الثقافة والثقافة الإسلامية
الطبعة : الطبعة الرابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   711
تاريخ النشر :   1993




الاصطلاح والتقديرُ والعُرف

العرف في اللغة بمعنى المعرفة وبمعنى الشيء المعروف أي المألوف المستحسن ومنه قوله تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ} (سورة الأعراف: الآية 199) أي بالجميل من الأفعال.
ويطلق العرف ويراد به العادة المنتشرة بين جماعة معينة. وبعبارة أخرى هي الأعمال المكررة من أفراد جماعة معينة قد تعارفوا عليها، إذ العادة هي الفعل الذي يكرره الفرد ويرتاح له. فإذا انتشرت هذه العادة بين الجماعة وفعلَها الأفراد جميعهم صارت عرفًا. فالعُرف في الحقيقة هو عادة الجماعة. ولذلك يكون الحكم على الشيء بحسب العُرف إذا كان حكمًا مستندًا إلى ما اعتاده جمهور الجماعة وبذلك يكون العرف في الأعمال، لا في الألفاظ، ولا في التقديرات للأشياء.
أما الاصطلاح فهو اتفاق جماعة على إطلاق اسم معيَّن على شيء معيَّن، أي جعل المعيَّن يطلق عليه اسم معيَّن. ومن ذلك اللغات والاصطلاحات الخاصة، كاصطلاح أهل النحو، أو أهل الطبيعيات، أو اصطلاح قرية، أو قطر أو ما شاكل ذلك. فهذه كلها اصطلاحات.
وما يطلقون عليه «الحقيقة العُرفية» هي من الاصطلاح وليس من العُرف، إذ هي تعارف القوم على إطلاق اسم معيَّن، فهو كالاصطلاح اللغوي سواء بسواء من حيث إنها اصطلاح لا من حيث اعتبارها من اللغة فهي مجرد اصطلاح، وليس من قبيل العادة والعُرف إذ هو يتعلق باستعمال بعض الألفاظ في معان يتعارف الناس على استعمالها، وهذا هو الاصطلاح بعينه.
أما التقديرات التي يتواضع الناس على اعتبارها، كالأسعار والأجور، ومقدار النفقات، والمهور، وما شاكل ذلك، فهي ليست من العُرف لأنها ليست عادة للناس بل هي تقدير معيَّن لأشياء يقررها السوق والوضع في المجتمع، وليست هي ناتجة عن تكرار الناس لعملها، حتى ولا اصطلاح الناس على إطلاقها، وإنما يعمل في تقريرها وضعٌ خارجٌ عن الجماعة أيضًا أو أوضاع وعوامل كثيرة، فتأتي الجماعة فتقدرها بناء على هذه الأوضاع. ولذلك يُرْجَعُ في تقديرها إلى الخبراء بها لا إلى الشهود، ولا إلى الجمهور، وعلى ذلك لا تعتبر هذه التقديرات من قبيل العرف. والفرق بين العرف والاصطلاح والتقدير، هو أن العرف معالجة لفعْلٍ من الأفعال، فهو حكم على الفعلِ أو على الشيء، ولذلك اعتبرته بعض القوانين الوضعية دليلًا على بعض القوانين، واعتبره الذين يقولون بالعُرف دليلًا على بعض الأحكام الشرعية، فالعُرف هو معالجة المشكلة فيؤخذ لوضع المعالجة بحسبه، فيصبح القانون على رأي، أو الحكم الشرعي على رأي آخر، مستندًا إلى هذا العرف. بخلاف الاصطلاح فهو اسم لمسمَّى بغض النظر عن أي علاج لهذا المسمى، سواء أكان علاجه قانونًا، أو حكمًا شرعيًّا، أو غير ذلك. فهو متعلق بمسمَّى معين يوضع له اسم معيَّن، فهو يتعلق باسم للفعل أو للشيء وليس بمعالجته. وأما التقدير فهو يخالف العُرف ويخالف الاصطلاح، لأنه خاص بأشياء معيَّنة يوجدها وضع السوق، أو وضع المجتمع، كتقدير الأثمان، والأجور، والمهور. فالحكم يُوجب النفقة، أو المهر، أو متعة الطلاق، أو أجرة الدار، والخبراء يقدرون ذلك بأنه هو الذي أوجده السوق، أو الوضع الموجود بين الناس فلا تكون له علاقة بالحكم، إذ هو لا يقرر الحكم، وإنما يعين المقدار الذي جرى الحكم عليه.
وعلى هذا يخطئ الذين يخلطون بين العُرف والاصطلاح والتقدير، لأن واقع كل منها غير الآخر. فاعتبارها كلها من قبيل العُرف يخالف الواقع فضلًا عن أنه يخالف الشرع، لأن الشرع قد اعتبر الاصطلاحات اللغوية والعُرفية وجعل الأحكام بحسبها، واعتبر التقديرات وجعل أحكام الشرع سائرة بموجبها.
بخلاف العرف فإن الشرع قد جاء بمعالجات للأفعال والأشياء، ولم يعتبر العُرف مطلقًا، ولم يجعل أي تحكيم له في أفعال العباد ولا الأشياء، بل حصر المعالجات بخطاب الشارع وحده.

لا اعتبار للعرف شرعًا
يعتبر بعض المجتهدين العرف أصلًا من أصول التشريع، ودليلًا من الأدلة الشرعية. ويستدلون به على كثير من الأحكام الشرعية، ويقسمون العُرف إلى قسمين:
عُرف عام، وعُرف خاص، ويمثلون للعُرف العام بالاستصناع. وذلك أن الناس اعتادوا استصناع حاجاتهم من أحذية وألبسة وأدوات وغير ذلك فيجيزون التعامل بها ولو كانت من قبيل المعدوم لأن العُرف أجازه، ويعتبرونه دليلًا على جواز هذه المعاملة. ويمثلون للعُرف الخاص باصطلاح بعض التجار على أن يكون البيع المؤجل مقسطًا إلى مدة لا تزيد عن كذا شهر «كستة أشهر مثلًا» فإن هذا العُرف يحكم عند الدفع ولو لم يُذكَر عند العقد. ويقولون: إنَّ الشريعة اعتبرت العُرف في قضايا متعددة. ولذلك يعتبرون الحكم المستند إلى العُرف حكمًا شرعيًّا مستندًا إلى دليل شرعي ويستدلون على ذلك بقوله تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} (سورة الأعراف: الآية 199) ويقولون: إن الشرع أمر أن نأخذ بالعُرف. وبناء على اعتبارهم العرف دليلًا شرعيًّا فقد خرَّجوا عليه أحكامًا كثيرة منها:
1 ـــــــ لو حلف شَخْص أنه لا يضع قدمه في دار فلان انصرفت اليمين إلى معنى دخول الدار، لأنه المعنى العُرفي لا إلى مجرد وضع قدمه، فلو دخل راكبًا دون أن تمس قدمه أرضها يحنث في يمينه شرعًا بدليل العُرف، لأن معنى وضع قدمه هو دخول فصار تحكيم العُرف في هذا الحكم هو المعتبر.
2 ـــــــ لو اشترى ثمر الشجر وهو على الشجر بلفظ التضمين والضمان لا بلفظ البيع اعتبر بيعًا، لأن العُرف جرى على ذلك، فإن ضمان الزيتون والليمون وغيرهما يقع فيه بيع ثمر الشجر بلفظ التضمين فصح بدليل العرف، فكان العرف دليلًا شرعيًّا على حكم شرعي.
3 ـــــــ يجوز للصديق وهو في بيت صديقه أن يأكل مما يجد أمامه، وأن يستعمل بعض الأدوات للشرب ونحوه، لأن العُرف أجاز ذلك، فيكون العرف دليلًا على الحكم الشرعي.
4 ـــــــ يجوز للإنسان أن يأكل من الثمار الساقطة تحت الشجر بلا إذن صاحبها إذا كان من الأنواع التي يتسارع إليها الفساد، لأن العُرف جرى على إباحة ذلك. فكان العرف دليلًا شرعيًّا.
5 ـــــــ أن اعتبار سكوت البكر إذنٌ، إنما جرى لأن العرف أن البنت تستحي من الكلام في موضوع زواجها، فأجاز الشرع اعتبار سكوتها، فكان العُرف دليلًا على اعتبار السكوت إذنًا.
6 ـــــــ أن بيع الدار يدخل فيها مفاتيحها وأبوابها وما جرت العادة بأنه تابع للدار، وكذلك البقرة يدخل معها عجلها الرضيع الصغير، وهكذا كل شيء اعتبره العُرف تابعًا يدخل تبعًا للمبيع ولو لم يُذكَر حسب ما جرى عليه العُرف.
7 ـــــــ لو وكَّل شخصٌ آخرَ ليشتريَ له لحمًا فاشترى له لحم بقر فقال له: إني أريد لحم ضأن فاختلفا، يُنظر فإن كان عُرف أهل البلد أن اللحم يطلق على البقر إذا أطلق، يُلْزَم بأخذ اللحم، وإن كان يطلق على الضأن يلزم الوكيل أن يأتي له بلحم ضأن. فها هنا حكم العُرف فكان دليلًا شرعيًّا.
8 ـــــــ لَوْ خَاطَ شخص ثوبًا عند خياط بأجرة معلومة فقال الخياط: إن كلفة الثوب من بطانة وغيرها على المستأجر، وقال المستأجر: إنها على الخياط، فإنه يحكم لمن يشهد له العُرف فإن شهد للخياط كانت الكلفة على المستأجر، وإن شهد للمستأجر كانت على الخياط.
9 ـــــــ إذا وقع البيع بمبلغ من الدراهم أو الدنانير دون أن يبيِّن العاقدان نوعها، وكان في البلد عدة أنواع مختلفة القيمة والرواج فإنه يُلجأ في تعيين نوعها إلى العُرف، فيكون العُرف هو الدليل الشرعي على نوع الدراهم والدنانير التي جرى عليها البيع.
10 ـــــــ إذا ادَّعت الزوجة المدخول بها أن زوجها لم يدفع إليها شيئًا من معجَّل مهرها، وطالبت بجميع مهرها المعجَّل فإنها لا تُسْمَعُ دعواها هذه بل يردها القاضي إذا كان عُرف أهل البلد أن المرأة لا تُزف إلى زوجها إلّا إذا استوفت قسمًا من معجَّلها. فها هنا جُعل العرف حكمًا، فكان دليلًا على حكم شرعي وهو رد القاضي دعواها. وهكذا أوردوا عددًا كبيرًا من المسائل والأحكام جعلوا العُرف دليلًا شرعيًّا عليها واعتبروه من الأدلة الشرعية وقد استدلوا على اعتبار العرف دليلًا شرعيًا بالآية الكريمة التي ذكرناها واستدلوا أيضًا بالمسائل والأحكام التي أتوا بها، وقال بعضهم: إن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أقر بعض الأعراف والعادات، فكان دليلًا على اعتبار أن العُرف دليلٌ شرعيٌّ على الحكم الشرعي.
واستدلوا كذلك بما روي عن عبد الله بن مسعود أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قال: «ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن» .
هذه خلاصة رأي الذين يقولون بالعُرف دليلًا شرعيًّا. وهو رأي فاسد ولا ينهض عليه أي دليل شرعي. ويتلخص بطلانه في الأمور التالية:
أولًا: إن الآية التي استشهدوا بها على العُرف قد أُقحمت إقحامًا فظيعًا في هذا الموضوع، ولا علاقة لها به.
فإن الآية مكية وهي في سورة الأعراف ومعنى الآية خذ ما عفا لك من أفعال الناس وأخلاقهم وما أتى منهم، وتسهَّل معهم من غير كلفة، ولا تطلب منهم الجهد، وما يشق عليهم حتى لا ينفروا، كقول رسول صلى الله عليه وآله وسلم: «يَسِّروا ولا تُعسِّروا» وأمُرْ بالعُرف: أي بالجميل من الأفعال، والعُرف المعروف وهو الفعل الحسن. وأما الحديث الذي جاؤوا به فإنه قول لابن مسعود وليس حديثًا، فلا يحتج به فضلًا عن كونه لا دخل له بالعُرف لأنه ينص على ما رآه المسلمون لا ما تعارفوا عليه واعتادوه.
أما الأعمال التي أقرها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وكانت من الأعراف والعادات فإنه يعتبر العمل بها عملًا بالدليل الشرعي وهو إقرار الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وهو دليل شرعي وليس عملًا بالعُرف والعادة ولا يُتخذ قياسًا، لأن إقرار الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وحده هو المعتبر دليلًا شرعيًّا ولا عبرة بإقرار غيره، فلا يقال: إن الشريعة أقرت العُرف. وأما ما اعتبره بعض الفقهاء حكمًا شرعيًّا في العُرف فإن منه ما يتعلق بالاصطلاح ومنه ما يتعلق بتقدير الأشياء.
أما الذي يتعلق بالاصطلاح فلا شك في اعتباره عند الذين اصطلحوا عليه وهو يتعلق بإطلاق أسماء على معانٍ لا بأفعال الإنسان، ولا بالأشياء، وأما الذي يتعلق بالتقدير فيرجع فيه لأهل الخبرة سواء أكان بالنفقة أو مهر المثل أو أجر المثل أو غير ذلك، واعتباره، إنما جاء من الشرع لا من العُرف. فقد جاءت نصوص شرعية جعلت تقدير ذلك الشيء المعروف بين الناس ولم تأتِ لتحكيم العُرف في كل شيء فحين قال الله: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} (سورة البقرة: الآية 228) عنَى أنه يجب على الرجال للنساء، مثل الذي يجب لهم على النساء، بالوجه الذي عرف من حال الزوجَين وأمثالهما، والمعروف هنا هو الشيء المعروف بالنسبة لواقع المرأة هل هي ممن يخدمها غيرها أم هي ممن تخدم زوجها؟ أي هل هذه المرأة يطلق عليها أنها سيدة تخدم أم هي ممن يخدم غيرها؟ والمراد بالمماثلة المماثلة في مجرد الواجب لا مماثلة تفاصيل الأفعال، أي يجب لها عليه من الحقوق كما يجب له عليها من الحقوق.
أما تفاصيل هذه الحقوق فلا مماثلة فيها فلا يجب عليه غسل الثياب وعجن العجين ولا يجب عليها شراء الحاجات وكسب الرزق للعيال. فتقدير المعروف هنا مع كونه من باب إطلاق الأسماء على معان معيَّنة فهو تقدير، وقد جاء نص شرعي دل عليها، فاعتبرت بالنصّ الشرعي ولم تعتبر لأنها عُرف.
وقد قال تعالى: {فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ} (سورة البقرة: الآية 232). أي إذا تراضى الرجل مع من يخطبها ليتزوجها بما هو معروف من مهر المثل والشرائط، أي إذا تراضى الخطَّاب مع النساء بما عُرف من المهر والشرائط، ونحو ذلك فلا تمنعوهن من النكاح. فالمراضاة بين الخاطب والمخطوبة بالمعروف بين الناس جازت لأنه جاء نص باعتبارها في هذه الحادثة، فهي قد اعتبرت لوجود النص. وقد قال الله تعالى أيضًا: {وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} (سورة البقرة: الآية 233) والمراد أن يكون الرزق والكسوة بما هو معروف بين الناس من رزقِ مثلهِ وكسوتهِ. وقد فسر ذلك ما بعدها فقال: {لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ} (سورة البقرة: الآية 233) فهذه الآية تفسر كلمة {رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ}. وقال تعالى: {وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدْرُهُ مَتَاعاً بِالْمَعْرُوفِ} (سورة البقرة: الآية 236) أي أن المتعة وهو المال الذي تأخذه المرأة إذا طُلِّقت قبل الدخول ولم يكن قد سمي لها مهر هي المتاع اللائق بمثلها حسب التقدير المعروف عند الناس.
وقال تعالى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} (سورة النساء: الآية 19) أي بما هو معروف من عشرة الرجل للمرأة وهو النصفة في المبيت والنفقة. وقال تعالى: {وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} (سورة النساء: الآية 25) أي أدُّوا إليهن مهورهن بالمعروف، أداءً جميلًا من غير مطل ولا ضرار واحتياج إلى القضاء. وروي عن عبد الله بن مسعود أنه «قضى لامرأة لم يفرض لها زوجها صداقًا ولم يدخل بها حتى مات، فقال: لها صداق نسائها لا وكس ولا شطط وعليها العدة ولها الميراث، فقام معقل بن سنان الأشجعي فقال: قضى رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم في بروع ابنة واشق مثل ما قضيت» وبذلك يكون قد ورد النص في تقدير أجر المثل، فهو قد عمل في هذا التقدير بالنص لا بالعُرف، ومثلُه أجر المثلِ وثمنُ المثلِ قياسًا على مهر المثل.
وبذلك يظهر أن التقدير للأمور من مهر وأجر ونفقة وعشرة وما شاكل ذلك فوق كونه ليس من العُرف بل هو من نوع آخر، فإن النصوص الشرعية جاءت به وجاء لكل حادثة دليل خاص بها لا يقاس عليها إلا حيث توجد العلة، فهو ليس من المعروف ولا من قبيل المعروف. وبذلك يكون قد سقط جميع استشهادهم بما اعتبره بعض الفقهاء حكمًا شرعيًّا في العُرف بظهور أنه من الاصطلاح أو من التقدير وكلاهما ليس من العرف، فضلًا عن مجيء النص صراحة في التقدير للأشياء.
وبذلك بطل استدلالهم «على فرض أن هذه المسائل والأحكام مما يصح» أن تتخذ دليلًا وخاصة على اعتبار أن العرف أصلٌ ودليل من الأدلة الشرعية.
ثانيًا: إن العرف الذي هو الأعمال المتكررة كما قلنا، يجب أن يسير بالشرع حتى تسير أفعال الإنسان حسب الأحكام الشرعية سواء أكانت هذه الأفعال مكررة من الفرد كالعادة أو مكررة من الجماعة كالعُرف، أو غير مكررة من أحد وفعلت ولو مرة واحدة، لأن من المقطوع به أنه يجب على المسلم أن يسيِّر أفعاله بأوامر الله ونواهيه سواء أكُرِّرت أم لم تكرر. وعليه يجب أن يحكم الشرع بالأعراف والعادات ولا يجوز اعتبار العُرف والعادة دالًا على صحة الفعل أو عدم صحته، بل المعتبر هو الشرع فحسب، ولذلك لا يجوز اعتبار العرف دليلًا شرعيًّا ولا قاعدة شرعية مطلقًا.
ثالثًا: العرف إما أن يكون مخالفًا للشرع أو غير مخالف، فإن كان مخالفًا للشرع فالشرع جاء ليزيله ويغيِّره، لأن من عمل الشريعة تغيير الأعراف والعادات الفاسدة. وإن كان غير مخالف للشرع يثبت الحكم بدليله وعلته الشرعية لا بهذا العُرف ولو لم يخالف الشرع. وعلى ذلك فلا يحكم العُرف بالشرع وإنما يحكم الشرع بالأعراف والعادات.
رابعًا: إن أصل الأدلة الشرعية هو الكتاب والسنة فهما الدليلان الأصليان وما ثبت فيهما أنه دليل شرعي يعتبر دليلًا شرعيًّا، وما لم يثبت فيهما أنه دليل شرعي لا يعتبر دليلًا شرعيًّا وبما أنه لا يوجد أصل للعُرف والعادة لا في الكتاب، ولا في السنة، فلا اعتبار للعرف مطلقًا. إذ لا اعتبار لأي دليل شرعي إلا إذا نص عليه الكتاب أو السنة. أما ما استدلوا به على العرف من الحوادث فهو خاص بتلك الحوادث وليس إجازة عامة للعُرف بصورة عامة وهو دليل على حوادث معيَّنة وليس دليلًا على أن العُرف دليل شرعي.
خامسًا: إن الأعراف والعادات منها الحسن ومنها القبيح. ومما لا شك فيه أن العادات القبيحة والأعراف القبيحة غير معتبرة شرعًا بالاتفاق. فما الذي يميِّز القبيح أو الحسن، هل هو العقل أم الشرع؟ أما العقل فلا يعتبر مميِّزًا الحسن من القبيح لأن العقل محدود ويتأثر بالبيئة والظروف، وقد يرى شيئًا حسنًا اليوم ويراه غدًا قبيحًا. فإذا ترك تقدير العُرف الحسن من العُرف القبيح للعقل أدَّى ذلك إلى اضطراب أحكام الله وهذا لا يجوز. ولهذا كان لا بدّ أن يكون الشرع وحده المعتبر في الحكم على العُرف...
ومن هنا كان اعتباره متوقفًا على وجود نص في الحادثة تجعل اعتباره شرعيًّا حتى يعتبر، فيكون الدليل هو النص الشرعي وليس العُرف.
سادسًا: إن الأمثلة التي أوردوها جميعها ترجع إلى أحد أمرين:
إما أن تكون صحيحة في الحكم ولكن الخطأ وقع فيها في التخريج أو تكون خطأ في الحكم والتخريج.
فإن كانت صحيحة في الحكم فإن الخطأ فيها قد وقع بجعل العُرف دليلها لأن لها دليلًا آخر غير العُرف.
وإن كانت خطأً في الحكم فيكون الخطأ جاء من ناحية استناد الحكم إلى العُرف وهو لا يجوز، وهي في جملتها لا تخرج عن ذلك، فمثلًا يمين الشخص أن لا يضع قدمه في الدار راجع إلى الاصطلاح على اللفظ لا إلى العُرف، وضمان الزيتون راجع إلى اصطلاح إطلاق اسم الضمان على بيع الثمر على الشجر لا على العُرف، وكون الصديق يأكل من بيت صديقه راجع إلى القرآن الكريم في قوله تعالى: {أَوْ صَدِيقِكُمْ} في آية {وَلَا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ} إلى قوله تعالى: {أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً} (سورة النور: الآية 61) الآية. وأكل ثمر الشجر راجع للحديث الذي يجيز للمرء أن يأكل من ثمر الشجر على أن لا يحمل معه وهو قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «لا قطع في ثمر» وقوله: «غير متَّخذ خبنة» فأكل ما يتساقط من الشجر من باب أولى. وسكوت البكر جائز لقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن البكر: «إذنُها صماتُها» لا للعُرف، وبيع الدار وشراء اللحم يرجع كل منهما إلى إطلاق اصطلاح كلمة الدار وكلمة اللحم على معنى معيَّن، فهو راجع إلى الاصطلاح وليس للعُرف. وكذلك مسألة الدراهم والدنانير.
أما مسألة خياطة الثوب فهي راجعة لأجر المثل لا للعُرف. ومسألة الزوجة كذلك خطأ في الحكم وفي الدليل، فالحق لا يسقط بالعُرف، ولا يصلح العُرف دليلًا على سقوطه، وإنما يجب أن تُسمع دعواها، فإن أثبتتها حَكمَ لها بمهرها بغض النظر عن العُرف.
وعلى ذلك فإن العادات والأعراف موجودة قطعًا، وهي تحصل من تكرار الأعمال ولكنها لا تصلح دليلًا شرعيًّا ولا مسوغًا شرعيًّا لبقاء الفعل أو عدم بقائه، بل تعرض على الشرع كسائر الأفعال فإن دل عليها الدليل الشرعي تعتبر للدليل، وإن لم يدل عليها الدليل الشرعي تبحث علتها فإن كانت لها علة شرعية تعتبر حينئذ العلة. أما اصطلاحات إطلاق الأسماء على المسميات فهي معتبرة لورود الشرع باعتبارها، وأما التقديرات فيعتبر منها ما ورد به نص باعتباره، وما لم يرد نص باعتباره لا يعتبر. وعلى أي حال فالاصطلاح والتقدير ليسا من الأعراف.
وبذلك يظهر بطلان اعتبار العرف ليلًا شرعيًّا. ولا يوجد دليل شرعي ثبت كونه دليلًا شرعيًّا بالنص الشرعي سوى القرآن والحديث وإجماع الصحابة، وما عداها فلا قيمة له بالاستدلال على الأحكام الشرعية.
هذا من ناحية فساد كون العُرف دليلًا شرعيًا، أما فساد كونه قاعدة شرعية، فإن القاعدة هي حكم كُلِّي أو حكم عام، والعُرف ليس حكمًا كليًّا لأنه ليس له جزئيات، ولأنه لم يقترن به ما هو بمثابة العلة له، وليس هو حكمًا عامًّا إذ ليس له أفراد تدخل تحته. وعلاوة على ذلك فإنه لم يُستنبط من نص شرعي لا من الكتاب ولا من السنة، وبهذا لا يعتبر قاعدة شرعية.

مآلات الأفعال
يقول بعض المجتهدين بقاعدة مآلات الأفعال، ويبنون عليها قواعد كثيرة وأحكامًا جمة، ويعتبرونها أصلًا من أصول الاستدلال على أن الحكم حكم شرعي، فهي بمثابة دليل من الأدلة الشرعية، فيقولون: إن النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعًا سواء أكانت الأفعال موافقة أم مخالفة. إذ يقولون: إن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلَّفين بالإقدام أو الإحجام إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل. فقد يكون مشروعًا لمصلحة فيه تُستجلب أو لمفسدة تُدرأ، ولكن له مآل على خلاف ما قصد فيه. وقد يكون غير مشروع لمفسدة تنشأ عنه أو مصلحة تندفع به، ولكن له مآل على خلاف ذلك. فحينئذ لا بدّ من اعتبار ما يؤول إليه الفعل سواء أكان مشروعًا لمصلحة، أي كان مأمورًا به، أو كان غير مشروع لما ينشأ عنه من مفسدة أي كان منهيًا عنه. لأنه لو أطلق القول في المشروع لمصلحة تجلب أو مفسدة تُدرأ بالمشروعية وتُرك على حاله فربما أدَّى استجلاب المصلحة فيه إلى مفسدة تساوي المصلحة أو تزيد عليها، فيكون هذا مانعًا من إطلاق القول بالمشروعية فيحرم الفعل ولو كان في أصل مشروعيته حلالًا. وكذلك إذا أطلق القول في غير المشروع لمفسدة تنشأ عنه بعدم المشروعية وترك على حاله فربما أدَّى استدفاع المفسدة إلى مفسدة تساوي أو تزيد فلا يصح إطلاق القول بعدم المشروعية فيحل الفعل ولو كان في أصل مشروعيته حرامًا.
واستدلوا على قاعدة مآلات الأفعال هذه بثلاثة أدلة:
الأول: إن التكاليف مشروعة لمصالح العباد، ومصالح العباد الدنيوية هي نتيجة لأعمال العباد، لأن أعمال العباد إذا تأملتها تجدها مقدمات لنتائج المصالح، فإنها أسباب لمسببات هي مقصودة للشارع. والمسببات هي مآلات الأسباب فاعتبارها في جريان الأسباب مطلوب، وهو معنى النظر في المآلات، فلم يكن للمجتهد بدّ من اعتبار المسبب هو مآل السبب.
الثاني: إن مآلات الأفعال إما أن تكون معتبرة شرعًا أو غير معتبرة فإن اعتبرت فهو المطلوب، وإن لم تعتبر أمكن أن يكون للأعمال مآلات مضادة لمقصود تلك الأعمال وذلك غير صحيح، لأن التكاليف إنما هي لمصالح العباد، ولا مصلحة تتوقع مطلقًا مع إمكان وقوع مفسدة توازيها أو تزيد. وأيضًا فإن ذلك يؤدي إلى أن لا نتطلب مصلحة بفعل مشروع ولا نتوقع مفسدة بفعل ممنوع وهو خلاف وضع الشريعة.
الثالث: إن الأدلة الشرعية والاستقراء التام تدل على أن المآلات معتبرة في أصل المشروعية كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (سورة البقرة: الآية 21) وقوله: {وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ} (سورة الأنعام: الآية 108) وقوله: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} (سورة البقرة: الآية 216) وقوله: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (سورة البقرة: الآية 183) وقوله: {وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقاً مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} (سورة البقرة: الآية 188) وقوله: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} (سورة البقرة: الآية 179). وحين أشير على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بقتل من ظهر نفاقه قال: «أخاف أن يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه».
وقوله: «لولا أن قومك حديثو عهدٍ بالجاهلية لأسست البيت على قواعد إبراهيم». وحديث النهي عن التشديد على النفس في العبادة خوفًا من الانقطاع، وغير ذلك مما فيه هذا المعنى حيث يكون العمل في الأصل مشروعًا لكن يُنهى عنه لما يؤول إليه من المفسدة. أو يكون العمل في الأصل ممنوعًا لكن يُترك النهيُّ عنه لما في ذلك من المصلحة. وبناء على هذه الأدلة الثلاثة قالوا بمآلات الأفعال. ثم بنَوا على هذه القاعدة قاعدة سدّ الذرائع، كما بَنوا عليها رفع الحرَج، وهو السماح في عمل غير مشروع في الأصل لما يؤول إليه من الرفق بالمشروع، وبنَوا عليها قاعدة الحِيَل التي هي تقديم عمل ظاهر الجواز لإبطال حكم شرعي وتحويله في الظاهر إلى حكم آخر، وقاعدة المصالح المرسلة وهو الأخذ بمصلحة جزئية في مقابلة دليل كلي.

قاعدة سدّ الذرائع
إنَّ قاعدة سدّ الذرائع الذين يقولون بها يبنون عليها أحكامًا كثيرة فيحلون الحرام بناء عليها ويحرّمون الحلال بالاستناد إليها.
وحقيقتها عندهم التوسل إلى ما هو مصلحة في نظرهم، فكل مصلحة تؤدي إلى مفسدة تحرم تلك المصلحة ولو جاء النص بكونها حلالًا.
وكل مفسدة تؤدي إلى مفسدة أشد حلَّت تلك المفسدة ولو جاء النص بتحريمها. فيقولون: إن البيع أولًا على سلعة بعشرة إلى أجل، ظاهر الجواز من جهة ما يتسبب على البيع من المصالح على الجملة. فإذا جعل مآل ذلك البيع مؤديًا إلى بيع خمسة نقدًا بعشرة إلى أجل بأن يشتري البائع سلعته من مشتريها منه بخمسة نقدًا، فقد صار مآل هذا العمل إلى أن باع صاحب السلعة من يشتريها منه بخمسة نقدًا بعشرة إلى أجل والسلعة لغو لا معنى لها في هذا العمل، لأن المصالح التي لأجلها شرع البيع لم يوجد منها شيء، ومن أجل ذلك صار هذا البيع حرامًا، نظرًا لما يؤول إليه.
ولكنهم قالوا بأن يظهر لذلك قصد، ويكثر في الناس بمقتضى العادة. ويقول المتعصبون لحجاب المرأة بستر وجهها: إن وجه المرأة وإن أجاز الشرع كشفه وأخرجه من العورة بقوله تعالى: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} (سورة النور: الآية 31) وبقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «إن الجارية إذا حاضت لم يصلح أن يُرى منها إلّا وجهُها ويداها إلى المفصل» ولكنهم قالوا: إن كشف الوجه يؤول إلى خوف الفتنة، فخوف الفتنة هو ما يؤول إليه كشف الوجه، فحرم كشف الوجه وإن كانت الأدلة تحله، وذلك من باب سد الذرائع، وهكذا كل مصلحة تؤدي إلى مفسدة تحرم، وكل مفسدة يؤدي تركها إلى مفسدة أشدّ منها تحل.

قاعدةُ رفع الحرج
وأما رفع الحرج فإنه يعني أنه إذا كان هنالك عمل غير مشروع وكان في تركه حرجٌ على الناس يسمح به، لما يؤول إليه من الرفق المشروع لقوله تعالى: {يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} (سورة البقرة: الآية 185) وقوله: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} (سورة الحج: الآية 78) وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «بُعِثْتُ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ» وكل ذلك ينافي الشرع الشاق الثقيل ولهذا يُعطى الفعل حكم ما يؤول إليه لا الحكم الذي أنزله الله له.
قاعدة الحيل
وأما قاعدة الحيل فإن حقيقتها المشهورة هي تقديم عمل ظاهر الجواز لإبطال حكم شرعي، وتحويله في الظاهر إلى حكم آخر. وذلك كالواهب ماله عند رأس الحول فرارًا من الزكاة. فإن أصل الهبة على الجواز، ولكن كونها تمنع الزكاة تؤول إلى مفسدة، ولذلك تمنع الهبة في هذه الحال. فإن من وجبت عليه الزكاة قدم عملًا ظاهر الجواز وهو الهبة لإبطال حكم شرعي وهو وجوب الزكاة، وتحويله إلى حكم آخر وهو عدم وجوب الزكاة.
هذه خلاصة واقع قاعدة مآلات الأفعال وخلاصة ما بني عليها من قواعد. ويجد الناظر في هذه القاعدة أنها صحيحة من وجه، وباطلة من ثلاثة أوجه. وأما ما بني عليها من قواعد فهو باطل جملة وتفصيلًا.
أما وجه صحَّتها من وجه واحد فهو أن بعض النصوص التي وردت فيها تدل على قاعدة «الوسيلة إلى الحرام محرَّمة» وذلك لما يدل عليه قوله تعالى: {وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ} (سورة الأنعام: الآية 108) فحرَّم الله سبّ الأصنام وهو فعل جائز، لأنه يكون سببًا لسبّ الله. فهذه الآية دَلَّتْ على تحريم السبب الموصل حتمًا إلى مسبب حرام. وإنما أخذ هذا الحكم وهو سبّ الأصنام حكم ما يؤول إليه وهو سب الله لأنه يؤول إليه حتمًا وهو سبب له ينتج المسبب حتمًا، فيكون واقعه ليس مظنة المسبب بل هو حتمي النتيجة للسبب، ولأنه ورد نص شرعي من الكتاب صريح في الدلالة على هذا الواقع، فكان هذا النوع فقط من مآلات الأفعال جائزًا وهو أخذ السبب الجائز حكم المسبب الممنوع إذا تحققت فيه السببية، بأن كان السبب ينتج المسبب حتمًا كما دلت عليه الآية. وأما ما عدا ذلك فلا.
وأما وجه بطلان باقي مآلات الأفعال فهو ظاهر في ثلاثة أوجه وهي أوجه الأدلة التي وردت لإثباتها.
الوجه الأول: إن جلب المصالح ودرءَ المفاسد ليس علة للأحكام الشرعية ولا دليلًا عليها، كما أنها ليست علة للشريعة الإسلامية بوصفها كلًّا. وذلك أن النص الذي جاؤوا به دليلًا على كون الشريعة جاءت لجلب المصالح ودرءِ المفاسد هو نص صريح بأنه للشريعة بوصفها كلًّا لا لأحكامها التفصيلية، وهو حكمة الشريعة أي النتيجة التي يراد أن تحصل لها، وليس علة لتشريع الشريعة. فإن قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} (سورة الأنبياء: الآية 107) ظاهرٌ في أن كونه رحمةً إنما هو بالنسبة للرسالة أي الشريعة وليس بالنسبة للأحكام التفصيلية، فالنص إنما يدل على هذا لا على غيره {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} أي الرسالة، وظاهر فيه أن كونه رحمة هو نتيجة تطبيق الشريعة وليس الدافع على تشريع الشريعة، أي ظاهر فيه أنه حكمة تشريع الشريعة وليس علة تشريع الشريعة، فهو مثل قوله تعالى: {وَمَا جَعَلَهُ اللّهُ إِلاَّ بُشْرَى} (سورة آل عمران: 126) ومثل قوله تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} (سورة النحل: الآية 89) فالآية لا تفيد التعليل وإنما تفيد الغاية، ولذلك لم يكن هنالك أي وجه لجعل جلب المصالح ودرءِ المفاسد علة لكل حكم شرعي من الأحكام التفصيلية، حتى ولا علة لتشريع الشريعة الإسلامية بوصفها كلًّا، لأنها حكمة الشريعة وليس علة تشريعها.
على أن أدلة الأحكام التفصيلية جاءت إما نصوصًا من الكتاب والسنة آيةً أو حديثًا، وإما معانٍ جاءت بها النصوص من الكتاب والسنة وجعلتها علامة دالة على الحكم وهي العلة الشرعية. وقد جعل الشرع هذه العلة هو المعنى نفسه المراد بعينه وليس جلب المصلحة أو دفع المفسدة.
فنهيُ الرسول عن لحوم الأضاحي لأجل الدافّة لا لأجل المصلحة، فالعلة هي الدافة لا المصلحة، وجعل الله علة إعطاء المال للمهاجرين دون الأنصار كونه لا يكون دُولةً بين الأغنياء. فالعلة هي عدم تداول الأغنياء للمال وليس المصلحة.
فجعل المصلحة هي دليل الحكم التفصيلي كليًّا كان أو جزئيًا يخالف العلل الشرعية الواردة في النصوص سواء في الكتاب أو في السنة، ويخالف واقع التعليل.وعلى هذا لا يجوز أن يكون اعتبار المصلحة أساسًا للأحكام التفصيلية وإجراء الأحكام التفصيلية بحسب هذه المصلحة. وبذلك يبقى الحكم الشرعي حسب ما دل عليه الدليل ما لم يرد دليل آخر ينقضه أو علة شرعية يدور معها.
الوجه الثاني: إن مآلات الأفعال إنما تعتبر إذا دل عليها الدليل إما بالنص وإما بكونها تؤدي إلى إبطال حكم ثابت بالنص فحينئذ يكون مآل الفعل قد اعتبر للنص أو للحكم الثابت بالنص وليس للمصلحة التي يراها العقل ويجعلها علة للحكم وملغية للنص. فمثلًا عدم جواز سبّ الأصنام قد شرع لما يؤول إليه سبُّها من سبِّ الله، وما آل إليه الفعل قد دل عليه النص، فاعتبر لدلالة النص لا لأن العقل قال عنه إنه مفسدة. ومثلًا عدم جواز أن يعزل الخليفة قاضي المظالم قد شرع لما يؤول إليه من إبطال ما أعطاه الله لقاضي المظالم من الحكم على الخليفة بالعزل.
فما آل إليه الفعل قد دل عليه إبطال حكم ثابت بالنص فاعتبر لذلك لا لأن العقل قال عنه إنه مفسدة. أما إذا لم يدل على ما يؤول إليه الفعل نص، أو لم يكن مبطلًا لحكم دل عليه النص، فإنه لا يعتبر مطلقًا.
فاعتبار مآلات الأفعال لأنه إن لم تعتبر أمكن أن يكون للأعمال مآلات مضادة لمقصود تلك الأعمال لا وجه له شرعًا.
وليس هنالك حتى ولا شبه دليل من الشرع يجيز اعتباره وذلك تحكم محض من العقل المجرد بقضايا منطقية بعيدة عن الشرع بل بعيدة عن التشريع للوقائع.
الوجه الثالث: هو أن الآيات والأحاديث التي جاءت دليلًا على مآلات الأفعال لا دلالة فيها على ما وردت من أجله وهو اعتبار المآل مؤثرًا فيما أدَّى إلى هذا المآل. فقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (سورة البقرة: الآية 21) وقوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (سورة البقرة: الآية 183) لا يتضمن أي دلالة على المآل بل قوله: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} في الآيتين يدل على حكمة العبادة أو حكمة الصوم، وهو الوصول إلى التقوى. وقد تحصل التقوى بالعبادة والصوم وقد لا تحصل، لأن الحكمة هي أنه من شأن هذا الأمر أن ينتج ذاك الشيء، وهو نظير قوله تعالى: {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ والْمُنْكَرِ} (سورة العنكبوت: الآية 45) فلا وجه للاستدلال بهاتين الآيتين ولا محل للمآل فيهما. وأما قوله تعالى: {وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقاً مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ} (سورة البقرة: الآية 188) فإنه نهيٌ عن أن يُلقي الناس أمر أموالهم إلى الحكام ليأكلوا بالتحاكم طائفة من أموال الناس بالإثم، بشهادة الزور أو باليمين الكاذبة، فهو نهيٌ عن التقاضي بالباطل ولا محل فيه للمال فلا وجه للاستدلال بها. وقوله: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} (سورة البقرة: الآية 216) فإنه ليس فيه نهيٌ عن شيء لمآله ولا أمر بشيء لمآله وإنما هو بيان لهم بأنه قد يكون لهم فيما يكرهون خير، وهم لا يعلمون ذلك بدليل الآية: {وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} (سورة البقرة: الآية 216) فلا محل فيها للمآل. وأما آية {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} (سورة البقرة: الآية 179) وحديث: «أخاف أن يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه» وحديث «ولولا قومك حديثو عهد بالجاهلية لأسست البيت على قواعد إبراهيم» فإنها بيان لعلة الحكم وليس دليلًا على المآل وهي وإن كان يظهر فيها المآل كما يظهر في النهي عن سبّ الأصنام إلا أن هذا المآل ليس حكمًا شرعيًّا فاعتُبر فيه الباعث فقط ولم يُعتبر المآل، لأنه لا يترتب عليه أخذ حكمه.
وهناك نصوص كثيرة تدل على التعليل فهي تدخل في العلة وفي غيرها ولا تدخل في المآل. وهكذا جميع الأدلة ليس فيها ما يقولون به من وجود عمل هو مشروع في الأصل لكن نُهي عنه لما يؤول إليه من مفسدة، ولا فيها عمل ممنوع في الأصل وترك النهي لتلافي مفسدة أشد. وبذلك يظهر سقوط استدلالهم بالآيات فيسقط موضوع المآل في غير قاعدة «الوسيلة إلى الحرام محرَّمة».
وإذا سقطت قاعدة اعتبار مآلات الأفعال، فقد سقطت جميع القواعد المترتبة عليها. على أن هناك ما يدل على سقوط قاعدة سد الذرائع تفصيلًا غير مسألة سقوطها بسقوط ما بُنيت عليه. وذلك أن النص إذا جاء يُحلُّ فعلًا وجاء العقل وقال: إن مآل هذا الفعل المفسدة، لا قيمة لما يقوله العقل متى ورد النص. وكذلك إذا جاء النص بتحريم فعل وجاء العقل وقال: إن مآل هذا الفعل المصلحة لا قيمة لما يقوله العقل متى ورد النص، لأن المشرِّع هو الله، والنص وحيٌ من الله، والعقل إنما يفهم النص ولا يضع الحكم من عنده، لا سيما إذا كان مخالفًا للنص، فيُلغى ما يقوله العقل ويَبقى ما ورد به النص وبذلك تبطل قاعدة سدّ الذرائع من أساسها، لأنها مبنية على أن العقل إذا رأى مآل الفعل الذي بيَّن النص حكمه يناقض الحكم يُلغى النص ويَبقى الحكم الذي رآه العقل وذلك باطل بلا شك. والأمثلة التي جاؤوا بها صريحٌ فسادُها، فبيع السلعة بعشرة إلى أجل جائز وكون مشتريها باعها لبائعها بخمسة جائز ولا يضر اتحاد المتبايعين والمبيع، ما دام عقد البيع قد تم في الأولى وانتهى وتم في الثانية منفصلًا عن الأولى وكل منهما صفقة بيع غير الأخرى. وكذلك وجه المرأة ليس بعورة بدلالة النص، فتوهُّم خوف الفتنة من العقل أو من الواقع لامرأة معينة ليس هناك دليل يدل عليه بأنه ناتج حتمًا عن كشف وجه المرأة من حيث هي امرأة لا من النص ولا من الواقع، فلا يُعتبر وجوده مطلقًا فضلًا عن كونه لا يعتبر ملغيًا للنص، وهكذا جميع أمثلة سدّ الذرائع. وإذا استثنينا قاعدة «الوسيلة إلى الحرام محرَّمة» التي يشتبه أنها من باب سدّ الذرائع فإن جميع أدلة سدّ الذرائع وأمثلتها باطلة تناقض الشرع.
وكذلك قاعدة رفع الحرج باطلة من أساسها. وذلك أن قوله تعالى: {يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} (سورة البقرة: الآية 185) جاءت بعد قوله تعالى: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} (سورة البقرة: الآية 184) فهو دليل على الرّخَص التي رخص فيها الشارع للمسلمين من إباحة الإفطار في السفر والمرض وهكذا جميع الرُّخَص الشرعية. فهو خاص في موضوع الرُّخص الشرعية وهو الموضوع الذي جاء دليلًا عليه. وقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} (سورة الحج: الآية 78) جاءت أيضًا بعد قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77) وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} (سورة الحج: الآيتان 77 ـــــــ 78). فيكون الحرج وهو الضيق قد رُفع عنهم فيما أمرهم به من العبادة وفعل الخير والغزو من أجل رضا الله، فإنه هو الذي اختاركم أيها المؤمنون لدينه ولنصرته وما جعل عليكم من ضيق بل بقدر ما تحملون، فهو كقوله تعالى:{لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} (سورة البقرة: الآية 286). فجعل الدِّين ليس شاقًا بحيث لا يتحملونه وفوق ذلك فقد فتح باب التوبة للمجرمين وجعل في الدِّين من الرُّخَص والكفارات ما يسهِّل أمر الدِّين. وأما قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «بُعِثْتُ بالحنيفية السَّمحة» فالمراد منه أنه جاء بالشريعة القويمة التي هي لمصالح العباد وليست لقصد مشاق العباد فهي سمحة والسَّمحة هي السَّهلة الكريمة، أي الملة التي ليس فيها ضيق. والحنيفية السمحة إنما أتى بها السماح مقيدًا بما هو جار على أصولها وحسب أدلتها على ما يشتهيه الهوى ويمليه العقل.
هذا هو معنى الآيات وهي لا دلالة فيها على السماح بالمحرمات ولا على المآلات. على أن الأخذ بما يفهمه أصحاب قاعدة الحرج مؤدٍّ إلى إيجاب إسقاط التكاليف جملة. فإن التكاليف كلها شاقة ثقيلة ولذلك سمِّيت تكليفًا من الكُلفة وهي المشقة. فإذا كانت المشقة حيث لحقت في التكليف تقتضي الرفع بهذه الدلائل لزم ذلك إسقاط التكاليف.
وبما أن إسقاط التكاليف الشاقة الثابتة بالشرع مناقض لأصل الشرع فالأخذ بهذه الأدلة حسب فهم قاعدة رفع الحرج مناقض للشرع ولذلك لا يجوز الأخذ بهذه القاعدة، بل لا بدّ من الوقوف عند حدود ما أتى به الشرع من أدلة تفصيلية على كل التفصيلات وتطبيقها على ما يتجدد من حوادث ومشاكل بغضِّ النظر عما إذا كان فيها مشقة أو كان فيها سهولة، ولا سيما والرسول صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «حُفَّت النارُ بالشهوات وحُفَّتِ الجنةُ بالمكاره» .
ومثل فساد قاعدة رفع الحرج يظهر كذلك فساد القاعدة «الضرورات تبيح المحظورات» حسب ما يفهمها بعض الفقهاء من المتأخرين. فإن كثيرًا ما يستجيز بعضهم إباحة أشياء محرمة بحجة أن فيها ضرورة لقضاء حاجاتٍ ملحَّة، بناءً على أن الضرورات تبيح المحظورات. ووجه فساد ذلك هو أن الضرورات إنما هي الضرورات المعلومة من الشريعة وهي الاضطرار الملجئ الذي يُخشى منه الهلاك أي الموت وهو الوارد في قوله تعالى: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ} (سورة البقرة: الآية 173) فهذه هي الضرورات التي تبيح المحظورات وهي التي ورد فيها نص شرعي أو دل عليها نص شرعي دلالة معيَّنة على عينها أو على جنسها. أما الضرورات التي يكون دليلها العقل لقضاء بعض الحاجات الملحة فلا تُعتبر من الضرورات التي يباح فيها محرَّم.
وأما مسألة إبطال الحل بناء على قاعدة مآلات الأفعال فلا وجه لها من هذه الجهة. فالحيلة إن كانت تحلِّل حرامًا وتحرِّم حلالًا فلا تجوز إن فعلت حيلة وكان في العمل دلالة على الحيلة من الفعل أو العقد. أما إن لم تكن هنالك دلالة معيَّنة في العمل أو العقد فلا تُعتبر حيلة حتى لو كان القصد منها الحيلة، لأن العقود تعتبر بدلالاتها لا بنيَّة أصحابها. فهبة المال قبل حلول الحول هو كإنفاقه وكأداء الدين منه وشراء العروض به ولا فرق. فهو تصرف من التصرفات فلا توجد فيه دلالة معيَّنة على الحيلة. أما إن كانت هناك دلالة على الحيلة كأن يبيعه ساعة لا تساوي دينارًا بألف دينار ثم يهبها له ويكتب عليه صكًّا بثمن الساعة فهذا عمل فيه دلالة على الحيلة فيكون باطلًا لأن فيه ما دل على بطلانه وهكذا... فيكون إبطال الحيل بناء على قاعدة مآلات الأفعال غير صحيح لأنه إما أن يكون أخذًا بالنيَّة وهي لا عبرة لها في العقود، وإما تحكيمًا للعقل في إبطال حكم وهو لا يجوز.
ومن ذلك كله يتبيَّن بطلان قاعدة مآلات الأفعال وبطلان جميع القواعد التي ترتبت عليها، وبهذا يظهر أنها ليست من أصول الاستدلال ولا من الأدلة الشرعية.

آراءُ الصَّحابة وأقضيتُهم واجتهادَاتهم
الأحاديث الموقوفة وأقضية الصحابة ليست دليلًا شرعيًّا، فلا تكون حجة على أن الحكم حكم شرعي. أما الأحاديث الموقوفة فلأنها لم تنسب إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لا نصًّا ولا دلالة، فهي لا تعتبر من السنة حتى ولا ظنًا، فلا يغلب على الظن أن الرسول قالها وإنما يحتمل أن الرسول قالها والصحابي لم ينسبها إليه. وما دام القول أو الفعل لم يغلب على الظن أن الرسول قاله أو فعله أو سكت عنه فلا يُعتبر أنه من السنة. ولذلك أطلق عليها أنها آثار. وما دامت لم تعتبر من السنة فإنها تعتبر آراء للصحابي الذي رويت عنه، فهي من قبيل اجتهاده وأقضيته فلا يحتج بها ولا تكون دليلًا شرعيًّا. وأما عدم اعتبار آراء الصحابة واجتهاداتهم وأقضيتهم من الأدلة الشرعية، فلأن الله تعالى يقول: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} (سورة الحشر: الآية 7) ومفهومه {وَمَا آتَاكُمُ} من غير الرسول فلا تأخذوه لأن كلمة {الرَّسُولُ} صفة يُعمَلُ بمفهومها، ولقوله تعالى: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ} (سورة النساء: الآية 59) فأوجب الردَّ عند الاختلاف إلى الله والرسول بقرينة آيات أخرى مثل: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ} (سورة النور: الآية 63) الآية، ومثل {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} (سورة الأحزاب: الآية 36) فيكون الرد إلى رأي الصحابي أو اجتهاده أو قضائه تركًا للفرض، لأنه رد لغير الله ولغير الرسول. على أن الصحابة أجمعوا على جواز مخالفة كل واحد من آحاد الصحابة المجتهدين للآخر، ولو كانت آراؤهم واجتهاداتهم، وأقضيتهم حجة لما كان كذلك، وكان يجب على كل واحد منهم اتِّباع الآخر وهو محال شرعًا. وفوق ذلك فإن الصحابة قد اختلفوا في مسائل وذهب كل واحد منهم إلى خلاف ما رأى الآخر كما في مسائل الجد مع الإخوة وغيرها. فلو كان ما يراه الصحابي حجة لكانت حجج الله تعالى مختلفة متناقضة، وذلك محال على الله. ومن ذلك كله يتبيّن أن آراء الصحابة واجتهاداتهم وأقضيتهم ليست حجة ولا تعتبر من الأدلة الشرعية. إلا أن الصحابة رضوان الله عليهم يحتلّون من المكانة في نفوس المسلمين أعلى منزلة للإنسان بعد الأنبياء. ولهم من المكانة في نفوس المسلمين أرفع موضع وقد ورد الثناء عليهم في صريح القرآن والأحاديث قال تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ} (سورة التوبة: الآية 100) وقال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: «أصحابي كالنجوم بأيِّهم اقتديتم اهتديتم».
ومن أجل ذلك عني المسلمون بجمع آرائهم وأقضيتهم ورووها عنهم كروايتهم للحديث النبوي واختلفوا في الحديث الموقوف في كونه يعتبر من الحديث ويحتج به أم لا، ولا يوجد كتاب حديث إلا وفيه أحاديث موقوفة وفيه آراء للصحابة. ففي البخاري ومسلم وابن ماجة والترمذي وغيرها من كتب الحديث شيء كثير من ذلك وفي موطأ مالك يجد الشخص أمثلة عديدة من فتاوى الصحابة التي رواها مالك ودوَّنها وأخذ بها، مما يدل على اعتبار المسلمين لأقوال الصحابة وآرائهم، وهذا مما يدل على منزلة آرائهم واجتهاداتهم. وواقع الأمر أن آراء الصحابة واجتهاداتهم وأقضيتهم أقرب إلى الدين والسنة الصحيحة من آراء واجتهادات غيرهم ممن جاء بعدهم فإنه يجوز أن يكون الصحابي حين يعطي رأيًا أن يكون سمعه من النبي صلى الله عليه وآله وسلم شفاهًا أو من صحابي آخر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأفتى بالحكم ولم يروِ الدليل، إما لأنه كان بديهيًّا لديه والأمر الذي من البديهيات كثيرًا ما يُترك الاهتمام بنقله، وإما لما عُرف عن أحوال الصحابة رضي الله عنهم أنهم كانوا يهابون الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويعظِّمونها ويقللونها خَوفًا من الزيادة والنقص، ويحدثون بالشيء الذي سمعوه من النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم مرارًا ولا يصرحون بالسماع ولا يقولون قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ولذلك يمكن أن يكونوا قد أخذوا الحكم وقالوا به وتحرَّجوا من رواية الدليل. ويجوز أن يكون الصحابي انفرد في فهم نص آية أو حديث لم يَفهم مَن بعده ما فهمه. وإمكانية انفراده بهذا الفهم آتية من كمال علمه باللغة ودلالة اللفظ على الوجه الذي انفرد به، أو آتية من قرينة حال كسبب نزول الآية أو الحديث كما شهده هو أو سمعه مثل قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: «إنما الربا في النسيئة» فإنه كان جوابًا لسؤال في بيع النقد بالنقد. وينبغي أن يلاحظ أن الصحابي قد شهد تنزيل الوحي وأدرك مقاصد التنزيل ففهم ما لم يفهمه مَن جاء مِن بعده، فيكون بذلك اجتهادهُ أرجح من اجتهاد من جاء بعده في كل عصر وجيل. وهذا كله يجعل لآرائهم واجتهاداتهم وأقضيتهم مكانة متميزة عن غيرهم ممن جاء بعدهم. وهي وإن كانت لا تصل إلى مرتبة الدليل ولكنها تُعتبر قطعًا أعلى من مرتبة اجتهادات المجتهدين على الإطلاق. ولذلك تُعتبر حكمًا شرعيًّا وتتبع هذه الآراء والاجتهادات والأقضية تقليدًا حين يعوز الدليل. وهي أرجح في التقليد من أي مجتهد على الإطلاق بعد ترجيح الدليل.
ولهذا لا يقال حين يُعطى الحكم الشرعي ويُستشهد بالحديث الموقوف أو رأي صحابي أو قضية من أقضيته إننا لا نعتبر ذلك لأنه ليس دليلًا شرعيًّا، بل الذي يقال إننا لا نعتبر ذلك بوصفه دليلًا شرعيًّا، ولكننا نعتبره حكمًا شرعيًّا نقلده حين يعوزنا الدليل بعد طلبه. إلا أنه حين الاستشهاد ينبغي أن يؤتى به كشاهد على أن هذا الرأي قد قاله الصحابي فلان كابن عباس مثلًا أو عبد الله بن مسعود ولا يؤتى به على وجه يشعر بالاستدلال.
ومن هنا نجد أنه يجدر بالمسلمين في كل عصر أن يحرصوا على آراء الصحابة واجتهاداتهم وأقضيتهم في روايتها وتدوينها وتقليدها عند تعذر اهتدائهم للدليل.
والأحاديث الموقوفة وأقضية الصحابة وآراؤهم واجتهاداتهم تعتبر من أعظم التراث التشريعي بعد النصوص الشرعية وبعد إجماع الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.
التعادل والترجيح
إذا تعارضت الأدلة ولم يكن لبعضها مزية على البعض الآخر فإن هذا يقال له التعادل. وإن كان لبعض الأدلة مزية على البعض الآخر فإن هذا يقال له الترجيح. والتعادل لا يقع بين الدليلَين القطعيَّين مطلقًا وكذلك لا يقع بين الدليل القطعي الظني لكون القطعي مقدمًا على الظني.
وأما التعادل بين الدليلَين الظنيَّين أي بين خبري الآحاد فإن القياس المنطقي يدل على جوازه، لكن واقع الأدلة يدل على أنه لا يوجد فيها تعادل، وأن التعادل لم يقع في الأدلة الظنية مطلقًا فضلًا عن أن القول بجوازه ينافي إعمال الدليل.
أما بالنسبة للفرض المنطقي فإنه لا يمتنع أن يخبر أحد العدلين عن وجود شيء والآخر عن عدمه، وبناء على ذلك يجوز أن يقع التعادل.
لكن الواقع التشريعي يخالف ذلك، فإنه لم يقع أن أخبر عدل بوجود شيء وأخبر الآخر بعدمه بحيث يستويان في جميع الظروف والأحوال والأوضاع إلا في حالة واحدة وهي النسخ. والنسخ ليس من قبيل التعادل. وعليه فإن التعادل غير واقع في الأدلة الظنية.
والدليل على أن التعادل بين الأدلة الظنية مُمْتَنع هو أنه لو تعادل الدليلان الظنيَّان بأن لزم المجتهد أن يعمل بهما أو يتركهما أو يعمل بأحدهما، فإن عمل بكل واحد منهما لزم اجتماع المتنافيَين.
وإن لم يعمل بواحد منهما لزم أن يكون نصبهما عبثًا وهو على الله تعالى محال، وإن عمل بأحدهما نُظر: إن عيَّناه له كان تحكمًا وقولًا في الدين بالتشهي، وإن خيَّرناه كان ترجيحًا لإمارة الإباحة على إباحة الحرمة وقد ثبت بطلانه.
ولهذا فإن التعادل بين الدليلَين الظنيَّين لا يقع ولا يجوز شرعًا، فلا تعادل بين الأدلة مطلقًا.
وأما الترجيح فهو في اللغة التمييل والتغليب، وفي اصطلاح الأصوليين تقوية أحد الدليلين على الآخر ليعمل به كما رجحت الصحابة خبر عائشة رضي الله عنها وهو قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «إذا التقى الختانان وجب الغسل» على خبر أبي هريرة وهو قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «إنما الماء من الماء» بناء على أن أزواج النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم أعلم بفعله في هذه الأمور من الرجال الأجانب، فهذا إجماع على جواز التمسك بالترجيح. والترجيح يختص بالأدلة الظنية أي بخبر الآحاد ولا يقع في القطعيات، فلا يقع الترجيح بين القطعي والقطعي ولا بين القطعي والظني.
والخطوط العريضة للترجيح بين الأدلة الظنية تتلخص بما يلي:
أولًا: إذا تعارض نصان فإنما يرجح أحدهما على الآخر إذا لم يمكن العمل بكل واحد منهما. فإن أمكن ولو من وجه دون وجه فلا يصار إلى الترجيح لأن إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما بالكلية. فكون الأصل في الدليل هو الإعمال لا الإهمال، يجعل إعمالهما معًا أولى من إهمال أحدهما. مثال ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد» فإنه معارض لتقريره الصلاة لجار المسجد في غير المسجد. ومقتضى كل واحد منهما متعدد، فإن الخبر يحتمل نفي الصحة ونفي الكمال ونفي الفضيلة، وكذا التقرير يحتمل ذلك أيضًا، فيكون حمل الخبر على نفي الكمال بالنسبة للصلاة في البيت لا نفي صحة الصلاة. ومثال ذلك أيضًا قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «ألَا أُخبركم بخير الشهود؟ فقيل: نعم، فقال: أن يشهد الرجل قبل أن يُستشهد» فإنه معارض لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «ثم يفشو الكذب حتى يسهد الرجل قبل أن يُستشهد» فيحمل الأول على حق الله تعالى والثاني على حق آدمي.
الثاني: إذا تعارض نصان وتساويا في القوة والعموم وعُلم المتأخر منهما فالمتأخر ينسخ المتقدم، وإن جُهل ولم يُعلم أيهما المتقدم وأيهما المتأخر يرجح أحدهما على الآخر إن كانا ظنيَّين. وأما القطعيان فلا يقع بينهما تعارض لأن التعادل لا يقع في القطعيات.
وأما إن لم يتساويا في القوة والعموم بأن كان أحدهما قطعيًّا والآخر ظنيًّا، أو كان أحدهما عامًّا والآخر خاصًّا فإنه هنا يحصل الترجيح.
فإذا كانا لا يتساويان في القوة بأن كان أحدهما قطعيًّا والآخر ظنيًّا فيرجح القطعي ويعمل به ويترك الظني، سواء أكانا عامَّين أو خاصَّين أو كان المقطوع به خاصًّا والمظنون عامًّا. فإن كان المقطوع به عامًّا والمظنون خاصًّا عمل بالمظنون. وإن كانا لا يتساويان في العموم والخصوص بأن يكون أحدهما أخص من الآخر مطلقًا، فحينئذ يرجح الخاص على العام ويعمل به جمعًا بين الدليلين. وإن كانا لا يتساويان في العموم بأن يكون العموم والخصوص بينهما من وجه دون وجه فحينئذ يُطلب الترجيح بينهما من جهة أخرى ليُعمل بالراجح، لأن الخصوص يقتضي الرجحان. وقد ثبت ها هنا لكل واحد منهما خصوص من وجه بالنسبة إلى الآخر فيكون لكل منهما رجحان على الآخر.
ومثاله قوله: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلِّها إذا ذكرها» فإن بينه وبين نهيه عن الصلاة في الأوقات المكروهة عمومًا وخصوصًا من وجه لأن الخبر الأول عام في الأوقات، خاص ببعض الصلوات وهي القضاء، والثاني عام في الصلاة مخصُوص ببعض الأوقات وهو وقت الكراهية، فيصار إلى الترجيح على الوجه السابق.
الثالث: الترجيح بالحكم ويقع ذلك بأمور:
أحدها: يرجح الخبر المبقي لحكم الأصل على الخبر الرافع لذلك الحكم، كقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «من مس ذكره فليتوضأ» مع ما روي مرفوعًا بلفظ: الرجل يمس ذكره أعليه وضوء؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: «إنما هو بضعة منك» فيرجح خبر النقض، لأن مبقي الحكم يرجح على رافعه، وذلك لسببين: أحدهما أن العمل برافع الحكم يعني نسخه وهو لا يجوز إلا بقرينة مبينة للنسخ وهنا لا توجد قرينة تدل على النسخ.
الثاني: أن العمل بمبقي الحكم يجعل صحة الصلاة يقينية بعدم فعل ما يظن أنه نقض بخلاف العمل برافع الحكم فإنه يجعل صحة الصلاة ظنيَّة لوجود ما يظن أنه ينقض وكونها يقينية الصحة مقدم على كونها ظنية الصحة. قال صلى الله عليه وآله وسلم: «دَعْ ما يُريبك إلى ما لا يُريبك» .
ثالثها: الخبر الدال على التحريم يساوي الخبر الدال على الوجوب. فإذا ورد دليلان أحدهما يقتضي تحريم شيء والآخر يقتضي إيجابه فيتعادلان، أي يتساويان حتى لا يعمل بأحدهما إلا بمرجِّح، لأن الخبر المحرِّم يتضمن استحقاق العقاب على الفعل والخبر الموجب يتضمن استحقاق العقاب على الترك، فيتساويان ويحتاج ترجيح أحدهما إلى مرجِّح، فإذا لم يوجد المرجح مطلقًا فحينئذ يرجح التحريم على الإيجاب، لأنه ينطبق عليه حديث «ما اجتمع الحلال والحرام إلّا وغلب الحرام على الحلال» .
رابعها: الخبر الدال على الوجوب راجح على الخبر الدال على الإباحة. أي إذا ورد دليلان أحدهما يقتضي الوجوب والآخر يقتضي الإباحة يقدم الدليل الدال على الوجوب على الدليل الدال على الإباحة. لأن الدليل الدال على الوجوب مساوٍ للدليل الدال على التحريم، وبما أن التحريم راجح على الإباحة فيرجح الوجوب على الإباحة.
خامسها: الخبر الدال على التحريم راجح على الخبر الدال على الكراهة. لأن الكراهة طلب الترك طلبًا غير جازم، والتحريم طلب الترك طلبًا جازمًا. والجزم مقدم على غير الجزم.
سادسها: الدليل الدال على الوجوب راجح على الدليل الدال على الندب لأن الوجوب طلب الفعل طلبًا جازمًا، والندب طلب الفعل طلبًا غير جازم، والجازم مقدم على غير الجازم.
سابعها: الدليل النافي مرجح على الدليل المثبِت، فإذا وجد دليلان أحدهما إثباتًا والآخر نفيًا، فالنافي مرجح على المثبت، وذلك كخبر بلال بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم دخل البيت وصلَّى، وخبر أسامة أنه دخل ولم يصلّ، فإنه يرجح خبر أسامة.
ثامنها: الدليل النافي للحدّ مرجَّح على الدليل المثبِت له. فإذا وجد دليلان أحدهما ينفي الحد والآخر يثبته يرجح الدليل النافي. والدليل على ذلك ثلاثة أمور.
أحدهما: قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «ادْرَأُوا الحدودَ بالشُّبُهات» .
والثاني: الحدّ ضرر والرسول صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «لا ضرَر ولا ضرار» .
والثالث: قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «لأنْ يخطئ أحدكم في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة» .
الرابع: يرجح خبر الآحاد على القياس الذي علته مستنبطة استنباطًا أو مقيسة قياسًا لأن الخبر وحي ظاهر الدلالة على الحكم في التعبير عنه، والعلة المستنبطة أو المقيسة، وظاهر الدلالة من النص مقدم على الفهم من مدلوله. وأما العلة الصريحة أو التي دل عليها النص دلالة فإنها تأخذ حكم النص الذي جاءت فيه.




{وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ} (سورة المائدة: الآية 49).
{فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} (سورة المائدة: الآية 44).

الحُكم قبلَ ورود الشّرع
الأشياء والأفعال لا يجوز أن تعطى حكمًا إلا إذا كان هناك دليل شرعي على هذا الحكم، إذ لا حكم للأشياء ولأفعال العقلاء قبل ورود الشرع، قال تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} (سورة الإسراء: الآية 15) وقال تعالى: {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} (سورة النساء: الآية 165) ولأن الحكم لا يثبت إلا بأحد اثنين إما الشرع وإما العقل.
أما العقل فلا محل له هنا لأن القضية قضية إيجاب وتحريم، والعقل لا يمكن أن يوجب أو يحرم، وليس ذلك متعلقًا به وإنما هو متعلق بالشرع فتوقف الحكم على الشرع. وبما أنه لا شرع قبل ورود الشرع فتوقف الحكم على ورود الشرع من الله أي على مجيء الرسول بالنسبة للشريعة كلها، والدليل الشرعي بالنسبة للمسألة المراد الاستدلال عليها، أما بالنسبة للرسول صلى الله عليه وآله وسلم فظاهر من صريح الآية لأن نفي العذاب عن الناس قبل بعثة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم. يدل على عدم تكليفهم بالأحكام والاعتقادات، أي عدم تكليفهم بشيء، ولا معنى لذلك إلَّا نفي الحكم نفيًا باتًّا عن الناس قبل أن يبعث الله لهم رسولًا. ومن هنا كان أهل الفترة الذين لم تبلغهم دعوة الرسول السابق ناجين، وهم الذين عاشوا بين تضييع الناس لرسالة وبعث رسالة، ويكون حكمهم حكم الذين لم تبلغهم رسالة وذلك كمن عاشوا قبل بعثة الرَّسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم ممَّن لم تصلهم دعوة سماوية سابقة مطلقًا. وعليه: فقبل بعثة الرسول لا يقال: إن حكم الأشياء حلال أو حرام لأنه لا حكم لها، وكذلك الأفعال، وللإنسان في هذه الحال أن يفعل ما يريد دون التقيّد بحكم، ولكن من الأفضل له أن يتقيّد بالعقل ولا يترك نفسه تتبع هواها، ولا شيء عليه عند الله حتى يبعث إليه رسولًا، وحينئذ يتقيّد بأحكام الله التي بلغه إياها الرسول حسب ما بلغها له. وأما بعد بعثة الرسول وتبليغه رسالته فإنه ينظر فإن كانت رسالته جاءت بأشياء معينة وأمرهم باتباع رسالة غيره في أشياء أخرى كما هي الحال مع سيدنا عيسى عليه السلام فإنهم مقيدون بالأحكام التي بلغها لهم، وملزمون باتِّباعها، ويعذبون على عدم التقيد بها حتى تنسخ هذه الرسالة. وإن كانت رسالة الرسول جاءت بأشياء ولم تتعرض لأشياء فهم مقيدون بما جاءت به فقط ولا يعذبون على ما لم تأت به.
وأما إن كانت رسالته عامة كل شيء وجاءت مبيَّنة كل شيء فإنهم مقيدون في كل شيء بهذه الرسالة. وذلك كما هي الحال مع سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإن رسالته عامة كل شيء وجاءت مبيِّنة كل شيء، ولذلك كان لا حكم إلا بما يرد فيها. لأن مفهوم قوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} (سورة الإسراء: الآية 15) هو أننا نُعذب من بعثنا لهم رسولًا وخالفوا رسالته. والحكم الواحد مهما كان من رسالة الرسول التي بلغها فيعذب كل من خالفه، ولذلك لا يكون للشيء ولا للفعل حكم حتى يقوم الدليل عليه.
وعلى هذا لا يقال: إن الأصل في الأشياء والأفعال التحريم بحجة أنه تصرف في ملك الله تعالى بغير إذنه فيحرم قياسًا على المخلوقات لأن صريح الآية أن الله لا يعذب حتى يبعث الرسول فلا يؤاخذ حتى يبيِّن الحكم، ولأن قياس الشاهد على الغائب لا يجوز مطلقًا إذ القياس إنما هو للغائب على الشاهد وليس العكس، وفوق ذلك فإن المخلوقات تتضرر، والله سبحانه وتعالى منزه عن إلحاق الضرر بأحد. وكذلك لا يقال: إن الأصل في الأفعال والأشياء الإباحة بحجة أنها انتفاع خال من إمارة المفسدة ومضرة المالك فتباح لا يقال ذلك لأن مفهوم الآية أن الإنسان مقيد بما جاء به الرَّسول لأنه يعذب على مخالفته فصار الأصل اتباع الرسول والتقيد بأحكام رسالته، وليس الأصل الإباحة أي عدم التقيد، ولأن عموم آيات الأحكام تدل على وجوب الرجوع إلى الشرع ووجوب التقيد به، قال تعالى:
{وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} (سورة الشورى: الآية 10). وقال: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ} (سورة النحل: الآية 89). ولأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «كل أمر ليس عليه أمرُنا فهو رَد» فهذا يدل على أن الأصل هو اتباع الشرع والتقيد به. ولأن الانتفاع الخالي من إمارة المفسدة ومضرة المالك ليس حجة على الإباحة. ألا ترى أن الكذب مزاحًا مع أيٍّ كان لجلب الضحك والسرور للاثنين الكاذب والمكذوب عليه خال من إمارة المفسدة ومضرة المالك ومع ذلك فهو حرام؟ وأيضًا فإنه بعد ورود الشرع صار للأشياء وللأفعال أحكام، فالأصل أن يبحث في الشريعة عن الأشياء عن الأشياء والأفعال هل يوجد لها أحكام أم لا؟ لا أن يكون الأصل اعتبارها مباحة ووضع حكم الإباحة لها من العقل مباشرة مع وجود الشرع. وكذلك لا يقال: إن الأصل في الأشياء التوقف وعدم الحكم لأن التوقف يعني تعطيل العمل أو تعطيل الحكم الشرعي وهو لا يجوز، ولأن الثابت في القرآن والحديث عند عدم العلمِ السؤالُ عن الحكم وليس التوقف وعدم الحكم.
قال تعالى: {فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} (سورة النحل: الآية 43) ولقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حديث التيمم: «ألا سَألوا إذا لم يَعلموا؟ فإنما شفاء العي السؤال» . فدل على أنه ليس الأصل التوقف وعدم الحكم.
وعليه فإنه بعد بعثة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: صار الحكم للشرع وأضحى لا حكم قبل ورود الشرع فيتوقف الحكم على ورود الشرع أي على وجود دليل شرعي للمسألة الواحدة، ولذلك لا يُعطى حكم إلّا عن دليل كما لا يُعطى حكم إلّا بعد ورود الشرع والأصل أن يبحث عن الحكم في الشرع، أي الأصل أن يبحث عن الدليل الشرعي للحكم من الشرع.
amitriptylin 75 mg anmeldelsemedicin.site amitriptylin hund



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB