ـ التعجيز: {كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا * أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ} [الإسرَاء: 50-51].
12 ـ الإهانة: {ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ} [الدّخان: 49].
13 ـ التسوية: {فَاصْبِرُوا أَوْ لاَ تَصْبِرُوا} [الطُّور: 16].
14 ـ الدعاء: اغفرْ لي.
15 ـ التمني: كقول الشاعر: ألا أيها الليلُ الطويلُ ألا انجلِ
16 ـ كمال القدرة: كقولهِ تعالى: {كُنْ فَيَكُونُ *} [البَقَرَة: 117].
صيغة افعلْ، إنها وإن كانتْ ظاهرةً في الطّلَبِ والاقتضاءِ، وموقوفةً بالنسبةِ إلى الوجوبِ والندبِ فيُمكِنُ أن تكونَ للإباحةِ وللإذنِ في الفعلِ كما تقدّمَ، فإذا وردَتْ بعدَ الحظرِ، احتُمِلَ أن تكونَ مصروفةً إلى الإباحةِ ورفْعِ الحجر كما في قولِهِ تعالى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} [المَائدة: 2] {فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا} [الأحزَاب: 53]. {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانْتَشِرُوا} [الجُمُعَة: 10] وقولِهِ (ص): «كنتُ نهيتُكُمْ عنِ ادّخارِ لحومِ الأضاحي فادّخروا»(+)، واحتملَ أن تكونَ مصروفةً إلى الوجوبِ كما لو قيل للحائضِ والنفساءِ «إذا زالَ عنكِ الحيضُ فَصلِّي وصُومي»(+).
النهْي
صيغة لا تفعل وردت في سبعة وجوه:
1 ـ التحريم: {وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَى} [الإسرَاء: 32].
2 ـ الكراهة: {وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ} [لقمَان: 18].
3 ـ التحقير: {لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ} [الحِجر: 88].
4 ـ بيان العاقبة: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً} [إبراهيم: 42].
5 ـ الدعاء: لا تَكِلْنا إلى أنفسِنا.
6 ـ اليأس: {لاَ تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ} [التّحْريم: 7].
7 ـ الإرشاد: {لاَ تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ} [المَائدة: 101].
فهي حقيقةٌ في طلبِ التركِ واقتضائهِ، ومجازٌ فيما عداه.
العَامّ والخَاصّ
العامّ: هو اللّفظُ الواحدُ الدّالُّ على معنيين فصاعداً.
الخاصّ: هو اللّفْظُ الواحدُ الذي لا يصلُحُ مدلولُهُ لاشتراك كثيرين فيهِ، كأسماءِ الأعلامِ مثل: حسن وعلي ومحمد وإبراهيم.
وعلى هذا فإنّ اللفظَ الذي لهُ دَلالَةٌ ينقسمُ إلى عامٍّ لا أعَمّ منهُ، فإنّهُ يتناولُ الموجودَ والمعدومَ والمجهولَ، وإلى خاصٍّ لا أخصّ منهُ كأسماءِ الأعلامِ، وإلى ما هو عامّ بالنسبةِ، وخاصّ بالنسبةِ كلفظِ الحيوانِ؛ فإنّهُ عامّ بالنسبةِ إلى ما تحتهُ من الإنسانِ والفرسِ، وخاصّ بالنسبةِ إلى ما فوقَهُ كلفظِ الجوهرِ والجسم.
أمثِلة على العموم وَالخصُوص
قولهُ تعالى: {وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ} [هُود: 45]، وكانَ ذلكَ تمسّكاً منهُ بقولهِ تعالى: {إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ} [العَنكبوت: 33] وأقرّهُ الباري على ذلكَ، وأجابَهُ بما دلّ على أنّهُ ليسَ منْ أهْلِه. ولولا أنّ إضافةَ الأهْلِ إلى نوحٍ يُفْهَمُ منهُ العُموم لما صحّ ذلكَ. ومنها أنهُ لما نزلَ قولهُ تعالى: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} [الأنبيَاء: 98]، قال ابن الزبعرى: «لأخْصمَن محمّداً»، ثم جاءَ إلى النبيّ (ص) فقالَ لهُ: «وقدْ عُبِدَتِ الملائكَةِ والمسيحُ. أفتراهُمْ يدخلونَ النّارَ؟» واستدل بعُمومِ «ما» ولم ينكرْ عليه النبيّ (ص) ذلك، وقد نزلَ قولُهُ تعالى غَيرَ منكرٍ لقوله بل مخصّصاً بقولِهِ تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ *} [الأنبيَاء: 101] ومنها قولُه تعالى: {وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ *} [العَنكبوت: 31] {قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ *} [العَنكبوت: 32] وذلك أنّ إبراهيمَ عليهِ السلامُ فهمَ العمومَ من كلمةِ «أهلِ هذهِ القريةِ» حيثُ ذَكَرَ لوطاً، والملائكةُ أقَرّوهُ على ذلكَ وأجابُوهُ بتخصيصِ لوطٍ وأهْلهِ بالاستثناء.
ومنها إجماعٌ على إجراءِ قولِه تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي ً ïالزَّانِيَةُ وَالزَّانِي ً ïوَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ ً ïوَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا ً ïوَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا ً ïوَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا ً ïوَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ً ïلاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} [البَقَرَة: 278]، [النِّسَاء: 29]، [المَائدة: 38،95]، [الإسرَاء: 33]، [النُّور: 2]. وقولِهِ (ص): «لا وصيّة لوارثٍ، ولا تُنْكَحُ المرأةُ على عَمّتِها ولا خالتِها، ومَنْ ألقى سلاحه فَهُوَ آمن» إلى غير ذلكَ منَ الألفاظِ الدالّةِ على العمومِ.
إنّ أكثرَ المعلوماتِ وَرَدَتْ على أسبابٍ خاصّةٍ، فآيَةُ السرقة نزلَتْ في سرِقَةِ رداءِ صفوانَ، وآيةُ الظهارِ نزلتْ في حقِّ سلمة بن صخرِ، وآيةُ اللّعانِ نزلَتْ في حقِّ هلالِ بن أُميّةَ، إلى غيرِ ذلكَ.
تخصِيصُ العُموم
الخصوصُ والتخصيصُ بمعنى واحدٍ، والتخصيصُ هو إخراجُ بعضِ ما يتناولهُ اللّفْظُ ويَقَعُ في الخطابِ الدّال على الشمولِ أي العمومِ ولذلكَ يُقالُ: تخصيصُ العمومِ كقولهِ تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} [التّوبَة: 5] وقد أخرجَ من ذلكَ أهْلَ الذمّةِ، وقولِهِ تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا} [المَائدة: 38] وأخْرَجَ منْ ذلكَ منَ سَرَقَ دونَ النصابِ، أو سَرَقَ منْ غيرِ حِرْزٍ، وقولِهِ تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ} [النِّسَاء: 11] وأخرجَ منهُ الكافرَ والقاتلَ. وقد يكونُ التخصيصُ مُتّصِلاً أو منفصلاً.
والمتصلُ ما لا يسْتَقِلّ بنفسِهِ بَلْ يكونُ متعلّقاً باللّفْظِ الذي ذُكِرَ فيهِ العامّ. والمنفصلُ ما يستقلّ بنفسهِ، أي أنّ الدالّ على التخصيصِ يكونُ أداةً منْ أدواتِ التخصيصِ متّصِلةً بالعامّ الذي يجري تخصيصُهُ كالاستثناءِ مثلاً. وهذا هو التخصيصُ المتصلُ ويكونُ نصّاً آخرَ منفصلاً عنِ النصِّ العام، كتخصيصِ الجَلْدِ للزّاني غيرِ المُحْصِنِ بنصٍ آخر، وهو رَجْمُ الزّاني المُحْصِنِ. والتخصيصُ المتصلُ أربعةُ أنواعٍ هيَ: الاستثناءُ، الشرطُ، الصفةُ، الغايةُ.
1 ـ الاستثناء: كقوله تعالى: {إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ *} [الحِجر: 58] إلى قولهِ: {إلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ *} [الحِجر: 59] منَ الهلاكِ {إِلاَّ امْرَأَتَهُ} [الحِجر: 60] استثنى آلَ لوطٍ منْ أهلِ القريةِ، واستثنى المرأةَ منَ الذينَ سينجونَ من الهلاك.
2 ـ الشرط: أكْرِمْ بني تميم إذا دخَلُوا السوقَ أوِ الدارَ.
3 ـ الصفة: ولا تخلو إمّا أنْ تكونَ مذكورةً بعدَ جُمْلَةٍ واحدةٍ كقولهِ: أكرمْ بني تميمٍ الطوالَ، فإنّهُ يقتضي اختصاص الإكرامِ بالطوال منهمْ، ولولا ذلكَ لَعَمّ الطوالَ والقصارَ؛ فكانتِ الصفَةُ مخرجةً لبعضِ مَنْ كانَ داخلاً تحتَ اللفظِ لولاها.
4 ـ الغاية: صيغتاها إلى وحتى، ولا بُدّ أنْ يكونَ حكمُ ما بعدهما مخالِفاً لما قَبْلَهُما، وإلاّ كانتِ الغايةُ وسَطاً وخرجَتْ عنْ كونِها غايةً ولزمَ من ذلكَ إلغاءُ دلالةِ «إلى وحتى». وهي لا تخلو أيضاً إمّا أنْ تكونَ مذكورةً عَقبَ جملةٍ واحدةٍ، أو جُمَلٍ متعدّدَةٍ، فإن كانَ الأول فإمّا أنْ تكونَ الغايةُ واحدةً أو متعدّدةً. فإن كانتْ واحدةً كقولهِ: «أكرِمْ بني تميمِ أبداً إلى أنْ يدخلوا الدار» اقتضى دخولُ الدّارِ اختصاصَ الإكرامِ بما قبْلَ الدّخولِ، وإخراجَ ما بعدَ الدخولِ عن عمومِ اللّفْظِ، ولولا ذلكَ لَعَمّ الإكرامُ حالةَ ما بَعْدَ الدخول. وإن كانتْ متعددةً فلا يخلو إمّا أنْ تكونَ على الجمْعِ، أو على البدَل. فالأوّلُ كقولهِ. أكرِمْ بني تميمٍ أبداً إلى أنْ يدخُلُوا الدّارَ ويأكلُوا الطعامَ؛ فمقتضى ذلكَ استمرارُ الإكرامِ إلى تمامِ الغايَتَين دونَ ما بَعْدَهُما. والثاني كقولِهِ: أكرمْ بني تميمٍ إلى أن يدخُلُوا الدّارَ والسوقَ؛ فمقتضى ذلكَ استمرارُ الإكرامِ إلى انتهاءِ إحدى الغايتينِ أيّهُما كانتْ دونَ ما بَعْدَها.
ومواردُ التخصيصِ كثيرةٌ في القرآنِ حتى تعذّرَ على بعضِ العُلماءِ أنْ يتصوّرَ عامّاً باقياً على عمومِهِ غير قابلٍ للتخصيصِ.
والعامّ الباقي على عُمُومِهِ موجودٌ في القرآنِ، ولكنّهُ قليلٌ بالنسبةِ إلى العامّ المرادِ بهِ الخصوصُ. ومنْ أمثِلَةِ الباقي على عمومِهِ قَطْعاً السّننُ الإلهيّةُ التي لا تحتملُ التخصيص في قولهِ تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} [الأنبيَاء: 30] وقولِهِ تعالى: {وَمَا مِنْ دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} [هُود: 6] وقولِهِ تعالى: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ *} [الأعرَاف: 34].
المطْلق والمقيَّد
المطلق: اللّفْظُ الدّالُّ على مدلولٍ شائعٍ في جنْسِهِ. وذلكَ كقولكَ في مَعْرِضِ الأمْرِ: «أعْتِقْ رقبةً» أو مصدرِ الأمْرِ كقولِهِ: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [النِّسَاء: 92] الإخبارِ عنِ المستقبلِ كقولهِ: «سأعْتِقُ رَقَبَةً» ولا يُتصوّر الإطلاقُ في مَعْرِضِ الخَبَرِ المتعلّقِ بالماضي كقولهِ: «رأيْتُ رجُلاً» ضرورةَ تعيّنهِ بإسنادِ الرؤيةِ إليهِ.
وأمّا المُقَيّدُ: فإنّهُ يُطْلَقُ باعتبارينِ: الأوّل ما كانَ منَ الألفاظِ الدّالّةِ على مدلولٍ معيّنٍ: كزيدٍ وعمرَ، ونحو ذلك. الثاني: ما كانَ منَ الألفاظِ الدالّةِ على وصفِ مدلولِهِ المطلقِ بصفةٍ زائدةٍ عليهِ كقولكَ: «دينارٌ مصريّ ودرهَمٌ مكيّ» وهذا النوعُ منَ المُقَيّدِ وإن كانَ مُطْلَقاً منْ جنسهِ من حيثُ هو دينارٌ مصريّ ودرهَمٌ مكي، غيرَ أنّهُ مقيّدٌ بالنسبةِ إلى مطلقِ الدينارِ والدرهمِ؛ فهو مطلقٌ منْ وجه مقيّدٌ من وجهٍ...
أبو بعبارةٍ أوضحَ فيكونُ المطلقُ هو ما دلَّ على لفظٍ شائعٍ في جنسِهِ، والمقيدُ ما دلَّ على مدلولٍ معينٍ فتحريرُ رقبةٍ مطلقٌ وتحريرُ رقبةٍ مؤمنةٍ مقيّدٌ، وصيامُ ثلاثةِ أيامٍ مطلقٌ، وصيامُ شهرينِ متتابعين، مقيّدٌ.
وإذا وَرَدَ مُطْلَقٌ ومُقَيّدٌ، فلا يخلو إمّا أن يختلِفَ حكمُهُما، أو لا يختلف، فإن اختلفَ حكمُهُما فلا خلافَ في امتناعِ حَمْلِ أحدِهما على الآخرِ، سواءٌ كانا مأموراً بهما أو منهيّاً عنهما، أو كانَ أحدُهما مأموراً بهِ والآخرُ منهيّاً عنهُ، وسواءٌ اتحدَ سبَبُهما أوِ اختلفَ، لعدم المنافاةِ في الجمْعِ بَيْنَهُما إلاّ في صورةٍ واحدةٍ وهيَ ما إذا قالَ مثلاً في كفّارَةِ الظّهارِ: «أعْتِقْ رقبة»، ثمّ قالَ: «لا تعْتِقُوا رَقَبَةً كافرةً» فإنّهُ لا خلافَ في مثلِ هذهِ الصورَةِ أنّ المُقَيّدَ يُوجبُ تقييدَ الرّقَبَةِ المطلَقَةِ بالرّقَبَةِ المسلِمَةِ. وأمّا إذا لمْ يَختلِفْ حكمُهُما فلا يخلو؛ فإمّا أنْ يتّحِدَ سببُهما أوْ لا، فإنِ اتحدَ سببُهُما فإمّا أن يكونَ اللفظُ دالًّا على إثباتهما أوْ نَفْيهما، فإن كانَ الأوّلُ، كما لو قالَ في الظهار: «أعتقوا رقبةً» ثم قال أعتقوا رَقَبَةً مسلمةً فلا خلافَ في حملِ المطلقِ على المقيّدِ ههنا وإنما كانَ العملُ بهما. لأنّ مَنْ عملَ بالمقيدِ فقد وفى بالعملِ بدلالةِ المطلقِ، ومن عملَ بالمطلقِ لم يفِ بالعملِ بدلالةِ المقيد، فكانَ الجمع هو الواجب والأولى.
المُجمَل والبَيان والمبين
المُجْمَلُ في اللّغَةِ مأخوذٌ منَ الجمْعِ، ومنهُ يقالُ: أجْمَلَ الحساب إذا جَمَعَهُ ورفع تفاصيلَهُ، وقيلَ هو «المحصل» وفيه يقالُ «جَمَلْتُ الشيءَ إذا حصّلْتُهُ».
وأمّا في اصطلاحِ الأصوليّينَ، فالمجمَلُ ما لمْ تتضحْ دَلالَتُهُ، أو بعبارةٍ أوضحَ: ما لَهُ دَلالَةٌ على أحَدِ أمرينِ لا مَزِيّةَ لأحدِهما على الآخرِ بالنسبةِ إليه.
وفي إجمالِ النصِّ ضَرْبٌ منَ الغموضِ ينشْأ منْ أحَدِ الأسبابِ التاليةِ: غرابة لفظهِ «كالهلوع» فقدْ فسّرَهُ السياقُ القرآني في قولهِ تعالى: {إِنَّ الإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا *إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا *وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا *} [المعَارج: 19-21].
أو وقوعُ الاشتراك فيهِ كلفظِ {عَسْعَسَ *} [التّكوير: 17] في قولهِ تعالى: {وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ *} [التّكوير: 17] فإنهُ صالحٌ لإفادةِ الإقبالِ والإدبارِ، في أنّهُ يُسْتَعمَلُ في معنَيَين مُتضادّينِ، أو اختلافُ مرجعِ الضميرِ، نحو: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فَاطِر: 10] فيُحْتَمَلُ عَودُ ضميرِ الفاعلِ في «يرفعهُ»، إلى ما عادَ عليهِ الضميرُ في «إليهِ»، «وهو الله»، ويحتَمَلُ عودُهُ إلى العملِ. والمعنى أَنّ العَمَلَ الصالحَ يرفعُهُ الكَلِمُ الطيّبُ. ويحتَمَلُ عودُهُ إلى الكلمِ، أي أنّ الكلمَ الطيّبَ ـ وهوَ التوحيدُ ـ يرفعُ العملَ الصالحَ، لأنّهُ لا يصلُح العملُ إلاّ معَ الإيمانِ.
أو التقديمُ والتأخيرُ، نحو: {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمّىً *} [طه: 129] أي ولولا كلمةٌ وأجَلٌ مُسمّى لكان لزاماً، على أنّ هذا الغموضَ العارضَ الناشىءَ عن تردّدِ المُجْمَلِ بين أمرين، لا يلبثُ أنْ يزولَ، فإذا وردَ عليهِ بيانهُ سُمّيَ مُفَصّلاً أو مُفسّراً أو مُبيّناً.
وتبيينُ المجملِ إمّا أنْ يردَ مُتصلاً، نحو: «من الفجرِ» فإنّهُ فَسّرَ مُجْمَلَ قولهِ تعالى: {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ} [البَقَرَة: 187] إذْ لولا «منَ الفَجْرِ» لبقيَ الكلامُ الأوّلُ على تردّدِهِ واحتمالهِ. أو منفصلاً في آيةٍ أُخرى، نحو: {وَجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ *إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ *} [القِيَامَة: 22-23] فإنّهُ دخلَ على جوازِ الرّؤيةِ ويُفَسّرُ بهِ قولهُ تعالى: {لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ} [الأنعَام: 103] إذا كانَ مترَدّداً بينَ نفْيِ الرّؤيَةِ أصلاً ونفيِ الإحاطةِ والحصْرِ دونَ أصلِ الرؤيَةِ.
وقدْ يقَعُ تبيينُ المُجمَلِ بالسنّةِ النبويّة لأنّ القرآنَ والحديثَ أبداً متعاضدان في استيفاءِ الحقِّ وإخراجِهِ من مدارِكِ الحكمةِ، حتى أنّ كلاًّ منهُما يُخَصِّصُ عمومَ الآخرِ ويبيّنُ إجمالَهُ.
وأكثرُ ما يكونُ في الألفاظِ الشرعيّةِ المنقولةِ عن معانيها اللغويّةِ كالصلاة والزكاةِ والحجِّ.
ومن ذلكَ تفسيرُهُ عليهِ السلامُ (قرّة أعيُن) في قولهِ: {فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ} [السَّجدَة: 17] فقد قالَ فيها: ما لا عينٌ رأتْ ولا أذنٌ سمعتْ ولا خَطَرَ على قلبِ بشرٍ.
والحاصلُ أنّ كُلّ ما اتضحتْ دلالتُهُ بإحدى دَلالاتِ اللّغَةِ وضْعاً أوْ عُرْفاً أو شرْعاً، لا يعتبرُ منَ المجمَلِ، فيُحْمَلُ على المجازِ أو يفْهَمُ من قرينةٍ، أوْ يُؤخَذُ من دَلالةِ اللفظِ، أو منْ دلالاتِ المعنى، أو غيرِ ذلكَ. وما دامَ ذلكَ ممْكِناً في أيِّ لفظٍ فإنّهُ ينفي عنهُ الإجمالَ. ويحصرُ مدلولَ المجملِ باللّفْظِ الذي لهُ دلالةٌ ولكنّ دلالَتهُ غيرُ واضحةٍ، مثل: {وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البَقَرَة: 43] فإنّهُ مجملٌ يحتاجُ إلى بيانٍ.
وعلى هذا يكونُ البيانُ إخراجَ الشيءِ من حيّزِ الغموضِ إلى حيّزِ الوضوحِ. وأمّا المُبيّن فقد يُطلَقُ ويُرادُ به ما كانَ من الخطابِ المستغني بنفسهِ عن بيان، وقد يرادُ بهِ ما كانَ محتاجاً إلى البيانِ، وقد ورد عليهِ بيانُهُ، وذلكَ كاللّفْظِ المجملِ إذا بُيّنَ المرادُ منهُ، والعامّ بعدَ التخصيصِ والمطلَقِ بعدَ التقييدِ، والفعلِ إذا اقترنَ بهِ ما يدلّ على الوجْهِ الذي قُصِدَ منهُ إلى غيرِ ذلكَ.
النسخ وَالناسِخ والمنسُوخ
النسخ: في اللغةِ بمعنى الإزالةِ، يُقالُ: نَسَخَتِ الشّمْسُ الظّلّ: أزالتْهُ، ونسختِ الريحُ أثَرَ الشيءِ أزالتْهُ، ونسخَ الشيبُ الشباب: إذا أزالهُ. ومنهُ تَناسُخُ القُرونِ والأزمِنَةِ.
والإزالةُ هيَ الانعدام، ولهذا يقالُ: «زالَ عنهُ المرضُ والألم، وزالت النّعمةُ عن فلانٍ». ويُرادُ بهِ الانعدامُ في هذه الأشياءِ كلّها.
وقد يُطْلَقُ بمعنى نقلِ الشيءِ وتحويلهِ من حالَةٍ إلى حالَةٍ مَعَ بقائهِ في نفسهِ، مثل: تناسخِ المواريثِ بانتقالها من قومٍ إلى قومٍ، وتناسخِ الأنفُسِ بانتقالها من بدنٍ إلى غيرِهِ عندَ القائلينَ بذلكَ؛ ومنهُ نَسْخُ الكتابِ بما فيهِ منْ مشابهَةِ النقلِ، وإليهِ الإشارَةُ بقولهِ تعالى: {إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ *} [الجَاثيَة: 29] أي نَنْقُل إلى الصحفِ ما كنتم تعملون.
والنّسخُ: هو إبطال الحُكْمِ المستفادِ من نصٍّ سابقٍ بنصّ لاحقٍ. قالَ (ص): «كنتُ نهيتُكمْ عنْ زيارةِ القُبورِ. ألا فزوروها»(+). ولا بُدّ أنْ يكونَ الحكمُ المنسوخُ شرْعياً، وأن يكونَ الدليلُ الدالّ على ارتفاع الحكمِ شرعيّاً، متراخياً عنِ الخطابِ المنسوخِ حكمُهُ، وأن لا يكونَ الخطابُ المرفوعُ حكمُهُ مقيّداً بوقتٍ معيّنٍ. فإذا استكمَلَ الحكمُ هذه الشروطَ جاز أنْ يَقَعَ فيهِ النسخ.
والناسخ يُطْلَقُ على الله تعالى؛ فيُقالُ نَسَخَ، فهو ناسِخٌ. ومنهُ قولُهُ تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ} [البَقَرَة: 106]، وقولهُ تعالى: {فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ} [الحَجّ: 52] وقدْ يُطْلَق على الآيةِ أنها ناسِخَةٌ.
المنسوخ: هو الحكمُ المرتفعُ، كالمرتَفِعِ من وجوبِ تقديمِ الصّدَقَةِ بين يدي مناجاةِ النبيّ (ص)، وحُكْمِ الوصيّةِ للوالدينِ والأقربينَ، وحكمِ التربّصِ حَوْلاً كاملاً للمتوفّى عنها زوجُها إلى غيرِ ذلكَ. ومن ذلكَ أنّ الله تعالى أوجَبَ في ابتداءِ الإسلامِ الحبسَ في البيوتِ، والتعنيفَ حدّاً للزِّنى، وقالَ تعالى: {وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً *وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا *} [النِّسَاء: 15-16] فنسخَ ذلكَ بالجَلْدِ والتّغريبِ عنِ الوطنِ في حقِّ البكرِ. وبالرّجمِ بالحجارةِ في حقِّ الثّيِّبِ، قال تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ} [النُّور: 2] وقالَ رسولُ الله (ص): «خُذُوا عني خذوا عني قد جعلَ الله لهُنّ سبيلاً البكرُ بالبكرِ جَلْدُ مائة ونفيُ سَنَةٍ»(+).
والقرآنُ ينسخ القرآن، والسّنة تنسخُ السّنّةَ، لكنّها لا تنسخُ القرآنَ، مِثْل نسخِ القرآن للسنّةِ. كانَ المسلمونَ يتوجّهونَ عندَ صلاتهمْ إلى بيتِ المقدسِ، فنزلتِ الآيةُ: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البَقَرَة: 144] وقولُ الرسولِ (ص): «كنتُ نهيتُكُمْ عنْ زيارةِ القبورِ ألا فزوروها»(+). والدليلُ على أنّ الآيةَ لا تُنْسَخُ إلاّ بآيةٍ قولهُ تعالى: {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ} [النّحل: 101] أخْبَرَ أنّهُ إنما يُبَدّلُ آيةً بآيةٍ لا بالسنّةِ، وقولُهُ تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ *} [البَقَرَة: 106] وقولُهُ تعالى: {قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ} [يُونس: 15]، وهو دليلٌ على أن القرآنَ لا يُنْسَخُ إلاّ بالقرآنِ.
الفرق بين الناسِخ والمنسُوخ والبداء
النسخ: أن تكون آية نسخت حكم آية:
البداءُ: الظهورُ كما في قولهِ تعالى: {وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا} [الجَاثيَة: 33] وهو نَشْأةُ رأيٍ جديدٍ لمْ يَكُنْ موجوداً.
إن البداءَ يصدرُ عنِ الذي يَرى الرّأيَ، ثمّ يبدو لهُ كقولهِ تعالى: {ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ *} [يُوسُف: 35].
وقدْ فرّ اليهودُ قبلاً منَ القوْلِ بالنّسْخِ لئلا يقودهمْ إلى القولِ بالبداء، فقد حَسِبُوا أنّ نَسْخَ الشيءِ بَعْدَ نزولهِ والعَمَلَ بهِ يُرادِفُ تغييرَ الله للأحكامِ بما يبدو لهُ بعْدَ أنْ لَمْ يكُ بادياً، ولا يجوزُ نِسْبَةُ شيءٍ من هذَا إلى اللَّهِ.
مع أنْ الناسخَ والمنسوخَ كانَ كلّهُ معلوماً للَّهِ منْ قبلُ، ولم يَخْفَ شيءٌ عليه.
والجديدُ في النّسْخِ إنما هو إظهارُهُ تعالى ما علِمَ لعبادهِ لا ظهورُ ذلكَ لهُ.
وقدْ صرّحَ المحقّقُونَ منَ العلماءِ بأنّ كثيراً ممّا ظَنّهُ المفسّرُونَ نَسْخاً لمْ يكنْ كذلكَ، وإنما هو نسيءٌ وتأخيرٌ، أوْ مجمَلٌ أُخّرَ بيانهُ لوقتِ الحاجةِ، أو خطابٌ حالَ بينهُ وبينَ أوّلهِ خطابُ غيرِهِ، أو مخصوصٌ منْ عمومٍ، أو حكمٌ عامّ لخاصٍّ، أو لمداخلةِ معنى بمعنى. وأنواعُ الخطاب كثيرةٌ فَظَنوا ذلكَ نَسْخاً وما هو بنسْخٍ.
والحقّ أنّ الأصلَ في آياتِ القرآنِ كلّها الإحكامُ لا النسخُ، إلاّ أنْ يقومَ دليلٌ صريحٌ على النسخِ فلا يبقى مَفَرّ منَ الأخْذِ بهِ.
الفرق بين الناسِخ والمنسُوخ والتخصِيص
تعريف النّسْخ: «رفْعُ الحكمِ الشرعيّ بدليلٍ شرعيٍّ».
تعريفُ التخصيصِ هو: «قَصْرُ العامّ على بعضِ أفرادِهِ».
وليسَ في هذا القصْرِ رفْعٌ حقيقيّ للحُكْمِ عنْ بعْضِ الأفرادِ؛ لأنّ تناولَهُ بعضَ الأفرادِ فقط إنما يكونُ سبيلهُ المجازَ، فلفظُ العامِّ موضوعٌ أصْلاً لكلِّ الأفرادِ، ولمْ يُقْصَرْ على بعضها إلاّ بقرينةِ التّخصيصِ.
أمّا النّسْخُ فَيَظَلّ النّص المنسوخُ فيهِ مُسْتَعْمَلاً فيما وُضِعَ لهُ، ويظلّ متناولاً جميعَ الأزمانِ إلاّ أنّ حكمَهُ الشّاملَ يَسْتَمِرّ إلى وقْتٍ معيّنٍ، ثمّ لا يُبْطِلُهُ إلاّ الناسخُ لحكمةٍ يعلمُها اللَّهُ.
وتُراعى في التخصيصِ قرينةٌ سابقةٌ أو لاحقةٌ أو مقارنةٌ.
أمّا النسخ فلا يَقَعُ إلاّ بدليلٍ متراخٍ عن المنسوخِ.
ويكونُ التخصيصُ في الأخبارِ وغيرِها.
أمّا النسخُ فلا يقعُ إلاّ بالأمْرِ والنّهي.
ومنْ أدلّةِ التخصيصِ المعقولُ إلى جانبِ الكتابِ والسنّةِ كقولهِ تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا} [المَائدة: 38] خَصّصَهُ قوله (ص): «لا قطع إلا في ربعِ دينارٍ»(+).
أمّا النسخُ فالدليلُ فيهِ شرعيّ مقصورٌ على الكتابِ والسنّةِ، فلا يرفعُ باسمِ النسخِ حكمٌ شرعيّ بدليلٍ عقليٍّ.
وعلى هذا يكونُ الفرقُ بينَ التخصيصِ والنسخِ، أنّ ما بقيَ من أفرادِ العامِّ بعدَ تخصيصهِ يظل معمولاً به، فلا يبطلُ الاحتجاجُ في العام بعدَ التخصيصِ.
أمّا ما رُفِعَ حكمُهُ منْ أفرادِ النصِّ المنسوخِ فيبْطلُ كلّ لونٍ منْ ألوانِ الاحتجاجِ بهِ أوِ العَمَلِ.
المنطوق وَالمفهُوم
«المنطوقُ ما دلّ عليهِ اللفظُ قطعاً في محلِّ النطقِ»، فلاحظُوا في تعريفه أنّ التلفّظَ بالآيةِ هو وحدهُ مَنْفَذُنَا إلى دلالَتِها، وذلكَ واضحٌ جدّاً في النصِّ الذي لا يحْتَمِلُ اللفظُ غيرَهُ.
كقولهِ تعالى: {فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} [البَقَرَة: 196] فلا يمكِنُ أنْ يحتملَ اللّفْظُ غيرَ كمالِ الأيّامِ العَشرَةِ التي نَطَقَتْ بها الآية ونصّتْ عليها.
والراجِحُ منَ اللّفْظِ المنطوقِ يُقدّمُ على مرجوحِهِ؛ يُوضح ذلك في قولهِ تعالى: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ} [البَقَرَة: 173].
فالباغي يُطْلَقُ على معْنَيَيْنِ؛ أحدهما مرجوحٌ وهو الجاهلُ، والثاني راجحٌ وهو الظالمُ، لأنّهُ هو الظّاهرُ المتبادلُ من سياقِ الآيةِ.
والمؤوّلُ الذي يستحيلُ حَمْلُهُ على ظاهِرِهِ فيُصْرَفُ إلى معنى آخرَ يعيّنه السياقُ، وهو كذلكَ نوعٌ منَ المنطوقِ لأنّ ظاهرَهُ المستحيلَ مرجوحٌ ومعناهُ الذي يعنيهِ السيّاقُ راجحٌ يكادُ اللّفْظُ نفسُهُ يَنْطِقُ بهِ، ويُنبىءُ عنه. من ذلكَ قولُهُ تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} [الحَديد: 4] فإن حَمْلَ المعيّةِ على قرْبِ اللّهِ بذاتهِ مُسْتَحِيلٌ. أمّا تأويلُها بالقُدرةِ والعِلْمِ والرّعايةِ فمعنى صحيحٌ يصلُ إلى النفسِ عن طريقِ اللّفْظِ المنطوقِ ذاتهِ من غيرِ تعمّدٍ ولا اصطناعٍ.
المفهوم
«ما فُهِمَ منَ اللّفْظِ غيرُ محلِّ النطقِ، فلاحظوا في تعريفهِ أنّ المعنى الذهنيّ هو المَنْفَذُ الوحيدُ إلى دلالَتِهِ؛ ويسمّى مفهومَ موافَقَةٍ إذا وافقَ المنطوقَ بحكمهِ، ومفهومَ مُخَالَفَةٍ إذا لم يوافِقْهُ به».
ولكلٍّ من هذينِ المفهومينِ فروعٌ تتعلّقُ به، فمفهومُ الموافَقَةِ مدلولُ اللفظِ في محلِّ السكوتِ موافقٌ لمدلولهِ في محلِّ النطقِ: ويسمّى أيضاً: فحوى الخطابِ ولحنَ الخطابِ. والمرادُ بهِ معنى الخطابِ. ومنهُ قولُهُ تعالى: {وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ} [محَمَّد: 30] أي في معناهُ. وقد يُطْلَقُ اللّحْنُ ويُرادُ بهِ اللغةُ، ومنهُ يقالُ: لحنَ فلانٌ بلحنهِ إذا تَكَلّمَ بلغتهِ. وقد يُطْلَقُ ويرادُ بهِ الفِطْنَةُ ومنهُ قولهُ (ص): «ولعلّ بَعْضَكُمْ ألْحَنُ بحُجّتِهِ منْ بَعْضِ»(+) أي أَفْطَنُ. وقدُ يُطْلَقُ ويرادُ بهِ الخروجُ عنْ ناحيةِ الصّوابِ، ويدخلُ فيهِ إزالةُ الإعرابِ عنْ جهةِ الصّوابِ ودلالتهِ، كقولهِ تعالى: {فَلاَ تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} [الإسرَاء: 23] على تحريمِ ضرْبِ الوالدينِ لأنّهُ أولى بالتحريمِ منْ قولهِ «أُفٍّ».
ومثلُ: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا *} [النِّسَاء: 10] على تحريمِ إحراقِ أموال اليتامى لأن الإتلافَ هو المقصودُ بالتحريمِ.
والمفهومُ هنا منَ اللّفظِ في محلِّ السكوتِ مُوافقٌ للحكمِ المفهومِ في محلِّ النطْقِ وقولهُ تعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ *وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ *} [الزّلزَلة: 7-8] في الدلالَةِ على المُقابَلَةِ فيما زادَ على ذلكَ إلى غيرهِ منَ النّظائرِ.
ومفهومُ المخالفَةِ على أنواع؛ أهمّها مَفْهُومٌ وصفيّ، ومفهومٌ شرطيّ، ومفهومٌ حصريّ. ويمكنُ التوسّعُ في المفهومِ الوصفيّ فلا يُقْتَصَرُ فيهِ على النّعْتِ، بلْ يدخلُ فيهِ كلّ ما يُفيدُ معنى الوصفيّةِ كالحالِ والظّرْفِ والعددِ.
فالنعت: {إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ} [الحُجرَات: 6]، ومفهومُهُ أنّهُ لا يجبُ علينا أنْ نَتَبَيّنَ أو نَتَثَبّتَ في نبإ غيرِ الفاسقِ، وإنْ كانَ التعليلُ ـ وهو أنْ تُصيبوا ـ عامّاً.
فإذا جاءَنا عادلٌ بخَبَرٍ قبلنا خبرَهُ وسلّمنا بهِ وأحْسنّا به الظَّنّ.
ومن هنا استنبطَ العلماءُ وَجوبَ قبولِ الخبرِ الذي يرويهِ العدلُ الواحدُ.
الحال: كقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} [النِّسَاء: 43].
الظرف: {فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} [البَقَرَة: 198] وقدْ عَيّنَتِ الآية الظّرْفَ المكانيّ الذي يُذْكَرُ الله فيهِ ذِكراً خاصّاً، فلو ذُكِرَ اللّهُ في غيرِ هذا المكانِ لكانَ ذلكَ خارجاً عن دائرةِ الطّلَبِ. وإذا سألَ سائلٌ: لماذا؟ كانَ الجوابُ أنّ الأمْرَ التعبديّ لا يُعلّلُ. وتنفيذُهُ على الشّكْلِ الذي أرادهُ الشّارِعُ دليلٌ على طاعةِ اللّهِ، والتزيّدُ فيهِ، كالنقصانِ منهُ، ووضْعٌ للشيءِ في غيرِ محلّهِ.
ومثل ذلكَ قولهُ تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} [البَقَرَة: 197] إنّهُ يعيّنُ الظرفَ الزمانيّ الذي يحرمُ فيهِ الحاجّ، بحيثُ لو وقَعَ إحرامُهُ في غيرِ هذهِ الأشهرِ لمَا سَدّ مَسَدّ الحجِّ الواجبِ.
العدد: قولهُ تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ *} [النُّور: 4] فحدّ القَذْفِ ثمانونَ جلدةً فقط.
المفهُوم الشرطيّ
{وَإِنْ كُنَّ أُولاَتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ} [الطّلاَق: 6] فاشتراطُ الحَمْلِ يُفيدُ أنّ الإنفاقَ على الحاملاتِ فقطْ.
المفهُوم الحَصْريّ
{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ *} [الفَاتِحَة: 5] لا نعبُدُ أحداً سواكَ، ولا نستعينُ إلاّ بكَ.
النصّ والظَّاهِر
النصّ: يُرادُ بالنصِّ ما دلّ بصيغتهِ نَفْسِها على ما يُقْصَدُ أصْلاً منْ سياقهِ كقولهِ تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البَقَرَة: 275] فالمعنى المقصودُ بأصالةِ هذا السّياقِ القرآنيّ نفيُ كلِّ نوعٍ من أنواعِ المماثلةِ بينَ البيْعِ الحلالِ والرّبا الحرامِ.
الظَّاهِر
الظاهر: يُرادُ بهِ ما يتبادرُ إلى الفَهْمِ من عبارتهِ نفسِها من غيرِ حاجةٍ إلى قرينةٍ، لكنّ مفهومَهُ غيرُ مقصود إصالةً من سياقهِ. كقولهِ تعالى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً} [النِّسَاء: 3]. فالمعنى المتبادرُ إلى الفَهْمِ منْ غيرِ توقّفٍ على قرينةٍ هوَ إباحَةُ نِكاحِ ما طابَ من النساءِ، ولكنّهُ لمْ يُقْصَدْ منَ السّياقِ أصلاً، وإنما قُصِدَ بهِ أصلاً قَصْرُ العددِ على أربعٍ أوِ الاكتفاء بواحدةٍ.
ويجبُ العملُ بالظّاهِرِ أيضاً لأنّ اللّفْظَ لا يُصْرَفُ عن المتبادرِ إلا بقرينةٍ. فإذا وُجِدَتْ عُمِلَ بما تؤدّيهِ القرينةُ.
أفعال النبي (ص) في معنى التأسّي والمتابعة والمُوافقة والمخالفة
الأفعالُ الجبليّة: كالقيامِ والقعودِ والأكلِ والشرّبِ ونحوهِ تدلّ على الإباحَةِ بالنّسبَةِ إليهِ وإلى أُمّتهِ.
وأمّا الأفعالُ التي ثَبَتَ كونُها من خواصّهِ والتي لا يشاركُهُ فيها أحدٌ كاختصاصهِ بوُجوبِ الضّحى والوِتْرِ والتّهجّدِ بالليلِ والمشاوَرَةِ، والتخييرِ لنسائهِ وإباحةِ الوِصالِ في الصّيامِ، ودخولِ مكّةَ بغيرِ إحرامٍ والزيادةِ في النكاحِ على أربعِ نسوةٍ، إلى غيرِ ذلكَ منَ الأمورِ فهي من خصائصِهِ.
وأمّا ما عُرِفَ كوْنُ فِعْلِهِ بياناً لنا فهوَ دليلٌ من غيرِ خلافٍ، وذلكَ إمّا بصريحِ مقالهِ كقولهِ: «صَلّوا كما رأيْتُمُوني أُصلّي وخذُوا عني مناسِكَكُمْ»(+) أو بقرائنِ الأحوالِ وذلكَ كما إذا وردَ لَفْظٌ مُجْمَلٌ أو عامّ أُريدَ به الخصوصُ، أو مُطْلَقٌ أُريدَ بهِ التقييدُ ولم يبينْهُ قبْلَ الحاجةِ إليهِ ثمّ فعلَ عندَ الحاجَةِ فعلاً صالحاً للبيانِ، وذلكَ كقطعهِ يدَ السارقِ أي أصابعهُ الأربع من يدهِ اليمنى، كانَ ذلكَ بياناً لقولهِ تعالى: {فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا} [المَائدة: 38] وَلتَيممه إلى المِرْفقينِ بياناً لقولهِ تعالى: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ} [النِّسَاء: 43] ونحوه. والبيانُ تابعٌ للمبينِ في الوجوبِ والندبِ والإباحةِ.
الاجتِهاد وَالتقلِيد
خاطبَ الله برسالةِ سيّدنا محمد (ص) الناسَ جميعاً، قالَ تعالى: {قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} [الأعرَاف: 158] وقالَ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ} [النِّسَاء: 135].
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} [البَقَرَة: 178].
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ *} [البَقَرَة: 183].
{يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ *} [الحُجرَات: 13].
فعلى مَنْ سَمِعَ الخطابَ أنْ يَفْهَمَهُ ويؤمنَ بهِ، وعلى مَنْ آمنَ بهِ أنْ يَفْهَمَهُ وَيَعْمَلَ بهِ، لأنّهُ هو الحكمُ الشرعيّ. ولذلكَ كانَ الأصلُ في المسلمِ أنْ يَفْهَمَ بنفسِهِ حُكْمَ الله منْ خطابِ الشارعِ، لأنّ الخطابَ مُوَجّهٌ مباشرةً منَ الشّارعِ للجميعِ. ولمْ يُوَجّهْ للمُجْتَهِدين فقطْ، ولا للعلماءِ، بلْ لجميعِ المكلّفينَ، فصارَ فَرْضاً على المكلّفينَ أن يَفْهَمُوا هذا الخطابَ حتى يتأتّى لهُمْ أنْ يَعْمَلُوا بهِ لأنّهُ يستحيلُ العَمَلُ بالخطابِ دونَ فَهْمِهِ، فصارَ استنباطُ حُكْمِ الله فَرْضاً على المكلّفينَ جميعاً، أي صارَ الاجتهادُ فرْضاً على جميعِ المكلّفينَ. ومنْ هنا كانَ الأصلُ في المكلّفِ أنْ يأخذَ حكمَ الله بنفسهِ من خطابِ الشّارعِ، لأنّهُ مخاطَبٌ بهذا الخطابِ، وهو حكمُ اللّهِ. ولكن واقِعَ المكلّفينَ متفاوتُ الفَهْمِ والإدراكِ وهُمْ مختلفونَ منْ حيثُ العلمُ والجهلُ. ولذلكَ كانَ منَ المتعذرِ على الجميعِ استنباطُ جميعِ الأحكامِ الشرعيّةِ منَ الدلالَةِ.
ومنَ المتعذّرِ أنْ يكونَ جميعُ المكلّفينَ مجتهدينَ. لذلك كانتْ قضيّةُ الاجتهادِ على الكفايةِ إنْ قامَ بهِ البَعْضُ سَقَطَ عنِ الباقينَ. وكانَ فَرْضاً على المكلّفينَ المسلمينَ أنْ يكونَ فيهِمْ مجتهدون يَستنبِطُونَ الأحكامَ الشرعيّةَ، وعلى ذلكَ كانَ واقِعُ المكلّفينَ. وحقيقةُ الحكمِ الشرعيّ أنْ يكونَ في المسلمينَ مجتهدونَ ومقلّدونَ. أمّا المجتهِدُ فهوَ الذي يأخُذُ الحكْمَ بنفْسِهِ مباشرةً منَ الدليلِ، ومنْ يسألِ المجتهدَ عنِ الحكمِ الشرْعيِّ للمسأَلَةِ يكونُ مقلّداً. سواءٌ كانَ المسؤولُ عالماً أو عاميّاً؛ فكلّ من هؤلاءِ مُقَلّدٌ غيرَهُ في الحكمِ الشرعيِّ المسؤولِ عنهُ حتى ولو لمْ يعرفْ مُسْتَنْبَطَهُ، لأنّ المُكَلّفَ مطالَبٌ بأخْذِ الحكمِ الشرعيِّ لا بتقليدِ شخصٍ، ومعنى كونِهِ مُقَلِّداً أخْذُهُ الحكمَ الشرعيّ عنْ طريقِ شخْصٍ آخر أي أنّهُ لمْ يستنبطهُ بنفسهِ.
ولا يعني ذلكَ أنّهُ قَلّدَ شخصاً؛ لأنّ الموضوعَ هوَ الحكمُ الشرعيّ لا الشخصُ.
الاجتهَاد
الاجتهادُ في اللّغَةِ استفراغُ الوسع في تحقيقِ أمْرٍ منَ الأمورِ مستلزم للكلفَةِ والمشقّةِ، وأمّا اصطلاحِ الأصوليينَ فمخصوصٌ باستفراغِ الوسعِ في طَلَبِ الظنِّ بشيءٍ منَ الأحكامِ الشرعيّةِ وعلى وجْهٍ يحسّ من النّفسِ العجزَ عنِ المزيدِ فيهِ.
الاجتهادُ ثابتٌ بنَصِّ الحديثِ. فقد رُوِيَ عنِ الرسول (ص) أنّهُ قالَ لمعاذٍ، حينَ أرسَلَهُ والياً إلى اليمنِ: «بمَ تحكمُ؟» قالَ: بكتابِ اللّهِ.
قالَ: «فإنْ لمْ تجِدْ».
قالَ: بسنّةِ رسولِ اللّهِ.
قالَ: «فإنْ لمْ تجِدْ».
قالَ: باجتهادِ الرأي. قالَ: «الحمدُ لله الذي وَفّقَ رسولَ رسولِ اللّهِ لما يُحبّهُ اللّهُ ورسولُهُ».
وهذا صريحٌ في إقرارِ الرّسولِ لمعاذٍ على الاجتهادِ، وما وُجِدَ منَ المسلمينَ مَنْ نازعَ في الاجتهادِ، وليسَ منَ الاجتهادِ تطبيقُ الحكمِ على المسائلِ التي تندرِجُ تحتهُ، بلْ هوَ فَهْمُ الحكمِ الشرعيّ، لأنّ الاجتهادَ هو استنباطُ الحكمِ منَ النصِّ، إمّا من منطوقهِ، أو مِنْ مفهومهِ، أو منْ دلالَتِهِ، أوْ منَ العِلّةِ التي وردتْ في النصِّ، سواء كانَ ذلكَ استنباطَ حكمٍ كليّ منْ دليلٍ كليٍّ؛ كاستنباطِ أنّ على «النّاهِب عقوبةً» منْ جعْلِ الشّارعِ قَطْعَ اليدِ حدّاً للسرِقَةِ. أو كانَ استنباطَ حكمٍ جزئيٍّ منْ دليل جزئيّ كاستنباطِ حكمِ الإجارَةِ منْ قولِهِ تعالى: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [الطّلاَق: 6].
ومنْ قولِ رسولِ الله (ص): «أعطُوا الأجيرَ أجْرَهُ قَبْلَ أنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ»(+) فهو دليلٌ جُزْئيّ لحكمٍ جزئيٍّ. فهذا الاستنباطُ للحُكْمِ الكليِّ منَ الدليلِ الكليِّ. والاستنباطُ للحكمِ الجزئيِّ منَ الدليلِ الجزئيِّ. وكلُّ ذلكَ يُعْتَبَرُ اجتهاداً لأنّهُ أخْذٌ للحكمِ من الدليلِ، سواءٌ كانَ حكماً عامّاً منْ دليلٍ عامٍّ أو حكماً خاصّاً منْ دليلٍ خاصٍّ.
أمّا تطبيقُ الحُكْمِ على المسائلِ المُسْتَجِدّةِ الداخلةِ تحتَ معناهُ، والمُدْرَجَةِ تحْتَهُ فلا يُعْتَبَرُ اجتهاداً، فإذا قيلَ: «حرّمَ الله الخمرةَ» كانَ كلّ شيءٍ مندرج تحتَ هذهِ القاعدةِ محرّماً كالأشياءِ المُسْتَجِدّةِ ممّا لم يكنْ موجوداً قبلاً، كالجنّ، والويسكي، والبيرة، والفرموث، وما شابهها، وكذلكَ الميتةُ، سواءُ ماتتْ ميتَةً طبيعيّةً، أمْ ضُرِبَتْ على رأسها حتى ماتَتْ، أمْ فُصِلَ رأسُها في المَعْمَلِ وَوُضِعَتْ في عُلَبٍ، فبيعها وأكْلُها محرّمٌ، لأنها لمْ تُذْبَحْ ذَبْحاً شرعيّاً.
وما ذلكَ منْ قبيلِ الاجتهادِ الذي هوَ استنباط الأحكامِ منَ الأدلّة الشرعيّةِ، بل من قبيلِ تطبيقِ الأحكامِ على الجزئيّاتِ، أو فهمِ الجزئيّاتِ وتطبيقِ الأحكامِ عليها.
ونصوصُ الشريعةِ الإسلاميّةِ تستوجبُ منَ المسلمينَ الاجتهاد، لأنّ النصوصَ الشرعيّةَ لمْ تأتِ مُفصّلَةً، وإنما جاءَتْ مجمَلَةً تنطبقُ على جميعِ وقائعِ الحياةِ، ويحتاجُ فَهْمُها واستنباطُ حُكْمِ اللّهِ فيها إلى بَذْلَ الجُهْدِ لأخْذِ الحكمِ الشرعيِّ. حتى النصوصُ التي جاءَتْ مُفَصّلَةً إنما تعرّضَتْ للتفصيلاتِ التي هيَ في حقيقتِها عامّة ومجمَلَة، فآياتُ الميراثِ ـ مثلاً ـ جاءَتْ مُفَصّلَةً وتعرّضَتْ لتفصيلاتٍ دقيقةٍ، ومعَ ذلكَ فإنها منْ حيثُ الأحكامُ الجزئيّةُ احتاجَتْ إلى فَهْمٍ واستنباطٍ في كثيرٍ منَ المسائلِ، كمسألةِ الكلالةِ ومسائلِ الحَجْبِ، فإنْ جميعَ المجتهدينَ يقولونَ: إنّ الولَدَ يحجُبُ الإخوةَ سواءٌ كانَ ذكراً أم أُنثى، لأنّ كلمةَ ولد تعني كلّ ولدٍ ابناً كانَ أو بنتاً. وابن عبّاسٍ يقولُ: إنّ البنتَ لا تحْجُبُ، لأنّ كلمةَ ولد تعني «الذكرَ» فقط، وذلكَ يدلّ على أن النصوصَ حتى التي تعرّضتْ للتفصيلاتِ جاءَتْ مجمَلَةً؛ يحتاجُ فَهْمُهَا واستنباطُ الحكمِ منْها إلى اجتهادٍ. والاجتهادُ فرضٌ كفائيّ على المسلمينَ إذا أقامَهُ البعْضُ سَقَطَ عنِ الباقينَ، وإنْ لمْ يقمْ بهِ أحدٌ أثمَ المسلمونَ جميعاً في ذلكَ العصرِ الذي لا يوجَدُ فيهِ مجتهدٌ، إذ لا يجوزُ أنْ يخلوَ عَصْرٌ منْ مجتهدٍ مُطلقاً، لأنّ التفقه في الدينِ والاجتهادَ فيهِ فَرْضٌ على الكفايةِ، فإذا اتفقَ الكلّ على ترْكِهِ أثِمُوا؛ فلو خلا العصْرُ منْ مجتَهِدٍ يمكنُ الاستنادُ إليهِ في معرفةِ الأحكامِ، أفضى ذلكَ إلى تعطيلِ الشريعةِ واندراسِ الأحكامِ، وذلكَ لا يجوزُ..
شروط الاجتهاد
عُرِّفَ الاجتهادُ بأنّهُ بَذْلُ الوسعِ في طلبِ الظّنِّ بشيءٍ منَ الأحكامِ الشرعيّةِ على وجْهٍ يحسّ من نفسِهِ العجزَ عنِ المزيدِ عليهِ. أي هو فَهْمُ النصّ الشرعيِّ من الكتابِ والسنّةِ بعدَ بذْلِ أقصى الجُهْدِ في سبيلِ الوصولِ إلى هذا الفَهْمِ، لمعرفةِ الحكمِ الشرعيّ. ويعني ذلكَ أنّهُ لا بد أن تتوفّرَ في استنباطِ الحكمِ الشرعيّ ثلاثةُ أُمورٍ، حتى يكونَ الاستنباطُ باجتهادٍ شرعيّ.
1 ـ بذلُ الوسعِ على وجهٍ يحسّ من نفسهِ العجزَ عنِ المزيدِ عليه.
2 ـ أن يكونَ هذا البذلُ في طلبِ الظنِّ بشيءٍ من الأحكامِ الشرعيّةِ.
3 ـ أن يكونَ طَلَبُ الظّنِّ من النصوصِ الشرعيّةِ.
ممّا يجبُ أنْ يكونَ واضحاً أنّ النصوصَ الشرعيّةَ هيَ الكتابُ والسنّةُ لا غير، وما عداهما من النصوصِ لا يُعْتَبَرُ منَ النصوصِ الشرعيّةِ مهما كانتْ منزِلَةُ قائِلها. ومن هنا كانت شُرُوطُ الاجتهادِ كلّها تدورُ حولَ أمرينِ اثنينِ، هما:
ـ توفّرُ المعارفِ اللغويّةِ والمعارفِ الشرعيّةِ. وقد كانَ المسلمونَ في فجرِ الإسلامِ حتى نهايةِ القَرْنِ الثاني لا يحتاجونَ إلى قواعدَ معيّنَةٍ لِفَهْمِ النصوصِ الشرعيّةِ، لا منَ الناحيةِ اللّغويّةِ ولا منَ الناحيةِ الشرعيّةِ، نظراً لقربِ عهدِهِمْ برسولِ الله(ص) وصَرْفِ عنايتِهِمْ في الحياةِ إلى الدينِ، ونظراً لسلامةِ سليقتِهِم اللغويّة وبُعْدِهِمْ عنْ فسادِ اللسانِ. ولذلكَ لم تكنْ هنالكَ أيّ شروطٍ معروفةٍ للاجتهادِ.
وكانَ الاجتهادُ أمْراً معروفاً. فكانَ المجتهدونَ يُعَدّونَ بالآلافِ. وقد كانَ الصحابةُ كافّةً مجتهدينَ. ويكادُ يكونُ أكثرُ الحكّامِ والولاةِ والقضاةِ منَ المجتهدينَ.
ولما فَسَدَ اللسانُ العربيّ، ووُضعَتْ قواعدُ معيّنَةٌ لضبطِهِ، وشُغِلَ الناسُ بالدنيا، وقلّ مَنْ يُفْرّغُ أكثرَ وقتهِ للدينِ، وفشا الكذبُ في الأحاديثِ عنْ لسانِ رسولِ الله (ص)، وُضِعَتْ قواعدُ للنّاسخِ والمنسوخ لأخْذِ الحديثِ أو رَفْضِهِ، ولِفَهْمِ كيفيّةِ استنباطِ الحُكْمِ منَ الآيةِ، أو الحديثِ، وعندئذٍ قلّ عددُ المجتهدينَ، وصارَ المجتهدُ يسيرُ باجتهادِهِ على قواعدَ معيّنةٍ، يصلُ منها إلى استنباطاتٍ مُعيّنَةٍ، تخالف قواعدَ غَيرهِ. وتكوّنَتْ هذهِ القواعدُ عندهُ؛ إمّا منْ كثرةِ ممارستِهِ لاستنباطِ الأحكامِ منَ النصوصِ حتى صارَتْ كأنها موضوعةٌ لسيرِهِ على طريقٍ واحدةٍ حَسْبُها، وإمّا لاتباعِ قواعدَ معيّنَة ثمّ الاستنباطِ بحسَبِها، فنتجَ عنْ ذلكَ أن صارَ المجتهدُ مجتهِداً في طريقةٍ معيّنةٍ لفَهْمِ النصوصِ الشرعيّةِ ومجتهِداً في أخْذِ الحكْمِ الشرعيّ من النصوص الشرعيّةِ، وصارَ بعضُ المجتهدينَ يقلّدونَ شخصاً في طريقتهِ في الاجتهادِ، لكنهمْ لا يُقلّدونَهُ في الأحكامِ، بلْ يستنبطونها بأنفسِهِمْ على طريقةِ ذلكَ الشخصِ. وصارَ بعضُ المسلمينَ ملمّينَ بشيءٍ منَ المعارفِ الشرعيّةِ في مسائلَ معيّنَةٍ تعرِضُ لهمْ لا في جميعِ المسائلِ. فكانَ بذلكَ واقعيّاً بينَ المسلمينَ ثلاثةُ أنواعٍ منَ المجتهدينَ:
مجتهد مطلق.
ومجتهد مذهب.
ومجتهد مسألة.
والمجتهِدُ المطلقُ لهُ شروطٌ، أهمّها اثنان:
أحدهما معرفةُ الأدلّةِ السمعيّةِ التي تُنتزعُ منها القواعدُ والأحكامُ. ثانيهما معرفَةُ وجوهِ دلالَةِ اللّفْظَةِ المُعْتَدِّ بها في لسانِ العربِ واستعمالِ البلغاءِ.
أمّا الأدلّةُ السمعيّةُ فيرجعُ النّظرُ فيها إلى الكتابِ والسنّةِ والاجتهادِ وإلى القدرَةِ على الموازنةِ والجمْعِ بينهما، وترجيحِ أقواها على ما هو دونَهُ عندَ تعارضِهما. كقوله تعالى: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} [الطّلاَق: 2] وقوله: {اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} [المَائدة: 106] فالآيتانِ في الشهادةِ، الأولى تنص على أنْ يكونَ الشهودُ من المسلمينَ. والثانيةُ تنصّ على أَن يكونوا منَ المسلمينَ وغيرهمْ. فلا بدّ من معرفةِ الجمعِ بينهما، أي لا بدّ منْ معرِفَةِ أنّ الآيةَ الأولى في الشهادةِ على الإطلاقِ، والآيةَ الثانية مقبولٌ في الشهادةِ في الوصيةِ في السفر؛ وهاتان الآيتانِ تدلاّنِ على أنّ البينةَ تكونُ بشاهدينِ عدلينِ، وتؤيّدهما آيةٌ أُخرى وهي قولهُ تعالى: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ} [البَقَرَة: 282].
فكيفَ يتفِقُ ذلكَ مع ما ثَبَتَ في الصحيحِ عن النبيّ (ص) أنّهُ قَبِلَ شهادَةَ امرأةٍ واحدةٍ على الرضاعةِ، وأنّهُ قبلَ شهادةَ شاهدٍ واحدٍ معَ يمينِ المدعي. وعنْ أميرِ المؤمنينَ عليهِ السلامُ، قالَ: «إنّ النبيّ (ص) قضى بشهادةِ شاهدٍ واحدٍ ويمينِ صاحبِ الحقِّ» فيبدو من هذا تعارضٌ بينَ الأدلّةِ. والمجتهِدُ المدقّقُ يجدُ أنّ الآيةَ ذكَرَتِ النصابَ الأكملَ في الشهادةِ.
ولا يلزمُ إذا لمْ يكتمِلِ النصابُ الأكملُ أنْ لا يُقْبَلَ ما دونَ ذلك؛ لأنّ النصابَ إنما هو للتحمّلِ. أما في الأداءِ والحكمِ منْ قِبَلِ القاضي فلا يُشْتَرَطُ نصابُ الشهادةِ، بلْ يُشْتَرَطُ البيّنَةُ، وهيَ كلّ ما يُبَيّنُ الحقّ ولو كانَ ذلكَ شهادةَ امرأةٍ واحدةٍ، أو شهادةَ رجلٍ واحدٍ مع يمينِ صاحبِ الحقِّ إلاّ إذا جاءَ نصّ شرعيّ يُعيّنُ نصابَ الشهادةِ، كما في شهادةِ الزّنى فحينئذٍ يتقيّدُ بالنصِّ، وبهذا البيانِ ومثلِهِ يذهبُ تزاحُمُ الأدلّةِ.
فالمقدرَةُ على فَهْمِ الأدلّةِ السّمْعيّةِ وعلى الموازنةِ بينها شَرْطٌ أساسيّ، وعليهِ فلا بُدّ أن يكونَ المجتهِدُ المطلقُ عارفاً بمداركِ الأحكامِ الشرعيّةِ وأقسامِها، وطُرُقِ إثباتها ووجوهِ دلالَتِها على مدلولاتها، واختلافِ مراتبِها والشروطِ المُعتَبَرَةِ فيها، وعليهِ أنْ يعرِفَ جهاتِ تَرجيحِها عندَ تعارضِها. وهذا يُوجِبُ عليهِ أنْ يكونَ عارفاً بالرّواةِ وطرقِ الجرحِ والتعديلِ، وأن يكونَ عارفاً بأسبابِ النزولِ والناسخِ والمنسوخِ في النصوصِ.
وأمّا معرفةُ وجوهِ دلالةِ اللّفظِ فإنّهُ يقتضي معرفةَ اللغةِ العربيّةِ، فيتمكّنُ بها من معرفةِ معاني الألفاظِ، ووجوهِ بلاغتِها ودلالتِها ومعرفةِ الخلافِ الجاري في اللفظِ الواحدِ، حتى يُرجّحَ روايةَ الثقاتِ وما يقولُهُ أهلُ اللغةِ. ولا يكفي أنْ يعرفَ منَ القاموسِ أنّ القروء تدلّ على الطّهْرِ والحيضِ، وأنّ النكاحَ يدلّ على الوطْءِ والعَقْدِ، بلْ لا بدّ منْ معرفةِ اللغةِ العربيّةِ بشكلٍ عامٍّ من نحوٍ وصرفٍ وبلاغةٍ ولغةٍ وغيرِ ذلكَ معرفةً حسب لسانِ العَربِ واستعمالِ البلَغَاءِ، وتمكّنه منَ المراجعةِ في كتبِ العربيّةِ وفهم ما يحتاجُ إلى فَهْمِهِ منها.
ولكن لا يعني ذلكَ أنّ يكونَ مجتهِداً في كلِّ فرعٍ من فروعِ اللّغةِ بل يكفي أنْ يكونَ عالماً بأسلوبِ اللّغة بحيثُ يميّزُ بينَ دلالةِ الألفاظِ والجملِ والأساليبِ؛ كالمطابَقَةِ والتضمينِ والحقيقةِ والمجازِ والكنايةِ والمشتركِ والمترادفِ، وما شاكلَ ذلكَ. وبالجملةِ فإن درجَةَ الاجتهادِ المطلَقِ لا تحصُلُ إلاّ لمنِ اتّصفَ بوصفينِ.
الأول: فَهْمُ مقاصدِ الشريعةِ، لِفَهْمِ الأدلّةِ السمعيّةِ.
الثاني: فَهْمُ اللغةِ العربيّةِ ومدلولاتِ ألفاظِها، وجُمَلِها وأساليبِها، وعليه فليسَ وجودُ المجتهِدِ المطلقِ بالأمرِ العسيرِ.
بلْ هوَ ممْكِنٌ ومتيسّرٌ إذا صحّتْ الهممُ، ومجتهدُ المسألَةِ متيسّرٌ للجميعِ بعد معرفةِ ما لا بدّ منهُ منَ المعارفِ الشرعيّةِ واللغويّةِ.
التقْليد
التقليد في اللغَةِ اتباعُ الغيرِ دونَ تأمّلٍ. يقالُ: قَلّدَهُ في كذا: تَبِعَهُ من غيرِ تأمّلٍ ولا نَظَرٍ. والتقليدُ شرْعاً هو العملُ برأيِ الغيرِ من غيرِ حجّةٍ ملزمَةٍ. والتقليدُ في العقيدةِ لا يجوزُ لأنّ اللّهَ قد ذمّ المقلدينَ في العقيدةِ، قالَ تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ *} [البَقَرَة: 170].
وقولهُ تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ *} [المَائدة: 104].
أمّا التقليدُ في الأحكامِ الشرعيّة فجائزٌ شرْعاً لكلِّ مسلمٍ، قالَ تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ *} [النّحل: 43] وقالَ تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ} [البَقَرَة: 282].
وكان العلم قبْلَ التقوى أي أنّ الله يُعَلّمُكُمْ فتَتّقُونَ، ولا بدّ منْ تقدّم العلمِ على العملِ، ولذلكَ كانَ فرضاً على المسلمِ أنْ يتعلّمَ أحكامَ اللّهِ التي تلزمهُ للعلْمِ قَبْلَ العمَلِ.
وهذا العلْمُ بالأحكامِ يستوجبُ السؤالَ عنها فيأخذُ الحكمَ ويعملُ بهِ فيكونُ مقلّداً بذلكَ.


الدليل الشرعي وقوّته
الدليلُ الشرعيّ هو الحجّةُ على أنّ الحكمَ الذي دلّ عليهِ حكمٌ شرعيّ؛ ولذلكَ كانَ اعتبارُ الحكمِ شرعيّاً يتوقّفُ على اعتبارِ دليله. ومنْ هنا كان البحثُ عنِ اعتبارِ الدليلِ هو الأصلُ في اعتبارِ الأحكامِ الشرعيّةِ، فإذا وردَ على الحادثة دليلٌ صالحٌ للاستدلالِ على أنّ حُكْمَهَا كذا اعتُبِرَ حينئذ هذا الحكمُ شرعيّاً لتلكَ الحادثةِ بناءً على اعتبار دليله.
أمّا إذا وردَ على الحادثَةِ دليلانِ صالحانِ؛ أحدهُما يدلّ على حكمٍ معيّنٍ كالحرمةِ مثلاً، والآخر يدلّ على حكمٍ آخرَ خلافِهِ كالإباحَةِ مثلاً، فيجبُ حينئذٍ ترجيحُ أحدِ الدليلينِ على الآخر حتى يتسنّى أخْذ أحد الحكمينِ بناءً على أن دليلَه أقوى منَ الدليلِ الآخرِ.
وعندما يتعارضُ دليلانِ لا يصِحّ اللجوءُ إلى ترجيحِ أحدهِما على الآخر، إلاّ في حالَةِ عدمِ إمكانِ العمل بكليهِما معاً. فإنْ أمْكَنَ العملُ بهما فهو أولى؛ لأنّ إعمالَ الدليلينِ أولى من إهمال أحدهِما بالكليّةِ لكونِ الأصلِ في الدليلِ هو الإعمالُ لا الإهمالُ، غيرَ أنّ العملَ بالدليلينِ لا يصِحّ أن يكونَ بمحاولاتِ التحمّلِ بلْ بمدلول النصِّ كقولهِ (ص): «لا صلاةَ لجارِ المسجدِ إلا في المسجدِ»(+) مع أنّ الرسولَ (ص) قدْ ثَبَتَ تقريرُهُ للصلاةِ في غيرِ المسجدِ؛ فأحدُ الدليلينِ معارضٌ للآخر. والجمع بينهما في حمْلِ الحديثِ على نفي الكمالِ، ويحملُ تقريرُ الرسولِ على صحّةِ الصلاةِ».
فإن لَمْ يمكنِ العمَلُ بالدليلينِ معاً، وتعارضا مع تساويهما في القوّة والعموم فإن علِمَ المتأخرُ منهما فهو ناسخٌ للمتقدّمِ، سواءٌ كانا قطعيينِ أم ظنيّينِ، وسواءٌ كانا من الكتابِ أو السنّةِ.
ولا يكونانِ من الكتابِ والسنّةِ معاً، لأنّ السنّةَ لا تنسخُ الكتابَ ولو كانتْ متواترةً بينما الكتابُ ينسخُ السنّةَ.
وأمّا إنْ جُهِلَ المتأخّرُ منهما فلمْ يُعْلَمْ عينهُ فلا بدّ أن يكونا ظنيين، لأنّ القطعيينَ لا تعارُض بيْنهما. فإن كانا ظنيينِ وجبَ الرجوعُ إلى الترجيح فيُعْمَلُ بالدليلِ الأقوى. وقوّةُ الدليلِ تَعني قوّتهُ من حيثُ ترتيبُ الأدلّةِ، وقوتهُ من حيثُ درجةُ اعتبارِ الاستدلالِ في كلِّ نوعٍ من أنواعِ الأدلة الظنيّةِ.
أمّا منْ حيثُ ترتيبُ الأدلّةِ فإن الكتابَ أقوى من السنّةِ، ولو كانتْ متواترَةً. والسنّةُ المتواترةُ أقوى من الإجماعِ، والإجماعُ المنقولُ بالتواتر أقوى من خبر الآحاد. وخَبَرُ الآحاد أقوى من القياسِ إذا كانتْ عِلّتُه مأخوذةً دلالةً أو استنباطاً أو قياساً، أمّا ذا أُخذَتْ علّتهُ صراحةً فَتُعَامَلُ معاملةَ النصِّ الذي دلّ عليها صراحةً وتأخذ حكمه من حيثُ قوّةُ الدليلِ. فإن كانَ قرآناً كانَ حُكْمُها حكمَ القرآن. وإن كانَ سنّة كانَ حكمُها حكمَ السنّةِ، وإن دلّ عليها الإجماعُ فتأخذُ حكمَ الإجماعِ.
أمّا من حيثُ اعتبارُ الاستدلالِ في كل نوعٍ من أنواعِ الأدلّةِ الظنيّةِ فإنّ للأدلّةِ الظنيّةِ دليلينِ أحدهما السنّةُ والآخرُ القياس، ولكلِّ واحد منهما اعتباراتٌ معيّنَةٌ في الترجيحِ، من حيثُ اعتبارُ القوّةِ في الدليلِ.
أمّا السنّةُ فإنّ قوّةَ الدليلِ بالنسبةِ لها تعني قوّتَهُ من حيثُ السنّةُ، وقوّتهُ من حيثُ المتنُ وقوته من حيث المدلولُ.
ترجيحُ السّندِ يُبْنى عَلى مراقبة الامُورِ الآتيةِ:
1 ـ يرجّحُ الراوي المباشرُ على الراوي غَيرِ المُباشرِ.
2 ـ يُرَجّحُ الخبرُ المتواترُ على خبرِ الآحادِ.
3 ـ يُرَجّحُ الراوي في زَمَنِ البلوغِ على مَن رواهُ قبْلَ البلوغِ.
4 ـ يُرَجّحُ الخبرُ المَحْكِيّ بلفظِ الرسولِ على الخبرِ المرويّ بغيرهِ.
5 ـ يُرَجّحُ الخبرُ الذي يدلّ لفظُهُ على الحقيقةِ، على الخبرِ الذي يدلّ لفظُهُ على مجازٍ.
6 ـ يُرَجّحُ الخبرُ المشتملُ على الحقيقةِ الشرعيّةِ، على الخبرِ المشتملِ على الحقيقةِ اللغويّةِ.
وأمّا قوّةُ الخبرِ من حيثُ المتنُ فتكونُ في أُمورٍ:
1 ـ أنْ يكونَ أحَدُ الخبرينِ مفيداً للتخفيفِ، والآخر مفيداً للتشديدِ؛ فيرجّحُ الخبرُ المتضمّنُ للتخفيفِ لقولهِ تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البَقَرَة: 185]، ولقولهِ عليهِ السلام: «إن الدينَ يسرٌ»(+).
2 ـ أن يكونَ أحدُ الخبرينِ مفيداً للتحريمِ، والآخَرُ للإباحَةِ، فيرجّحُ الخبرُ الدالّ على التحريمِ، لقولهِ سلامُ الله عليهِ: «ما اجتمعَ الحَلالُ والحرامُ إلاّ وغَلَبَ الحرامُ الحلالَ»(+) وقولهُ: «دعْ ما يريبُكَ إلى ما لا يريبُك»(+).
3 ـ أنْ يكونَ أحدُ الخبرينِ مُفيداً للتحريمِ، والآخرُ مفيداً للوجوبِ، فيرجّحُ الخبرُ الدالّ على التحريمِ؛ لأنّ الغالبَ في التحريمِ أنْ يكونَ لدفْعِ مَفْسَدَةٍ، والغالبُ في الوجوبِ أن يكونَ لجلْبِ مصلحةٍ، ودرءُ المفاسدِ مُقدّمٌ على جَلْبِ المصالحِ.
4 ـ أن يكونَ أحدُ الخبرينِ مُفيداً للوجوبِ، والآخرُ مفيداً للإباحَةِ، فيرجّحُ الخبرُ الدّالّ على الوجوبِ، لأنّ الوجوبَ يقتضي تَرْكُهُ الإثمَ، والإباحة لا يقتضي تَرْكُهُ شيئاً.
هذهِ هيَ خلاصةُ المرجّحات، وبها يستطيعُ أن يعرفَ الدليلَ الأقوى حتى يرجّحَ بهِ الحكم الشرعيّ.
أصول الفِقْه
الأصْلُ في اللّغَةِ ما يُبْتَنى عليهِ، سواءٌ كانَ الابتناءُ حِسّياً، كابتناء الجدرانِ على الأساسِ، أو عقليّاً كابتناءِ المعلولِ على العلّةِ والمدلولِ على الدليلِ.
فأصولُ الفقهِ هيَ:
القواعدُ التي يُبْتَنى عليها الفِقْهُ.
أمّا الفقهُ في اللّغةِ فهو الفَهْمُ: {مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ} [هُود: 91] وفي عُرْف المتشرّعينَ هو العلمُ بالأحكامِ الشرعيّةِ العمليّةِ المستنبَطَةِ من الأدلّةِ التفصيليّةِ.
ويتميّزُ أُصولُ الفقْهِ عنْ عِلْمِ الفِقْهِ بأنّ موضوعَ الفِقْهِ أفعال المكلّفينَ، منْ حيث إنها تُحِلُّ وتُحَرّمُ وتُصِحّ وتُبْطِلُ وتُفْسِدُ.
أمّا أُصولُ الفِقْهِ فإنّ موضوعَهُ الأدلّةُ السمعيّةُ من حيثُ إنها تُستَنْبَطُ منها الأحكامُ الشرعيّةُ أي منْ حيثُ إثباتُهَا للأحكامِ الشرعيّةِ. فلا بُدّ عندئذٍ منْ بحثِ الحكمِ وما يتعَلّقُ بهِ من حيثُ بيانُ منِ الذي يصدُرُ عنهُ الحكم، أي منِ الذي يملكُ إصدارَ الحكْمِ، يعني من الحاكم، ومن الذي يصدرُ عليه الحكْم، أي من المُكَلّفِ بتنفيذِ هذا الحكمِ، يعني الذي صدرَ عليهِ الحكمُ، ومنْ حيثُ الحكمُ نفسهُ. فما هو؟ وما هي حقيقتهُ؟ وبعْدَ ذلكَ يأتي بيانُ الأدلّةِ وجهات دلالتها.
عِلْمُ أُصولِ الفِقْهِ لا يبحثُ في الأصولِ، أي لا يبحثُ في العقائد وإنما يبحثُ في الفروعِ، أي في الأحكامِ الشرعيّةِ منْ ناحيةِ الأسسِ التي تُبنى عليها، لا منْ ناحيةِ المسائلِ التي يتضمنُها الحكمُ؛ فلا بُدّ مِنْ معرفةِ حقيقةِ الحكْمِ الشرْعيِّ حينَ البحثِ في معرفةِ الأدلّةِ الشرعيّةِ. وقد عَرّفَ علماءُ أُصولِ الفِقْهِ الحكمَ الشرعيّ بأنّهُ خطابُ الشارع المتعلّقِ بأفعالِ العبادِ بالاقتضاءِ، أو بالتخيير أو الوضعِ.
1 ـ قيلَ الشارِعُ، ولمْ يقلْ خطاب الله، ليشملَ السنَّةَ والإجماعَ منْ حيثُ كونُهُ دالاًّ على الخطابِ حتى لا يتوهّمَ أنّ المرادَ بهِ القرآنُ فَقَطْ لأنّ السنّةَ وَحْيٌ، فهيَ خطابُ الشّارع.
2 ـ قيلَ المتعلّقُ بأفعالِ العبادِ، ولم يقل المكلّفينَ ليشملَ الأحكامَ المتعلّقَةَ بالصبيِّ والمجنونِ كالزكاةِ في أموالِهما.
3 ـ متعلقاً بالاقتضاء، أي متعلّقاً بالطلبِ لأنّ معنى كلمةِ الاقتضاءِ الطّلَبُ.
4 ـ التخييرُ: الإباحة.
5 ـ خطابُ الوضعِ أوِ الخطابُ المتعلقُ بأفعالِ العبادِ بالوضْعِ، هوَ جَعْلُ الشيءِ سبباً أو مانعاً أو ما شاكلَ ذلكَ، ككون دُلوكِ الشّمْس موجباً لوجودِ الصلاةِ وهو سببُ الصّلاةِ، ومثل مانعيّةِ النجاسةِ للصلاةِ وبقولهِ: بالوضعِ شَمَلَ ما كانَ سبباً، وما كانَ مانعاً، وما كان شرْطاً، وما كانَ صحيحاً وباطِلاً وفاسِداً، وما كانَ رُخْصَةً وعزيمةً.
الأدلة الشرعيّة
الدليلُ، لغةً، بمعنى الدّالِ؛ وقدْ يُطْلَقُ الدليلُ على ما فيهِ دلالَةٌ وإرشادٌ وهذا هو المُسمّى دليلاً في تعريفِ الفقَهَاءِ. وقد عرّفَهُ علماءُ الأصولِ بأنه الذي يُمكنُ أن يُتَوَصّلَ بصحيحِ النّظَرِ فيهِ إلى العِلْمِ بمطلوبٍ خبريٍّ، وبعبارةٍ أُخرى هو الذي يُتّخَذُ حجّةً على أنّ المبحوثَ عنهُ حُكْمٌ شرعيّ وكلّ دليلٍ شرعيٍّ إمّا أنْ يدلّ على الحُكْمِ دَلالةً قطعيّةً أو ظنيّةً. فالقطعيّةُ كالقرآنِ والحديثِ المتواترِ، وما كان قطعيَّ الدلالَةِ أيضاً فلا إشكالَ في اعتبارِه، وإنْ دلّ على الحُكْمِ دلالَةً ظنيّةً؛ فإنْ كانَ أصله قطعيّاً وهو الكتاب والحديثُ المتواترُ فهو مُعْتَبَرٌ أيضاً، وإن كانَ أصلُهُ ظنيّاً كخبر الآحاد فحينئذٍ يجبُ التثبتُ منهُ، ولا يَصحّ إطلاقُ القوْلِ بقبولهِ. والأدلّةُ الشرعيّةُ نوعانِ:
أحدهما ما يرجعُ إلى النّقْلِ المحْضِ، وهو الذي يرجعُ إلى النصِّ المحضِ، أي إلى الألفاظ وما يدلّ عليهِ منطوقُها ومفهمومُها. والنّقْلُ المَحْضُ هو الكتابُ والسنّةُ والإجماعُ وهو يحتاجُ إلى الفهمِ والنظرِ.
والثاني ما يرجعُ إلى الرأيِ المحْضِ وهو الذي يرجعُ إلى معقولِ النصِّ أي إلى العلّة الشرعيّةِ. والرأيُ هوَ القياسُ، ويحتاجُ إلى العلّةِ الشرعيّةِ التي دلّ عليها النصّ الشرعيّ والدليلُ الشرعيّ، ولكي يعتبرَ حجّةً فلا بدَّ أنْ يقومَ الدليلُ القطعيّ على حجيّته.
الكِتاب
القرآنُ الكريمُ ما نُقِلَ نقْلاً متواتراً؛ أمّا نَقْلُ الآحادِ فليسَ منَ القرآنِ. والذي يجبُ لَفْتُ النّظَرِ إليهِ أنّ القرآنَ قدْ نُقِلَ بالمشاهَدَة عنِ الرسولِ (ص)، عنِ الوحيِ حينَ نزولهِ بهِ، وسُجّلَ كتابةً إلى جانبِ حِفْظِهِ.
فالصحابةُ رضوانُ الله عليهم لم يرْوُوا القرآنَ الكريمَ روايةً عن الرسولِ، وإنما نَقلوهُ نَقْلاً. أي نَقَلُوا ما نزلَ بهِ الوحيُ عينُهُ وما أمرَ الرّسولُ بكتابتهِ، بخلافِ الحديثِ فإنّهُ رُويَ عن الرسولِ رواية ولم يُسَجّلْ حينَ قولهِ أو روايتهِ، وإنما جرى تدوينُهُ وتسجيلُهُ في عَهْدِ تابعي التابعينَ.
أمّا القرآنُ فَدُوِّنَ وسُجِّلَ حينَ نزولِ الوحي بهِ، ونَقَلَ الصّحابَةُ ما نَزَلَ بهِ الوحْيُ نفسُهُ ولهذا يُقالُ: إنّ الصحابةَ قد نقلوا لنا القرآن الكريمَ نَقْلاً.
المحكم والمتشابه
القرآنُ الكريمُ مُشْتَمِلٌ على آياتٍ مُحْكَمَةٍ وأُخرى متشابهةٍ. قالَ الله تعالى: {مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} [آل عِمرَان: 7].
أمّا المحكَمُ فهو ما ظهرَ معناهُ وانكشفَ كشفاً يرفعُ الاحتمالَ، كقولهِ تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البَقَرَة: 275] وأمّا المتشابه فهو المقابلُ للمُحْكمِ، وهو ما يحتمِلُ أكثرَ من معنى، إمّا بجهةِ التساوي أو بغير جهةِ التساوي.
المعنى بجهةِ التساوي قولهُ تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ} [البَقَرَة: 228] فإنّ لفظَ «القروء» يمكنُ أن يكونَ المرادُ بهِ الحيضَ أو الطهرَ.
وقولهُ تعالى: {أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} [البَقَرَة: 237] فإنّ الذي بيدهِ عقدةُ النكاحِ يمكنُ أنْ يكونَ المرادُ بهِ الزوج أو الوليّ.
وقولهُ تعالى: {أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ} [النِّسَاء: 43] لترددهِ بينَ اللّمْسِ باليدِ والوطءِ. المعنى على غيرِ جهةِ التساوي قولهُ تعالى: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ} [الرَّحمن: 27]، {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي} [الحِجر: 29]، {مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا} [يس: 71] {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ} [آل عِمرَان: 54]، {وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} [الزُّمَر: 67]، وغيره فإنّهُ يحتملُ عدّةَ معانٍ حَسَبَ فَهْمِ اللغة العربيّةِ من حيثُ أساليبُ العربِ وحَسَبَ المعاني الشرعيّةِ، فهذا كلّهُ متشابهٌ... وإنما سُمّيَ متشابهاً لاشتباهِ معناهُ على السامع.
وليس المتشابهُ هو الذي لا يُفْهَمُ معناه، حيث لا يوجدُ في القرآن شيءٌ لا يُفْهَمُ معناه. لأنّ اشتمالَ القرآنِ على شيءٍ غيرِ مفهومٍ يُخْرِجُهُ عن كونه بياناً للناس، وهو خلافُ قوله تعالى: {هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ} [آل عِمرَان: 138] وأما حروف المعجم في أوائل السوَر فإنّ لها معنى لأنها أسماءٌ للسور ومعرفة لها.
السّنّة
السنّةُ والحديثُ بمعنى واحدٍ، والمرادُ بالسنّةِ ما ورد عن رسولِ اللَّهِ (ص) من قولٍ أو فعلٍ أو تقريرٍ.
وكثيرٌ منَ الآياتِ جاءتْ مجمَلَةً وفصّلَها الحديثُ، فالصّلاةُ مثلاً جاءَتْ مجملةً، وفعلُ النبيّ هو الذي أوضحَ أوقاتها وكيفيّاتها، وهكذا كثيرٌ منَ الأحكامِ، كانتْ تأتي في القرآنِ مجملةً والرسولُ يقرّها. قالَ الله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النّحل: 44] وكانَ المسلمونَ إذا أشْكَلَ عليهِمْ فَهْمُ آيةٍ، واختلفوا في تفسيرِها، أَو في حُكْمٍ منْ أحكامها رجعُوا إلى الأحاديثِ النبويّةِ لاستيضاحِها. والسنّةُ دليلٌ شرعيّ كالقرآنِ وهيَ وحْيٌ منَ الله تعالى. والاقتصارُ على القرآنِ وتَرْكُ السنّةِ كُفْرٌ صُراحٌ؛ وهو رأيُ الخارجينَ على الإسلامِ، أمّا أنّ السنّةَ وحيٌّ منَ اللّهِ تعالى فهو صريحٌ في القرآنِ الكريمِ، قالَ تعالى: {إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ} [الأنعَام: 50] {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى *إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى *} [النّجْم: 3-4] وأمّا أنّ السنّةَ واجبةُ الاتباعِ كالقرآنِ الكريمِ فهوَ صريحٌ في القرآنِ أيضاً، قالَ تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحَشر: 7] ومنَ المعروفِ أنّ السنّةَ هيَ كلامُ الرسولِ (ص) وأفعالهُ وسكوتهُ، وهيَ واجبةٌ الاتباعِ كالقرآنِ.
غيرَ أنّهُ لا بدّ أنْ يثبُتَ أنّ الرسولَ هو الذي قالَ هذا الكلامَ، أو فَعَلَ هذا الفعْلَ أو سكتَ عن هذا الكلامِ، أو هذا الفعْلِ. وإذا ثبتتِ السنّةُ صَحّ الاستدلالُ بها على الأحكامِ الشرعيّةِ وعلى العقائدِ، وكانتْ حجّةً على أنّ هذا الثابتَ بالسنّةِ حكمٌ شرعيّ أو عقيدةٌ من العقائدِ، إلاّ أنّ ثبوتَ السنّةِ، إمّا أنْ يكونَ ثبوتاً قطعيّاً كأن يرويها جَمْعٌ من تابعي التابعين عنْ جَمْعٍ منَ التابعينَ عنْ جمْعٍ منَ الصحابةِ عنِ النبيّ (ص)، بشرْطِ أنْ يكونَ كلّ جَمْعِ يتكوّنُ من عددٍ كافٍ، بحيثُ يؤمنُ عدمُ تواطئِهمْ على الكذبِ، وهذهِ هي السنّةُ المتواتِرَةُ أو الخبرُ المتواترُ.
وإمّا أنْ يكونَ ثبوتُ السنّةِ ثبوتاً ظنيّاً، كأنْ يرويه واحِدٌ أو آحادٌ متفرّقونَ، تابعو التابعينَ عن واحدٍ أو آحادٍ من التابعينَ عن واحدٍ، أو أحَدٍ منَ الصحابةِ عن النبيّ؛ وهذا هو حديثُ الآحادِ أو خبرُ الآحادِ، ومنْ هنا كانتِ السنّةُ من حيثُ الاستدلالُ قسمينِ اثنينِ، هما الخبرُ المتواتر وخبرُ الآحادِ، أمّا الخبرُ المشهورُ، وهو الذي يُروى بطريقِ الآحادِ عنِ النبيّ (ص)، ثمّ يشتهِرُ في عصْرِ التّابعين أو تابعي التابعينَ، فإنّهُ من خبرِ الآحادِ وليسَ قِسْماً ثالثاً، فالسنّةُ إمّا التواترُ، وإمّا الآحادُ ولا ثالثَ لهما.
وخبر الآحادِ إذا كانَ صحيحاً أو حسناً يُعْتَبَرُ حُجّةً في الأحكامِ الشرعيّةِ كلّها، ويجبُ العمَلُ بهِ سواءٌ كانتْ أحكامَ عباداتٍ أو معاملاتٍ أو عقوباتٍ. والاستدلالُ بهِ هوَ الحقّ، فإنّ الاحتجاجَ بخبرِ الآحادِ في إثباتِ الأحكامِ الشرعيّةِ هو الثابتُ. والدليلُ على ذلكَ أنّ الشرعَ اعتبرَ الشهادةَ في إثباتِ الدعوى، وهي خبرُ آحادٍ، وعندئذٍ يمكنُ أنْ يُقاسَ قبولُ الروايةِ وقبولُ الآحادِ على قبولِ الشهادةِ، لأنّه ثبتَ بنصِّ القرآنِ الكريمِ أنّهُ يُقْضَى بشهادةِ شاهدينِ رجلينِ أو رجل وامرأتينِ في الأموالِ، وبشهادةِ أربعةٍ منَ الرّجالِ في الزنى وبشهادةِ رجلين في الحدودِ والقصاصِ.
وقضى رسولُ الله (ص) بشهادَةِ شاهدٍ واحدٍ ويمين صاحبِ الحقِّ، وقبِلَ شهادةَ امرأةٍ واحدةٍ في الرضاعِ، وهذا كلّهُ خبر آحادٍ.
والقضاءُ إلزامٌ بترجيحِ جانبِ الصّدقِ على جانبِ الكذبِ، ما دامتِ الشّبهاتُ التي تجعَلُ الخبرَ مظنّةَ الكذبِ قدِ اتبعتْ وغيرَ ثابتةٍ. وهذا الإلزامُ ليسَ إلاّ عملاً بخبرِ الآحادِ.
والثابتُ عن الصحابةِ فيما اشتهرَ بينهُمْ واستفاضَ عنهُمْ، أنّهُمْ كانوا يأخذونَ بخبر الآحادِ إذا وثقوا بالرّاوي، وعلى ذلكَ يكونُ خبرُ الواحدِ حجّةً في الأحكامِ الشرعيّةِ.
الإجْمَاع
ولهُ في اللغة اعتبارانِ: أحدُهُما: العزمُ على الشيءِ والتصميمُ عليهِ. ومنهُ يُقالُ: أَجْمَعَ فلانٌ على كذا إذا عَزَمَ عليهِ، وإليهِ الإشارةُ بقولهِ تعالى: {فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ} [يُونس: 71] أي اعزموا، وقولهُ عليه السلام: «لا صيامَ لمنْ لمْ يجمعِ الصيامَ منَ اللّيلِ»(+). أي يعزم. وعلى هذا فَيَصِحّ إطلاَقُ الإجماعِ على عزمٍ واحدٍ.
الثاني: الاتفاق: ومنهُ يُقالُ: أجْمَعَ القومُ على كذا، إذا اتفقوا عليه، وعلى هذا، فاتفاقُ كلِّ جماعةٍ على أمْرٍ من الأمورِ، دينيّاً كانَ أو دنيويّاً، يُسمّى إجماعاً.
وأما الإجماعُ في اصطلاحِ الأصوليّينَ فهو الاتفاقُ على حكمِ واقعةٍ منَ الوقائعِ بأنّهُ حكمٌ شرعيّ، ولكنِ اخْتُلِفَ فيمَنْ يكونُ إجماعُهُمْ دليلاً شرعيّاً.
فمنهُمْ مَنْ قالَ: إجماعُ أُمَّة محمدٍ (ص).
ومنهمْ من قال: إجماعُ العلماءِ على حكمٍ من الأحكامِ الشرعيّةِ.
ومنهمْ مَنْ قال: إجماعُ الصحابةِ رضوانُ الله عليهمْ.
ومنهُمْ مَنْ قال: إجماعُ أهلِ المدينةِ.
ولكنهُم اتفقوا جميعاً على أنّ الإجماعَ دليلٌ شرعيّ لأنّهُ يكشفُ عن قولٍ أو إقرارٍ أو فعلٍ قامَ بهِ رسولُ اللَّهِ (ص)، فأصبحَ شائِعاً بينَ هذهِ الفئةِ أوِ الجماعةِ أوِ الأمةِ جميعِها فيما بعد.
وقد اتفقوا على أنّ الإجماعَ حجّةٌ شرعيّةٌ يجبُ العملُ بهِ.
وكيفما كانَ الأمرُ فالإجماعُ الذي هوَ حجة، هو خصوص الإجماعِ الكاشف عن وجودِ دليل مُعتَبَر، والعبرة بذلكَ الدليل لا بهِ، وليسَ للإجماعِ موضوعية بحيثُ يكونُ حجّةً ودليلاً في نفسهِ مقابل الكتابِ والسنّةِ كما يشتف من تصريحات بعضهم. ومنْ هنا إذا كانَ الإجماعُ قد قامَ على حكمٍ على خلافِ القاعدةِ أو الدليلِ فالذي يعولُ عليه هو الدليل. فلو قامَ على حكمٍ تَقْتَضِيهِ القاعدةُ أوِ الدليلُ الذي بأيدينا واحتملَ استنادَ المجمعين في ذلكَ إلى القاعدةِ أوِ الدليل سقطَ الإجماعُ عنِ الحجّةِ وصارَ التعويلُ على الدليل. وبعبارةٍ مختصرةٍ: الإجماعُ الذي هو حجّةٌ هوَ الذي لا يعلم أو يحتملُ مدركهُ، ومع معرفةِ المدركِ كانَ التعويلُ عليهِ لا على الإجماعِ.
القياس والعِلّة المنصُوصة والحكمة
العِلّةُ المنصوصةُ هيَ التي تُذْكرُ في لسانِ الدليلِ، عِلّةً للحكْمِ بحيثُ يُسْتَكْشَفُ منها أنّ الحكمَ واردٌ على نفْسِ العلّةِ والموردِ، وهو جزءٌ منْ أجزاءِ تلكَ العلّةِ، لأنّ القياسَ لا يكونُ إلا على علّةٍ شرعيةٍ وهو لا يكون على تسريةُ حكم من موضوعٍ إلى موضوعٍ آخرَ يُبنى على الحَدْسِ والتظني لا أقلّ ولا أكثرَ. وبعبارةٍ أُخرى: إنّ العِلّةَ إذا ذُكِرَتْ في موردٍ دارَ الحكْمُ مدارَها وجوداً وعدماً. وهذا هو معنى الكلمة المشهورة: إن الحكمَ يدورُ مدارَ العلّةِ وجوداً وعدماً. فكلّ مورد تُوجَدُ فيهِ العلّةُ يثبتُ الحكم، وإذا لمْ توجد العلّةُ لا يوجدُ. على العكسِ تماماً منْ حكمة التشريعِ التي تُذْكَرُ في بعضِ الأدلّة كقوله تعالى: {إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} [العَنكبوت: 45] فالحكمةُ وردت في النص وهي النهي عن الفحشاء والمنكر لا المنع كما يظن البعض، وأيضاً كما في قولهمْ: لا تتزوجُ المرأةَ في عدتها من رجلٍ آخر لئلا تختلطَ المياهُ. فإنّ مثلَ هذا التعليلِ لمْ يكنْ عِلّةً للْحُكْمِ، وإلاّ لَدارَ الحكمُ مدارَها وجوداً وعدماً. والحالُ أنّ المسلِمَ يَفْهَمُ أنّ المرأةَ العقيمَ تجبُ عليها العدّةُ، إذا طلّقها زوجها، وما إلى ذلكَ منَ المواردِ التي ثبتَ فيها الحكْمُ في غيرِ موْرِدِ العِلّةِ.
القياس
القياسُ في اللغةِ التقديرُ. ومنهُ يقالُ: قِسْتُ الأرضَ بالمترِ، وقِسْتُ الثّوبَ بالذراع، أي قَدّرْتُهُ. وهو يستدعي أمرين يضافُ أحدُهما إلى الآخرِ بالمساواةِ، فهو نسبةٌ وإضافةٌ بينَ شيئينِ، ولهذا يُقالُ: فلانٌ يقاسُ بفلانٍ ولا يُقاسُ بفلانٍ، أي يُساويهِ ولا يساويهِ. وأمّا في اصطلاحِ الأصوليّينَ. فالقياسُ هو إلحاقُ أمْرٍ بآخرَ في الحكمِ الشرعيّ لاتحادٍ بينهما في العِلّةِ، أي لاتحادِهِما في الباعثِ على الحُكْمِ في كلٍّ منهما.
فتعاريفُ القياسِ كلّها تقتضي وجودَ مُشبّهٍ ومشبّهٍ بهِ ووجهِ شَبَهٍ. أي يقتضي مَقيساً ومقيساً عليهِ ووجهَ القياسِ.
إنّ الذي يجعَلُ القياسَ موجوداً هو اشتراكُ المقيسِ والمقيسِ عليهِ في أمْرٍ واحدٍ، أي وجود جامع بينهما. وهذا الأمْرُ الواحدُ الجامعُ بينَ المقيسِ والمقيسِ عليهِ هو الباعثُ على الحكمِ.
وبناءً عليهِ فلا يدخلُ في القياسِ قياسُ حكْمٍ على حُكْمٍ للتماثُلِ بينهُما فالقياسُ المعتبَرُ هو الذي يرجعُ إلى النصِّ نفسِه لا غير. والمرادُ بالقياسِ القياسُ الشرعيّ لا القياسُ العقليّ، أي القياس الذي وجدَتْ فيهِ أمارةٌ منِ الشرْعِ تدلّ على اعتبارِهِ، أي وجدتْ فيهِ علّةٌ شرعيّةٌ ورد بها نصّ شرعيّ معيّنٌ.
وأمّا القياسُ العقليّ الذي يفهَمهُ العقْلُ منْ مجموعِ الشرْعِ، دونَ أنْ يكونَ هناكَ نصّ معيّنٌ يدلّ عليه، أو الذي يفهَمهُ منْ قياسِ حكمٍ على حكمٍ لمجردِ التماثُلِ عقلاً، دونَ أنْ يكونَ هناكَ باعثٌ على الحكمِ وردَ بهِ الشرْعُ، فإنّ ذلكَ كلّهُ لا يجوزُ ولا بوَجْهٍ منَ الوجوهِ.
وأمّا ما قالوهُ من قياسِ الوكالةِ بأُجرَةٍ على الإجارَةِ في جعْلِهِما عَقْداً لازماً، مع أنّ الوكالةَ من العقودِ الجائزَةِ، وذلكَ لاشتراكهِما في دَفعِ الأجْرَةِ، فإنّهُ ليسَ قياسَ حكْم على حُكْمٍ للشّبهِ بينَ الوظيفتينِ. وإنما هو قياسُ حكمٍ على حُكْمٍ، لاشتراكهِما في عِلّةِ الحكْمِ، فإنّ الذي جَعَلَ الإجارَةَ من العقودِ اللازمَةِ، إنما هو الأجرةُ، فإذا وُجِدَت الأجرَةُ في الوكالةِ فَقَدْ وُجِدَ الباعثُ على جَعْلِ العقْدِ لازماً، فتصيرُ الوكالةُ بالأجرَةِ منَ العقودِ اللازمَةِ، أي أنّ الوكالةَ على أُجرَةٍ معيّنَة تجعلُ هذه الوكالةَ منَ العقودِ اللاّزمَةِ قياساً على الإجارَةِ، لأنّ إلزامَ المستأجر بدفْعِ الأجرَةِ والأجيرِ بالقيامِ بالعَمَلِ قد دلّ دلالةَ التزامِ على أنّ عَقْدَ الإجارِة منَ العقودِ اللازمةِ، فتقاسُ عليهِ الوكالةُ إذا وجد فيها هذا الإلزامُ فهو قياسُ حُكْمٍ على حُكْمٍ للشبهِ يبنَ الوظيفتينِ.
أمّا ما قالوهُ في أحكامِ الغَصْبِ من أنّ على الغاصِبِ رَدّ عينِ المغصوبِ ما دامَ قائماً ورَدّ مثله أو قيمتِهِ إذا تلف، فيقاسُ على تَلَفِ المغصوبِ تغييرُ عينهِ تغييراً يجعلُهُ شيئاً آخرَ غيرَ الأوّلِ، كطحْنِ الحنطةِ المغصوبةِ، أو صنْعِ قطعةِ الفولاذِ سيْفاً أو ما شاكلَ ذلكَ، لأنّهُ يُشْبِهُ التلف في زوالِ العين الأولى، فهذَا ليسَ منْ قياسِ الحكمِ وإنما هو من قياسِ العلّةِ، فالتلَفُ عِلّةُ الرّدّ، فيُقاسُ على هذهِ العلّةِ كلّ ما تحقّقَ فيها ممّا يجعلُها علّةً، والذي جَعَلَهَا عِلّةً زوالُ عيْنها؛ فكلّ ما تزولُ بهِ العينُ يُعتَبَرُ عِلّةً قياساً على التلفِ، ولذلكَ كانَ تغييرُ العَينِ عِلّةً كالتلفِ إذ زالتْ بهِ العينُ عمّا كانتْ عليهِ. فحكمُ الغصْبِ ردّ العينِ المغصوبةِ عملاً بعمومِ قولِ رسول الله (ص). «على اليدِ ما أخذتْ حتى تؤديه»(+) فإنّهُ دليلٌ على أنّهُ يجبُ على الإنسان ردّ ما أخذتْهُ يدهُ من مالِ غيرِهِ باعتبارهِ عَيْناً أو إجارةً أو غصباً. ولكنْ إذا تلفت العينُ المغصوبةُ على الغاصب رَدّ مثلِها أو قيمتها لما رُويَ عن رسولِ الله (ص): «مَنْ كسَرَ شيئاً فهوَ لهُ وعليهِ مثلهُ»(+) فهذا دليلٌ على حكمِ المتلفِ منه تلَف عينِ المغصوبةِ. والتلَفُ علّةٌ لردِّ القيمةِ أوِ المثلِ فيكونُ دليلاً على العِلَّةِ ومن هنا لا يأتي قياسٌ على حُكْمٍ لمجردِ التشابُه بينَ الوظيفتينِ بلْ لا بدَّ منْ أن تكونَ هناكَ علّةٌ دَلّ عليها الدليلُ الشرعيّ.
هذا هو القياسُ الشرعيّ الذي يُعْتَبَرُ دليلاً شرْعيّاً.
والقياسُ إنما هوَ إلحاقُ فَرْعٍ بأصْلٍ.
أركان القياسِ
القياس يقتضي أركاناً لا يتمّ بدونها وهيَ:
الفرعُ الذي يُرادُ قياسُهُ.
والأصْلُ الذي يُرادُ القياسُ عليهِ.
والحكْم الشرعيّ الخاصّ بالأصْلِ.
والعِلّةُ الجامعةُ بينَ الأصْلِ والفرْعِ.
ومثالهُ تحريم الإجارَةِ عندَ أذانِ الجمعَةِ قياساً على تحريمِ البَيْعِ عنْدَ أذانِ الجمعةِ، لوجودِ العلّةِ وهي الإلهاءُ عن صلاةِ الجمعَةِ، فالفرعُ هنا الإجارَةُ، والأصْلُ البَيْعُ.
والحكْمُ الشرعيّ الخاصّ بالأصْلِ التحريمُ الموجودُ في البيْعِ عندَ أذانِ الجمعةِ والعِلّةُ هيَ الإلهاءُ عنْ صلاةِ الجمعةِ.
وليسَ حكمُ الفرْعِ منْ أركانِ القياسِ إذ الحكمُ في الفرْعِ متوقف على صحّةِ القياسِ فلو كانَ ركناً منهُ لتوقّفَ على نفسهِ وهو محالٌ.
وعلى هذا فشروطُ القياسِ لا تخرجُ عن شروطِ هذهِ الأركانِ فمِنْها ما يعودُ إلى الفرْعِ، ومنها ما يعودُ إلى الأصلِ، ومنها ما يعودُ إلى حُكْمِ الأصلِ، ومنها ما يعودُ إلى العِلّةِ.
شرُوط الفرع
الفَرْعُ هو نَفْسُ الحكْمِ المُتَنَازَعِ فيهِ، وهو مَقيسٌ، ويُشْترَطُ فيهِ خمْسَةُ شروطٍ:
1 ـ أنْ يكونَ خالياً منْ مُعارِضٍ راجحٍ يقتضي نَقيضَ ما اقتضتْهُ عِلّةُ القِياسِ.
2 ـ أنْ تكونَ العِلّةُ الموجودةُ فيهِ مُشاركةً لِعِلَّةِ الأصْلِ: إمّا في عينِها وإمّا في جنسِها.
3 ـ أنْ يكونَ الحكْمُ في الفرْعِ مماثلاً لحُكْمِ الأصْلِ في عينهِ، كوجوبِ القصاصِ في النّفْسِ.
4 ـ أنْ لا يكونَ حُكْمُ الفرْعِ منصوصاً عليه.
5 ـ أنْ لا يكونَ حُكْمُ الفَرْعِ مُتقدّماً على حُكْمِ الأصْلِ.
شروط الأصل
الأصْلُ ما بُنيَ عليهِ غيرُهُ، أي ما عُرِفَ بنفسهِ، منْ غيرِ افتقارٍ إلى غيرِهِ. وهو مقيسٌ عليهِ، وشَرْطهُ ثبوتُ الحكْمِ فيهِ. لأنّ إثباتَ مثلِ حُكْمِ الأصْلِ في الفرْعِ فَرْعٌ عن ثبوتهِ فيهِ، ولذلكَ يُشتَرَطُ في الأصْلِ ثبوتُ الحكمِ فيهِ.
شُروط حُكمِ الأصل
يُشترَطُ في حُكْمِ الأصلِ خمْسَةُ شرُوطٍ.
1 ـ أنْ يكونَ حُكْماً شرْعيّاً تابعاً بدليلٍ منَ الكتابِ، أوِ السنّةِ أوِ الإجماعِ.
2 ـ أنْ لا يكونَ الدليلُ الدالّ على حُكْمِ الأصْلِ مُتناولاً للفرع.
3 ـ أنْ لا يكونَ الدليلُ الدّالّ على إثباتِ حُكْمِ الأصْلِ دالًّا على إثباتِ حُكْمِ الفَرْعِ، وإلاّ فلنْ يكونَ أحدهُما أصلاً للآخَرِ، ولا يكونَ أحدُهُما أوْلى منْ أخيهِ.
4 ـ أنْ يكونَ حُكْمُ الأصْلِ مُعَلّلاً بِعِلّةٍ معيّنَةٍ غيرِ مُبْهَمَةٍ.
5 ـ أنْ يكونَ حكمُ الأصْلِ غيرَ متأخّرٍ عنْ حُكْمِ الفرعِ.
العِلّة
العِلّةُ شيءٌ منْ أجلهِ وُجِدَ الحكْمُ. وبعبارَةٍ أُخرى هيَ الأمْرُ الباعثُ على الحكْمِ، أي الباعثُ على التشريعِ لا على القيامِ بالحكمِ وإيجادهِ. ومنْ هنا وجبَ أنْ تكونَ وصْفاً مُفْهِماً.
والعِلّةُ دليلٌ على الحُكْمِ، وعلامةٌ عليهِ ومعرفةٌ لهُ، لكنّها إلى جانبِ ذلكَ هيَ الأمرُ الباعثُ على الحكْمِ. فهيَ الأمْرُ الذي من أجْلِهِ شُرّعَ الحُكْمُ. ففيها إلى جانبِ التعريفِ العِليّة أي الدلالةُ على الشيءِ الذي منْ أجلِهِ شُرّعَ الحكمُ، ولذلكَ كانتْ معقولَ النصِّ.
فإذا لمْ يشتملِ النصّ على عِلّةٍ كانَ لهُ منطوقٌ، وكانَ لهُ مفهومٌ، وليسَ لهُ معقولٌ فلا يُلْحَقُ بهِ غيرُهُ مُطلَقاً. ولكنّهُ إنْ كانَ مشتمِلاً على عِلّة بأن اقترنَ الحكمُ فيهِ بوصفٍ مفهومٍ كانَ لهُ منطوقٌ ومفهومٌ ومعقولٌ، فيلحقُ بهِ غيرهُ. فوجودُ العلّةِ جَعَلَ النصّ يشملُ أنواعاً أخرى وأفراداً أُخرى منَ الحوادثِ لا بمنطوقهِ ولا بمفهومهِ بل بطريقِ إلحاقٍ لاشتراكهِما معَ ما جاءَ فيهِ منَ العِلّةِ.
والعِلّةُ قد تأتي في دليلِ الحكْمِ فيكونُ الحكمُ قد دلّ عليهِ الخطابُ ودلّتْ عليهِ العِلّةُ التي تَضَمّنَها الخطابُ. كقولهِ تعالى: {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ} [الحَشر: 7] ثمّ قالَ: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ} [الحَشر: 8].
فالآيةُ دلّتْ على الحُكْمِ، وهو إعطاءُ الفيءِ للفقراءِ المهاجرين، ولذلكَ أعطى الرسولُ (ص) ذلكَ الفيءَ الذي نزلَتْ في حقِّهِ الآية. ـ وهو فَيْءُ بني النضير ـ للمُهاجرينَ فقطْ، ولمْ يُعْطِ منَ الأنصارِ سوى رجلينِ فقيرين فقط.
وكذلكَ العِلّةُ التي جاءَتْ في الآيةِ وهيَ قولهُ تعالى: {كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ} [الحَشر: 7] أي كي لا تَبقى الدّولَةُ بينَ الأغنياء، بلْ تَنْتَقِل إلى غيرِهِمْ، فقدْ دَلّتْ على الحكمِ، وكانتْ هيَ الباعثَ على تشريعهِ.
الفرق بين السَّبَب والعِلّة
السببُ في اصطلاحِ المتشرِّعينَ كلُّ وصْفٍ ظاهرٍ مُنضبطٍ دلّ الدليلُ السّمعيّ على كونهِ معرّفاً لوجودِ الحكمِ لا تشريعِهِ. كجعْلِ زوالِ الشمسِ أمارةَ معرفةٍ لوُجودِ الصّلاةِ في قولهِ تعالى: {أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} [الإسرَاء: 78] وليسَ بأمارةٍ لوجوبِ الصّلاةِ. فالسببُ إعلامٌ ومعرِفَةٌ لوجودِ الحكمِ.
أمّا العِلّةُ فهي الشيءُ الذي أوجَدَ الحكم. فالحكمُ بها شَرْعٌ ولولاها لما كانَ، فهيَ الباعثُ عليهِ، وهيَ عِلّةُ تشريعهِ لا سبَبُ وجودِهِ، وذلكَ كالإلهاءِ عنِ الصّلاةِ المُسْتَنْبَطِ من قولهِ تعالى: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} [الجُمُعَة: 9] فإنّ الإلهاءَ قدْ شُرِّعَ منْ أجْلِهِ الحكمُ، وهو تحريمُ البيْعِ عندَ أذانِ الجمعةِ، ولذلكَ كانَ عِلّةً لا سبباً، بخلافِ دلوكِ الشمسِ، فليسَ عِلّةً، لأنّ صلاةَ الظهرِ لم تُشَرّع منْ أجْلِهِ، وإنما كانَ أمارةً على وجوبِ صلاةِ الظهرِ.
المَنَاط
والمناطُ ما أناطَ الشارِعُ بهِ الحكمَ وعَلّقَهُ عليهِ، أي هوَ المسألةُ التي ينطبقُ عليها الحكمُ لا دليلُهُ ولا عِلّتهُ.
والمناطُ اسمُ مكانِ الإناطةِ، والإناطةُ التعليقُ والإلصاقُ، قال حبيب الطائي: (بلادٌ بها نيطَتْ عليّ تمائمي) وهذا هو معناهُ اللغويّ الذي يُفسرُ بهِ. وبناءً على ذلكَ فإنّ كلمة المناطِ يرادُ بها الشيءُ المتعلّقُ به الحكمُ، فمناطُ الحكْمِ هو الشيءُ الذي عُلّقَ بهِ. ومعنى نِيطَ بهِ: جيءَ بالحكمِ لهُ، فالحُكْمُ مُتعلّقٌ بهِ.
تحقِيق المَنَاط
تحقيقُ المناطِ هو النظرُ في واقعِ الشيءِ الذي جاءَ الحكمُ لأجلهِ لمعرفة حقيقتهِ، أي أنّ الحكمَ الذي جاءَ قدْ عُرِفَ لدليلِهِ، وعُرِفَتْ علّتُهُ ولكنْ هلْ ينطبِقُ على هذا الشيء بذاتهِ أمْ لا؟
فالنظرُ في انطباقِ الحكْم المعروفِ دليلُهُ وعِلّتهُ على جزءٍ منَ الأجزاءِ، هو تحقيقُ المناطِ.
فالمناط هو الواقعُ الذي يُطبّقُ عليهِ الحكْمُ الشرعيّ، فإذا قلتَ الخمْرُ حرامٌ، فالحكْمُ الشرعيّ هو حرمةُ الخمْرةِ.
وتحقيقُ كونِ الشرابِ المعيّنِ خمْراً أمْ ليسَ بخمرٍ يتأتى الحكمُ بعدهُ بأنّهُ حرامٌ أو ليسَ بحرامٍ وهذا هو تحقيقُ المناط.
وإذا قلتَ المُحْدِثُ يجبُ عليهِ الوضوءُ للصلاةِ، فإنّ الحكمَ الشرعيّ وجوبُ الوضوءِ على المحدثِ قبلَ الدخولِ في الصلاةِ، فتحقيقُ كونِ الشخصِ مُحْدِثاً أو ليسَ بمحدثٍ هو تحقيقُ المنَاطِ.
وعلى هذا يكونُ تحقيقُ المناط هو إثباتُ الموضوعِ: خمْرٌ أو غير خمر، محدثٌ أم غير محدثٍ. حيثُ يأتي بعد إثباتِ الموضوعِ دورُ الحكمِ الشرعيّ المتعلّقِ بهِ أم لا.


مقاصد الشّريعةِ الإسلاميّة
قالَ الله تعالى في بعثةِ الرسولِ (ص): {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ *} [الأنبيَاء: 107] وقالَ في شأنِ القرآنِ الكريمِ: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [الإسرَاء: 82] فكونُ الرسولِ رحمةً، وكونُ القرآنِ شفاءً ورحمةً كلُّ ذلكَ يدلُّ على أنَّ الشّريعةَ جاءت رحمةً للعبادِ. إلاّ أنَّ كون الشّريعةِ جاءت رحمةً هُوَ النّتيجةُ الّتي تترتّبُ على الشّريعة وليس الباعثَ على تشريعِهَا، أيْ أنَّ الشّريعةَ رحمةٌ للنّاسِ هو غايةُ الشّارعِ الّتي يهدفُ إليهَا مِنْ تشريعِهَا، وليس السّببَ الّذي من أجلِهِ شُرِّعَتْ.
«والشّفاءُ والرّحمةُ» هو وصفٌ للشّريعةِ مِنْ حيث نتيجتُها وليس علّةً لتشريعِهَا، فالصّيغَةُ لا تدلّ على التّعليلِ، ولذلك تنتفي العليّةُ وتبقى الآياتُ على مدلولِهَا من حيثُ إنَّ حكمةَ الله من تشريعِ الشّريعةِ أنْ تكونَ رحمةً.
ولا يقَالُ إنَّ هذهِ الآياتِ قد عرّفتنا مقصودَ الشّارِعِ من الشّريعةِ كما عرّفتنا الآياتُ التي بيّنت علّةَ الشّريعةِ، ولذلك تكونُ علّةً للشّريعةِ، لا يُقالُ ذلك لأنّ هذهِ الآياتِ وإنْ عرّفتنا قصدَ الشّارعِ وهدفَهُ من تشريعِ الشّريعةِ ولكنّها لم تعرّفنا أنّها الدافعُ له لتشريعِهَا. فهناك فرقٌ بينَ الغايةِ وبينَ الدافعِ فالآياتُ عرّفتنا الغايَةَ ولكنّها لم تعرْفنا الدّافعَ، ولا توجدُ نصوصٌ تدلُّ على الباعثِ، أيْ على الدافعِ لا مِنَ القرآنِ ولا مِنَ السنّةِ، وإنّما هناكَ نصوصٌ تدلُّ على الغايةِ مِنَ الشّريعةِ. ومقاصدُ الشريعةِ هذه هِيَ مقاصدُ الشّريعةِ ككُلٍّ وليست هيَ مقاصدَ كلِّ حُكمٍ بعينهِ، فإنَّ الدليلَ الّذي دلَّ عليها واضحٌ فيه أنّ الرّحمةَ إنّما تنتجُ عن الشّريعةِ ككلّ لا عن كلِّ حكمٍ بعينِهِ إذ قالَ: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً} [الأنبيَاء: 107] أي أن الرِّسالةَ رحمةٌ، وقالَ: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ} [الإسرَاء: 82] و«مِنْ» هنا للبيانِ أيْ ننزّلُ القرآنَ شفاءً ورحمةً وليس معناها ننزّلُ بعضَ القرآنِ شفاءً ورحمةً، وبعضَهُ ليسَ كذلكَ. ولذلكَ نجدُ الشّارعَ في الوقتِ الّذي بيّنَ فيهِ مقاصدَ الشّريعةِ من حيثُ هِيَ ككلٍّ بيّنَ مقصدَهُ من شرْعِ بعضِ أحكامٍ بعينِهَا.
مقاصِدُ كُلِّ حُكْمٍ بعَيْنِه
الحجّ: أنْ يشهدَ الناسُ منافعَ لهمْ، قالَ تعالى: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ} [الحَجّ: 28].
الخمرُ والمَيْسِرُ: حتّى لا تحصلَ العداوةُ والبغضاءُ بينَ النّاسِ من الخمر والميسِرِ، قالَ تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسَرِ} [المَائدة: 91].
الريّاحُ: أنّها مبشّرةٌ بالمطرِ، قالَ تعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} [الفُرقان: 48].
إنقاذُ موسى مِنَ البحرِ: ليكونَ عدوّاً لآلِ فرعونَ، قالَ تعالَى: {فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا} [القَصَص: 8].
إمدادُ المسلمينَ بالملائكةِ: ليكونَ بشرى لهم، قالَ تعالَى: {وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ} [آل عِمرَان: 126].
خلقُ الموتِ والحياةِ: لابتلاءِ النّاسِ واختبارهِمْ، قالَ تعالَى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} [المُلك: 2].
الدّينُ: ليس المقصودُ منهُ التّضييقَ عَلَى النّاسِ بلْ ليطهّرهُمْ ويتمَّ نعمتَهُ عليهِمْ، قالَ تعالَى: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ} [المَائدة: 6] {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحَجّ: 78].
الصيامُ: فُرِضَ الصّيامُ على النّاسِ كَيْ تتكوَّنَ لديهِمْ إرادةٌ فيبتعدُوا عَنِ المحارمِ ويقومُوا بالواجباتِ أيْ كي يكونُوا أتقياءَ. قالَ تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ *} [البَقَرَة: 183].
الصّلاةُ: لكيْ تكونَ الناهيةَ لهمْ عَنِ الفحشاءِ والمنكرِ، قالَ تعالَى: {إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} [العَنكبوت: 45].
تحريمُ نكاحِ المرأةِ على عمَّتِهَا وخالتِهَا الخ: كي لا يَقْطَعَ النّاسُ أرحامَهُمْ، قالَ (ص): «لا تُنكَحُ المرأةُ على عمّتهَا ولا على خالتِهَا ولا علَى ابنةِ أخيهَا ولا على ابنةِ أختِها فإنّكُمْ إنْ فعلتُمْ ذلِكَ قطعتُمْ أرحامَكُمْ»(+) وهكذا بيَّنَ الشّارعُ مقصدَهُ من كثير من الأحكامِ، إلاّ أنَّ مقصدَهُ الّذي بيّنهُ هنا إنّما هو الغايةُ التي تنتجُ عنِ الحكمِ وليس الباعثَ على تشريعِهِ، يعني أنَّ حكمتَهُ تعالَى من تشريعِ هذا الحكمِ هو أنْ ينتجَ عنه كذا لِمَنْ يُطبّقُهُ.
ومقصودُ الشّارِعِ من الحكمِ هو غيرُ السّببِ الّذي من أجلِهِ شُرِّعَ الحكمُ، سواءٌ من حيثُ الصّيغةُ أو من حيثُ الواقعُ لكلٍّ منهما. أما الصِّيغة فإنَّ قولَهُ تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ *} [الذّاريَات: 56] وقولَهُ في الحجِّ: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ} [الحَجّ: 28] وقولَهُ في خلقِ الموتِ والحياةِ {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} [هُود: 7] وما شاكلَ ذلكَ لا تدلُّ صيغةُ آيةٍ من هذه الآياتِ على أنَّ الباعثَ على الخَلْقِ هو الاختبارُ من قبَلِ الله سبحانَهُ وتعالى، ولا أنَّ الباعثَ على تشريع الحجِّ هو أنْ يشهدَ الناسُ منافعَ لهُمْ، ولا أنَّ الباعثَ على خَلْقِ الجِنِّ هو عبادتُهُمْ للّهِ سبحانَهُ وتعالَى، بل تدلّ على أنَّ العاقبَةَ التي تحصلُ من هذا العمل هو كذا، أيْ نتيجةُ العملِ هي كذا، فما في هذهِ الآياتِ وأمثالِها ليس باعثاً وإنما هو الغايةُ أو النتيجةُ. فاللّهُ تعالى بيّنَ أنَّ مقصودَهُ من هذا هو أنْ تكونَ عاقبتُهُ كذا. وهذا بخلافِ الآياتِ الدَّالةِ على الباعثِ فإنّ صيغتَها تدلُّ على أنَّ ما جاءَتْ بهِ هو الباعثُ على الحكمِ والدافعُ لتشريعِهِ، فقولُهُ تعالى: {لِكَي لاَ يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ} [الأحزَاب: 37] وقولُهُ تعالى: {كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ} [الحَشر: 7] وقولُهُ سبحانه وتعالى: {لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُّمُ الأَيْمَانَ} [المَائدة: 89] فإنَّ كلَّ آيةٍ من هذهِ الآياتِ تدلُّ صيغتُهَا على أنَّ المذكورَ فيها هو الباعثُ على الحكمِ وليس هو غايةَ الحكمِ. فكونُهُ لا يكونُ متداولاً بين الأغنياءِ هو سببُ تشريعِ اللّهِ لهذا الحكمِ وليس هو مجردَ إخبارِ اللّهِ تعالى عن غايتِهِ من تشريعِ الحكمِ وكذلك عدمُ الحرجِ في أزواجِ الأدعياءِ في الآيةِ الأولى وتعقيدُ الأيمان في الآيةِ الثالثةِ كلّ منهما الباعثُ على تشريعِ الحكمِ وليس الغايةَ مِنْ تشريعِهِ.
هذا من حيثُ صيغةُ كلِّ آيةٍ من الآياتِ التي جاءت تبيّن السببَ الباعثَ على تشريعِ اللّهِ لهذا الحكمِ. أما من حيثُ الواقعُ لكلٍّ من الغايةِ والباعثِ فهو أنَّ الغايةَ هي حكمةُ اللّهِ وهي النتيجةُ التي يمكنُ أن تنتجَ عن هذا الحكمِ، بخلافِ الباعثِ فإنّهُ ليس النتيجةَ وإنما هو سببُ التشريعِ، فهو موجودٌ قبل الحكمِ ومعه وليس هو نتيجةً له. فاللّهُ سبحانَهُ وتعالَى حينَ يقولُ ما يدلُّ على أنَّ غايتَهُ من شرعِ الحكمِ هِيَ كَذَا يكونُ معنَى هذا القولِ بيانَ مقصدِهِ لا بيانَ سببِ تشريعِهِ، وحينَ يقولُ ما يدلُّ على أنَّ سببَ تشريعِ هذا الحكمِ هو كذا يكونُ معنى هذا القولِ بيانَ الشّيءِ الذي من أجلِهِ شرعَ الحكمَ، وهناك فرقٌ كبيرٌ بين بيانِ السّببِ وبين بيانِ الغايَةِ.
هذا من جهةٍ، ومن جهةٍ أخرى فإنّهُ ليس معنَى أنْ يبيّنَ الله حكمتَهُ من تشريعِ حكمٍ ما، هو أنَّ هذه الحكمةَ أي الغايةَ لا بدَّ أن تتحقّقَ، بل قد تتحقّقُ وقد لا تتحقّقُ. فإذا بيّنَ الله سبحانَهُ وتعالَى حكمتَهُ من تشريعِ حكمٍ فلا يعني أنّه يجب أن يتحقّقَ مقصدُ اللّهِ الكريمِ من الحُكمِ، بل معناه فقط أنَّ مقصدَهُ من الحكمِ هو أنْ ينتجَ عنه كذا. ولهذا قد تتحقَّقُ حكمةُ اللّهِ تعالَى من الحكمِ وقد لا تتحقّقُ. فمثلاً قولُهُ تعالى: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ} [الحَجّ: 28] والمشاهَدُ المحسوسُ أنَّ الألوفَ من النّاسِ حجّوا ولم يشهدُوا أيَّ منفعةٍ لهم. وآيةُ الخمرِ والقمارِ فإنّ كثيرينَ من ندامَى الخمرِ ومن المقامرينَ لم يُوقعِ الشّيطانُ بينهُمُ العداوةَ والبغضَاء، ويقولُ الرّسولُ (ص): «صوموا تصحّوا»(+) وكثيرون من الناسِ صاموا ولم يصحّوا بل كثيرٌ من الناسِ إذا صامَ تضرّرت صحّته. وهذا يدلّ على أن مقصودَ اللّهِ سبحانَهُ وتعالَى من أمرٍ يخبرُ عنه أو حكمٍ يشرّعُهُ ليس ضرورياً بأن يتحقَّقَ؛ بل هو إخبارٌ من اللّهِ تعالى عن مقصدِهِ هذا، لا إخبارٌ بأنّه يجبُ أن يتحقَّقَ هذا. فلا يصحُّ أنْ يجعلَ مقصودُ الشارع هذا باعثاً على الحكم فلا يكون علّةً له بل هو بيانٌ لحكمةِ اللّهِ سبحانَهُ من الحكمِ. ولو جازَ أنْ يكونَ مقصودُ الشّارعِ هذا في هذهِ الآياتِ باعثاً على الحكمِ أيْ علّةً شرعيّةً لكانَ إيقاعُ العداوةِ والبغضاءِ هو علّةَ تحريمِ الخمرِ والميسرِ، فإذا وُجدَتْ حُرما وإلا فلا، ولكانتِ الصحّة هي علةَ الصّيامِ فإذا وُجِدَتْ شُرّعَ وإلاّ فلا، ولكانَ شهودُ المنافعِ هو علّةَ الحجِّ فإن وُجِدَتْ وُجِدَ وإلاّ فلا وهكذا.. وهذا غيرُ صحيحٍ. ولذلكَ لا يكونُ مقصودُ الشّارعِ من الحكمِ أي غايتهُ باعثاً على الحكمِ وإنما هو حكمةُ الله من الحكمِ والنتيجةُ التي تحصلُ من تطبيقِه. وعلَى ذلك فإنَّ مقاصدَ اللّهِ سبحانه من الأحكامِ التي بيّنَ غايتَهُ من تشريعِهَا هي حكمُ اللّهِ عزَّ وجلَّ من هذهِ الأحكامِ ولست عللاً لها، ولذلك لا يقاسُ عليهَا ولا يقاسُ على المعاني التي جاءت فيها. وهي خاصّةٌ في كلِّ حكمٍ بعينهِ ولا تتعداهُ. وقد تحصلُ وقد لا تحصلُ، ولا علاقةَ لها بالعللِ الشّرعيّةِ، ولا بالقياس، بل هي حكمةُ الله من الحكمِ.
وممّا يجبُ أنْ يُعلَمَ أنَّ حكمةَ اللّهِ من الحكمِ هي مقصدُهُ هو من تشريعِهِ وغايتُهُ منه، فلا بدَّ أن يبيّنها الشّارعُ نفسُهُ حتى يُعرفَ أنّها غايتُهُ. وهي لا تُعتبرُ مقاصدَ شرعيّةً حتى يأتي بها نصٌّ شرعيٌّ يأتِي بهِ الوحيُ من عندِ اللّهِ تعالَى، إمّا لفظاً ومعنى، وإما معنى، والرسول (ص) يعبِّر عنه، فإذا لم يأتِ بها نصٌّ قد جاءَ بهِ الوحيُ فلا يجوزُ أن تُعتبرَ من المقاصدِ الشرعيّةِ أيْ من حكمِ الله تعالَى. لأنّ معنى كونِهَا مقصودَ اللّهِ وحكمتَهُ من الحكمِ أو مِنَ الشّريعةِ هو أنّه تعالَى هو الّذي قصدَهَا ويستحيلُ عقلاً وشرعاً الاطّلاعُ على حكمةِ اللّهِ إلا إذا أطلَعَنَا الله تعالَى عليها بنصٍّ بواسطةِ الوحيِ. ولذلك يتحتّمُ أن يأتيَ بها نصٌّ جاءَ بهِ الوحيُ من الله عَزَّ وَجَلَّ.
ومن ذلك كلِّهِ يتبيّنُ أنَّ المقاصدَ الشرعيّةَ، أيّاً كانت، هي الغايةُ من تشريعِ الحكم، أي هي النتيجةُ التي يمكنُ أن توجدَ منه. ومهما يكنْ من أمر هذه النّتيجةِ فإنّها ليست علّةً شرعيّةً، وإنما هي إخْبارٌ من اللّهِ تعالى. فتكونُ من قبيلِ الإخبار بأشياءَ لا بأحكامٍ، فتأخذُ في النّصوصِ الشّرعيةِ حكمَ القصصِ والأخبارِ والمواعظِ والإرشاداتِ ولا يصحّ أن تكونَ غيرَ ذلكَ، فلا تدخلُ في التّشريعِ ولا في استنباطِ الأحكامِ..


الاسْتِدلال
أمّا معناهُ، في اللغةِ، فهوَ استفْعالٌ من طلبِ الدليلِ، والطريقُ المُرْشِدُ إلى المطلوبِ. وأمّا في اصطلاحِ الفقهاءِ، فإنّهُ يُطلَقُ تارةً على الدليلِ سواءٌ كانَ نصّاً أو إجماعاً أو غيرَهُ، وتارةً على نوعٍ خاص منْ أنواعِ الأدلّةِ فيما ظُنّ أنّهُ دليلٌ صحيحٌ وليس كذلكَ، وهو أربعةُ أنواعٍ:
النوعُ الأولُ: شُرّعَ لغيرِنا لا لَنَا، أي شرعُ من قبلنا ليس شرعاً لنا.
والدليلُ على ذلكَ:
1 ـ أنّ النبيّ (ص) لمَّا بعثَ معاذاً إلى اليمن قاضياً سألهُ: بِمَ تحكم؟ قالَ: بكتابِ اللّهِ. قالَ: فإنْ لمْ تجِدْ؟ قالَ: بسنّةِ رسولِ الله. قال: فإنْ لمْ تجدْ؟ قال: أجتهدُ برأيي. ولم يذكُرْ شيئاً منَ كتبِ الأنبياءِ الأولينَ وسنَنِهِمْ. والنبيّ (ص) أقَرّهُ على ذلكَ ودعا لهُ وقال: «الحمدُ الله الذي وفّقَ رسولَ رَسولِ الله لما يحبّهُ الله ورسولهُ».
2 ـ لو كانَ النبيّ (ص) متعبّداً بشريعةِ مَنْ قَبْلَهُ، لوجَبَ على النبيّ مراجَعَتُها وأنْ لا يتوقَّفَ على نزولِ الوحيِ في أحكامِ الوقائعِ التي لا تخلو الشرائعُ الماضيةُ منها، ولوَجَبَ أيضاً على الصحابةِ بعدَ النبيّ مراجعتها، والبحثُ عنها، والسؤالُ لناقِليها عندَ حدوثِ الوقائعِ المُخْتَلَفِ فيها فيما بينهمْ، كمسألةِ الحدِّ والعولِ وحدِّ الشربِ وغير ذلك، كمراجعةِ الأخبارِ النبويّةِ في ذلكَ.
وبما أنّهُ لمْ يُنْقَلْ شيءٌ منْ ذلكَ، عُلِمَ أنّ شريعةَ مَنْ تَقَدّمَ لا يَتَعَبّدُ بها إلاّ مَنْ شُرِّعَتْ لهم.
3 ـ لو كانَ متعبّداً باتباعِ شرعِ مَنْ قَبْلَهُ إمّا في الكلِّ أو البعض، لما نَسِبَ شيءٌ منْ شرعنا إليهِ على التقدير الأوّلِ، ولا كلّ الشرعِ إليه على التقديرِ الثاني، كما لا ينْسَبُ شرعهُ عليهِ السلامُ إلى مَنْ هو متعبَّد بشرعهِ من أُمّتهِ، وهو خلافُ الإجماعِ منَ المسلمينَ.
4 ـ إجماعُ المسلمينَ على أنّ شريعةَ النبيّ (ص) ناسِخَةٌ لشريعةِ مَنْ تَقَدّمَ. فلو كانَ مُتَعَبّداً بها لكانَ مُقَرِّراً لها ومُخْبِراً عنها لا ناسِخاً لها ولا مُشَرِّعاً.
النوعُ الثاني: مذهبُ الصحابةِ ليسَ منَ الأدلّةِ الشرعيّةِ. اتفق الكل على أن مذهب الصحابيّ في مسائل الاجتهاد لا يكون حجة على غيره من المجتهدين إماماً كان أو حاكماً أو مفتياً.
ويدلّ على ذلك ثلاثةُ أُمورٍ:
1 ـ قولهُ تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النِّسَاء: 59] فقد أوجبَ الرّدّ عندَ الاختلاف إلى اللّهِ والرسولِ، فالرّدّ إلى مذهبِ الصحابيّ تَرْكٌ للواجبِ وهو ممتنعٌ.
2 ـ اجتمعتِ الصحابةُ على جوازِ مخالَفَةِ كلِّ واحدٍ من آحادِ الصحابةِ المجتهدينَ للآخرِ، ولو كانَ مذهبُ الصحابةِ حُجّةً لما كانَ هذا الإجماعُ كذلكَ، وكانَ الواجبُ على كلِّ واحدٍ منهم اتباعَ الآخرِ وهو محالٌ.
3 ـ الصحابيُّ المجتهِدُ مُعَرّضٌ للخطإ، وإذا تبيّنَ للمجتهِدِ التّابع خطؤهُ، فلا يجوزُ لهُ متابعتهُ على الخطإ ولو كانَ صحابيّاً.
النوعُ الثالث: الاستحسان.
الاستحسانُ قدْ يُطْلَقُ على ما يميلُ إليهِ الإنسانُ ويهواهُ من الصّوَر والمعاني، وإن كانَ مستقبحاً عندَ غيرِهِ. وهو في اللغةِ استفْعالٌ من الحسنِ. والخلافُ ليسَ قائماً على ذلكَ، لاتفاقِ الأمّةِ على امتناعِ حكم المُجْتَهِدِ في شَرْعِ اللّهِ تعالى بشهواتهِ وهواهُ من غيرِ دليلٍ شرعيٍّ.
وإنما الخلافُ فيما وراءَ ذلكَ.
وقد اختلفَ أصحابُ أبي حنيفةَ على تعريفهِ بحدّهِ:
فمنهُمْ مَنْ قالَ: إنّهُ عبارةٌ عن دليلٍ ينقدحُ في نَفْسِ المجتهِدِ لا يَقْدِرُ على إظهارِهِ، لعدمِ مساعدَةِ العبارةِ لهُ. ومنهُمْ مَنْ قالَ: إنّهُ قَطْعُ المسألةِ عن نظائرها لما هُوَ أَقْوَى. الخ..
والوجهُ في الكلامِ عليهِ أنّ ما يُتَرَدّدُ فيهِ بينَ أنْ يكونَ دليلاً محقّقاً أو وهْماً فاسداً، فلا خلافَ في امتناعِ التمسّكِ بهِ، وإن تحقّقَ أنّهُ دليلٌ منَ الأدلّةِ الشرعيّةِ، فلا نزاعَ في جوازِ التمسّكِ بهِ أيضاً، وإنما النزاعُ في تخصيصِهِ باسمِ الاستحسانِ عندَ العجزِ عنِ التعبيرِ عنهُ.
ومنهمْ مَنْ قالَ: إنّهُ عبارةٌ عنِ العدولِ عنْ موجبِ قياسٍ إلى قياسٍ أقوى منهُ، ويخرُجُ منَ الاستحسانِ عندهمْ بالعدولِ عنْ موجبِ القياسِ إلى النصِّ منَ الكتابِ أوِ السنّةِ أوِ العادةِ.
1 ـ أمّا الكتابُ فكما في قولِ القائلِ: مالي صَدَقَةٌ، فإنّ القياسَ لزومُ التصدّقِ بكلِّ مالهِ. وقد استُحْسِنَ تخصيصُ ذلكَ بمالِ الزّكاةِ، كما في قولهِ تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} [التّوبَة: 103].
2 ـ وأمّا السنّةُ فكاستحسانهِمْ أن لا قضاءَ على مَنْ أَكَلَ ناسياً في نهار رمضانَ، والعدولُ عن حُكْمِ القياسِ إلى قولهِ عليهِ السلامُ لِمَنْ أكلَ ناسياً: «الله أطْعَمَكَ وأسقاكَ».
3 ـ وأمّا العادةُ فكالعدولِ عنْ موجبِ الإجاراتِ في تَرْكِ تقديرِ الماءِ المُسْتَعْمَلِ في الحمّامِ وتقديرِ السكنى فيهِ ومقاديرِ الأجْرَةِ.
النوعُ الرابع: المصالح المرسلَة.
وهيَ المُعَبّرُ عنْها بالمناسباتِ المُرسَلَةِ. وقدِ اتفقَ الفقهاءُ على امتناعِ التمسّكِ بها وهو الحقّ، إلاّ ما نقلَ عنِ الإمام مالكٍ رضيَ الله عنهُ أنّه يقولُ بها، معَ إنكارِ أصحابهِ لذلكَ عنهُ.
وَإذا صحّ النّقْلُ عنهُ، فالمفروضُ أنّهُ لمْ يقُلْ بذلكَ في كلِّ مصلحَةٍ، بل فيما كانَ منَ المصالحِ الضروريّةِ الكليّةِ الحاصلَة قطعاً، لا فيما كان منَ المصالحِ غيرَ ضروريٍّ أو كليٍّ أو كانَ وقوعُهُ غيرَ قطعيّ. وذلكَ كما لو تَتَرّس الكفّارُ بجماعةٍ منَ المسلمينَ بحيثُ لوْ كَفَفْنَا عنهُمْ لغلبَ الكفّارُ على دارِ الإسلامِ، واستأصلُوا شَأفَةَ المسلمينَ، ولو رمَيْنا الترْسَ وقتلناهمْ لاندفَعَتِ المفسَدَةُ عنِ المسلمينَ كافّةً بالتأكيدِ، ولكنْ يلزَمُ منْ ذلكَ قَتْلُ مسلمٍ لا جريمةَ لهُ. فالقتْلُ وإن كانَ مناسباً في هذهِ الصورةِ، والمصلحَةُ ضرورية كليّة قَطْعيّاً، ولكنْ لم يظهرْ منَ الشارعِ اعتبارُها، ولا إلغاؤها في صورةٍ منَ الصوَرِ.
ومثل قول رسولِ اللّهِ (ص): «البيّنَةُ على المدّعي واليمينُ على مَنْ أنكر»(+) يرونَ أنّهُ لوِ ادّعى أحدٌ على آخرَ مالاً وعجزَ عنِ الإثباتِ، وطَلَبَ تحْليفَ المدّعَى عليهِ اليمين، فإنهُمْ لا يُوجِبونَ تحليفَ المُدّعى عليهِ، إلاّ إذا كانَ بينَهُ وبينَ المدّعي علاقةٌ، حتى لا يَتَجَرّأ السفهاءُ على الفضلاءِ فيدفعوهمْ إلى المحاكمِ بدعاوى كاذبةٍ.


القَواعِد الكليّة
هيَ الحكمُ الكليّ (المنطبقُ على جزئيّاته).
أمّا كونها حكماً فلأنها مستنبطة منْ خطابِ الشَّارعِ؛ فهيَ مدلولُ ذلكَ الخطابِ نفسِه. وأما كونُهُ كُلِّيّاً فلأنّهُ لم يُنْسبْ إلى لفظٍ من ألفاظِ العموم، حتى يُقَالَ عنِ القاعِدَةِ إنها حُكْمٌ عامّ كقوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} [البَقَرَة: 275] فإنّهُ مُنطبقٌ على جميعِ أنواع البيْعِ، فهو حكمٌ عامّ، أو كقوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المَائدة: 3] ينطبقُ على كلّ ميتة فهو حكمٌ عامّ، بلِ القاعدةُ هي الحكم الكليّ الذي يكونُ قاعدةً كليّةً وهو نسبةُ حكمٍ إلى لفظٍ مِنَ الألفاظِ الكليّة ولذلك قيل عنه: كليّ.
وبناءً على ذلك يكونُ كلّ حكم داخل تحتَ مدلولِ هذا اللفظ جزئيّاً من جُزئيّات الحكمِ الكليّ لا فرداً من أفراده كقاعِدة «الوسيلة إلى الحرام حرَامٌ» وقاعدِة «ما لا يتمّ الواجبُ إلا به فهو واجبٌ» ففي هذه القواعد لم يُنْسَب الحكمُ الشرعيّ ـ وهو الحرمةُ ـ إلى لفظٍ عامٍّ مثل «الميتةُ حرامٌ» بل إلى قاعدة كلية.
ومثلهُ البيعُ مباحٌ وإنما نُسِبَ إلى لفظٍ كليٍّ.
والقواعدُ الكليّةُ تُسْتَنْبَطُ من النصّ الشرعيّ كاستنباط أيّ حكم شرعيّ سواءٌ بسواء، كان ذلك من دليل واحدٍ، أو من عِدّةِ أدلّة، إلا أنّ الدّليلَ فيها يتضمّنُ معنى بمثابةِ العِلّةِ، أو يتضمّنُ عِلّةً، وهذا هو الذي يجعلُهُ مُنْطَبِقاً على جميع جُزئيّاته كقاعدة «الوسيلةُ إلى الحرامِ حرامٌ».
فإذا لُوحِظَتْ أدلّتُها تبيّنَ أن الدليلَ يدلّ على الحكم ويدلّ على شيء آخرَ مُرَتّبٍ عليه أو ناتج عنه، فيظهرُ حينئذٍ أنهُ بمثابةِ العِلّةِ فقوله تعالى ـ مثلاً ـ {وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعَام: 108] فالفاء في «يسبوا» أفادَتْ أنّ سبّهم للّهِ ناشىءٌ عن سبّكم ما يعبدونَ من دونِ الله، فأفادَتْ هذا المعنى جُمْلَةُ «ما يسبب» مسبّةَ اللّهِ، وهي حرام. فكأنها كانت عِلّةً، فالنهيُ عن مسبّةِ الذين كَفَرُوا هو دليلُ الحكم، وقد دلّ إلى جانب دلالَتِهِ على الحكم، على شيء آخرَ مرتّبٍ عليه حين قال «فيسبوا الله» فاسْتُنْبِطَتْ من هذه الآيةِ قاعدةٌ «الوسيلةُ إلى الحرام حرام».
قاعدة الاستِصحاب
المرادُ بالاستصْحابِ استصحابُ الحالِ، وقد عرّفهُ علماءُ الأصولِ بأنّهُ عبارةٌ عن الحكم بثبوتِ أمرٍ في الزّمانِ الثّاني بناءً على ثبوتِهِ في الزّمان الأوّلِ أيْ هو ثبوتُ أمرٍ في الزمنِ الحاضرِ بناءً على ثبوتِهِ فيما مضى. فكلُّ أمر ثبتَ وجودُهُ ثم طرأَ الشكُّ في عدمِهِ فالأصلُ بقاؤهُ. فَمَنْ تزوّج فتاةً على أنّها بكرٌ ثم ادّعى بعدَ الدخول عليها أنّهُ وجدَها ثيّباً لم يصدقْ إلاّ ببيّنةٍ، لأن الأصلَ وجودُ البكارةِ لأنّها ثابتةٌ من حينِ نشأتِها، فوجودُها بكراً يستصحبُ ويحكمُ بأنها بكرٌ في الزمنِ الحاضرِ.
وهو في جميعِ الأمورِ استصحابُ الأصلِ، حتى يقومَ الدّليلُ على خلافه. والاستصحابُ ليس دليلاً شرْعيّاً، وإلا لاحتاجَ إثباتُهُ إلى حُجّةٍ قطعيّةٍ ولم تقمْ عليه حُجّةٌ قطعيّةٌ وإنما قاعدَةٌ شرعيّةٌ، أي حُكْمٌ شرعيٌّ فيكفي الدليلُ الظنيّ.
والدليلُ على أنّ الاستصحابَ قاعدةٌ شرعيّةٌ ثلاثةُ أُمورٍ:
1 ـ أنّ الرسولَ (ص) قال: «نحنُ نحكمُ بالظاهرِ» ، فإنّهُ وإن كان على صيغةِ الخبرِ، لكنّ المرادَ بهِ الأمرُ، فكأنّهُ قالَ: احكموا بالظاهرِ. والأمرُ بالظّاهرِ ما ثبتَ من حكمٍ في الزمنِ الماضي سواءٌ كانَ الوجودَ أو العدمَ، وسواءٌ كانَ الحلّ أو الحرمةَ، فإنّ هذا هو الظاهرُ منهُ وذلكَ مما لا خلافَ عليهِ.
فالحكْمُ يجبُ أنْ يكونَ بهذا الظاهرِ، فإذا ادّعِيَ خلاف الظاهرِ، فلا بدّ منْ دليلٍ يدلّ على هذا الادعاءِ، وإلا بقيَ ما كانَ عليهِ الشيءُ في الزمَنِ الماضي محلّ الحكمِ، أي يبقى ما عليهِ الظاهرُ محلّ الحكمِ بالحديثِ.
2 ـ إنّ الإجماعَ منْعَقِدٌ على أنّ الإنسانَ، إنْ شكّ في وجودِ الطهارة ابتداء، لا تجوزُ لهُ الصلاةُ، ولو شكّ في بقائها جازَتْ. وهذا هو عينُ الاستصحابِ، إذ قد اسْتُصْحِبَ عدم الطهارة الثابتةِ في الابتداءِ قطعاً.
فقطعَتْ هذهِ الحالُ الشكّ بإيجادِها وعدمه، واستصحبَتْ حالةُ الطّهارَةِ الثابتُ وجودُها قطعاً، فقطعت هذه الحالةُ الشكّ بإزالتها وبقائها.
وهذا يعني استصحابَ الحالِ، فاستنبطَ من ذلكَ أنّ ما كانَ ثابتاً قطْعاً لأمْرٍ يحكمُ بثبوتهِ لهُ حتى يقومَ الدليلُ على خلافهِ، لأنّ الحكمَ الذي جرى الإجماعُ عليهِ يدلّ على ذلك.
3 ـ إذا ما ثبتَ في الزمانِ الأوّلِ وجودُ أمرٍ أو عدمهِ، ولمْ يظهرْ زوالهُ لا قطْعاً ولا ظنّاً، فيلزمُ بالضرورةِ أن يحصُلَ الظنّ ببقائِه، كما كانَ والعملُ بالظنِّ واجِبٌ.
فما تحقّقَ وجودُهُ أو عدمُهُ في حالةٍ منَ الأحوالِ يستلزِمُ ظنّ بقائهِ. والظنّ حجّةٌ متّبَعَةٌ في الشرعيّاتِ إذ الأحكامُ الشرعيّةُ مبنيّةٌ على غَلَبَةِ الظنِّ، وهذه القاعدةُ حكمٌ شرعيّ، فيكفي فيها غَلَبَةُ الظنِّ. وعليهِ فإنّ ما ثَبَتَ ولمْ يظهرْ زوالهُ ظُنّ بقاؤهُ.
قَاعِدة الضرَر
قاعدة الضرر تشملُ أمرين:
1 ـ أحدهما: أن يكونَ الشيءُ ضارّاً، ولم يرِدْ في خطابِ الشارعِ ما يدلّ على طلبِ فِعْلِهِ، أو طَلَبِ تَرْكِهِ أوِ التخييرِ فيهِ، فيكونُ كونهُ ضارّاً دليلاً على تحريمهِ، لأنّ الشارعَ حَرّمَ الضررَ، وقاعدتُهُ «الأصلُ في المضارّ التحريمُ».
2 ـ ثانيهما: أنْ يكونَ الشارعُ قد أباحَ الشيءَ العامّ، ولكن وجدَ في أحدِ أفرادِ ذلك المباحِ ضرراً، فيكونُ كونُ ذلكَ الفرْدِ ضارّاً أو مؤدياً إلى ضررٍ دليلاً على تحريمِهِ، لأن الشارعَ حَرّمَ الفردَ من أفرادِ المباحِ، إذا كانَ ذلك الفردُ ضارّاً، أو مؤديّاً إلى ضرَرٍ، وقاعدته «كلّ فردٍ من أفراد المباحِ إذا كانَ ضارّاً أو مؤدّياً إلى ضررٍ حُرّمَ ذلكَ الفرْدُ وظلّ الأمرُ مباحاً».
أمّا بالنسبةِ للقاعدةِ الأولى فالدليلُ قولهُ عليهِ الصلاةُ والسلام: «لا ضرَرَ ولا ضِرار في الإسلامِ»(+) وقال: «من ضارّ أضرّ الله بهِ ومن شاقّ شاقّ الله عليهِ»(+). وهذه الأحاديثُ دليلٌ على أنّ القاعدةَ: «الأصلُ في المضارِّ هيَ من القواعدِ الشرعيّةِ».
وأمّا بالنسبةِ للقاعدةِ الثانيةِ فإنّ دليلَها حديثٌ «لا تشربوا من مائِها شيئاً ولا تتوضّأوا منهُ للصلاةِ، وما كانَ من عجينٍ عجنتموه فاعلفوهُ الإبلَ ولا تأكلوا منهُ شيئاً، ولا يخرُجَنّ أحَدٌ منكمْ الليلةَ إلاّ ومعهُ صاحبُهُ». فوجودُ الضرَرِ في بئرِ ثمود حرّمَ ماءهُ فقط، ولكن كلّ الماءِ مباحٌ ووجودُ الضررِ في خروجِ الشخصِ منفرداً في تلكِ الليلةِ، ومن ذلكَ المكانِ حرَّمَ خروجُهُ مُنْفَرِداً في الليلةِ نفسها. ولكن ظلّ خروجُ الشخصِ منفرداً مباحاً في بقيّةِ الأماكنِ.
وجودُ الضررِ، إذاً، لم يحرّمْ ما أباحَهُ الشّرْعُ، وإنما وجودُ الضررِ في ماءٍ معينٍ أو ليلةٍ معيّنَةٍ يحرّمُ ما حُرّمَ فقطْ، ولكنْ يظلّ الأمْرُ مباحاً بالنسبةِ للبقيّةِ سواءٌ كانَ فعلاً أو شيئاً.
هذا إذا كان الفرْدُ المباحُ مضرّاً. أمّا إذا كانَ يؤدي إلى ضرَرٍ فالدليلُ عليهِ ما روي أنّ رسولَ الله (ص) أقامَ بتبوك بضعَ عشرةَ ليْلَةً لم يجاوزها ثمّ انصرفَ إلى المدينةِ، وكانَ في الطريقِ ما يخرُج من وشلٍ يروي الرّاكب والرّاكبين والثلاثةَ بوادٍ يقالُ لهُ: «وادي المشقق»، فقالَ رسولُ الله (ص): «من سَبَقَنَا إلى ذلكَ الوادي فلا يَسْتَقِينّ منهُ شيئاً حتى نأتيَهُ»، فَسَبَقَهُ إليه نَفَرٌ منَ المنافقينَ فاستَقوا ما فيهِ، فلمّا أتاهُ رسولُ الله (ص) وقفَ عليهِ، فلمْ يرَ فيهِ شيئاً، فقالَ: «مَنْ سَبَقَنَا إلى الماءِ هذا؟»، فقيلَ لهُ: يا رسولَ الله، فلان وفلان، فقالَ: «أوَ لمْ أُفْهِمْهُمْ أنْ لا يستقوا منهُ شيئاً حتى آتيَهُ؟ ثم لعنهُمْ رسولُ الله (ص) ودعا عليهم». ففي هذا الحديث حرّمَ الرسولُ شُرْبَ ذلكَ الماءِ القليلِ، لأنّهُ يؤدّي إلى ظمإ الجيشِ. فالاستقاءُ منَ الماءِ مباحٌ والاستقاءُ منْ ذلكَ الماءِ في ذلكَ الوادي ليسَ فيه ضررٌ. ولكنّ الاستقاءَ منهُ قَبْلَ حضورِ الرّسولِ وتقسيمهِ بينَ الجيشِ أدى إلى حرمانِ الجيش، أي إلى ضررٍ.


الاصطِلاح والتقديرُ والعُرف
الاصطلاحُ هو اتفاقُ جماعةٍ على إطلاقِ اسمٍ معيّنٍ على شيءٍ معيّنٍ، ومن ذلكَ اللغاتُ والاصطلاحاتُ الخاصّةُ، كاصطلاحِ أهْلِ النحوِ وأهلِ الطبيعيّاتِ أو اصطلاح قريةٍ أو قطرٍ أو ما شاكلَ ذلكَ.
التقدير: هو التقديراتُ التي يتواضَعُ الناسُ على اعتبارها كالأسعارِ والأجورِ ومقدارِ النفقاتِ والمهورِ وما شاكلَ ذلكَ.
العرف: العرفُ في اللغةِ بمعنى المعرفةِ، وبمعنى الشيءِ المعروفِ أي المألوف والمستحسنُ ومنهُ قولهُ تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ} [الأعرَاف: 199] أي بالجميلِ منَ الأفعالِ، ويطلقُ العرفُ ويرادُ بهِ العادَةُ المنتشرةُ بينَ جماعةٍ معيّنَةٍ. والعرفُ في الأعمالِ لا في الألفاظِ ولا في التقديراتِ للأشياءِ.


التعادُل وَالترجيحُ
إذا تعارضتِ الأدلّةُ ولم يكن لبعضِها مزيةٌ على البعضِ الآخر فإنّ هذا يُقالُ له التعادل. وإن كان لبعض الأدلّة مزيةٌ على البعضِ الآخرِ يقالُ له الترجيح. والترجيحُ في اللّغة التمييلُ والتغليبُ، وفي اصطلاحِ الأصوليينَ تقويةُ أحدِ الدليلينِ عل الآخرِ ليُعْمَل به.
والترجيحُ يختصّ بالأدلّة الظنيّةِ، أي بخَبرِ الآحاد ولا يَقَعُ في القطعيّاتِ وقولهُ (ص) الذي يدلّ على الترجيحِ: «ألا أُخْبركمْ بخيرِ الشهودِ؟» فقيلَ: نعمْ. فقال: «أنْ يشهدَ الرجلُ قبْلَ أنْ يستشهدَ»، فإنّهُ معارضٌ لقولهِ (ص): «ثمّ يفشو الكذبُ حتى يشهدَ الرجلُ قبلَ أن يستشهدَ»(+) فيُحملُ الأوّلُ على حقِّ اللّهِ تعالى، والثاني على حقِّ الإنسانِ.
الدليلُ النافي للحدِّ مُرَجّحٌ على الدليلِ المُثْبتِ له، فإذا وُجِدَ دليلان أحدهما ينفي الحدّ، والآخر يثبتُهُ بوضوح، يُرَجّحُ الدليلُ النافي. والدليل على ذلكَ ثلاثةُ أُمورٍ:
1 ـ قولهُ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: «ادرأُوا الحدودَ بالشبهاتِ»(+).
2 ـ إنّ الحدّ ضررٌ والرسولُ عليهِ السلامُ يقولُ: «لا ضررَ ولا ضرار»(+).
3 ـ قولهُ (ص): «لأن يُخْطىء في العفوِ خيرٌ منْ أنْ يُخْطىءَ في العقوبةِ»(+).


تكاليف الشريعة ترجع إلى حفظِ مقاصِدِهَا في الخلق
وهذهِ المقاصدُ تنقسمُ إلى ثلاثةِ أقسامٍ:
1 ـ ضروريّة.
2 ـ حاجية.
3 ـ تحسينيّة.
فالأولى لا بدّ منها في قيامِ مصالحِ الدينِ الضروريّةِ، وإذا فُقِدَتْ لم تَستَقِمْ مصالحُ الدين والدنيا. ومجموعُ الضروريّاتِ ثمانية وهيَ:
حفظ الدين: حدُّ المرتدّ، والنفس: عقوبة قتلِ العمدِ، والنسل: حد الزنا، والمال: حد السرقة، والعقل: حد شاربِ الخمر، الكرامة الإنسانية: حدُّ القذفِ، والمحافظة على الدولة: حدُّ أهلِ البغي، والمحافظة على الأمن: حد قطّاعِ الطرقِ.
الحاجيات
الحاجيّاتُ ما يُفْتَقَرُ إليهِ في رفْعِ الضيقِ المؤدّي في الغالبِ إلى الحرَجِ والمشقّةِ اللاحقةِ بفوتِ المطلوبِ، وهيَ جاريةٌ في العباداتِ والعاداتِ والمعاملاتِ والجناياتِ.
والرّخَصُّ المخفّفَةُ بالنسبةِ إلى لحوقِ المشقّةِ والمرضِ والسفر في العباداتِ وإباحةِ الصيدِ والتمتّعِ بالطيّباتِ مما هو حلالٌ في العاداتِ.
والقراض والمساقاةُ والسّلمُ في المعاملات.
والحكمُ بالقسامةِ وضرب الديةِ على العاقلةِ في الجناياتِ.
التحسِينات
ومعناها الأخْذُ بما يليقُ منْ محاسنِ العاداتِ، وتجنّبُ الأحوالِ المدنّسَةِ التي تأنَفُها العقولُ الرّاجِحَةُ، ويجمعُ ذلكَ قسْمُ مكارم الأخلاقِ، وهي جاريةٌ في العبادات والعاداتِ والمعاملاتِ والجناياتِ. ففي العباداتِ، كإزالةِ النجاسةِ، والطهاراتِ كلّها، وستْرِ العَوْرَةِ، والتقرّبِ بالنوافلِ والخيراتِ من الصدقاتِ والقرباتِ، وفي العاداتِ، كآدابِ الأكْلِ والشرْبِ ومجانَبَةِ المآكِلِ النجِسَةِ والمُسْتَخْبَثَاتِ والإسرافِ والإقتارِ، وفي المعامَلاتِ، كالمنْعِ في بيْعِ النجاساتِ وفضلِ الماء والكلإ.
وفي الجناياتِ، كمنْعِ قَتْلِ النساءِ والصبيانِ والرهبانِ في الجهادِ.
إن الشريعة لا تدلّ على المصالحِ، وإنما كانت المصالح غايةً قصدها الشارعُ من تشريعِ الشريعَةِ ككلّ. أمّا بالنّسبةِ لكلِّ حكمٍ بعينهِ فقد يحقّق وقد لا يحقّق، وقد يتحقّقُ من التمسّك به وحده ضررٌ للمسلم يُشاهدُ عياناً. فمثلاً في مجتمعٍ رأسماليٍ كالمجتمع في البلادِ الإسلاميّةِ في هذه الأيّام يُشاهدُ أنّ الرّبا وهو حرامٌ بالنصّ القطعيّ صار جزءاً من حياةِ البلاد الاقتصاديّةِ، والماليّة والتّجارية. فأيُّ تاجرٍ أو صانعٍ لا يتعاملُ بالربا في معاملاتهِ يصيبُهُ ضررٌ اقتصاديٌّ في تجارتِهِ وفي جميعِ معاملاتِهِ فيتحمّلُ في سبيل تمسّكهِ بدينهِ خسائرَ فادحةً ويكون كالقابضِ على الجمر، فأين المصلحةُ في هذهِ الحالةِ وهو حكمٌ شرعيٌّ، مع أنه لا خلاف في أنَّ نتيجةَ الشّريعةِ هي جَلبُ المصالحِ ودَرْءُ المفاسدِ، ولكنَّ هذا لا يعني أنّه نتيجةُ كلِّ حكمٍ من أحكامِها.
وفرقٌ بينَ كوْنِ الشريعةِ دالّةً على المصالحِ، وبينَ كونِ المصالح غاية من تشريع الشريعةِ.
والشريعةُ تدلّ على أفكارٍ وأحكامٍ، بغضِّ النظرِ عنْ كونها لمصالحِ العبادِ أمْ لا.
فالشريعةُ دلّتْ مثلاً على أنّ البَيْعَ حلالٌ، والرّبا حرامٌ، والجهاد فرضٌ وصدقَ التطوعِ مندوبٌ، وإضاعةَ المال مكروهٌ، وما شاكلَ ذلكَ. ولمْ تدلّ على أنّ عَقْدَ المعاهداتِ مصلَحَةٌ وأنّ الكذبَ مَفْسَدَةٌ أو ما شاكلَ ذلكَ.
إنّها تدلّ على الحكْمِ ولا تدلّ على المصلَحَةِ أو عدمِها، ولا يجوزُ جَعلُ المصلحةِ أو المَفْسَدَةِ محلّ اعتبارٍ في دلالةِ التشريعِ على الحكمِ.


اخفاق القيادتين الفكريّتين في حل مشاكل العالم
بالرغم مما يبدو من مظاهر تقدم القيادتين الفكرييتين الرأسمالية والشيوعية
وبالرغم مما لديهما من القوى المادية المسخرة لهما في البر والبحر والجو يمكننا أن نجزم بانهما مخفقتان في حل مشاكل العالم وتحقيق الطمأنينة للناس، وذلك بسبب نظريتهما إلى الكون والانسان والحياة.
تلك النظرة المادية التي لم تقم على العقل والتي تخالف فطرة الانسان بعكس القيادة الفكرية الاسلامية التي كانت نظرتها إلى الكون والانسان والحياة قائمة على العقل، ومتّفقة مع فطرة الانسان، وكانت بذلك المبدأ الوحيد الذي يملك بين جميع المبادئ فكرة كليّة صحيحة عن الوجود كله. وهو المبدأ الاسلامي وقد انبثقت عن عقيدة الاسلام انظمته التي لم ينهض العالم الاسلامي إلاّ على أساسها، ولن يحصل استقرار في العالم إلاّ بها.
فهذه الانظمة ليست رأسمالية ولا ديمقراطية ولا اشتراكية ولا شيوعية، وإنما هي أنظمة اسلامية عالمية جاءت لسعادة العالم كله.
لا امبراطور ولا ملك ولا رئيس جمهورية في الإسلام بل للمسلمين خليفة واحد يبايع على كتاب الله وسنة رسوله
ولا وراثة تشبه وراثة الملك ولا تحديد زمن له كرئيس الجمهورية بل يبقى حاكماً مادام منفذاً لحكم الله عز وجلّ
وعلى العالم الإسلامي يأن يكون تحت حكم خليفة واحد في دولة واحدة لقوله تعالى: «واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرّقوا» وقوله «ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم»
وهذه لمحة موجزة عن نظام الحكم في الإسلام كما طُبِّق في عصر الرسول وخلفائه الراشدين


الحَاكِمُ
من أهمّ الأبحاثِ المتعلّقةِ بالحكمِ وأولاها وألزمِها بياناً معرفةُ مَنِ الذي يرجعُ له إصدارُ الحكمِ، أي مَنْ هو الحاكمُ لأنّ على معرفتِهِ يتوقفُ معرفةُ الحكمِ ونوعِهِ. وليس المرادُ بالحاكمِ هنا صاحبَ السّلطانِ. بل المرادُ بالحاكمِ مَنْ يملكُ إصدارَ الحكمِ على الأفعالِ والأشياءِ. لأنّ ما في الوجودِ من المحسوساتِ لا يخرجُ عن كونهِ أفعالاً للإنسانِ أو أشياءَ ليست من صُنعِ الإنسانِ، ولمّا كانَ الإنسانُ بوصفِهِ يحيا في هذا الكونِ هو موضع البحثِ، وكان إصدارُ الحكمِ متعلقاً به ومن أجله. فإنه لا بدَّ من الحكمِ على أفعالِ الإنسانِ وعلى الأشياءِ المتعلّقةِ بها، فمن هو الذي له وحدَهُ أنْ يُصدرَ الحكمَ على ذلك؟ هلْ هوَ اللّهُ أمِ الإنسانُ نفسُهُ؟ وبِعِبارَةٍ أخرى هل هو الشّرعُ أم العقلُ؟ لأنّ الذي يعرّفنا أنّ هذا هو حكمُ الله هو الشّرعُ، والذي يجعلُ الإنسانَ يحكمُ هو العقلُ، فمن الّذي يحكمُ إذاً؟
أمّا موضوعُ إصدارِ الحكمِ على الأفعالِ والأشياءِ فهو الحسنُ والقبحُ لأنّ المقصودَ من إصدارِ الحكمِ هو تعيينُ موقفِ الإنسانِ تجاه الفعلِ هلْ يفعلُهُ أم يتركُهُ أم يُخيّرُ بينَ تركِهِ وفعلِهِ؟ وتعيينُ موقفِهِ تجاهَ الأشياءِ المتعلقةِ بها أفعالُهُ هل يأخذُها أم يتركُها أم يُخيّرُ بينَ الأخذِ والتركِ؟ وكلُّ هذا متوقف على نظرتهِ للشيءِ هل هو حسنٌ أم قبيحٌ أم ليس بالحسنِ ولا بالقبيحِ؟ ولهذا كان موضوعُ الحكمِ المطلوبِ هو الحسنُ والقبحُ، فهل الحكمُ بالحسنِ والقبحِ هو للعقلِ أم للشّرع؟ إذْ لا ثالثَ لهما في إصدارِ هذا الحكمِ.
والجوابُ على ذلك هو أنَّ الحكمَ على الأفعالِ والأشياءِ إمّا أن يكونَ من ناحيةِ واقعِها ما هو؟ وإمّا من ناحيةِ ملاءمتِها لطبعِ الإنسانِ وميولهِ الفطريةِ ومنافرتِها لها، وإمّا من ناحيةِ المدحِ على فعلِها والذمِّ على تركِها أي من ناحيةِ الثّوابِ والعقابِ. فيكونُ حكمُ الإنسانِ على الأشياءِ يتمثّلُ بثلاثِ جهاتٍ:
1 ـ مِنْ حيثُ واقعُها ما هو؟
2 ـ مِنْ حيثُ ملاءمتُها لطبعِ الإنسانِ ومنافرتُها له.
3 ـ مِنْ حيثُ الثّوابُ والعقابُ أو المدحُ والذمُّ.
فأمّا الحكمُ على الأشياءِ من ناحيةِ واقعِها ومن جهةِ ملاءمتِها للطّبعِ ومنافرتِها له. فلا شكَّ أنَّ ذلكَ كلّهُ إنّما هو للإنسانِ نفسهِ أَيْ هو للعقلِ لا للشّرعِ، فالعقلُ هو الّذي يحكمُ على الأفعالِ والأشياءِ في هاتينِ الناحيتينِ ولا يحكمُ الشّرعُ في أيٍّ منهما، إذ لا دخلَ للشّرعِ فيهما. وذلكَ مثل: العلمُ حسنٌ والجهلُ قبيحٌ، فإنّ واقعهما ظاهرٌ منه الكمال والنّقصُ، ومثل: إنقاذُ الغريقِ حسنٌ وتركُهُ يهلكُ قبيحٌ، فإن الطّبعَ يميلُ لإسعافِ المشرفِ على الهلاكِ، فهذا وما شاكلَهُ يعودُ إلى طبعِ الإنسانِ وفطرتِهِ وهو يشعرُ به ويدركُهُ، ولذلكَ كان إصدارُ الحكمِ على الأفعالِ والأشياء من هاتين الجهتينِ هو للإنسانِ. فالحاكمُ فيهما هو الإنسانُ. أما الحكمُ على الأفعالِ والأشياءِ من ناحيةِ المدحِ أو الذمِّ في الدنيا، والثوابِ والعقابِ عليها في الآخرة فلا شك أنّهُ لله وحدَهُ وليس للإنسان، أي هو للشّرعِ، وليس للعقلِ، وذلك كحُسْنِ الإيمانِ وقبحِ الكفرِ وحسنِ الطّاعةِ وقبحِ المعصيةِ وهكذا، والعقلُ هو إحساسٌ وواقعٌ ومعلوماتٌ سابقةٌ ودماغٌ. فالإحساسُ جزءٌ جوهريٌّ من مقوّماتِ العقلِ فإذا لم يحسّ الإنسانُ بالشّيءِ لا يمكنُ لعقلهِ أن يُصدرَ حكماً عليهِ لأنّ العقلَ مقيّدٌ حكمُهُ على الأشياء بكونِها محسوسةً ويستحيلُ عليه إصدارُ حكمٍ على غيرِ المحسوساتِ، وكونُ الظّلمِ مما يُمدحُ أو يُذمُّ ليس مما يحسُّهُ الإنسانُ لأنه ليس شيئاً يُحَسُّ، فلا يمكنُ أن يُعقلَ، أي لا يمكنُ للعقلِ إصدارُ حكمٍ عليه، وهو أي مدح الظلمِ أو ذمّهُ وإن كان يشعرُ الإنسانُ بفطرتهِ بالنّفرةِ منه أو الميلِ له ولكنّ الشعورَ وحده لا ينفعُ في إصدارِ العقلِ حكمَهُ على الشيء بل لا بدَّ من الحسِّ. وذلك لا يمكنُ للعقلِ أن يُصدرَ حكمَهُ على الفعلِ أو على الشّيءِ بالحسنِ أو القبحِ، ومن هنا لا يجوزُ للعقلِ أن يُصدرَ حكمَهُ على الأفعالِ أو الأشياءِ بالمدحِ أو الذَّمِ لأنّهُ لا يتأتّى له إصدارُ هذا الحكم ويستحيلُ عليه ذلك. ولا يجوزُ أن يُجعلَ إصدارُ الحكمِ بالمدحِ والذّمِ لميولِ الإنسانِ الفطريّةِ لأن هذه الميولَ تُصدرُ الحكمَ بالمدحِ على ما يوافقُها وبالذّمِ على ما يخالفُها. وقد يكونُ ما يوافقُ ميولها أي أهواءها مما يُذمُّ كالزنى واللواطِ والاسترقاقِ وقد يكونُ ما يخالفُها مما يُمْدَحُ كقتالِ الأعداءِ والصّبرِ على المكارهِ وقولِ الحقِّ في حالاتِ تحقّقِ الأذى البليغِ.
ولذلك كان جعلُ الحكمِ للميولِ والأهواءِ خطأً محضاً، لأنّه يجعلُ الحكمَ خاطئاً مخالِفاً للواقعِ، علاوةً على أنّه يكونُ الحكمُ بالمدحِ والذمِّ حسبَ الهوى والشهواتِ ولهذا لا يجوزُ أن يُجعلَ للإنسانِ إصدارُ الحكمِ بالمدحِ والذمِّ، فيكون الذي يُصدرُ حكمَهُ بالمدح والذمِّ هو الله سبحانَهُ وتعالى وليس الإنسانَ، وهو الشّرعُ وليس العقل. وأيضاً فإنّه لو تُرِكَ للإنسانِ أن يحكمَ على الأفعالِ والأشياءِ بالمدحِ والذمِّ لاختلف الحكمُ باختلافِ الأشخاصِ والأزمانِ، وليس في مقدورِ الإنسانِ أن يحكمَ عليها حكماً ثابتاً، والمشاهَدُ المحسوسُ أنَّ الإنسانَ يحكمُ على أشياءَ أنها حسنةٌ اليومَ ثمّ يحكمُ العكسَ غداً. ويكونُ قد حكمَ على أشياءَ أنها قبيحةٌ ثمَّ يعودُ فيحكمُ عليها نفسِها أنّها حسنةٌ، وبذلك يختلفُ الحكمُ على الشّيءِ الواحدِ ولا يكونَ حكماً ثابتاً فيحصلُ الخطأ في الحكمِ، ولذلك لا يجوزُ أن يُجعلَ للعقلِ ولا للإنسانِ الحكمُ بالمدحِ والذّمِّ. وعليه فلا بدَّ أن يكونَ الحاكمُ على أفعالِ العبادِ وعلى الأشياءِ المتعلّقةِ بها من حيثُ المدحُ والذمُّ هو اللّهَ سبحانَهُ وتعالى وليس الإنسانَ، أي يكونُ الشّرعُ وليس العقل، هذا من حيثُ الدّليلُ العقليّ على الحسنِ والقبحِ. أما من حيثُ الدّليلُ الشّرعي فإنّ الشّرعَ التزمَ التحسينَ والتقبيحَ لأمرهِ باتّباعِ الرسول (ص) وذمِّ الهوى، ولذلك كان من المقطوعِ به شرعاً أن الحسنَ ما حسنّه الشّرعُ والقبيحَ ما قبّحهُ الشّرعُ من حيثُ الذمُّ والمدحُ، والحكمُ على الأفعالِ والأشياءِ بالمدحِ والذمِّ هو لتعيينِ موقفِ الإنسانِ منها. فهو بالنّسبةِ للأشياءِ يبيّنُ هل يجوزُ له أخذُها أو يحرمُ عليهِ، ولا يتصوّرُ غير ذلك من حيثُ الواقعُ. وبالنّسبةِ لأفعالِ الإنسانِ هل يُطلبُ منه أن يقومَ بها أو يطلبُ منه أن يتركَهَا أو يخيّرُ بينَ الفعلِ والتركِ. ولما كان هذا الحكمُ من هذه الجهةِ لا يكونُ إلا للشّرعِ لذلك يجبُ أن تكونَ أحكامُ أفعالِ الإنسانِ وأحكامُ الأشياءِ المتعلقةِ بها راجعةً للشّرعِ لا للعقلِ.
الشريعةُ الإسلاميّةُ
لا تقعُ واقعةٌ ولا تطرأُ مشكلةٌ ولا تحدثُ حادثةٌ إلاّ ولها حكمٌ. فقد أحاطتِ الشّريعةُ الإسلاميّةُ بجميعِ أفعالِ الإنسانِ إحاطةً تامّةً شاملةً، فلم يقعْ شيءٌ في الماضي، ولا يعترضُ شيءٌ في الحاضرِ، ولا يحدثُ شيءٌ في المستقبلِ إلاّ وله حكمٌ في الشّريعةِ الإسلاميّةِ. قالَ الله تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ} [النّحل: 89] وقال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المَائدة: 3] فالشريعةُ لم تهملْ شيئاً من أفعالِ العبادِ مهما كان، فهي إمّا أن تُنَصِّبَ دليلاً له بنصٍّ من القرآنِ والحديثِ. وإمّا أن تضع أمارةً في القرآن والحديثِ تنبّه المكلّفَ على مقصدِها فيه وعلى الباعثِ على تشريعه لأجلِ أن ينطبقَ على كلِّ ما فيه تلك الأمارةُ أو هذا الباعثُ: ولا يمكنُ شرعاً أن يوجدَ فعلٌ للعبدِ ليس له دليلٌ أو أمارةٌ تدلّ على حكمِهِ لعمومِ قولِهِ «تبياناً لكلِّ شيءٍ» وللنصِّ الصّريحِ بأنّ الله قد أكملَ هذا الدّينَ فإذا زعمَ أحدٌ أنّ بعضَ الوقائعِ خاليةٌ من الحكمِ الشّرعي فإنّه يعني أن هناك شيئاً لم يبيّنهُ الكتابُ وأنَّ هذه الشريعةَ لم يكملها الله تعالى بدليلِ وجودِ فعلٍ لم يذكرْ حكمهُ فهي شريعةٌ ناقصةٌ. هذا الزعمُ معارضٌ لنصِّ القرآنِ، ولذلك يكونُ زعماً باطلاً حتى لو وُجدتْ أحاديثُ عن الرّسولِ (ص) تتضمّنُ هذا المعنى أي وجودَ بعضِ أفعالِ العبادِ لم تأتِ الشّريعةُ بحكمٍ له فإنّ مثلَ هذه الأحاديثِ تُردُّ درايةً لمعارضتِها لنصِّ القرآنِ القطعيِّ الثبوتِ والدلالةِ لأنّ آيةَ «تبياناً لكلِّ شيءٍ» وآية {أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المَائدة: 3] قطعيّةُ الثبوتِ. قطعيّةُ الدلالةِ، فأيّ خبرٍ آحادٍ يعارضُها يُردُّ درايةً، ولهذا لا يحقُّ لمسلمٍ بعد التفقّهِ في هاتينِ الآيتينِ القطعيّتينِ أن يقولَ بوجودِ واقعةٍ واحدة من أفعالِ الإنسانِ لم يبيّن الشّرعُ لها محلَّ حكمٍ ولا بوجهٍ من الوجوه.
الخِلافةُ
الخلافةُ هي رئاسةٌ عامّةٌ للمسلمينَ جميعاً في الدنيا لإقامةِ أحكامِ الشريعةِ الإسلاميّةِ وحملِ الدّعوةِ الإسلاميّةِ إلى العالمِ، وهي عينُها الإمامةُ، فالإمامةُ والخلافةُ بمعنًى واحد وإقامةُ خليفةٍ فرضٌ على المسلمينَ كافّةً في جميعِ أقطارِ العالمِ والقيامُ به كالقيامِ بأيِّ فرضٍ من الفروضِ التي فرضها اللّهُ على المسلمينَ، والتّقصيرُ في القيامِ به معصيةٌ من أكبرِ المعاصي يعذّبُ الله عليها أشدَّ العذابِ.
والدّليلُ على وجوبِ إقامةِ الخليفةِ على المسلمينَ كافةً، السّنّةُ والإجماعُ، أما السنّةُ فقد رُوِيَ عن رسولِ الله (ص) أنّه قالَ «من ماتَ وليس في عنقهِ بيعةٌ ماتَ ميتةً جاهليّةً»(+) وعن ابن عباسٍ عن رسولِ الله (ص) قالَ: «من كَرِهَ من أميرٍ شيئاً فليصبر عليهِ فإنّه ليس أحدٌ من الناسِ خرجَ من السلطانِ شبراً فماتَ عليهِ إلا ماتَ ميتةً جاهليّةً»(+) وأمّا إجماعُ الصحابةِ فإنّهم أجمعوا على لزوم إقامةِ خليفةٍ لرسول الله (ص). بعد موتهِ وأجمعوا على إقامة خليفةٍ لأبي بكرٍ ثم لعمرَ ثم لعثمانَ ثم لعليٍّ بعد وفاةِ كلٍّ منهم. فالصّحابةُ كلُّهم أجمعوا طوالَ حياتِهم على وجوبِ نصبِ الخليفةِ ومع اختلافِهم على الشّخصِ الذي يُنتخَبُ خليفةً فإنّهم لم يختلفوا مطلقاً على إقامةِ خليفةٍ. على أنّ إقامةَ وتنفيذَ أحكامِ الشّريعةِ الإسلاميّةِ في جميعِ شؤونِ الحياةِ الدنيا والأخرى فرضٌ على المسلمينَ بالدّليلِ القطعيِّ الثبوتِ، القطعيِّ الدلالةِ، ولا يمكنُ أن يتمَّ ذلك إلا بحاكمٍ ذي سلطانٍ أي بخليفةٍ للمسلمين.
الخليفة الزمانيّ
الخليفةُ هو الذي ينوبُ عنِ الأمّةِ في السّلطانِ، وفي تنفيذِ الشرْعِ، والطريقةُ التي يُنَصّبُ فيها الخليفةُ يجبُ أنْ تمرّ في ثلاثِ مراحلَ:
1 ـ يحصرُ الأعضاءُ المسلمونَ في مجلسِ الشورى المرشحينَ لهذا المنصبِ، ثمّ تُعْلَنُ أسماؤهمْ، ويُطْلَب منَ الأمّةِ انتخابُ واحدٍ منهُمْ.
2 ـ تُعْلَنُ نتيجةُ الانتخابِ لمنْ نالَ أكثرَ الأصواتِ.
3 ـ يبادرُ المسلمونَ جميعاً لمبايَعَةِ مَنْ نالَ أكثريّةَ الأصواتِ، ويُصبِحُ خليفةً ويُقْسِمُ على العملِ بكتابِ الله وسنّةِ رسولهِ، ولا يجوزُ أنْ تبقى الأمّةُ ثلاثةَ أيّامٍ بدونِ انتخابِ خليفةٍ.


نِظام الحكم في الإسْلام
يقومُ نظامُ الحكمِ في الإسلامِ على أربعِ قواعدَ:
1 ـ السيادةُ للشرْعِ.
2 ـ السلطانُ للأمّةِ.
3 ـ نصْبُ خليفةٍ واحدٍ «فرض على المسلمين».
4 ـ للخليفةِ وحدَهُ حقّ تبنّي الأحكامِ الشرعيّةِ.
ويكونُ الحكمُ مركزيّاً والإدارة لا مركزيّةً.
كما أنّ جهازَ الدّولةِ يقومُ على سَبْعَةِ أركانٍ:
1 ـ الخليفةُ.
2 ـ المعاونونَ.
3 ـ الوُلاةُ.
4 ـ القضاةُ.
5 ـ الجيشُ.
6 ـ الجهازُ الإداريّ.
7 ـ مجلسُ الشورى.
مجلِسُ الشورَى
مجلس الشورى: يتكوّنُ ممّنْ يمثّلُونَ النّاسَ في الرّأي، ليكونوا مستشاري الخليفةِ، والعضو في مجلسِ الشورى يُنْتَخَبُ انتخاباً، ولا يجوزُ أنْ يعيّنَ تعييناً.
ويحقّ لكلِّ من يحملُ التابعيّةَ، إذا كان بالغاً عاقلاً أن يكونَ عضواً في مجلسِ الشورى، وفي انتخابِ أعضائهِ، سواءٌ كان مسلماً أو غيرَ مسلمٍ، رجلاً أم امرأة.
صلاحيّاتُ مجلسِ الشّورى تتلخّصُ بأربعةِ أمورٍ:
أولاً: أن يكونَ رأيُه ملزماً في السياسة الداخليّة كالتعليمِ والصحّةِ والاقتصادِ والحكمِ ونحوها، ولا يكون رأيُه ملزماً في السياسةِ الخارجيّةِ والماليةِ والجيش. كما يحقُّ له مناقشةُ الأعمالِ التي تحصلُ في الدّولةِ والمحاسبةُ عليها جميعها، ورأيُه مُلزِمٌ إن لم يخالفِ الشّرعَ.
ثانياً: لمجلسِ الشورى حقُّ إظهارِ عدمِ الرضى من الولاةِ أو المعاونينَ ويكون رأيُه ملزماً، وعلى الخليفة عزلُهم في الحال.
ثالثاً: لمجلسِ الشّورى الحقُّ في مناقشةِ الأحكام المستجدّةِ التي يريدُ الخليفةُ أن يتبنّاها، ولكن رأيَهُ في هذه الحالةِ غيرُ ملزمٍ.
رابعاً: لمجلسِ الشّورى حقُّ حصرِ المرشحينَ للخلافةِ، ورأيُهُ في ذلك مُلزِمٌ.
صَلاحياتُ الخليفة
هو الذي يجعلُ الأحكامَ الشرعيّةَ نافذةً بعدَ تَبَنّيها، وهو المسؤولُ عن سياسةِ الدولةِ، ويتولى قيادةَ الجيشِ، وعَقْدَ المعاهداتِ وتعيينَ السّفراءِ والمعاونينَ والولاة وعزلَهُمْ، وهمْ جميعاً مسؤولونَ أمامَهُ، كما أنهمْ مسؤولونَ أمامَ مجلسِ الشورى.
وهو الذي يُعيّنُ ويعزلُ قاضي القضاةِ ومديري الدوائرِ وقوّادَ الجيشِ وأُمراءَ ألويتهِ، وهمْ جميعاً مسؤولونَ أمَامَهُ، وليسوا مسؤولينَ أمامَ مجلسِ الشورى.
وهو الذي يتولى وضْعَ ميزانيةِ الدولةِ «وترتيبها»، وجعْلها نافذَةً، دونَ رجوعٍ إلى مجلسِ الشورى.
وليسَ للخلافةِ مُدّةٌ محدودةٌ، فما دامَ الخليفةُ محافظاً على الشرْعِ مُنفّذاً لأحكامهِ يبقى، وإنْ خالفَ الشّرْعَ أو عجزَ عنِ القيامِ بشؤونِ الدولةِ وجبَ عزلُهُ حالاً، ويُصبحُ المسلمونَ في حلٍّ منْ بَيْعَتِهِ. ومحكمةُ المظالمِ هيَ التي تقرّرُ ذلكَ.
المُعاونونَ «الهيئة التنفيذية»
يُعيّنُ الخليفةُ معاونينَ لهُ ليَتَحَمّلُوا مسؤوليّةَ الحكْمِ، وهم الهيْئَةُ التنفيذيّةُ، ويُشتَرَطُ فيهمْ أنْ يكونوا رجالاً بالغينَ عاقلينَ مسلمين عدولاً. ولا يُخصّصُ كلّ معاونٍ بدائرةٍ منَ الدوائرِ، وبقسم خاص من الأعمالِ، ولا يُباشرونَ الأمورَ الإداريةَ، ويكونُ إشرافها بمجموعها على الجهازِ الإداريّ.
الجِهَاز الإدارِيّ
الإدارة تكون لا مركزية ويُعيّنُ لكلّ مصلحةٍ من مصالح الدولةِ مديرٌ يتولى إدارتَها، ويكونُ مسؤولاً عنها مباشرةً. ولهؤلاءِ المدراءِ صلاحيّةُ تعيين موظفي دوائرهمْ ونَقْلِهم وتأديبهم وعزلِهم، ضمن الأنظمةِ الإداريّةِ؛ وهؤلاءِ الموظفونَ مسؤولونَ أمامَ مديرِ دائرتِهِمْ.
ولكلِّ مَنْ يحمِلُ التابعيّةَ وتتوفّرُ فيهِ الكفايةُ، رجلاً كانَ أوِ امرأةً، مسلماً أو غيرَ مسلمٍ، أنْ يُعَيّنَ بوظيفةِ مديرٍ للإدارَةِ في الجهازِ الإداريّ، وأنْ يكونَ موظفاً فيهِ.
كما أنّ سياسةَ الجهازِ الإداريّ يجبُ أنْ تقوم على البساطةِ في النظام والإسراعِ في إنجازِ الأعمالِ والكفايةِ فيمنْ يتولّون الإدارةَ.
الوُلاة
تُقَسّمُ البلادُ التي تحكمُها الدولةُ إلى وحداتٍ، وتسمّى كلّ وَحْدَةٍ ولايةً، والولايةُ تُقَسّمُ إلى وحداتٍ تُسمّى كلّ وحدةٍ منها عمالة، ويسمّى كلّ مَنْ يتولى الولايةَ والياً، ومَنْ يتولى العمالَةَ عامِلاً.
صلاحيّة الوالي
للوالي صلاحيّة الحكْمِ والإشرافِ على أعمالِ الدوائرِ في ولايتهِ نيابةً عنِ الخليفةِ، ما عدا الماليّةَ والقضاءَ والجيشَ، ولهُ حقّ إصدارِ الأوامر للشرطةِ لتنفيذِها. ويكونُ في كلِّ ولايةٍ مجلسٌ مُنْتَخَبٌ منْ أهلِها يرأسُهُ الوالي، وتكونُ لهذا المجلسِ صلاحيّةُ المشاركةِ في الرّأي وفي الشؤونِ الإداريّةِ لا في شؤونِ الحكْمِ.
كما أنّهُ يُشْتَرَطُ فيمنْ يُعيّنُ والياً أنْ يكونَ رجلاً مُسلِماً بالغاً عاقِلاً عَدْلاً.
القُضَاة
يُعيّنُ الخليفةُ قاضياً للقضاةِ منَ الرجالِ المسلمينَ العدولِ منْ أهْلِ الفِقْهِ، ولقاضي القضاةِ صلاحيّةُ تعيين القُضاةِ وتأديبهِمْ وعزْلِهمْ.
أمّا باقي موظّفي المحاكمِ فمرْتبطونَ بمديرِ الدائرَةِ التي تتولى إدارةَ شؤونِ المحاكم.
والقُضاةُ ثلاثةُ أقسامٍ:
قسمٌ للفصلِ في الخُصوماتِ بينَ النّاسِ في المعاملاتِ والعقوباتِ منَ المسلمينَ العدولِ الفقهاءِ.
وقسمٌ للفصْلِ في مخالفاتِ الأمورِ التي تضرّ حقّ الجماعةِ وتحتاجُ إلى سرعةِ الفَصْلِ والتنفيذِ العاجلِ بشرْطِ أنْ يكون عَدْلاً منْ أهْلِ الفِقْهِ؛ يسمَّى «المحتسب».
والقسم الثالث لِرَفْع النزاعِ الواقعِ بينَ الناسِ والدولةِ أو أحدِ موظفيها، وللفصل في معنى نص منْ نصوصِ التشريعِ، وفي شرعيّةِ موادِّ الدستورِ ودستوريّةِ القوانين وشرعيّتِها. ويُشْتَرَطُ أنْ يكونَ منَ الرجال المسلمينَ العدولِ ومنَ أهلِ الفِقْهِ والاجتهادِ، ويُسمّونَ قضاةَ المظالمِ.
ولا يحقّ للخليفةِ، ولا لقاضي القُضاةِ، عَزْلُ أيّ قاضٍ منْ قُضاةِ محكمةِ المظالمِ، وعزلهُ منْ صلاحيّةِ محكمةِ المظالم نَفْسِها تقررهُ حسبَ الشرعِ بحكمِ شرعيٍّ.
الجَيش
الجهادُ فرْضٌ على المسلمينَ، والتجنيدُ، للتدريبِ عليهِ، إجْباريّ.
الجيش قسمان
قسمٌ احتياطيّ: ويمثلهُ جميعُ القادرينَ على حمل السلاحِ.
وقسمٌ دائمٌ في الجنديّة، تُخصّص لهُمْ رواتبُ، كالموظفينَ، من ميزانيّةِ الدولةِ. والقوّةُ المسلّحةُ قوّةٌ واحدةٌ هيَ الجيشُ، وتختار منها فرقٌ خاصّةٌ وتُنَظّمُ تنظيماً خاصّاً، هي الشرطَةُ.
صلاحية الشرطَة
يُعْهَدُ للشرطَةِ حفظُ النظامِ والإشرافُ على الأمْن الداخليّ، والقيامُ بجميع النواحي التنفيذيّةِ.
* * *
كان الرسولُ (ص) يُرْسِلُ الولاةَ من أمثل من دخلوا في الإسلامِ، وكان يأمرهم بتلقينِ الدين للذين أسلموا، وبأخذِ الصدقاتِ منهم، ثم يسند إلى الوالي في كثيرٍ من الأحيانِ جبايةَ الأموالِ، ويأمره أن يبشرَ الناس بالخير، ويعلّمَهُمُ القرآنَ، ويُفَقِّهَهُمْ في الدينِ، ويوصيه أن يلين للناس في الحقّ ويشتدّ عليهم في الظلم، وأن يأخذ خمس الأموالِ وما كتب على المسلمين في الصَّدَقَاتِ. وأن من أسلم إسلاماً خالصاً من نفسه ودان بدين الإسلام فإنه من المؤمنين، له مثل ما لهم وعليه مثل ما عليهم، ومن كان على نصرانيته أو يهوديته فإنه لا يفتن عنها. ومما قاله لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: «إنك تقدم على قوم أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله تعالى، فإذا عَرَفُوا اللّهَ تعالى فأخبرهم أن الله تعالى فرض عليهم زكاةً تؤخذ من أغنيائهم، وترد على فقرائهم. فإن هم أطاعوا لذلك فخذ منهم، وتَوقَّ كرائمَ أموالهِم، واتّقِ دعوةَ المظلوم فإنه ليس بينَها وبينَ الله حجاب».
وكان (ص) يكشفُ عن حالِ الولاةِ والعمال، ويسمع ما ينقل إليه من أخبارهم، وقد عزل العلاء بن الحضرمي عامله على البحرين لأن وفد عبد قيس شكاه. وكان (ص) يستوفي الحساب من العمال، ويحاسبُهُمْ على المستخرجِ والمصروف. وقد استعمل رجلاً على الزكاةِ فلما رجعَ حاسبه، فقال: هذا لكم! وهذا أُهْدِيَ لي، فقال النبي: «ما بالُ الرجل نستعملُهُ على العمل بما ولاّنا الله فيقول هذا لكم وهذا أُهدِيَ إلي، أفلا قعد في بيتِ أبيهِ وأُمّهِ، فننظر أيهدى إليه أم لا، وقال من استعملنا على عمل ورزقناه رزقاً فما أخذ بعدَ ذلك فهو غلول»(+) وشكا أهل اليمن من تطويل معاذ في الصلاةِ فزجره وقال: من أمَّ في الناسِ فليخفف(+). وكان (ص) يولي قضاةً يقضون بين الناسِ كما أنّهُ كان يعنى بالمظالم، فقد وَجّهَ راشدَ بن عبد الله أميراً على القضاء والمظالم وجعل له صلاحيةَ النظر في قضايا المظالم.
وكان (ص) يديرُ مصالحَ الناس ويعين كتاباً لإدارةِ هذه المصالحِ، وكانوا بمقامِ مديري الدوائرِ، فكان علي بن أبي طالب (ع) كاتب العهود إذا عاهد، والصلح إذا صالح؛ وكان الحارث بن عوف المري على خاتمه، وكان معيقب بن أبي فاطمة كاتباً على الغنائم، وكان حذيفة بن اليمان يكتب خرص ثمار الحجاز، وكان الزبير بن العوام يكتب أموال الصدقات، وكان المغيرة بن شعبة يكتب المدايناتِ والمعاملاتِ، وكان شرحبيل بن حسنة يكتب التوقيعاتِ إلى الملوك، وكان يعيّنُ لكلِّ مصلحةٍ من المصالحِ كاتباً، أي مديراً، مهما تعددت هذه المصالحُ. وكان (ص) كثير المشاورة لأصحابه، وما انفكَّ عن استشارة أهلِ الرأي والبصيرةِ، ومن شهدَ لهم بالعقلِ والفضلِ، وأبانوا عن قوةِ إيمانٍ، وتفانٍ في بثِّ دعوةِ الإسلامِ، وكانوا سبعةً عن الأنصار، وسبعةً عن المهاجرين، منهم حمزة وعليّ وجعفر وأبو بكر وعمر وابن مسعود وسلمان وعمار وحذيفة وأبو ذر والمقداد وبلال، وهؤلاء كانوا بمثابة مجلس الشورى. ثم كان له معاونون، وكان (ص) يقوم بأعمالِ رئيسِ الدولةِ منذ أنْ وصل إلى المدينة حتى وفاته. وقد أجمع الصحابة، من بعده، على إقامة رئيس للدولة، يكون خليفة للرسول. وهكذا أقام الرسول جهاز الدولة كاملاً في حياتِهِ، وتبعه الخلفاءُ الراشدون على السَّنَنِ ذاته...
الإسْلام يُساوي بَين جَميعِ المُواطنين
يرى الإسلامُ أن الذين يحكمُهُمْ هم وَحْدَةٌ إنسانيةٌ بغضِّ النظرِ عن الطائفةِ والجنسِ، فلا يشترط فيهم إلا التابعيةَ، لا توجد في الإسلامِ الأقلياتُ، بل جميعُ الناسِ، باعتبارٍ إنساني هم رعايا ما داموا يحملونَ التابعية، وكلّهم يتمتعُ بالحقوقِ التي قررها الشرع، سواء أكان مسلماً أو غير مسلم.
هذا من حيثُ الحكمُ ورعايةُ الشؤون. أما من حيث تطبيقُ أحكامِ الإسلامِ فإنه يأخذ بالناحيةِ التشريعيةِ القانونيةِ لا الناحيةِ الروحيةِ، ذاكَ أن الإسلامَ ينظرُ للنِّظامِ المطبقِ عليهم باعتبارٍ تشريعيٍّ قانونيٍّ، لا باعتبارٍ دينيٍّ روحي.
فالذين يعتنقون الإسلام يكون اعتناقُهُمْ له واعتقادُهُمْ بهِ هو الذي يلزمهُمْ بجميعِ أحكامِهِ، لأنَّ التسليمَ بالعقيدةِ تسليمٌ بجميعِ الأحكامِ المنبثقةِ عنها، فكان اعتقادُهُمْ مُلْزماً لهم بجميعِ ما أتت به هذه العقيدةُ إلزاماً حتميّاً.
ثم إن الإسلامَ جعلَ المسلمين يجتهدون في استنباطِ الأحكامِ، وبطبيعةِ تفاوتِ الأفهامِ حصل الاختلاف في فهمِ الأفكار المتعلقةِ بالعقائدِ وفي كيفيةِ الاستنباطِ، وفي الأحكامِ والآراء المستنبطة، فأدى ذلك إلى وجودِ الفرقِ والمذاهب. وقد حثَّ الرسول (ص) على الاجتهاد وبيَّن أن الحاكمَ إذا اجتهد وأخطأ فله أجرٌ واحدٌ وإذا أصاب فله أجرانِ اثنان.
فتح الإسلام إذاً باب الاجتهاد، ولذلك لم يكن عجيباً أن يكون هنالك أهل السنة والشيعة والمعتزلة وغيرهم من الفرق الإسلامية، ولم يكن غريباً أن يكون هنالك الجعفرية والشافعية والزيديةُ والحنفيةُ والمالكية والحنابلة وغيرُهم من المذاهب الإسلامية. وجميع هذه الفرق والمذاهب الإسلامية تعتنق عقيدة واحدة هي العقيدة الإسلامية، وجميع هؤلاء مخاطبون باتِّباع أوامر الله واجتناب نواهيه، ومأمورون باتِّباعِ الحكمِ الشرعيّ لا اتِّباع مذهب معين.
أما المذهب فهو مَعِينٌ للحكم الشرعي يقلده غير المجتهد حين لا يستطيع الاجتهاد. هو يأخذ هذا الحكم بالاجتهاد إن كان قادراً عليه، وبالاتِّباع أو التقليد إن كان غير قادر على الاجتهاد. وعلى ذلكَ فإن جميعَ الفرقِ والمذاهبِ التي تعتقدُ العقيدةَ الإسلامية تُطَبّقُ على أتباعِها أحكامُ الإسلام.
وعلى الدولةِ ألاّ تتعرض لهذه الفرق الإسلامية، ولا لاتباع المذاهب الفقهية، ما دامت لا تخرج عن عقيدةِ الإسلامِ. والمسلمون مطالبون بجميعِ أحكام الإسلام، إلا أنّ هذهِ الأحكامَ منها ما هو قطعيّ ليس فيه إلا رأي واحد كتحريم الربا ووجوب الزكاة، وكون الصلوات المفروضة خمساً، وما شاكل.
وهناك أحكامٌ وأفكارٌ وآراء قد اختلف المسلمون في فهمها. فهمها كلُّ مجتهد خلافَ فهم الآخر، مثل صفاتِ الخليفةِ وإجارة الأرض، وتوزيع الإرث وغير ذلك، فهذه الأحكامُ المختلفُ فيها يتبنى الخليفة رأياً منها فتصبح طاعته واجبةً على الجميع.
ولكن العبادات لا يتبنى الخليفة منها شيئاً لأن تبنيه في العباداتِ يجعلُ المشقّةَ على المسلمين في عباداتهم، ولذلك لا يأمر برأي معيّن في العقائد مطلقاً، ما دامت العقيدة التي يعتقدونها إسلامية، ولا يأمر بحكمٍ معينٍ في العبادات ما عدا الزكاة. ما دامت هذه العبادات أحكاماً شرعية، وفيما عدا ذلك يتبنى في جميع المعاملات، كالإجارة والبيع والنفقة والشركة الخ..
وفي العقوبات جميعها من حدودٍ وتعزير.
نعم، إن الخليفة ينفذ أحكامَ العباداتِ فيعاقبُ تارك الصلاة والمفطرَ في رمضانَ، كما ينفذُ سائرَ الأحكامِ سواءً بسواء، وهذا التنفيذ هو واجبُ الدولة، لأن وجوبَ الصلاةِ ليس مجالَ اجتهادٍ ولا يعتبر تبنياً وإنما هو تنفيذ لحكم شرعي مقطوع به عند الجميع، ويتبنى لتنفيذ العقوبات على تارك العبادات رأياً شرعياً يلزم الناسَ بالعملِ به، هذا بالنسبة للمسلمين.
وأما غير المسلمين، فيتركون وما يعتقدون وما يعبدون، فيسيرون في أمور الزواج والطلاق حسب أديانهم، وتعين الدولة لهم قاضياً منهم، ينظر في خصوماتهم في محاكم الدولة. أما المطعومات والملبوسات فإنهم يعاملون بشأنِها حسبَ أحكام دينهم ضمن النِّظَامِ العامّ. وأما المعاملاتُ والعقُوباتُ فتنفذُ على المسلمين وغير المسلمين سواءً بسواء، من غير تمييز أو تفريق على اختلاف أديانهم وأجناسهم ومذاهبهم، فهم جميعاً مكلفون باتِّباع الأحكام والعملِ بها. غير أنَّ تكليفَهُم بذلك إنما هو من ناحيةٍ تشريعيّة قانونية، لا من ناحية دينية روحية، فلا يجبرون على الاعتقاد بها، لأنهم لا يجبرون على الإسلام، قال تعالى: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} [البَقَرَة: 256] ونهى الرسول (ص) عن أن يفتن أهل الكتاب في دينهم.
السّياسة الحربيّة في الإسلام
السياسةُ الحربيةُ هي رعايةُ شؤونِ الحربِ على وضعٍ من شأنهِ أن يجعل النّصرَ للمسلمينَ والخذلانَ لأعدائهم. وتبرزُ فيها النّاحيةُ العمليّةُ الآنيةُ وقد أجاز فيها الشرعُ أشياءَ حرّمها في غيرها وحرّم فيها أشياءَ أجازها في غيرها. فقد أجازَ فيها الكذبَ مع العدوِّ مع أنّه حرامٌ معه في غيرِ الحربِ. وحرّم اللّينَ مع الجيشِ مع أنّه مستحبٌّ في غيرِ الحرب. وهكذا جعلت السياسة الحربية اعتبارات خاصة منها ما يتعّلقُ بمعاملةِ العدوّ، ومنها ما يتعلّقُ بالأعمالِ الحربيّةِ نفسِها، ومنها ما يتعلّقُ بالجيشِ الإسلاميِّ، ومنها ما يتعلّقُ بغيرِ ذلك.
فمما يتعلّقُ بمعاملةِ العدوِّ. جعلَ الإسلامُ للخليفةِ وللمسلمينَ أن يفعلوا بالعدوِّ مثل ما من شأنهِ أن يفعلَهُ العدوُّ بهم، وأن يستبيحُوا من العدوِّ مثلَ ما يستبيحهُ العدوُّ منهم، ولو كان من المحرّماتِ. قال الله تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ *} [النّحل: 126] وقد رُوِيَ أن سببَ نزولِ هذهِ الآيةِ أنّ المشركينَ مثّلوا بالمسلمينَ يومَ أُحدٍ: بقروا بطونَهُم وشرموا آنافَهُم، وما تركوا أحداً إلا مثّلوا به إلاّ حَنْظَلَةَ بنَ الراهبِ. فوقفَ الرسولُ (ص) على حمزة وقد مُثِّلَ بهِ فرأى منظراً ساءه فقال «أما والذي أحلِف به، لا تجوز المثلة ولو بالكلب العقور» فنزلَتْ هذهِ الآيةُ. فالآيةُ نزلتْ في الحربِ وهيَ وإنْ كانت نَهَتْ عن الزيادةِ عن المثلِ ولكنها صريحة في إباحةِ أن يعاقِبَ المسلمونَ بمثلِ ما عوقبوا به، ومع أنّ التمثيلَ حرامٌ، ووردتِ الأخبارُ بالنهي عنه، إلاّ أنّ هذا النهيَ إنما يكونُ إذا لم يمثّل العدوُّ بقتلى المسلمينَ وإلاّ فإنّ للمسلمينَ أن يفعلوه إذا كانَ العدوُّ يمثّلُ في قتلاهم. ومثلُ ذلكَ الغدرُ ونقضُ العهدِ فإنّه إن فعلَهُ العدوُّ أو خيفَ منه أن يفعلَهُ جازَ للمسلمينَ أن يفعلُوه. قالَ تعالى: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ} [الأنفَال: 58] وعلى هذا فإن الأسلحةَ النوويَّة يجوزُ للمسلمينَ أن يستعملوها في حربِهِم مع العدوِّ قبلَ أن يستعملَها العدوُّ معهم، لأنّ الدّولَ كلّها تستبيحُ استعمالَ الأسلحةِ النوويَّةِ في الحربِ مع أنّ الأسلحةَ النوويَّةَ يَحْرُمُ استعمالُها في الإسلامِ لأنّها تُهلكُ البشر، والجهادُ هو لإحياءِ البشرِ بالإسلام لا لإفناءِ الإنسانيةِ، ومما يتعلقُ بالأعمالِ الحربيةِ حرقُ الأشجارِ أو قطعُها أو إتلافُ أطعمةِ الأعداءِ وزرعِهِم وتخريبُ دورهِم. قال تعالى: {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ *} [الحَشر: 5] وقد أحرقَ الرسولُ (ص) نخلَ بني النّضيرِ مع تحقّقهِ بأنّه سيؤولُ إليه. أما ما رُويَ أنّ أبا بكرٍ الصدّيقَ رضيَ الله عنه قالَ لأميرِ جيش بعثه إلى الشام: «لا تعقرنّ شاةً ولا بعيراً إلا لمأكلةٍ ولا تحرقنَّ نخلاً» وقد أقرّه الصحابةُ جميعاً ولا مخالفَ له، فإنّ ذلك هو الأصلُ في الحربِ وهو عدمُ تخريبِ العامرِ وعدمُ قطعِ الشجرِ، ولكن إذا رأى الخليفةُ أو قائدُ الجيشِ أن كسبَ المعركةِ يقضي بذلك جازَ في السياسةِ الحربيةِ التخريبُ ولو كان محرّماً. قال الله تعالى: {وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ} [التّوبَة: 120] وهذا الكلامُ عامٌّ في كلِّ شيءٍ، ولم يَرِدْ ما يخصّص هذه الآيةَ بالذّاتِ، لا آيةٌ ولا حديثٌ فتبقى على عمومها.
ومما يتعلّقُ بالجيشِ الإسلامي يحقُّ للإمام أو لأميرِ الجيشِ أن يمنعَ من الذهابِ للمعركةِ المنافقينَ أو الفسّاقَ أو المنخذلين والمرجِفينَ ومن شاكلَهم لقولهِ تعالى: {وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ * لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً وَلأَوْضَعُوا خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ} [التّوبَة: 46-47]. مع أنّ الجيشَ الإسلاميّ لا يمنعُ من الاشتراكِ به فاسقٌ ولا منافقٌ ولكن إذا اقتضتِ السياسةُ الحربيّةُ مَنْعَهُ من الذّهابِ للمعركةِ أو من القيامِ بعملٍ معيّنٍ أو من تولّي أمرٍ معينٍ فإنّه يجوزُ للخليفةِ ولأميرِ الجيشِ أن يفعلَ ذلك، ومما يتعلّقُ في غيرِ معاملةِ العدوّ، وغيرِ أعمالِ الحربِ، وغيرِ الجيشِ الإسلاميّ ما حصلَ مع الرسولِ (ص) في رجوعهِ من غزوةِ بني المصطلق، فإنّه رجعَ بالمسلمينَ بسرعةٍ فائقةٍ، وكان يمشي على أكثرِ قوّةٍ يستطيعُها حتى وصلَ المدينةَ وقد أنهكَ التعبُ الجيشَ، مع أنّ الحكمَ هو الرفقُ بالجيشِ، فعن جابرٍ قال: «كان الرسولُ (ص) يتخلّفُ في المسيرِ فيزجي الضعيفَ ويُردِفُ ويدعو لهم»، إلاّ أن السياسة الحربيّةَ بالنّسبة لما كان من عبد الله بنِ أبي سلول من إيقاع الفتنةِ بينَ المسلمينَ المهاجرينَ والأنصارِ اقتضت عدمَ السيرِ بسيرِ أضعفِ الجيشِ والسيرِ بسيرِ أقواهم، حتى لا يُترَكَ مجالٌ للحديثِ أو المناقشة.
وهكذا تقضي السيّاسةُ الحربيّةُ أن يقومَ الإمامَ بأعمالٍ تقتضيها دعايةُ شؤونِ الحربِ لكسبِ المعركةِ وخذلانِ العدوِّ والانتصارِ عليه. إلاّ أنّ هذا كلّهُ مفيدٌ إذا لم يرِدْ نصٌّ على عملٍ معيّنٍ، فإذا وَرَدَ نصٌّ خاصٌّ فإنّه لا يجوزُ أن يُفعلَ ذلك العملُ بحجّةِ السّياسةِ الحربيّةِ لأنّ السياسةَ الحربيّةَ عامّةٌ إلاّ أن يرِدَ نصٌّ في أمرٍ يستثنيهِ من العمومِ فيتبع النصّ فيما خُصّصَ به.
روى أحمدُ عن صفوانَ بنِ عسال قال: بعثنا رسول الله (ص) في سريّةٍ فقالَ: «سيروا باسمِ اللّهِ وقاتلوا في سبيلِ اللّهِ، قاتلوا من كفرَ باللّهِ، ولا تمثّلوا ولا تغدروا، ولا تقتلوا وليداً». ورويَ أنّه وُجدتْ امرأةٌ مقتولةٌ في بعضِ مغازي النبي (ص) فنهى رسولُ الله (ص) عن قتلِ النّساءِ والصبيان». وقال رسولُ الله (ص): «لا تقتلوا الذريّة في الحرب». فقالوا يا رسول الله أو ليس هم أولادَ المشركين، قال: «أوليس خيارُكُمْ أولادَ المشركينَ»، وعن أنسٍ أنّ رسولَ الله (ص) قال: «انطلقوا باسم الله وبالله وعلى ملّةِ رسولِ اللّهِ، لا تقتلوا شيخاً فانياً ولا طفلاً صغيراً ولا امرأةً، ولا تغلّوا، وضمُّوا غنائمكم وأصلِحوا إنّ الله يحبُّ المحسنين». وقد وردت النّصوصُ على أنّهُ يجوزُ أن تفعلَ هذه الأمورُ جميعُها وأنْ يُضربَ بالمدافعِ والقنابلِ من بعيدٍ وأنْ يُقتلَ الصّبيانُ والنّساءُ إذا لم يُمكن الوصولُ إلى الأعداءِ إلاّ بقتلهم لاختلاطهِم بهم. عن الصعب قال: «سألتُ رسولَ اللّهِ (ص) عن أولادِ المشركينَ أنقتلُهم معهم قالَ: نعم». ورُوِيَ عن رسول اللّهِ (ص) أنه نصبَ المنجنيقَ على أهلِ الطّائف. والمنجنيقُ حين يُضربُ به لا يميّزُ بين المرأةِ والرجلِ والطفلِ والشيخِ الكبيرِ إلى غير ذلكَ، فدلَّ على أنّ الأسلحةَ الثّقيلةَ كالمدافعِ والقنابلِ يجوزُ استعمالُها في الحربِ وكذلك إذا لم يُمكن الوصولُ إلى الأعداءِ إلا بوطءِ أو بقتلِ الذّريةِ والنّساءِ، فإذا أصيبوا لاختلاطِهم بهم جازَ قتلُهم. أمّا فعلُ كل من هذهِ الأمورِ وَحْدَهُ في غير المنجنيقِ وفي غير حالة عدم إمكانيّة التّمييزِ بينَ الأعداءِ الّذين نحاربُهم ففيه تفصيلٌ حسبَ ما وردَ في النّصوصِ. أما الصّبيانُ فيحرمُ قتلهم مطلقاً في غير الحالتين السابقتين، وكذلك الأجيرُ الذي يكونُ مع القومِ مجبراً لأنّه من المستضعفين، وذلك لورودِ النّهي عن قتلِهما بشكلٍ قاطع ولم يعلّلْ بأيِّ علّة. وأما النّساء فإنّهُ يُنظرُ فيها، فإن كانت المرأةُ تحاربُ جازَ قتلُها، وإن لم تكن تحاربُ لم يجزْ قتلُها. ورُوِيَ عن رسولِ اللّهِ (ص) أنّه مرّ بامرأةٍ مقتولةٍ يومَ حنينٍ فقالَ: «من قتلَ هذه؟» فقالَ رجلٌ: أنا يا رسولَ الله غنمتُها فأردفتُها خلفي فلما رأتِ الهزيمةَ فينا أهوتْ إلى قائمِ سيفي لتقتلني فقتلتُها، فلم ينكرْ عليه الرّسولُ (ص). وبذلك يتبيّن أن المرأةَ إذا قاتلت جازَ قتلُها، وأما الشّيخُ الفاني فإنّه إذ كان فانياً لم يبقَ فيهِ نفعٌ للكفّار ولا مضرّةٌ على المسلمينَ فلا يجوزُ قتلُه للنّهي عن قتلهِ. وأما إذا كان العكسُ فيجوزُ قتلُه. وذلك لما رُوِيَ عن سمرةَ أنَّ النبيَّ (ص) قال: «اقتلوا شيوخَ المشركين» فهذه الأمورُ التي وردَ بها النصُّ وما عدا ذلك فإنه يجوزُ، ولا يُستفظعُ أيُّ عملٍ يفعلُهُ المسلمونَ بعدوّهم ما دامَ هذا العملُ حصلَ في حالةِ الحربِ سواءٌ أكان هذا العملُ حلالاً أم حراماً في غيرِ الحرب. ولا يُستثنى من ذلك إلا الفعلُ الذي وردَ النصُّ في النّهي عنه في الحربِ صراحةً.
طبيعَةُ النِّظامِ الإسْلاميّ طبيعَةُ بقاءٍ واستِمرار
وهو يضمن عدم وقوع الانقلابات. والانقلابُ في نظرِ الإسلام هو الانقلابُ على النِّظامِ وعلى الدولةِ التي تنفذ ذلك النِّظام. أما استبدالُ رجال الحكم برجال حكم آخرين فلا يسمى انقلاباً مطلقاً. وكذلك ثورة الأمة على رجال الحكم إذا أخلّوا بالشرع ولم يحققوا سيادته لا تُسَمّى انقلاباً، بل هي حركة تحريرية لتصحيح الأوضاع.
فالانقلابُ هو استبدالُ نظام بنظام آخر. وهذا هو المهمُّ في الانقلاب. وقد ضمن الإسلام في نظامه عدم حدوثِ الانقلابات. وذلك أن طبيعةَ النظامِ الإسلامي طبيعة بقاء واستمرار، وتحمل في صلبها الضمانات الكافية لصيانتها من الانقلابات.
وهي ليست في حاجة إلى القوة لضمان عدم وقوع الانقلاب، وإنما القوةُ أداة تنفيذية لمقابلة المادة بالمادة، كما تقتضيه طبيعة الكون والحياة والإنسان.
والضمانات الحقيقية من الانقلابِ موجودةٌ في أُسُسِ النظام وفي صلبه، ومُركّزةٌ في طاقتهِ وتشريعه. وهي ظاهرة ظهور الشمس من المسائل الآتية:
1 ـ إن المبدأَ الإسلامي يعملُ من داخلِ النفس وخارجها في الفردِ، والجماعةِ، والدولةِ، بالتشريعِ والتوجيهِ. وبالحرص على سيادة الشرعِ، ووجود تقوى الله معاً في وقت واحد. وهذه سيادة تشملُ الفردَ والدولةَ والأمةَ وهذا وحده كافٍ لصيانتهِ من الانقلاب صيانةً أبدية، لأنَّ من يتخذ مبدأه رسالته، فيحيا من أجلها، ويستعد للموتِ في سبيلها، لا يمكن أن تُحَدِّثَهُ نَفْسُهُ بالانقلابِ على هذه الرسالةِ، ومن كان منافقاً لهذه الرسالة في الدولة، أو كافراً بها، لا يمكن أن ينقلبَ عليها ما دامت قد ضمنت فيها سيادة الشرع، ليعيش في ظله لأنَّ سيادةَ القانون وحدها متى ضمنت في أمة كانت هذه السيادة خير ضمانة من الانقلاب إذا كان القانونُ عادلاً، فكيف بها إذا ضَمّتْ إليها تقوى الله؟
2 ـ يجعل هذا المبدأُ طبيعةَ عمل الدولة التي تُنَفذهُ، أنها خادمة للأمة، وليست سيدة عليها، ويتحتمُ عليها القيام بما يتطلبُه الفردُ من جميع الأشياء المعاشية، والعلمية، والصحية، وتأمين ما يهيىء له إشباع نواحيه العاطفية أو الغريزية، في حدود مصلحة الجماعة، ونفاذ أحكام الشرع بجعل الأمة تشعر أن بقاءَ هذا الحكم ألزم لها من كل شيء. وهل من الممكن أن يحاولَ فرد أو جماعة، الثورة ضد مبدإٍ يقولُ فيه رئيسُ الدولة لهم ما يقوله عمر بن الخطاب: «ولكم عليّ أيها الناس خِصَالٌ أذكرها لكم، فخذوني بها، لكم عليّ ألاّ أجتبي شيئاً من خراجكم ولا ما أفاء الله عليكم إلا من وجهه، ولكم عليّ إذا وقع في يدي ألاّ يخرجَ منها إلاّ في حقه ولكم عليّ ألاّ ألْقيكم في المهالك ولا أجمِّركم في ثغوركم، وإذا غبتم في البعوث فأنا أبو العيال».
نعم أمير المؤمنين أبو العيال إذا غاب أبوهم عنهم! ومثل هذه الدولة التي يضمن نظامها حياةَ أفرادها، ويوجبُ عليها القيام بهذه الضمانة، لا يمكنُ أن تجري محاولة انقلابية فيها، لأنَّ طبيعةَ عملها أي وظيفتها تجعل هذه المحاولة في حكم المستحيل.
3 ـ إن السلطانَ في هذا المبدإ للأمة، وهي التي تنيبُ رئيس الدولة عنها، وهي التي تَبْقَى رقيباً للدولة في قيامها بواجباتِها.
وبذلك كان هذا النوع من الحكم ضمانة طبيعية من الانقلاب. فكل مَنْ تُحدّثُه نَفسُهُ بإحداثِ أي انقلاب في الدولة لا تكونُ العقبةُ التي أمامه هي رجالُ الحكمِ فقط، بل تكونُ الأمةُ بأسرها في وجهه، فلا يقدم على ذلك، وإنْ أَقدمَ فقد أقدمَ على الانتحارِ.
4 ـ إن نظرةَ هذا المبدأ نظرة جماعية في عقيدتِه وعباداتهِ وتشريعاته وأوامره، يجعلُ الاهتمامَ بالجماعة صِنْوَ الإيمان، فمن لم يهتم بأمرها فليس منها إيماناً وإسلاماً، قال عليه السلام: «من لم يهتمَّ بأمرِ المسلمين فليس منهم»(+).
ولذلك يَعتَبرُ كُلُّ مسلمٍ نفسه مسؤولاً عن الجماعة وليس مسؤولاً عن نفسه فقط، وواجبه الدفاع عنها، ولو لم يدافع عنها سواه، قال (ص): «كل مسلمٍ على ثغرةٍ من ثُغَرِ الإسلامِ فلا يؤتينّ من قبله»(+) ولذلك يصبحُ كل فردٍ في الأمةِ رقيباً وحارساً، ولا يمكنُ لمن يحمل هذه المسؤولية بالرقابة والحراسة أن ينقلبَ ضدَّ مسؤوليته. وفي هذا أيضاً ضمانة من الانقلاب.
5 ـ إن الأمة مأمورة بطاعةِ الدولة أمراً إلهياً، له أثره في نفسها خوفاً من عقاب الله، وأمراً تشريعياً له نتائجه من العقاب الصارم في الدنيا. أما الأمر الإلهي فظاهر في الآيات الكثيرة والأحاديثِ الجمة التي نَصّتْ على وجوبِ طاعةِ وليّ الأمر، والتي جعلت جهنمَ جزاءً وفاقاً لمن يخرج على السلطانِ العادل.
وأما التشريع فإن في هذا النظام زجراً شديداً لمن يحاول الخروج على الدولة، أو يحاولُ الانقلاب عليها. وقد سُمِّيَ الخارجون على الدولةِ البغاة. وحكمهم أن على الدولةِ أن تراسلهم، فإن لم يرجعوا قاتلتهم وجوباً، قتالَ تأديب لا قتالَ حرب.
6 ـ إن نظامَ الحكم في الإسلام هو نظام مركزي، ونظام وحدة. فالمركز هو الذي يسيطرُ على الحكمِ في جميع أجزاء الدولة. ولذلك تكونُ الأقاليمِ كلها تحت سلطانهِ، فلا تتمكنُ من الخروج عن هذا السلطان، ولا تتاحُ لأيِّ إقليمٍ فُرصته للاستقلال لتطبيق نظام آخر فيه، وانفصاله عن الدولة. علاوةً على أن كل إقليم يعتبرُ نفسه مسؤولاً عن الدولة كأنه المركز؛ لأنه بضعة من جسم الدولة، ويَعْتَبرُ أنَّ الاعتداءَ على الدولةِ اعتداء عليه، والاعتداءُ على المبدإ في أي جزء من أجزاءِ الدولة اعتداء على نظامه هو. وهذا الاعتبار نفسه يُحبط كُلَّ محاولةٍ للانقلابِ في مَهْدِها.
7 ـ لم يذكر لنا الواقع التاريخي محاولة للانقلاب الكلي، سوى محاولة واحدة أو محاولتين. ولم تنجح واحدة منهما فقد حاول العربُ إثر وفاةِ الرسول عليه السلام أن يُحدثوا الانقلاب بإلغاءِ نظام الزكاة، والانفصال عن الدولة لا بالحكم فقط بل بالدين كما حدث في اليمن، حيث رجعوا إلى دينهم القديم. ولكنَّ الإسلامَ كان قويّاً واستطاعت الدولةُ التي تَقومُ على تنفيذه مع قلة عددها وصغر الرقعة التي تسيطرُ عليها سيطرةً تامّةً بالنسبةِ لجزيرة العرب، استطاعت الدولةُ أن تَقضيَ على هذه المحاولة في الحرب المعروفة بحروب الردة، وأعادت الأمرَ إلى نصابِه، والدولة إلى وحدتِها، والنظام إلى حياته الأولى، بتطبيقه تطبيقاً تاماً. مع أنه لم يكنْ قد مضى على هذا النظام المدة الكافية التي تجعلُ له العراقة التامة، والتركز الكامل، الذي يحتاجُ إلى وقتٍ طويلٍ في أي نظام. وقد حاول بابك الخرمي(+)، أن يُحدِثَ انقلاباً في بعضِ أجزاء الدولة الإسلامية في إيران. ولكن محاولتَه باءت بالفشل وقضت الدولةُ عليه وعلى أتباعه.
وأما غزو التتار، والحروب الصليبية، والحروب الاستعمارية فهي ليست انقلاباً، وإنما هي غزو مسلح للإسلام والمسلمين. وأمّا ما فعله معاويةُ من نقل الخلافة إلى مُلك، وإحداثِ ولاية العهد، فلا يسمى انقلاباً وإنما هو انحراف وإساءة للتطبيق في بعضِ أنظمة الحكم التي كانت مطبقة في عهد الخلفاء الراشدين. وقد توَسّلَ معاوية لهذا بدعوى الاجتهاد بما يوافقُ المصلحة (أي مصلحته الخاصة) وبإظهاره خداعاً، الحرص التام على كيانِ الأمة الإسلامية.
ومعاويةُ بنُ أبي سفيان كان يفهمُ رئاسة الدولة أنها ملكٌ وليست خلافة: انتبه إلى قوله حين خطبَ في أهلِ الكوفة بعد الصلحِ، قال: «يا أهلَ الكوفة أتراني قاتلتكم على الصلاة والزكاةِ والحجِّ وقد علمتُ أنكم تُصلّونَ وتُزكّونَ وتحجّون؟ ولكنني قاتلتُكم لأتأمّرَ عليكم وعلى رقابكم. وقد آتاني الله ذلك وأنتم كارهون. ألا إنَّ كُلَّ مالٍ ودمٍ أُصيبَ في هذه الفتنة فمطلول. وكل شرطٍ شرطتُه فتحتَ قدميّ هاتين» نعم استمع إليه وهو يقول ذلك تَجِدْهُ يُعلنُ عن نفسه، أنه يخالفُ الإسلامَ، حين يُعلنُ أنه قاتلَ الناسَ ليتأمرَ عليهم وعلى رقابهم، وحين يتجاوزُ ذلك إلى ما هو أشد وأنكر، وهو يقول للناسِ: كل شرط شرطه فتحتَ قدميه، فهو يقول صراحة أنه لا يحترم العهدَ وهو غير مستعد أن يفي به إذا خالف هواه.
إن طريقة اجتهاد معاوية في الأمور السياسية كانت تقوم على أساس المنفعة. ولم يتأثر بالإسلام أي بأوامر الله ونواهيه بل كان متأثراً بالنظام الذي كان سائداً في تلك الأيام عند الدولتين: البيزنطية والساسانية، اللتين كان الحكمُ فيهما وراثياً، فجعل ولده يزيد ولي عهده، واحْتَال بأخذِ البيعة له في حياته.
الكذبُ في الحَربِ
الكذبُ كلّه حرامٌ قطعاً بنصِّ القرآنِ القطعيِّ، وتحريمُهُ من الأحكامِ المعروفةِ من الدّينِ بالضرورةِ. قالَ تعالى: {لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ *} [آل عِمرَان: 61] ولكِنْ وَرَدَ نصٌّ استثنَى من تحريم الكذب أشياءَ معيّنةً حصرَها وحدّدَها فلا يجوزُ تعدّيها لما رُويَ عن الرسول (ص) قال: «يا أيّها النّاسُ ما يحملُكم أنْ تَتَابَعُوا على الكذب كتَتَابُع الفراش في النّار. الكذبُ كلُّه على ابنِ آدمَ حرامٌ إلا في ثلاثِ خصالٍ: رجلٌ كذبَ على امرأتهِ ليُرضيَهَا، ورجلٌ كذبَ في الحربِ فإنّ الحربَ خدعةٌ، ورجلٌ كذبَ بين مسلمَيْن ليُصلِحَ بينهما»(+) فهذه الثّلاثُ من المستثنياتِ من تحريمِ الكذبِ بنصٍّ صحيح، فلا يحلُّ أن يقعَ الكذبُ في غيرها إذ لا يُستثنَى من عمومِ النصِّ إلاّ ما خصّه الدليلُ. وكلمةُ «في الحرب» الواردةُ في الحديثِ ليس لها إلا معنى واحدٌ وهو حالةُ الحرب الفعليّة، فلا يجوزُ الكذبُ في غيرِ حالةِ الحربِ مطلقاً، وأما ما صحَّ عن النبيّ (ص) من أنّهُ كان إذا أراد غزوةً ورَّى بغيرِها، فإما المرادُ أنّه كان يريدُ أمراً فلا يظهرُه كأنْ يريد أنْ يغزوَ جهةَ المشرقِ فيسأل عن أمرٍ في جهةِ الجنوبِ ويتجهّز للسّفرِ فيظنُّ من يراه ويسمعُهُ أنّه يريدُ جهةَ الجنوبِ. وإمّا أنّه يصرّحُ بإرادتهِ الجنوبَ ومرادُهُ المشرقُ فلم يحصلْ، فلا يكون على هذا إخباراً بخلافِ الواقع وإنما هو من قبيلِ التّوريةِ، علاوةً على أنه داخلٌ في حالةِ الحربِ الفعليّةِ، لأنّه ذهابٌ إلى المعركةِ لمحاربةِ العدوِّ فعلاً، وهو من الخدعةِ الواردةِ في قوله عليه وعلى آله الصلاةُ والسلامُ «الحربُ خدعة»(+).
وأمّا ما رُوِيَ عن جابرٍ أن رسول الله (ص) قال «من لكعبِ بن الأشرف فإنّه قد آذى الله ورسولَهُ»، قال محمد بن مسلمة: أتحبُّ أن أقتلَه يا رسولَ الله؟ قال: «نعم»، قال: فائذنْ لي فأقول، قال: «قد فعلت»، قال: فأتاه فقال: إن محمداً قد عنانا وسألنا الصدقةَ ونكرهُ أن ندعَه حتى ننظرَ إلى ما يصيرُ إليه أمرُه ولم يزلْ يكلّمُه حتى استمكن منه فقتله» فإنّه أيضاً في حالةِ الحرب، وإنّه وإن كانت ألفاظُ الحديثِ نصّتْ على أن الألفاظَ التي قالها محمد بن مسلمة صدقٌ وليس بكذبٍ وإنما هو تعريضٌ ولكنّ رسول الله (ص) أذنَ له أن يقولَ كلَّ شيء. ويدخلُ فيه الإذنُ في الكذبِ تصريحاً وتلويحاً، وهو داخلٌ في حالةِ الحربِ. ومن حديثِ أنسٍ في قصّة الحجّاج بن علاط في استئذانه الرسولَ (ص)، وإخبارِهِ لأهلِ مكّة أن أهلَ خيبر هزموا المسلمين، فإنه يدخلُ كذلك في حالةِ الحرب. إذ جوازُ الكذبِ لا يقتصرُ على المعركةِ ولا على المحاربين بل يجوزُ للمسلمين أن يكذبوا على الكفّار أعدائهم إذا كانوا في حالةِ حربٍ فعليّةٍ معهم.
التجسُّسُ
التجسّسُ هو تفحّصُ الأخبارِ، يقالُ في اللّغةِ جسَّ الأخبارَ وتجسسها تفحّص عنها، ومنه الجاسوس. فإذا تفحّص الشّخصُ الأخبارَ فقد تجسّسها سواءٌ تفحّصَ الأخبارَ الظّاهرةَ أو المخفيّةَ، فلا يُشترطُ في تفحّصِ الأخبارِ أن تكونَ مخفيّةً حتى يكونَ تجسّساً، بل التجسّسُ هو تفحّصُ الأخبار ما يخفى منها وما يظهرُ أي الأسرار وغير الأسرار.
أما من يتتبّعُ الأخبارَ ليجمعَها وينشرَها على الناسِ كمراسلي الجرائد ووكالاتِ الأنباءِ فلا يكونُ جاسوساً بل يكونُ مراسلاً، إلاّ أن يكونَ عملُه التجسّسَ واتّخذَ مراسلةَ الجرائدِ والوكالاتِ وسيلةً. ففي هذه الحالِ يكون جاسوساً لا لكونهِ مراسلاً يتتبّعُ الأخبارَ، بل لكونِ عملِهِ هو التجسّس، واتّخذ المراسلةَ وسيلةً للتّغطيةِ كما هي الحالُ مع كثيرٍ من المراسلين، ولاسيما الأعداء الحربيّين منهم. وأما موظفو دائرة التحرّي والمكتب الثاني، ومن شاكلَهُمْ ممن يتفحّصُ الأخبارَ فإنّهم جواسيسُ لأنّ طبيعةَ عملِهِم تتعلّقُ بالتجسّس.
هذا هو واقعُ التجسّسِ وواقعُ الجاسوسِ، أما حكمُ التجسّس فإنّه يختلفُ باختلافِ من يُتجسّسُ عليهم. فإن كان التجسّسُ على المواطنينَ الّذين هم رعايا الدولةِ الإسلاميّةِ فحرامٌ ولا يجوزُ، وإذا كان التجسّسُ على الأعداءِ الحربيّين سواءٌ أكانوا حربيّين حقيقةً أو حكماً، فإنه جائزٌ للمسلمينَ وواجبٌ على الخليفةِ. أمّا كونُ التجسّسِ على المواطنين حراماً فثابتٌ بصريح القرآنِ الكريم. قالَ تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلاَ تَجَسَّسُوا} [الحُجرَات: 12] فنهى الله في الآيةِ عن التجسّس وهذا النهيُ عامٌّ فيشملُ كلّ تجسّس، سواءٌ أكان تجسّساً لنفسه أم لغيره، وسواءٌ أكان تجسّساً للدولةِ أم للأفرادِ، وسواءٌ أكان الّذي يقومُ به الحاكمُ أم المحكومُ، فالكلامُ عامٌّ يشملُ كلّ شيءٍ ينطبقُ عليه أيُّ تجسّس، فكلُّه حرام.
وهنا يردُ سؤالٌ وهو: هل يجوزُ للمسلمِ أن يشتغلَ موظفاً في دائرةِ التحرّي أو دائرةِ المباحثِ أو غيرِها من الدوائر التي يكونُ عملُها أو من عملِها التجسّس؟
الجوابُ على ذلكَ: يُنظرُ، فإنْ كانت الوظيفةُ للتجسّسِ على المواطنينَ فلا يجوزُ، وأمّا إن كانت الوظيفةُ للتجسّسِ على الأعداءِ الحربيّينَ الذين يدخلون بلادَنا من مستأمِنين ومعاهِدين فإنّه يجوزُ كما أنه يجوزُ التجسّسُ عليهم في بلادِهم، وعلى ذلك فإن وجودَ دائرةِ التحرّي والمباحثِ أو ما شاكلها ليس بحرام بل واجبٌ والحرامُ أن توجِدَ الدولةُ دائرةً للتجسّسِ على المواطنين. ولا يقالُ إنّ مصلحةَ الدولةِ تقتضي أن تعرفَ أخبارَ الرعيّة حتى تكشفَ المؤامراتِ وتهتديَ إلى المجرمين لأن على الدولةِ أن تعرفَ ذلك عن طريق الشّرطةِ والعسسِ وليس عن طريق التجسّس. على أنّ كونَ العقلِ يرى أنّ ذلك الشيءَ مصلحةٌ أو ليس بمصلحةٍ لا يكون علةً للتحريمِ أو الإباحةِ، وأما ما يراه الشّرعُ مصلحةً فهو مصلحة. على أن آياتِ القرآنِ الكريمِ حين تأتي صريحةً في تحريمِ شيءٍ لا يبقى مكانٌ للحديثِ عما فيه مصلحةٌ لتعليلِ جعلِهِ حلالاً، إذ لا قيمةَ لذلك أمامَ نصِّ القرآنِ الصّريحِ، والقرآنُ يقولُ: {وَلاَ تَجَسَّسُوا} [الحُجرَات: 12] يعني النهي عن التجسّسِ، ولا سبيلَ إلى فهم غير ما تدلُّ عليه الآيةُ وما هو صريحٌ في لفظِها، ولم يردْ أيُّ دليلٍ يخصّصُ عمومَ هذهِ الآيةِ أو يستثني منها شيئاً فتبقى على عمومها تشملُ كلَّ تجسّس، فيكونُ التجسّسُ على الرعايا كلُّه حراماً.
هذا بالنسبةِ للتجسّسِ على المواطنين، أما تجسّسُ المواطنين أي «المسلمين والذميين» على الأعداءِ الحربيّين سواءٌ كانوا حربيّينَ حقيقةً أم حكماً فهو مستثنى من عموم الآيةِ لورود أحاديثَ منها أن النبيَّ (ص) بعثَ عبد الله بن جحش وبعثَ معه ثمانيةَ رهطٍ من المهاجرين وكتبَ له كتاباً وأمره أن لا ينظرَ فيه حتى يسيرَ يومين ثم ينظر فيه فيمضي لما أمره به ولا يستكرهُ من أصحابه أحداً، فلما سار عبد الله يومين فتح الكتابَ فنظر فيه فإذا فيه «إذا نظرتَ في كتابي هذا فامض حتى تنزلَ نخلة بين مكةَ والطائفِ فترصدَ بها قريشاً وتعلمَ لنا من أخبارهم» ففي هذا الكتاب يأمرُ الرّسولُ (ص) عبدَ الله بنَ جحش بالتجسّسِ له على قريش وبأن يُعلمَهُ من أخبارها. ولكنّه يجعلُ التخيير لأصحابه أن يسيروا معه أو لا، أما هو فإنّه يأمرُه أن يمضيَ. فيكونُ الرَّسولُ (ص) قد طلبَ القيامَ بالتجسّسِ من الجميع ولكنّه عزم على عبدِ الله وخيّرَ الباقين، وهذا دليلٌ على أن الطّلَبَ بالنسبةِ لأمير الجماعةِ طلبٌ جازمٌ وبالنسبةِ لغيره غيرُ جازم، فكان ذلك دليلاً على أن تجسّس المسلمين على العدوِّ جائزٌ وليس بحرام، ودليلاً على أن التجسّسَ واجبٌ على الدولة. على أن التجسّسَ على العدوِّ من الأمور التي لا يستغني عنها جيشُ المسلمين، فلا يتمُّ تكوينُ جيش للحرب دونَ أن تكونَ معه جاسوسيّة له على عدوّه، فصار وجودُ الجاسوسيّةِ في الجيش واجباً على الدولة من باب «ما لا يتمُّ الواجبُ إلاّ به فهو واجبٌ» هذا حكمُ التجسّس من حيثُ كونُه حراماً أو جائزاً أو واجباً. أما حكمُ عقوبةِ الجاسوسِ الذي يتجسّسُ للأعداءِ الحربيّين فتختلفُ باختلافِ تابعيّةِ الجاسوسِ وباختلاف دينه. أما الكافرُ الحربيُّ حين يكونُ جاسوساً فإنَّ حكمَهُ القتلُ بمجرَّدِ ثبوتِ كونِهِ جاسوساً، وذلك لما رواه سلمةُ بن الأكوع قالَ: «أتى النبيَّ (ص) عينٌ وهو في سفر، فجلس عند بعض أصحابه يتحدّثُ ثم انسلّ، فقال النبيُّ (ص): اطلبوه فاقتلوه، فسبقتُهُمْ إليه فقتلتُهُ فنفلني سلبَهُ» وفي روايةٍ لأبي نعيمٍ في المستخرج «أدركوه فإنّه عينٌ» فهذا صريحٌ بأن الرّسولَ بمجردِ أن ثبت عنه أنه جاسوس قال: اطلبوه فاقتلوه.
أما الذميُّ حين يكون جاسوساً فإنّه ينظرُ فيه، فإن كان قد شُرطَ حين دخولِهِ الذمّةَ أن لا يتجسّسَ وإن تجسّسَ يقتلُ، فإنّه يُعملُ بالشرطِ، وأما إن لم يُشرَطْ عليه ذلك فإنه يجوزُ للخليفةِ أن يجعلَ عقوبتَهُ القتلَ لما رواه أحمدُ عن فرات بن حبان أن النبي (ص) أمر بقتله وكان ذميّاً وكان عيناً لأبي سفيان وحليفاً لرجل من الأنصار أي أنه كان معروفاً. فالرسول (ص) قال في شأنِ الكافر الحربيّ: «اطلبوه فاقتلوه». أما في شأنِ فرات بن حبان فقد أمر بقتله ولم يطلب من المسلمين أن يقتلوه. وظاهرٌ في ذلك الفرقُ بينهما بأن الحربيَّ طلب قتله جازماً، والذميَّ طلب قتله طلباً غير جازم، مما يدلُّ على جواز قتل الجاسوس الذميِّ، وجواز عدم قتلِهِ.
وأما الجاسوسُ المسلمُ الذي يتجسّسُ للعدوِّ على المسلمين والذمِّيّين فإنه لا يقتلُ، لما روى مسلمٌ عن ابن مسعود قال: قال رسولُ الله (ص) «لا يحلُّ دمُ امرىءٍ مسلم يشهدُ أن لا إله إلا الله وأني رسولُ الله إلا بإحدى ثلاثٍ: الثيِّب الزاني، والنفسُ بالنفس، والتاركُ لدينه المفارق للجماعة»(+). فهذا الحديثُ حصرَ القتلَ في هذه الثلاث، وما عداها من الذنوب لا يجوزُ أن يكونَ عقوبتُها القتل بالنسبةِ للمسلم، فتكونُ عقوبتُه التعزيرَ. وروى البخاري عن عليٍّ سلام الله عليه قال: «بعثني رسولُ الله (ص) أنا والزبيرَ والمقدادَ بنَ الأسودِ» وقال: «انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينةً ومعها كتابٌ فخذوه منها»، فانطلقنا تتعادى بنا خيلُنا حتى انتهينا إلى الروضةِ فإذا نحن بالظعينة، فقلنا: أخرجي الكتاب، فقالت: ما معي من كتابٍ، فقلنا: لَتُخْرِجِنَّ الكتابَ أو لَتُلْقِينَّ الثّيابَ. فأخرجته من عقاصها، فأتينا به رسول الله (ص) فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعَة إلى ناس من المشركين من أهلِ مكّةَ يخبرُهم ببعض أمر رسولِ الله (ص)، فقال رسول الله (ص): يا حاطبُ ما هذا؟ قال: يا رسولَ الله لا تعجَلْ عليَّ إني كنت امرأً ملصقاً في قريشٍ، ولم أكن من أنفسها، وكان من معك من المهاجرين لهم قراباتٌ بمكّةَ يحمون بها أهلهم وأموالَهم، فأحببتُ إذا فاتني ذلك من النسبِ فيهم أن أتّخذَ عندهم يداً يحمون بها قرابتي، وما فعلتُ ذلك كفراً ولا ارتداداً ولا رضاً بالكفر بعد الإسلام. فقالَ رسولُ الله (ص): «لقد صدقكم». فالحديثُ ثابتٌ ويُحتجُّ به وهو دليلٌ على أنّ الجاسوسَ المسلمَ لا يُقتلُ وإنما يعاقبُ بالحبسِ وغيره حسب ما يراه القاضي أو الخليفةُ.
الهدنة
عقدُ الهدنةِ بين المسلمين وغيرِ المسلمين جائزٌ لمهادنةِ الرسولِ (ص) قريشاً عامَ الحديبية. ولكنّ جوازَ الهدنةِ مقيدٌ بوجودِ مصلحةٍ يقتضيها الجهاد أو نشرُ الدّعوة. وذلك أن رسولَ الله (ص) بلغه قبل مسيره إلى الحديبيةِ أنّ مواطأةً كانت بين أهل خيبر ومكة على غزوِ المسلمين، وأنه بادر بعد رجوعه من الحديبيةِ مباشرةً إلى غزو خيبر، وبادر كذلك إلى إرسالِ الرّسُلِ إلى الملوكِ والأمراءِ يدعوهم إلى الإسلامِ مما يدلُّ على أن هدنةَ الحديبية كانت لمصلحةٍ تتعلّقُ بالجهادِ ونشرِ الدعوة، إذ استطاع بموادعةِ قريش أن يتفرّغَ لحربِ خيبر ولدعوةِ الملوكِ والأمراءِ. ولا تجوزُ الهدنةُ عند عدمِ وجودِ هذه المصلحةِ، إذ الهدنةُ تركُ القتالِ المفروضِ، وهو لا يجوزُ إلا في حالٍ يقع وسيلةً إلى القتالِ لأنها حينئذٍ تكونُ قتالاً. قال تعالى: {فَلاَ تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ} [محَمَّد: 35] وإذا تحققت المصلحةُ لعقدِ الهدنةِ يجبُ تقديرُ مدةٍ معينةٍ معلومةٍ لها لأنها شرطٌ من شروطِ صحّتِها، فإذا لم تُحدّد مدّة معيّنةٌ فيها عقدُ الهدنةِ، لأن هدنةَ الحديبيةِ قد حُدّدت فيها مدةٌ معيّنةٌ. وإذا عُقِدَتِ الهدنةُ وصحّت وجب علينا الكفُّ عنهم ومراعاة عقدِ الهدنةِ حتى تنقضيَ مدّتُها أو ينقضوها هم. ويكون نقضُها بتصريحٍ منهم أو بقتالنا، أو فعلِ شيءٍ مخالفٍ لشروطِ الهدنة ولم ينكر الباقون بقولٍ ولا فعل. فإذا حصل ذلك تنقضي الهدنةُ فيهم جميعاً، وكذلك إذا خافت الدّولةُ خيانتَهُم بشيءٍ مما ينقضُ إظهارُه الهدنةَ بأن ظهرت أمارةٌ بذلك، كان هذا نقضاً للهدنة. وإذا حصل شيءٌ من ذلك جازت الإغارةُ عليهم في كل وقتٍ ليلاً أو نهاراً لأنّ نقضَهُمْ للهدنةِ يُبيحُ للمسلمينَ أن يقاتلوهم وأن ينقضوا الهدنةَ معهم، لأن الرسولَ (ص) لما هادنَ قريشاً فنقضت عهدَهُ حلَّ له منهم ما كان محرماً، فقاتلهم وفتحَ مكّةَ لأن الهدنةَ عقدٌ مؤقتٌ ينتهي بانقضاءِ مدته أو بنقضه. قالَ تعالى: {فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ} [التّوبَة: 7] وقال: {وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ *} [التّوبَة: 12]. وإذا أخلَّ الأعداءُ بشروطِ الهدنةِ ولم يراعوا اتفاقيتَها في تصرفاتِهِم معنا فقد احلّونا من عهدنا وبذلك حلّت لنا دماؤهم وأموالُهم ووجب علينا حربُهم، فيجب علينا أن نقاتلَهم مذ قاتلونا وإن ننقضَ الهدنةَ معهم مذ نقضُوها.
المُعاهَداتُ
للدّولةِ الإسلاميّةِ أن تعقدَ معاهداتِ الصّلحِ والهدنةِ وحسنِ الجوارِ ومعاهداتٍ ثقافيةً والمعاهداتِ التِّجاريّةَ والماليّةَ وما شابه ذلك من المعاهداتِ التي تقتضيها مصلحةُ الدّعوةِ الإسلاميّةِ بالشّروطِ التي يُقِرُّها الإسلامُ. وإذا تضمنت هذه المعاهداتُ شروطاً لا يُقِرُّها الإسلامُ فإنّهُ يبطلُ منها من الشّروطِ ما لا يصح في الإسلامِ وتبقى المعاهدةُ نافذةً في باقي الشروط. لأنّ كلَّ شرطٍ يخالفُ الشّرعَ باطلٌ ولو رضيَ به ووافقَ عليه خليفةُ المسلمين. فإذا كانت بين الدولةِ الإسلاميّةِ وبين عدوِّها حالةُ حربٍ فإنّه يجوزُ لها أن تعقدَ معاهدةَ هدنةٍ ومعاهدةَ صلحٍ حسب ما يقتضيهِ الموقفُ حينئذٍ، وما تتطلبُهُ مصلحةُ الدعوةِ، وإذا رأت الدّولةُ الإسلاميّةُ أن تسالمَ وتصادقَ دولةً مجاورةً أو دولةً بعيدةً عنها لأمرٍ تقتضيه الدّعوةُ فإنه يجوزُ لها أن تفعلَ ذلك. فقد تجدُ الدّولةُ في الموادعاتِ مع الأعداءِ أداةً لتوصيلِ الدّعوةِ إليهم، ولإيجادِ رأيٍ عامٍّ عندهم عن الإسلامِ، وقد تجدُ في الموادعاتِ دفعَ شرٍّ كبيرٍ أو التوصلَ إلى عدوٍّ آخرَ، ولذلك يجوزُ للدولةِ الإسلاميّةِ أن تعقدَ مع الدّولِ المجاورةِ معاهدات حسنِ جوارٍ، كما يجوزُ أن تعقدَ مع الدولِ غيرِ المجاورةِ معاهداتِ عدمِ اعتداءٍ لمدةٍ معيّنةٍ إذا رأت في ذلك طريقاً للدّعوةِ الإسلاميّةِ أو حمايةً للمسلمينَ أو مصلحةً لهم، فقد عاهد الرّسولُ (ص) بني مدلج وغيرَهُمْ ليؤمّن الطرقَ التي يسلكها جيشُه لمحاربةِ عدوِّه. وعاهد يوحنا بنَ رؤبةَ في تبوكَ ليؤمّنَ حدودَ الدّولةِ من جهةِ الرّومِ على حدود بلادِ الشامِ.
وإذا طلب قومٌ من أهلِ الحربِ الموادعةَ سنينَ معلومةً نظر الخليفةُ في ذلك فإن رآه خيراً للمسلمين نظراً لقوّتهم ولشدّةِ شوكتهم فعلَه لقولهِ تعالى: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا} [الأنفَال: 61]. وإن لم تكن الموادعةُ خيراً للمسلمين فلا ينبغي أن يوادعَهم. وإذا طلب حاكمٌ الذمّةَ على أن يُتركَ يَحكمُ في رعيّته كما شاء من ظلمٍ واستبدادٍ وغيره مما لا يصلحُ في دارِ الإسلامِ لم يُجَبْ إلى ذلك لأن التقريرَ على الظّلمِ مع إمكانِ المنعِ حرامٌ، ولأنّ الذميّ من يلتزمُ أحكامَ الإسلامِ فيما يرجعُ إلى المعاملات. فهذا الشرطُ الذي يطلبُهُ الحاكمُ هو بخلافِ موجبِ العقدِ فهو شرطٌ باطل فإن أعطيَ الصلحَ والذمةَ على هذا بطل لقوله (ص): «كل شرطٍ ليس في كتابِ الله فهو باطلٌ»(+) وإن طلب الصّلحَ والذمّة ورضيَ بحكمِ الإسلامِ صار ذمةً للمسلمين، وصارت نُصْرَتُهُ واجبةً كنصرةِ المسلمين.
المعاهداتُ الاضطراريّة
قد تقعُ الدّولةُ الإسلاميّةُ في أزمات داخليّةٍ أو خارجيّةٍ تضطرُّها لأن تعقدَ معاهداتٍ لا تؤدّي مباشرةً إلى حملِ الدعوةِ، ولا إلى القتالِ في سبيل الله، ولكنّها تسهّلُ إيجادَ ظروفٍ تمكّن من حملِها في المستقبل، أو تحفظُ كيانَ المسلمين. فمثلُ هذه المعاهداتِ تجبرُ الضرورةُ على عقدِها، ولذلك يجوزُ للخليفة أن يعقدَها، وتكونُ نافذةً على المسلمين، وتقع هذه المعاهداتُ في حالتين اثنتين نصَّ عليهما الفقهاءُ وهما:
الأولى: إن أراد قومٌ من أهل الحرب الموادعةَ مع المسلمين سنينَ معلومةً على أن يؤدّيَ أهلُ الحربِ الخراجَ إليهم كلَّ سنة شيئاً معلوماً على أن لا تجريَ أحكامُ الإسلامِ عليهم في بلادِهم لم يفعلْ ذلك، إلا إذا كانت الدّولةُ غيرَ قادرةٍ على منعِ الظلم، ورأت في هذه الموادعةِ خيراً للمسلمينَ فإنّه يجوزُ حينئذٍ اضطراراً عقدُها. وفي هذه الحالِ لا يكونُ لهم على الدّولةِ الإسلاميّةِ المعونةُ والنّصرةُ لأنهم بهذه الموادعةِ لا يلتزمون أحكامَ الإسلامِ ولا يخرجون من أن يكونوا أهلَ حربٍ حين لم ينقادوا لحكمِ الإسلامِ فلا يجبُ على المسلمين القيامُ بنصرتهم. وقد عاهد رسولُ الله (ص) يوحنا بنَ رؤبةَ وهو في تبوك على حدود بلادِ الشّام وتركه في منطقتِهِ على دينِهِ ولم يدخلْ تحت رايةِ المسلمين وحكمِهم، وهذه المعاهدةُ المحدودةُ المدةِ تجعلُ الأمانَ لهذه الدّولةِ مضموناً من الدّولةِ الإسلاميّة. فمن يدخلْها من المسلمين يدخلْها بأمانِ المعاهدة، ولا يجوزُ له أن يتعرضَ لأهلها. ومن يدخلْ بلادَ المسلمين من رعايا هذه الدّولةِ يدخلها بأمانِ المعاهدةِ ولا يحتاجُ إلى أمان جديدٍ سوى الموادعةِ، ولا يجوزُ أن يتعرّضَ له أحدٌ من المسلمين، ولا يُمنعُ التجارُ من حملِ التّجارةِ لهذه الدولةِ إلا الأدواتِ التي تُستعملُ في الحرب.
الحالةُ الثانيةُ: أن يدفعَ المسلمون إلى عدوِّهم مالاً مقابلَ سكوتهِ عنهم. وقد ذكر الفقهاءُ أنه إن حاصر العدوُّ المسلمين وطلبوا الموادعةَ سنين معدودةً على أن يؤدّيَ المسلمون للأعداءِ شيئاً معلوماً كلَّ سنة، فلا ينبغي للخليفةِ أن يجيبهم إلى ذلك إلا عند الضّرورةِ القصوى، ويرى أن هذا الصلحَ خيرٌ لهم، فحينئذٍ لا بأسَ بأن يفعلَهُ لما رُوِيَ أنّ المشركين أحاطوا بالخندقِ وصار المسلمونَ في بلاءٍ كما قال الله تعالى: {هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيدًا *} [الأحزَاب: 11] بعث رسولُ الله (ص) إلى عيينة بنِ حصنٍ وطلب منه أن يرجعَ بمن معه على أن يعطيَهُ كل سنةٍ ثلثَ ثمارِ المدينة، فأبى إلا النصفَ، فلما حضر رسلُه ليكتبوا الصّلحَ بين يَدَيْ رسولِ الله (ص) قام سيّدا الأنصار سعدُ بنُ معاذٍ وسعدُ بنُ عبادةٍ رضي الله عنهما وقالا: يا رسولَ الله أوَحْيٌ أم رأيٌ أم رأفة بنا؟ قال: «بل رأفةٌ بكم إنّي رأيتُ العربَ رمتكم عن قوسٍ واحد، فأحببتُ أن أصرفَهم عنكم». قالا: يا رسولَ الله كنا نحن وهم في الجاهلية لم يكن لنا ولا لهم دين فكانوا لا يطمعون في ثمارِ المدينة إلا بشراءٍ أو قرى، أفحينَ أعزّنا الله بالدينِ وبعثَ فينا رسولَهُ نعطيهم الدّنيّة؟ لا نعطيهم إلا السيفَ فقال الرسول (ص): «اذهبوا فلا نعطيكم إلا السّيف». فهذا يدل على أن الرسول (ص) مال إلى الصّلح في الابتداءِ لما أحَسَّ ضعفَ المسلمين. فحين رأى القوة فيهم بما قاله سعدُ بن معاذ وسعدُ بن عبادة امْتَنَعَ عن ذلك، فدلّ على أنه لا بأسَ من عقدِ معاهدةٍ مع الأعداءِ يدفعُ لهم مالٌ عند خوفِ الضّرر. وهذا لأنهم إن انتصروا على المسلمين أخذوا جميع الأموال، فدفعُ بعضِ المالِ أهونُ وأيسرُ..
نَقْض المُعاهَداتِ
جميعُ المعاهداتِ التي تعقدُها الدّولةُ الإسلاميّةُ يجب أن تكونَ محددةً لأجلٍ معيّن. ولا يجوز نقضُها إلا في الأحوالِ التي نصّ عليها الشرعُ وهي:
أولاً: إذا ظاهرَ المعاهدُ عدواً من أعداءِ المسلمين وناصره عليهم وذلك كأن يكون بين الدولةِ الإسلاميّةِ وبين دولةٍ أخرى حالةُ حربٍ فعليَّة فصارت الدّولةُ التي بيننا وبينها معاهدةٌ تُمِدُّ هذا العدوَّ بالمال أو العتادِ وتنصرُهُ علينا ففي هذه الحال يجوزُ للدّولةِ الإسلاميّةِ أن تنقضَ المعاهدةَ لأنّ الله تعالى يقول: {إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدْتُّمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا} [التّوبَة: 4] فإن مفهومَهُ إذا ظاهروا على المسلمين أحداً جازَ للمسلمين نقضُ المعاهدةِ معهم.
ثانياً: أن ينقضَ المعاهدُ شرطاً من شروطها وذلك كما حصل مع الرّسولِ (ص) في صلح الحديبيةِ. فإن خزاعةَ دخلت في حماية الرّسولِ (ص) وحالفته فنقضت قريشٌ هذا الشّرط وحرّضت بني بكرٍ على خزاعةَ ثم ندمت وحاولت إبقاءَ المعاهدة. ولكنّ الرسولَ (ص) اعتبر هذا النّقضَ مبيحاً له نقضَ المعاهدة، فنقضَها وحاربهم وفتح مكّة.
ثالثاً: إذا خيف خيانة المعاهدِ وغدرُه. يجوزُ نقضُ المعاهدة. قالَ الله تعالى: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ} [الأنفَال: 58] وفي هذه الحال يجبُ إعلامُ العدوِّ بنقضِ المعاهدةِ معه. ولا يُشترطُ في النّقضِ حصولُ الغدرِ بالفعلِ، بل يكفي مجرَّدُ الخوفِ من العدوِّ لأن يكونَ مبرراً لنقضِ المعاهدة. ويكتفى بالإعلامِ حتى يستويَ علمُ الطرفينِ بالنقض.
رابعاً: أن ينقضَ المعاهدون المعاهدةَ نقضاً تاماً، وفي هذه الحالِ يجب نقضُ المعاهدةِ معهم وضربُهم ضرباتٍ قاسيةً تكون درساً وعبرةً لغيرِهم قال تعالى: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَآبِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ *الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ *فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ *} [الأنفَال: 55-57].
هذه هي الأحوالُ الأربعةُ التي يجوز للمسلمينَ فيها أن ينقضوا المعاهداتِ المعقودةَ بينهم وبين عدوِّهم، ويجوزُ لهم أن يقاتلوهم. إلا أنه ينبغي في نقضِ المعاهدةِ أن ينبذَ إليهم على سواءٍ أي على سواء منكم ومنهم في العلم بذلك. ولا يحلُّ قتالُ الأعداءِ قبل النبذِ وقبلَ أن يعلموا بذلك ليعودوا إلى ما كانوا عليه من التحصّنِ وكان ذلك تحرراً من الغدر. أما الذين يوفون بمعاهداتهم ويستقيمون فيجب أن يوفيَ المسلمون معهم بعهدهم ويستقيموا كما استقاموا قال تعالى: {إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدْتُّمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ} [التّوبَة: 4] ومفهومُه أنّ الذين نقضوا من معاهدةِ المسلمين شيئاً أو ظاهروا عليهم أحداً فلا تُتِمُّوا إليهم عهدَهم. أما إذا لم يفعلوا ذلك فأتموا إليهم معاهدتَهم إلى نهايةِ مدتها. وقال تعالى: {كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدْتُّمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ} [التّوبَة: 7] ومفهومهُ إذا لم يستقيموا لكم فلا تستقيموا لهم. أما إذا استقاموا فاستقيموا وأوفوا لهم عهدَهم. ومن ذلك يتبيّنُ أن الوفاءَ بالمعاهداتِ أمرٌ واجبٌ فإذا انتهت مدّتُها جاز عدمُ تجديدِها وإنهاؤها، وعليه فإن الاتفاقاتِ الدوليّةَ قد حدّدَ الشارع أنواعها وحدّد الحالاتِ التي ينتهي العملُ بها فيجبُ التزامُ ما بيّنه الشارعُ وحده في المعاهداتِ والوقوفُ عند حدِّ الشّرعِ في شأنها مع تركِ أمر الأسلوبِ والاختيار إلى رأيِ الخليفةِ واجتهادِه.


النظام الاقتصادي في الإسلام
يقومُ النِّظامُ الاقتِصاديّ في الإسلام على أربع قواعِد:
1 ـ المَالُ لِلَّه: قال الله تعالى: {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} [النُّور: 33].
2 ـ الجَمَاعَةُ مُسْتخلَفة فيه: قَال تَعَالى: {وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} [الحَديد: 7].
3 ـ كَنزه حَرَام: قَال تَعَالَى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ *} [التّوبَة: 34].
4 ـ تَدَاوُلُه وَاجِبٌ: قَال تَعَالى: {كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ} [الحَشر: 7] أيْ كي لا يقتَصِرَ تَداوُلُه عَلَى الأغْنِيَاءِ فَقَط.
ويُمَيَّزُ النِّظَامُ الإسْلاميّ عن النِّظَامِ الدّيمُقْراطي الرأسماليّ وعَنِ النِّظامِ الاشتِراكي الشُّيُوعيّ أن ملكيّة المَالِ في الإسْلاَمِ مُحَدَّدَة بالكَيْفِ(+) وغيرُ مُحدّدة بالكَم(+).
في النِّظَامِ الدِّيمقرْاطيِّ الرأْسمَاليّ غَير مُحَدَّدَة بالكَيْفِ وَغَير مُحَدَّدةٍ بالكَم.
في النِّظامِ الاشتِراكي الشُّيُوعي المُلكِيّة مُحَدَّدَة بالكَمّ وَغَيْرُ مُحَدّدَةِ بالكَيف.
وَهَذِهِ لَمْحَة مُوجَزَة عَنْ الاقتِصادِ في الإسْلامِ مُنْبَثِقَة مِن عَقِيدَتِهِ مَعَ العِلْمِ أنّ العَالَمَ اليَوْمَ في صِرَاعٍ اقتِصادِيّ طَبَقيّ.


الاقتِصَـاد
كلمةُ الاقتصادِ مُشتَقّةٌ من لفظٍ إغريقيٍّ قديمٍ، معناهُ «تدبيرُ أُمورِ البيتِ» بحيثُ يشتركُ أفراده القادرونَ في إنتاجِ الطيّباتِ، والقيامِ بالخدماتِ، ويشتركُ جميعُ أفرادهِ في التمتّعِ بما يحوزونهُ. ثمّ توسّعَ الناسُ في مدلولِ البيتِ، حتى أُطْلِقَ على الجماعة التي تحكمُهَا دولةٌ واحدةٌ، وعليهِ فلمْ يَعُدِ المقصودُ من كلمةِ «اقتصاد» المعنى اللغويّ، وهو التوفيرُ، ولا معنى المالِ، وإنما المقصودُ المعنى الاصطلاحيّ لمسمّى معيّنٍ، وهو تدبيرُ شؤونِ المالِ، إمّا بتكثيرِهِ وتأمينِ إيجادهِ، ويبحثُ فيهِ علْمُ الاقتصادِ. وإمّا بكيفيّةِ توزيعهِ، ويبحَثُ فيهِ النظامُ الاقتصاديّ.
وإذا كانَ علْمُ الاقتصادِ، والنظامُ الاقتصاديّ يبحثانِ في الاقتصادِ، فإنهما شيئانِ مختلفانِ متغايرانِ، ومفهومُ أحدهما يختلِفُ عنْ مفهومِ الآخر. فالنظامُ الاقتصاديّ لا يتأثّرُ بكثرةِ الثروةِ ولا بقلّتِها، بلْ لاَ يتأثّرُ بها مُطلَقاً.
وكثرةُ الثروةِ وقلّتها لا يؤثِّرُ فيها شكْلُ النظام الاقتصاديّ بوجهٍ منَ الوجوهِ. وعليهِ كانَ منَ الخطإ الفادحِ جَعْلُ الاقتصادِ موضوعاً واحداً يبحثُ باعتبارِهِ شيئاً واحداً. لأنّ تدبير أمورِ الجماعةِ منْ حيثُ توفيرُ المالِ، أي إيجادُهُ، شيءٌ. وتدبيرُ أمورِ الجماعةِ منْ حيثُ توزيعُ المالِ المدبّرِ شيءٌ آخرُ. ولذلكَ يجبُ أنْ يُفْصلَ بحثُ تدبيرِ المالِ عنْ بحثِ تدبيرِ توزيعهِ؛ إذ الأوّلُ يتعلّقُ بالوسائلِ، والثاني يَتَعَلّقُ بالفكرِ، وإذا لمْ يُفْصَلْ يؤدّي إمّا إلى الخطأ في إدراكِ المشاكلِ الاقتصاديّةِ المراد مُعَالَجَتُها، وإمّا إلى سوءِ فَهْمِ العوامل التي توفّرُ الثروةَ أي تُوجِدها في البلادِ.
ولهذا يجبُ بحثُ النظام الاقتصاديِّ باعتبارِهِ فكراً يؤثّرُ في وُجْهَةِ النظرِ في الحياةِ ويتأثّرُ بها.
ويبحثُ علمُ الاقتصادِ باعتبارِهِ عِلماً، ولا علاقَةَ لهُ بِوُجْهَةِ النّظَرِ في الحياةِ؛ والبحثُ الأهَمّ منهما هو النظامُ الاقتصاديّ لأنّ المشكلةَ الاقتصاديّةَ تدورُ حول حاجاتِ الإنسانِ، ووسائل إشباعها والانتفاعِ بهذهِ الوسائل، وبما أنّ الوسائلَ موجودةٌ في الكَوْنِ فإنّ إنتاجَها لا يسبِّبَ مشكلةً أساسيّةً في إشباع الحاجاتِ، بلْ إنّ إشباعَها يدفَعُ الإنسانَ لإنتاجِ هذهِ الوسائل، أو إيجادِها، وإنما المشكلةُ الموجودةُ في علاقاتِ النّاسِ، ناشئةٌ عنْ تمكينِ النّاسِ من الانتفاعِ بهذهِ الوسائلِ، أو عدمِ تمكينِهِم. أي في موضوع حيازة الناس لهذه الوسائل. فيكون ذلك أساسَ المشكلة الاقتصاديّةِ وهو الذي يحتاجُ إلى علاجٍ. وبناءً عليهِ، فالمشكلةُ الاقتصاديّةُ آتيةٌ منْ موضوعِ حيازَةِ المَنْفَعَةِ لا منْ إنتاج الوسائلِ التي تعطي هذهِ المنفَعَةَ.
أساسُ النظام الاقتِصَادي
المنفعةُ صلاحيّةُ الشيءِ لإشباعِ حاجةِ الإنسانِ، وتتكونُ منْ أمرين:
1 ـ أحدهما: مَبْلَغُ ما يشعرُ بهِ الإنسانُ منَ الرّغْبَةِ في الحصولِ على شيءٍ معيّنٍ.
2 ـ الثاني: المزايا الكامنةُ في نَفسِ الشيءِ، وصلاحيّتُها لإشباع حاجةِ الإنسانِ، لا حاجةِ فَرْدٍ معيّنٍ. وهذهِ المنفَعَةُ يمكنُ أنْ تكونَ ناتجةً عنْ جُهْدِ الإنسانِ أو عنِ المالِ أو عَنْهُما معاً. وبما أنّ المالَ هو الذي يُشبِعُ حاجاتِ الإنسانِ. وأنّ الجهدَ الإنسانيّ وسيلةٌ للحصولِ على المالِ عَيْناً ومنفعَةً، لذلكَ كانَ المالُ أساسَ المنفعةِ، وأمّا جُهْدُ الإنسان فهوَ منَ الوسائلِ التي تمكّنُ منَ الحصولِ عليهِ.
ومنْ هنا كانَ الإنسانُ، بفطرتِهِ، يسعى للحصولِ على المال ليحوزَهُ، وعليهِ يكونُ جُهْدُ الإنسانِ والمالُ هما الوسيلتينِ اللّتينِ تُسْتَخْدَمَانِ لإشباعِ حاجات الإنسانِ. والثروةُ التي يسعى للحصولِ عليها، وحيازةُ الأفرادِ للثروةِ تتأتى إمّا منْ أفرادٍ آخرينَ وإمّا منْ غير الأفرادِ. وتكونُ إمّا حيازةً للعينِ اسْتِهلاكاً وانتِفاعاً، وإمّا حيازَةً لمنفعةِ العينِ، وإمّا حيازةً للمنفعَةِ الناتجةِ عن جُهْدِ الإنسانِ. وهذهِ الحيازَةُ بجميعِ ما تصدُقُ عليهِ إمّا أنْ تكونَ بعوضٍ كالبيعِ وإجارَةِ المالِ وإجارَةِ الأجيرِ وإمّا بغيرِ عوَضٍ كالهِبَةِ والإرثِ والعاريةِ.
وعلى ذلكَ فالمشكلةُ الاقتصاديةُ لا تتعدّى حيازةَ الثروةِ وليستْ في إيجادِ الثروةِ، وهيَ تأتي منَ النّظرةِ إلى الحيازةِ أي الملكيّةِ؛ ومنْ سوءِ التصرّف في هذهِ الملكيّةِ، أي منْ سوءِ توزيع الثروةِ بينَ النّاسِ، ولا تأتي من غيرِ ذلكَ مطلقاً. ولهذا كانتْ معالجةُ هذهِ الناحيةِ أساسَ النظامِ الاقتصاديّ.
وعلى ذلكَ فالأساسُ الذي يقومُ عليهِ النظامُ الاقتصاديّ مبنيّ على ثلاثِ قواعدَ هيَ:
1 ـ الملكيّة، أو الكيفية التي يجبُ على الإنسانِ أن يحوزَ بها المنفعة الناجمة عن الخدماتِ أو السلع.
2 ـ التصرّفُ في الملكيّة. أو الكيفية التي يجب أن يتصرف بها الإنسان بهذه الخدمات والسلع.
3 ـ توزيعُ الثروةِ بينَ الناسِ. أو توزيع الخدمات والسلع على الناس.
نظرة الإسْلام إلى الاقتصاد
تختلفُ نظرةُ الإسلامِ إلى مادّةِ الثروةِ عنْ نظرتهِ إلى الانتفاعِ بها، وعندَهُ أنّ الوسائلَ التي تُعطي المنفَعَة شيءٌ، وأَنّ حيازَةَ المنفعةِ شيءٌ آخرُ. فالمالُ وجُهْدُ الإنسانِ هما مادّةُ الثروةِ وهما الوسيلتانِ اللّتانِ تخلقان المنْفَعَةَ. ووضعُهُمَا في نَظَرِ الإسلامِ منْ حيث وجودُهما في الحياةِ الدنيا، ومن حيثُ إنتاجُهُما يختلفُ عنِ وضعِ الانتفاعِ بها، وعن كيفيّةِ حيازَةِ هذهِ المنفَعَةِ. فالإسلامُ حرّمَ الانتفاعَ ببعضِ الأموالِ كالخمرِ والميْتَةِ، كما حرّمَ الانتفاعَ ببعْضِ جهودِ الإنسانِ كالرقصِ والبغاءِ. وحرّمَ بَيْعَ ما حُرِّمَ أكْلُهُ منَ الأموالِ، وحَرّمَ إجارَةَ ما حُرّمَ القيامُ بهِ منَ الأعمالِ.
هذا منْ حيثُ الانتفاعُ بالمالِ والجهْدِ. وأمّا من حيثُ كيفيّةُ حيازةِ الثروةِ، فقدْ شرّعَ أحكاماً متعدّدةً لحيازتها، كأحكامِ الصّيْدِ، وإحياءِ الموات، وأحكامِ الإجارَةِ والإرْثِ والهبَةِ والوصيّةِ. هذا بالنسبة للانتفاعِ بالثروةِ وكيفيّةِ حيازتها، أمّا بالنسبة لمادّةِ الثروةِ منْ حيثُ وجودُهَا، ومن حيثُ إنتاجُها فإنّ الإسلامَ لمْ يتدخَّلْ فيها مُطلقاً؛ فالمالُ موجودٌ في الحياةِ الدنيا وُجوداً طبيعيّاً، وخَلَقَهُ الله سبحانَهُ وتعالى مُسخّراً للإنسانِ، قالَ تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا} [البَقَرَة: 29] وقالَ: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ} [الجَاثيَة: 13] وقالَ: {وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} [الحَديد: 25]، فبيّنَ في هذهِ الآياتِ وأشباهها أنّهُ خَلَقَ المالَ وخَلَقَ جُهْدَ الإنسانِ، ولمْ يَتَعَرّضْ لشيءٍ آخرَ يتعلّقُ بهِ، ممّا يدلّ على أنّهُ لمْ يتدخّلْ في مادّةِ المالِ وجهدِ الإنسانِ، ولكنّهُ بيّنَ أنّهُ خَلَقَهَا لينتفعَ بها الناسُ.
وكذلكَ لمْ يتدخّلْ في إنتاجِ الثروةِ، ولا يوجَدُ نصّ شرعيّ يدلُّ على أنّ الإسلامَ تدخّلَ في إنتاجِ الثروَةِ، بلْ على العكسِ من ذلكَ فإنّ النصوصَ الشرعيّةَ تدلّ على أنّ الشرْعَ تركَ الأمْرَ للنّاسِ في استخراجِ المالِ، وفي تحسينِ جُهْدِ الإنسانِ؛ فقد رُويَ أنّ الرسولَ (ص) قالَ في موضوعِ تأبيرِ النّخْلِ: «أنتم أدرى بأُمورِ دُنياكمِ»(+) ورُوي أنّهُ أرسَلَ اثنينِ منَ المسلمينَ إلى اليمنِ يتعلّمانِ صناعةَ الأسلحَةِ، وهذا يدلّ على أنّ الشرْعَ تركَ أمْرَ إنتاجِ المالِ إلى النّاسِ يُنتجونهُ بحسَبِ خبرتهمْ ومعرفتهم.
وعلى هذا فالذي يتبيّنُ من ذلكَ أنّ الإسلامَ ينظرُ في النظامِ الاقتصاديّ لا في علْمِ الاقتصادِ، ويجعلُ الانتفاعَ بالثروَةِ قائماً. وكيفيّةُ حيازةِ هذهِ المنفعَةِ موضوعُ بحثهِ، ولم يتعرّضْ لإنتاجِ الثروةِ ولا إلى وسائلِ المنفعَةِ مُطْلَقاً.
النِّظام الاقتِصادي في الإسلام
يقومُ نظامُ الاقتصاد في الإسلامِ على الأمورِ التاليةِ:
1 ـ ملكيّةُ الأشياءِ للنّاسِ، وهذا هوَ الأصلُ، لأنهمْ مستخْلفون فيها عنِ اللّهِ، ولا تكونُ للأفرادِ إلاّ بإذْنِ الشّارع.
2 ـ وتتحقق الملكيّةُ العامّةُ في كلِّ ما كانَ منْ مرافقِ الجماعةِ، أوْ منَ الضروريّاتِ للحياةِ العامّةِ.
3 ـ الملكيّةُ الفرديّةُ حكمٌ شرعيُّ مُقَدّرٌ بالعينِ أوِ المَنْفَعَة، تُقَيِّض تمكينَ مَنْ يضافُ إليهِ منِ انتفاعِه بالشيءِ، وأخْذ العوضِ عَنْهُ.
4 ـ لا يجوزُ للدولَةِ أنْ تأذَنَ للأفرادِ بملكيّةِ ما يدخلُ في الملكيّة العامّةِ كالمناجمِ ومنابعِ البترولِ والمراعي وساحاتِ البلدَةِ وشواطىءِ البحارِ ومضائقِ الأنهارِ وما شابهَ ذلكَ.
5 ـ يُمْنَعُ كَنْزُ المالِ ولو أُخْرِجَتِ زكاتهُ، والدولةُ يجبُ أنْ تعملَ على تَداوُلِهِ بينَ النّاسِ وتحولَ دونَ تداوُلهِ بينَ يدي فئةٍ خاصّةٍ.
6 ـ الملكيّةُ الفرديّةُ في الأموالِ المنقولةِ وغيرِ المنقولَةِ مُقَيّدَةٌ بالأسبابِ الشرعيّةِ الخمسةِ وهيَ:
أ ـ العَمَلُ.
ب ـ الحاجةُ للمالِ في سبيلِ الحياةِ.
ج ـ إعطاءُ الدولةِ أموالها للأفرادِ لسدِّ الحاجةِ، أوِ الانتفاعِ بالملكيّةِ.
د ـ الإرث.
هـ صلَةُ الأفرادِ بِبعضِهِمْ.
7 ـ حقّ التصرّفِ الإنفاقيّ بهذِهِ الملكيّةِ الفرديّةِ مُقَيّدٌ بحدودِ الشرعِ، فيُمْنَعُ السرفُ والتقتيرُ.
وتنميةُ الثروةِ مُقيّدَةٌ أيضاً بالحدودِ الشرعيّةِ، فيُمنَعُ الاحتكارُ والغبْنُ والغِشّ والرّبا والقمارُ وغيرُهُ.
8 ـ يمنَعُ فَتْحُ المصارفِ ما عدا مصرِفَ الدولةِ، ولا يصحّ أنْ يتّخِذَ الرّبا، ويكونَ دائرةً من دوائرِ بيتِ المالِ بلْ يقومُ بإقراض الأموالِ حسبَ الحاجةِ، وتسهيلِ المعاملاتِ الماليّةِ.
9 ـ الاكتشافاتُ والاختراعاتُ إذا كانت منْ مرافقِ الجماعةِ تصبحُ مُلكاً عامّاً.
10 ـ تضمَنُ الدولةُ إيجادَ الأعمالِ لكلِّ مَنْ يحمِلُ التابعيّةَ، وجميعُ الموظفينَ سواءٌ كانوا عندَ الأفرادِ أوِ الشركاتِ أوِ الدولةِ، لهمْ جميعُ الحقوقِ والواجباتِ، وكلّ مَنْ يعملُ بأجْرٍ موظّفٌ مهما اختلَفَ نوعُ عَمَلِهِ، وتحدّدُ الدولةُ الأجرةَ للجميعِ.
11 ـ تَضْمَنُ الدولَةُ نَفَقَةَ مَنْ لا مَالَ لهُ ولا عَمَلَ، إذا لمْ يكنْ وراءَهُ مَنْ تَجِبُ عليهِ نَفَقَتُهُ، وتتولى إيواءَ العَجَزَةِ وذوي العاهاتِ، وتُوَفِّرُ لكلِّ فردٍ الحاجاتِ الضروريةَ للعيشِ منْ مأكلٍ ومَلْبَسٍ ومسكنٍ. وعليها أنْ توفّرَ جميعَ الخدماتِ الصحيّةِ مجاناً للفقيرِ والغنيّ على السواء.
12 ـ تعالجُ الدولةُ رفْعَ مستوى العيشِ، وبقاءَ التوازُنِ في المجتمعِ على الوجْهِ الآتي:
أ ـ أنْ تعطي المالَ منقولاً وغيرَ منقولٍ ممّا تملكه.
ب ـ إنْ لمْ يَفِ بذلكَ ملكَتْ من أموالِ النّاسِ ما يَلزَمُ لإبقاءِ هذينِ الغَرَضينِ.
ج ـ إذا مَلَكَتْ منْ أموالِ النّاسِ أرضاً عشريّةً تدفَع ثمنها لصاحبِها، وإنْ ملكَتْ أرْضاً خراجيّةً لا تدفَعُ ثمنها. وإنما تدفَعُ ثمنَ ما أُنْشىءَ عليها.
13 ـ يُمْنَعُ استغلالُ واستثمارُ الأموالِ الأجنبيةِ في البلادِ، كما يُمْنَعُ منحُ الامتيازاتِ لأيّ أجنبيّ.
سِيَاسة الاقتِصاد
سياسةُ الاقتصادِ هدفٌ ترمي إليهِ الأحكامُ التي تعالجُ تدبيرَ شؤونِ الإنسان.
وسياسةُ الاقتصادِ في الإسلام مبنيّةٌ على أساسِ تحقيقِ أكبرِ عددٍ ممكنٍ من الرفاهيّةِ للإنسانِ باعتبارِهِ إنساناً، وباعتبارِهِ يعيشُ في مجتَمَعٍ، لا باعتبارِهِ فرداً، ولا باعتبارِهِ مُنعزلاً، أو فَرْداً في مجتمع يَرْتَبِطُ أفرادُهُ بأيّةِ علاقَةٍ.
فالنظرةُ الاقتصاديّةُ في الإسلامِ تتلخّصُ في أنّ الاقتصادَ للإنسانِ لا للفردِ، وأنْهُ للمجتمعِ لا للجماعةِ المكوّنةِ من أفرادٍ دونَ ملاحَظَةِ العلاقاتِ.
ولذلكَ نجدُ أنّ نظرتَهُ هذهِ حتّمَتْ تحريمَ إنتاجِ الخمرِ واستهلاكهِ، ولا تعتبرُهُ بالنسبة للمسلمِ مادّةً اقتصاديّةً كما حتّمَتْ تحريمَ الرّبا، ولا تعتبرهُ، بالنسبةِ لجميعِ مَنْ يحملونَ تابعيّةَ الدولةِ مادّةً اقتصاديّةً، سواءٌ كانوا مسلمي