الثقافة والثقافة الإسلامية
الطبعة : الطبعة الرابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   711
تاريخ النشر :   1993




الأصلُ في الأفعَالِ التقيُّد وفي الأشياء الإباحة

قال سلمان الفارسي رضي الله عنه: سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الجبن والغراء فقال: «الحلال ما أحل الله في كتابه والحرام ما حرم الله في كتابه وما سَكت عنه فهو مما عَفا لكم» وما رواه أبو الدرداء عن النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «ما أحل الله في كتابه فهو حلال وما حرّم فهو حرام وما سكت عنه فهو عفو فاقبلوا من الله عافيته فإن الله لم يكن لينسى شيئًا» وتلا: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً} (سورة مريم: الآية 64). وما رواه ثعلبة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها وحدَّ حدودًا فلا تعتدوها وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها». فإن هذه الأحاديث خبر آحاد من جهة فلا تعارض النص القطعي. على أن هذه الأحاديث لا تدل على أن هناك أشياء لم تبيِّنها الشريعة وإنما تدل على أن هناك أشياء لم يحرمها الله تعالى رحمة بكم فعفا عنها وسكت عن تحريمها، فموضوع هذه الأحاديث ليس السكوت عن تشريع أحكام لها بل السكوت عن تحريمها. وليس معنى السكوت عن تحريمها تشريع حكم الإباحة لكل ما لم يبيِّنه بل إن هذا السكوت سكوت من الشارع وسكوته تشريع للإباحة فينطبق على ما يسكت عنه فقط لا على كل شيء لم يبيِّنه على أن معنى الأحاديث العفو عن هذه الأشياء نظير قوله تعالى: {عَفَا اللّهُ عَنكَ} (سورة التوبة: الآية 43) بدليل نصِّ الأحاديث وبدليل ما سيقت له الأحاديث وهو النهيُ عن السؤال عما لم يحرَّم فيحرَّم.
عن ابن عباس رضي الله عنه قال: «ما لم يذكر في القرآن فهو مما عفا الله عنه». وكان يسأل عن الشيء لِمَ يحرَّم؟ فيقول: عفو. وقيل له: ما تقول في أموال أهل الذمة؟ فقال: العفو يعني لا تؤخذ منهم زكاة.
وقال عبيد بن عمير: «أحل الله حلالًا وحرَّم حرامًا، فما أحلَّ فهو حلال وما حرَّم فهو حرام وما سكت عنه فهو عفو».
وقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يكره كثرة السؤال فيما لم ينزل فيه حكم بناء على حكم البراءة الأصلية إذ هي راجعة إلى هذا المعنى. ومعناها أن الأفعال معها معفو عنها.
وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: «إن أعظم المسلمين في المسلمين جرمًا مَن سأل عن شيء لم يحرم عليهم فحرم عليهم من أجل مسألته» .
وقال: «ذروني ما تركتكم فإنما هلك مَن قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم. ما نهيتكم عنه فانتهوا وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم» .
وقرأ صلى الله عليه وآله وسلم: {وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} (سورة آل عمران: الآية 97).
فقال رجل: «يا رسول الله أُكلَّ عام؟ فأعرض، ثم قال: يا رسول الله أُكلَّ عام؟ فأعرض، ثم قال: يا رسول الله أكل عام؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: والذي نفسي بيده لو قلتها لوجبت، ولو وجبت ما قمتم بها، ولو لم تقوموا بها لكفرتم، فذروني ما تركتكم».
فهذا كله يدل على أن المراد من قوله: «وسكت عن أشياء» أي لم يحرمها، وهو نظير قوله في الحديث: «ذروني ما تركتكم» ونظير الرواية الأخرى للحديث نفسه، وهي «وعفا عن أشياء» أي تجاوز عنها ولم يحرمها.
وعلى ذلك لا يكون قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: «وسكت عن أشياء» أو قوله: «وما سكت عنه فهو عفو» معناه أنه لم يبيِّن حكم بعض أفعال العباد بل معناه لم يحرم أشياء رحمة بكم، وما لم يحرمه من الأشياء المعيَّنة الداخلة تحت حكم السكوت فهو غير محرم فحكمه أنه حلال. فالمسألة تتعلق بسكوته وسكوته دليل شرعي كقوله وفعله ولا تتعلق بعدم بيان أحكام أشياء.
هذا من حيث معنى الحديث، أما من حيث وضع الحديث في حكم الشريعة فإن أفعال المكلفين من حيث هم مكلفون إما أن تكون بجملتها داخلة تحت خطاب التكليف وهو الاقتضاء أو التخيير، أو لا تكون بجملتها داخلة.
فإن كانت في جملتها داخلة فإنه لا بدّ أن يكون لها في الشريعة حكم، إذ هي مندرجة تحت خطاب التكليف.
وإن لم تكن داخلة بجملتها لزم أن يكون بعض المكلفين خارجًا عن حكم خطاب التكليف ولو في وقت أو حالة ما، وهذَا باطل من أساسه، لأنا لو فرضناه مكلفًا فلا يصح خروجه وإن فرضناه غير مكلف كان فرضًا باطلًا لأن التكليف عام لعموم خطاب التكليف فهو يشمل كل حالة وكل وقت. وعلى هذا لا يمكن أن يكون قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «وسكت عن أشياء» يعني أنه لم يبيِّن حكمها لم يترتب عليه وجود شَخْص في حالة أو وقت غير مكلف فلم يبق إلّا أن يكون معناه وسكت عن تحريم أشياء.
وعلى ذلك فإن الحديث لا يدل على أنه يوجد أي فعل للإنسان لم تبيِّنه الشريعة فيسقط الاستدلال به، وبذلك تتأكد القاعدة الشرعية «الأصل في أفعال الإنسان التقيد بحكم الله» فلا يجوز للمسلم أن يُقدم على فعل إلّا بعد معرفة حكم الله في هذا الفعل من خطاب الشارع. والإباحة حكم من الأحكام الشرعية فلا بدّ من دليل عليها من الشرع، ولا يكون عدم بيان الشرع دليلًا على الشيء يعني إباحته، بل يكون دليلًا على السكوت عنه في الشريعة. ودليل إباحة الشيء هو أن ينص الشارع على التخيير فيه، هذا كله بالنسبة للأفعال.
وأما بالنسبة للأشياء فإن كثيرًا من الناس يمزجون بين الأشياء والأفعال ولا يفرقون بينهما، ويعدونهما واحدًا ويقولون: إن كل الأشياء لنا مباحة حتى يرد دليل حرمتها ويقصدون من وراء قولهم هذه الأشياءَ والأفعال، فنقول لهم: الأشياء وليست الأفعال، فإن الأشياء هي من متعلقات الأفعال، نعم: الأصل فيها يكون الإباحة ما لم يرد دليل التحريم، فالأصل في الشيء أن يكون مباحًا ولا يحرم إلا إذا ورد دليل شرعي على تحريمه، وذلك لأن النصوص الشرعية قد أباحت جميع الأشياء، وجاءت هذه النصوص عامة تشمل كل شيء، قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ} (سورة الحج: الآية 65).
ومعنى تسخير الله للإنسان جميع ما في الأرض هو إباحته لكل ما في الأرض. وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً} (سورة البقرة: الآية 168) وقال: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ} (سورة الأعراف: الآية 31). وقال: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ} (سورة الملك: الآية 15).
وهكذا جميع الآيات التي جاءت في إباحة الأشياء جاءت عامة فعمومها دل على إباحة جميع الأشياء مبدئيًا. فتكون إباحة جميع الأشياء جاءت بخطاب الشارع العام.
فدليل إباحتها النصوص الشرعية التي جاءت بإباحة كل شيء. فإذا حرم شيء فلا بدّ من نص مخصص لهذا العموم يدل على استثناء هذا الشيء من عموم الإباحة ومن هنا كان الأصل في الأشياء الإباحة. ولذلك نجد الشرع حين حرَّم أشياء قد نص على هذه الأشياء بعينها استثناء من عموم النص فقال تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ} (سورة المائدة: الآية 3) وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «حُرِّمت الخمرة لعينها» فيكون ما نص عليه الشرع من تحريم أشياء مستثنًى من عموم النص فهو على خلاف الأصل. والأصل إباحة جميع الأشياء. ولا يقال: إن الشيء لا يمكن أن ينفصل عن فعل العبد وحكمه إنما جاء من حكم فعل العبد فيأخذ حكم الفعل.
لا يقال ذلك لأن الأشياء وإن كان لا بدّ أن تكون متعلقة بأفعال العباد وإن كان دليلها إنما جاء في بيان حكم أفعال العباد إلّا أن الدليل لفعل العبد حين قرن بالشيء بيَّن بالنسبة للشيء حال كونه متعلقًا بالفعل حكمَين اثنَين لا ثالث لهما فبيَّن الإباحة وبيَّن التحريم ولم يبيِّن غيرهما بالنسبة للشيء مطلقًا ولذلك لا يقال في حكم الشيء: إنه واجب أو مندوب، فحصر حكم الأشياء في الإباحة أو الحرمة، فهو من هذه الجهة على خلاف فعل العبد فلا يأخذ حكمه وإن جاء دليله في بيان حكم فعل العبد.
ومن الجهة الأخرى فإن العموم في دليل الإباحة والتعيين بالشيء المعيَّن في دليل التحريم يجعل الإباحة عامة لجميع الأشياء والتحريم خاصًا بما ورد تحريمه.
وبهذا يكون حكم الأشياء من حيث الأصل ومن حيث الأحكام التي توصف بها يخالف حكم الأفعال، فالأصل، في الأشياء الإباحة ما لم يرد دليل التحريم، والأصل في الأفعال التقيد بالحكم الشرعي. والأشياء لا توصف إلّا بالحل أو الحرمة بخلاف الأفعال فإن خطاب الشارع المتعلق بها جعلها قسمين أحدهما خطاب التكليف والآخر خطاب الوضع، وجعل خطاب التكليف خمسة أقسام هي: الفرض، والمندوب، والحرام، والمكروه، والمباح. وجعل خطاب الوضع خمسة أقسام هي: السبب، والشرط، والمانع، والصحة والبطلان والفساد، والعزائم والرُّخص.
والحاصل أنه لا يجوز أن يقال بعد بعثة سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم للناس كافة: إن هناك فعلًا أو شيئًا ليس له حكم، ولا يجوز أن يكون حكم لشيء ما، أو فعل ما، دون أن يكون له دليل من الشرع، لأن الحكم هو خطاب الشارع. ولا يجوز أن يقال: إن كل ما لم يبيِّن الشرع حكمه فهو مباح، لأن المباح حكم شرعي إذ هو خطاب الشارع المتعلق بأفعال العباد بالتخيير، ولأن الادعاء بأن هناك شيئًا لم يبيِّن الشارع حكمه يعني أن هناك شيئًا لم يبيِّنه القرآن، وأن الشريعة ناقصة، وهذا لا يجوز لمعارضته للقرآن القطعي الثبوت القطعي الدلالة. وعليه فإنه لا فعل يمكن أن يصدر عن الإنسان ولا شيء يتعلق بفعل الإنسان إلّا وله في الشريعة محل حكم، ولا حكم إلّا بعد وجود الدليل الذي يدل عليه بعينه من خطاب الشارع إذ لا حكم قبل ورود الشرع فلا حكم قبل بعثة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: ولا حكم بعد بعثته إلّا بدليل من الرسالة التي جاء بها يدل على ذلك الحكم بعينه.

الحاكِمُ
من أهمّ الأبحاثِ المتعلّقةِ بالحكمِ وأولاها وألزمها بيانًا معرفةُ مَنِ الذي يرجعُ له إصدارُ الحكمِ، أي مَنْ هو الحاكمُ لأنّ على معرفتِهِ تتوقفُ معرفةُ الحكمِ ونوعِهِ. وليس المرادُ بالحاكمِ هنا صاحبَ السّلطانِ. بل المرادُ بالحاكمِ مَنْ يملكُ إصدارَ الحكمِ على الأفعالِ والأشياءِ. لأنّ ما في الوجودِ من المحسوساتِ لا يخرجُ عن كونهِ أفعالًا للإنسانِ أو أشياءَ ليست منِ صنُعِ الإنسانِ، ولما كانَ الإنسانُ بوصفِهِ يحيا في هذا الكونِ هو موضع البحثِ، وكان إصدارُ الحكمِ متعلقًا به ومن أجله. فإنه لا بدَّ من الحكمِ على أفعالِ الإنسانِ وعلى الأشياءِ المتعلّقةِ بها، فمن هو الذي له وحدَهُ أنْ يُصدرَ الحكمَ على ذلك؟ هلْ هوَ الله أمِ الإنسانُ نفسُهُ؟ وبِعبَارَةٍ أخرى هل هو الشرعُ أم العقلُ؟ لأنّ الذي يعرّفنا أنّ هذا هو حكمُ الله هو الشّرعُ، والذي يجعلُ الإنسانَ يحكمُ هو العقلُ، فمن الّذي يحكمُ إذًا؟
أمّا موضوعُ إصدارِ الحكمِ على الأفعالِ والأشياءِ فهو الحسنُ والقبحُ لأنّ المقصودَ من إصدارِ الحكمِ هو تعيينُ موقفِ الإنسانِ اتجاه الفعلِ هلْ يفعلُهُ أم يتركُهُ أم يُخيّرُ بينَ تركهِ وفعلِهِ؟ وتعيينُ موقفِهِ تجاهَ الأشياءِ المتعلقةِ بها أفعالُهُ هل يأخذُها أم يتركُها أم يُخيّرُ بينَ الأخذِ والتركِ؟ وكلُّ هذا متوقفٌ على نظرتهِ للشيءِ هل هو حسنُ أم قبيحٌ أم ليس بالحسنِ ولا بالقبيحِ؟ ولهذا كان موضوعُ الحكمِ المطلوبِ هو الحسنُ والقبحُ، فهل الحكمُ بالحسنِ والقبحِ هو للعقلِ أم للشرعِ؟ إذْ لا ثالثَ لهما في إصدارِ هذا الحكمِ.
والجوابُ على ذلك هو أنَّ الحكمَ على الأفعالِ والأشياءِ إمّا أن يكونَ من ناحيةِ واقعِها ما هو؟ وإمّا من ناحيةِ ملاءمتِها لطبعِ الإنسانِ وميولهِ الفطريةِ ومنافرتِها لها، وإمّا من ناحيةِ المدحِ على فعلِها والذمِّ على تركها أي من ناحيةِ الثّوابِ والعقابِ. فيكونُ حكمُ الإنسانِ على الأشياءِ يتمثّلُ بثلاثِ جهاتٍ:
1 ـــــــ مِنْ حيثُ واقعُها ما هو؟
2 ـــــــ مِنْ حيثُ ملاءمتُها لطبعِ الإنسانِ ومنافرتُها له.
3 ـــــــ مِنْ حيثُ الثّوابُ والعقابُ أو المدحُ والذمُّ.
فأمّا الحكمُ على الأشياء من ناحيةِ واقعِها ومن جهةِ ملاءمتِها للطّبعِ ومنافرتِها له. فلا شكَّ أنَّ ذلكَ كلّهُ إنّما هو للإنسان نفسهِ أي هو للعقلِ لا للشرعِ، فالعقلُ هو الّذي يحكمُ على الأفعالِ والأشياءِ في هاتينِ الناحيتينِ ولا يحكمُ الشّرعُ في أيّ منهما، إذ لا دخلَ للشّرعِ فيهما. وذلكَ مثل: العلمُ حسنٌ والجهلُ قبيحٌ، فإنّ واقِعهما ظاهرٌ منه الكمال والنّقصُ، ومثل: إنقاذُ الغريقِ حسنٌ وتركُهُ يهلكُ قبيحٌ، فإن الطّبعَ يميلُ لإسعافِ المشرفِ على الهلاكِ، فهذا وما شاكلَهُ يعودُ إلى طبعِ الإنسانِ وفطرتِهِ وهو يشعرُ به ويدركُهُ، ولذلكَ كان إصدارُ الحكمِ على الأفعالِ والأشياء من هاتينِ الجهتينِ هو للإنسانِ. فالحاكمُ فيهما هو الإنسانُ. أما الحكمُ على الأفعالِ والأشياءِ من ناحيةِ المدحِ أو الذمِّ في الدنيا، والثوابِ والعقابِ عليها في الآخرة فلا شكَّ أنّهُ لله وحدَهُ وليس للإنسان أي هو للشّرعِ، وليس للعقلِ، وذلك كحُسْنِ الإيمانِ وقبحِ الكفرِ وحسنِ الطّاعةِ وقبحِ المعصيةِ وهكذا. والعقلُ هو إحساسٌ وواقعٌ ومعلوماتٌ سابقةٌ ودماغٌ. فالإحساسُ جزءٌ جوهريٌّ من مقوّماتِ العقلِ فإذا لم يحسّ الإنسانُ بالشّيءِ لا يمكنُ لعقلهِ أن يُصدرَ حكمًا عليهِ لأنّ العقلَ مقيّدٌ حكمُهُ على الأشياءِ بكونها محسوسةً ويستحيلُ عليه إصدارُ حكمٍ على غيرِ المحسوساتِ. وكونُ الظّلمِ مما يُمدحُ أو يُذمُّ ليس مما يحسُّهُ الإنسانُ لأنه ليس شيئًا يُحَسُّ. فلا يمكنُ أن يُعقلَ، أي لا يمكنُ للعقلِ إصدارُ حكمٍ عليه وهو أي مدح الظلمِ أو ذمّهُ وإن كان يشعرُ الإنسانُ بفطرتِهِ بالنّفرةِ منه أو الميلِ له ولكنّ الشعورَ وحده لا ينفعُ في إصدارِ العقلِ حكمَهُ على الشيء بل لا بدَّ من الحِسِّ. ولذلك لا يمكنُ للعقلِ أن يُصدر حكمَهُ على الفعلِ أو على الشّيءِ بالحسنِ أو القبحِ. ومن هنا لا يجوزُ للعقلِ أن يُصدرَ حكمَهُ على الأفعالِ أو الأشياءِ بالمدحِ أو الذَّم لأنّهُ لا يتأتّى له إصدارُ هذا الحكم ويستحيلُ عليه ذلك. ولا يجوزُ أن يجعلَ إصدارُ الحكمِ بالمدحِ والذّمِّ لميولِ الإنسانِ الفطريّةِ لأن هذه الميولَ تُصدرُ الحكمَ بالمدحِ على ما يوافقُها وبالذّمِ على ما يخالفُها. وقد يكونُ ما يوافقُها مما يُذمُّ كالزنى واللواطِ والاسترقاقِ وقد يكونُ ما يخالفُها مما يُمْدَحُ كقتالِ الأعداءِ والصبرِ على المكارهِ وقولِ الحقِّ في حالاتِ تحقّقِ الأذى البليغِ.
ولذلك كان جعلُ الحكمِ للميولِ والأهواءِ خطأ محضًا. لأنّه يجعلُ الحكمَ خاطئًا مخالِفًا للواقعِ، علاوةً على أنّه يكونُ الحكمُ بالمدحِ والذمِّ حسبَ الهوى والشهواتِ ولهذا لا يجوزُ أن يجعلَ للإنسانِ إصدارُ الحكمِ بالمدحِ والذمِّ، فيكون الذي يُصدرُ حكمَهُ بالمدحِ والذمِّ هو الله سبحانَهُ وتعالى وليس الإنسانَ، وهو الشّرعُ وليس العقل. وأيضًا فإنّه لو تُرِكَ للإنسانِ أن يحكمَ على الأفعالِ والأشياءِ بالمدحِ والذمِّ لاختلف الحكمُ باختلافِ الأشخاصِ والأزمانِ وليس في مقدورِ الإنسانِ أن يحكمَ عليها حكمًا ثابتًا والمشاهدُ المحسوسُ أنَّ الإنسانَ يحكمُ على أشياءَ أنها حسنةٌ اليومَ ثمّ يحكمُ العكسَ غدًا. ويكونُ قد حكمَ على أشياءَ أنها قبيحةٌ ثمَّ يعودُ فيحكمُ عليها نفسِها أنها حسنةٌ، وبذلك يختلفُ الحكمُ على الشّيءِ الواحدِ ولا يكونُ حكمًا ثابتًا فيحصلُ الخطأ في الحكمِ، ولذلك لا يجوزُ أن يجعلَ للعقلِ ولا للإنسانِ الحكمُ بالمدحِ والذّمِّ. وعليه فلا بدّ أن يكونَ الحاكمُ على أفعالِ العبادِ وعلى الأشياءِ المتعلّقةِ بها من حيثُ المدحُ والذمُّ هو الله سبحانَهُ وتعالى وليس الإنسانَ، أي يكونُ الشرعُ وليس العقل، هذا من حيثُ الدّليلُ العقليّ على الحسنِ والقبحِ. أما من حيثُ الدّليلُ الشرعيُّ فإنّ الشرّرعَ التزمَ التحسينَ والتقبيحَ لأمرهِ باتّباعِ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وذمِّ الهوى، ولذلك كان من المقطوعِ به شرعًا أن الحسنَ ما حسّنه الشرعُ والقبيحَ ما قبّحهُ الشرعُ من حيثُ الذمُّ والمدحُ، والحكمُ على الأفعالِ والأشياءِ بالمدحِ والذمِّ هو لتعيينِ موقفِ الإنسان منها. فهو بالنّسبةِ للأشياءِ بالمدحِ والذمِّ هو لتعيينِ موقفِ الإنسانِ منها. فهو بالنّسبةِ للأشياءِ يبيّنُ هل يجوزُ له أخذُها أو يحرمُ عليهِ؟ ولا يتصوّرُ غير ذلك من حيثُ الواقعُ. وبالنّسبةِ لأفعالِ الإنسانِ هل يُطلبُ منه أن يقومَ بها أو يطلبُ منه أن يتركَهَا أو يخيّرُ بينَ الفعلِ والتركِ؟ ولما كان هذا الحكمُ من هذه الجهةِ لا يكونُ إلّا للشّرعِ لذلك يجبُ أن تكونَ أحكامُ أفعالِ الإنسانِ وأحكامُ الأشياءِ المتعلقةِ بها راجعةً للشّرعِ لا للعقلِ.
الشريعةُ الإسلاميّةُ
لا تقعُ واقعةٌ ولا تطرأُ مشكلةٌ ولا تحدثُ حادثةٌ إلّا ولها حكمٌ. فقد أحاطتِ الشريعةُ الإسلاميّةُ بجميعِ أفعالِ الإنسانِ إحاطةً تامّةً شاملةً، فلم يقعْ شيءٌ في الماضي ولا يعترضُ شيءٌ في الحاضرِ ولا يحدثُ شيءٌ في المستقبلِ إلّا وله حكمٌ في الشريعةِ الإسلاميّةِ. قالَ الله تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ} (سورة النحل: الآية 89) وقالَ تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} (سورة المائدة: الآية 3) فالشريعةُ لم تهملْ شيئًا من أفعالِ العبادِ مهما كان، فهي إمّا أن تُنَصِّبَ دليلًا له بنصٍّ من القرآن والحديثِ. وإمّا أن تضع أمارةً في القرآن والحديث تنبّه المكلّفَ على مقصدِها فيه وعلى الباعثِ على تشريعه لأجلِ أن ينطبقَ على كلِّ ما فيه تلك الأمارةُ أو هذا الباعثُ. ولا يمكنُ شرعًا أن يوجدَ فعلٌ للعبدِ ليس له دليلٌ أو أمارةٌ تدلّ على حكمِهِ لعمومِ قولِهِ {تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ} وللنصِّ الصرّيحِ بأنّ الله قد أكملَ هذا الدّينَ فإذا زعمَ أحدٌ أنّ بعضَ الوقائعِ خاليةٌ من الحكمِ الشّرعيَ فإنّه يعني أن هناك شيئًا لم يبيّنهُ الكتابُ وأنَّ هذه الشريعةَ لم يكملها الله تعالى بدليلِ وجودِ فعلٍ لم يذكرْ حكمهُ فهي شريعةٌ ناقصةٌ. هذا الزعمُ معارضٌ لنصِّ القرآنِ، ولذلك يكونُ زعمًا باطلًا حتى لو وُجدتْ أحاديثُ عن الرّسولِ صلى الله عليه وآله وسلم تتضمّنُ هذا المعنى أي وجودَ بعضِ أفعالِ العبادِ لم تأتِ الشّريعةُ بحكمٍ له فإنّ مثلَ هذه الأحاديثِ تُردُّ درايةً لمعارضتِها لنصِّ القرآنِ القطعيِّ الثبوتِ والدلالةِ لأنّ آيةَ {تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ} وآيةَ {أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} قطعيّةُ الثبوتِ، قطعيّةُ الدلالةِ، فأيّ خبر آحادٍ يعارضُها يُردُّ درايةً ولهذا لا يحقّ لمسلمٍ بعد التفقّهِ في هاتينِ الآيتينِ القطعيّتينِ أن يقولَ بوجودِ واقعةٍ واحدة من أفعالِ الإنسانِ لم يبيّن الشّرعُ لها محلَّ حكمٍ ولا بوجهٍ من الوجوه.

الخلافةُ والخليفة الزماني
الخلافةُ هي رئاسةٌ عامّةٌ للمسلمينَ جميعًا في الدنيا لإقامةِ أحكامِ الشريعةِ الإسلاميّةِ وحملِ الدّعوةِ الإسلاميّةِ إلى العالمِ، وهي عينُها الإمامةُ، فالإمامةُ والخلافةُ بمعنًى واحد وإقامةُ خليفةٍ فرضٌ على المسلمينَ كافّةً في جميعِ أقطارِ العالمِ والقيامُ به كالقيامِ بأيِّ فرضٍ من الفروضِ التي فرضها الله على المسلمينَ والتّقصيرُ في القيامِ به معصيةٌ من أكبرِ المعاصي يعذّبُ الله عليها أشدَّ العذابِ.
والدّليلُ على وجوبِ إقامةِ الخليفةِ على المسلمينَ كافةً، السّنّةُ والإجماعُ، أما السنّةُ فقد رُوِيَ عن رسولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قالَ: «من ماتَ وليس في عنقهِ بيعةٌ ماتَ ميتةً جاهليّةً» وعن ابن عباسٍ عن رسولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم قالَ: «من كَرِهَ من أميرٍ شيئًا فليصبر عليه عليهِ فإنّه ليس أحدٌ من الناسِ خرجَ من السلطانِ شبرًا فماتَ عليهِ إلا ماتَ ميتةً جاهليّةً». وأمّا إجماعُ الصحابةِ فإنهم أجمعوا على لزومِ إقامةِ خليفةٍ لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. بعد موتهِ وأجمعوا على إقامةِ خليفةٍ لأبي بكرٍ ثم لعمرَ ثم لعثمانَ ثم لعليٍّ بعد وفاةِ كلّ منهم. فالصّحابةُ كلُّهم أجمعوا طوالَ حياتهِم على وجوبِ نصبِ الخليفةِ ومع اختلافِهم على الشّخصِ الذي يُنتخَبُ خليفةً فإنهم لم يختلفوا مطلقًا على إقامةِ خليفةٍ. على أنّ إقامةَ وتنفيذَ أحكامِ الشريعةِ الإسلاميّةِ في جميعِ شؤونِ الحياةِ الدنيا والأخرى فرضٌ على المسلمينَ بالدّليلِ القطعيِّ الثبوتِ، القطعيّ الدلالةِ، ولا يمكنُ أن يتمَّ ذلك إلا بحاكمٍ ذي سلطانٍ أي بخليفةٍ للمسلمين.



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB