الاسلام وثقافة الانسان
الطبعة : الطبعة التاسعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   816
تاريخ النشر :   2002




القسمُ الأوّل - فَهْمُ العَقِيدَةِ فَهْماً صَحِيحاً يَتَّفِقُ مَعَ الفِطْرَة

خاصية الإنسـان، الفكـر ـ العقـل ـ الإدراك
الإيمان بالله عن طريق الفكر المستنير
حـاجـة الإنسـان إلى الرسـل، القـرآن الكـريـم
القراءة على سبعة أحرف، «الـديـالكتيك» والتطـور
الوازع الديني أو الإيمان بالله، المتكـلمون
نشأة القضاء والقدر
انتهاء الأجل هو السبب الوحيد للموت، الـرزق بـيـد الله
المفاهيم والمعلومات، العقـلية والنفسـية
ثغرات في سلوك المسلمين، الهـدى والضـلال
الفتنة أو التجربة
الاستمرار في المعصية استسلام للشيطان
الحلول الصحيحة، الفرق بين الإيمان والإسلام
العقيدة الإسلامية


خاصّية الإنسان(+)
الإنسانُ بفطرتهِ التي فُطِرَ عليها، وبما عنده من غرائزَ وحاجاتٍ عضويّةٍ دافعةٍ إلى البحث والتنقيبِ عن الوسائلِ التي تَرْوي وتُشْبِع حاجاتهِ وغرائزَه، يَفْقَهُ طبيعته، أَو عليهِ أنْ يَفْقَهَها.
أمّا الحاجاتُ العضويّةُ فهي: الطعامُ والشرابُ والنوم.
وأمّا الغرائز فهيَ: غريزةُ النّوع ـ والتديّن ـ وحُبّ البقاء.
وللحاجاتِ العضويّةِ والغرَائزِ مظاهرُ مُعَيّنةٌ:
من مظاهرِ الحاجاتِ العضويّة: الجوعُ والعَطَشُ والنعاس.
ـ غريرة النوع: الحنانُ ـ والعَطْفُ ـ والميلُ الجنسيّ الخ..
ـ ومِنْ مظاهرِ غريزة التديّنِ: التقديس ـ والخشوع والخضوعُ والطاعةُ ـ والتقرّب لشيءٍ معيّنٍ الخ..
ـ ومِنْ مظاهر غريزة حبِّ البقاءِ: التملّك ـ والحرص ـ والأمل ـ والطمع ـ والخوف والتكتل الخ...
ولما كان الجوعُ والظمأُ هما الدافعين للإنسانِ للبحثِ والتنقيبِ عن الطعامِ والشرابِ فليسَ لهُ بدٌّ من البحثِ والتنقيبِ عن الوسائلِ الكفيلةِ التي تُشْبِعُ غرائزَه أيضاً. والغرائِزُ، وإنْ كانَتْ أقلّ خطراً من الحاجاتِ العضويّة، إلاّ أنّها ذاتُ خَطَرٍ شديدٍ على سيرِ الإنسانِ. نحنُ نؤمنُ بأنّ الحاجات العضويّةَ إذا لم يُسرعِ المرءُ إلى إشباعِها، تؤدي به إلى الفناءِ، وكذلك الغرائزُ إذا لم يُسْرعِ الإنسانُ إلى إشباعِها تقذفُ به إلى أحضانِ الشقاءِ. وفي الحالتين يحتاج الإنسانُ، بلا ريبٍ، إلى فكرٍ مستنيرٍ يُنَظّمُ كيفيّة الإشباع.


الفِكر ـ العَقْل ـ الإدرَاد (بمَعْنَى واحِد)
الفكرُ ومعناهُ ـ الفكرُ وعوامله ـ الفكرُ وعمليّتهُ، الفكرُ وأقسامهُ.
1 ـ الفكرُ ومعناه: الحكمُ على الشّيءِ.
2 ـ عوامل الفكر: في طبيعةِ الإنسانِ ووجودهِ كانت الحواسّ الخمسُ: النظرُ ـ الشمّ ـ السمعُ ـ اللمسُ ـ الذّوقُ ـ وكان الدماغُ الذي فيه قوّةُ الربط المنطوي على قابليّةِ التمييزِ، فإذا شمّ الإنسانُ شيئاً يمتازُ برائحةٍ معيّنةٍ أو نظرَ إليهِ سُمّيَ هذا الشيءُ واقعاً لأنه وقع تحت طائلةِ إحدى الحواسّ الخمس. فالروائِحُ واقعٌ محسوسٌ، والأشياءُ الماديّة، كالفَيْجَنِ (نباتٌ ورقُه كالصعتر) والقَلَمِ والرّغيفِ أيضاً واقعٌ محسوسٌ، لكنّ النّظر للفَيْجَنِ وشمَّ رائحتِهِ لأوّلِ مرّةٍ من دون سابقِ علمٍ عنه لا يُعْطِيانِكَ حكماً صحيحاً علَيه؛ فالعوامل الثلاثة التي هي: الواقعُ والإحساسُ والدماغُ لم تعُطِ صورةً فكريّةً كاملةً عن هذا الشيء. التمييزُ، إذاً، حَصَلَ، والإحساسُ وقَعَ، والواقِع ظَهَرَ، ولكنْ ليس بالإمكانِ إعطاءُ حكمٍ عليه، إلاّ بعدَ الحصولِ على المعلوماتِ السّابقةِ، كالمسمّى لهذا الشيءِ ألا وهو الفيجن؛ (نبات ورقهُ كالصعتر) وأنّ رائحتَه كذا ومنفعتَهُ كذا.
وكذلك لو سُئِلتَ أيُّها القارىء عن معنى كلمة وضيمة لَوَقفتَ متحيراً مرتبكاً بماذا تجيب! وقلتَ أخيراً لا أدري، مع أنّ كلمةَ وضيمة هي الواقعُ الذي وقعَ تحت طائلةِ سمعك وسُمّيت واقعاً لأنه وَقَعَ عليها أحدُ الحواسِّ الخمسِ، وكل شيء يقعُ تحتَ طائلةِ إحدى الحواس الخمسِ يُسَمّى واقعاً، وكلمة وضيمة التي هي الواقع والتي وقعت تحت السمع نُقِلت فوراً بواسطة السمع إلى الدماغِ فانطبعت فيه ومُيّزت عن سواها من الانطباعات، فنتيجة لهذه العملية التي جمعت ثلاثة عوامل ألا وهي:
1 ـ الواقعُ: الذي هو كلمة وضيمة.
2 ـ الإحساس بالواقع: ألا وهو السمع.
3 ـ الدماغ: الذي يُمَيِّزُ الانطباعات.
تكون العملية الفكريّةُ قد احتاجت إلى العاملِ الرابعِ ألا وهو المعلومات السابقة، لذلك لم يتوفرْ عندَ صاحبِها حكمٌ واضحٌ على الواقعِ، أي: عن معنى كلمة وضيمة؟ معَ أنك أيّها القارىء لو سُئِلتَ عن مَعنى كلمة وليمة لأجبت على الفورِ: دعوة إلى الطعامِ، لماذا أجبتَ بهذه السرعة؟ لأنّهُ متوفّرٌ لديك العوامل الأربعة، ألا وهي:
1 ـ الواقع: معنى وليمة.
2 ـ الإحساس: الذي نَقَلَ هذا الواقعَ إلى الدماغ.
3 ـ الدماغ: الذي ميّزَ انطباع هذا الواقع.
4 ـ المعلومات السابقة: التي رُبِطَتْ بالعوامل الثلاثة؛ ونتيجة لهذه العملية الفكرية كان الحكم على الواقع واضحاً، وكذلك عندما يقال لك إنّ كلمة وضيمة تعني: دعوة إلى الطعام في حالةِ الأتراح (الأحزان) ووليمة تعني دعوة إلى الطعامِ في حالةِ الأفراح.
والسؤال الذي يجب أن تسأله أيها القارىء أخيراً ما هي هذه المعلومات السابقة؟ وما هو مقياسها؟ وما هو الدليل على صحتها؟
الجواب على ذلك: إن الفكر مؤلف من أربعة عوامل: عاملان من تكوين الإنسان هما الحواس الخمس أولاً، والدماغ ثانياً. وعاملان خارجان عن تكوينه هما حقيقة الواقع، أولاً، وحالته واسمه ثانياً. فبالإمكان نقل معلومات مشوهة وملفقة عن حالةِ الواقع واسمه مثل أن يقال لك: إن المطارَ ضرب فتذهب للتأكّدَ فترى أن المطارَ ما زال سليماً. فإن حقيقة الواقع نفت التشويهَ والتلفيق والتضليل، فمقياس المعلومات السابقة والدليل على صحتها أو كذبها يكون حقيقة الواقع الموجود.
وبناءً على هذا يكون ما تعني هذه اللفظة وما طعم هذه الفاكهة، وما ينفع أو يضر هذا المركب، وما اسم هذا الشيء، هذه هي المعلومات السابقة التي تعطى مسبقاً للإنسان ليربطها، فالعبرة ليست بإعطائها فقط بل العبرة بإعطائها وربطها معاً لإنتاج الفكر، لأن التدريبَ على الربط منذ الصغرِ هو الذي يؤلّفُ العوامل الأربعة التي هي الواقع والإحساس بالواقع والدماغ المميز والمعلومات السابقة فيوجد الفكر أي الحكم على الواقع، إلا أن هذه المعلومات إذا كانت صحيحة كان الحكم على الواقع صحيحاً، وإن كانت كاذبة كان الحكمُ كاذباً، والمقياسُ على ذلك هو حقيقة الواقع الموجود.
لَقَدْ أخْطأ القُدامَى حين بحَثُوا عن العقلِ، وحاولُوا معرفَةَ مكانهِ، أفي الرأسِ هُوَ أمْ في القَلْبِ، أم هو في غَيْرِهمَا؟ وربّمَا كانَ الظّنّ بأنّ العَقْلَ عضْوٌ مُعَيَّنٌ، أوْ أنّ لهُ عضْواً مُعَيّناً، فَنَشَأ ذَلِكَ الخطأُ. وأخْطَأ المُحْدَثونَ حينَ جَعَلوا الدّماغَ مَحَلّ العقلِ والإدراكِ والفِكرِ. وَيَسْتوي في ذلكَ الذينَ قالوا إنّ الفِكْرَ انعكاسُ الدماغِ على الواقِعِ، أو الذينَ قالُوا إنّ الفِكْرَ انعكاسُ الواقِعِ على الدماغِ، لأنّ الدماغَ عضْوٌ كسائِرِ الأعضاءِ لا يَحْصلُ مِنْهُ أيّ انعِكَاسٍ، ولاَ يَحْصل عَليهِ أيّ انعكاسٍ، لأنّ الانعكاساتِ تَنْشَأُ عَنْ تَسْليط الضوءِ على الشيءِ، وارتدادِهِ عَنْهُ، أوْ تَسْليطِ الشيء على جِسمٍ فيه قابليّةُ الانعكاسِ وارتدادهِ عنْهُ مَعَ وُجُود الضوءِ، وذلك كَتَسليطِ مصباحٍ كَهْربائيٍّ على جِسمٍ، ثم ارتدادِ الضوءِ عَنْ هَذَا الجِسْمِ فَيُرى الجِسمُ ويُرى الضّوءُ.
وكَتَسْليطِ جِسْمٍ على مِرْآةٍ مَعَ وُجُودِ الضَّوْءِ فَيَرْتَدّ الضّوْءُ، وترتَدّ صُورَةُ الجِسْمِ عَنِ المِرْآةِ، فيُرَى على حَقيقَتِهِ، إذْ ترتدُّ صُورَتُه وكَأنّها مَرْسُومَةٌ خَلْفَ المِرآةِ، فَتَلوح ـ وهي في حقَيقتِهَا لم تَرْتَسِم ـ وإنّما انعَكَسَتْ كمَا يَنْعَكِس الضّوءُ على أيّ جِسْمٍ؛ فَهَذَا هُو الانْعِكاسُ.
وأما الإبصار فإنه ليس من هذا القبيل فليس هو انعكاساً، وإنما ينكسر الضوءُ الآتي من المادة في العين فيوجد صورتها على الشبكة فيحصل حينئذ من هذا الانكسار إبصار فيكون أيضاً ما يحصل من نقل الواقع بواسطة حسّ الإبصار إلى الدماغ ليس انعكاساً وإنما هو انكسار؛ ولهذا كله فإن موضوع الانعكاس، من حيث هو، غير موجود في عملية الفكر مطلقاً.
ويقولون: إن الإنسان الأول قد اصطدم بالأشياء فانعكست عليه فصار بالحسّ يعرف أن هذه الثمرة تؤكل وهذه لا تؤكل، وصار يعرفُ أن هذا الحيوان يؤذيه فيتجنبه، وهذا لا يؤذيه فيستخدمه ويركبهُ. وصار يعرفُ من الحسِّ والتجربة أن الخشب يطفو على الماءِ فصار يستعمله لقطع البحار والأنهار، وصار يعرف أن النوم في الكهفِ يقيه المطرَ والبردَ والوحوش المفترسةَ فاتخذ المأوى. وهكذا توصل الإنسانُ الأول بالحسِّ إلى إصدارِ حكمهِ على الأشياءِ والتصرف تجاهها حسب هذا الحكم أيْ حسب هذا الفكر؛ وهذا يدل على أن الفكر هو نقلُ الواقعِ إلى الدماغِ بواسطة الحسّ دون الحاجة إلى وجود معلوماتٍ سابقة. والجوابُ على هذا القول هو أن ما كان عليه الإنسانُ الأولُ مجهولٌ وغائبٌ، وما نريدُهُ هو الفكرُ والتفكيرُ الذي يحصل عند الإنسانِ الحالي، فلا يقاس المعلوم على المجهول ولا الحاضر على الغائب، وإنما العكس هو الصحيح فيقاس المجهول على المعلوم والغائب على الحاضر، فلا يصحّ أن نقيس الإنسان المعلومَ الذي أمامنا، على الإنسانِ الأولِ الغائبِ والمجهولِ، لنعرفَ من ذلك معنى الفكر عند الإنسان الحالي، وإنما نقيسُ الإنسانَ الأولَ على الإنسانِ الحالي فنعرف، من معرفةِ الفكرِ والإدراكِ عند الإنسانِ الحالي، الفكر والإدراك عند الإنسانِ الأول. ولهذا كان من الخطإ إيرادُ هذا القول.
ثم إن ما يرويه التاريخ عن الإنسان الأول أو كما يقولون الإنسان في العصر الحجري أنّه كان يبحث عن طعامهِ فيستعملُ الأدواتِ الحجريّةَ لقطفِ الثمارِ في الغاباتِ وصيدِ الأسماكِ وبناءِ المساكن ودفعِ أذى الوحوش المفترسة. هذا إذا صح فإنه شيءٌ يتعلق بإشباعِ الغرائزِ ولا يتعلّقُ بالفكرِ أي يتعلق بالإدراك الشعوري، أي التمييز الغريزي ولا يتعلق بالإدراك العقلي. وقد يقال إنه قد يحصلُ أن يعطى شخص آلة معقدة وليست لديه معلوماتٌ سابقةٌ عنها ويطلب منه حلّها وتركيبُها، فيأخذها الشخصُ ويحاول إجراء تجارب متعددة عليها فيصل من هذه التجارب إلى حلّها ثم إلى تركيبها. فهذا وصل إلى فكر دون حاجة إلى معلوماتٍ سابقة. والجواب على ذلك هو أن هذا الشخص لديه معلوماتٌ متعددةٌ. فأخذ بتجاربه المتعددة يربط المعلومات التي لديه بالواقعِ الذي بين يديهِ وبالمعلوماتِ مع بعضها حتى توصل إلى إيجاد معلوماتٍ يفسر بواسطتها حلّ الآلة وتركيبها، وبهذه المعلومات التي توصَّل إليها وصل إلى الفكر. فهذا لا يؤتى به مثالاً، لأنه توجد لدى الشخص معلوماتٌ، وإنما المثال الذي يؤتى به هو الطفلُ الذي لا توجد لديهِ معلوماتٌ إطلاقاً، أو الرجل الذي ليس لديه معلومات يمكن أن يستعين بها على إيجاد معلومات يفسر بها الواقعَ كأن تأتي بأعرابي وتدخله مختبراً وتتركه يجرب، أو أن تأتي بعالم من علماء الاقتصاد وتضعه في مختبر الذرّة وتطلب منه الوصول إلى سر القنبلة الذرية، فهذا ليس لديه معلوماتٌ ولذلك لا يصلُ إلى الفكرِ، وهو الذي يجب أن يؤتى به مثالاً، وليس هو الشخصَ الذي لديه معلوماتٌ يمكن أنْ يستعملها.
وعليه فالدماغ ليس محلّ الفكر. والحاصلُ أن الحواسّ تنقُلُ صورة عن الواقع المادي إلى الدِّماغِ، وهذهِ الصُّورَة تَتْبَعُ الحاسّةَ التي نَقَلَتِ الواقِعَ، فإن كانتْ بَصراً نَقَلَتْ صورَةَ الجِسْمِ، وإنْ كانَتْ سَمْعاً نَقَلَتْ صُورَةَ صوْتِهِ، وإنْ كانَتْ شَمّاً نَقَلَتْ صورَةَ رَائحتِهِ، وهكذا فيرْتَسِمُ الواقِع كما نُقِلَ في الدماغِ، أيْ حَسَبَ الصّورَةِ التي نُقِلَتْ، وبذلكَ يَتِمُّ الإحساسُ بالواقِع فَقَطْ؛ ولا يَنْشأُ عنْ ذلكَ التفكيرُ بل تَمَيّزٌ غَريزي فَقَط مِنْ حَيْثُ كوْنُه يُشْبِعُ أوْ لا يُشْبِعُ، يُؤلِمُ أوْ لا يُؤلمُ، يُفرحُ أوْ لا يُفرحُ، يَلَذّ أوْ لا يَلَذّ. وَلا يَحْصلُ أكثرُ منْ ذلكَ، فإنْ كانَتْ هُنالكَ مَعلومات سابقَةٌ رَبَطتْها قُوّةُ الرّبطِ الدماغيّةُ بالواقِعِ المحسوس الذي ارْتَسَمَ في الدماغِ، عندئذٍ تَتمّ العمليّةُ الفكريّةُ، وينتجُ إدْراكُ الشّيءِ، ومعرفَةُ ما هو، وإلا يَبقى عِنْدَ حَدّ الإحساسِ أو عندَ حدّ التّمييزِ الغريزيّ فقطْ، وأمّا الذي يَتمّ من محاولاتِ التّفكيرِ مع عَدمِ توفّرِ الواقعِ المحسوسِ، ومع عدمِ توفّرِ المعلوماتِ السّابقةِ، فلا يتعدّى تَخَيّلاتٍ فارغَةً تُسيطر على صاحبها بَعْدَ بُعْدِهِ عن الواقعِ المحْسُوسِ، ممّا يؤدّي بهِ إلى الانحرافِ نحوَ الأوهامِ والوقوعِ في الضّلالِ، ورُبما أدّى إلى إجهادِ الدماغِ، فيُصابُ بأمراض الخلَلِ والصرعِ وما شاكلَ ذلكَ؛ فلا بدّ إذَنْ من وجودِ الواقعِ المحسوسِ، والمعلوماتِ السّابقةِ، كما لا بدّ من وجودِ الدماغِ والحواسِ. وعليهِ فالفِكْرُ أوِ الإدراكُ أوِ العقْلُ هو نَقْلُ الواقعِ عنْ طريقِ الحواسِ إلى الدماغ، مقترِناً بمعلوماتٍ سابقةٍ تُعينُ على تفسير هذا الواقعِ.
هذا هو تعريفُ الفِكر، وهذهِ العمليّة تحْصلُ للمفكِّرِ الّذي يُنتِجُ الفكرَ لا لِمَنْ يُنْقَلُ إليه الفِكْرُ. أما مَن يُنْقَلُ إليه الفِكْرُ فلا تحْصلُ له هذه العمليّةُ، لأنّ الفِكْرَ نَتَج وانْتهى، فيُعطيهِ مُنْتِجُهُ للنّاسِ، وينْقُلُهُ النّاسُ لِبعضِهِمْ، ثمّ يُعبّرُون عَنهُ باصطلاحاتِ اللّغةِ. والفِكْرُ المنقولُ للآخرينَ يُنظرُ فيه، فإنْ صارَ لهُ الواقِعُ وتصوّره المنقُولُ له كما نُقلَ وصدّقهُ، كأنّهُ أحسّهُ، وسلّم به؛ فهُوَ، في هذه الحالة، قدْ أدْرَكَهُ وأصبحَ هذا الفِكْرُ مَفْهوماً منْ مفاهيمهِ، كما لو نتجَ هذا الفكرُ عنْهُ بالذّاتِ، وإنْ لمْ يكنْ لهذا الفِكْر واقِع عند الشخص الذي نُقِلَ إليه، بلْ فهِمَ الجُمْلَةَ وفَهِمَ الفِكر والمراد منه، ولكنْ لمْ يتكوّنْ لهُ واقِعٌ في ذهْنِهِ لا حِسّاً، ولا تصْديقاً وتَسْليماً، كان معلومات فَقط أي مجرَّد معارف عنْ أشْياء، ولذلك لا تؤثّرُ المعلوماتُ في الأشخاص وإنّما تؤثّرُ المفاهِيمُ، لأنها أفْكارٌ لها واقعٌ في ذهنِ مَنْ أدْرَكَهَا. ولهذا السببِ لمْ يكن بُدّ منْ معرفةِ الفِكْرِ ما هو، حتى يعرِفَ كَيْفَ يؤثّرُ الفِكْرُ، وإنْ لم يفْعَلْ ذلك لا يكونُ قَدْ نَقَلَ للنّاسِ أفكارَهُ، بلْ نَقَلَ إليهم معْلوماتٍ فَيُصبحونَ بها مُتعلّمين لا مُفكّرين.
التمييز الغَريزيّ
كثيراً ما يَخْلطُ النّاسُ الفِكْرَ بالتّمييزِ الغريزيّ، ويَعجزُونَ عن إدراكِ الفرقِ بَيْنَهُمَا. ومن هنا كان الوقوعُ في أخطاء مضْحِكَة حِيناً ومُضلّلَةٍ أحْياناً، فمنهم مَنْ جَعَلَ للطفلِ منذُ ولادتِهِ عَقْلاً وفِكْراً، ومنهمْ مَن جَعَلَ للحيوانِ فِكْراً، ومنْهُمْ مَنْ جَرّهُ عدمُ التّمييزِ بينَ الفِكْر والغَريزةِ أو الاهتداء الغريزيّ إلى الضّلال في تعريفِ الفِكر، ولهذا كانت معرفَة الاهتداء الغريزيّ ضروريّةً ضرورةَ معرفةِ الفكرِ أوِ العَقْلِ، أو الإدراك.
يتمّ الاهتداءُ الغريزيّ عندَ الحَيَوَانِ منْ تكرار إحساسه بالواقِع، لأنّ لَدَى الحيوانِ دماغاً، ولديه حواسّ كَما هي الحال في الإنسان، لكنّ دماغَ الحيوانِ عاجزٌ عنِ الرّبط؛ وكلّ ما فيه مَرْكزٌ للإحساسِ فَقَطْ؛ فليسَ لديه معلوماتٌ سابقةٌ يَرْبطُها بالواقعِ، أو بالإحساسِ، بل كلّ ما لديه انطباعاتٌ عنِ الواقِعِ، ويستعيدُ هذه الانطباعاتِ حينَ الإحساس بالواقِع. وهذه الاستعادَةُ لَيْسَتْ ربْطاً وإنما هي تَحَرُّكٌ لمركزِ الإحساسِ، وهي ناشئةٌ عن الإحساسِ بالواقعِ الأولِ أوْ بواقعٍ جديدٍ يتصل بالواقع الأول، فيحصلُ عندئذٍ للإحساسِ تمييزٌ غريزيّ، وهو الذي يُعَيّنُ سلوكَ الحيوانِ، وتحرّكهُ نحوَ إشباعِ الغريزةِ أوِ الحاجةِ العضويّةِ.
ويكونُ هذا السّلوكُ فقطْ للإشباعِ، أو عدمِ الإشباعِ، فإذا قدّمَ لهِر ـ مثلاً ـ لحْمٌ وعنَبٌ عَرَفَ بغريزته أيّهما يُؤْكَلُ وأَيّهما لا يُؤكلُ، فيقبلُ على ما يُؤكل ويُعْرِضُ عمّا لا يُؤكلُ؛ والأمرُ كذلكَ إذا قُدّمَ لحِصَان شعيرٌ وتُرابٌ. إنّهُ يحاولُ أنْ يختبرَ أيّهما فيه إشباعٌ، فإذا وجدَ ذلكَ في الشّعير، لا في التّرابِ، تركّزَ عنده الإحساس بأنّ الشعيرَ، يُشْبِعُ حاجَتهُ، والتّرابَ لا يُشبعُهَا، وعندئذٍ يَتْرُكُ التّرابَ لمجرّدِ الإحساسِ به، ويأخُذُ الشّعير لمجرّدِ الإحساسِ به إذا كانَ جائعاً، وهكذا بالنّسبة لكلّ حيوانٍ، والطفلُ كالحيوانِ حينَ الولادةِ فإنّ دماغَهُ وإنْ كانَ فيهِ قابليّةُ الرّبطِ، ولكنْ ليسَ لديهِ معلوماتٌ يربطُها بالإحساسِ بالواقعِ الجديدِ حتى يميّزَهُ. ومن هنا لا يكونُ عنده فِكْرٌ، بلْ تَمييزٌ أوِ اهْتِداءٌ غريزيّ فقطْ للشيءِ من حيْثُ كوْنه يُشْبِع أوْ لا يُشْبِع، وليستْ عندَهُ معرفَةٌ عن حقيقة الشيء الذي مَيّزَ الإشباعَ به، فهوَ لا يعْرفُ ما هوَ الشيءُ الذي أشبَعَ، ولا ما هُو الشيءُ الذي لم يُشْبِعْ، فإذا عُرِض على الطفلِ تمر وفحم، جرّب أحدَهُما ثمّ الآخر، فما وجدَ فيهِ الإشباعَ أكلهُ وأعرضَ عن الآخر.
ولكنْ إذا كانتْ لديه المعلوماتُ السابقةُ اسْتَعْمَلَهَا طبيعيّاً، لأنّ الرّبْطَ جُزْءٌ مِنْ تكوينِ دماغِهِ. بناءً على ذلكَ فإنّ التمييزَ أوِ الاهتداءَ الغريزيّ لا يتعدّى الإحساس بالواقعِ الذي يؤدّي إلى كوْنِ الشَّيءِ يُشبِعُ، أوْ لا يُشْبِعُ، بخلاف الفِكْرِ؛ فالفكرُ إذاً هوَ الحكمُ على الشيءِ؛ وكيفيّةُ وجودِه عمليّةٌ تحتاجُ إلى واقعٍ وإحساسٍ ودماغٍ ومعلوماتٍ سابقةٍ.
3 ـ علميةُ الفكر أي طريقةُ التفكيرِ، وهي تنقسمُ إلى قسمين:
ـ قسمٍ يحتاجُ إلى ملاحظةٍ وتجربةٍ واستنتاجٍ.
ـ وقسمٍ يحتاجُ إلى ملاحظةٍ واستنتاجٍ.
فالأولى تُدْعى الطريقةَ العمليّةَ ـ والثانيّةُ تُدعَى الطريقة العقليّةَ..
الطريقة العمليّة والطريقة العَقلية
الطريقةُ العلميّةُ مَنْهَجٌ معينٌ في البحثِ. يُسْلَكُ هذا المنهجُ للوصولِ إلى معرفة حقيقةِ الشيءِ الذي يبحثُ عنه، عن طريقِ إجراءِ تجاربَ على هذا الشيءِ؛ ولا تستعملُ هذهِ الطريقةُ إلا في بحثِ المواد المحسوسةِ، لا في بحثِ الأفكارِ. ولا تكونُ إلاّ بإخضاعِ المادّةِ لظروفٍ وعواملَ غيرِ ظروفِها وعوامِلِهَا الأصليّة، وملاحظة المادّةِ والظروف والعوامِلِ الأصليّة التي أُخْضِعَتْ لها. ثمّ يُسْتَنْتَجُ من هذهِ العمليّةِ على المادّةِ حقيقةٌ ماديةٌ ملموسةٌ، كما هي الحالُ في المختبرات.
وتفرضُ هذه الطريقة التخليَ عن جميعِ المعلومات السّابقةِ عن الشيءِ الذي يُبْحَثُ، ثمّ يُبْدأُ بملاحظةِ المادّةِ، وتجربتها، لأنها تقتضي، أن يمْحُوَ الباحثُ من رأسه كلّ رأيٍ، وكلّ إيمانٍ سابقٍ في هذا البحثِ، وأن يبدأ بالملاحظةِ والتجربةِ، ثمّ بالموازنةِ والترتيبِ؛ ثم بالاستنباطِ القائمِ على هذه المقدّماتِ العمليّةِ؛ فإذا وصلَ إلى نتيجة من ذلكَ كانتْ نتيجةً علميّةً أي حقيقة علمية خاضعةً للبحثِ والتّمحيصِ، ولكنّها تظلّ حقيقة عِلْمِيّةً، ما لم يُثْبِتِ البحثُ العِلْمِيّ تَسَرّبَ الخطإ إلى ناحيةٍ من نواحِيها.
على أنّ هذا لا يَعْني أنّ الطريقةَ العِلميّةَ طريقةٌ خاطئةٌ، بلِ الخطأُ جَعْلُها أساساً للتفكير، في حين أنها ليستْ أصلاً يُبْنَى عليه، وإنما هي فَرْعٌ بُني على الأصلِ؛ ولأنّ جَعْلَها أساساً يُخْرِجُ أكثرَ المعارفِ والحقائقِ عن البحثِ؛ وقد كان اتخاذُ الطريقةِ العلميّةِ أساساً للتفكيرِ، وجعْلُها حكَماً في الحكمِ على الأشياءِ خَطأً؛ يجبُ أن يُصحّحَ. وعلى العالمِ أنْ يجعلَ الطريقةَ العقليّة أساسَ التفكيرِ، وأنْ يرجعَ إليها في الحكمِ على الأشياءِ.
لأن الطريقة تَفْرِضُ التخلّي عن المعلوماتِ السّابقةِ. والطريقةُ العقليّة تُحَتّمُ وجودَ المعلومات السّابقة. والطريقةُ العقليّةُ هيَ الأساسُ في التّفكيرِ، وبها، وحْدَها، ينشأُ الفِكْرُ.
فبواسطةِ الطريقةِ العقليّةِ تُدْرَكُ الحقائقُ العلميّةُ على أساسِ الملاحظةِ والتجربةِ والاستنتاج؛ كما تُدركُ حقائق التاريخ ويتميّزُ الخطأُ من الصواب؛ وبواسطتها تتحقق الفكرة الكليّةُ عن الكون والإنسان والحياة.
أقسَام الفِكر: سطحي ـ عمِيق ـ مستنير
أ ـ سطحي: النظرُ إلى الشيء والحُكْمُ عليهِ من دون فهمٍ.
ب ـ عميق: النظرُ إلى الشيءِ وفَهْمُهُ ثمّ الحُكمُ عليه.
ج ـ مستنير: النظرُ إلى الشيءِ وفَهْمُهُ وما يتعلّقُ به ثم الحكمُ عليه.
أيْ أنْ ينظُرَ الإنسانُ إلى شجرةِ مشمشٍ فيراها تتألّفُ من ثمرٍ وورقٍ وخشبٍ، ثمّ يعيدُ النظرَ إلى الورقِ الأخضرِ الذي يكسُو الشجرةَ فيحكُمُ بأنّ النّفعَ الورقيّ محصورٌ بالزينةِ. فهذه النظرةُ العابرةُ الخاليةُ من التأمّلِ أدّتْ إلى إعطاءِ حكمٍ سريعٍ، كانَ بالتّأكيدِ حكماً سطحيّاً.
أمّا إذا أتى بهذهِ الورقةِ منَ المشمشِ، وأخذها إلى المختبرِ وأجرى عليها الفحوصاتِ اللاّزمةَ، فسيرَى أنّها تحتوي على رِئةٍ تنفسيّةٍ تأخُذُ الكربونَ منَ الهواءِ، وعلى حُبَيْباتٍ صغيرةٍ، ـ وتدعى اليَخْضُور ـ تدور ضِمْنَ الورقَةِ كما يدورُ محرّكُ السيّارةِ، وعلى عروقٍ صغيرةٍ متّصلةٍ بها من الغصونِ تحملُ لها النموّ من الأرضِ؛ وبنتيجةِ العواملِ المتّحدةِ، والدّائبةِ في تأديةِ وظيفتها، يتمُّ تزويدُ حبّةِ المشمش بالسكّرِ والنّشَاءِ. فإجراءُ فحْصٍ دقيقٍ على الورَقَةِ في المختبرِ يؤدّي إلى إعطاءِ حُكْمٍ عميقٍ عنْها. هذا، إذاً، هوَ الحكمُ العميقُ، وبعْدها يَبْحَثُ الباحث عن علاقَتها بما يُحِيطُ بها فَيَنْتَهي إلى القول: صُنْعُ اللَّهِ الذي أتْقَنَ كلّ شيءٍ. وهذا هو التفكيرُ المُسْتنيرُ. أمّا أنْ يقول: صُنْعُ اللَّهِ الذي أتقنَ كلّ شيءٍ، دونَ أن يكونَ قدْ لجأ أوّلاً إلى ما توجبُهُ النّظرةُ العميقةُ، فإنّهُ، والحالةُ هذه، يبقى عندَ حدودِ الفكرِ السّطحيّ، وعلى هذا فلنْ يكون فكرٌ مستنيرٌ حتى تَسْبِقَهُ النّظرةُ العميقَةُ.
ويستطيعُ الإنسانُ، باستعمالِ أيّ قسمٍ منْ أقسامِ الفكرِ إشباعَ غرائزِهِ وحاجاتِهِ العضويّةِ؛ ولكنْ تَخْتَلِف طريقةُ الإشباعِ بالنسبةِ إلى عمليّةِ الفكرِ ونوعيّتِهِ. لأنّنا إذا لاحظنا الفارقَ بينَ الإنسانِ والحيوانِ وجدنا أنّ الإنسانَ يُبْدع ويرتقي ويتقدّمُ باستمرارٍ، بينما الحيوانُ باقٍ على حالهِ؛ ومعَ هذا يبحثُ الحيوانُ عن وسائلَ تُشْبِعُ غرائزَه وحاجاتهِ العضويّةَ، كالإنسانِ. ولكنّ بحثَه وتنقيبَه مقتصرانِ على الإشباعِ فقط؛ وفي حال حصولهِ على أيّةِ وسيلةٍ، مهما كان نوعُها ومصدرها، تُحَقّقُ غايتَهُ بإشباعِ حاجتهِ أو غريزتِهِ، يكتفي ويستريح.
أمّا الإنسانُ فإنّه يطلبُ الأسمى: فنراهُ يكافحُ في سبيلِ حياةٍ أفضلَ؛ وهذا يعودُ لسببٍ واحدٍ عليه يتوقّف سيرُ الحياةِ، وقدرةُ الأممِ، وهو أنّ الإنسانَ لديهِ قوّةُ الرّبطِ بينَ الدماغِ والإحساسِ والمحسوسِ والمعلومات السابقةِ، بينما لا يوجدُ لدى الحيوانِ ربطٌ بينَ المعلوماتِ السابقةِ والواقعِ والإحساس والدّماغِ.
وبدون ربطِ المعلوماتِ السابقةِ، ينعدمُ الرّقيّ والإنشاءُ، ومن هنا كانَ الفكر المستنيرُ قاعدةً للانطِلاقِ، وعنهُ نشأتِ الأسئلةُ: من أين أتيتُ؟ ولماذا أتيتُ؟ وإلى أينَ المصيرُ؟
فعن طريقِ الفكر المستنيرِ، يستطيعُ الإنسان أنْ يجيبَ عن أسئلته بأجوبةٍ تُقنعِ عقلَهُ، وتُطَمْئِنُ قلبَهُ، وتريحُ نفسَهُ، فعلينا، إذاً، أنْ نستعملَ العمليّةَ الفكريّةَ، أي طريقةَ التفكيرِ العقليّةَ. ولا نستطيعُ هنا أن نستعملَ الطريقةَ العلميّةَ لأننا لا نستطيعُ أنْ نضعَ الإنسانَ تحتَ التجربةِ، أي في المختبرِ، لأنّهُ ليسَ مادّةً للإذابَةِ وللتّفْتيتِ، بلْ علينا أنْ نلاحظَ ونستنتجَ؛ ومن تكرارِ ملاحظتنا نستنتجُ الحكمَ على الواقعِ، ونصلُ إلى حقيقةِ وجودِ الله سبحانه عن طريق الفكر المستنير.


الإيمانُ باللّه عَن طريق الفِكر المُسْتَنِير
إنّ الأشياءَ التي يدرِكُها العقلُ هيَ الإنسانُ والحياةُ والكون؛ وهذه الأشياءُ محدودةٌ، فالإنسانُ محدودٌ لأنّهُ ينمو في كلّ شيءٍ إلى حدٍّ ما ولا يتجاوزُهُ، فهو محدودٌ. والحياة محدودة لأنّ مظهرَها فرديّ فَقَطْ. والمشاهدُ بالحسّ أنّها تنتهي في الفرد فهي محدودةٌ. والحكم على الإنسان لا يجوز أن ينصَبّ على مجموعه، لأن جنسه ليس مركباً من مجموعه، وإنما الحكم عليه يجب أن ينصبّ على ماهيته، أي على جنسه، فما يصدق على الماهية في فرد يصدق على الجنس كله مهما تعدد أفراده. وبما أن الماهية متحققة كلها في الفرد الواحد وفي كل فرد، وبما أنّ الفرد الواحد يموت فمعناه أنّ جنس الإنسان يموت. وما دامت الحياة تنتهي في الفرد الواحد فمعناه أن جنس الحياة ينتهي وأنّ الحياة كلَّها محدودة.
والحياةُ في الإنسانِ عينُ الحياةِ في الحيوانِ، وهي ليستْ خارجَ هذا الفردِ، بل فيهِ، وهي شيءٌ يُحَسّ وإنْ كانَ لا يُلْمَسُ. ويُفَرّق بالحسّ بين الحيّ والميت، فهذا الشيءُ المحسوسُ ـ وهو موجودٌ في الكائنِ الحيّ ومن مظاهِرِهِ النموّ والحركةُ ـ ممثّلٌ كليّاً وجزئيّاً في الفردِ ولا يرتبِطُ بأيّ شيءٍ غيرِه مطلقاً.
والكونُ محدودٌ لأنّهُ مجموعُ أجرامٍ، وكلّ جِرْمٍ منها محدودٌ، ومجموع المحدودات محدودٌ بداهةً، وذلكَ لأنّ كلّ جِرْمٍ منها له أوّل ولهُ آخر. فمهما تعدّدت هذه الأجرام فإنها تظلّ تنتهي بمحدودٍ، والمحدودُ هو العاجزُ والناقصُ والمحتاجُ لإيجادِ شيءٍ ما مِنَ العدمِ، أيْ عاجزٌ عنْ إيجادِ ما احتاج إليهِ. ولا يقالُ إنّ الأشياءَ المدركة المحسوسة احتاجت لبعضها، ولكنها في مجموعها مستغنيةٌ عن غيرها؛ لا يقال ذلك لأن الحاجة إنما تبين وتوضح للشيء الواحدِ، وتلمس لمساً ولا تفرض فرضاً نظرياً لشيءٍ غير موجودٍ فيفرض وجوده، فلا يقال إن النارَ احتاجت لجسم فيه قابليّةُ الاحتراقِ، فلو اجتمعا معاً لاستغنيا ولم يحتاجا إلى غيرهما، لأنّ هذا فرضٌ نظري. فالحاجةُ للنار وللجسم القابل للاحتراقِ هي حاجةٌ لشيءٍ موجودٍ حساً، ومحسوسٍ بإحدى الحواس، أو مدرك عقلاً، وهو بالطبع مما يقع الحس على مدلوله حتى يتأتى إدراكُهُ عقلاً، فالحاجةُ لشيء موجود، والنار والجسم لا يوجد من اجتماعهما شيء يحصل فيه الاستغناء أو الحاجة(+).
وكذلك الأشياء التي في الكون لا يحصل من اجتماعها شيءٌ يحصل فيه الاستغناءُ أو الحاجة. فالحاجةُ والاستغناء متمثلة في الجسم الواحد، ولا يوجد شيء يتكون من مجموع ما في الجسم الواحد، ولا يوجد شيء يتكون من مجموع ما في الكون حتى يوصف بأنه مستغن أو محتاج. فإذا قيل إن مجموع الأشياء التي في الكون مستغنٍ أو محتاجٌ، فإنه يكون وصفاً لشيءٍ متخيل الوجود لا لشيءٍ موجود. والبرهانُ يقوم على حاجةِ شيءٍ معين موجودٍ في الكون، لا مجموعة أشياء يتخيل لها اجتماع يتكون منه شيء. ويعطى له وصف الحاجة أو الاستغناء ولذلك لا يرد هذا السؤال لأنه سؤال فرضي تخيلي، وليس هو واقعياً، حتى ولا فرضاً نظرياً. ولا يقال إن الأشياء احتاجت لبعضها، فلا يكون دليلاً على أنها محتاجة، لا يقال ذلك لأن احتياج الشيء، ولو إلى شيء واحدٍ في الدنيا، يثبت أنه لا يوجدُ في الكون شيءٌ هو مُسْتَغْنٍ الاستغناء المطلق. يعني أنّهُ محتاجٌ ولو لشيءٍ واحدٍ في الوجود، أي يثبت له وصف الاحتياج، كمن يمشي خطوةً واحدة، أو يتكلّم كلمة واحدة. فقد ثبت له وصف المشي، ووصف التكلم، فالاحتياج والمشي والتكلم، وغير ذلك، مما يدل على الماهية، فإن ثبوت المرَّة الواحدة فيه يثبت الوصف لماهيته. فإنَّ احتياج كل جزءٍ إلى جزءٍ آخر يثبتُ له قطعاً وصف الاحتياج. وهذا كلّه ملموس محسوس بالنسبة لجميعِ الأشياءِ الموجودةِ على سطحِ الأرضِ. أما بالنسبة للكونِ والإنسانِ والحياة فإنّ الكونَ مجموعة أجرامٍ، وكلّ جرمٍ منها يسير بنظام مخصوص لا يملك أن يغيّره. وهذا النظام إما أن يكون جزءاً منه، أو خاصية من خواصّه، أو شيئاً آخر غيره، ولا يمكن أن يكون غير واحد من هذه الثلاثة مطلقاً. أما كونُهُ جزءاً منه فباطل، لأن سيرَ الكواكبِ يكون في مدارٍ معيّن لا يتعدّاه، والمدار كالطريق هو غير السائر. والنظام الذي يسير به ليس مجرد سيره فقط، بل تقييده بالسير في هذا المدار.
ولذلك لا يمكنُ أن يكون هذا النظام جزءاً منه. وأيضاً فإن السير نفسه ليس جزءاً من ماهية الكوكب، بل هو عمل له، ولذلك لا يمكن أن يكون جزءاً منه. وأما كونُهُ خاصية من خواصّه فباطلٌ، لأن النّظامَ ليس هو سيرَ الكوكبِ فحسب بل سيره في مدارٍ معيّن. فالموضوع ليس السير وحده، بل السير في وضع معيّن. فهو ليس كالرؤيةِ في العينِ التي هي من خواصِّها. بل هو كونُ الرؤيةِ في العينِ لا يكون إلا بوضع مخصوص. ومثل كونِ تحوّلِ الماءِ من ماءٍ إلى بخار لا يتأتى إلاّ بنسبة معيّنةٍ، فالموضوع ليس سير الكوكب، أو رؤية العين، أو تحول الماء، بل الموضوع هو سير الكوكب في مدارٍ مخصوصٍ، ورؤية العين في أحوال مخصوصة وتحوّل الماء بنسبة معيّنة، هذا الوضع المفروض على الكوكبِ، وعلى العينِ، وعلى الماءِ هو النظام.
وهو أي الكوكب، وإن كان السير من خواصِّهِ، إلاّ أنه عاجزٌ عن أن ينظّم سيرَ نفسِهِ، أي لا يستطيع أن ينظم نظاماً آخر ما دام التنظيمُ ليس من خواصه. وما دام التنظيمُ ليس جزءاً منه، وليس من خواصه، فيكون قد احتاجَ إلى غيرِه.
ولا يقالُ كون الكوكب مسيراً في مدار معين هو خاصية ناتجة عن اجتماع الكواكبِ مع بعضِها في جسمٍ واحدٍ وهو جزءٌ لا يتجزّأ من هذا الجسمِ، فينتجُ عن اجتماعها خاصية كونِ السيرِ في مدار معين، كالإيدروجين وحدَه له خاصية، والأكسجين وحده له خاصية، فإذا اجتمعا معاً صارت لهما خاصية أُخرى، وكذلك الكواكب. لا يقالُ ذلك لأن الإيدروجين والأكسجين حين اجتمعا كوّنا جسماً آخر، فصارت له خاصية أُخرى، فهي خاصية جسم لا خاصية وجودهما في الكون، بخلاف الكواكبِ. فإن الكوكبين أو الكواكبَ لم تكن لكلّ منهما خاصية وهو منفرد، ثم صارت له خاصية بالاجتماع في جسم واحد، بل ظلت هذه الخاصية خاصية لكل كوكب بمفرده خاصية له وحده. ولم يجتمعا ويكونا جسماً واحداً قط. ولذلك تكونُ الخاصية لكوكب ولا تكون لاجتماع كوكبين أو لاجتماع الكواكب في جسمٍ واحد، لأن الاجتماعَ الذي يُشكّل جسماً آخر لم يحصل.
وأما الحياةُ فإن احتياجَها إلى الماءِ والهواءِ ملموس محسوس. وأما الإنسانُ فإن احتياجَهُ إلى الطعامِ وغير ذلك ملموس ومحسوس. وعليه فإن الكونَ والحياةَ والإنسانَ كائنة في حالة احتياج دائم..
ومدلولُ كلمة محتاج يعني أنه مخلوق، لأن مجرّد حاجته تعني أنه عاجزٌ عن إيجادِ شيءٍ ما من العدم، أي عاجز عن إيجاد ما احتاج إليه فهو ليس خالقاً، وما دام ليس خالقاً فهو مخلوق. لأن الوجودَ كلّهُ لا يخرج عن خالق ومخلوقٍ، ولا ثالث لهما قطعاً وهذا ليس فرضاً، وإنما الواقع المحسوس للمخلوقِ يدل عليه. وهذا المخلوقُ إما أن يكونَ مخلوقاً لنفسِهِ أو مخلوقاً لغيره، أما كونُهُ مخلوقاً لنفسه فباطلٌ، لأنه يكونُ مخلوقاً لنفسه وخالقاً لنفسهِ في آنٍ واحدٍ وهذا باطلٌ، فلا بد أن يكون مخلوقاً لغيرِهِ، وهذا الغيرُ هو الخالق.
وأما كونه أزلياً أي لا أول له، فلأنه إذا كان له أول كان مخلوقاً، إذ قد بدىء وجوده من حد معين، فكونه خالقاً يقضي بأن يكون أزلياً. إذ الأزلي تستند إليه الأشياءُ ولا يستند إلى شيء.
والمحدوديّة والأزليّةُ ليستا اصطلاحاً وضع له تعريف اصطلاحي، ولا مدلولاً لكلمة وضع لها من اللغة لفظ يدلّ عليها، وإنما واقع معين كالبحث في الفكر سواء بسواء. فنحن حين نقولُ إن الكونَ محدودٌ إنما نشير إلى واقعٍ معيّن وهو كونُهُ له بدايةٌ وله نهاية، فالبحث هو في هذا الواقعِ، وليس في كلمة محدود. وكونه له بداية وله نهاية قد قام البرهانُ الحسيّ عليها، فيكونُ البرهانُ على واقع معيّن لا على معنى الكلمة لغويّاً.
فواقعُ المحدودِ هو أنه له أوّلٌ وله آخِر، وواقع الأزلي هو ما ليس له أوّلٌ ولا آخر فيكون واقع المحدود غير واقع الأزلي، فيكون الكلام عن واقع معيّن لا عن مدلول الكلمة لغوياً.
والبرهانُ على أنّ وجودَ الخالقِ حقيقة ملموسة محسوسة هو في منتهى البساطة. فإن الإنسان يحيا في الكونِ فهو يشاهدُ، في نفسه وفي الحياة التي يحياها، وفي كلِّ شيء في الكونِ، تغيّراً دائماً وانتقالاً من حال إلى حال، ويشاهد وجودَ أشياء وانعدامَ أشياء، ويشاهد دقةً وتنظيماً في كلِّ ما يرى ويلمس، فيصل من هذا عن طريقِ الإدراكِ الحسيّ إلى أن هناك موجداً لهذا الوجودِ المدرك المحسوس. وهذا أمرٌ طبيعيّ جداً، فإن الإنسانَ ليسمعُ صوتاً فيظنّ أنه صوتُ رجلٍ أو حيوان أو آلة، ولكن يوقنُ أنّه صوت ناتج عن شيء فيوقن بوجود شيءٍ خرج منه هذا الصوت. فكان وجود الشيء الذي نتج عنه الصوت أمراً قطعيّاً عند من سمعه. فقد قام البرهان الحسيّ على وجوده، فيكون الاعتقادُ بوجودِ شيءٍ نتج عنه الصوت اعتقاداً جازماً قام البرهانُ القطعيّ عليه، ويكون هذا الاعتقاد أمراً طبيعياً ما دام البرهانُ الحسيّ قد قام عليه، وكذلك فإن الإنسان يشاهد التغيّر في الأشياءِ ويشاهدُ انعدامَ بعضها ووجود غيرها، ويشاهد الدقة والتنظيم فيها، ويشاهد أن كل ذلك ليس منها، وأنها عاجزة عن إيجاده وعاجزة عن دفعه فيوقنُ أن هذا كلّهُ صادر عن غير هذه الأشياءِ ويوقن بوجود خالقٍ خلق هذه الأشياءَ، وهو الذي يغيرها ويعدمها وينظمها، فكان وجودُ هذا الخالقِ الذي دلّ عليه وجودُ الأشياءِ وتغيرها وتنظيمُها أمراً قطعيّاً عند من شاهد تغيّرها ووجودَها وانعدامها ودقة تنظيمها. فقد قام البرهانُ الحسيّ بالحسِّ المباشرِ على وجودِهِ وهو برهانٌ بمنتهى البساطة. ولذلك جاءت أكثر براهين القرآن الكريم لافتة النظر إلى ما يقع عليه حسّ الإنسان للاستدلال بذلك على وجود الخالق كقوله تعالى: {أَفَلاَ يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ *} [الغَاشِيَة: 17] {فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ *خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ *يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ *} [الطّارق: 5-7] {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ *} [الطُّور: 35]، وكقوله تعالى: {قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ *سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ *قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ *سَيَقُولُونَ لِلَّهُ قُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ *قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ *سَيَقُولُونَ لِلَّهُ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ *بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ *مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ *} [المؤمنون: 84-91].
لكنّ هناكَ أُناساً من البشر يَأبَوْنَ البساطةَ ويعقّدون الأمورَ، فيبحثون في هذا الأمرِ البسيطِ، وكأنّهُ المشكلُ المعقّدُ، فيصلون إلى أشياء جديدة تعقّد الأمور؛ ولذلك كان لا بدَّ لهم من براهين على هذه الأمور الجديدة التي وصلوا إليها. فمن ذلك أن بعضَ الناسِ في العصرِ القديمِ رأوا أنّ العالمَ متغيّرٌ بالمشاهدةِ والحسّ، وهذا أمرٌ لا يستطيعُ أحدٌ إنكارَهُ وهذا يعني أنّ العالمَ حادثٌ، لأنّ كلّ متغيِّرٍ حادثٌ، وما دام حادثاً فهو مخلوق، أي وجد بعد أن لم يكن، ولكنهم رأَوْا أن تغيّرَهُ إنما هو في أجزائه التي يتكون منها، أما هو ككل فرأوه كما هو، فالكواكبُ لا تزال كما هي كواكبَ لم تتغيّرْ، والحياةُ لا تزال في الأحياءِ هي الحياةَ لم تتغيّرْ والإنسان لا يزالُ هو الإنسان لم يتغيّرْ، فتوصلوا من ذلك إلى أن العالمَ ليس حادثاً وإنما هو قديم أزلي لا أول له فهو، إذاً، ليس مخلوقاً لخالق. ومن ذلك أن بعض الناسِ في العصرِ الحديثِ رأوا أن حوادثَ العالمِ متعددةٌ كما يشاهد ذَلكَ بالحس فهي تنتقلُ من حالٍ إلى حالٍ، ونقلُها هذا وجعلها في حركة دائمة ليس ناتجاً منها، فإنها بذاتها ومفردها لا تستطيعُ ذلك ولا تملك دفعهُ عنها. فكان الأمر الطبيعي أن يتوصلوا بذلك إلى وجود خالقٍ للعالمِ، ولكنهم توصلوا إلى عكس ذلك تماماً، إذ قالوا إن العالمَ بطبيعتهِ ماديّ، وإن حوادثَ العالمِ المتعددةَ هي مظاهر مختلفة للمادة المتحركة، وإن العلاقاتِ المتبادلةَ بين الحوادث وتكييف بعضها بعضاً بصورة، متبادلةٍ، هي قوانينُ ضروريةٌ لتطوّرِ المادةِ المتحركةِ وإن العالم يتطور تبعاً لقوانينِ حركةِ المادةِ، وتوصلوا من ذلك إلى أن العالمَ ليس بحاجةٍ إلى عقلٍ كليٍّ، فليس بحاجةٍ إلى خالقٍ يخلقهُ، لأنهُ مستغنٍ بنفسه. ومن هنا يتبين أنه في القديم والحديث لم يأتِ إنكار وجودِ الخالق طبيعياً وإنما جاء على مخالفةٍ للأمر الطبيعي بتفسيرِ ما يلزم بالاعتراف بوجودِ الخالقِ تفسيراً مغلوطاً يؤدي إلى إنكارِ وجوده.
فبالنسبة للقديم تجد أنّ تغيّرَ العالم أمرٌ لا يمكن إنكارُهُ. والتغيّرُ ليس من أجزائِه فحسب بل فيه أيضاً ككل. غير أنّ التغيّرَ لا يعني أن حقيقته قد تغيّرت، وإنما وضعه في تغيّر دائم، فالإنسان والحيوان ونبتة الزرع والشجرة والحجر تتغيّر من حالٍ إلى حالٍ بالمشاهدةِ، ولكن تغيرها لا يعني أن الحجر يصبح برتقالةً أو الحديد يصبح نبتة زرع. وإنما التغيّر يكونُ بالصفاتِ ويكون بالأحوالِ، وأما تغيّرُهُ إلى شيءٍ آخرَ فهو تبدل، والتبدلُ ليس هو البرهانَ وإنما البرهانُ هو وجود التغيّرِ، وبناءً على هذا ليس صحيحاً أنّ العالمَ ككلِّ لم يتغيّرْ، وليس صحيحاً أن الكواكبَ لا تزال كما هي لم تتغيّر، وليس صحيحاً أنّ الإنسانَ كما هو لم يتغيّرْ، وليس صحيحاً أنّ الحياةَ كما هي لم تتغيّرْ. فالعالم في مجموعه بكل ما فيه من كون وإنسانٍ وحياةٍ يتغيّر، فالكواكب متغيّرة بالمشاهدةِ ومجرد حركتها هو تغيّرٌ، والإنسان متغيّر بالمشاهدةِ وانتقالهُ من طفلٍ إلى شابٍّ إلى هرمٍ هو تغيُّرٌ، والحياةُ، متغيّرة بالمشاهدة وكونها تظهرُ في الإنسانِ والحيوان والنبتة والشجرةِ دليلٌ على وجود التغيّر فيها فهي متغيّرة حتماً، وبذلك ينقضُ ما ذهبوا إليه بأن العالمَ ليس حادثاً لأنه ليس متغيراً ككل، وهذا كاف لإثبات وجود الخالق.
وأما بالنسبة لما قاله الشيوعيون في العصر الحديث، فإننا نجدُ أن موضعَ الإنكارِ عندهم هو أنهم يقولون إن العلاقاتِ المتبادلةَ بين الحوادثِ، وتكييف بعضها بعضاً بصورة متقابلةٍ، هي قوانينُ ضروريةٌ لتطوّر المادة المتحركة، وإن العالم يتطور تبعاً لقوانينِ حركةِ المادة. هذا هو موضع إنكارِ وجود الخالق عندهم. فالتعقيدُ جاء إليهم من تفسير ما في العالم من تغيّرٍ وانتقالٍ من حالٍ إلى حالٍ، وما فيه من وجود بعضِ الأشياءِ بعد أن لم تكن وانعدامِ بعض الأشياءِ بعد أن كانت، أو على حدِّ تعبيرهم من تشكل المادة بأشكال مختلفة، ويفسرون ذلك بأنه يحدث من قوانين المادة وليس من شيءٍ غيرها، فقوانين حركة المادة هي التي تؤثر في العالم، وهو يتطور تبعاً لقوانين حركة المادةِ. هذا هو موضع الإنكار، ولذلك كان المطلوب هو حلّ هذه العقدةِ عندهم، أي كان محلّ البحث هو قوانين المادة وليس تغير العالم. فإذا ثبت أن هذه القوانينَ لم تأتِ من المادة، ولا هي خاصية من خواصها، وإنما هي مفروضة على المادة فرضاً من غيرها ومن خارجها، فإنه يكون هناك غير المادة هو الذي يؤثر فيها، وبذلك تبطلُ نظريتُهم وتحل العقدةُ عندهم، لأنه يكون العالم ليس سائراً تبعاً لقوانينِ حركةِ المادةِ، بل سائراً بتسيير من أوجد له هذه القوانينَ وفرضها عليه فرضاً، وأجبره على أن يسير بحسبها، فتنتقض النظرية وتحل العقدة.
أما كونُ هذه القوانينِ لم تأتِ من المادةِ فلأن القوانينَ هي عبارةٌ عن جعلِ المادّةِ في نسبةٍ معيّنةٍ أو وضعٍ معيّن، فالماء حتى يتحوّل إلى بخار أو إلى جليد، إنما يتحول حسب قوانين معيّنة، أي حسب نسبة معينة من الحرارة، فإن حرارةَ الماءِ ليس لها في بادىء الأمر تأثيرٌ في حالتِهِ من حيث هو سائل، لكن إذا زيدت أو أنقصت حرارةُ الماءِ جاءت لحظة تعدلت فيها حالةُ التماسك التي هو فيها وتحوّلَ الماء إلى بخار في إحدى الحالات وإلى جليدٍ في الحالةِ الأخرى، فهذه النسبةُ المعيّنةُ من الحرارةِ هي القانونُ الذي بحسبه يجري تحوّلَ الماءِ إلى بخار أو إلى جليد، وهذه النسبةُ، أي كونُ الحرارةِ بمقدارٍ معيّنٍ من الماءِ لم تأتِ من الماءِ، لأنه لو كانت منه لكان بإمكانه أنْ يغيّرها وأنْ يخرج عنها وإنما هي مفروضةٌ عليه فرضاً فدلّ ذلك على أنها ليست منه قطعاً، وكذلك لم تأتِ من الحرارةِ، بدليل أنها لا تستطيعُ أن تغيّرَ هذه النسبةَ أو تخرجَ عنها، وأنها مفروضةٌ عليها فرضاً، فهي ليست منها قطعاً، فتكون هذه القوانين ليست من المادة.
فأما كونُ هذهِ القوانينِ ليست خاصية من خواصِّ المادة فلأن القوانينَ ليست أثراً من آثارِ المادةِ الناتجةِ عنها حتى يقال إنها من خواصّها، وإنما هي شيءٌ مفروضٌ عليها من خارجها.
ففي تحوّلِ الماءِ ليستِ القوانين فيه من خواصّ الماء ولا من خواصّ الحرارة، لأن القانونَ ليس تحوّلَ الماء إلى بخارٍ أو إلى جليد، بل القانونُ هو تحوّله بنسبةٍ معيّنةٍ من الحرارة لنسبةٍ معيّنةٍ من الماءِ. فالموضوع ليس التحوّلَ، وإنما هو التحوُّلُ بنسبةٍ معيّنةٍ من الحرارةِ لنسبةٍ معيّنةٍ من الماءِ، فهو ليس كالرؤية في العينِ التي هي من خواصها، بل هو كون الرؤية لا تكون إلا بوضع مخصوص. هذا هو القانون، فكون العين ترى هو خاصية من خواصها، ولكن كونها لا ترى إلا في وضع مخصوص فهو ليس خاصية من خواصها، وإنما هو أمر خارج عنها؛ كالنار، فإنّ من خواصها الإحراق، ولكن كونها لا تحرق إلا بأحوال مخصوصة ليس خاصية من خواصها بل هو أمر خارج عنها، فخاصية الشيء هي غير القوانين التي تسيره، إذ الخاصية هي ما يعطيه الشيء نفسه وينتج عنه كالرؤية في العين وكالإحراقِ في النار وما شاكل ذلك، ولكن القوانين التي تسيّر الأشياء هي كون الرؤية لا تحصل من العين إلا بأحوال مخصوصة، وكون الإحراق لا يحصل من النار إلا بأحوال مخصوصة، وكون الماء لا يتحول إلى بخار أو جليد إلا بأحوال مخصوصة وهكذا..
وبهذا ثبت أن قوانين المادة ليست خاصية من خواص المادة، وإنما هي أمرٌ خارجٌ عنها.
وبما أنه ثبت أن هذه القوانينَ ليست من المادة ولا خاصية من خواصها فتكون آتيَةً من غيرها، ومفروضةً عليها فرضاً من غيرها ومن خارجها، وبذلك يثبت أن غيرَ المادةِ هو الذي يؤثر فيها، وبذلك أيضاً يثبت بطلانُ نظرية الشيوعيين لأنه يثبت أن العالمَ ليس سائراً تبعاً لقوانينِ حركةِ المادةِ بل هو سائرٌ بتسيير من أوجد هذه القوانين وفرضها عليه فرضاً، فيكون العالم بحاجةٍ لمن وضع له هذه القوانينَ وفرضها عليه. وما دام بحاجة إلى من فرض عليه هذه القوانين، فالعالم إذاً ليس أزلياً، وما دام ليس أزلياً فهو مخلوق. لأن كونه ليس أزلياً يعني أنه وجد بعد أن لم يكن فهو مخلوقٌ لخالق. وهذا الأزليّ الخالقُ هو مدلول كلمةِ الله، أي هو الله سبحانَهُ وتعالى.
التدَيّن
والتديّنُ غريزةٌ طبيعيّةٌ ثابتةٌ، وشعورٌ بالحاجَةِ إلى الخالِقِ المُدبّرِ، بغَضِّ النّظَرِ عنْ تفسير هذا الخالِقِ المُدبّرِ. وقَدْ وُجِدَ بوجُودِ الإنسان، سواءٌ كانَ مُؤمناً بوجودِ الخالِقِ أوْ كافراً به، مُؤمناً بالمادّةِ أوِ الطّبيعةِ. وهذا الشعورُ الإنسانيّ حتْميّ لأنّهُ يُخْلقُ مَعَهُ، هوَ جُزءٌ من تكوينهِ، لا يمكِنُ أنْ يَخْلُوَ منْهُ أوْ ينفصلَ عنهُ؛ وهذا هو التديّنُ، والمظهَرُ الذي يظهَرُ بهِ هوَ التقديسُ لما يعتقدُ أنّهُ الخالِقُ المدبّرُ، أوْ ما يتصوّرُ أنّهُ قدْ حلّ بهِ الخالِقُ المدبّرُ. وقد يظهرُ التقديسُ بمظهرِهِ الحقيقيّ، فيكونُ عبادةً، وقد يظهرُ بأقلِّ صورةٍ، فيكونُ التعظيمُ والتّبجيلُ والتقديسُ: مُنتهى الاحترامِ القلْبيّ، وهوَ أمرٌ فِطْرِيّ، وله مظاهرُ متعدّدَةٌ أعلاها العبادةُ بأنواعها، وليس بناتجٍ عنِ الخوْفِ، بلْ عن التديّنِ لأنّ التقديسَ لا يمكِنُ أنْ يكونَ مَظْهَراً مِنْ مظاهِرِ الخَوْفِ، لأنّ الخوْفَ مَظْهَرٌ مِنْ مظاهِرِ المَلَقِ، أوِ الدّفاعِ، أوِ الهُروبِ، وذلك يُناقِضُ حقيقةَ التّقديس. والتديّنُ، إذنْ، غريزةٌ مستقلّةٌ تختلِفُ عَنْ غريزةِ البقاءِ، ولذلك نجدُ الإنسانَ متديّناً، ومُنذُ أوْجَدَهُ الله على الأَرْضِ عَبَدَ الشّمْسَ والكواكبَ والنارَ، والأصنامَ ثم عَبَدَ شيْئاً، حتى الشعوب التي أجبرَها السّلاطينُ على تَرْكِ التديّنِ أبَتْ إلاَ أنْ تكونَ متديّنَةً، رغْمَ القوّةِ التي سُلّطَتْ عليها، وتَحمّلَتَ الأذى في سبيلِ عبادَتِها وأدائها، ولمْ تستطعْ أَيّةُ قوّةٍ أنْ تنزعَ مِنَ الإنسانِ تديّنَهُ، أوْ تُزيلَ تقديسَ الخالقِ منْ نفْسِهِ أوْ تَمْنَعَهُ عنِ العبادةِ، وإنما استْطاعَتْ أن تكبتَ ذلكَ إلى زمنٍ، لأنّ العبادَةَ مَظْهَرٌ طبيعيّ كما أشرنا. أمَّا ما يَظْهَرُ على بعضِ الملحدينَ منَ الكفرِ أوِ الاسْتِهزاءِ بالعِبادَةِ، فلا يَعني الكُفْرَ المُطْلَقَ، بلْ تحويلَ غريزَةِ التدينِ عَن عبادةِ الله إلى عبادةِ المخلوقاتِ، وتقديسِ الطّبيعةِ، أو الأبْطالِ، أوْ ما شاكلَ ذلكَ مستعملاً في سبيلها المغالطاتِ والتفسيرات الخاطِئَةَ للأشياءِ، ومن هُنا كانَ الكُفْرُ أصْعَبَ من الإيمانِ، لأنّهُ تحويلُ الإنسانِ عنْ فِطْرَتِهِ وعنْ مظاهِرِها الحقيقيّةِ، وذلك يحتاجُ إلى جُهْدٍ كبيرٍ. وما أصعَبَ أنْ ينْصرِفَ الإنسانُ عن خصائصِ طبيعَتِهِ وفِطْرَتِهِ، ولذلك نجدُ المُلحدينَ ـ حينَ يَنْكَشِفُ لهمُ الحقّ ويشعُرونَ بوُجودِ الله، ثم يُدْرِكُونَ وجودَهُ بالعَقْلِ إدراكاً جازماً ـ يُسرِعونَ إلى الإيمانِ، ويشعُرُونَ بالرّاحةِ والاطمئنانِ، ويزولُ عَنْهُمُ الكابوسُ الذي كانَ يرهقهمْ.
وإيمانُ هؤلاءِ وأمثالهمْ يكونُ راسخاً قويّاً لأنّهُ نابعٌ مِنَ الإحساسِ المؤدّي إلى اليقينِ، لأنّ عقْلهم ارتبطَ بوجدانهم، فأدركوا إدراكاً يقينياً وجودَ الله، وشَعروا شُعوراً دقيقاً بوجُودِهِ، والتقَتْ فطرتُهُمْ بعقلِهِمْ، فكانتْ قوّة الإيمانِ لديهمْ.
العِبَادة
لا يجوز أنْ تُتْرَكَ العِبادةُ للوجْدانِ يقرّرها كما يتطلّبُ، أوْ يؤدّيها الإنسانُ كما يتخيّلُ. بلْ لا بُدّ وأنْ يشترِكَ العقلُ معهُ لتعيينِ ما تجِبُ عبادَتُهُ، لأنّ الوجدانَ عرضةٌ للخطإ ومدْعاةٌ للضّلالِ. وكثيراً ما يُدْفَعُ الإنسانُ لِعِبادَةٍ يجِبُ تحْطِيمُها، وكثيراً ما يُدْفَعُ لتقديسِ أشياء مُحْتَقَرَةٍ؛ فإذا ترِكَ الوجدانُ وحدَهُ يُقرّرُ ما يَعْبُدُهُ الإنسانُ أدّى إلى الضّلالِ في عبادةِ غيرِ الخالِقِ، أو إلى الخرافاتِ في التقربِ إلى الخالقِ بما يبعدُ عنهُ، ذلكَ أنّ الوجْدَانَ أوِ الضّميرَ إحساسٌ غريزيّ أو شُعورٌ يتراءى أمامَ واقعٍ محسوسٍ فيتجاوبُ مَعَهُ، أو تفكيرٌ يُثيرُ هذا الشعورَ، فإذا أحدث الإنسانُ رَجْعاً لهذا الشعورِ بمجرّد وصولهِ دونَ تفكيرٍ، فربّما أدّى إلى الخطإ والضّلالِ. قدْ تَرى ـ مثلاً ـ في الليلِ شيئاً فتظنّهُ عدُوًّا لكَ؛ فتتحرّك فيكَ غريزَةُ البقاءِ في مظْهَرِ الخوْفِ فإذا استجَبْتَ لهذا الشّعورِ وأحْدَثْتَ الرّجْعَ الذي يتطلّبُه، وهو الصراخُ أوِ الهربُ، كانَ ذلكَ خطأً منكَ، لأنكَ تكونُ، عندئذٍ، سخريّةَ السّاخرينَ. ولكنْ حينَ تستعمِلُ عَقْلَكَ وتفكّرُ في هذا الشّعُورِ قبلَ أنْ تُحدِثَ الرّجْعَ، يتبيّنُ لكَ ما يجبُ أن تقومَ بهِ من الأعمالِ؛ فقدْ يكونُ الشّبَحُ عموداً كهربائياً أوْ شجرةً أوْ حيواناً. وحينئذٍ يتبدّدُ خَوْفُكَ وتَظَلّ سائراً إلى منزلكَ أو تتسلّقُ شجرةً للنّجاةِ، ولذلكَ لا يجوزُ أنْ يضطربَ الإنسانُ بِناءً على دافِعِ الوجْدانِ وَحْده، بَلْ لا بُدّ مِنِ اسْتِعْمَالِ العقلِ معهُ. ولا يجوزُ أنْ تكونَ عبادةٌ إلاّ وفْقَ ما يُرشِدُ إليه العقلُ حتى تكونَ لِمَنْ تَهْدِي الفِطْرَةُ لِعِبَادَتِهِ، وهو الخالقُ المُدبّرُ الذي يُشْعِرُ الإنسانَ بالحاجَةِ إليهِ.


حَاجة الإنسَانِ إلى الرّسل
وبقيَ علينا أن نتّصلَ بهذا الخالقِ العظيمِ، لنسألَه لماذا خَلَقَنَا؟ أوْ أنْ يتصلَ بنا ليشرَحَ لنا سببَ خَلْقِنا. ولمّا كُنّا محدودينَ، وكانَ المحدودُ لا يستطيعُ أنْ يتصل بغير المحدودِ، شَاءَ الله العظيم الخالق المدبر أن يتصل هو بنا.
ثمّ أتتْ رسلٌ تخبرُ أنها أُرْسِلَتْ مِنَ الله، ببراهينَ تفوقُ عقلَ الإنسانِ؛ فأتى موسى وعيسى ثمّ محمّدٌ. فكما حكم العقلُ، أنا بحاجةٍ إلى رسولٍ لِيُخْبِرَنا عن الغايةِ مِنْ خَلْقنا، كان لا بُدّ أن نؤمنَ بأنّ الذي أتى به هو من عندِ الله؛ فعلى هذا يكونُ البرهانُ الذي يأتي به الرسولُ هوَ المعجزةَ البشريّةَ التي تثبتُ حقيقَتَهُ، وبأنّهُ مرسلٌ من عند الله؛ والمعجزةُ الموجودةُ بين أيدينا، هي القرآنُ الكريمُ، لأن القرآنَ يتحدّى المحسوسَ وغيرَ المحسوس، لقوله تعالى: {قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا *} [الإسرَاء: 88].
فَلْنَعْرِفْ، إِذاً، كيفَ لا يستطيعونَ أنْ يأتوا بمثله؟.


القُرآن الكريم
اختارَ الله لوحيهِ أسماء مخالفةً لما سمّى العربُ به كلامَهُمْ جُمْلَةً وتفصيلاً، ورُوعيتْ في تلكَ الألقابِ أسرارُ التّسميةِ ومواردُ الاشتقاقِ، واشتهرَ منها لقبانٍ: الكتابُ والقرآنُ.
وفي تسميتهِ بالكتابِ إشارةٌ إلى جَمْعِهِ في السطورِ، لأنّ الكتابَةَ جَمْعٌ للحروفِ، ورَسْمٌ للألفاظِ.
كما أنّ في تسميتهِ بالقرآنِ إيماءَةً إلى حِفْظِهِ في الصّدور، لأنّ القرآنَ مصدَرُ القِراءةِ، وفي القراءةِ استذكارٌ.
على أنّ الذي غَلَبَ استعمالُهُ، من بينِ هاتينِ التسميتينِ، هو لفظُ القرآنِ بالمدلولِ المصدريِّ حتى بات علماً شخصياً لهذا الكتاب الكريم.
والقرآنُ الكريمُ، بمقدارِ ما يختلفُ واقعُهُ عَنْ واقعِ غيرِهِ مِنَ اللّفْظِ والمعنى والوَقْعِ على النّفْسِ، يظهرُ إعجازهُ. فالواقِعُ المحسوسُ أنّ البشر يموتُ منهم أفرادٌ، ويَحْيَا أفرادٌ، ولو تُرِكَ الأمواتُ بينَ الأحياءِ لأثّروا فيهم تأثيراً شديداً من حيثُ سيْرُ عيشهم؛ وكذلكَ بالنسبةِ للشجرةِ، فإذا يبسَ منها فرعٌ يفرخ فيها فرعٌ آخر، ولو تُرِكَ الفرعُ اليابسُ لأثّرَ في الشجرةِ بكاملها. وكذلكَ الأمرُ بالنسبةِ للغةِ، فبعدَ حدوثِ مشاكلَ، واختراعِ أشياء جديدةٍ، واكتشافِ أشياء جديدةٍ، تحتاجُ إلى أسماء جديدَةٍ؛ كما أنّهُ يخفّ ويَبطلُ استعمالُ ألفاظٍ معيّنةٍ لمسمّياتٍ معيّنَةٍ، إمّا بتغييرِ اسمِ الشيءِ تغييراً كاملاً، وإما لعدمِ استعمالِ هذا الشيءِ، وإمّا لعدمِ الحاجةِ إليه، فتكونُ الألفاظُ التي خفّ استعمالُها أو بَطُلَ، موتى، أو أصبحَ منها ألفاظٌ على طريقِ الموتِ، فعلينا إذاً أن نواريَ الألفاظَ التي لَفَظَت أنفاسَها الأخيرةَ، ونشذِّبَ الألفاظَ التي تدبّ فيها الحياة.
ولمّا كانَ واقِعُ القرآنِ الكريمِ يختلفُ عن واقعِ البَشَرِ، مِنْ حيثُ إنّ ألفاظَهُ تدلّ على معانٍ لها وقعٌ فريد، فإنّ الخلودَ مكتوبٌ لهذا القرآنِ الكريمِ الذي لمْ يلاحِظْ أحدٌ أنّهُ يُسْتطاعُ أخْذُ لفظةٍ واحدةٍ منه واعتبارها في عدادِ الأمواتِ، ولا لفظة وُلِدَتْ حديثاً لتخلف لفظةً قديمةً لم تَعُدْ تُسْتَعْملُ. إنّ هذا يدلّ دلالةً قاطعةً على أنّ العالمينَ لا يستطيعونَ أنْ يأتُوا بمثلِهِ ولو كانَ بعضُهُم لِبعْضٍ ظهيراً.
ومما يلفت النظر تماسُكُ الوقْعِ على النّفْسِ معَ المعنى، في اللّفظة الواحدة، مثل كلمة «ضيزى» فنادراً ما تُستعملُ حالياً لمَعْنَيَي جائرةٍ وظالمةٍ. وهاتانِ كلمتان شاعَ استعمالهما حالياً: ولكنّك لا تستطيعُ أن تحكم أنّ لفظةً من هاتين اللفظتينِ تحلّ محلّ كلمة «ضيزى» لأن «ضيزى» عندما وُضِعَت، راعت المعنى معَ النسج البلاغيّ، ومع وقعٍ معيّنٍ على النّفسِ. نَعم هو نسْجٌ بلاغيّ انفردَ بهِ القرآنُ الكريمُ.
{وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا(+) كَثِيرًا *} [النِّسَاء: 82].
والدليلُ على أنّ القرآنَ مِنْ عِندِ الله عقليّ، فالقرآنُ واقعٌ محسوسٌ، ويمكنُ للعقْلِ أنْ يدركَ أنّهُ من عند الله. إنه كلامٌ عربيّ في ألفاظِهِ وجُمَلِهِ، والعربُ نطقوا بكلام منهُ الشِّعْرُ بأنواعِه، ومنهُ النثرُ بأنواعِهِ، وكَلاَمهم مُدوّنٌ في الكُتُبِ، ومنقولٌ عنهمُ استظهاراً، نقله الخلفُ عنِ السّلَفِ، ورواهُ بعضُهم عن بعْضٍ، فهو إمّا أنْ يكونَ من طرازِ كلامِهِمْ، من حيثُ هو، فيكونُ قدْ قالَهُ عربيّ بليغٌ، وإمّا أن يكونَ من غيرِ طِراز كلامِهِمْ فيكونُ الذي قَالَهُ غيرُ العربِ. وهو إمّا أن يقدِرَ العربُ فيقولوا مثلهُ، وإمّا أنْ يعجزوا عن أنْ يقولوا مثلهُ، مع أنّهُ كلامٌ عربيّ. فإن قالوا مِثْلَهُ، فيكونُ كلامَ بشرٍ مثلهم، وإنْ عجزُوا عَنِ الإتْيَانِ بمثلِهِ، مع أنّهُ كلامٌ عربيّ، وهمْ فُصحَاءُ العربِ وبلغاؤهم، لم يكُنْ كلامَ بشرٍ. والنّاظِرُ في القُرآنِ، وفي كلامِ العربِ، يجدُ أنّ القرآنَ طرازٌ خاصّ مِنَ القَولِ، لمْ يسبِقْ للعربِ أن قالوا مثلهُ، ولا أتوا على هذا النمطِ منَ القولِ بشيءٍ، لا قَبْلَ نزولِ القرآنِ ولا بَعْدَهُ، فدلّ ذلكَ على أنّ العربَ لم يقولوا هذا القولَ فهو إذاً كلامُ غيرهم. وقد ثَبَتَ، بالتّواتُرِ الذي يُفيدُ القطْعِ واليقينَ، أنّ العربَ عجزُوا عن أنْ يأتوا بمثلِ القرآنِ معَ تحدٍّ لهمْ فقد قالَ: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ *} [البَقَرَة: 23] وقالَ: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ *} [يُونس: 38] وقالَ: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ *} [هُود: 13] وعلى الرغمِ منْ هذا التحدّي الصّارِخِ، فإنّهمْ عجزُوا عنْ أنْ يأتوا بمثلهِ. وإذا ثَبَتَ أنّ القرآنَ لم يقُلْهُ العربُ، ولم يستطيعوا أنْ يأتوا بمثلِهِ، فقدْ ثَبَتَ أنّهُ مِنْ عِنْدِ الله.
هوَ كلامُ الله لأنهُ يستحيلُ أنْ يقولَهُ غيرُ العربِ لأنّهُ كلامٌ عربيّ ولأنّهُ أعْجَزَ العربَ. ولا يُقالُ إنّه كلامُ محمّدٍ، لأنّ محمّداً عربيّ ومنَ العربِ، فإذا ثبتَ العجزُ على جنسِ العربِ، فقد ثبتَ العجزُ عليهِ. وطرازُ التّعبير من حيثُ الألفاظُ والجُمَلُ يخْضَعُ لهُ كلّ إنسانٍ، بحَسَبِ ما هو مُتَعَارَفٌ عليهِ في عَصْرِهِ أَوْ ما رُوِيَ عن كلامِ السابقينَ لهُ، وحينَ يُجَدِّدُ في التّعبيرِ، فإنّما يجدّدُ في استعمالِ الألفاظِ والتعابيرِ لمعانٍ جديدةٍ أوْ بقالبٍ جديدٍ؛ ويستحيلُ أنْ ينطقَ بما لم يسبقْ ما أحسّهُ. والمشاهدُ في طِرازِ القرآنِ أنّ التعبيرَ فيهِ، من حيثُ الألفاظُ والجملُ، لم يكنْ معروفاً في عصرِ الرُّسولِ، ولا من قبلِهِ، لدى العربِ، فيستحيلُ عليه كبَشَرٍ أنْ ينطِقَ بشيءٍ لمْ يسبِقْ أنْ وقَعَ عليه حسّهُ، لاستحالَةِ ذلك عقلاً. فيستحيلُ أنْ يكونَ طرازُ التّعبيرِ القرآنيّ، من حيثُ الألفاظُ والجُمَلُ، صادراً عن محمد (ص)، ما دام لم يسبقْ لحسّهِ أنْ وقَعَ عليهِ، فيكونُ القرآنُ كلامَ الله، وقد أتى به محمّدٌ من عنده، وذلكَ ثابتٌ بالدليلِ العقليّ، حيثُ نزلَ القرآنُ، وثابتٌ بالدليلِ نفسه، لأنَّهُ ما يزالُ مُعجزاً للبشر عنْ أنْ يأتوا بمثلِهِ، ولا يزالُ هذا الإعجازُ ثابتاً بالحسِّ. والحاصلُ أنّ القرآنَ إمّا أن يكونَ مِنَ العربِ، أوَ مِن محمدٍ، أو مِنَ الله، ولا يمكنُ أن يأتيَ من غير هؤلاءِ الثلاثةِ. أما إنّهُ مِنَ العربِ، فباطلٌ، لأنهم عجزُوا عنِ الإِتيان بمثلهِ، وأقرّوا بعجزِهم، وما زالوا حتى اليوم عاجزينَ عنِ الإِتيانِ بمثلهِ، وعليه فإمّا أنْ يكونَ منْ محمّدٍ وإمّا مِنَ الله عزّ وجلّ. وما محمدٌ إلاَ واحدٌ منَ العربِ، ومهما سما العبقريّ فإنّهُ لا يمكنُ أنْ يخرجَ عن عصرهِ كليّاً؛ فإذا عجزَ العربُ عجزَ محمّدٌ لأنّه واحدٌ منهمْ. وقد رُوِيَ عن محمدَ (ص) بطريق التواترِ قولُهُ: «مَنْ كَذَبَ عليّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأْ مقعَدهُ مِنَ النّارِ» (+) وإذا قورنَ كلامُ محمد بالقرآنِ لا يظهرُ أيّ تشابهٍ بين الكلامين، فدَلّ ذلك على أنّ القرآن لَيس كلامَ محمّدٍ، وهو ما يُثبِتُ أنّهُ كلامُ الله.
على أنّ جميعَ الشعراء والكتّاب والفلاسفة والمفكّرينَ في العالَمِ يبدأُونَ بأسلوب فيهِ بعضُ الضَّعْفِ، ثمّ يأخُذُ أُسْلُوبُهُمْ في الارتفاعِ إلى أنْ يصلُوا إلى ذرْوَةِ قُدْرَتِهِمْ؛ ولذلكَ يكونَ أُسلوبُهُمْ مختَلِفاً قُوَّةً وضَعْفاً، فَضلاً عَنْ وجُودِ بعضِ الأفكارِ السّخيفَةِ والتعابير الركيكةِ في كلامِهِمْ، في حين نجدُ القرآنَ منْ أوّلِ يوْمٍ نزلَتْ فيه أوّلُ آية: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ *} [العَلق: 1] إلى آخرِ آية: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المَائدة: 3] في الذروةِ مِنَ البلاغةِ والفصاحةِ وعلوّ الأفكارِ وقُوّةِ التعبيرِ. ولا تجدُ فيه تعبيراً واحداً ركيكاً ولا فكراً واحداً سقيماً، بل هوَ على نسقٍ واحدٍ. وكلّهُ في الأسلوبِ، جملةً وتفصيلاً، كالجُمْلَةِ الواحدة، ممّا يدلّ على أنّهُ فوقَ كلامِ البشرِ المُعرّضِ للاختلافِ في التعبيرِ والمعاني، وذلكَ يثبت أنه كلامُ ربّ العالمينَ. إن القرآنَ اعتَمَدَ في الدّعوةِ على أساسٍ فطريٍّ؛ ثمّ خاطبَ النّاسَ بما يتّفِقُ ومداركهم، لأنّ في النّاسِ العالِمَ والجاهلَ والذكيّ والبسيطَ، وهؤلاءِ جميعاً مدعوّون ليُؤْمنوا بالله إيماناً عقليّاً، وبالقرآنِ الكريمِ عن طريقِ العقلِ.
وحينَ نزلتْ آياتُ القرآنِ الكريمِ على رسول الله (ص)، وبلّغها للناسِ آمنَ بها المسلمونَ وحفِظوها عنْ ظهرِ قلْبٍ، ولمْ يَرَوْا فيها أيّ تناقض يحتاجُ إلى التدقيقِ، بل فهِموا كلّ آيةٍ في الجانبِ الذي جاءت تصفهُ أوْ تقرّرهُ، فكانتْ منسجمةً في واقِعِها، وفي نفوسهم، وقد آمنوا بها وصدّقوها وفهِموها فهماً مجملاً، واكتَفَوا بهذا الفَهْمِ، واعتبروها وصفاً لواقعٍ أو تقريراً لحقائقَ.
{أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ *} [المُلك: 14].
القُرآن الكريم: نزولُه ـ جمعُه ـ رسمُه
نزلَ القرآنُ على النبيِّ محمد (ص) مُفَرّقاً في مُدّة ثلاث وعشرينَ سنةً، وكانَ نُزُولُهُ تارةً يتتابعُ، وتارةً يتراخى.
وإنما نزلَ مُنجّماً(+)، ولم يُنزّلْ دفعةً واحدةً لحكمة ذكرها الله تعالى في القرآنِ الكريمِ قال: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ} [الفُرقان: 32]، أي كذلكَ أُنزل مُفَرّقاً نُقوّي بتفريقِهِ فؤادكَ حتى تعيَهُ وتحفظه.
وقال تعالى: {وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً *} [الإسرَاء: 106] أي على مهلٍ وتؤدَةٍ وتَثَبّتٍ نزلناه تنزيلاً على حسب الحاجةِ ووقع الحوادث.
جمع القرآن
لقد ثبتَ بالدليلِ اليقينيِّ الجازمِ أنّ النبيَّ (ص) حين التحق بالرفيق الأعلى كان القرآنُ كلُّهُ مكتوباً في الرِّقاعِ(+) والأكتافِ(+) والعسبِ(+) واللخافِ(+)، وكان كلُّه محفوظاً في صدورِ الصحابةِ رضوانُ الله عليهمْ. فقد كانت تنزلُ الآيةُ أو الآياتُ فيأمرُ حالاً بكتابتها بينَ يديهِ. وكان لا يمنعُ المسلمينَ مِنْ كتابةِ القرآنِ غيرَ ما كانَ يُمليهِ على كتَّاب الوحي كما هو حالُنا اليومَ عندما نكتبُ كتابةً عاديّةً فيكونُ رسمُها رسماً إملائياً لا رسماً قرآنياً. أَخرجَ مسلمٌ مِنْ حديثِ ابنِ مسعودٍ قال: قالَ رسولُ الله (ص): «لا تكتبُوا عنّي شيئاً غَيْرَ القرآن» . وكانَ ما يكتُبُه كتَّابُ الوحيِ مجموعاً في صحفٍ. قالَ تعالى: {رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً *} [البَيّنَة: 2] أيْ يقرأُ قراطيسَ مطهَّرةً مِنَ الباطلِ فيهَا مكتوباتٌ مستقيمةٌ قاطعةٌ بالحقِّ والعدلِ. وقالَ تعالَى: {كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ * فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ *مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ *بِأَيْدِي سَفَرَةٍ *كِرَامٍ بَرَرَةٍ *} [المدَّثِّر: 55]، [عَبَسَ: 11،13-16]. أيْ أنَّ هذهِ التذكرةَ مثبتةٌ في صحفٍ مكرّمةٍ عند الله مرفوعةِ المقدارِ منزهةٍ عن أيدي الشياطين، قد كُتبتْ بأيدِي كتبةٍ أَتقياء. وقد ترك (ص) جميعَ ما بينَ دَّفَّتَي المصحفِ مكتوباً قد كُتِبَ بينَ يَدَيْه. عن عبدِ العزيزِ بنِ رفيعٍ قال: دخلتُ أنا وشدادُ بْنُ معقلٍ على ابنِ عباسٍ رضيَ الله عنهما. فقال له شدادُ بنُ معقل: أَتَرَكَ النبيُّ (ص) مِنْ شيء؟ قالَ: مَا تركَ إلاّ ما بينَ الدَّفَّتَيْن. قالَ ودخلتُ على محمد بنِ الحنفيَّةِ فسألَناهُ فقال: مَا تركَ إلاّ ما بينَ الدَّفَّتَيْن. فالإِجماعُ منعقدٌ علَى أنَّ جميعَ آياتِ القرآنِ في سُوَرِهَا قَدْ كُتبتْ بَيْنَ يَدَيِ الرسولِ (ص) حينَ كانَ ينزِلُ بهَا الوحيُ مُباشرةً، وَأَنهَا كُتِبَتْ في صُحُف. وَتُوُفِّيَ الرسولُ الأَعْظمُ وَهُوَ قريرُ العينِ علَى القرآنِ معجزتِهِ الكبرى الّتي قامتْ حُجَّةً علَى العربِ وعلى العالَم أجمعَ. وَلَمْ يكنْ يخشَى على آياتِ القرآنِ الضياعَ لأَنَّ اللَّهَ سبحانَهُ وتعالَى حفظَ القرآنَ بنصٍّ صريح: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ *} [الحِجر: 9] ولأنهُ كانَ قَدْ ثبَّتَ هذهِ الآياتِ كتابةً بين يديهِ في صُحفٍ وحِفْظاً في صدورِ الصحابةِ رضوانُ الله عليهمْ. فكانت الصحفُ بعد وفاةِ رسول الله (ص) عندَ أبي بكرٍ ـ كونه خليفة ـ حتّى توفّاهُ الله ثمَّ عندَ عمَرَ في حياتِهِ ثمَّ عندَ حفصةَ بنتِ عمر أمِّ المؤمنين حَسَبَ وصية عمرَ رضي الله عنهم وأرضاهم.
في السنةِ الثانية أوِ الثالثةِ مِنْ خلافةِ عثمانَ، أيْ فِي سنةِ خمسٍ وعشرينَ للهجرةِ كان حذيفةُ بنُ اليمانِ يغازِي أهلَ الشامِ في فتحِ أرمينيةَ وأذربيجانَ معَ أهلِ العراق، فأفزعَه اختلافُهمْ في قراءةِ القرآن. فإنهُ رأَى أهلَ الشامِ يقرأُونَ بقراءةِ أُبَيِّ بنِ كعبٍ فيأتونَ بِمَا لَمْ يسمعْ أهلُ العراق، ورأَى أهلَ العراقِ يقرأُون بقراءةِ عبدِ الله بنِ مسعودٍ فيأتُونَ بِمَا لَمْ يسمعْ أهلُ الشّام، فيكفِّرُ بَعْضُهُمْ بعضاً. وَإِنَّ اثنينِ من أهل الشام اختلفَا في آيةٍ من سورةِ البقرةِ: قرأَ هذَا: وأتمُّوا الحجَّ والعمرةَ لله، وقرأَ هذا: وأتِمُّوا الحجَّ والعمرةَ للبيتِ، فغضبَ حذيفةُ واحمرَّتْ عيناهُ. وَقَدْ حدَّثَ ابنُ شهابٍ أنَّ أنَسَ بنَ مالكٍ حدّثَهُ أَنَّ حذيفةَ بْنَ اليمانِ قَدِمَ على عثمانَ رضي الله عنه فقال لهُ: يا أميرَ المؤمنينَ أَدْرِكْ هذهِ الأُمّةَ قبلَ أنْ يختلفُوا في الكتابِ اختلافَ اليهودِ والنصارَى. فأرسلَ عثمانُ إلى حفصةَ أنْ أرسلي إلينَا الصُّحفَ نَنْسخْهَا في المصاحِفِ ثُمَّ نردَّهَا إليكِ فأرسلَتْ بها حفصةُ إِلى عثَمانَ فأمرَ زيدَ بنَ ثابتٍ وعبدَالله بنَ الزبيرِ وسعيدَ بنَ العاصِ وعبدَ الرحمنِ بنَ الحارثِ بنِ هشامٍ فنسخُوهَا، وَعندَما انتَهَوْا مِنْ نَسْخِها ردها عثمان إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بِمصحفٍ وأَمَرَ بِمَا سواهُ مِنَ القرآنِ في كلِّ صحيفةٍ أوْ مصحفٍ أنْ يُحرق. وَقَدْ كانَ عددُ النُّسخِ الّتي نُسِخَتْ سبعَ نُسخٍ، فقد كُتبتْ سبعةُ مصاحفَ إلى مكةَ وإلى الشامِ وإلى اليمنِ وإلى البحرينِ وإلى البصرةِ وإلى الكوفةِ وَحُبِسَ بالمدينةِ واحدٌ.
وعلَى هذَا لَمْ يكنْ عملُ عثمانَ جمعاً للقرآنِ وإنما هو نسخٌ ونقلٌ لِعَيْنِ مَا نُقِلَ عن رسولِ الله (ص) كما هو. فإنه لم يصنع شيئاً سِوَى نسخِ سبعِ نُسَخٍ عن النُّسخةِ المحفوظةِ عندَ حفصةَ أمِّ المؤمنينَ، وجمَعَ الناسَ علَى هذا الخطِّ والإملاء وحدَهُما ومُنعَ أيَّ خط أو إملاءٍ غيرِهما. واستقرَّ الأمرُ على هذهِ النسخةِ خطاً وإملاءً، وهما عينُ الخطِّ والإملاءِ اللذين كُتبتْ بهما الصحفُ الّتي كُتبتْ بينَ يَدَيْ رسولِ الله (ص) حِينَ نَزَل الوحيُ بِهَا. ثمّ أخذَ المسلمونَ ينسخونَ عَنْ هذهِ النُّسخِ لَيْسَ غَيْر، وَلَمْ يبقَ إلاَّ المصحفُ الذي أمر عثمان بِرسمِهِ. وَلَمّا وُجِدَتِ المطابعُ صارَ يُطبعُ المصحفُ عَنْ هذهِ النسخةِ بنفسِ الخطِّ والإِملاءِ.
فيكون المصحف الّذي هو بينَ أيدينا هُوَ عينَهُ الّذي نزلَ علَى رسولِ الله (ص). وَهُوَ عينُهُ الّذي كانَ مكتوباً في الصحفِ الّتي كُتبتْ بَيْنَ يَدَيْ رسولِ الله (ص)، وَهُوَ عينُهُ الّذي نَسَخَ عنهُ عثمانُ النُّسخَ السَّبع وأمرَ أنْ يُحْرقَ ما عدَاهَا، وَهُوَ عينُهُ القرآنُ الكريمُ في ترتيبِ آياتِهِ بالنسبةِ لبعضِهَا وترتيبِهَا في سُوَرِهَا وفي رسمِهِ وإِملائِهِ. وأَمَّا النُّسخةُ الّتي أملاهَا رسولُ الله (ص) عَنِ الوحيِ وَجُمِعَتْ صحفُها وجرَى النَّسخُ عَنْهَا، فإنّها ظلَّتْ محفوظةً عندَ حفصةَ أُمِّ المؤمنينَ إلى أنْ كانَ مروانُ والياً على المدينةِ. عن ابن شهاب قَال: أخبرني سالمُ بنُ عبدِ الله بنِ عمرَ قالَ: «كانَ مروانُ يُرسِلُ إلى حفصةَ ـ يعني حينَ كانَ أميرَ المدينةِ مِنْ جهةِ مُعاوية ـ يسألُها الصّحُفَ الّتي كُتبَ فيها القرآنُ فتأَبَى أن تُعطيَهُ. قالَ سالمٌ: فلّما تُوفيتْ حفصةُ ورجعنَا مِنْ دَفْنِها أرسلَ مروانُ بالعزيمةِ إلى عبدِ الله بنِ عمرَ لَيُرْسِلَنَّ إليهِ تلكَ الصحُفَ، فأرسلَ بِها إليهِ عبدُ الله بنُ عمرَ فأمرَ بِهَا مروانُ فَشُقِّقَتْ. وقالَ إنّما فعلتُ هذَا لأِنّي خَشِيتُ إنْ طالَ بالناسِ زمانٌ أنْ يرتابَ في شأنِ هذهِ الصحفِ مُرتابٌ».
رَسْمُ المُصحف
رسمُ المصحفِ توقيفيُّ لا تجوزُ مخالفتُه. والدليلُ على ذلكَ أنَّ النبيَّ (ص) كانَ لهُ كُتَّابٌ يكتبونَ الوحيَ. وقد كتبُوا القرآنَ فعلاً بهذا الرسمِ وأقرّهُمُ الرسولُ على كتابتِهِمْ. ومضَى عهدُهُ (ص) والقرآنُ على هذهِ الكِتْبَةِ لم يحدثْ فيهِ تغييرٌ ولا تبديلٌ، مَعَ أنّ الصحابةَ قد كَتَبُوا القرآنَ، وَلَمْ يُرْوَ عَنْ أحدٍ أنّهُ خالفَ هذه الكِتْبَةِ، إلى أن جاءَ عثمانُ في خلافتِهِ فاستنسخَ الصحفَ المحفوظةَ عندَ حفصةَ أمِّ المؤمنينَ في مصاحفَ على تلك الكِتْبَةِ، وأمرَ أنْ يُحرقَ ما عداها مِنَ المصاحِف. إنّ تلك الكِتبة هي توقيفية عن الله عز وجلّ. ولذلكَ لا يقالُ لماذَا كُتبتْ كلمةُ «الرِّبَا» في القرآنِ بالواوِ والألفِ «الرِّبَوا» وَلَمْ تُكْتَبْ بالياءِ أو الألف. وَلاَ يُقَالُ مَا هُوَ سببُ زيادةِ الألفِ في «مائة»، وزيادةِ الألفِ في «سعَوْا» بِالحجِّ ونقصانِها مِنْ «سعَوْ» بسبأ، وزيادتِهَا في «عَتَوْا» ونقصانِهَا مِنْ «عَتَوْ» في الفرقانِ وزيادَتِهَا في «آمنُوا» وإسقاطِهَا مِنْ «بَاءُو» و«جاءُو» و«فاءُو» بِالبقرةِ، وزيادتِهَا في «يعفُوا الّذي» ونقصانِهَا مِنْ «يعفُو عنهمْ» في النساء. ولا يقالُ كذلكَ ما هُوَ وجهُ حذفِ بعضِ أحرفٍ مِنْ كلماتٍ متشابهةٍ دونَ بعضٍ: كحذفِ الألفِ مِنْ «قُرءناً» بيوسفَ والزُّخرفِ وإثباتِهَا في سائِرِ المواضِع، وإثباتِ الألفِ بعدَ واوِ «سموات» في فُصّلتْ وحذفِهَا مِنْ غيرِها؛ وإثباتِ الألفِ في الميعادِ مطلقاً وحذفِهَا مِنَ الموضعِ الّذي في الأنفال، وإثباتِ الألفِ في «سراجاً» حيثُمَا وقعَ وحذفِهَا مِنْ موضعِ الفُرقان. فهذَا الاختلافُ في كتابةِ الكلمةِ الواحدةِ بينَ سورةٍ وسورةٍ مِنْ حيثُ الرسمُ مَعَ عدمِ اختلافِ المعنَى واللفظِ دليلٌ علَى أَنهُ فعلٌ مردُّهُ إلى السَّماعِ لا إلى الاجتهادِ والفهمِ، وكلُّ مَا كَانَ مردُّهُ إلى السَّماعِ فهوَ توقيفيّ. وَلَمْ يُنقلْ خلافٌ في رسمِ المصحفِ على هذهِ الكِتْبَةِ الّتي كُتِبَتْ بينَ يَدَيِ الرُّسولِ، كَمَا لَمْ يُنقلْ خلافٌ في ترتيبِ الآياتِ، ممَّا يدلُّ علَى أنَّ الرسمَ توقيفيّ. فإقرارُ الرسولِ على هذهِ الكِتْبَةِ، وإجماعُ الصحابةِ عليهَا، وواقعُ الاختلافِ في رسمِ الكلمةِ الواحدةِ بَيْنَ سورةٍ وسورةٍ مَعَ اتّحادِ اللفظِ والمعنَى، كلُّ ذلكَ دليلٌ واضحٌ على أنَّ هذَا الرسمَ الَّذي عليهِ المصحفُ هُوَ رسمٌ توقيفيٌّ يجبُ أنْ يُلْتَزَمَ وحدَهُ، وَيَحرُمُ أنْ يُكتبَ المصحفُ على رسمٍ غيرِ هذَا الرسمِ، فلا يجوزُ العدولُ عنهُ مطلقاً. ولا يقالُ إنَّ الرسولَ كانَ أُميّاً فلا يعتبرُ تقريرُهُ لها، لأنَّ لهُ كُتَّاباً يعرفونَ الخطوطَ فكانُوا يصفونَها له، عِلاوةً على أنهُ كانَ يَعْرِفُ أشكالَ الحروفِ كما وردَ في بعضِ الأحاديث. علَى أنَّ كتابةَ كُتّابِهِ للكتبِ الّتي كانَ يرسلُها للملوكِ والرؤساءِ كانتْ على رسمِ الكتابةِ العاديّة، وعلى غيرِ الرسمِ الّذي كانُوا يكتبونَ بهِ الصحفَ الّتي يكتبونَ فيهَا القرآنَ حينَ نزولِهِ، مَعَ أنَّ المُمْلِيَ واحدٌ والكتابَ هُمُ هُمُ. أمّا كتابةُ القرآنِ استشهاداً، أوْ كتابتُهُ علَى اللوحِ للتعليمِ أو غيرُ ذلكَ ممّا يُكتبُ في غيرِ المصاحفِ، فَهُوَ جائزٌ لأنَّ الإقرارَ مِنَ الرسولِ والإجماعَ مِنَ الصحابةِ حصلَ في المصحفِ وَحْدَهُ دونَ غيرِه، ولا يقاسُ عليهِ لأنهُ أمرٌ توقيفيٌّ لغيرِ علّة، فلا يدخُلُه القياس.
أمّا أنْ نقولَ: قولُهُ تعالى: {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ} [النُّور: 15] قد قُرِىءَ «تُلِقُونَهُ» فهذا مخالفٌ للرسمِ، فضلاً عَنْ كونِهِ مخالفاً للمبنى والمعنَى. إذْ إنَّ معنى «تَلَقَّونَهُ» مأخوذُ من تلقّيتُ الحديثَ مِن فلان أيْ أخذتُهُ منهُ وقبلتُهُ مِنْ غيرِ دليل. وأمّا «تَلِقُونهُ» فمعناها مأخوذٌ من «وَلِقَ» أَيْ أسرعَ. والولَقُ: الإسراعُ. يقالُ: وَلِقَ الرجلُ يَلِقُ وَلَقاً: أسرعَ. وَوَلِقَ في الكذِبِ: استمرَّ فيه.
كذلكَ أنْ يُقرأَ أَوْ يُكتبَ قولُهُ تعالى: {ارْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ} [يُوسُف: 12] «يرتعِ» فهذا مخالفٌ أيضاً للرّسمِ فضلاً عن مخالفتِهِ للمبنى والمعنى. فكلمةُ «يرتعِ» من رتعتِ الماشيةُ في المرعى أيْ أكلتْ وشرِبتْ ما شاءَتْ مِنْ عشبٍ وماءٍ. ويُشارُ للإنسانِ بمعنى التّنعُّم. فيكونُ معنَى الآيةِ: يلعبْ ويتنعّمْ بالطعامِ والشرابِ والهواءِ العليل.
وأما قولُهُمْ «يرتعْ» مِنْ رعَى، فأصلُ الرَّعْي هو حِفْظُ الحيوانِ: إِمَّا بغذائِهِ الحافِظِ لحياتِهِ، وإمَّا بِذَبِّ العدوِّ عنه. يُقالُ: رَعَيْتُهُ أَيْ: حَفِظْتُهُ وأدرتُ شؤونَهُ. وأَرْعَيْتُهُ: جعلتُ لَهُ مَا يُرْعَى مِنَ النّبات.
وأمّا لماذا شُكِّلَتْ بِنَظَرِهِمْ «يرتعْ» بسكونِ آخرِها فلأنّها جاءتْ جواباً للطلب في فعلِ «أرْسِلْهُ». وفي حالِ «يرتعِ» تكونُ الكلمةُ مجزومةً بحذفِ حرفِ العلة مِنْ آخِرها لأن أصلها «يَرْتَعي».
القراءاتُ هي باختلافِ اللّهَجاتِ لا بتغييرِ الرّسم
اختلافُ اللّهَجَاتِ يكونُ في الفتحِ والإمالةِ والتفخيمِ والهمزةِ وكسرِ حروفِ المضارعةِ وقَلبِ بعضِ الحروفِ وإشباعِ ميمِ الذكور وإشمامِ(+) بعض الحركات. مِنْ ذلكَ قولُهُ تعالى: {وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى *} [طه: 9] وقولُهُ: {بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ *} [القِيَامَة: 4] قُرىءَ بإمالةِ (أتِي) و(موسِي) و(بلِي) نحو الكسر. وقولُهُ تعالى: {خَبِيرًا بَصِيرًا *} [الإسرَاء: 96] بترقيقِ الرّاءينِ. (والصلاة) و(الطلاق) بتفخيمِ اللاّمين.
وهذا كلُّهُ كانَ يتوقَّفُ على السمعِ فقط، لا على الرَّسمِ والكتابة. ويبقى الرسمُ توقيفيًّا عن الله الحكيم العليم. وعندما نسمعُ اليومَ أنّ القرآنَ الكريمَ يُرسمُ حَسَبَ القراءاتِ فهذا يعني أنّهُ يوجدُ بينَ أيدي المسلمينَ رسومٌ متعدّدةٌ للقرآنَ. وهنا نسألُ هؤلاءِ القائلينَ برسم القرآن حسب القراءة: لماذا أمرَ الخليفةُ عثمانُ رضي اللَّهُ عنه، وبموافقةٍ منَ الصحابة كلِّهم، بحرقِ كلّ الصحفِ الأخرى ما عدا تلكَ الّتي نُسِختْ مِنَ المصحفِ الأساسيّ؟ ولو كان جائزاً أن يُكتَبَ القرآنُ الكريمُ بأكثرَ من رسمٍ واحد ما اعتمد المسلمون هذه النسخة الأساسيّة وحدها على مرِّ الأجيال فاتّقُوا اللَّهَ يا عبادَ اللَّهِ في كتابِ اللَّهِ الكريم. واعلمُوا عِلماً يقينيًّا أنّ القرآنَ الكريمَ: جَمْعَهُ ورَسْمَهُ وبيانَهُ وقرآنَهُ وترتيبَ آياتِهِ وسُوَرِهِ.. إنَّ جميعَ هذا توقيفيٌّ منَ الله العليِّ العظيمِ لقولهِ تعالى: {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ *} [القِيَامَة: 17] وقوله: {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ *} [القِيَامَة: 19] وقوله سبحانه: {لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ *} [فُصّلَت: 42]. وقوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ *} [الحِجر: 9] مِنْ كلّ تحريفِ وتصحيفٍ وتغييرٍ وتبديلٍ وزيادةٍ أو نُقصان.
ونختمُ قولنا أخيراً بسؤالنا لهؤلاء الذين قالوا بوجود أكثر من رسمٍ واحدٍ للقرآنِ الكريمِ: هل كانت تلك النسخةُ الأساسيةُ التي اعتُمدت مكتوبةً برسمينِ أو أكثر؟
الإعجاز
الإعجازُ هو أنْ تضعفَ القُدرةُ الإنسانيةُ في محاولَةِ المعجِزةِ، وأن يستمرَّ هذا الضّعفِ على تراخي الزّمنِ وتقدّمهِ. فكأنّ العالمَ كلّهُ في العجزِ إنسانٌ واحدٌ.
إعجاز القرآن الكريم
لا يُشْرِكُ العلماءُ معهُ كِتاباً، في خَطَرِهِ ومنْزِلَتِهِ، وبُعْدِ غَوْرِهِ، وإحكامِ ترْتيبهِ، وقُوّةِ حُجّتِهِ، وبَسْطِ عبارتِهِ، وتوثيقِ سَرْدِهِ.
فكأنّ القرآنَ قطعةٌ واحدةٌ، على خلاف ما أنتَ واجدٌ في كلامِ كلِّ بليغٍ، مِنَ التفاوُتِ باخْتِلافِ الوُجوهِ التي يُصرّفُهُ فيها، والعلوّ في مَوْضعٍ، والنزول في موضعٍ، ثمّ ما يكونُ مِنْ فترَةِ الطبْعِ ومسْحَةِ النفسِ، في جهةٍ بعثَ عليها المللُ، أو جهةٍ استأنفَ فيها النشاط.
وقدْ يتحدّى القرآنُ أهلَ البيانِ في عباراتٍ قارعةٍ محرجة، ولهجةٍ قويّةٍ جزْلةٍ(+) مُرْغمةٍ أنْ يأتوا بمثلهِ أو سورَةٍ منهُ، فما فعَلوا، ولوِ استطاعُوا لما تأخروا، لشدّة حِرْصِهِمْ على تكذيبهِ ومعارضَتِهِ، بكُلِّ ما ملكتْ أيمانهمْ واتسَعَ لهُ إمكانُهُمْ. هذا العجزُ الوضيعُ بعدَ ذاكَ التحدّي الصّارخ هوَ أثرُ تلك القدرةِ الفائِقةِ. وهذا السّكوتُ الذليلُ، بعد ذلكَ الاستفزازِ الشّامخ، هو أثَرُ ذلكَ الكلامِ العزيز..
والقرآنُ هو اللّفْظُ المنزّلُ على سيّدنا محمد (ص) بما يدلّ عليهِ مِن معانيهِ. فالمعنى وحدَه لا يُسمّى قُرآناً، واللّفظُ وحدَهُ لا يَتَأَتّى أنْ يكونَ دونَ معنَى مُطلقاً، لأنّ أصلَ الوَضْعِ في اللّفْظِ إنما هوَ في الدّلالَةِ على معنى مُعَيّنٍ، ولذلكَ وصفَ اللَّهُ القرآنَ بوصْفِ لفظه فقال عنهُ: إنّهُ عربيّ في قولهِ: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا} [يُوسُف: 2] وقالَ: {كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا} [فُصّلَت: 3] والعربيّةُ وصفٌ لِلَفْظِ القرآنِ لا لمعانيهِ، لأنّ معانيَهُ معانٍ إنسانيّةٌ، وليست معانيَ عربيّةً. وهي للإنسانِ وليْسَتْ للعربِ فقط.
ولا يصحّ أنْ يُقالَ عن كتابةِ بَعْضِ معانيهِ بغير اللغةِ العربيّةِ: إنّها قرآنٌ؛ فعربيّةُ القرآنِ حتميّةٌ وهِيَ عربيّةُ لَفْظِهِ فَحسب. والقرآنُ معجزةُ النبيّ محمّد عليهِ الصّلاةُ والسّلامُ: وليسَ بمعجزٍ للعربِ الذينَ كانوا في أيّامِ الرّسول فقط، ولا للعربِ وحدَهمْ في كلِّ مكانٍ وزمانٍ؛ بل هو معجزةٌ للنّاسِ أجمعينَ لا فرْقَ في ذلكَ بين قبيلٍ وقبيلٍ؛ لأنّ الخطابَ للنّاسِ أجمعينَ. قالَ تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ} [سَبَإ: 28] ولأنّ آياتِ التحدّي عامّةً تقولُ: {وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [هُود: 13] وذلكَ يَشمُلُ النّاسَ جميعاً، ولأنّ القرآنَ أخْبَرَ عَنْ عجْزِ الجنِّ والإنسِ، فقال تعالى: {قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ} [الإسرَاء: 88] وعجزَ العَربُ عَنْ أنْ يأتوا بمثلِ هذا القرآنِ، وعجزَ الناسُ جميعاً عن أن يأتوا بمثلِهِ.
وكانَ العرَبُ إذا سَمِعوا القرآنَ أقبلُوا عليهِ مأخوذينَ بسحْرِ بلاغَتِهِ حتى إنّ الوليدَ بنَ المُغيرةِ قالَ للناسِ، وقدْ سمِعَ النبيَّ (ص) يقرأُ القَرآنَ: «والله ما مِنْكُم رجلٌ أعْرَفُ بالأشعارِ مني، ولا أعْلَمُ برَجزِهِ وقصيدِهِ مني، واللَّهِ ما يُشْبهُ الذي يقولُهُ شيئاً مِنْ هذا؛ والله إنّ لقولِهِ الذي يقولُه لحلاوةً، وإنّ عليهِ لَطَلاوَةً، وإنّهُ لمورقٌ أعلاه، مغدقٌ أسْفَلُهُ، وإنّهُ ليعلو ولا يُعْلى عليه» ، معَ أنّ الوليدَ لمْ يؤمنْ وأصرَّ على كُفْرِهِ. فالإعجازُ آتٍ من ذاتِ القرآنِ، لأنّ الذينَ سمعوهُ والذينَ يسمعونه إلى يومِ القيامةِ يشهدونَ ويتحيّرونَ مِنْ قوّةِ تأثيرِهِ، وقُوّةِ بلاغَتِهِ، لمجرّدِ سماعِهِمْ له: {وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [الزُّمَر: 67] {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ} [الأنفَال: 58] {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ *يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ *} [الحَجّ: 1-2] وهكذا تُتْلى آيةٌ مِنَ القرآنِ أو آياتٌ فإذا بألفاظِها وأُسلوبها ومراميها تستغْرق أحاسيسَ الإنسانِ وتستولي عليهِ. وإعجاز القرآنِ أظهر ما يَظْهَر في فصاحتَه وبلاغَتِهِ وارتفاعِهِ إلى دَرَجةٍ مدهِشَةٍ، ويتجلَّى ذلكَ في أُسلوبِ القرآنِ المُعْجزِ؛ فإنّ في أُسلوبهِ، من الوضوح والقوّةِ والجمالِ، ما يعجز البشر عَنْ أَنْ يصِلُوا إليهِ. ومع كونِهِ طرازاً خاصّـاً ونسيجـاً منفـرداً واضحـاً كلّ الوضـوح تجـده يقـول: {وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ *} [التّوبَة: 14] ويقول {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عِمرَان: 92].
ولوْ نُظِمَتِ الآيتانِ لكانتا بيتينِ مِنَ الشّعرِ:
ويُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عليهِم
وَيشفِ صدور قوم مُؤمنين
لن تنالُوا البِرَّ حتى
تُنْفِقُوا مما تُحِبُّون
ولكنّهما ليستا شعْراً، وإنما هما نوعٌ من النثْر فريدٌ. وفي الوقتِ الذي تجدُ القرآنَ يقولُ هذا النوعَ منَ النثرِ تجدُهُ يقولُ: {وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ *وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ *النَّجْمُ الثَّاقِبُ *إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ *فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ *خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ *يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ *} [الطّارق: 1-7].
وهوَ نثر بعيدٌ عن الشّعرِ كلّ البعْدِ. وبينما تجده يقولُ في مكان.
{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا *} [النِّسَاء: 64] فيطيلُ الفقْرَةَ والنّفس في النثرِ. تَجِدُهُ يقولُ في مكانٍ آخر: {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا *وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاَهَا *وَالنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا *وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا *} [الشّمس: 1-4] فيُقَصّرُ الفقْرَةَ والنّفَسَ في النّثرِ مع أنّ كُلاًّ منهما نُثِرَ في فقرات. وبينما تجدُهُ يُبدعُ في النثر المرسَلِ حيثُ يقَولُ: {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ *} [المَائدة: 41] تجِدُهُ يُبدعُ في النّثرِ المُسَجّعِ، حيثُ يقول: {يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ *قُمْ فَأَنْذِرْ *وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ *وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ *وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ *وَلاَ تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ *وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ *} [المدَّثِّر: 1-7] ثمّ يتسامى في الازدواجِ، فيقول: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ *حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ *} [التّكاثُر: 1-2].
ويُطيلُ، فيقولُ: {قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ *مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ *مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ *ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ *ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ *ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ *كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ *} وبينما يسير بسجعةٍ معيّنةٍ، إذا هو يعدلُ عنها بسجعَةٍ أُخرى، مثل: {فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ *فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ *عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ *} ثمّ يعدلُ في الآيةِ التي بعدها مُباشرةً، فيقولُ: {فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ *فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ *عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ *} [المدَّثِّر: 8-10] ثمّ يعدلُ في الآيةِ التي بعدها مُباشرةً، فيقولُ: {قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ *مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ *مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ *ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ *ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ *ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ *كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ *} [عَبَسَ: 17-23] وبينما يسير بسجعةٍ معيّنةٍ، إذا هو يعدلُ عنها بسجعَةٍ أُخرى، مثل: {فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ *فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ *عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ *} ثمّ يعدلُ في الآيةِ التي بعدها مُباشرةً، فيقولُ: {فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ *فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ *عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ *} [المدَّثِّر: 8-10] ثمّ يعدلُ في الآيةِ التي بعدها مُباشرةً، فيقولُ: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا *وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَمْدُودًا *وَبَنِينَ شُهُودًا *وَمَهَّدْتُّ لَهُ تَمْهِيدًا *ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ *كَلاَّ إِنَّهُ كَانَ لآِيَاتِنَا عَنِيدًا *سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا *إِنَّهُ فَكَّرَ وقَدَّرَ *فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ *ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ *} [المدَّثِّر: 11-20] وهكذا إذا تَتَبّعْتَ جميعَ القرآنِ وجدتَهُ ملتزماً شيئاً ممّا في أُسلوبِ العربِ، من شعرٍ أوْ نَثرٍ في مختَلِفِ الأنواعِ، لكنْ لا يشبهُ أيّ قولٍ من أقوالِ العربِ شعراً أو نثراً، ولا يُشبِهُ أيّ قولٍ منْ أقوالِ البشرِ. إنّكَ تجدُ أسلوبَهُ واضحاً قويّاً جميلاً يؤدّي المعاني بكيفيّةٍ معيّنةٍ من التعبيرِ ويصورها أدقّ تصوير. فتجدُهُ حينَ يكونُ المعنى رقيقاً، مثل: {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا *حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا *وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا *وَكَأْسًا دِهَاقًا *} [النّبَإِ: 31-34] يأتي بالألفاظِ الرقيقةِ والجملِ السلسةِ؛ وحينَ يكونُ المعنى جَزْلاً مثل: {إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا *لِلطَّاغِينَ مَآبًا *لاَبِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا *لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلاَ شَرَابًا *إِلاَّ حَمِيمًا وَغَسَّاقًا *جَزَاءً وِفَاقًا *} [النّبَإِ: 21-26] يأتي بالألفاظ الفخمَة والجُمَل الجزْلَةِ. وحينَ يكونُ المعنى مُسْتَنْكَراً يأتي باللفظ المُسْتَنْكَرِ لهذا المعنى، فيقولُ: {أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنْثَى *تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى *} [النّجْم: 21-22] ويقولُ: {وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ *} [لقمَان: 19] وقدْ صاحَبَتْ تأديةُ المعنى، بهذهِ الكيفيّةِ مِنَ التعبيرِ التي تصوّرُ المعاني، مراعاةَ الألفاظِ ذاتِ الجرْسِ الذي يُحرّكُ النّفْسَ، عند تصورها لهذهِ المعاني وإدراكِها، ولذلكَ كَانَتْ تبعثُ في السّامعِ المُدرِكِ، لعُمْقِ هذهِ المعاني وبلاغةِ التعبيرِ، خشوعاً عظيماً، حتى كاد بعضُ المفكّرينَ العربِ منَ البُلغاءِ أنْ يسجدوا لها، على الرغمِ من كُفْرِهِمْ وعنادِهِمْ.
إنَّ المدَقِّقَ في أَلفاظ القرآنِ الكريمِ وجُمَلِهِ يجدُ أنّهُ يراعي، عند وضع الحروفِ مع بعضها، الأصواتَ التي تَحْدُثُ منها عند خروجها من مخارجها، فيجعلُ الحروفَ المتقاربَةَ المخارج متقاربةَ الوضعِ في الكلمَةِ والجملَةِ، وإذا حصلَ تباعدٌ بينَ مخارِجِها، فصلَ بيْنَها بحرفٍ يُزيلُ وَحْشَةَ الافتعال، وفي نفسِ الوقتِ يجعلُ حرفاً محبّباً، من مخرجٍ خفيفٍ على الأذن، يتكرّرُ كاللازمةِ في الموسيقى، فلا يقولُ كالباعق المُتدفّقِ، وإنما يقولُ: كَصَيّبٍ، ولا يقول: «الهعخع» وإنما يقولُ: «سندس» ولا يقولُ «كالبعاق» بل يقولُ: «كمزن». وإذا اقتضى الأمرُ أنْ يستعملَ الحروفَ المتباعدةَ وضعَها في المعنى الذي يليقُ بها، ولا يؤدي غيرها؛ مثل كلمة «ضيزى»، إذْ لا تنْفَعُ مكانها كلمة «ظالمة»، ولا «جائرة»، مع أنّ المعنى واحدٌ. ومع هذه الدقّة في الاستعمالِ فإنّ الحرفَ الذي يجعلُهُ لازمةً يردُ في الآياتِ واضحاً في التردّد. فآيةُ الكرسيّ، مثلاً، تردّدت اللاَّمُ فيها ثلاثاً وعشرين مرّةً بشكلٍ محبّبٍ يؤثِّرُ في الأذُنِ حتى تُرْهَفَ للسماع وللاستزادةِ من هذا السماعِ.
وهكذا تجدُ أنّ القرآنَ طرازٌ خاصّ، وتجدُه يُنْزِلُ كلّ معنى مِنَ المعاني في اللفظ الذي يليقُ به وبالألفاظ التي حولَهُ، والمعاني التي معهُ، ولا تجدُ ذلكَ يختلفُ في آيةٍ منْ آياتِهِ، فكان إعجازُه واضحاً في أُسلوبِهِ؛ فهوَ طرازٌ خاصّ منَ القولِ لا يُشْبِهُ كلامَ البشرِ، ولا يُشْبِهُهُ كلامُ البشرِ، منْ حيثُ إنزالُ المعاني في الألفاظِ والجُمَلِ اللائقةِ بها، ومنْ حيث وقعُ ألفاظِهِ على أسماعِ مَنْ يُدْرِك بلاغَتَها ويتعمّقُ في معانيها، فيخشعُ حتى يكاد يسجدُ لها، وعلى أسماع من لا يدركُ ذلكَ فيأسِرُهُ جرْسُ الألفاظِ في نسقٍ يخشعُ له السامع قَسراً، ولو لمْ يُدْرِكْ معانيه، ولذلك كان معجزةً، وسيظلّ مُعجزَةً، حتى قيامِ الساعةِ.
مِن القُرآن الكريم: «سورة التكوير»
تعالج ثلاث حقائق لا تنقطع صلتها بالعقيدةِ والإيمان:
1 ـ حقيقة الانقلاب الكونيّ:
{إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ *وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ *وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ *وإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ *وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ *وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ *وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ *وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ *بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ *وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ *وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ *وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ *وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ *عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ *} [التّكوير: 1-14].
2 ـ حقيقة الوحي الخالد والدعوة العالمية:
{فَلاَ أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ *الْجَوَارِ الْكُنَّسِ *وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ *وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ *إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ *ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ *مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ *وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ *وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ *وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ *وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ *فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ *إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ *لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ *} [التّكوير: 15-28].
3 ـ حقيقة الإرادة الإنسانية المرتبطة بمشيئة الله العليم الحكيم:
{وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ *} [التّكوير: 29].
أما الانقلابُ الكونيّ فيبدُو في مَطْلَعِ السّورَةِ هائلاً مُرَوِّعاً، يشمُلُ الشّمسَ التي بَردَتْ وانطفأتْ شعلتُها، والنجومَ التي اندثَرَتْ وانْطَمَسَ ضياؤها، والجبالَ التي نُسِفَتْ وذُرّيَتْ هباءً في الهواءِ، وسُيِّرَتْ كالسرابِ ومرّتْ مرّ السّحابِ، والنوقَ الحبالى في شهرِها العاشرِ وقد أُهْمِلَتْ من الفزعِ في كلّ مكانٍ مع أنها لدى العربي أجودُ النّياقِ، والوحوشَ الشاردةَ في الشعابِ، وقدْ تجمّعَتْ منَ الهوْلِ وتلاصقَتْ منها الجنوبُ، والبحارَ التي التهَبَتْ مياهُها حتى تفجّرت بالنيرانِ، وفاضتْ بالحممِ والمُحْرقاتِ، والأرواحَ المتجانِسَةَ، وقد انضمّ بعضُها إلى بعضٍ، في زُمَرٍ وأزواجٍ، والأنثى التي وُئِدَتْ في غلْظَةٍ يطرحُ عليها وحدَها سؤالاً، وتخصّ وحدها بالاستجوابِ: ما سِرّ وأدها، وكيفَ يكونُ حسابُ مَنْ أقْدَمَ عليهِ، وهي على قيْدِ الحياةِ.
ويشمُلُ هذا الانقلابُ الكونيّ، أيضاً، نَشْرَ صُحُفِ الأعمال حتى لا تخفى يومئذٍ خافيةٌ، وإزاحةَ السّقفِ المرفوعِ في القبّةِ الزرقاءِ، وتسعيرَ الجحيمِ، وإذْكاءً حرِّها بوقودِها من النّاسِ والحجارَةِ وتقريبَ الجنّةِ مِنَ السّعداءِ، حتى لتبدو كالعروسِ في زينَتِها تغْري خطيبها بالدنوِّ منها والالتصاقِ بها واستنشاق عبيرِها، فيومئذٍ تعْلَمُ كلّ نفْسٍ ما قدّمتْ وأخّرَتْ، وما أحضرتْ معها من زادٍ يخفِّفُ عنها شيئاً من العذابِ.
وتمهيداً لذكرِ الحقيقةِ الثانيةِ المتعلّقة بالوحي وطبيعتِهِ، ينتقلُ السياقُ إلى قسمٍ رشيقٍ أنيقٍ بمشاهد منَ الكونِ، خلعَتْ عليها الحياةَ وقذفت فيها الرُّوحَ. فبالكواكبِ التي تجري في السّماءِ ثمّ تعودُ لتُوَارى في أفلاكها كأنّها الظباءُ تعدو رشيقةً ثمّ تَرْجِعُ إلى كُنُسِها فتختبىءُ فيها وتلتمسُ الرّاحةَ بعدَ العَدْوِ الشّديدِ وبالليلِ الذي لَفّ الكونَ بسوادِهِ حتى باتَ لا يَرى نَفْسَهُ ولا يُبْصِرُ درْبَهُ فهوَ يتخبّطُ في سُراهُ تَخَبّطَ الأعمى ويجسّ بيدِهِ كلّ شيءٍ في الظّلامِ مجسّةَ الأعمى، وبالصبحِ الذي وُلِدَ بعدَ ذهابِ الليلِ فأبْصرَ النّورَ وتحرّكَ وتفتَّحَ قلبُهُ للحياةِ، فخفَقَ وتنفّسَ بهذه المشاهد الكونيّةِ الحيّةِ، أقْسَمَ الله أنْ لا دخلَ لمحمّد في الوحْيِ، وإنّما يُلقِّنُهُ إيّاهُ بأمْرِ ذي العَرْشِ مَلَكٌ كريمٌ، لهُ منَ القوّة ما يمكنُهُ من حمل أمانةِ السماءِ إلى أهلِ الأرْضِ، ولهُ منَ المكانَةِ ما يجعلُهُ مُطاعاً مِنَ الملائكةِ جميعاً في الملإ الأعلى. وبهذه المشاهدِ الحيّةِ أقسمَ الله أنَّ محمّداً أمينٌ على الوحي، راجحُ العقلِ وقد صاحبهُ أهلُ مكّةَ أربعينَ عاماً قبلَ أنْ يَبْعَثَهُ، فعرفوهُ وسمّوهُ الصادقَ الأمينَ؛ وها هو ذا الآنَ يُخبرهُم بأنّه رأى مَلَكَ الوحي بعينه، في الأفقِ الواضحِ المبينِ الذي لا يرتفعُ عندهُ البَصَرُ ولا يطغَى؛ فكيف يظنونَ به الظنونَ وكيفَ يزعُمُونَ أنّهُ مجنونٌ تتنزّلُ عليهِ الشياطينُ؛ وفي هذا المقطعِ نفسه يذكّرُ الله أهلَ مَكّةَ بأنّ هذا الوحيَ لم يُوَجَّهْ إليهم وحدَهُمْ، بلْ هوَ دعْوَةٌ عالميّةٌ، لا بدّ أن تنتصرَ مهما قاوموها الآنَ وطاردوا المؤمنين. وباب هذه الدعوةِ مفتوحٌ على مصراعيهِ لكلِّ مَنْ أرادَ أنْ يستقيمَ على الحقّ والهدى.
أمّا الحقيقَةُ الثالثة فقد خُتِمَتْ بها سورةُ التكويرِ بآيةٍ واحدةٍ حاسمة جازمةٍ، قرَّرَتْ بأنّ الإرادةَ الحقيقيّةَ الفاعلةَ هي إرادة الله سُبْحانَهُ وتعالى، فما لأحدٍ إرادةٌ منفصلةٌ عن إرادَةِ العليمِ الخبيرِ، بلْ هوَ الذي قدّرَ فهدى وألهمَ الإنسانَ إرادةً بها يختار، ولولاها لما شُرِّفَ بالتكليفِ.


«الدّيالكتيك» وَالتطوّر
الديالكتيك: كلمةٌ مأخذوةٌ منَ الكلمَةِ اليونانيّة (دياليغو) ومعناها «المحادثةُ والمجادلةُ والحوارُ». والتطوّرُ لغةً التحوّلُ من طورٍ إلى طورٍ، أو من حالٍ إلى حال، قال تعالى: {وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا *} [نُوح: 14] أي خلقكمْ طوراً نطفةً، وطوراً علقةً، إلى آخرِهِ.
وكانَ الديالكتيك يعني في عهدِ الأولينَ الوصولَ إلى الحقيقةِ، باكتشافِ المُتناقضاتِ التي يتضمنّها استدلال الخَصْمِ؛ وكانَ بعضُ الفلاسفةِ الأولينَ يعتبرونَ أنّ اكتشافَ الفكرِ والمصادمَة بينَ الآراءِ همَا خَيرُ وسيلةٍ لاكتشافِ الحقيقةِ.
أما الفلاسفة المحدثون فإنهم يقولون إنّ العالَمَ بطبيعته ماديّ، وإنّ حوادثَ العالمِ المُتعدّدَةَ هي مظاهرُ مختلفةٌ للمادّةِ المُتحرّكَةِ؛ والعلاقاتُ المتبادلةُ بينَ الحوادثِ وتكييفُ بعضِها بعضاً، كما تُقرّرُ الطريقةُ الديالكتيكيّةُ، هي قوانين ضروريّةٌ لتطوّرِ المادّةِ المُتحرّكةِ، والعالمُ يتطوّرُ تبعاً لقوانينِ حركةِ المادّةِ، ولا يحتاجُ إلى أيّ عقل كلي.
يقولُ انجلس: «إنّ الفَهْمَ المادّي يعني، بكلِّ بساطةٍ، فَهْمَ الطّبيعةِ كما هيَ، دونَ أيةِ إضَافَةٍ غريبةٍ»؛ وحينَ قرأ لينين المفهومَ الماديّ عند فيلسوفِ العهد القديمِ هيراقليط الذي يقولُ إنّ: «العالم واحدٌ لمْ يخلقْهُ أيّ إله أو إنسان، وقد كانَ ولا يزالُ وسيكونُ شعلةً حيّةً إلى الأبدِ تشتعلُ وتنطفىء، تبعاً لقوانينَ معيّنَةٍ»، حينَ قرأ لينين هذا، قالَ: «يا لهُ مِنْ شرحٍ رائعٍ لمبادىء الماديّةِ الديالكتيكيّةِ».
ولمّا أنكروا وجود خالقٍ مدبّرٍ، لهذهِ الحياةِ على اختلافِ مظاهرها، بدأوا بالتكهّنِ القائلِ: «فمن المحتملِ أنّ أولى الكائناتِ الحيّةِ التي عاشتْ على الأرضِ كانتْ عبارةً عن جزْئياتٍ بسيطةٍ من مادّةِ البروتين، وهيَ المادّة الأساسيّةُ في تكوين أجسامِ الكائناتِ الحيّةِ كافّة.
ثمّ أخذوا يتساءلونَ: «أليسَ منَ الممكنِ أنْ تكونَ جرثومةُ الحياةِ الأولى قد وصلتْ إلى عالمنا الأرضيّ مِنْ بعضِ الأجْرامِ الفلكيّة البعيدةِ؟» ولكنّ اللورد كالفني العالمَ الإنكليزيَّ المشهورَ قالَ: «يُحْتَمَلُ كثيراً أنْ تكونَ الحياةُ قد وصلتْ إلى عالمنا الأرضي منْ عوالمَ أُخرى» ومثل هذا القول، من مثلِ هذا العالمِ، لم يَدَعْ أيّ لبس عند أيّ مفكّرٍ بأنّ كلّ ما وضعوهُ وركّزوا عليه سيرَهُم في حياتهم الدنيا منْ عقائِدَ وآراء ومفاهيمَ، كانَ احتمالاتٍ وتكهّناتٍ فقطْ.
وإليكُمْ بعضَ نماذجَ عنْ أشهرِ العلماءِ: يقولُ سيلتر وداروين وجيرالد هيرد ما معناه:
«إنّ الحياةَ على الكرةِ الأرضيّةِ لمْ تظْهَرْ، أولَ ما ظهرتْ على الأرضِ، وإنّما تكوّنَتْ في البحرِ وانتَشرتْ منه إلى الأرض.
ولمّا ارْتَقَتْ أشكالُ الحياةِ في البحرِ وتمكّنَتْ مِنَ التّسَلّلِ إلى الأرضِ، لم تفعلْ هذا بطريقة مباشرةٍ، بلِ انتقلتْ منَ البحارِ إلى أنهارِ المياهِ العذبةِ ومنها تسلّلَتْ إلى الأرْضِ».
وفي رأي سيلتر: أنّ هذه العمليّةَ تَمّتْ منذُ حوالي (300) مليون سنة. ويقول سيلتر إنّ بعضَ الأشكال الحيّةِ أنشأتْ لِنَفْسِها في ذلك الوقتِ (رئةً) لتتمكن بها من مقاومة القحط والجفاف ومع ذلك عادت هذهِ الأشكالُ (برئتها) إلى الماءِ منْ جديدٍ بينما ظلّتْ عمليّةُ التطوّرِ تسيرُ في مجراها الطّبيعيّ. وكوَّنتِ الأسماكُ زعانفَ لها وتطوّرَتْ هذه الزّعانفُ معَ الزمنِ إلى سيقانٍ، فظهَرَتْ بذلكَ الحيواناتُ البرمائيّةُ؛ وكانَ غرضُ الطبيعةِ من تكوينِ تلكَ السيقانِ لتلكَ الأسماك تمْكينَها منَ الحصولِ على الغذاءِ منَ البركِ والمستنقعاتِ، فلمْ يكنِ الغرضُ في بادىءِ الأمرِ تمكينَها منَ المشيِ.
إلاّ أنّ هذهِ الحيواناتِ البرمائيّةَ أصبَحَتْ منَ النَّاحيَةِ العلميّةِ أصلاً في سلسلةِ التطوّراتِ التي انتَهَتْ بظهورِ الإنسانِ.
ويقولُ: إنّ على الأرضِ أكثرَ منْ مليونِ نوعٍ منَ الحيواناتِ، ولكنّ الإنسانَ هو أرقى الأنواعِ وأذكاها؛ وقد قطعَ صِلتهُ بأسلافِهِ منذُ حوالي مائةِ مليون سنة، ولم يكنْ لهُ مُخّهُ الحالي، منذُ حوالي ربع مليون سنةٍ، فلو حدَثَ أنْ جاءَ مخلوقٌ منَ الكواكِبِ الأخرى إلى الأرض خلال الـ 500 مليون سنةٍ الماضيةِ ما كان ليجدَ عليها أيّةَ حياةٍ ذكيّة.
ولمثل هذا ذهبَ جيرالد هيرد مصوّرُ الحياةِ البشريّةِ، في أحد مؤلّفاتهِ حيثُ رأى أن الحياةَ تبدأُ في البحرِ.
نظرية التطوّر والارتقاء
وهيَ التي تبنّاها داروين، يقولُ: «إنّنا من سلالةِ القرودِ أوْ على الأقلّ من سلالةِ حيوانٍ شبيهٍ بالقردِ، ومنذُ مليونِ سنةٍ بدأتْ إحدى سلالاتِ القردة تتطوّرُ تطوّراً بطيئاً وئيداً، انتهى بإنجاب (الإنسان الشبيه بالقردِ) الذي ظَهَرَ منذُ نحو (مائتي ألفِ سنةٍ) وامتازَ عنْ أجدادِهِ بقدْرتِهِ على التفكير والابتكارِ، وعلى النطق والكلامِ، وعلى المشي مُنْتَصباً على قدميه، وبناءُ القرودِ العُليا يُشبِهُ بناء الإنسانِ، في كثيرٍ منْ الأمورِ التشريحيّةِ».
هيَ استنتاجاتٌ استخلصوها من خلالِ مشاهدتهم للحفريّات والتجاربِ التي أجروها.
وهذا يعودُ لعدم تمييزهم بينَ الطريقةِ العلميّةِ والطريقةِ العقليّةِ. فكانَ الخطأ أنهم بنوا عقائدهم على أساسٍ من الطريقةِ العلميّةِ وَحْدها.
الطبيعة
يتلخص البحث في الطبيعة من النظرة الديالكتيكية، حسب آراء الشيوعيين، في أربع نقاطٍ:
النقطة الأولى: إن الطبيعة كلٌّ واحدٌ متماسكٌ ترتبط فيه الأشياء والحوادث فيما بينها ارتباطاً تاماً.
الثانية: إن الطبيعة ليست في حالةٍ سكونٍ، بل هي في حالة تطوّر وتغيّر دائمين.
الثالثة: إن حركة التطور هي تطور ينتقل من تغيرات ضئيلة وخفية إلى تغيرات كيفيّة بشكل سريع وفجائي.
الرابعة: إن كلّ الأشياء وحوادثها تحوي تناقضات داخلية.
النقطَة الأولى
فهم يقولون: إن الديالكتيك لا يعتبرُ الطبيعةَ تراكماً عرضياً للأشياءِ، وإنّ حوادثَ بعضها منفصلٌ عن بعض، أو أحدها منعزل مستقل عن الآخر، بل يعتبر الطبيعة كلًّا واحداً متماسكاً، ترتبط فيه الأشياءُ والحوادثُ ارتباطاً عضوياً، ويتعلّق أحدها بالآخر، ويكونُ بعضُها شرطاً لبعضٍ بصورة متقابلة. لذلك يعتبرون أنّ أيّ حادثٍ من حوادثِ الطبيعةِ لا يمكن فهمه إذا نظر إليهِ منفرداً بمعزلٍ عن الحوادثِ المحيطةِ بهِ. إذ إن أي حادث في أي ميدانٍ من ميادين الطبيعةِ يمكن أن ينقلبَ إلى عبث فارغ لا معنى له إذا نظر إليه بمعزلٍ عن الشروطِ التي تكتنفُهُ، وإذا فصل عن هذه الشروطِ. وعلى العكس يمكنُ فهمُ أي حادث من الحوادث وتبريرهُ إذا نظر إليه من حيث ارتباطُه ارتباطاً لا ينفصمُ بالحوادثِ المحيطةِ به. أي إذا نظر إليه كما تحدده وتكيّفه الحوادثُ التي تحيطُ بهِ. وهذا يعني أنَ الشَّمسَ مرتبطةٌ ارتباطاً لا ينفصمُ بحركتها وبحركةِ الكواكب المحيطة بها، ويعني أن الإنسانَ مرتبط بالبلدِ الذي يعيش فيه ارتباطاً لا ينفصم، ويعني أنّ الحياةَ الموجودة في الكائنِ الحيّ مرتبطةٌ بحلولها في الكائنِ الحيّ إنْ إنساناً أو حيواناً أو شجرة ارتباطاً لا ينفصم، وأنه لا يمكن فهم الشيءِ إلا بالحادثة التي تكتنفُهُ. كما لا يمكنُ فهم الحادثة إلا بالشيء والأشياء التي تكتنفُها. فيكون الشيء كما تحدّده الحوادث أو الأشياء التي تحيط به، وليس كما تحدّده ماهيّته.
الرَّد على النطقة الأولى
فهذه النقطةُ إن هي إلاّ مجرّد فروض، فإنّ الطبيعةَ هي مجموعُ الأجرام ومجموع النظام الذي تسير عليه، وبالنسبة لكوكب الأرض التي نعيش عليها هي عبارة عن القوانين التي تُسيّر الأرض وما فيها من قابليات الحياة مع الأرض والأشياء التي عليها. فهذه الطبيعةُ أي الأشياء وقوانينها كلٌّ متماسك الأجزاء من حيثُ الكونُ كلّهُ، ومن حيثُ الأرضُ كلّها، ومن حيث كلّ كوكب بوصفِهِ كلًّا. أما من حيثُ كلّ كوكبٍ ومن حيثُ الأرضُ بالذاتِ، فإنها، في أشيائها وقوانينها الخاصّة بها، غيرُ مرتبطةٍ بغيرها، بل هي من هذه الجهة منعزلة عن غيرها، وتعيش في وسط يتعلّق بها وحدها من أشياء وقوانين، وإن كان ذلك يجري ضمن الإطار العام الجامع للكون. وكذلك الأشياء التي على الأرض مع قوانينها فإنها من حيث كل شيء فيما يتعلّق به منفردةً عن غيرها، ولكل شيء قوانين خاصة به، وغير مرتبطٍ بغيرِهِ، وإن كان ذلك يجري ضمن قوانين الأرضِ ثم ضمن قوانين الكون، وهذا فيما يتعلق بالكوكبِ وبالأرضِ بالذات قد ظهر جليّاً بشكل ملموس بعد رحلات الفضاءِ، حيث قد ثبت انقطاعُ الوزن عند وصولِ الشخص إلى مكان تعادل الجاذبيات، فلم تعد جاذبيّة الأرض تؤثر فيه، إذ في النقاط التي تتعادل فيها جاذبية كوكبين أو أكثر تنعدم الجاذبية فيكونُ الشخصُ كأنه خرج من جاذبية الأرضِ فلم تعدْ قوانينُها تؤثّر فيه، وهذا يعني أن للأرضِ قوانينَ خاصّةً بها غير مرتبطَةٍ بغيرها، أي بغير الأرض من الكواكب، وتجري بشكل منفرد، وإن كان لها قوانين أخرى مرتبطة بغيرها من الكواكب. فكل كوكب مرتبط مع غيره بقوانينَ ومنفصل عن غيره بقوانين خاصة به غير مرتبطة بغيره. وهو فيما يتعلق بالأشياء والحوادث على الأرضِ واضح ملموس، فالزلازلُ في تركيا لم يتأثر بها لبنان، والبراكينُ في جهة ما لا تتأثر بها جهة أُخرى، وما يجري على الحيوان لا يجري على الإنسان، فالحيوان يمشي على أرجل متعددة، ويفقد الإدراك العقلي، ويعيش حسب الطاقةِ الحيويةِ من غرائز وحاجات عضويةٍ، والإنسان يمشي على رجليه ويستعمل يديه على خلاف استعمال رجليه، ويملك الإدراك العقلي، وسلوكه في الحياة إنما هو حسب مفاهيمِهِ وليس حسب غرائزِهِ وحاجاتِهِ العضوية فحسب. وما عليه الجمادات غير ما عليه الكائن الحيّ، فالجمادات لا تحتاج إلى غذاء والكائن الحي يحتاج إلى غذاء، والجمادات لا تحسّ، وبعض الكائنات الحيّة تحس، والجمادات ليست لديها طاقة حيوية من غرائز وحاجات عضوية. ثم إن الإنسان نفسه يسير في الحياةِ من حيثُ الخلقُ على قوانينَ واحدةٍ، ولكنه يسير في معيشتِهِ وعلاقاتِهِ على أَنظمةٍ مختلفةٍ، وهو يتمتّعُ بالاختيار التامِّ لما يريدُ من نظامٍ، ومن تفكيرٍ ومن عيش. وليس مرتبطاً بالطبيعة ارتباطاً جبرياً، وليست هي التي تسيّره في عيشِهِ، بل هو الذي يسير من نفسه مختاراً. ومن هنا كانت هذه النقطة مجرد فرض. فإنهم لما رأوا أن الكون متماسك الأجزاء من حيثُ سيرُهُ ضمن قوانين معينة، وأن كوكب الأرض متماسك الأجزاء من حيث سيره ضمن قوانين معينة، قالوا إن الطبيعة كلّ متماسك الأجزاء، ونسوا أن هذه الكلية إنما هي في الكلية أي من حيثُ الكونُ كُلّهُ، أما من ناحية الأمور الخاصةِ بالأشياءِ فإنها متميزة عن غيرها، ومنفردة. فالأرض متميزة عن الزهرة ومنفردة وغير مرتبطة ارتباطاً حتميّاً بقوانينها الخاصة، والحديد متميّز عن الزئبق ومنفرد عنه وغير مرتبط به ارتباطاً حتميّاً في قوانينِهِ الخاصّةِ مع أنّ كلًّا منهما معدن، والإنسان متميز عن الحيوان وغير مرتبط به ارتباطاً حتميّاً في قوانينه الخاصة، مع أنّ كلًّا منهما حيوان وهكذا.
فالارتباطُ الحتميّ في كلّ شيء بين أجزاء الكون وما يحويه غير موجود، بل الموجود هو الارتباط العام فقط.
وعلى هذا يكونُ من الخطإ القولُ بأنّ الشيءَ إنما يكون كما تحدّده الحوادثُ والأشياءُ التي تحيط به، لأن الواقع أنّ الأشياءَ والحوادثَ إنما تحددها ماهيتها وليس الأشياء المحيطة بها. وبهذا كلِّهِ يظهر خطأ النقطة الأولى.
النقطَة الثانية
أما النقطة الثانية فإنهم لا يعتبرون الطبيعةَ في حالةِ سكون واستقرار، بل يعتبرونها في حالة حركة وتغير دائمين. ففيها دائماً شيءٌ يولد ويتطور، وشيء ينحلّ ويضمحلّ، ولهذا لا يصحّ أن يكتفى بالنّظرِ إلى الحوادثِ من حيثُ علاقاتُ بعضِها ببعض، ومن حيثُ تكييفُ بعضِها ببعض بل يجب أن ينظر إليها أيضاً من حيثُ حركتها، من حيث تغيرها وتطورها، من حيث ظهورها واختفاؤها. يقول انجلس «إن الطبيعة بأجمعِها من أضألِ الأجزاءِ إلى أكبرَ الأجسامِ، من حبّةِ الرّملِ إلى الشمسِ، من الخليةِ الحيّةِ إلى الإنسان، هي في حركةٍ دائمةٍ من النشوءِ والاضمحلالِ، هي في مدّ لا ينقطع، في حركة وتغير مستمرين أبديين» ويقول أيضاً: «ينظر بالدرجة الأولى إلى الأشياء، وإلى انعكاسها العقلي من حيث علاقاتها المتبادلة، من حيثُ تسلسلها، من حيثُ حركتُها، من حيثُ نشوؤها واضمحلالُها» وهذا يعني أنه يجبُ أن ينظرَ إلى أن ما في الكون من أشياء من حبّةِ الرّملِ إلى الشمسِ، ومن الخليةِ الأولى الحية في الإنسان، إلى أن الإنسان ليس مرتبطاً ببعضه ارتباطاً لا ينفصم فحسب بل هو أيضاً إلى جانب هذا يعيش في عملية حياة وفناء، وهذا يعني أن بعض ذرّاته تفنى وتحيا فيه ذرّات أُخرى غيرها. وعليه يجبُ أن ينظرَ إلى الشمس مرتبطةً بحركتها، وينظر إليها بوصفها مادّة تتغير وتتطور فتفنى فيها ذرّات وتحيا فيها ذرات، وكذلك الإنسان وكذلك أيضاً الحياة في كل منها الارتباط بحركتها، والارتباط بعملية الحياة، والإفناءِ الدائرة فيها.
الرَّدّ على النقطةِ الثانية
وأما النقطةُ الثانيةُ فصحيحٌ أن العالم في حالة تغيّر دائم، ولكنه ليس بصحيح أن كلّ شيء فيه يحوي أمرين معاً: هما الولادةُ والفناءُ، أي ليس بصحيح أنّ كلّ شيءٍ فيه يتجدّد. ففيه أشياء يكون تغيرها حالة تجدد، وفيه شيء يولد وشيء يموت كالغرسة وكالشباب، ولكن فيه أشياء أيضاً لا يوجد فيها شيءٌ يولد وشيءٌ يموتُ مثل الجماد. وفيه أشياءُ أيضاً يكون تطوُّرها حالة فناء كالشجرةِ الآخذةِ بالاضمحلال وكالشيخِ الهرم. فالادعاءُ بأنّ كلّ شيءٍ في العالم فيه شيء يولد ويتطورُ وشيء ينمو ويضمحل ادعاءٌ باطل يكذبه واقع الأشياء الموجودة في العالم. بل إن الشيوعيين أنفسَهُم يقولون إن الشيء الذي يبدو في لحظة معينة ثابتاً مستقراً، وهو في الواقع آخذٌ في الفناء، ليس مهماً ولا جديراً بالاعتبار، بل المهمّ والجديرُ بالاعتبار هو الشيءُ الذي يولد ويتطور، ويرتبون على ذلك أنه لا يصحّ أن يؤسسوا عملهم على الفئاتِ التي توقفت عن التطور، بل على الفئاتِ التي تتطور. وهذا اعتراف صريح منهم بأن هناك أشياء يوجد فيها شيءٌ يولد وشيءٌ يفنى وهي المتجددة وهناك أشياء يوجد فيها شيء يفنى وهي الآخذةُ بالاضمحلالِ، وهذا هو واقع الأشياء في العالم. ومن هذا يتبين أنّ القول بأنّ كلّ شيءٍ في العالم هو في حركة دائمةٍ من النشوءِ والاضمحلالِ قولٌ خاطىءٌ مخالفٌ للواقعِ، وبذلك يظهرُ فسادُ النقطةِ الثانية.
النقطَة الثالِثة
وأما النقطةُ الثالثةُ، فإنهم يعتبرون أن حركةَ التطورِ هي تطور ينتقل من تغيّراتِ كميّةٍ ضئيلةٍ وخفيّةٍ إلى تغيّرات ظاهرةٍ أساسيّة، أي إلى تغيرات كيفيّة. وهذه التغيرات الكيفية ليست تدريجية، بل هي سريعةٌ، فجائيةٌ، وتحدثُ بقفزات من حالةٍ إلى أخرى. وليست هذه التغيراتُ جائزةَ الوقوعِ بل هي ضروريّةٌ، وهي نتيجة تراكم تغيرات كمية غير محسوسة وتدريجية. أي أن التغيرات الكمية التي تحدث في الماءِ من جرّاءِ الحرارة هي تغيرات كمية، وهي تغيرات غيرُ محسوسةٍ، وهي أيضاً تغيرات تدريجيّة، ولكنها حين تصلُ إلى نقطةِ الحرج أي إلى وضعٍ معيّن يحصل التغيرُ الكيفي بقفزةٍ، فيتحوّل الماءُ إلى بخار فينتقل من حالة إلى أخرى وهذا الانتقالُ ليس جائزاً بل هو ضروري. ولذلك يعتبر الشيوعيون أنّ من الواجب فهمَ حركة التطورِ. لا من حيثُ هي حركة دائرية، أو تكرارٌ بسيطٌ من نفسه، بل من حيثُ هي حركةٌ تقدميّةٌ صاعدةٌ، وانتقال من الحالة الكيفيّةِ القديمةِ إلى حالةٍ كيفيّةٍ جديدةٍ وتطور ينتقل من البسيط إلى المركبِ، من الأَدنى إلى الأعلى. أي لا يصحّ أن ينظر إلى حركةِ التطوّرِ بأنها عمليةُ حياةٍ وفناءٍ فحسب، أو عملية نشوء واضمحلال فقط بل يجب أن ينظر إلى أن هذا الفناءَ والحياةَ أو الاضمحلالَ والنشوءَ إنما يحدث في طريق تصاعدي فينقلُ المادةَ من حالٍ إلى حالٍ غير الحالة الأولى وأحسن منها، فحركتُها تصاعديّةٌ وتطورُها ارتقائيّ.. يقول انجلس: «إن الطبيعة هي محكّ الاختبار للديالكتيك، ولا بدّ منَ القولِ إن علومَ الطبيعةِ الحديثة قد وفرت لهذا الاختبار موادّ غنيّة إلى أقصى حدّ، وهذه المواد تزداد كلّ يوم. وهكذا برهنت هذه العلومُ أن الطبيعة تعمل في النتيجة، بصورةٍ ديالكتيكية لا بصورة ميتافيزيقية (علم ما وراء المادة أو العلم الإلهي)، وأنها لا تتحرّكُ في دائرةٍ تبقى هي ذاتها دائماً وتتكرّر إلى الأبد، بل إن لها تاريخاً واقعياً. وبهذه المناسبةِ ينبغي أن نذكرَ بالدرجةِ الأولى داروين الذي وجه ضربةً قاسيةً إلى الفهم المتيافيزيقي للطبيعة، بإثباتِ أن العالم العضويّ بأسرهِ كما هو موجودٌ اليومَ، أي النباتات والحيوانات وبالتالي الإنسان أيضاً، هي كلّها نتاجُ تطورٍ يجري منذ ملايين السنين» وبين انجلس أن التغيرات الكمية تنقلب إلى تغيرات كيفية في التطوّرِ الديالكتيكي فيقول: «في الفيزياء، كلّ تغيرٍ هو انتقال من الكمية إلى الكيفية، هو نتيجة التغير الكلي لكمية الحركة ـ كيفما كان شكلها ـ سواء أكانت ملازمة للجسم من داخله أم مضافة إليه من خارجه. فإن حرارة الماء مثلاً ليس لها في بادىءِ الأمر تأثيرٌ في حالته من حيث هو سائل، ولكن إذا زيدت أو نقصت حرارةُ الماءِ جاءت لحظة تعدلت فيها حالةُ التماسكِ، التي هو فيها، وتحول الماء إلى بخار في إحدى الحالات، وإلى جليد في الحالةِ الأخرى. وكذلك نرى أن شريطاً من البلاتين يحتاج إلى تيار ذي قوّةٍ معينة لكي يصبح مضيئاً، ونرى أيضاً أن لكل معدن حرارة ذوبان، وأن لكلّ سائل موضوع تحت ضغط معين حدّاً معيّناً للتجمد والغليان وذلك بمقدار ما تسمح لنا وسائلنا بالحصولِ على درجاتِ الحرارةِ اللازمة، ونرى أخيراً أنّ لكلِّ غازٍ حرارة نقطة حرجة يمكن فيها تحويله إلى سائل ضمن شروط معينة من الضغط والتبريد. فالنقاط الثابتة كما يُقالُ في الفيزياء ليست على الغالب سوى النقاط العقدية التي تؤدي فيها زيادةُ الحركةِ أو إنقاصُها إلى حدوثِ تغيّرٍ كيفيّ في جسم ما. أي أنها النقاط التي تتحولُ فيها الكميّةُ إلى كيفيةٍ» ويقولُ عن الكيمياءِ: «يمكن القولُ إن الكيمياءَ هي علمُ التغيّراتِ الكيفيّةِ الناشئة في الأجسام عن تغيرات كمية» أي أن انجلس يبرهن بواسطة الفيزياء والكيمياء على التغيّر الذاتي الذي يحصل في الطبيعةِ من انتقال الأشياء من حالة إلى حالةٍ أُخرى أحسنَ من الحالةِ الأولى ويحصل الانتقال من كمّ إلى كيفٍ، ومن كيف إلى كيف بواسطةِ الكَم، فزيادة الذرات في الجزئية من اثنتين إلى ثلاث أعطت كيفية أُخرى غير الأولى، تماماً كما هو الحال في الفيزياء من زيادة الحرارة في الماء جعلته بخاراً، وهذا يعني أن حركة التطورِ التي تحصلُ في الطبيعةِ ليست حركةً بسيطةٍ تدورُ حولَ نفسها بل حركة تصاعدية تنتقل بزيادة الكم أو نقصانه إلى حالة أُخرى.
الرَّدّ على النقطةِ الثالثةِ
وأما النقطةُ الثالثة، فليس بصحيح أن التغيّر الذي يحصل في الأشياءِ هو تغيرٌ من أدنى إلى أعلى ومن سيّىءٍ إلى حسنٍ، هذا مجرّدُ فرضٍ، فليس هو انتقالاً من حالٍ إلى حال أحسن، ولا من حال حسنة إلى حال سيئة، بل هو تغير ليس غير، ففي غير الكائن الحي من الجمادات تختلف التغيرات. فتعفّن الخبز، وتفتّت الأحجار، انتقال من حال حسنة إلى حال سيئة. وفي الكائن الحيّ، ينتقل الطفل في النمو من حال حسنة إلى حال أحسن، ومثله نبتة الزرع، وصغار الحيوان. ولكن انتقال الإنسان من الشباب إلى الهرم انتقال من حال حسنة إلى حال سيئة. فالتغيُّرُ موجود في غير الكائن الحي وفي الكائن الحيّ، ولكنه مجرد انتقال من حال إلى حال بغضّ النظر عن الانتقال إلى الحسن أو إلى السيىء.
فالقولُ إن الحركة تقدمية صاعدة، وإن التغير يكون صاعداً وإلى أحسن قول ظاهر البطلان. والماءُ نفسه الذي جاءوا به للتدليل على نظريتهم هذه يكذب هذه النظرية، فإن الماء عندما يتحول إلى بخار يمكن أن يكثف ويبرد وبذلك يرجعُ إلى كيفيته الأولى. وهذا ليس تغيراً صاعداً، ولا إلى أحسن بل رجوعٌ إلى الصورةِ الأصلية أي إلى الماء.
وعليه فإنه ليس دائماً الجديد يكون حسناً، كما أنه ليس دائماً يكون سيئاً. وليس القديم يكون دائماً سيّئاً. كما أنه ليس دائماً يكون حسناً فالهرمُ جديد والشبابُ قديم والعجين قديم والخبز جديد والنطفة قديمة والطفل جديد، وهكذا ملايين الأشياء المتغيرة ليست جميعها حركةً صاعدةً ولا حركة نازلة. بل قد تكون صاعدةً كالماءِ يتحول إلى بخار والغرسة تصبح شجرة وما شاكل ذلك. وقد يكون تغيّر الأشياء حركة نازلة كالبخار حين يتحول إلى ماء والشباب حين يصبح هرماً والخبز حين يتعفّن وما شاكل ذلك، والتغير هو مجرد تغير لا يوصف بالصعودِ ولا بالنزولِ، لأن الصعودَ ليس خاصيّةً للحركةِ ولا خاصيّةً للتغير. وكذلك النزولُ ليس خاصيّةً للحركةِ ولا خاصيّةً للتغير فلا يكون أيّاً منهما ملازماً له.
ثم إن التغيّر من حال حسنة إلى حالٍ سيئةٍ ليس هو محصوراً في حالةِ الانتكاسِ فقط حتى يقال إن الانتكاس قد يحصل، وهذا موجودٌ في بحثِ الماركسيةِ في أبحاث ما يسمى بالردة. بل إن التغير قد يكون انتكاساً كما يحصل في البخار حين يرجع إلى ماء، وقد يكون ليس انتكاساً إلى الحالة الأولى بل إلى حالةٍ أُخرى غير الأولى، ولذلك فإن التطور من حيث هو بمعنى التجدد والانتقال إلى أحسن ليس هو الصفة الملازمة للأشياء في العالم، بل الصفة الملازمة للعالم ولكل شيء هو التغير فقط سواء إلى الأمام أي إلى أحسن أم إلى الخلف كالانتكاس، أم إلى حالة أُخرى سيئة لم تكن موجودة من قبل كالتغير من الشباب إلى الهرم.
ثم إنّ التغير في الأشياء ليس حتمياً أن ينقلها إلى أشياء أُخرى غير الأولى، بل هو قد ينقلها إلى أشياء غير الأولى وقد تبقى على الرغم من التغير هي عينها الأشياء الأولى لم تتغير ويستحيل أن تتغير مهما حصل فيها من عوامل التغيير. فمثلاً يمكن في عملية كيميائيّة أن يُغيّر الشيءُ تغيراً كلياً فيصبح غير الشيء الأول كالذي جاء به أنجلس وهو لنأخذ الأكسجين فإذا جمعنا في جزئيته ثلاثَ ذرّات عوضاً عن اثنتين كالعادةِ حصلنا على جسمٍ جديد هو الأوزون الذي يختلفُ اختلافاً بيناً برائحته وتأثيراته عن الأكسجين العادي.
ولكن هناك أمثلة كثيرة تغاير هذا ويستحيلُ أن تصبحَ شيئاً آخرَ غيرَ ما هي عليه ماهيتُها. فمثلاً الحديد لا يمكن لأية عملية أن تحوله إلى ذهب، والخروف إلى غزال ونطفة الرجل إلى طفل إذا وضعت في القرد أو الناقة أو أي كائن حي غير المرأة، والحجر لا يمكن لأي عملية أن تحوله إلى كائن حيّ، وهكذا ملايين الأشياء التي يستحيل أن تتحول إلى شيء آخر غير ماهيتها. وعليه فإن القولَ إن النباتاتِ والحيواناتِ وبالتالي الإنسانَ هي كلّها نتاجُ تطوّرٍ يجري منذ ملايين السنين، هذا القولُ فاسدٌ يكذّبه الواقع. فإنه إذا كان تراكم الأتربة والهواء والماء على شجرة قد جعلها على مرِّ السنين تتحجر، كما هو موجود حالياً في الولايات المتحدة الأمريكية في ولاية كاليفورنيا مثلاً. فإن نبتة القمحِ منذ عرف الإنسان القمح حتى الآن لم تتغيّر ماهيتُها وإن الفرس منذ عرف الإنسان هذا الحيوان حتى الآن لم تتغير، وإن الإنسان من ذكر وأُنثى لم يوجد فيه أدنى تغير في إنسانيته وفي حيوانيته ولا في الطاقةِ الحيويّةِ ولا في خاصية دماغه وهي الربط للحكم على الأشياء، أما ما يحصل من صغر حبة القمح وكبرها ومن صغر الفرس وكبرها ومن صغر حجم الإنسان أو حجم عظامه وجمجمته أو كبرها أو شكلها فإن هذه كلها تغيرات في الشكل لا في الماهية. فالتغيرُ يحصلُ حتماً وقد يحصل في الحجم والشكلِ، ولكن التغير في الماهية ليس حتمياً أن يحصل. فقد يحصل فيصبح شيئاً آخر. وقد يكون من المستحيلِ حصولُه مهما حصل من عوامل التغير. وعليه فإنّه من الخطإ القولُ إن هذه الأشياءَ التي في العالم هي غيرُ الأشياء التي كانت فيه من قبلُ، وبذلك يظهرُ فساد ما ذهب إليه داروين من أن العالم العضوي بأسره كما هو موجودٌ اليوم هو نتاجٌ تطوري يجري منذ ملايين السنين، أي هو غيرُ العالمِ الأول قبلَ ملايين السنين.
فإن الحديدَ والماءَ والترابَ والهواءَ وما شاكلها هي نفسها مهما تقادم عليها العهد، وإن الناقة والأسد والدجاجة وغيرها من الحيوان هي نفسها مهما تقادم عليها العهد، وإن الإنسان هو نفسه منذ أن عرف وجوده على وجه الأرض لم يحصل فيه أدنى تغيير في ماهيّتِهِ. فالعالم يتغير ما في ذلك شك، ولكن لا يعني تغيره خروجه عن ماهيتهِ، ولا يعني تغير الأشياء فيه خروجها عن ماهيتها التي وجدت عليها.
ومن هذا كلّهِ يتبين أن التطورَ الذي يعنونه من حيث كونه حركة تقدمية صاعدة وانتقالاً من الأدنى إلى الأعلى ومن سيىء إلى حسن أو من حسن إلى أحسن، ومن حيث كونه ينقل الشيء إلى شيءٍ آخر، هذا التطوّر بهذا المعنى ليس خاصية من خواص التغير، وليس ضرورياً أن يحصل. فالعالمُ يتغيّرُ، ولكنّ تغيّرهُ هذا لا يعني التطورَ الذي يعنونه، وهذا التطور الذي يعنونه ليس حتمياً أن يحصل في الأشياء، فيكون الادعاء بأنه ملازم للتغيرِ لا ينفك عنه، والادعاء بحتميّةِ حصولِهِ في الأشياءِ، ادعاءً باطلاً يكذّبه الواقع. وبذلك يظهرُ فسادُ النقطةِ الثالثةِ.
النقطة الرابعَة
وأما النقطةُ الرابعةُ: فهي أن كلّ أشياءِ الطبيعةِ وحوادثَها تحوي تناقضاتٍ داخليةً، لأن لها جميعها جانباً سلبياً وجانباً إيجابياً، ماضياً وحاضراً، وفيها جميعها عناصر تضمحل وتتطور، فنضال هذه المتضادات، أي النضال بين القديم والجديد، بين ما يموت وما يولد، بين ما يفنى وما يتطور، هو المحتوى الداخلي لحركة التطور، هو المحتوى الداخلي لتحول التغيرات الكمية إلى تغيرات كيفية. أي أن انتقال الماء بزيادة الحرارةِ إلى بخار أو بنقصانها إلى جليد لا يتم بواسطة تناسق الذرات في المادة، بل يتم بواسطة تشاد هذه الذرات مع بعضها وهذا معنى أنه يحصل بواسطة التناقضات. فالاصطدام الذي يحصل بين الذرات في المادة هو الذي يوجد هذا التحولَ، وهذا هو معنى قولهم: إنّ كلّ أشياء الطبيعةِ وحوادثَها تحوي ذراتٍ سالبةً وموجبةً فيحصل الاصطدام مع بعضها فينتج عن هذا الاصطدام التحول وهذا هو التناقضات. ولهذا تعتبرُ الطريقةُ الديالكتيكيةُ أن حركةَ التطورِ من الأدنى إلى الأعلى لا تجري لتطورِ الحوادث تطوراً تدريجياً متناسقاً، بل بظهورِ التناقضات اللازمة للأشياء والحوادث، بنضال الاتجاهات المتضادة التي تعمل على أساس هذه التناقضات. يقول لينين: «إن الديالكتيك، بالمعنى الخاص للكلمة، هو درسُ التناقضاتِ في ماهيةِ الأشياءِ نفسِها» ويقولُ: «التطور هو نضالٌ المتضادات».
الرَّد على النقطةِ الرابعة
وأما النقطةُ الرابعةُ فليس بصحيحٍ أنّ كلّ أشياء الطبيعةِ وحوادثَها تحوي تناقضات. فإن هذا مجرد فرض نظري. إذ ثبت أنه ليس كلّ شيء يوجد فيه حياة وفناء معاً. وهذا وحده يثبت أنه ليس كلّ شيءٍ يحوي تناقضاتٍ. وأيضاً فإنّ كونَ الأشياءِ تولدُ وتموتُ وتفنى وتوجد لا يعني أن هذا تناقضٌ لازمٌ لها. ففي الجسم الحيّ خلايا تولد وخلايا تموت، غيرَ أن ذلك لا يعني وجودَ تناقضٍ في الجسم الحي، ثم إن الأجسام غيرَ الحيّةِ يحصل فيها فناءٌ، ولكن لا تحصلُ ولادة، أي لا يحصلُ وجود.
ولهذا فإنّ ما يسمى بالتناقضاتِ ليس ملازماً للأشياء والحوادثِ.
أما بالنسبة للأشياء فظاهرٌ في الأجسام غير الحية، فإنَّ الماء إذا ترك كما هو قد ينقص، ولكنه لا يزيد، ولا يحصل فيه لا سالبٌ ولا موجبٌ، ولا تحصل فيه تناقضات. والرمل إذا ترك كما هو لا يلاحظ عليه وجودُ تناقضات.
وأما الحوادثُ فإن عملياتِ البيع تجري دونَ حصولِ أيّ تناقضٍ فيها أي في إجراء العقد، وعملية الصلاة تحصل دون أي تناقض فيها. فالادعاء بملازمة التناقضات للأشياء والحوادث ادعاء باطل. فإذا كانت الاتجاهاتُ متضادةً ولم يحصل بينها توفيقٌ وحصل الاصطدام فإنه حينئذٍ يحصل ما يسمى بالتناقض في الجسم الحيّ وفي المجتمع، ولكن الاتجاهاتِ المتضادةَ إذا حصل بينها توفيق يرفع التضادّ كوقفِ الحرارةِ عن الماء قبل بدء التحوّلِ إلى بخار، فإنه لا يحصل التناقض ولا يجري التحول، وكإعطاءِ العمّالِ فوق كفايتهم فإنه لا يحصل الاصطدام مع أصحاب العمل. فالقولُ بحتميّةِ حصولِ التناقضاتِ قولٌ خاطىءٌ، لأنها ليست حتميّةً في جميعِ الأشياءِ وليست حتميّة في المجتمع، وبذلك يظهر خطأ النقطةِ الرابعة.
ومن نقضِ هذه النقاطِ الأربعِ يظهر خطأ آراءِ الشيوعيين في الطبيعةِ، وبالتالي يظهرُ خطأُ رأيهم بأن التطوّرَ في العالمِ بالمعنى الذي يعنونه أمرٌ حتميّ. فهم يعتبرون الطبيعةَ كلاًّ لا يتجزّأُ بمعنى أن كلّ شيءٍ فيها مرتبطٌ بالآخر، فما يحصلُ لشيءٍ من الأشياءِ يؤثّر في الآخر، فالمشاهد أنّ سكانَ الأرض لا يتأثرون بالمريخِ، وأن أهلَ الصينِ لا يتأثّرون بأهل الأرجنتين. فلو فرضنا وحصل نضال المتضادات في أشياء أو في أجزاء من العالم، فإنه ليس حتمياً أن يحصلَ في أشياء أُخرى أو في أجزاء أُخرى من العالم، وبهذا يثبت أن التطورَ، بالمعنى الذي يريدونه وهو الانتقال إلى حال أحسن وإلى حال غير الأولى، ليس حصولُهُ في العالم أمراً حتمياً، وبذلك يبرزُ فسادُ رأيهِمْ في الطبيعةِ.


الوازع الدّيني أو الإيمانُ باللهِ
كثيرونَ على وجْه الأرضِ، ولاسيّما في العالمِ الغرْبِيّ، يعتقدونَ بالله ويؤمنونَ بهِ، لكنَّ اعتقادَهُمْ وإيمانَهُمْ مبنيّ على أَنَّ الله فكرةٌ لا حقيقةٌ، وهؤلاءِ يَرَوْنَ أنّ الإيمانَ بوجود «إله» إيمانٌ بوجودِ فكرةِ الألوهيّةِ، وهيَ فكرةٌ يقولونَ عنها إنها جميلةٌ لأنّ الإنسانَ يَتَخَيّلُهَا ويعتقدُ بها ويخضعُ لسلطانها؛ وما دامَ الأمرُ كذلكَ، فيبتعدُ عنِ الشرّ ويقتربُ من الخيرِ بدافع هذه الفكرةِ. فهي رادعٌ داخليّ يفعل أكثرَ مما يفعلُهُ الدافعُ الخارجيّ، ولذلكَ يَرَوْنَ أنّهُ يجبُ الإيمانُ باللّهِ، ويجبُ تشجيع الإيمانِ بهِ حتى يَظَلّ الناسُ خيرينَ مدفوعينَ إلى الخيرِ بدافعٍ داخليّ يُسمّونَهُ «الوازع الديني».
ما أسهَلَ ما يُجَرّ هؤلاءِ إلى الإلحادِ، وما أقرَبَ ما يرتدّونَ عنْ إيمانهمْ! هذا بمجرّدِ أنْ يندفعَ العقلُ بالتفكيرِ لِلَمْس هذه الفكرةِ، فإذا لمْ يَلْمسْها ولمْ يُدْرِكْ لهذا الوجود أثراً جَحَدَ الله وكَفَرَ بهِ؛ وفوْقَ هذا فإنَّ الإيمانَ بأن الله فِكْرَةٌ لا حقيقةٌ يجعلُ الخيرَ والشرَّ أيضاً فِكْرَةً لا حقيقةً. وعندئذٍ يقومُ الإنسانُ بالأعمالِ بقدرِ ما يَتَخَيَّلُ فيها من فكرَةِ الخيرِ، ويبتعدُ عنْها بقدرِ ما يَتَخَيَّلُ فيها منْ فكرَةِ الشرّ. والذي أدّى بهؤلاءِ إلى هذا النوع من الإيمانِ ابتعادُهُمْ عن العقلِ في الوصولِ إلى الإيمانِ بالله. ولم يهتدُوا لحلِّ العُقْدَةِ الكبرَى الناشئَةِ مِنَ الأسئِلَةِ الطّبيعيّةِ عنِ الكوْنِ والإنسانِ والحياةِ، وعمّا قبلَ الحياةِ الدّنيا وعمّا بعدها وعنْ علاقتها بما قَبْلَهَا ومَا بَعْدَها، حلًّا عقلياً، وإنّما لُقنّوا الحلّ الذي يريدُهُ المُلَقِّنُ فسلّموا بهذا الحلِّ وظلُّوا مُؤمنينَ دونَ أنْ يُدركوا بالحسِّ وُجودَ الذي آمنوا بهِ. وكثيرٌ منهمْ مَنْ كانَ يحاولُ أنْ يستعملَ عَقْلَهُ، فيُجابُ أنّ الدينَ فوق العَقْلِ، وعندئذٍ يُجْبَرُ على السّكوتِ. والصّوابُ أنَّ الله حقيقةٌ لا فكرةٌ وأنّ وجودَهُ مَلموسٌّ مَحْسوسٌ بوجودِ مخلوقاتِهِ، فهي آياتٌ تدُلّ على حقيقةِ وُجودِهِ، {وَفِي ً ïوَفِي ً ïوَفِي ً ïفَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ *} [الذّاريَات: 20-23].


المُتَكلّمونَ
نشأتهُم ومنهجُهُمْ
آمَنَ المُسْلِمُونَ بالإسلامِ إيماناً لا يتطرَّقُ إِليهِ ارتيابٌ، وكانَ إيمانُهُمْ مِنَ القُوَّةِ بحيثُ لا يثيرُ فيهِمْ أيَّةَ أَسْئِلَةٍ مما فيهِ شبهةُ التّشكيكِ. ولَم يَبْحَثُوا في آياتِ القرآنِ إلاّ بحثاً يُدْركونَ فيه معانيه إدراكاً واقعياً في الأفكارِ. وَلَمْ يتطرّقوا إلى الفُروضِ التي تترتّبُ على ذلك، ولا النتائجِ المنطقيّةِ التي تُسْتَخْلَصُ مِنْهُ. وقد خرجوا إلى العالم يَحمِلُونَ هذهِ الدّعوةَ الإسلاميّةَ للنّاسِ كافّةً، ويُقاتِلونَ في سبيلها، وفتحوا البلدانَ ودانتْ لَهُمُ الشّعُوبُ.
وقدِ انصرمَ القرنُ الأوّلُ للهِجْرَةِ كُلُّهُ وتيّارُ الدّعوةِ الإسلاميّةِ يكتسحُ أمامَهُ كُلَّ شيء، والأفكارُ الإسلاميّةُ تعطى للنّاسِ كما تلقّاها المسلمونَ في فهمٍ مُشْرِقٍ، وإيمانٍ قَطْعِيٍّ، ووعيٍ مُدْهِشٍ.
إلاّ أنَّ حَمْلَ الدّعْوَةِ الإسلاميّةِ في البُلدانِ المفتوحَةِ أدّى إلى الاصطدامِ الفكريِّ مع أصحابِ الأديانِ الأخرى مِمّنْ لَمْ يدخُلوا الإسلامَ بَعْدُ، وممنْ دَخَلُوا في حظيرتِهِ. وكانَ هذا الاصطدامُ الفكريُّ عنيفاً، فقد كانَ أصحابُ الأديانِ الأخرى يعرفونَ بعضَ الأفكارِ الفلسفيّةِ، وعِنْدَهُمْ آراءٌ أخذوها عن أديانِهِم فكانوا يُثيرونَ الشُّبُهاتِ ويجادلونَ المسلمينَ في العقائدِ، لأنَّ أساسَ الدّعوةِ مبنيٌّ على العقيدةِ والأفكارِ المتعلّقَةِ بِهَا.
فكانَ حرصُ المسلمينَ على الدّعوةِ الإسلاميّةِ وحاجَتُهُمْ للردِّ على خصومِهِم قد حملا الكثيرينَ منهُمْ على تعلُّمِ بعضِ الأفكارِ الفلسفيَّةِ لتكونَ بيدهِمْ سلاحاً ضدَّ خُصُومِهِمْ. وقد دَفَعَهُمْ إلى هذا عاملانِ اثنانِ:
العامل الأول: إنَّ القرآنَ الكريمَ بجانبِ دعوتِهِ إلى التّوحيدِ والنّبوةِ عرضَ لأهَمِّ الفِرَقِ والأديانِ التي كانت مُنْتشرةً في عهدِ النّبيِّ (ص)، فردَّ عَلَيْهِمْ وَنَقَضَ قولَهُمْ. فقد عَرضَ للشرْكِ بجميعِ أنواعِه وردَّ عليه، ولم يكتفِ بذلكَ بلْ أمرَ الرّسولَ (ص) بمجادلةِ أهلِ الكتابِ في قولِهِ تعالى: {وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النّحل: 125] وقوله: {وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ً ïوَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [العَنكبوت: 46] وَقَدْ كانتْ حياةُ الرّسولِ حياةَ صراعٍ فكريٍّ معَ جميعِ الّذينَ أنكروا نُبُوَّتَهُ من مشرِكِينَ وأهلِ كتابٍ.
ورُوِيَتْ عنهُ الحوادثُ الكثيرةُ في مكَّةَ والمدينةِ وهوَ يناقِشُهُمْ ويجادِلُهُمْ أفراداً أو جماعاتٍ ووفوداً. فهذا الصرّاعُ الفكريُّ البارزُ في آياتِ القرآنِ وفي أحاديثِ الرّسولِ وأعمالِهِ يقرأه المسلمونَ ويسمعونَهُ، ولذلك كانَ طبيعيّاً أنْ يُناقِشُوا أهْلَ الأديانِ الأخرى وأنْ يَدْخُلُوا مَعَهُمْ في صراعٍ فكريٍّ، وأنْ يُجادِلُوهُمْ.
فأحكامُ دِينِهِمْ وطبيعةُ الدَّعْوَةِ الإسلاميَّةِ وَهِيَ تَصْطَدِمُ بالأفكارِ المناهضةِ والمعاديَةِ لها لا يمكنُ إلاّ أنْ يحصلَ بينها وبينَ هذهِ الأفكارِ صراعٌ ونقاشٌ وجدالٌ. أمّا الذي جعلَ الصرّاعَ يأخذُ ناحيتَهُ العقليَّةَ، فإنَّ القرآنَ نفسَهُ دعا إلى استعمالِ العقلِ وجاء بالأدلَّةِ العقلِيَّةِ، والبراهينِ الحسيّةِ. والدّعْوَةُ إلى عقيدتِهِ إنّما تَعْتَمِدُ على العقلِ لا على النَّقْلِ فكانَ من الحتميِّ أنْ يأخذَ الجدالُ والصراعُ الناحيَةَ العقلِيّةَ ويتّسِمَ بطابعها.
والعاملُ الثّاني: تسرَّبَتْ مسائلُ فلسفيّةٌ لاهوتيَّةٌ وَعُرِفَ مَنْطِقُ أرسطو بينَ المسلمينَ، واطَّلَعَ بعضُ المسلمينَ على بعضِ كُتُبِ الفلسفةِ، وتُرْجِمَتْ كتبٌ كثيرةٌ من اليونانيَّةِ إلى السرّيانيّةِ ثمَّ إلى العربيّةِ، ثمَّ صارتِ الترجَمَةُ من اليونانيّةِ إلى العربيّةِ. فكانَ هذا مساعداً على وجودِ الأفكارِ الفلسفيّةِ.
وكانَ كثيرٌ من الأديانِ قَدْ تَسَلَّحَ بالفلسفة اليونانيّةِ وأدخلوها إلى بلادِ الإسلامِ، فأوجد ذلكَ كلُّهُ أَفكاراً فلسفيّةً حَمَلَتِ المسلمينَ على دراستِها. فهذانِ العاملانِ وَهُما: أحكامُ الإسلامِ وأفكارُهُ في الجدالِ ووجودُ أفكارٍ فلسفيّةٍ، هما اللذانِ برّرا ودفعا المسلمينَ للانتقالِ إلى الأبحاثِ العقليّةِ والأفكارِ الفلسفيّةِ يتعلّمونهَا ويتّخِذُونَها مادّةً في مُناقشاتِهِمْ ومجادلاتِهِمْ. إلاّ أنَّ ذلك كُلَّهُ لم يكنْ دراسةً فلسفيّةً كاملةً وإِنّما دراسة أفكارٍ فلسفيّةٍ للردِّ على النَّصارى واليهودِ، لأنّهُ ما كانَ يتسنّى للمسلمينَ الردُّ إلاّ بعدَ الاطّلاعِ على أقوالِ الفلاسفَةِ اليونانِ، لاسيما ما يتعلّقُ منها بالمنطِقِ واللاهوتِ. ولذلكَ اندفعوا إلى الإحاطَةِ بالفِرَقِ الأجنبيَّةِ وأقوالها وحُجَجِها، وبذلكَ أصبحت البلادُ الإسلاميّةُ ساحةً تُعْرَضُ فيها كلُّ الآراءِ وكلُّ الدّياناتِ ويُتَجَادَلُ فيها. ولا شكَّ أنَّ الجدَلَ يستدعي النّظرَ والتفكيرَ وينيرُ مسائلَ متعدّدَةً تستدعي التأمُّلَ، وتحملُ كلَّ فريقٍ على الأخذِ بما صح عندهُ. فكان هَذا الجَدَلُ وهذا التّفكيرُ مُؤَثِّرَيْنِ إلى حدٍّ كبيرٍ في إيجادِ أشخاصٍ يَنْهَجونَ نهجاً جديداً في البحثِ والجدلِ والنّقاشِ. وقد أثرت عليهمُ الأفكارُ الفلسفيّةُ التي تعلّموها تأثيراً كبيراً في طريقةِ استدلالهِم وفي بعضِ أفكارِهِمْ، فَتَكَوَّنَ من جرّاءِ ذلك علمُ الكلامِ وصارَ فنّاً خاصّاً، ونشأت في البلادِ الإسلاميَّةِ بينَ المسلمينَ جماعةُ المتكلّمينَ. ولما كانَ هؤلاءِ المتكلّمونَ إنّما يدافعونَ عنِ الإسلامِ ويشرحونَ أفكارَهُ وأحكامَهُ، كان تأثُّرُهُمُ الأساسيُّ بالقرآنِ، وهوَ أساسُهُمُ الّذي يبنونَ عليهِ بَحْثَهُمْ. إلاّ أنَّهُمْ وَقَدْ تعلّموا الفلسفةَ للدّفاعِ عنِ القرآنِ، وتسلّحوا بها ضدَّ خصومِهِم، صارَ لهُمْ منهجٌ خاصٌّ في البحثِ والتقريرِ والتّدْليلِ يخالفُ منهجَ القرآنِ والحديثِ وأقوال الصّحابةِ، ويخالفُ منهجَ الفلاسفةِ اليونانيينَ في بحثِهم وتقريرِهم وتدليلِهم. أمّا مخالفَتُهُمْ لمنهجِ القرآنِ فذلكَ أَنَّ القرآنَ اعتمدَ في الدَّعْوَةِ على أساسٍ فِطْرِيٍّ، فقد اعتمدَ على هذه الفِطْرَةِ وخاطبَ الناسَ بما يتَّفِق مَعَها. واعتمدَ في نفسِ الوقتِ على الأساسِ العقليِّ، فقد اعتمدَ على العقلِ وخاطبَ العقولَ. قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لاَ يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ *} [الحَجّ: 73] وقال: {فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ *أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا *ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا *فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا *وَعِنَبًا وَقَضْبًا *وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً *وَحَدَائِقَ غُلْبًا *وَفَاكِهَةً وَأَبًّا *مَتَاعًا لَكُمْ وَلأَِنْعَامِكُمْ *} [عَبَسَ: 24-32] وقال: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ} [النَّمل: 62] وهكذا يسيرُ منهجُ القرآنِ في إثباتِ قُدْرةِ اللَّهِ وعلمهِ وإرادتِهِ على أساسِ الفطرةِ والعقلِ.
وهذا المنهجُ يتَّفِقُ مع الفطرةِ ويَشْعُرُ كلُّ إنسانٍ بأعماقِ نفسِهِ بالاستجابةِ لهُ والإصغاءِ إِليه، حتى الملحد يعقِلُهُ ويعنو لَهُ. وهوَ منهجٌ يوافِقُ كلَّ إنسانٍ لا فرق بين الخاصّةِ والعامّةِ وبينَ المتعلِّمِ وغيرِ المتعلِّمِ.
الفلاسِفَة والمتكلّمونَ
الفلسفةُ، كلمةٌ مأخوذةٌ من الكلمةِ اليونانيّةِ «فيلوزوفي» ومعناها اللّغويّ: حبّ الحِكْمَةِ. وقدِ اصْطُلِحَ على مفهومِها بأنه «البحث في ما وراءَ الكونِ والإنسانِ والحياةِ».
والفلاسفةُ يعتمدون على البراهينِ وحدها، ويؤلّفونَ البرهانَ تأليفاً منطقياً، من مقدّمة صغرى، وكبرى، ونتيجةٍ، ويستعمِلُونَ ألفاظاً واصطلاحاتٍ للأشياءِ: من جوهرٍ وعرضٍ ونحوهما، ويثيرونَ المشاكلَ العقليّةَ، ويبنُون عليها بناءً منْطقيّاً لا بناءً حسيّاً أوْ واقعياً. أما منهجُ المتكلمينَ في البحْثِ فيُغايرُ ذلكَ، لأنَّ المُتكلّمِينَ آمنوا بالله ورسولِهِ، وما جاءَ به رسولهُ؛ ثمّ أرادوا أنْ يبرهنوا على ذلك بالأدلّةِ العقليّةِ المنطقيّةِ.. وأخذوا يبحثونَ في حدوثِ العالمِ، وإقامة الدليلِ على حدوثِ الأشياءِ، وأخذوا يتوسّعونَ في ذلكَ، ففُتِحَتْ أمامَهُمْ موضوعاتٌ جديدةٌ، ساروا في بحثها وبحثِ ما يتفرّعُ منها إلى نهايةٍ منطقيّةٍ. فهمْ لمْ يبحثُوا في الآياتِ بمنهجِ الفلاسفةِ وإنما آمنوا بها، وأخذوا يُقيمونَ البراهينَ على ما يفهمونَهُ هم منها. هذه ناحيةٌ من نواحي البحْثِ. أما الناحيةُ الأخرى وهيَ النظرةُ إلى الآياتِ المتشابهَةِ، فإنّ المُتكلّمينَ لمْ يقنَعوا بالإيمانِ بالمتشابهاتِ، جمْلةً من غيرِ تفصيلٍ، فجمعوا الآياتِ التي يظهرُ منها جسميّة الله تعالى، وسلّطوا عليها عقولَهم وجرؤوا على ما لمْ يجرؤ عليه غيرُهم، فأدّاهم النظرُ في كلَّ مسألة إلى رأيٍ بعيْنِهِ. فإذا وصلوا إلى هذا الرأي، عمدُوا إلى الآياتِ التي يَظْهَرُ أنها تُخالِفُ رأيهم فأوّلوها. ولذا كانَ التأويلُ أوّلَ مظهرٍ منْ مظاهرِ المتكلمينَ. وحينَ أدّى بهمُ البحثُ إلى نفيِ الجهةِ عن الله وأنّ أعينَ الناسِ لا يمكنُ أن تراهُ، أوَّلوا الأخبارَ الواردةَ في رُؤيةِ الناسِ لله. وهكذا كانَ التأويلُ عنصراً من عناصر المتكلمينَ، وأكبرَ مميّزٍ لهم عن السَّلفِ. فهذا المنهجُ بالذاتِ، مع إعطاءِ العقلِ حريَّةَ البحثِ في كلِّ شيءٍ، يؤدّي حتماً إلى جعلِهِ الأساسَ للقرآن، لا جَعْل القرآنِ أساساً لهُ. ثمّ استمرّ الجدلُ بينَ المسلمينَ مُنذُ أوائلِ القرنِ الثاني للهجرَةِ إلى يومنا هذا. وعِوضاً عنْ أنْ تُحملَ الدعوةُ الإسلاميّةُ بحرارتها، وقوَّتها السليمةِ الصريحةِ الصحيحةِ، وهيبتِها الإلهيَّةِ التي عجزَ أمامها العباقِرَةُ، عوضاً عن أنْ تُحملَ كما أمرَ الله أنْ تحمل بقولهِ تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النّحل: 125] عوضاً عن هذا السموِّ الذي ليسَ بعدَهُ سموّ، كانَ ما رَأينا.
{وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ *} [فُصّلَت: 33] وبعدَ ذلكَ: {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف: 29]. ويُلاحَظُ، خلالَ العصورِ التي مرّتْ، أنّ المُفكّرينَ العظامَ منَ المسلمينَ، عوضاً عن أن ينشروا الإسلامَ، أخذوا يُجادِلُونَ ويجادلونَ، حتى غلبَ عليهم حبّ المجادَلَةِ، ليُثبِتَ كلّ واحدٍ منهمْ أنّهُ قويّ الجدلِ، ليس إلاَّ.
عِلم المَنطِق
يستندُ علمُ المنطقِ إلى اقترانِ القضايا ببعضِها. واقتران القضايا ببعضها يَجْري فيه ترتيبُ المعقولاتِ على المعقولاتِ واستنتاجُ معقولاتٍ منها، ويجري فيه ترتيبُ المحسوسِ على المحسوساتِ واستنتاجُ محسوساتٍ منها. أمّا ترتيبُ المعقولات على المعقولاتِ فإنّهُ يؤدّي إلى الانزلاقِ في الخطإ، ويُؤدّي إلى التناقضِ في النتائجِ، ويُؤدّي إلى الاسترسالِ في سلاسلَ منَ القضايا والنتائجِ المعقولةِ، من حيثُ الغرضُ والتقديرُ، لا من حيثُ وجودها في الواقع، حتى أنّ آخرَ الطريقِ في كثيرٍ من هذه القضايا أوهامٌ أو أخاليطُ. ومن هنا كانَ الاسْتِدلالُ بالقضايا التي يجري فيها ترتيبُ معقولاتٍ على معقولاتٍ عرضةً للانزلاقِ. يُقالُ منطقيّاً: القرآنُ الكريمُ كلامُ الله، وهوَ مُرَكّبٌ من حروفٍ مرتّبةٍ متعاقبةٍ في الوجودِ. وكلّ كلامٍ مركّبٍ منْ حروفٍ متعاقبة في الوجود حادثٌ، فالنتيجةُ: القرآنُ حادثٌ مخلوقٌ. هذا الترتيبُ للقضايا أوْصلَ إلى نتيجةٍ ليسَتْ مما يقعُ تحتَ الحسِّ، فلا سبيلَ للعقلِ إلى بحْثِها أو الحُكمِ عليها، ولكنْ يمكنُ بواسطةِ نفسِ المنطقِ أنْ يصلَ إلى نتيجةٍ تُناقِضُ هذهِ النتيجة، فيُقالُ: القرآنُ كلامُ الله، وهو صفةٌ لهُ، وكلّ ما هو صفةٌ للَّهِ قديمٌ، فالنتيجةُ: القرآنُ قَديمٌ غير مخلوق؛ وبذلكَ يبرز التّناقُضُ في المنطقِ في قضيّةٍ واحدةٍ.
أمثلة أخرى على ذلك:
إسبانيا سُكّانُها، اليومَ، ليسوا مُسلمينَ، وكلّ بلَدٍ سُكّانُهُ ليسوا مُسلمينَ لا يُعَدّ بَلَداً إسلامياً. معاويةُ بنُ أبي سُفيانَ رأى الرسولَ واجْتمعَ بهِ، وما كلّ مَنْ رأى الرّسولَ واجْتمعَ بهِ صحابيٌّ، وإلاّ كانَ أبو لهبٍ صحابيّاً. مثلٌ آخر: أمريكا بلدٌ ترتفعُ فيهِ الناحيةُ الاقتصاديةُ، وكلّ بلدٍ ترتفعُ فيهِ الناحيةُ الاقتصاديةُ بلدٌ ناهضٌ، فالنتيجةُ: أمريكا بلدٌ ناهضٌ. هذه النتيجةُ صحيحةٌ بالنسبةِ لأمريكا، مَعَ أنّ إحدى القضيتين منها غيرُ صحيحةٍ، فليْسَ كلّ بلدٍ ترتفعُ فيهِ الناحيةُ الاقتصاديةُ بلداً ناهضاً، بلِ البلدُ الناهضُ هوَ الذي ترتفِعُ فيهِ الناحيةُ الفكريّةُ وإلاّ لكانت (بروناي) بلداً ناهضاً.
وجه خطإ منهجِ المُتكلّمينَ ظاهرٌ في أربعةِ وجوهٍ هي:
1 ـ اعتمادُهم في إقامةِ البرهانِ على الأساسِ المنطقيّ، لا على الأساسِ الحسيّ. بحيث جعلوا المسلمَ في حاجةٍ إلى أنْ يتعلّمَ المنطقَ، حتى يستطيعَ إقامَةَ البرهانِ على وجودِ اللَّهِ. ومعنى ذلكَ أنّ مَنْ لا يعرفُ المنطقَ يعجزُ عنَ البرهَنَةِ على صِحّةِ عقيدتهِ.
2 ـ خروجُهُمْ على الواقعِ المحسوسِ، وتجاوزُهم إلى غير المحسوسِ، فقد بحثوا في ما وراءَ الطّبيعةِ في ذاتِ اللَّهِ وصفاتهِ، في ما لا يصلُ إليه الحسّ. وأفرطوا في قياسِ الغائبِ على الشاهدِ، أعني في قياسِ الله على الإنسانِ، فأوجبوا على الله العدلَ كما يتصوّرُهُ الإنسانُ.
3 ـ إعطاؤهُمْ العقلَ حريّةَ البحثِ في كلِّ شيءٍ، في ما يُحَسُّ وما لا يُحَسّ؛ ثم جَعْلُهُ أساسَ البحثِ في الإيمانِ كلّهِ. فترتّبَ على ذلك كلّه أنْ جَعَلُوا العقلَ أساساً للقرآنِ، ولم يجعلوا القرآنَ أساساً للعقلِ.
4 ـ جعلُوا خصومَةَ الفلاسفةِ أساساً لبَحْثِهِمْ. فالمعتزلةُ أخذُوا من الفلاسفةِ، ثمّ ردّوا عليهمْ؛ وأهلُ السنّةِ والجبريّةِ ردّوا على المعتزلةِ، وأخذوا مِنَ الفلاسِفَةِ ورَدّوا عليهِمْ، في حينَ أنَّ موضوعَ البحثِ هوَ الإسلامُ، وليسَتِ الخصومةُ مَعَ الفلاسفَةِ ولا معَ غيرهِمْ.
كان عليهم أنْ يقِفوا عند حدِّ القرآنِ والحديثِ، وعندَ حدِّ بحثِهِ، بِغَضِّ النظرِ عن أيّ إنسانٍ؛ ولكنّهم لم يفعلوا ذلك، بل حوّلوا تبليغَ الإسلام، وشرْحَ عقائدهِ، إلى مناظراتٍ ومجادلاتٍ؛ حتى انتهى بهمُ المطافُ إلى أنْ يتصفوا بصفةٍ جدليّةٍ، ومهنةٍ كلاميّةٍ.
الفَرق بين المتكلِّمين والفلاسفِةِ المسْلِمِين
1 ـ أقرّ المتكلمونَ بصحّةِ قواعدِ الإيمانِ، وآمنوا بها، ثمّ اتخذوا أدلّتهم العقليّةَ للبرهنةِ عليها، فهم يعتمِدونَ البحثَ العقليّ بالأسلوبِ المنطقيّ لإثباتِ عقائدهم.
2 ـ إنّ أبحاثَ المتكلّمين محصورةٌ في ما يتعلّقُ بالدفاع عن عقيدتهم، ودحْضِ حججِ خُصومِهمْ، سواءٌ أكانوا مسلمينَ يخالفونَهم في الفَهْمِ، من معتزلةٍ ومرجئة وخوارجَ وغيرِهم، أم كانوا غيرَ مسلمينَ كالنصارى واليهودِ وغيرِهم.
3 ـ أبحاثُ المتكلمينَ أبحاثٌ إسلاميّةٌ، وتُعتبرُ على اخْتِلافِها وتناقُضِها آراءً إسلاميّةً، ويعتبرُ كلّ مسلمٍ اعتنقَ رأياً منها معتنقاً رأياً إسلامياً.
وأما منهجُ الفلاسفةِ فإنّهُ يتلخّصُ فيما يلي:
أ ـ إنّ الفلاسفةَ يبحثونَ المسائلَ بحثاً مجرّداً. ومنهاجُ بحثِهِمْ هوَ النّظَرُ في المسائلِ، كما يدلّ عليها البرهانُ؛ ونظرتُهم في الإلهيّاتِ نَظْرَةٌ في الوجودِ المطلقِ، وما يقْتضيهِ لذاتهِ.
وهم يبدأُونَ النظرَ منتظرينَ ما يؤدّي إليهِ البرهانُ، سائرينَ حتى يصلوا إلى النتيجةِ، كائنةً ما كانَتْ، فيعتقدوا بها؛ وبحثهم إذاً بحْثٌ فلسفيّ مَحْضٌ لا علاقَةَ لهُ بالإسلامِ. كثيراً ما يُسلِّمُ الفلاسفةُ المسلمونَ في بحثِهِمْ بأشياءَ سمعيّةٍ لا يمكنُ إقامةُ البرهانِ العقْليّ على صحّتِها أو بُطلانها، كالبَعْثِ والنُّشورِ والمعاد الجسمانيّ؛ وكثيراً ما كانوا يُبْدُونَ بعضَ الآراءِ في الفلسفةِ اليونانيَّةِ متأثّرينَ بعقيدَتهم الإسلاميّةِ.
وكثيراً ما كانوا يحاولونَ التّوْفيقَ بينَ بعضِ قضايا الفلسفةِ والقضايا الإسلاميّةِ، ولكنْ ليسَ هُناكَ تأثرٌ فكريٌّ يجعلُ الإسلامَ أساساً، كما هي الحالُ عندَ المتكلمينَ؛ إنّهُ تأثّرٌ يشبهُ إلى حدٍّ بعيدٍ تأثّرَ الفلاسفةِ المسيحيينَ بالمسيحيّةِ، والفلاسفةِ اليهود باليهوديّةِ. وهو تأثّرٌ، بالديانتينِ، ضعيفٌ. أما تأثّرُ الفلاسفة المسلمينَ الحقيقيّ فقدْ كانَ تأثّراً بالفلسفةِ اليونانيّةِ. لقد كتبوا أفكارَهُمُ الفلسفيّةَ بعدَ نُضْجِها بهضم الفلسفةِ اليونانيّةِ.
ب ـ لمْ يكنْ همّ الفلاسفةِ المسلمينَ الدّفاعَ عنِ الإسلام لأنهمِ كانوا يقفونَ عندَ تقريرِ الحقائقِ ثمّ يبرهنُونَ عليها، ولا يدخلُونَ، في حكايةِ الأقوالِ المخالفَةِ والردّ عليها، دفاعاً عنِ الإسلامِ، وإن كانوا قد تأثّروا بها بعْضَ التأثّرِ.
البحثُ العقليّ هوَ الأصلُ، وهوَ الموضوعُ ولا يوجدُ غيرُهُ في بُحوثِهِمْ.
ج ـ إنَّ أبحاثَ الفلاسفةِ المسلمينَ أبحاثٌ غيرُ إسلاميةٍ، بلْ هيَ أبحاثٌ فلسفيّةٌ، لا علاقةَ للإسلامِ بها.
هذا هو الفرقُ بينَ منهجِ المتكلمينَ ومنهج الفلاسفة المسلمينَ. ومنَ الظّلمِ والدسِّ على الإسلامِ أن تُسمَّى الفلسفةُ التي اشتَغَلَ فيها أمثالُ الكِنْدِي والفارابيّ وابن سينا وغيرهم من الفلاسفةِ المسلمينَ فلسفةً إسلاميّةً، لأنها لا تمتّ للإسلامِ بصلةٍ، بل هيَ تتناقضُ معَ الإسلامَ تناقُضاً تامّاً، من حيثُ الأساسُ، أوْ منْ حيثُ التفاصيلُ الكثيرةُ. أمّا من حيثُ الأساسُ فإنّ هذه الفلسفةَ تبحثُ في ما وراءَ الكونِ أي في الوجودِ المطلقِ، بخلافِ الإسلامِ الذي يبحثُ في الكونِ وفي المحسوساتِ، ويمنعُ البحثَ في ذاتِ الله وما وراءَ الكونِ، ويأمرُ بالتسليمِ المطلقِ.
وأمّا من حيثُ التفاصيلُ فإنّ في هذه الفلسفةِ أبحاثاً كثيرةً، يعتبرُها الإسلامُ كُفْراً كالقولِ بقدمِ العالمِ وأنّهُ أزليّ، وأبحاثاً تقولُ إنّ نعيمَ الجنّةِ رُوحانيّ لا ماديّ، وأبحاثاً تقول: إنّ الله يجهَلُ الجزئياتِ.. وأبحاثاً غيرَ ذلكَ، مما هو كفرٌ صراحٌ في نظرِ الإسلامِ. فكيفَ يُقالُ عنْ هذه الفلسفَةِ إنها فلسفةٌ إسلاميّةٌ مع هذا التناقضِ البيِّنِ. أجل لا توجَدُ في الإسلامِ فلسفةٌ مطلقاً، لأنّ حصْره للبحثِ العقليّ في المحسوساتِ، ومنعَهُ العقلَ منْ أنْ يبحثَ في ما وراءَ الكونِ يجعلانِ أبحاثَهُ كافّةً بعيدةً عن الفلسفةِ، سائرةً في غيرِ طريقها. وليسَ في الإسلام سوى بحث في القرآنِ الكريمِ والسنّةِ النبويّةِ، فهما، وحدهما، أصلُ الإسلامِ، عقيدةً وأحكاماً وأمراً ونهياً واختياراً.
صِفاتُ اللَّهِ
لما جاء المتكلّمونَ، تسرّبتِ الأفكار الفلسفيّة، ودبّ الخلاف بين المتكلّمين في صفاتِ اللَّهِ. قال المعتزلة: «إنّ ذاتَ الله وصفاتِهِ شيءٌ واحدٌ. فالله حيّ، عالمٌ، قادر، بذاته، لا بعلمٍ وقدرةٍ وحياةٍ زائدةٍ على ذاته، لأنه لو كان عالماً بعلم زائدٍ على ذاته، وحيّاً بحياةٍ زائدةٍ على ذاته، كما هو الحال في الإنسانِ، للزمَ أن يكونَ هناك صفةٌ وموصوفٌ، وحاملٌ ومحمولٌ، وهذه هي حالة الأجسام والله منزّهٌ عن الجسميّةِ. فلو قلنا كلّ صفةٍ قائمةٌ بنفسها لتَعَدّدَ القدماءُ، وبعبارةٍ أخرى لتعدّدت الآلهةُ.
وقال أهلُ السُنّةِ: «لله، سبحانه وتعالى، صفاتٌ أزلِيّةٌ قائمةٌ بذاته، وهي لا هو، ولا غيرُه». أما كونُهُ له صفات، فلِما ثبتَ من أنه عالمٌ حيّ قادرٌ.. إلى غير ذلك. ومعلومٌ أن كلًّا من العلم والحياة والقدرةِ وما شاكلَها، يدلّ على معنى زائدٍ على مفهوم الواجبِ، وليس الكلّ ألفاظاً مترادِفَةً، فلا يمكنُ أن يكونَ كما تقولُ المعتزلةُ من أنه عالمٌ لا بعلم، وقادرٌ لاَ بقُدْرةٍ. إلى غير ذلك، فإن المحال ظاهرٌ بقولنا الأسوَدُ لا سوادَ له. وقد نطَقَتِ النصوصُ بثبوتِ علمِهِ وقدرَتِهِ وغيرهما، ودلّ صدورُ الأفعالِ على وجودِ عِلْمِهِ وقدرتِهِ لا على مجرّدِ تسميته عالماً قادراً. وأما كونُ صفاتِهِ تعالى أزليّة فلاستحالَةِ الحوادث بذاتِهِ تعالى. إن القديمَ الأزليّ يستحيل أن يقومَ به حادثٌ، وأما كوْنُها قائمةً بذاته تعالى، فإن ذلك من الضرورياتِ للوجودِ. لأنه لا معنى لصفةِ شيء إلا ما يقوم به. فلا يعني كونه عالماً قيام الصفة بالمعلوم، بل معنى كونِهِ عالماً قيام صفة العلم به. وأما كونُه لا هو ولا غيره، فإن صفاتِ الله ليستْ غيرَ الذاتِ، لأن العقلَ يحتم أن الصفة غير الموصوفِ فهي معنى زائدٌ من الذات، ولأنها صفة الله فليست هي الله، إذ هي ليست شيئاً ولا ذاتاً ولا أيناً، وإنما هي وصفٌ لذاتٍ، فهي مع كونها ليستْ ذاتَ الله فهي ليست غيرَ الله، بل هي صفة الله.
وأما قول المعتزلةِ لو جُعِلَتْ كلّ صفةٍ قائمة بنفسها، لتعدّد القدماء، فإنّ هذا حاصلٌ فيما لو كانتِ الصفَة ذاتاً، أما وهي وصفٌ للذاتِ القديمةِ فلا يلزم من إلصاقِ الذاتِ بها تعدّدُ الذواتِ، بل يلزمُ تعدّد صفاتِ الذاتِ الواحدةِ. وذلكَ لا يتنافى مع الوحدانيّةِ. وبذلك أثبتَ أهلُ السنّةِ، عقلاً، أن للَّهِ صفاتٍ هي غيرُ ذاتهِ، وهي غير غيرِهِ، لأنّ الصفةَ غيرُ الموصوفِ، ولا تنفصلُ عنه؛ ثم بيّنوا كلّ صفة من هذه الصفات الأزليّةِ فقالوا: إن صفةَ العلم، وهي صفةٌ أزليّةٌ، تكشف المعلومات عند تعلّقها بها. والقدرةُ هي صفةٌ أزليّة تؤثرُ في المقدوراتِ عند تعلّقها بها، إلى آخره.
وهكذا بيّنَ أهلُ السنّة ما تعنيه صفاتُ الله، بعد أن أثبتوا أن لله صفاتٍ أزليّةً. إلا أنّ المعتزلة نفوا أن تكونَ هذه الصفاتُ هي المعاني لصفاتِ الله فقالوا: إذا ثَبَتَ أن الله قادرٌ، عالمٌ، محيطٌ، وأنّ ذاتَ الله وصفاتهِ لا يلحقها تغيّرٌ، لأن التغيرَ صفةُ المحدثاتِ، والله منزّهٌ عن ذلك، فإذا وجد الشيء وكان غيرَ موجودٍ وعُدِمَ وكان موجوداً، وقدرة الله وإرادته تولّتا ذلك فأوجدتا الشيء بعد أن لم يكن، وأعدمتاه بعد أن كان؛ فكيف تتعلق القدرة الإلهية القديمة بالشيءِ الحادث فتوجده؟ ولمَ أوْجدَتْهُ في هذه اللحظةِ، دون غيرها، وليس زمنٌ أولى من زمَن؟
فمباشرَةُ القُدْرةِ لشيء، بعد أن كانت لا مباشرة، تَغَيُرٌ في القدرة؛ وقد ثَبَتَ أنّ اللَّهَ لاَ يلحقه تغيّرٌ وهو شأنُ القديم الأزليّ، وكذلك القولُ في الإرادةِ، ومثلُ ذلك يقالُ في العلمِ.
فالعلمُ، انكشافُ المعلوم على ما هو عليه، يتغيّرُ من حين لآخرَ. فوَرَقَةُ الشجرةِ تسقُطُ بعد أن كانت غيرَ ساقِطةٍ، والرطبُ يتحوّلُ يابساً، والحيُّ مَيْتاً، وعِلْمُ اللَّهِ ينكشفُ بالشيءِ على ما هو عليه. فهو عالمٌ بالشيء قبلَ أن يكونَ، على أنه سيكونُ، عالمٌ بالشيء إذا كان، وعالمٌ بالشيء إذا عُدم، على أنه عُدِم. فكيف يتغيّرُ عِلْم الله بتغير الموجودات، والعِلم المُتغيّر بتغيّرالحوادثِ عِلْمٌ محدَثٌ، والله تعالى لا يقوم به محدثٌ، لأنّ ما يتعلّق به المُحدث محدَثٌ.
وأهل السنّة تقول: إن للقدرةِ تعلّقين: أزلياً لا يترتّب عليه وجودُ المقدِرَة بالفعلِ. وحادثاً يترتبُ عليه وجودُ المقدورِ بالفعلِ. فالقُدْرَةُ تعلّقت في الشيءِ فأوْجدتْهُ، وكانت موجودةً قبل تعَلّقِها به. فتعلّقها لا يجعلها حادِثةً، ومباشرَتُها للشيء بعد أن كانت لا مُباشرَةً، لا يكونُ تغيراً في القدرة. فالقدرةُ هي هي دائماً تعلّقَت في الشيء فأوْجدَتْه، فالمقدور هنا هو الذي تغير، أما القدرة فلمْ تتغيّر.
وأما العِلْم فإن جميعَ ما يمكن أن يتَعَلّق به معلومٌ بالفعلِ، إذا اقتضى للعالميّة ذاته تعالى، والمعلوميّة ذوات الأشياء. ونسبة الذات إلى الجميع على السواء. والعلم لا يتغيّر حسب الذاتِ وإنما يتغير من حيث الإضافيّة، وهذا جائزٌ، وإنما المستحيل تغيّر العلم نفسه والصفاتِ القديمةِ كالقدرةِ والعلم وغيرهما، ولا يلزم من قِدَمِها قدم تعلّقاتها، فتكون قديمةً وتتعلّق بالمحدثاتِ.
ويبدو أن الذي حمَلَ المتكلّمين على سلوك هذه الطريقَةِ في البحثِ، أمران أحدهما: أنهم لم يكونوا يُدْرِكونَ تعريفَ العقلِ، بعد ما رُوي عنهم أنهم عرفوه بقولهم: «إن العقلَ هو للقوّةِ قوّةِ النفسِ والإدراكِ، هو غريزةٌ يتبعُها العلمُ بالضرورياتِ عند سلامةِ الآلات» ويقولون إن العقل هو جوهرٌ تُدْرَكُ به الغائباتُ بالوسائط والمحسوساتُ بالمشاهدةِ. ومَنْ كانَ فَهْمُهُ للعقل هذا الفهمَ فليس غريباً عليه أن يُطلِقَ العنان، فيرتب فِطْرياً قضايا متعدّدة، ويخرج منها بنتيجةٍ لا وجودَ لها؛ ويقول عن نفسه إنه أدركَ بالفعل هذه النتيجة..
والثاني: أنهم لا يميّزون بين طريقةِ القرآنِ في إدراك الحقائقِ، وطريقة الفلسفةِ في إدراكها. لأن القرآنَ يبحثُ في الإلهيات، والفلاسفةَ يبحثون فيها أيضاً، أما بحثُ الفلاسفةِ فقائم على النظر في الوجود المطلقِ، وما يقتضيه لِذاتِهِ، فهم لم يبحثوا في الكون، وإنما بحثوا في ما وراء الكونِ، وأخذوا يُرتّبون البراهينَ بمقدّماتها، وتوصلوا منها إلى نتائج، ثم رتّبوا على هذه النتائج نتائج أخرى.. وهكذا حتى توصلوا أخيراً إلى ما اعتبروهُ حقيقةً عن الذاتِ وعن مقتضياتٍ حقيقيّة بنظرهم هي الذاتُ. وهم جميعاً على اختلاف النتائج التي توصّلوا إليها، قد سلَكوا في بحثهم طريقةً واحدةً، هي بحثُ ما وراء الطبيعة، أي ما وراءَ الكونِ، وإقامةُ البراهين المرتّبة إمّا على فروضٍ نظريّةٍ، أَو على براهين أخرى، والوصولُ إلى نتائجَ يَعْتبرونها قطعيّةً.
وهذه الطريقةُ في البحثِ تُخالفُ طريقَةَ القرآنِ الكريم، لأن القرآنَ الكريمَ، إنما بحثَ في الكوْنِ نفْسهِ، والموجوداتِ المحسوسةِ، أي في الكائنات والحيوانِ والإنسانِ.
وتوصّل منها إلى أن يدركَ السامع خالقَ الكونِ، خالقَ الموجوداتِ. وحين يبحث فيما وراءَ الكونِ مما لا يقعُ تحتَ الحسّ، ولا يُدْرَكُ من الموجودات، فإنه لا يصف واقعاً أو يقرّر حقيقةً ويأمرُ بالإيمان بذلك أمراً قاطعاً، ولا يَلفِتُ نظرَ الإنسان إلى إدراكه، ولا إلى شيء لِيُدركَهُ منه، وذلك كصفاتِ الله وكالنار والجنّ والشياطين وما شابه ذلك. وهذه الطريقةُ فَهِمَها الصحابةُ، وساروا عليها، واندفعوا في البلاد يحملونَ للناس رسالةَ الإسلامِ، ليسعدوهم بها كما سعدوا هم بهذه الرسالةِ. إلى أن تسرّبت الأفكار الفلسفيّة من الفلسفةِ اليونانيّةِ وغيرها، ووُجدَ المتكلمونَ، وصارَ الجدال في ذاتِ الله، وفي صفاتِ الله، فوقَ كونهِ جدلاً عقيماً، لا يعتبر بحثاً عقلياً مطلقاً، لأنه بحثٌ في شيء لا يقع عليه الحسّ، وكلّ ما لا يقعَ عليه الحسّ لا مجال للعقل في بحثه.
على أن البحثَ في صفات الله والتساؤل: أهي عين الذّاتِ أم غير الذاتِ؟ هو بحثٌ في الذاتِ، والبحثُ في الذاتِ ممنوعٌ أصلاً ومستحيلٌ. ولذا كان بحثُ المتكلّمين جميعاً في صفاتِ الله في غير محلّه، فصفات الله توقيفيّةٌ فيما ورد منها في النصوص القطعية، وقد ذكرناه بالقَدرِ الذي وَرَدَ في النصوص لا غير؛ فلا يجوزُ أن نزيدَ صفةً لن تردَ، ولا أن نشرَح صفةً بغير ما وردَ عنها بالنصّ القطعيّ.


نشأَة القضاء والقدر
1 ـ كيف نشأت مسألة القضاء والقدر؟
إن مسألة «القضاء والقدر» قد بحثَها الفلاسفة اليونان وأطلقت عليها ثلاث تسميات: «القضاء والقدر»، «الجبر والاختيار»، «حرية الإرادة»، وكلها تدور حول ما يَحدث من الإِنسان من أفعالٍ، وهل هو حرٌّ في إِحداثِها أو عدم إحداثها، أم أنه مُجْبَرٌ على القيام بها؟.
وقد اختلف الفلاسفةُ اليونان في نظرتهم إلى هذه المسألة؛ فرأى الأبيقوريون(+) أن الإرادةَ حُرة في الاختيار، والإنسان يَفعل جميع الأفعال بإرادته واختياره دون أي إكراه. أما الرِّواقيُّون(+) فقد قالوا بأن الإِرادة مُجْبَرةٌ على السير في طريقٍ لا يمكنها أن تتعداها. والإِنسانُ لا يفعل شيئاً بإرادته وإنما هو مُجبرٌ على فعلِ أيِّ شيء، ولا يملك أن يفعل أو لا يفعل.
وقد تأثر الفلاسفة المسلمون بالفلسفة اليونانية، وكانت أهمُّ المسائل التي شغلت أفكارهم مسألة صفة العدل الإِلهيّ.. فالله تعالى عادلٌ، ويترتَّب على العدل الإِلهيّ مسألةُ الثَّواب والعِقاب، كما يترتب عليه مسألة قيام العبد بأفعاله، وذلك جَرْياً على منهج البحث الذي ساروا عليه في بحث المسألة وما يتفرع عنها، وتأثرهم بما درسوه من أفكار فلسفية تتعلق بالموضوعات التي انكبوا على درسها وتفنيدها والرد على الفلاسفة اليونان، أحياناً، بشأنها.
ويُعتَبرُ المُعتزِلةُ هم الأصل في بحثِ مسألةِ القضاء والقدر، بل في جميع أبحاث علم الكلام. فقد كانت نظرةُ المُعتزِلة إلى عدلِ الله تعالى نظرةَ تَنزيهٍ له عن الظُّلم، ووقفوا أَمامَ مسألة المَثُوبة والعُقوبة الموقفَ الذي يتَّفق مع تَنزيه الله تعالى ومع عَدله. فَرأَوا أَنَّ عدلَ الله لا يكون له معنى إلا بتقرير حُرية الإِرادة في الإنسان، وأَنَّهُ يختار أعمالَ نفسِه، وأنَّ في إمكانه أن يفعل الشيءَ أو لا يفعل، فإذا فعلَ بإرادته، أو تركَ بإرادته كانت مثوبته أو عُقوبتهُ معقولةً وعادلة. أما إن كان الله سبحانه يخلق الإنسان ويَضطرُّه إلى العمل على نحوٍ خاصٍّ، فَيضطَرُّ المطيعَ إلى الطاعةِ، والعاصي إلى العصيان، ثم يعاقِبُ هذا ويُثيب ذاك، فليس هذا من العدالة في شيء.
والمعتزلة في هذا النمط من التفكير كانوا يقيسون المغيَّب على المشاهَد، بمعنى أنهم حاولوا أن يقيسوا الله تعالى الذي لا يَرونه، على الإنسان، وأن يخضعوه سبحانه ـ عز وجل ـ لقوانين هذا العالَم، تماماً كما فعل فريق من فلاسفةِ اليونان الَّذين أَلْزَمُوا الله بالعدلِ كما يَتصوَّرُه الإنسانُ. فأصلُ البحثِ هو الثَّوابُ والعِقابُ من الله على فعلِ العبد، وهذا هو موضوعُ البَحثِ الذي أُطلِق عليه اسمُ «القَضاء والْقَدر» أو «الْجَبْر وَالاختيار» أو «حُرِّيةِ الإِرادة». وبَحثوا في الإِرادة وفي خَلْقِ الأفعالِ.. ففي مسألة الإِرادة قالوا: إِنَّا نرَى أن مُريدَ الخير خيِّر، ومُريدَ الشرِّ شِرِّيرٌ، ومُريدَ العدل عادلٌ، ومريد الظلم ظالمٌ. فلو كانت إرادة الله جلَّ وعلا تَتعلَّق بكلِّ ما في العالَمِ من خيرٍ وشرٍّ، لكان الخيرُ والشرُّ مُرادينِ من الله تعالى، فيكون المُريدُ مَوْصوفاً بالخيريَّة والشرِّية، والعدلِ والظلمِ، وذلك محال في حقِّ الله سبحانه. وهم يقولون بأنَّ الله لو كانَ مُريداً لِكُفْرِ الكافر وعصيان العاصي ما نَهاهما عَن الكُفرِ والعِصيان. وكيف يُتَصَوَّرُ أَن يُريد الله من أبي لَهَبٍ أَنْ يَكفر ثم يأمُره بالإِيمان وينهاه عن الكفر؟ ولو فعل هذا أحد من الخلق لَكان ظالماً.. تعالى الله عن ذلك عُلوًّا كبيراً. ولو كان كُفْرُ الكافرِ وعصيانُ العاصي مُرَادَيْنِ من الله تعالى ما استحقَّا عُقوبةً، ولَكان عملُهما طاعةً لإِرادته. وهكذا يمضون في الاسْتِدلال في قضايا منطقيَّة، ثم يعقبون ذلك بأَدلَّةٍ نَقليَّةٍ من القرآن الكريم، فيستدلُّون بقولِه تعالَى: {وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ *} [غَافر: 31] وبقوله تعالى: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} [الأنعَام: 148] وبقوله تعالى: {وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ} [الزُّمَر: 7]. وأَوَّلوا ما وردَ من آيات تخالف رأيَهم هذا، مثل قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ *} [البَقَرَة: 6] ومثل قوله تعالى: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ} [البَقَرَة: 7]، وقوله تعالى: {بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ} [النِّسَاء: 155] وخَلَصُوا من ذلك إلى الرأي الذي اعتنقوه ودَعَوا له، وهو رأيهم المعروف من أن الإنسان له حُرِّيةُ الإرادة في أن يفعلَ الفعل أو يتركَهُ، فإذا فعل فبإرادته، وإذا ترك فبإرادته.
أما في مسألة خلْقِ الأفعال فقد قال المعتزلةُ: إنَّ أفعال العباد مخلوقةٌ لهم، ومن عَمَلِهم هم، لا من عمل الله تعالى. ففي قُدرتِهم أَنْ يَفعلوها وأَنْ يتركوها من غير دخلٍ لقدرة الله. ودليل ذلك ما يَشعر به الإنسان من التَّفرقةِ بين الحركة الاختياريَّة والاضطراريّة كحركة من أراد أن يحرك يده أو كحركة المُرتعِش، وكالفَرق بين الصاعِد إلى منارة والساقط منها. فالحركةُ الاختياريةُ مقدورة للإنسان فهو الذي يُنْشِئها ويَفعلُها، والحركةُ الاضطراريةُ لا دَخْلَ له فيها. وأيضاً لو لم يكنِ الإِنسان خالقَ أفعاله لَبَطَلَ التكليفُ، إذْ لَو لم يكن قادراً على أن يفعل، وألاَّ يَفعل، ما صَحَّ عقلاً أن يقال له: افعلْ ولا تَفعلْ، وَلَمَا كان هذا الفعل محلَّ المدحِ والذَّمِّ، والثَّوابِ والعِقاب. وهكذا يمضون في الدّلالة بقضايا مَنطقيَّةٍ على رأيهم، ثم يُعقِبون ذلك بأدلَّة نَقليَّة فَيستدلُّون على رأيهم هذا بآيات كثيرة كقوله تعالى: {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} [البَقَرَة: 79] وقوله تعالى: {مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} [النِّسَاء: 123] وقوله تعالى: {الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} [غَافر: 17]، وأوَّلُوا ما ورد من آيات تُخالِفُ رأيَهم هذا مثل قولِهِ تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ *} [الصَّافات: 96]، وقوله تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الرّعد: 16] وخلصوا من ذلك إلى الرأي الذي اعتنقوه في مسألة خَلْقِ الأفعال، وهو أن الإنسانَ يَخلق أفعال نفسه، وأنه قادر على أن يفعل الشيء وقادر على أن لا يفعلَه.
هذه هي مسألة «القضاء والقدر» في رأي المعتزلة، وفَحواها أنها إرادة فعلِ العبد، وما يحدث في الأشياء من خاصيات نتيجة فعلِ الإنسان. وفحوى رأيهم أن العبد حُرُّ الإِرادة في أفعالِه كلِّها، وأنَّهُ هو الَّذي يخلق أفعالَهُ، ويخَلق الخواصَّ الَّتي تحدث في الأشياء من أفعالِه.
الجبرية
وهذا الرأي من المعتزلة أثارَ ثائرة المُسلِمين، وكان رأياً جديداً عليهم، ورأياً جريئاً في أساس العقيدة. ولذلك انبَروا يردُّون عليه. فقام جماعة يُسَمَّوْنَ «الجبريَّة»، ومن أَشْهَرِهم جَهْمُ بنُ صفوان، فقال هؤلاء الجبريون: إِن الإنسان مُجْبَرٌ، وليست له إرادةٌ حُرَّةٌ ولا قدرةٌ على خلْق أفعالهِ، وهو كالرِّيشة في مَهبِّ الرِّيح، أو كالخشبة بين يَدي الأمواج، وإنما يخلق الله الأعمالَ على يدَيه. فالله هو خالقُ فعلِ العبدِ، وبإِرادتِه وحدَهُ فعلَ العبدُ الفعلَ. ويرَون أن أفعال العبادِ واقعةٌ بقُدرة الله وحدها وليس لِقُدرةِ العبد تأثيرٌ فيها، وليس الإنسان إلا محلاًّ لما يُجْريهِ الله على يَدَيْهِ فهو مُجْبَرٌ جَبْراً مُطلقاً، وهو والجماد سواء لا يختلفان إلا في المظهر. وهكذا يمضون في البرهان على رأيهم ويستدلون عليه كذلك بآيات من القرآن الكريم، مثلَ قوله تعالى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الإنسَان: 30]، وقوله تعالى: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} [الأنفَال: 17]، وقوله تعالى: {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [القَصَص: 56] وقوله تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الرّعد: 16].
القدرية: وهم أصحاب معبد الجهني، وقد زعموا أن علم الله تعالى لم يسبق وجود الأشياء عند حدوثها، لذلك عرف عنهم قول «الأمر أنُفٌ» أي يستأنف الله علم الأشياء عند حدوثها، ولا علم له بها قبل ذلك. وهذا قول باطل، وكفر صريح، لأنه ينسب إلى الله تعالى الجهل بالأشياء قبل حدوثها. ويقولون إن الله خلق أصول الأشياء ثم تركها فلا يعلم جزئياتها. ويقولون إنَّ أفعال الله ليست عن علم سابق، ولا عن تدبير سابق ـ تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً ـ وهذا كله يخالف ما ورد بنص القرآن الكريم من أن الله خالق كل شيء، صغيراً كان أم كبيراً، أصلاً كان أم فرعاً، وأنه تعالى قدَّر كل شيء قبل وجوده، أي كتبه في اللوح المحفوظ، أي عَلِمَهُ قبل أن يوجد. هذا والقدرية يتركون للإنسان تقدير أعمال نفسه بعلمه، ثم يتوجه إليها بإرادته، وينفذها بقدرته.
على أن أتباع «القدرية» انقرضوا جميعاً، ولم يبق أحد من المسلمين، والحمد لله، على هذا المذهب الذي يقود إلى الكفر والإِضلال.
الأشاعرة: وهم فريق من أهل السنة والجماعة. يقولون: إن «القضاء» هو إرادة الله أزلاً المتعلقة بجميع الأشياء، خيرها وشرها، على ما هي عليه، أي في الواقع. وأما «القدر» فهو، في رأيهم، إنجاز قضائه تعالى، وإخراجه إلى حيز الوجود على قدر مخصوص.
الماتريدية: وهم فريق آخر من أهل السنة والجماعة، يقولون: «القدر» هو تحديد الله تعالى أزلاً لكل مخلوق بحدِّه الذي يوجد عليه من صورة، وحسن وقبح، وغير ذلك، فيرجعون «القدر» إلى علم الله تعالى، ويرجعون «القضاء» إلى القدرة. ويقولون: القضاء هو إيجاد الله الأشياء مع زيادة الإِحكام والإِتقان.
ويتلخص قول الأشاعرة والماتريدية بما يلي:
يجب الإِيمان بأن الله تعالى علم وأراد جميع الموجودات وقضى بها، ثم تعلقت قدرته سبحانه بها فأوجدها على ذلك القدر المحكم: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ *} [القَمَر: 49]. وليس للإِنسان إلا الكسب الذي به يثاب وعليه يعاقب. والخالق لكل شيء هو الله سبحانه وتعالى.
وفي الواقع إن المعاني التي أطلقها الأشاعرة والماتريدية حول كل من «القضاء» و«القدر» لا تؤدي إلى اعتقاد فاسد كما فعل الجبرية والقدرية.
2 ـ المقصود بخير القدر وشره وحلوه ومره
إن القدر من حيث هو علم الله تعالى وقدرته ومشيئته لا شرَّ فيه بوجه من الوجوه، بل هو خير محض، وإنما يدخل الشر الجزئي الإضافي في الشيء المقضي والمقدَّر، ويكون شرّاً بالنسبة إلى محل، وخيراً بالنسبة إلى محل آخر، وقد يكون خيراً بالنسبة إلى المحل القائم به من وجه، كما هو شرّ له من وجه آخر. بل هذا هو الغالب، وذلك كالقصاص فإنه شر بالنسبة إلى من يقام عليهم من وجه، وخير بالنسبة إلى غيرهم من وجه آخر، لما فيه من مصلحة الزجر والردع عن ارتكاب الجنايات.
أما الحلاوة والمرارة فتعودان إلى مباشرة الأسباب في العاجل، والخير يرجع إلى حسن العاقبة، والشر إلى سوئها. فالقدر حلو ومر في مبدئه وأوله، وخير وشر في منتهاه وعاقبته. وقد أجرى الله تعالى سنته أن حلاوة الأسباب في العاجل تعقب المرارة في الآجل، وأن مرارتها في العاجل تعقب الحلاوة في الآجل، فحلو الدنيا مرُّ الآخرة، ومر الدنيا حلو الآخرة، يؤيده قوله (ص) في الحديث الصحيح: «حُفَّتِ الجنة بالمكاره، وحُفَّتِ النار بالشهوات» ، أي: أن احتمال ما تكرهه النفوس في العادة من مشاق الطاعات، والكف عن المحرمات هو الفاصل بين الإنسان والجنة فإذا اخترقه دخلها، وأن الانغماس في لذائذ الشهوات العاجلة هو المؤدي في العاقبة إلى النار. وقد قال تعالى عن الكافرين المغرورين بمتاع الحياة الدنيا: {مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ *} [النّحل: 117].
القَضَاءُ وَالقَدَر
موضوعُ البحثِ الذي يجبُ أنْ تُبْنى مسألةُ القضاءِ والقَدَرِ على أساسه، هو موضوعُ الثوابِ والعقابِ. أي هلِ العَبْدُ مُلْزَمٌ بالقيامِ بالفعلِ خيراً كان أم شرّاً، أو هو مخيّرٌ فيه؟
والمُدقِّقُ بأفعالِ العبادِ يرى أنّ الإنسانَ يَعيشُ في دائرتَيْنِ، يسيطرُ على الأولى، وهيَ التي تقعُ في نطاقِ تصرّفاتِهِ، وفي نطاقِها تحصُلُ أفعالهُ التي يقومُ بها بمحض اختيارهِ.
والأخرى تُسيطرُ عليهِ، وهيَ الدائرةُ التي يقعُ في نطاقِها، وتقعُ في هذه الدائرة الأفعالُ التي لا دخل لهُ بها. سواء وقَعَتْ منهُ أو عليه.
والأفعالُ التي تَقَعُ في الدائرةِ التي تسيطرُ عليهِ قسمانِ:
قسمٌ يقتضيه نظامُ الوجودِ مباشرةً، فهيَ تُخضعهُ لها، ولذلكَ يسيرُ بحسبِها سيراً جبرياً كعجزِهِ مثلاً عنِ الطيرانِ بجسمِهِ في الهواءِ، وعنِ السيرِ على الماءِ.. وقسمٌ لا يقتضيهِ نظامُ الوجودِ مباشرةً، وإنْ كانَ كلّ شيءٍ لا يخرج عن نظام الوجودِ. فالأفعالُ التي ليستْ في مقدورِهِ والتي لا قبلَ لهُ بدفعِها، ولا يقتضيها نظامُ الوجودِ، هي الأفعال التي تحصُلُ منَ الإنسانِ أو عليه ولا يملكُ دَفْعَها، كما لوْ زَلّتْ قَدَمُ شَخْصٍ وسقطَ في وادٍ، وكما لو اصْطَدَمَت سيّارةٌ بإنسانٍ فَقَتَلَتْهُ. فهذِهِ الأفعالُ التي حصلَتْ، ليس في مقدُورهِ دَفْعُها، فهي داخلةٌ في الدائرةِ التي تسيطرُ عليهِ، وهيَ تسمّى قضاءً، ولذلك لا يُحاسَبُ الإنسان على وقُوعها مهما كانَ فيها مِنْ نَفْع أو ضَرَرٍ، فهو لا يُثابُ ولا يُعاقَبُ عليها. ويقالُ حينئذٍ إنّ الفعلَ وقع قضاءً، وعلى الإنسانِ أن يؤمنَ بأنَّ القضاءَ هو منَ الله سبحانهُ وتعالى.
أمّا الدائرة التي يُسيطرُ عليها الإنسان وعلى أفعالِهِ فيها، فهيَ الدائرة التي يسيرُ فيها مُخْتاراً ضِمْنَ النظامِ الذي يختارُهُ سواءٌ كانَ هذا النظامُ شريعةَ الله أو غيرَها، ويمتنعُ عنْ ذلكَ وقْتَ يشاءُ. ولذلك يُسْأَلُ عنِ الأفعالِ التي يقومُ بها ضمنَ هذه الدائرةِ، فيُثابُ على الفعلِ إنْ كانَ يستحق الثوابَ، ويُعاقَب عليه إنْ كانَ يستحقّ العقابَ. وهذه الأفعالُ لا دَخْلَ للقضاء بها، لأنّ الإنسانَ هو الذي قامَ بها بإرادتهِ واختيارهِ.
وأمّا القدرُ فيعني أنَّ الأفعالَ التي تحصُلُ سواء أكانتْ في الدائرةِ التي يُسيطِرُ عليها الإنسانُ أوْ في الدائرةِ التي تُسيطرُ عليهِ، تقعُ من أشياء على أشياء من مادةِ الكونِ والإنسانِ والحياةِ، فيُحْدِثُ هذا الفعلُ أثراً أي يتَرَتَّبُ على هذا الفعلِ وجودُ أمرٍ مَا، فهل هذا الذي يحدثهُ الإنسانُ في الأشياءِ منْ خاصيّاتٍ، قد خَلَقَهُ الإنسانُ فيها؟ أو خلقهُ الله سُبحانَهُ وتعالى في هذه الأشياءِ كما هي الأشياءُ نفسها؟ والمُدَقِّقُ يجدُ أنّ هذهِ الأمورَ التي يُحْدِثُها الله في الأشياءِ هيَ مِنْ خواصِّ الأشياءِ، لا مِنْ فِعْلِ الإنسانِ، بدليلِ أنّ الإنسانَ لا يستطيع أنْ يُوجِدَها إلاّ في الأشياءِ التي تكونُ خاصّةً من خواصّها، أما الأشياءُ التي ليْسَتْ من خواصّها فلا يمكنُ للإنسانِ أن يوجِدَ فيها ما يريدُهُ. ولهذا لم تكنْ هذهِ الأمورُ من أفعالِ الإنسانِ، وإنما هيَ خواصّ الأشياءِ. فالله تعالى خلق الأشياءَ، وقدّرَ فيها خواصَّها على وجهٍ لا يتأتى منها غيرُ ما قدّره فيها، كتقديرِ النواةِ بأنْ ينبتَ منها النّخلُ، دون البرتقالِ. وقد خلقَ الله للأشياءِ خواصّ مُعيّنَةً، فخلَقَ في النارِ خاصيّةَ الإحراقِ، وفي الخشبةِ خاصيّةَ الاحتراقِ، وجعلها لازمةً، حسبَ نظامِ الوجود، لا تتخلفُ.
وحينَ يظهرُ أنّها تخلّفَتْ يكونُ الله تعالى قد سَلَبَهَا تلكَ الخاصيّةَ، وكان ذلك أمراً خارِقاً للعادةِ، وهو يحصُلُ للأنبياء ويكونُ معجزةً لهم. فهذه الخاصيّاتُ المُعيّنَةُ التي أوْجَدَها الله سُبْحانَهُ في الأشياءِ، وفي الغرائز، وفي الحاجاتِ العضويّةِ التي في الإنسانِ، هي التي تسمّى القدرَ؛ وعلى الإنسانِ أنْ يُؤمنَ بأنَّ الذي قَدَّرَ في الأشياءِ خواصَّها هو الله.
ومن هنا كانَ القَضاءُ والقدرُ أفعالَ العبدِ التي تقعُ في الدائرةِ التي تسيطرُ عليهِ.
ولذلك كانَ الإنسانُ مختاراً في الإقدامِ على الفعلِ أوِ الإحجامِ عنهُ، بما وَهَبَهُ الله تعالى منَ العَقلِ المُميّزِ، وجعلَهُ مناطَ التّكليف الشرعي.
ولهذا جعلَ له الثّوابَ على فعلِ الخيرِ لأنهُ اختارَ القيامَ بأوامر الله. وجعلَ لَهُ العقابَ على فعلِ الشّرّ لأنّه اختارَ مخالفَةَ أوامرِ الله. وعلى ذلكَ كانَ الإنسانُ مسؤولاً عن سعيه وكَسْبِهِ، وقد قال تعالى: {وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى *وأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى *ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأَوْفَى *}، وقال تعالى: {وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى *وأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى *ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأَوْفَى *} [النّجْم: 39-41]، وقال تعالى: {كُلُّ امْرِىءٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ *} [الطُّور: 21].
معنى القَدَرِ اللغويّ والشرعيّ
لَقَدْ وردَتْ كلمةُ القَدَرِ في عدّةِ معانٍ. يُقال في اللغة قَدَرَ الأمر أي دبّرَه، والشيء قاسَه به وجعلَهُ على مقدارِهِ، وقَدَرَ الشيءَ قدارةً أي هيّأه. وَقَدَرَ الأمْرَ نظرَ إليهِ ودبّرَهُ، وقَدَرَ قدراً اللَّهَ أي عظَّمَهُ، وَقَدَرَ اللَّهُ عليهِ الأمر أي قضى وحكَمَ.
ووردتْ كلمةُ القَدَرِ في القرآنِ الكريمِ بعِدَّةِ معانٍ، قال تعالى: {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا *} [الأحزَاب: 38]، أي أمْراً أو قضاءً مُحْكماً. وقالَ تعالى: {فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ *} [القَمَر: 12] أيْ على حدث قد كَتَبَهُ الله في اللوحِ المحفوظِ وقالَ: {وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا} [فُصّلَت: 10] أي جَعَلَ فيها خاصيّةَ إنباتِ الأقواتِ، وقال تعالى: {فَكَّرَ وقَدَّرَ *} [المدَّثِّر: 18] أي فكَّرَ ماذا يقولُ وهيّأهُ، وقالَ: {الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى *وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى *} [الأعلى: 2-3] أيْ خَلَقَ كلّ شيءٍ فسوَّاهُ تَسْويَةً وقدَّرَ لكلِّ مخلوقٍ ما يُصْلِحُهُ فهداهُ إليهِ وعرّفَهُ وجْه الانتفاعِ بهِ. وقال تعالى: {وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ} [سَبَإ: 18] أي جعلْنا فيها سهولةً وقالَ: {قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا *} [الطّلاَق: 3] أَيْ توْقيتاً، {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ *} [القَمَر: 49] أي بتقديره {إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ *} [المُرسَلات: 22] أي إلى وقتٍ معلومٍ. {نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ} [الواقِعَة: 60] أي جعلْنا تقديرَ الموتِ بينكم على اختلافٍ وتفاوُتٍ في أعماركُم {وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ *} [الحِجر: 21] أي بمقدارٍ مَعْلوم {ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَامُوسَى *} [طه: 40] أي أتيتَ على وقتٍ مُعيَّنٍ. ومن قولِ رسول الله (ص): «إذا ذُكِرَ القَدَرُ فَأمْسِكوا» (+) أي إذا ذُكِرَ علمُ الله وتقديرُهُ للأشياءِ، فلا تَخوضوا في ذلكَ. منْ هنا يَتَبَيّنُ أنّ كلمةَ «قَدَرَ» منَ الألفاظِ المُشْتركةِ التي لها عِدّةُ معانٍ.
مَعنى القضاءِ اللغويّ والشرعيّ
يُقالُ، في اللغةِ: قضى يقضي قضاءً الشيءَ وَضَعَهُ بإحكامٍ وقَدَّرَهُ، وقضى بينَ الخَصْمينِ حَكَمَ وفَصلَ. وقد وردتْ كلمةُ القضاءِ في آياتِ القرآنِ في عِدّة آياتٍ. قال الله تعالى: {فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ *} [غَافر: 68] أي إذا أبْرَمَ أمراً فإنما يدخلُ تحتَ الوجودِ من غيرِ امتناعٍ ولا توقّفٍ، وقالَ تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً} [الأنعَام: 2]، أي جعلَ لهذا المخلوقِ الذي خَلَقَهُ من طينٍ أجَلاً بينَ إيجادِهِ وموْتِه، وقال تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ} [الإسرَاء: 23] أي أمراً مقطوعاً به ألاّ تعبدوا سواهُ، وقالَ تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزَاب: 36] أي إذا حَكَمَ بحكمٍ، وقال تعالى: {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ} [فُصّلَت: 12] أي فحكم. وقال تعالى: {لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولاً} [الأنفَال: 42]، أيْ ليبرمَ أمراً كانَ واجباً أنْ يُفْعَلَ، وقالَ تعالى: {وقُضِيَ الأَمْرُ} [البَقَرَة: 210] أي تمَّ، وقالَ تعالى: {لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمّىً} [الأنعَام: 60] أي ليُبْرَمَ الأجَلُ الذي سمّاهُ وضرَبَهُ لبعْث الموتى. وقال تعالى: {قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} [الأنعَام: 58] أي لانْتهى الأمرُ، وأهلَكْتُكم عاجلاً، وقال تعالى: {كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا *} [مَريَم: 71] أي محتوماً، أي كانَ وُرُودُهُمْ واجباً على الله وأوجبهُ على نفسهِ وقضى بهِ.
وعلى هذا فإنَّ كلمةَ «قضاء» من الألفاظِ المُشترَكَةِ التي لها عِدّةُ معَانٍ. ولكنْ على تَعَدّدِ هذهِ المعاني لمْ يَرِدْ مِنْها أَنّ القضاء هو حكم الله في الكليَّاتِ فقط، كما لم يردْ أنّ القَدَرَ هو في الجزئيات، وأنّ هذهِ الآياتِ والأحاديثَ تتحدّثُ عن صفاتِ الله تعالى وأفعالِهِ. والقضاءُ والقدَرُ يبحثُ عن فعْلِ العبْدِ. والبحثُ في هذه الآياتِ شرعيٌّ، ومعانيها لغويّةٌ، وبحْثُ القضاءِ والقَدَرِ عندَ المتكلمينَ عقليّ، ومعنى اصطلاحيّ هم وضعوهُ.
القدَرَ والقدَريّة الغيبيّة
كان المسلمون عموماً يفهمونَ القدرَ كما جاءَ في الكتاب والسنّةِ، وهو كتابةُ كلّ شيءٍ في الوجودِ في اللوحِ المحفوظِ منذُ الأزلِ، وأنّ ذلك لا دخلَ له في أفعالِ العبادِ ولا في تكليفِ اللَّهِ لهم بالتكاليفِ الشرعيّة.
وقد ظلَّ الحالُ كذلك حتى النصف الثاني من القرنِ الثاني الهجري، أي حتى أواسط عصر العباسيين. فحصل، من جرّاءِ ترجمةِ الفلسفاتِ الأجنبيةِ كاليونانيةِ والفارسيةِ والهندية غشاواتٌ على الأذهانِ. فنشأ عن معرفةِ المسلمينَ لهذه الفلسفات فكرةُ القضاءِ والقدرِ. وفشت وطغت على مفهومِ القدرِ لديهم، ثم بعدَ ذلكَ نشأت القدريّة الغيبيةُ ثمَّ فشت في الناسِ جميعاً وأثّرت فيهم وتحكمت في سلوكهم، وكانت من أسبابِ انحطاطِ المسلمينَ. ولما جاء العصرُ الهابط كانت من أهم العواملِ التي حالت دون نهضة المسلمينَ من كبوتهم.
والقدريةُ الغيبيةُ نشأت مما اختلط على الناسِ بينَ واقعِ القدر وبين ما ينتج عنه من التسليمِ به، ونسيان واقعِ القدر والاقتصار على ما ينتجُ عنهُ من التسليم. فمن جرَّاءِ هذا الاختلاطِ وعدم التمييز الدقيق بين المعنيين أو الواقعين نشأت القدريةُ الغيبيةُ، ولذلك لا بد من شرحِ الواقِعَيْنِ وبيانِ الفرقِ بينهما. فأمّا القدرُ فهو ما قدرهُ الله في الأزلِ وما كتبه في اللوحِ المحفوظِ، وهذا ما ورد في النصوص الشرعيّةِ التي جاءت أدلّةً على القدر. فاللَّهُ تعالى حينَ يقولُ: {إلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ *إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ *} [الحِجر: 59-60] وحينَ يقولُ: {سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا *} [الأحزَاب: 38] وحين يقول: {قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا} [التّوبَة: 51] وحين يقول: {وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلاَ يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ} [فَاطِر: 11]. فالله تعالى حين يقول ذلك وأمثاله إنما يعني أنه ما من شيءٍ في هذا الوجودِ إلا قدره الله في الأزلِ وكتبه في كتابٍ مبين.
وحين يقول الرسولُ (ص): «واعلم أن الأمةَ لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيءٍ لم ينفعوك إلا بشيءٍ قد كتبهُ اللَّهُ لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيءٍ لم يضرّوك إلا بشيءٍ قد كتبهُ اللَّهُ عليكَ، رفعت الأقلام وجفّت الصحف»(+) حين يقول الرسول (ص) ذلك وأمثالَهُ إنما يعني أنه ما من شيءٍ في هذا الوجودِ إلا قدرهُ اللَّهُ سبحانَهُ وتعالى في الأزلِ وكتبه على الإنسانِ، وأنه لا يقع شيءٌ في الوجودِ ولا يحدثُ فعلٌ في الكونِ إلا كان مقدّراً في الأزلِ، ولا يقع إلا وفق ما كتبه الله وقدّره.
هذا هو معنى القدر. فالمسلمُ يعرف هذا ويؤمنُ به، لأن هذا ما دلّت عليه الآياتُ: {قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا} [التّوبَة: 51] وبناءً على ذلك آمن المسلمُ بالقدر بهذا المعنى وبهذا الفهم. فلم يكن هناك غبارٌ على عقيدتِه، ولم تشبها أيةُ شائبة.
إلا أن المسلمين بعد أن غزتهم الفلسفات الأجنبيّةُ وأوجدت غشاوةً على أذهانهم، وعلى هذا المعنى لديهم، ونقلتهم من مجرد الإيمان بهذا المعنى والوقوف عند حد الإيمان إلى ملاحظة هذا الإيمانِ عند القيامِ بأفعالهم، وجعل أفعالهم مسيّرةً بهذا الإيمانِ، وسائرةً بحسبه، فحصلَ عندهم التسليمُ بالمقدورِ، أي أن ما قدره الله واقعٌ لا محالة سواءٌ فعلوا كذا أم فعلوا خلافه. على أنهم يوقنون أنه يستحيل على العبد الاطلاعُ على القدر أي يستحيل الاطلاعُ على أن الله قدر ذلك أم قدر ذاك.
فنشأ من جرَّاء هذا ما يعرف بالقدرية الغيبية، وصارت شيئاً آخر غير الإيمان بالقدر. لأن القدر مسألة تتعلّق بالإيمانِ، أي تتعلّق بالعقائدِ، ولا تتعلق بالأفعال، فمحلُّها العقائد وصفات الله لا أفعال العباد، فهي مثلُ الاعتقادِ بوجودِ الله وبوحدانيّتِهِ وقدرتِهِ وغير ذلك من الصفاتِ، لأنها داخلةٌ في الاعتقادِ بعلم الله. فلا بدّ من جعلها موضوعاً آخر غير الأفعال لأن اقترانها بالأفعالِ هو الذي سبّبَ الانزلاقَ في العصر الهابطِ حيث تفشّت فيه القدريّة الغيبيّة من جراءِ عدمِ وضوحِ معنى الإيمانِ بالقدر. أو بتعبيرٍ آخرَ من عدمِ تجريدِ الإيمانِ بالقدر عن جميعِ الأشياءِ وعن جميعِ الملابسات، فوجدت ملاحظة القدر عند القيام بالأفعال، أي وجد التسليمُ بالقدرِ فصار النجاحُ والفشلُ ينسبان إلى القدرِ، وكذلك الطاعةُ والمعصيةُ، وهكذا تنسب الأفعالُ كلها إلى القدر. ونتج عن ذلك القعودُ عن عظائمِ الأعمالِ، وعدمُ اقتحام الصعوبات والاستسلام المطلق لكل ما ينال الناسَ من خير أو شر، لأنّه كلّه في نظرهم مقدورٌ، ولا يقع في ملكِ الله إلا ما يشاءُ، ولا يحصلُ إلا ما قدّره الله. فكانت القدريةُ الغيبيّةُ هي ملاحظةَ القدرِ في كلِّ شيءٍ وفي كل فعل وفي كلّ ما يقعُ وما لم يقع. أي هي الإيمان بالقدر والتسليم به. وهي من أخطرِ العقائدِ على الأمةِ ومن أشدِّها ضرراً، وهي فظيعةُ النتائج مهلكةٌ للفرد وللمجتمعِ أيّاً كان هذا المجتمع. لذلك لا بدّ من مقاومتِها، ولا بدّ من التفريقِ بينَها وبينِ الإيمانِ بالقدرِ.
وإذا كان الله قد علمَ كلّ شيءٍ في الأزل، أي قدّرَ كلّ شيءٍ وكتبه في الأزل، فإن ذلك لا يصحّ أن يلاحظَ في الحياةِ ولا في تصرّفات الإنسانِ فرداً كان أو جماعة، ولا عند القيامِ بأيّ عملٍ من الأعمالِ، فنحنُ لا نعلم قبل وقوعِ الشيءِ أو قبل النجاحِ أو الإخفاق أيَّ شيء عمّا قدره الله. هل قدر وقوع الفعل أو قدر عدم وقوعه، هل قدر النجاح أو الإخفاق، هل قدر المعصيةَ أم لم يقدرها؟ ونحن لا نعلمُ ما هوَ المقدّرُ فلا يصحّ أن نلاحظ المقدور لأننا لا نعلمه ويستحيل علينا أن نعلمه، لذلك لا نسلم به ولا نستسلم له. بل نجعل حاجزاً كثيفاً بين الذهن وبينه. ونمتنع بشكل قاطع عن تصوّرهِ أو ملاحظتهِ أو مجرد تحريك الذهن بالتفكير به، بل نحصر همنا بالأمر الذي نريد أن نقوم به وما يجبُ له من أسبابِ النجاحِ، وما يجبُ تجنّبُهُ من أسباب الإخفاقِ وعوامِلِهِ. فيحصر الذهن بالفعل وحدَه ويبعد القدر من حيث هو إبعاداً تاماً، ويحال بينه وبين الذهن بكلِّ ما يضمنُ الحيلولةَ دون تسرّبِ أيةِ خاطرةٍ من خواطِرِهِ.
لقد روى عليٌّ كرّم الله وجههُ فقال: ذهبنا وراءَ جِنازةٍ إلى مقبرةِ البقيع. فأتى رسولُ الله (ص) فقعدَ وقعدنا حوله. ثمّ أشار الرسولُ (ص) إلى القبورِ وقال: «ما منكم من أحدٍ إلاّ كُتِبَ شقياً أو سعيداً» . قالوا: وأين عملُنا، أفندعُ العملَ يا رسولَ الله؟ فأجاب: «ما عملَ أحدُكم من عملٍ إلاَّ ويُسِّرَ له، إنْ خيراً فخير وإن شرًّا فشرٌّ» ، ثمَّ تلا قولَهُ تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى *وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى *فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى *وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى *وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى *فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى *} [الليْل: 5-10].
فمِنْ قولِ رسولِ الله (ص)، ومِنْ معاني هذه الآياتِ الكريمةِ ودلالتها، نفهمُ أنّ الإنسانَ إذا قام بعملٍ حسنٍ يسّر اللَّهُ له الأعمالَ الصالحةَ، وإذا قام بعملٍ سيِّءٍ يُسِّرَت له الأعمال السيِّئَة. ولذا يكونُ العملُ الصالحُ أو الطالحُ هو الأصلَ والتيسيرُ هو الفرع.
وقال رسولُ الله (ص): «كلُّ إنسانٍ مُيَسَّرٌ لما خُلقَ له» . فتكونُ الكتابةُ في اللوح المحفوظِ سابقةً لعلمنا وليست سائقةً لنا. وهذا ما يُبيِّنه الإمامُ الحسنُ سيّدُ شباب أهل الجنّةِ بقوله: «مَنْ لم يؤمن بالله وقضائِهِ وَقَدَرهِ فقد كَفر، ومن حمَّلَ ذنبَهُ على ربِّه فقد فجر. إن اللَّهَ لا يُطاعُ استكراهاً ولا يُعصى لِغَلَبة، لأنه المليكُ لما ملّكهم، والقادرُ على ما أقدرهم. فإن قاموا بالطاعاتِ لم يَحُلْ بينهم وبينَ ما قاموا به، وإن عملُوا بالمعاصي فليس هو الذي أجبرهم على ذلك، فلو أجبرَ الله الخلقَ على الطاعاتِ لسقطَ عنهمُ الثواب، ولو أجبرهم على المعاصي لأسقطَ عنهمُ العقاب، ولو أهملهم لكانَ عجزاً في القدرة. ولكن لهُ فيهم المشيئةُ التي غيَّبها عنهم. فلو عملُوا بالطاعاتِ كانت له المِنّةُ عليهم، ولو عملُوا بالمعاصي كانت لهُ الحُجَّةُ عليهم».


انتهاء الأجَل هو السبَبُ الوَحيد للمَوْت
وذلكَ أنّ الشيءَ حتى يمكنَ أنْ يكونَ سبباً لا بدّ أنْ يُنْتِجَ المُسبّبَ حتماً، وأنّ المُسبّبَ لا يمكن أنْ يَنْتُجَ إلا عنْ سبَبِهِ وحدهُ. وهذا خلافُ الحالةِ، فإنها ظرفٌ خاصّ يحصلُ فيها الشيءُ ولكنّهُ قدْ يتخلّفُ ولا يحْصُلُ. فالحياةُ مثلاً سببُ الحركةِ في الحيوانِ فإذا تمت الحياة فيهِ تمتِ الحركةُ، وإذا تلاشتِ الحياةُ فيهِ تلاشتِ الحركةُ، والطاقةُ سببٌ لتحرّكِ «الموتور»، فإذا كملتِ الطّاقَةُ تحرّكَ الموتور وإذا لم تكمل فلا حركةَ. وهذا بخلافِ المطرِ بالنسبةِ لإنباتِ الزّرعِ، فإنّه حالةٌ من الحالاتِ التي ينبتُ بها الزرعُ لا سببٌ لإنباته، وذلكَ أنّ المطرَ يُنْبِتُ الزرعَ، ولكنْ قدْ ينْزِلُ المطرُ ولا ينبتُ الزرعُ، وقد ينْبُتُ الزّرعُ منْ رطوبةِ الأرضِ وحدها، كالزّرعِ الصيفيّ فيَنْبُتُ بدونِ نزولِ المطرِ. فقدْ يحصُلُ شيءٌ يؤدّي إلى الموتِ جَزْماً، كمرض إنسان بالطاعون أو إصابته بانفجار، ثم لا يموتُ الشَّخْصُ، لأنهما حالتان من حالات الموت وليستا من سبب الموت لأن السبب الوحيد للموت هو انتهاء الأجل فقط، وقد يحصُلُ موتٌ فَجْأَةً، دونَ أنْ يظْهَرَ أي سببٍ لهُ. فكأنّ الإرواء والحرارةَ والحياةَ صفةٌ مِنْ صفاتِ الشيءِ الطبيعيّةِ، معَ كونِهَا خاصيّةً من خواصهِ، فلا يكونُ وجودُ الخاصيّةِ في الشَّيءِ سَبَب العَمَلِ الذي هوَ أثرٌ لها. ولا يكونُ حينئذٍ انعدامُ الخاصيّةِ مُسبّباً لانعدامِ العَمَلِ الذي هو أثرٌ لها. ولذلكَ ليْسَ وجودُ خاصيَّةِ الحياةِ في القَلبِ كافياً لإيجادِ الحياةِ فلا يصلحُ أنْ يكونَ سبباً للحياةِ فيكونُ حينئذٍ انعدامُ خاصيّةِ الحياةِ منَ القلبِ ليس سبباً لانعدامِ الحياةِ. وعلى ذلكَ لا يُقالُ إنّ ذهابَ الشّيءِ سببٌ لذَهابِ خاصيّاته. بلِ الذي يكونُ سبباً لذهابِ خاصيّةِ الشيءِ هو أمرٌ خارجٌ عن الشيءِ نفسِهِ فتَذْهَبُ خاصيّتهُ ويبقى الشيءُ ذاتهُ دونَ خاصيّتهِ، أو يذهبُ الشيءُ نفسهُ فتذهَبُ معهُ خاصيّته فيكونُ الشيءُ الذَي أذهبَ الخاصيّةَ أو أذهبَ الشيءَ وأذهبَ معهُ خاصيّتهُ، سبَبَ ذهابِ الخاصيّة، وليسَ الشيءُ نفسُهُ سبباً لذَهابِ خاصيّتهِ. وعليهِ فإنّهُ من هذه الجهةِ أيضاً، أي من جهةِ كونِ الحياةِ خاصيةً من خواصِّ وجودِ الرأسِ على الجسمِ، وخاصيّةً من خواصِّ القلْبِ. لا يُقالُ: إنّ إزالةَ الرأسِ عنِ الرّقبةِ سببُ الموتِ، ووقْفَ القلبِ سببُ الموتِ، بل مظَنَّةُ السببِ هوَ الذي أزالَ الخاصيّةَ منَ الرْقبةِ بإزالتها، ومنَ القلبِ بوقفهِ، لا قطْع الرقبةِ ووَقف القلبِ، لأنّهُ يستحيلُ أنْ يحْصُلَ أيّ إتلافٍ للعضوِ إلا بمؤثّرٍ خارجيّ، ولأنّ الحياةَ خاصيّةٌ مِنْ خواصّهِ، فإنّ العضوَ وذهابَهُ لا يكونُ من نفسِ العضوِ، وإنما بمؤثّرٍ خارجيٍّ أزالها أي الخاصيّة، أو أزالهُ وأزالها معه. كما أزال الله القادرُ سُبحانه وتعالى خاصيَّة الإحراق من النار وأبدلها برداً وسلاماً على إبراهيم (ع) ولذلك لا يكون سبَبَ الموتِ المؤثرُ الخارجيّ، لأنّه ثَبَتَ عقلاً وواقعاً أنّهُ قد يحصُلُ هذا المؤثِّرُ الخارجيّ، ولا يحصُلُ الموتُ، وقد يحصُلُ الموتُ دونَ أن يحصُلَ هذا المؤثرُ الخارجيّ، والسّبب لا بُدّ أن يُنْتِجَ المُسببَ حتماً، فلمْ يبقَ إلاّ أنّ سببَ الموت الحقيقيّ الذي يُنتِجُ المسبّبَ حتماً، هو الموتُ وهو غيرُ هذهِ الأشياءِ.
وهذِهِ الأشياءُ التي أدّتْ إلى الموْتِ ليستْ أسْبابَهُ، إذْ لوْ كانَتْ أسْباباً لما تخلفَتْ أبداً، فمجرّد تخلفها يدلّ قطعاً على أنها ليستْ أسْباباً، بلْ حالات. وسببُ الموتِ الحقيقيّ الذي يُنْتِجُ المسبّبَ هوَ غيرُها، ولم يستطِعِ العقلُ أنْ يهْتديَ إليهِ لأنّهُ لا يَقَعُ تحتَ الحسِّ، والعِلْمُ بهِ ناشىءٌ عنْ إخْبارِ الله سُبحانَهُ وتعالى، ووردَ ذلكَ بآياتٍ متعدّدَةٍ: بأَنّهُ الأجلُ، وأنّ الله هوَ الذي يُميتُ، وأنّ الأجَلَ إذا جاءَ، جاءَ في حينِهِ المحْتومِ فلا يُقدّمُ ولا يؤخَّرُ، ولا يستطيعُ أيّ إنسانٍ أنْ يتوقّى الموتَ، أوْ يهرُبَ منهُ مطلقاً فهوَ آتٍ لا محَالةَ {يُدْرِكْكُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ} [النِّسَاء: 78] وقال تعالى: {الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَأُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ *} [آل عِمرَان: 168] أمّا ما أمرَ الله بهِ الإنسانَ أنْ يتوقّاه ويعْمَلَ على إبعادهِ وأنْ لا يُعَرّضَ نفسَه له فهوَ الحالات المؤدّية إلى الموت.
ومن ذلك كله يتبَيّن أن الدليلَ العقليّ يدلّ على أنّ الأشياءَ التي يحصل منها الموت عادةً، هي حالاتٌ وليست أسباباً، وأنّ السبَبَ الحقيقيّ هو غيرها مما لا يَقَع تحتَ الحسِّ.
وثَبَتَ بالدّليلِ الشرْعيّ أن هذه الأشياء التي يحصل منها الموت ليست هي التي تُوجد الموتَ وليست هي أسباباً له. ودلّت الآيات القطْعِيّة على أن سببَ الموتِ هو انتهاء الأجل وأن المميت هو الله سبحانه وتعالى لقوله: {قُلْ يَتَوفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ *} [السَّجدَة: 11]. وقال سبحانه وتعالى: {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ *} [الأعرَاف: 34].


الرزق بيَدِ الله
الرّزقُ غيرُ الملكِيّةِ ـ لأن الرزقَ هو العطاء ـ فرَزَقَ معناها: أعطى. وأما المِلكيّةُ فهي حيازةُ الشيء عن طريق شرعيّ.
ويكون الرزقُ حلالاً وحراماً، وكله يقالُ عنه: رِزْقٌ. فالمالُ الذي يأخُذُه المقامرُ من غيرِه في لعبِ القمارِ رزقٌ، لأنه مالٌ أعطاه الله لكل مِنْهما، حين باشرَ حالَةً مِن الحالات التي يحصُلُ فيها الرّزقُ. وقد غَلَبَ على الناسِ الظنّ بأنهم هم الذين يَرزُقُونَ أنفُسهم ويعتبرونَ الأوضاعَ التي يحوزون فيها الثروة أسباباً للرزقِ، وإن كانوا يقولون، بألسِنَتِهم، إن الرّزّاقَ هو الله. فأسبابُ الرزقِ من هؤلاء محسوسةٌ ملمُوسَةٌ، وهي الأوضاعُ التي تؤدّي إلى كسبِ المالِ. وقد ورَدَتِ الآياتُ الكثيرة التي تدلّ بصراحةٍ لا تقبل التأويلَ على أن الرزقَ من الله تعالى وحده وليس من الإنسان.
ولم تَرِدْ نسبة الرّزْقِ بمعنى فاعِلِه إلا لله تعالى كقوله: {نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ} [الأنعَام: 151] فإذا وضحَ هذا كان الرزق ما يحوزه الإنسان بسَعْيٍ أو بغير سَعْيٍ، وقد يكون ملْكاً له، وقد لا يكون. أمّا الحالة التي يتمّ فيها الرزق والسبب الذي يُوصِل إليه، فإن الفرقَ بينهما: أنّ الحالاتِ التي يأتي فيها الرزق لها أوْضاعٌ مِنْ شأنها أن تُوصِلَ القائم بها إليه وليست موصِلةً للرّزق حتماً، فقد تأتي الحالة، ولا يأتي الرزق، وقد يأتي من غير حُصولِ حالةٍ مِنَ الحالاتِ. فقد يشتغِل الموظّف ـ مثلاً ـ طوال الشهرِ، وفي ساعةِ قبض راتِبه يُسرق منه، أو يضيع أو يحجزُ.
ففي مثلِ هذه الحوادثِ حصلتِ الحالةُ التي تأتي بالرزق ولم يحصُلِ الرزقُ.
وقد يرِثُ الإنسانُ أموالاً طائلةً من غير أيّ سعْيٍ لها، وقد تأتيهِ هِبةٌ من جِهَة لا يُفكّرُ بها، وهذا يدُلّ على أن هذه الأوضاعَ التي يُظنّ أنها أسبابٌ للرزقِ هي حالاتٌ، وليست أسباباً، بدليل تخلّفِها في حوادثَ كثيرةٍ. وقد يحصُلُ رزقٌ، ولا تكونُ حاصلةً بخلاف ما لو كانت أسباباً فإنها عندئذٍ تُوجدُ الرزقَ حتماً لأنّ السبب يُنتج مُسَبّبه حتماً، والمسبّب لا يَنتج إلا عن سببهِ، أو سببٍ من أسبابه، وبهذا يتبيّن أن هذه الأوضاعَ ليْست أسباباً حتميّةً حتى تُوصِلَ له.
وقد جاء الإسلام فحثّ على مُباشرة العبدِ لهذه الحالات طلباً للرزق معَ الاعْتِقاد بأنها ليست أسبابه، وأن الرازق هو الله تعالى، لا هذه الحالاتُ. وقد قال: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ} [المُلك: 15]. والرسول (ص) يقول: «ما عالَ مَنِ اقْتَصَد» (+) وقال لمن أراد أن يُوصي بمالِهِ كلهِ للفُقراء: «إنك إن تَذر وَرَثَتَكَ أغْنِياء خَيْرٌ مِنْ أن تَذَرهُمْ عالَةً يتكَفَفّونَ الناس» (+). ويقول: «خيرُ الصّدَقَةِ ما كانَ عَنْ ظَهْرِ غِنى» (+). ويقول: «نِعمَ المالُ الصالحُ للمَرْء الصالحِ» (+) وثَبَتَ عنه (ص) أنه ادّخر طعاماً لأهله. وهذا يدلّ على وُجُوبِ السّعي للرزق، وقد جَعَلَهُ الله فَرْضاً على الرجال، وحرّمَ القُعُودَ عن السّعْيِ للرزقِ.
ولكن هذا السعي الذي يقومُ به الإنسان يُعتبر حالةً مِنَ الحالاتِ التي يحصل فيها الرزق لا سبباً للرزقِ. ويقوم به الإنسان استجابَةً لأمرِ الله سُبْحانَه وتعالى، مع الاعْتقادِ بأن الرزق بِيَدِ الله فقط، وأنه وحده هو الرزّاق الكريم. ولهذا يجب على المسلمين أن يَسْعَوا في طَلَبِ الرزقِ بجدٍّ واهتمام في كل حالةٍ يمكن أن يكونَ من شأنها أن يحصلَ فيها، ولكن منَ الواجبِ أن يظلّوا على اعتقادهم أن الرزقَ بِيَدِ الله سُبحانه وتعالى لقوله: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ *مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ *إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ *} [الذّاريَات: 56-58] وقوله: {لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى *} [طه: 132].
ورُوِيَ عن النبيّ (ص) أنه قال: «لو أنّكُمْ تَتَوَكّلُونَ على اللَّهِ حَقّ تَوَكله لَرَزَقَكُم، كما يَرْزُقُ الطّيْرَ، تَغْدُو خِماصاً وتعودُ بِطاناً» (+). وقال عليٌّ كرم الله وجهه: الرزق رزقان: رزق تطلبه، ورزقٌ يطلبك. وهو يشير إلى معنى قوله تعالى {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ} [المُلك: 15] فهذا هو الرزق الذي تطلبه. وأما قوله تعالى: {يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ *} [البَقَرَة: 212] فهذا هو الرزق الذي يطلبك. وفي هذه النصوص أسنِدَ فِعْلُ الرزقِ إلى الله ونُسب إليه، فهو يدلّ بصراحةٍ على أن اللَّهَ هُوَ الذَي يَرْزُقُ الناسَ ولم تَرِدْ نسبةُ الرزقِ إلى الإنسان لا في آية ولا في حديثٍ، وإنما ورَدَتْ نسبَة الرزق إلى إنسان يُعطي غيرَه. قال تعالى: {وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ} [النِّسَاء: 5] فالمراد أعْطُوهم طعاماً إذْ لو كانَ المراد الرزقَ بمعنى المالِ، أي كل ما يَتَحَوّل، لما قال: {وَاكْسُوهُمْ} [النِّسَاء: 5] ومثله قوله تعالى: {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ} [النِّسَاء: 8] أي فامنحوهم من هذا الرزقِ الذي أصابَكم. فهوَ أمْرٌ بالإعطاء من الرزق لا نسبة الرزقِ إليهم.


المفاهيمُ والمَعلُومات
المفاهيم: معاني الأفكار لا معاني الألفاظ، فاللفظُ كلامٌ دلّ على معانٍ، قد تكونُ موجودةً في الواقع، وقد لا تكون، فالشاعر حين يقول:
وأخَفْتَ أهل الشرْكِ حتى إنّه
لَتَخَافُكَ النُّطَفُ التي لم تُخْلَقِ
فإن هذا المعنى في الشطر الأول موجودٌ في الواقع ومُدْرَكٌ حِسّاً.
ولكنّ المعنى في الشطر الثاني غيرُ موجود مُطْلقاً. فهذه المعاني للجُمَل، تُشرَحُ وتُفَسرُ ألفاظها. أما معنى الفكر فيتلخص في أنه إذا كان لهذا المعنى الذي تضمّنهُ اللفظُ واقعٌ يقعُ عليه الحسّ أو يتصوّرُه ويُصدّقُه الذهن كشيء محسوس فإنه يكون مفهوماً عند من يحسه ويتصوره ولا يكون مفهوماً عند مَنْ لا يحسّه ولا يتصوّره، فعلى المتلقّي أن يَفْهَمَ معاني الجملِ كما تدلّ عليه من حيث هي، لا كما يُريدها لافِظُها، وأن يدُرِكَ، في نفس الوقتِ واقعَ هذه المعاني في ذهنه، إدراكاً يُشخّص له هذا الواقع، حتى تُصبحَ هذه المعاني مفاهيمَ. فالمفاهيم هي المعاني المُدْرَك لها واقعٌ في الذهنِ، سواءٌ كان واقعاً محسوساً في الخارج، أم واقعاً مُسلّماً به أنه موجودٌ تسليماً مبنياً على واقعٍ محسوسٍ. وما عدا ذلك من معاني الألفاظِ والجُملِ لا يسمى مفهوماً، بل مجرّد معلوماتٍ. وتتكوّن هذه المفاهيم من رَبْطِ الواقع بالمعلوماتِ أو من ربطِ المعلوماتِ بالواقع.
وأفكار الإسلام مفاهيمُ وليست معلوماتٍ لمجرّد المعرفَةِ، وكونها مفاهيمَ لها مَدْلولاتٌ واقِعةٌ في مُعتركِ الحياةِ، وليست مجرّد شرْحِ الأشياء التي يفْرض المنطِق المجرّد وجودَها، بل كلّ مدلول يدل عليه له واقعٌ يمكن للإنسان أن يضعَ إصبعَهُ عليه سواءٌ كانت مفاهيمَ عميقةً يحتاجُ إدراكُها إلى اسْتِنارَةٍ أو كانت ظاهِرَةً يمكن فَهْمُهَا بسهولَةٍ، وسواء كانت محسوسةً بالحواس كالمعالجاتِ والأفكارِ والآراءِ العامّةِ أو كانت غيبيّة. ولكن الذي أخبرنا عنها قد قطعَ العقلُ حساً بصدقِهِ كالملائكةِ والجنّة والنارِ؛ فكلّها وقائعُ موجودةٌ لها مدلولاتٌ واقعةٌ حساً وذهناً، أو مدلولاتٌ واقعةٌ ذهناً على شكلٍ قطعيٍّ جازم.
السّلوكُ
الأصلُ في السّلوكِ هو الطاقةُ الحيويةُ. والطاقةُ الحيويةُ هي الغرائزُ والحاجاتُ العضويةُ، فهذه الغرائزُ والحاجاتُ العضويةُ تدفعُ وتطلبُ الإشباعَ، فيقوم الإنسانُ بالتحرّكِ بالقولِ أو العملِ من أجلِ الإشباع. إلا أنّ الذي يعيّنُ هذا السلوكَ هو المفهومُ وليس الفكر فقط. فالفكرُ لا يؤثّرُ على السّلوكِ إلا إذا صدّقهُ الإنسانُ وارتبط هذا التصديقُ بالطاقةِ، فأصبح مفهوماً من مفاهيمِ الشّخص. فالقولُ بأنَّ سلوكَ الإنسانِ حسبَ مفاهيمهِ قولٌ يقينيٌّ، وغيرُ قابلٍ للشكّ، لأنّ التصديقَ بالفكرِ إذا ارتبطَ بالطاقةِ لا يمكنُ أن يكونَ السلوكُ إلا بحسبه. إلا أنَّ هناك أفكاراً ارتبطَ التصديقُ بها بالطاقةِ ارتباطاً متيناً، حتى لَيصعبُ على التصديقِ بفكرٍ آخرَ أن يُزيلَها أو يزيلَ آثارَها إلا بعد مرورِ زمنٍ. في هذه الحالةِ يبقى الفكرُ غيرَ متحوّلٍ إلى مفهوم، أو يتحوّلُ تحوّلاً مترجرجاً متقطعاً. وأكثرُ ما يكونُ هذا في مفاهيمِ الأعماقِ ولذلك يحتاجُ إلى معاناةٍ أكثرَ وزمنٍ أطولَ.
والفكرُ هو نتيجةُ العقلِ وهو غيرُ السلوك، والسلوكُ هو نتيجةُ الطاقةِ وهو غيرُ الفكرِ، وإذاً فإن التفكيرَ غيرُ الميلِ، وإن العقليّةَ غيرُ النفسيّة. هناك طاقةٌ تتطلبُ الإشباعَ وهناكَ عقلٌ يفكّر. وهما أمرانِ مختلفان، فإذا ارتبطا وحصلَ سلوكٌ حسبَ الأفكارِ كانت الشخصيّةُ. وإذا لم يرتبطا وظلاّ منفصلينِ كانتْ هناك ميولٌ وكانتْ هناك أفكار، إلا أن مخالفةَ السلوكِ للفكرِ أكثر ما تكونُ في بعضِ الجزئيّات، ولا يؤثّرُ ذلك على الشخصيةِ وإنما يؤثّرُ على بعضِ التصرّفاتِ في بعضِ الأحيانِ.
ففي غزوةِ بني المصطلق تنادى الأنصارُ ضدّ المهاجرين وتنادى المهاجرون ضدّ الأنصار حينَ تحرّكت في الفريقين النعرةُ العصبية. في هذهِ الحالةِ انفصلَ السلوك عن الفكرِ مع أنّ المفهومَ واحدٌ عند الفريقين. إلاّ أن هذا المفهومَ في هذا الوقتِ لم يعد مفهوماً لأنه انفصلَ عن الارتباطِ بالطاقةِ فتصرّفَ كلُّ فريقٍ حسبَ ميولهِ لا حسبَ أفكارِه أي تحرّكتْ لديه مفاهيمُ الأعماق، دون أن يؤثرَ ذلك بشيءٍ على شخصيةِ الأنصار أو شخصيةِ المهاجرين لأن الفريقين ما لبثا أن عادا للمفهوم. وهكذا فانفصالُ السّلوكِ عن الفكرِ في بعضِ الأحيانِ لا يؤثّرُ على الشخصيّة. والقولُ بأنّ للإنسانِ وجهتيْ نظرٍ في الحياةِ قولٌ خاطىءٌ إذ لا يكونُ للإنسانِ إلاَّ فكرٌ أساسيٌّ واحدٌ عن الحياة تحوّلَ إلى مفهوم، فإذا وُجدَ فكر غيره فإنّه يبقى مجرَّدَ فكرٍ وليس بمفهومٍ.


العقلِيّة والنفسِيّة
عندما تتكوّن المفاهيمُ من ربط الواقع بالمعلومات، يتبلورُ هذا التكوين حسبَ القاعدةِ أو القواعدِ التي يجري عليها قياسُ المعلوماتِ والواقع، حين الربط، ثم تُوجد بذلك للشخص عقليّةُ تفهّم الألفاظ والجمل، لِتدْرِكَ المعانيَ بواقعِها المشخّص، وتُصدرَ حكمها عليه.
العقليّةُ إذاً هي الكيفيّةُ التي يُرْبَطُ فيها الواقع بالمعلومات، بقياسها إلى قاعدةٍ واحدةٍ أو قواعد معيّنة. ومن هنا يأتي اختلاف العقليّات كالعقلية الإسلاميّة، والعقليةِ الشيوعية، والعقلية الرأسمالية، والعقلية الفوضويّة، والعقليّة الرتيبة.
النفسية: هيَ الكيفيّة التي يجري عليها إشباعُ الغرائزِ والحاجاتِ العضويّةِ، وبعبارةٍ أُخرى هيَ الكيفيّة التي تُرْبَط فيها دوافع الإشباع بالمفاهيم، فهي مزيجٌ من الارتباط الحتميّ الذي يجري طبيعيّاً في داخلِ الإنسانِ، بينَ دوافعهِ والمفاهيمِ الموجودةِ لديهِ عنِ الإشباعِ، مربوطةً بمفاهيمهِ عنِ الحياةِ.
الشخصية: ومن هذه العقليّةِ والنفسيّةِ تتكوّن الشخصيّة، فالعقل أو الإدراك، وإنْ كانَ فطرةً، ووجودهُ حتميّ لدى كلِّ إنسانٍ، ولكنّهُ تكوينٌ يجري بفعلِ الإنسانِ. والميولُ لإشباعِ الغرائزِ والحاجاتِ العضويّةِ، وإنْ كانتْ فطريّةً في الإنسانِ، وجودُها حتميّ لدَى كلّ إنسانٍ، ولكنّ التكوينَ النفسيّ يجري بفعلِ الإنسانِ، فإنْ كانتْ هذهِ القاعدةُ أوِ القواعدُ التي يجري عليها تكوينُ النفسيّة، فقد وجدتْ عندَ الإنسانِ شخصيّةً متميّزةً بلونٍ خاصٍّ، وإنْ كانتِ القاعدةُ أوِ القواعدُ التي يجري عليها تكوينُ النفسيّةِ، منفصلةً عنِ القواعدِ التي يجري عليها تكوينُ العقليّةِ، كانتْ عقليّةُ الإنسانِ غيرَ نفسيّتِهِ، لأنّهُ حينئذٍ يقيسُ ميولهُ على قاعدةٍ أوْ قواعدَ موجودةٍ في الأعماقِ، فيربطُ دوافِعهُ بمفاهيمَ غيرِ المفاهيمِ التي تكوّنتْ بها عقليّتهُ، فيصبحُ شخصيّةً مختلفةً متباينةً، أفكارهُ غيرُ ميولهِ، لأنّهُ يفهمُ الألفاظَ والجُمَلَ، ويدركُ الوقائِعَ على وجهٍ يختلفُ عنْ ميله للأشياءِ.
الشخصية الإسلامية: عالجَ الإسلامُ أعمالَ الإنسانِ الصَادرةَ عن حاجاتهِ العضويّةِ وغرائزِهِ، بالأحكامِ الشرعيّةِ المنبثقةِ عنْ هذهِ العقيدةِ نفسِها، معالجةً صادقةً تُنَظِّمُ الغرائزَ ولا تَكْبِتُها، وتُنسّقُها ولا تُطْلِقُها، وعلى هذا نجد أنّ الإسلامَ يكوّن الشخصيةَ الإسلاميّةَ بالعقيدةِ الإسلاميّةِ، فبِها تتكوّن عقليّتُه، وبها ذَاتِها تتكوّن نفسيّتُه. إنّ جعْلَ الإسلامِ مقياساً لجميعِ الأفكارِ عمليّاً وواقعيّاً يجعل عندَ الإنسانِ عقليّةً إسلاميّةً ونفسيّةً إسلاميْةً. وهما اللتانِ تجعلانِ مُيولهما كلها على أساسِ الإسلامِ، فيكونُ الإنسانُ حينئذٍ بهذه العقليّةِ وهذه النفسيّةِ شخصيّةً إسلاميّةً، بغضِّ النظرِ عن كونهِ عالماً أو جاهلاً؛ لأنّ كلَّ مَنْ يفكِّرُ على أساسِ الإسلامِ، ويجعَلُ هواه تبعاً للإسلامِ يُكوِّن شخصيّةً إسلاميّةً. والإسلامُ أمرَ بالاستزادةِ منَ الثقافةِ الإسلاميّةِ، لتنمو هذِه العقليّة، وتُصبِحَ قادرةً على قياسِ كلِّ فكرٍ منَ الأفكارِ، وأمرَ بأشياءَ ونهى عنْ أشياءَ لتقوى هذهِ النفسيّة، وتصبح قادرةً على ردعِ كلِّ ميْلٍ يخالفُ الإسلام. ومن هنا يأتي تفاوُتُ الشّخصيّاتِ الإسلاميّةِ، وتفاوُتُ العقليّاتِ الإسلاميّةِ وتفاوُتُ النفسيّاتِ الإسلامّيةِ. ولذلكَ يُخطِىءُ كثيراً أُولئكَ الذينَ يتصوّرونَ الشخصيّةَ الإسلاميّةَ بأنها مَلَكٌ سماوِيّ، فهمْ يبحثونَ عنِ المَلَكِ بينَ البشرِ، فلا يجدونهُ مُطْلَقاً، بلْ لا يجدونَهُ في أنفُسِهِمْ، فَييأسونَ وينفضونَ أيديهم منَ المسلمينَ. وهؤلاءِ الخياليّونَ يبرهنونَ بتصوّرهم على أنّ الإسلامَ خياليّ، وأنّهُ مستحيلُ التّطبيقِ مع أنّ الإسلامَ جاءَ ليُطبّقَ عمليّاً، وهو واقعيّ أي يُعالجُ واقعاً لا يصعبُ تطبيقهُ. وفي متناولِ كلّ إنسانٍ مهما بلغَ تفكيرهُ من الضعفِ ومهما بلغت غرائزه وحاجاته العضويّة منَ القوّةِ، فإنّه يمكن لهُ أنْ يطبّقَ الإسلامَ على نفسهِ بسهولةٍ ويسر. المسلمُ عندما يُطبّقُ الإسلامَ على نفسهِ يصبحُ شخصيّةً إسلاميّةً، ويُصبحُ مؤهّلاً للجنديةِ والقيادةِ في آن واحدٍ، جامعاً بينَ الرّحمة والشدّةِ والزهدِ والنعيمِ، يفهمُ الحياةَ فَهْماً صحيحاً، فيستولي على الحياةِ الدنيا بحقّها، وينال الآخرةَ بالسعيِّ لها.
ولذا لا تغلبُ عليهِ صفةٌ منْ صفاتِ عُبّادِ الدنيا، ولا يأخذهُ الهوسُ الدينيّ ولا التقشّفُ الهنديّ، وفي الوقتِ الذي يكون سريّاً يكون متواضعاً، ويجمع بينَ الإمارةِ والفِقْهِ، وبينَ التجارةِ والسياسةِ، وأسمى صفةٍ من صفاتهِ أنّه عبد اللَّهِ تعالى خالقهِ وبارئهِ.


ثغرات في سُلوكِ المسلمين
يُشاهَد، عندَ كثيرٍ منَ المسلمينَ، ظهور أعمالٍ تخالفُ عقيدَتهم الإسلاميّةَ، ويشاهدُ عندَ كثيرٍ منَ الشخصيّاتِ الإسلاميّةِ، سلوكٌ يتناقضُ معَ الشخصيّةِ الإسلاميّةِ، فيظنّ البعضُ أنّ ما صدرَ من أعمالٍ تخالفُ العقيدةَ الإسلاميّةَ قدْ أخْرجَتِ الشّخْصَ عنِ الإسلامِ، وأنّ ما بَرَزَ منْ سلوكٍ يتناقضُ معَ صفاتِ المسلمِ المتمَسّكِ بدينِهِ يُخرِجُ الشخصَ عن كونهِ شخصيّةً إسلاميّةً. والحقيقةُ أنّ وجودَ ثغراتٍ في سلوكِ المسلمِ لا يُخرِجُهُ عنِ الإسلامِ. ذلكَ أنّهُ قدْ يغفلُ الإنسانُ فيُغْفِلَ ربطَ مفاهيمِهِ بعقيدتهِ، أوْ قدْ يجهلُ تناقُضَ هذهِ المفاهيمِ معَ عقيدتهِ، أوْ معَ كونهِ شخصيّةً إسلاميّةً، أو قد يطغى الشيطانُ على قلبهِ فيُجافي هذه العقيدةَ في عَمَلٍ منَ الأعمالِ، فيقومُ بأعمالٍ تُخالِفُ العقيدةَ. ولذلكَ لا يصحّ أنْ يُقالَ: إنّهُ في مثلِ هذهِ الحالِ خرجَ عنِ الإسلامِ، أوْ أصبحَ شخصيّةً غيرَ إسلاميّة، لأنّ العقيدةَ الإسلاميّةَ، وهيَ الأساسُ، تصونهُ، فهوَ مسلمٌ وإنْ عصى في عملٍ منَ الأعمالِ، وما دامتِ العقيدةُ الإسلاميّةُ أساساً لتفكيرهِ وميولِهِ، يبقى شخصيّةً إسلاميّةً، وإن فسقَ في سلوكٍ معيّنٍ منْ أنواعِ سلوكهِ.
ولا يخرجُ المسلمُ عنِ الإسلامِ إلاَ بتركِ العقيدةِ الإسلاميّةِ قولاً وعملاً. فإذا طرأ خَلَلٌ على العقيدةِ خرجَ الشخصُ عنِ الإسلامِ بهذهِ الحال فقطْ، ولو كانتْ أعمالهُ مبنيّةً على أحكام الإسلامِ، لأنها لا تكونُ حينئذٍ مبنيّةً على الاعتقادِ، بل على العادةِ، أو على مجاراةِ النّاسِ.


الهدى والضَّلال
الهدى، في اللغة، الرشادُ. يقالُ: هداهُ للدّين: أرشدهُ لهُ، وهديتهُ الطريقَ هدايةً، عَرّفتَهُ، والضّلال ضدّ الرشاد. والهدايةُ شرعاً، الاهتداء إلى الإسلام والإيمان به. والضلال شرعاً الانحرافُ عنِ الإسلامِ. ومنهُ قولهُ (ص): «لا تَجْتَمِعُ أُمّتي على ضَلالٍ»(+). وقد جَعَلَ الله الجنةَ للمهتدينَ، والنّارَ للضّالينَ، وهذا يدلّ على أنّ الهدايةَ والضّلالَ منْ فعلِ الإنسانِ، وليسا منَ الله إذْ لو كانا منَ الله، لما أثابَ على الهدايةِ وعاقبَ على الضلال. لأنّ ذلكَ يؤدّي إلى نسبةِ الظلمِ إلى الله تعالى: {وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ *} [فُصّلَت: 46] وقد قال تعالى: {وَمَا أَنَا بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ *} [ق: 29].
إلاّ أنّه قدْ وردتْ آياتٌ تدلّ على نسبةِ الهدايةِ والضلالِ إلى الله تعالى مثل قولِهِ: {قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ *} [الرّعد: 27] وقوله: {فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [فَاطِر: 8] وقوله: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ} [الأنعَام: 125]. وقوله: {مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ *} [الأنعَام: 39] وقوله: {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاَ أَنْ هَدَانَا اللَّهُ} [الأعرَاف: 43] وقولهُ: {مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا *} [الكهف: 17]، وقولُه: {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ً ïإِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [القَصَص: 56] فمنطوق هذهِ الآياتِ فيه دلالةٌ واضحةٌ على أنّ الذي يفعل الهدايةَ والإضلالَ هوَ الله سبحانهُ وتعالى، لا العبدُ، وهذا يعني أنّ العبدَ لا يهتدي منْ نَفْسهِ إلاّ إذا هداهُ اللَّهُ. ولكنّ هذا المنطوقَ قدْ جاءَتْ قرائنُ تصرفُ معناهُ عنْ جَعْلِ مباشرةِ الهداية والضلالِ منَ اللَّهِ، إلى معنى آخرَ، هوَ جَعْلُ خلقِ الهدايةِ وخلقِ الضّلالِ منَ الله، وأن المباشرَ للهدايةِ والضلال والإضلالِ هوَ العبدُ. أمّا هذهِ القرائن فشرعيّةٌ وعقليّةٌ.
القرينَة الشرعيَّة
جاءتْ آياتٌ كثيرةٌ تنسب الهدايةَ والضلالَ والإضلالَ إلى العبدِ. قالَ تعالى: {فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا} [يُونس: 108] وقالَ: {لاَ يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} [المَائدة: 105] وقالَ: {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ *} [البَقَرَة: 157] وقالَ: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلاَّنَا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا} [فُصّلَت: 29] وقالَ: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعَام: 144] وقالَ: {قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي} [سَبَإ: 50] وقالَ: {وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ *} [طه: 85] وقالَ: {وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ} [آل عِمرَان: 69] وقالَ: {وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ} [النِّسَاء: 60]، فمنطوق هذهِ الآياتِ، فيهِ دَلالةٌ واضحةٌ على أنّ الإنسانَ هو الذي يَفْعَل الهدايةَ والضلالةَ، فيُضِلّ نفسَه ويُضِلّ غيرَه، وأنّ الشيطانَ يقوم بالإضلالِ أيضاً. فهذهِ قرينةٌ على أنّ نسبة الهدايةِ والإضلالِ إلى الله ليستْ نسبةً مباشرةً، بلْ هيَ نسبة خَلْق. فإنكَ إذا وضعتَ الآياتِ معَ بعضِها، وفهمتَها فَهْماً شرعيّاً يتبيّنُ لك انصرافُ كلٍّ منها إلى جهةٍ غير الجهةِ التي للأخرى، كالآيةِ التي تقول: {قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ} [يُونس: 35] والآيةُ الأخرى تقولُ: {مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ} [الإسرَاء: 15] فالأولى تدلّ على أنّ الله هوَ الذي هدى، والثانية تدلّ على أنّ الإنسانَ هو الذي اهتدى. وهدايةُ الله في الآيةِ الأولى هيَ خَلْقُ قابلية الهداية في نفسِ الإنسانِ. والآيةُ الثانية تدلّ على أنّ الإنسانَ هو الذي باشرَ بنفسه ما خلَقَه الله فيه من قابليّةِ الهدايةِ.
فهذهِ الآيات التي تنسب الهدايةَ والإضلالَ إلى الإنسانِ قرينةٌ شرعيّةٌ دالّةٌ على صَرْفِ مباشرة الهدايةِ عن اللَّهِ إلى العبدِ.
القرينة العقليّة
إنّ الله يحاسب الناسَ فيثيبُ المهتديَ ويعذّبُ الضّالّ، قال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ *} [فُصّلَت: 46] وقالَ تعالى: {إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَِنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} [الإسرَاء: 7] وقالَ تعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ *وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ *} [الزّلزَلة: 7-8]. فإذا جُعِلَ إذاً معنى نسبةِ الهدايةِ والضلالِ للَّهِ مباشرةً، فإنَّ عقابَهُ للكافرِ والمُنافقِ والعاصي يكونُ ظُلماً، وتعالى الله عن ذلكَ علوّاً كبيراً. ولذلك وجبَ أنْ يُصْرَفَ معناها على غيرِ المباشرةِ، وهوَ خَلْقُ الهدايةِ منَ العدمِ والتوفيقُ إليها، فيكونُ الذي يُباشرُ الهدايةَ والإضلالَ هوَ العبدُ، ولذلكَ يُحاسَبُ عليها.
وأمّا منْ ناحيةِ الآياتِ التي تقترنُ فيها الهدايةُ والإضلالُ بالمشيئةِ مثل قولهِ تعالى: {يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [فَاطِر: 8] فإنّ معنى المشيئةِ هنا هوَ الإرادة. ومعنى هذهِ الآياتِ هوَ أنّه لا يهتدي أحَدٌ ولا يَضِلّ أحدٌ جبراً، بلْ يهتدي مَنْ يهتدي بإرادةِ الله ومشيئتهِ ويَضِلّ بإرادتهِ ومشيئتهِ. وكانَ السلف الصالح يفهَم هذا المعنى ويُدْركُه إدراكاً حِسّياً. وممّا ذكِرَ أنّ عليّاً عليهِ السّلام، بعدَ رجوعهِ من صفّين، سأله رجلٌ: هلْ كانَ ما حدثَ في صفّينَ بمشيئةِ الله وقضائهِ؟ فأجابه كَرَّمَ الله وَجْهَهُ: «إنّ الله أمَرَ تخْيِيراً ونَهى تحذيراً وكَلّفَ يسيراً، فلمْ يطَعْ مُكْرَهاً، ولم يُعْصَ مغلوباً، ولمْ يُرسلِ الرسل عبثاً، ذلكَ ظَنّ الذينَ كَفَروا». وأمّا فيما يتعلّق بأناس لا يهتدون أبداً ورد ذكرُهم في القرآن الكريم، في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ *} [البَقَرَة: 6] وقوله: {كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ} [المطفّفِين: 14] وقوله: {وَأُوْحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاَّ مَنْ قَدْ آمَنَ} [هُود: 36] فهذهِ الآيات إخبارٌ منَ الله لأنبيائهِ عنْ أُناسٍ مخصوصينَ بأنّهُمْ لن يُؤْمِنوا، وهذا داخلٌ في علمِ اللَّهِ، وليسَ معناه أنّ هناكَ فئةً تؤمن وفئةً لا تُؤمن، بل كلّ إنسانٍ فيهِ قابليّة الإيمانِ.
وأمّا قوله تعالى: {وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ *} [المَائدة: 108] وقولُه: {وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ *} [البَقَرَة: 258] وقولهُ: {وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ *} [البَقَرَة: 264] وقوله {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ *} [غَافر: 28] إنّ هذهِ الآياتِ تعني عدمَ توفيقِ الله لهمْ بالهدايةِ، إذ التّوفيق للهدايةِ هو منَ اللَّهِ، والفاسق والظالم والكافر والضالّ والمسرف الكذابُ، كل أُولئكَ يتصفونَ بصفاتٍ تتناقضُ وتتنافرُ مع الهدايةِ، والله لا يُوَفّقُ للهدايةِ مَنْ كانتْ هذهِ صفتهُ. لأنّ التوفيقَ للهدايةِ تهيئةُ أسبابٍ للإنسانِ، ومَنْ يتّصف بهذهِ الصفاتِ لا تَتَهَيّأ لهُ أسبابُ الهدايةِ، بلْ أسبابُ الضلالِ. ونظير ذلك قولُهُ تعالى: {وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ *} [الفَاتِحَة: 6]، [ص: 22] أيْ وَفّقْنا لأنْ نهتديَ، بمعنى يَسِّرْ لنا أسبابَ هذهِ الهدايةِ.


الفِتنة أو التجربة
يمرّ على الإنسانِ حينٌ يتخلّى الله عنه، ليَضَعَه في الفتنةِ بعدَ أنْ يُقدِّمَ له البراهينَ والأدلّةَ الواضحةَ، وهناكَ يظهر للإنسان ضعفُه وتسيطر عليه شهوتُهُ، ويحاولُ أنْ يُكافحَ، ولكن بدونِ جدوى. وسَرْعَانَ ما يَسْتَسْلِمُ. فإذا كانَ هذا الرجلُ مؤمناً حقّاً، فسيندمُ أشدّ الندمِ، وربما، يأخذُ بالبكاءِ كما يبكي الطفلُ منْ فرطِ نَدَمِهِ، بينما تراهُ في الملمّاتِ القاسياتِ ثابتاً كالجبلِ لا يتزعزع. ولكنّه بعدَ البكاء المرِّ والندمِ الشديدِ والاستغفارِ المقلقلِ (أيْ غيرِ الثابتِ) يأخذ على نفسهِ بعزمٍ وتصميمٍ أنّه لنْ يعودَ لمثلِ هذهِ المعصيةِ، ويبدأُ بوضعِ وسائلِ الدفاعِ التي أمَرَه الله بها. ولكنْ إذا ما بقيَ في النفسِ شيءٌ منَ الشهوةِ لذلك العملِ الذي قامَ بهِ سابقاً، فترى جميعَ الوسائلِ التي صنَعَ منها جهازاً قويّاً للدفاعِ قد فشلت، وبدأ هذا الجهازُ بالانهيارِ تدريجياً بفعلِ البقيّةِ الباقيةِ مِنَ الشهوةِ الكامنةِ في النّفسِ.
والنّصرُ النهائيّ لهذا المؤمنِ من اللَّهِ سبحانهُ وتعالى، لا يكونُ إلاّ إذا ذكرَ هذا المؤمنُ الأشياءَ على حقائقها، وبعدها يرى العملَ الذي يقومُ به لا يساوي شيئاً بالنسبةِ لمعصيةِ الله سبحانه وتعالى، وبالنسبةِ إلى تفاهةِ العملِ نفسهِ، فيحاول جاداً انتزاعَ مَيْلَ هذهِ الشهوةِ منْ نفسهِ المؤمنةِ الحيرى.
والشّهوةُ: هِيَ مطالبةُ النّفسِ بفعلِ ما فيه اللذة. وهي منبثقةٌ عن غريزةِ النّوعِ إذا كانتِ المطالبةُ للاجتماعِ الجنسيِّ. والشهوةُ هي مظهرٌ من مظاهرِ غريزةِ النّوْع كالحنانِ والشّفقةِ فإنّهما أيضاً مظهرانِ من مظاهرِ غريزةِ النّوْع. والشّهوةُ ضروريّةٌ فينا وهيَ من فعلِ الله سبحانَهُ وتعالى. فإذا كانت مطالبةُ النّفسِ عن طريقِ الحلالِ فعلى المرءِ أن يسارعَ لإشباعِها لأنَّ عدمَ الإشباعِ يسبب له شقاءً وانزِعاجاً. وإذا كانت مطالبةُ النّفسِ بالإشباعِ عن طريقِ الحرامِ واستجابَ الإنسانُ المؤمنُ لهذهِ المطالبةِ، فإن الندمَ الشديد ينقضُّ عليه بعدَ قيامِه بالفعلِ. والندمُ: يكونُ نتيجةَ سهوٍ يغمرُ القلبَ ويغشي العينَ، ويُضْعِفُ الحِسَّ، وينافي العلم، وطبعاً هذا لا يكونُ لدى الإنسان إلا بعدَ أنْ تكونَ قد تعطّلتْ إرادتهُ لأنَّ الإرادةَ هي من فعلِ هذا الإنسانِ. والإرادةُ ليست كالشّهوةِ لأنَّ الشَّهوةَ كما ذكرنا سابقاً هي من اللَّهِ سبحانَهُ وتعالى.
ولكنّ التوفيقَ لا يُواكبُه إلاّ إذا باشرَ بإبعادِ نفسهِ عنْ فَلَكِ الشيءِ المُشتهى، ليبرهنَ، أمامَ الله وأمامَ نفسهِ، أنّه مؤمنٌ حقّاً، أو أنّ الله سبحانه بلطفهِ يُميت هذِهِ الشهوةَ في النفسِ، أوْ يُعطّلُها بمرضٍ أو غيرهِ، أوْ يبعد الله هذا المُشتهى فيكون، بذلك، الفضل للَّهِ وحده. قالَ تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا *} [النِّسَاء: 28].
وقولُهُ: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ *وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ *} [العَنكبوت: 2-3].


الاستِمرار في المعَصِيَة استِسلام للشيطان
أنَا لا ألوم الذينَ يُذنِبونَ، ولكنّي ألُوم الذين يُصِرّونَ على ذُنُوبِهِمْ ولا يتوبُونَ إلى بارِئِهمْ، ولا ألُوم الذينَ يُكرّرونَ الذنْبَ بِدافِعِ ضَعْفِهِمُ المُركّبِ وجِبِلّتِهِم التي جَبَلَهُمْ الله عليْها، ولكنّي ألُوم الذينَ لاَ يُحاولُونَ أنْ يتخلّصوا منْ هذِهِ الآثام بَعْدَ مَعْرِفَتِهِمْ إيّاها وخوْفِهِمْ مِنَ اللَّهِ في نهايتِها وإيمانهم بمراقَبةِ الله إيّاهُمْ. والسؤال الذي ينبغي أنْ يُسْألَ: كَيْفَ تكون المحاولة بعدَ ما وقَعَ الإنسانَ في شَرَكِ الشّيطانِ، وأصبَحَ هذا العمل عادةً قد امتزجَتْ في دمِهِ وحياتهِ اليوميّةِ أوِ الأسبوعِيّةِ؟! والجوابُ: المُنْقِذُ هوَ الله سُبحانَهُ وتعالى. فعليْكَ أنْ تدعوَهُ خَوْفاً وتضرّعاً لأنّهُ هوَ الملجَأُ الوحيدُ. وعليْك أنْ تَستعمِل الإمكانيّاتِ التي وهبَكَ اللَّهُ إيّاها، ومكنَكَ مِنْها، وستتغلّبُ بعدها بحوْلِ الله وقوّتهِ، على قَطْعِ الشراكِ التي نصَبَهَا لكَ الشيطان وأقامَها بمعونَةِ المُغرِياتِ التي مكّنَه الله منها.
وسَيَثْبُت إخْلاصكَ للَّهِ عزّ وجلّ ولنفسِكَ أيضاً. وإيّاكَ أنْ تيْأسَ منْ رَوْحِ الله، وترْتميَ نهائياً في أحضانِ الشيطانِ لأن الرجْعَة تكون صَعْبةً عليكَ {وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَاءَ قَرِيناً *} [النِّسَاء: 38]، قال تعالى: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ *} [البَقَرَة: 268].


الحلول الصحيحة
إنّ المشاكلَ والعُقَدَ المتنوّعةَ التي تقعُ على الإنسان، تحتاجُ إمّا إلى حلّ مادّيّ أو فكريّ. والحلولُ لنْ تكونَ حلولاً صحيحةً، إلاّ إذا كانَ هناكَ اقتناعٌ يقينيّ بصلاحيّتها.
وإنني لأرى أنّ أفضلَ الحلولِ هو قراءةُ القرآنِ الكريمِ. وربّ معترضٍ على ذلكَ يقولُ: لقدْ قرأتُ القرآنَ كلّهُ ولمْ أجدْ حلاًّ. فالجوابُ على ذلك: لقدْ فاتَتْكَ الآيات التي تتضمّن الحلولَ، وبعدَ فواتها، اصطدمتَ بالمشكلةِ، فأكملت القرآنَ ولم تعثرْ على الآياتِ التي تحلّ هذهِ المشكلةَ. فكرّرْ مراجعةَ القرآنِ ثانياً وثالثاً وتمَعّنْ في المشكلة، وبمعاني الآياتِ، وما تهدف إليهِ، وسوف تنتهي بحلولٍ مُقْنِعَةٍ بحولِ الله وقُوّتهِ، سواء كانتْ ماديّةً، أمْ فكريّةً لقولهِ تعالى: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا *} [محَمَّد: 24] {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسرَاء: 9].


الفَرق بَيْن الإيمانِ وَالإسْلام
قالَ الله تعالى: {قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحُجرَات: 14] وَقَالَ تَعَالَى: {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لاَ تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلاَمَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ *} [الحُجرَات: 17] وقالَ عَزّ وَجَلّ: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ *فَإِنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالأُمِيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ * وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} [آل عِمرَان: 19-20،85].
وَرَوَى أنسٌ عَنِ النبيّ (ص) قالَ: «الإسْلام عَلانِية، والإيمان في القَلْبِ، وأشَارَ إلى صَدْرِهِ».
وبَيْنَما كانَ رَسولُ الله (ص) بارِزاً للنّاسِ أتاه رَجلٌ فَقَالَ: يا رسول الله، ما الإيمان؟ قالَ: أنْ تُؤمنَ بالله وملائِكَتِهِ وكِتابِهِ ولقائه ورسُلِهِ وتُؤمِنَ باليومِ الآخرِ. قالَ: يا رَسولَ الله، ما الإسلامُ؟ قالَ: «الإسلامُ أنْ تَعْبُدَ الله ولا تُشْرِكَ بهِ شَيْئاً، وتُقيمَ الصّلاةَ المكتوبةَ، وتُؤدّيَ الزّكاةَ المَفروضةَ، وتَصومَ رمضَانَ» وبذلكَ يَتَبَيّنُ أنّ للإيمانِ خِصالاً، وأنّ للإسلام خصالاً. فَمَنْ جَمَعَ خصالَ الإيمانِ كانَ مُؤمِناً مُسْلِماً. وَمَنْ كانَتْ لَدَيْهِ خِصالُ الإسلامِ، وهوَ غَيْرُ مُنقادٍ لله، فَهُوَ مُسْلِمٌ لا يمكِنُ أنْ يُنْفى عنه الإسلام لأنّ مَنْ آمنَ بما جاءَ بهِ دين الإسلام كانَ مُسْلِماً، ولا يَكْفُر بِترْكِ بعضِ أوامرِ الإسلامِ أو نواهيه. ولكِنْ مَنْ كانَتْ لديْهِ بعضُ صفاتِ المسلم ظاهرةً ولكنّهُ يُبْطِن جُحوداً لِبَعْضِ ما جاءَ بهِ رسول الله (ص)، فيُمْكِن أنْ يُقالَ عنهُ إنّهُ مُسْلِمٌ ويُوكَل أمْر إيمانِهِ للَّهِ تعالى. ومنذ بِعْثَةِ الرّسولِ (ص) وحتى اليومِ بل إلى قِيامِ السّاعةِ وجِدَ وسوف يوجدُ بينَ المُسلمينَ أُناسٌ يمْكنِ أنْ يُقالَ عنْهُمْ إنّهم مُسلِمونَ، ولكنّ مَسْألَةَ كَوْنِهِم مُؤمنينَ يَعْلَمُها الله وحده لأنّه يَعْلَم السِّرّ وأخْفى.
وقد قيلَ عنهُمْ إنّهم مُسْلِمونَ، لأنّهمْ يقومونَ بالأعمالِ التي أمَرَ بها الإسْلام منْ عبادةٍ وصلاةٍ وزكاةٍ وصَوْمٍ، وما إلى ذلكَ.
والإسلام المُعتَبر هوَ الإسلام الذي يظهرُ على المسلمِ الذي يجْمَع بينَ خِصالِ الإِسلامِ وخِصالِ الإيمانِ. أمّا مَنْ جَمَعَ خِصالَ الإسلامِ، ولكنّه لا يَتّصف بخِصالِ الإيمان فإنه فعلاً مُسْلِمٌ، ولكنّه ضعيف الإيمانِ. ومنَ النّادِرِ أنْ يكونَ شَخْصٌ ضعيف الإسلامِ، إلاّ إذا كانَ ذلكَ ناتجاً عندَه مِنْ ضعْفِ العقيدة. ومَنْ كانَ متّصِفاً بخِصال الإسلامِ ظاهِراً، ولكنّهُ يُبطِنُ جُحوداً قِيلَ عنْهُ إنّهُ مُسلمٌ ظاهراً. ومن أقر بدين الله فهو مسلم، ومن عمل بما أمر الله فهو مؤمن. فالإِيمان لا يثبت إلا بالعمل، ولا يكون المسلم مؤمناً حتى يكون خائفاً راجياً، ولا يكون خائفاً راجياً حتى يكون عاملاً لما يخاف ويرجو.


العقيدة الإسلامية
هيَ الإيمان باللَّهِ وملائكتِهِ وكُتُبِهِ ورسُلِهِ واليومِ الآخرِ. ومعنى الإيمانِ هوَ التصديق الجازِم المُطابِق للواقِعِ عن دليلٍ. فوجود الدليلِ شَرْط أساسيّ في وجودِ الإيمانِ، بغضِّ النّظرِ عن كونهِ صحيحاً أو فاسداً. والدّليل إمّا أنْ يكونَ عَقْليّاً أوْ نقْلِيّاً، والذي يُعيّن كونَ الدليلِ عقليّاً أوْ نقليّاً، واقع الموضوع. فإنْ كانَ الموضوعُ واقعاً محسوساً تُدْرِكُهُ الحواسّ، فإنّ دليلهُ يكونُ عقليّاً لا نقليّاً، وإنْ كانَ ممّا لا تُدْرِكُهُ الحواسّ يكونُ دليلُهُ نقليّاً.
ولمّا كانَ الدليلُ النقليّ نفسُه مما لا تُدركُه الحواسّ، لم يكنْ بدّ منْ أنْ يكونَ اعتبار الدليلِ النقليّ دليلاً يَصْلُح للإيمانِ، متوقّفاً على ثبوتِ كونهِ دليلاً بالدليلِ العقْليّ.
فمنْ مضمونِ الكتابِ الكريمِ المُرسَلِ منْ عندِ اللَّهِ تعالى، فهمنا أنه يجب علينا أنْ نقومَ بالتعاليمِ التي أنزلهَا الله، وأنْ نُكيّفَ أعمالَنا وظروفَنا، ونُسيّرَ أنفسنَا على خطّةٍ معيّنةٍ رسمها الرسول المُنزّل عليهِ.
فكما أنّنا أجبْنَا عنْ طريقِ الفكرِ المُستنيرِ منْ أينَ أتينا، ولماذا أتيْنا وإلى أينَ المصير؟ أصْبَحْنا نَعتقِد اعتقاداً جازماً، لا يعتريهِ شَكّ ولا ريْبٌ، بأنّ الله خَلَقَنَا وأنّه أرسلَ رسولاً للنّاسِ كافّةً، وأمَرَهُمْ باتباعه وطاعتِهِ، ثمّ دعاهُمْ للتسليمِ بأحْكامِهِ تسليماً كُليّاً. فإنْ نفّذوا أوامِرَه ونواهِيَه كانَ المصيرُ إلى جنّةٍ أُعدّتْ للمطيعينَ. وإنْ خالفوه وابتعدوا عنْ سبيلِهِ كانَ المصير إلى نارٍ أعدّها للمستكبرينَ.
بقيَ علينا أنْ نُلْقِيَ نظرةً عامّةً على جميعِ المفاهيمِ والأفكارِ التي يحمِلها جميع الذينَ أجابوا أجوبةً تختَلِف عنِ الأجوِبةِ التي أجَبْنا عليها أنفُسَنا. إننا نلاحظ أنّ الدّعاةَ في العالمِ اليومَ، فكريّاً وعمليّاً، فريقانِ: دعاةُ الديمقراطيّةِ ودعاةُ الاشتراكيّةِ الشيوعيّةِ. دُعاة الديمقراطيّةِ لهُم نظرةٌ خاصةٌ في أسبابِ وجودِهِمْ، والغايةِ منه والمصير الذي ينتهونَ إليهِ. كما أنّ للشيوعيّةِ الاشتراكيّةِ نظرةً تختلِف كلّ الاختلافِ عنِ النّظرةِ الديمقراطية. علينا، إذاً، أنْ نعرِفَ كلّ نظرةٍ على حدة.
هاكمْ شرْحاً موجزاً عنِ النّظرةِ والقاعدةِ التي قامَ عليهما الإسلامِ، والديمقراطيّة، والاشتراكيّة، وكيفَ نشأ كلّ مبدإٍ، وعلى أيّ أساسٍ قام، وما هيَ نظرته إلى الحياةِ.




Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB