الثقافة والثقافة الإسلامية
الطبعة : الطبعة الرابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   711
تاريخ النشر :   1993




شرعُ من قبْلَنَا هل هو شرعٌ لنا؟

قال بعض الأئمة: إن شرع من قبلنا دليل شرعي من الأدلة الشرعية، فالنبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم كان متعبدًا بما صحَّ من شرائعَ من قبله بطريق الوحي إليه. وقالوا: صحيح أن شريعة النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم ناسخة لشريعة مَن تقدم، ولكن المنسوخ هو ما كان مخالفًا لشريعة الإسلام، فما كان من شرعه صلى الله عليه وآله وسلم مخالفًا لشرع مَن تقدم فهو ناسخ له، وأما ما لم يكن مخالفًا لشرع مَن تقدم فهو من شرعه وهو مقيد فيه فلا يكون ناسخًا له إذا قصَّهُ الله أو رسوله من غير إنكار على أنه شريعة لرسولنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولهذا فإن شرعه لا يوصف بأنه ناسخ لبعض ما كان مشروعًا قبله كوجوب الإيمان، وتحريم الكفر والزنى والقتل والسرقة وغير ذلك مما هو في شرعه موافق لشرع مَن تقدم.
وقد استدلوا على أن شرع مَن قبلنا شُرع لنا بالكتاب والسنة. أما الكتاب فقد قال الله تعالى في حق الأنبياء: {أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} (سورة الأنعام: الآية 90) أي أنه أمره بالاقتداء بهم، وشَرْعُهم من هداهم، فوجب عليه اتِّباعهم. وقال تعالى: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ} (سورة النساء: الآية 163) وقال تعالى: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً} (سورة الشورى: الآية 13) فدلَّ ذلك على وجوب اتِّباعه لشريعة نوح، وقال تعالى: {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ} (سورة النحل: الآية 123). فأمره باتِّباع ملة إبراهيم والأمر هنا للوجوب.
قال تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ} (سورة المائدة: الآية 44) والنبيّ عليه وعلى آله الصلاة والسلام من جملة النبيِّين فوجب عليه الحكم بما فيها.
وأما السنة فقد روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه رجع إلى التوراة في رجم اليهودي، وروي عنه عندما طلب منه القصاص في سنٍّ كسرت قال: «كتابُ الله يقضي بالقصاص» . وليس في الكتب ما يقضي بالقصاص في السن سوى التوراة وهو قوله تعالى: {وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ} (سورة المائدة: الآية 45) وأيضًا ما روي عنه أنه قال: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلِّها إذا ذَكرها» وتلا قوله تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} (سورة طه: الآية 14). وهو خطاب مع موسى عليه السلام...
هذه هي أدلة من قال بأن شرعَ مَن قبلنا شرعٌ لنا ويلزمنا إذا قصَّهُ الله أو رسوله في غير إنكارٍ على أنه شريعة لرسولنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم كما في آية القصاص {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} (سورة المائدة: الآية 45) وذهب بعضهم إلى أن شرع مَن قبلنا ليس شرعًا لنا ولا يُعتبر من الأدلة الشرعية.
والدليل على ذلك الكتاب والسنة وإجماع الصحابة وواقع الأحكام الشرعية التي لمن قبلنا والتي لنا.
أما الكتاب فقد قال تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ} (سورة آل عمران: الآية 19). وقال تعالى: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ} (سورة آل عمران: الآية 85).
وقال تعالى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ} (سورة المائدة: الآية 48). وقال تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً} (سورة المائدة: الآية 48).
ووجه الاستدلال بهذه الآيات هو أن الآيتين الأُولَيَين وإن كانت كلمة الإسلام فيهما قد تعني التسليم لله ولكنها في الآيتين اقترنت بكلمة الدين. وهذا يعني أن المراد منها دين الإسلام لا التسليم لله تعالى. ولم تطلق كلمة الإسلام على دين إلَّا على الشريعة التي جاء بها محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولذلك يكون معنى الآية الأولى أن الدِّين الَّذي يعتبر مقبولًا عند الله بعد بعثة الرسول هو دين الإسلام، ويكون معنى الآية الثانية، ومَن يعتنق بعد بعثة محمد صلى الله عليه وآله وسلم دينًا غير دين الإسلام فإنه لا يقبله الله تعالى منه وهو في الآخرة من الخاسرين. ويؤيد هذا أن النصراني واليهودي مخاطَبان بشريعة الإسلام ومأموران بترك ما هما عليه، فهو يثبت إذًا أن معنى الآيتين أن كل شريعة بعد بعثة الرسول غير شريعته يجب تركها والتخلي عنها واتِّباع شريعته التي هي الإسلام.
ووجه الاستدلال بالآية الثالثة أنه ليس المراد بقوله: «مُهَيْمِنًا» مصدقًا، فإنه في نفس الآية قال مصدِّقًا ومهيمنًا، فلا بد أن يكون لها معنى آخر غير التصديق وهو السيطرة والتسلُّطُ والاستيعابُ والاحتواءُ للشرائع السابقة. وهيمنة القرآن على الشرائع السابقة هي «بتعبير آخر» نسخ للشرائع السابقة. فقد أنزل الله شرع الإسلام مصدقًا وناسخًا لما قبله من الشرائع. ووجه الاستدلال بالآية الرابعة أن الله تعالى جعل لكل رسول شريعة غير شريعة الآخر. وهذا يعني أن شريعة محمد هي غير الشرائع السابقة، وأن الشرائع السابقة ليست شريعة لمحمد لأنها ليست شِرْعَتَه ومنهاجَه، إذ لكلِّ رسول شرعةٌ ومنهاج أي شريعة، وهذا دليل على أنه مقيد بشريعته لا بشريعة غيره. وأما السنة فعن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «أُعْطِيْتُ خَمْسًا لم يُعْطَهُنّ أحدٌ قبلي». «كان كلُّ نبيٍّ يُبعث إلى قومه خاصةً، وبُعِثْتُ إلى كلِّ أحمر وأسود».
فالرسول صلى الله عليه وآله وسلم قد أخبر أن كل نبيٍّ قبله صلى الله عليه وآله وسلم إنما بُعث إلى قومه خاصة. فيكون غير قومه لم يبعث إليهم ولم يُلْزَموا بشريعة نبي غير نبيهم، فثبت بهذا أنه لم يبعث إلينا أحد من الأنبياء فلا تكون شريعتهم شريعة لنا.
ويؤيد هذا ما ورد صريحًا في آيات من القرآن بالنسبة للأنبياء كمثل قوله تعالى: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً} (سورة الأعراف: الآية 73) {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً} (سورة الأعراف: الآية 65) {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً} (سورة الأعراف: الآية 85). ويؤيدّهُ أيضًا ما ورد صريحًا بالنسبة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ} (سورة سبأ: الآية 28). وأيضًا فإن النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم لما بعث معاذًا إلى اليمن قاضيًا قال له: بِمَ تَحْكُم؟ قال: بكتاب الله، قال: فإنْ لم تجد قال: بسنة رسول الله، قال: فإن لم تجد، قال: أجتهد رأيي.
ولم يَذكر شيئًا من كُتب الأنبياء وسنتهم، والنبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم أقره على ذلك، ودعا له وقال: الحمد لله الذي وفّق رسولَ رسولِ الله لما يحبه الله ورسوله. ولو كانت من مدارك الأحكام الشرعية لجرت مجرى الكتاب والسنة في وجوب الرجوع إليها، ولم يجز العدول عنها إلى اجتهاد الرأي إلَّا بعد البحث عنها واليأس من معرفتها. وأيضًا فقد روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه رأى مع عمر بن الخطاب قطعة من التوراة ينظر فيها فغضب وقال:
«ألم آتِ بها بيضاء نقية «أي بشريعة الإسلام» لو أدركني اخي موسى لما وسعه إلَّا اتِّباعي». فقد أخبرَ بأن موسى لو كان حيًّا لما وسعه إلَّا اتِّباعه. وهذا يعني أن النبيَّ عليه وعلى آله الصلاة والسلام أوْلى بأن لا يتَّبع موسى بعد موته. فإنه لو كان النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم متعبدًا بشريعة مَن قبله لَوجبَ عليه مراجعتها، وأن لا يتوقف على نزول الوحي في أحكام الوقائع التي لا خلو للشرائع الماضية منها، لكن الواقع أن النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم حين كان يُسأل عن واقعة لم ينزل بها وحي يتوقف عن الإجابة حتى ينزل الوحي، والأمثلة على ذلك كثيرة. فمن ذلك ما أخرجه البخاري عن ابن المنكدر قال: «سمعت جابر ابن عبد الله يقول: مرضت فجاءني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعودني وأبو بكر وهما ماشيان فأتاني وقد أُغمي عليَّ، فتوضَّأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم صبَّ وضوءه علي فأفقت فقلت: يا رسول الله كيف أقضي في مالي؟ أي كيف أصنع في مالي؟ قال: فما أجابني بشيء حتى نزلت آية الميراث فلو كان شرع مَن قبله شرعًا له لرجع إلى الشرائع السابقة وأجابه».
وأما الإجماع فقد انعقد إجماع الصحابة على أن شريعة النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم ناسخة لشريعة مَن تقدمه فلو كان متعبدًا بها لكان مقررًا ومخبرًا عنها لا ناسخًا لها ولا مشرِّعًا وهو محال. وأيضًا لو كان شرع مَن قبلنا شرعًا لنا لكان تعلُّمُها من فروض الكفايات كالقرآن والحديث ولَوجبَ على الصحابة بعد النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم الرجوع إليها والبحث عنها والسؤال لناقليها عند حدوث الوقائع المختلّف فيها فيما بينهم كمسألة الجد، والعول، وبيع أم الولد، وحدّ الشرب، وغير ذلك. وحيث لم يُنقل عنهم شيء من ذلك، فإنه لا يكون شرع مَن قبلنا شرعًا لنا.
وأما واقع الأحكام الشرعية التي كانت لمن قبلنا ونزلت بها كُتبهم، تعتبر منسوخة حكمًا، ونحن غير مطالَبين بها. وهذا دليل على أن شرع من قبلنا ليس شرعًا لنا، ومثلُه كثير في القرآن، كما في الحكاية عن سليمان عليه السلام في قوله تعالى: {وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (20) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} (سورة النمل: الآية 20 ـــــــ 21). ولا خلاف عند المسلمين في سقوط عقاب الطير وإن أفسدت، بل في سقوط عقاب جميع الحيوانات. وقد جاء النص على ذلك إذْ قال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: «جناية العجماء جبار» . ومن شريعة زكريا عليه السلام قوله تعالى: {آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيّاً} (سورة مريم: الآية 10). وهذا لا يجوز في الإسلام فلا الوصال في الصوم. ومن شرائع موسى عليه السلام قوله تعالى: {حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ} (سورة الأنعام: الآية 146). وفي شريعة الإسلام قد أحَلَّ للمسلمين كلَّ ذلك بقوله تعالى: {وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ} (سورة المائدة: الآية 5). وهذه الشحوم من طعامنا فهي حِلُّ لهم.
وفي شريعة يوسف: {مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ} (سورة يوسف: الآية 75). أي يكون استرقاق السارق وهو عقوبة السارق، والإسلام جعل عقوبة السارق قطع اليد، وفي شريعة موسى: {إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ} (سورة القصص: الآية 27) وهذا لا يجوز في الإسلام لأن الإجارة فيه مجهولة {إحْدَى ابْنَتَيَّ} {أَيَّمَا الأجَلَيْن} ولأن الصدَّاق للمرأة وليس لوالدها {وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} (سورة النساء: الآية 4) ومن شريعة يعقوب: {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ} (سورة آل عمران: الآية 93) وفي الإسلام لا يحل أن يُحرِّم على نفسه ما لم يُحَرِّمه الله عزّ وجل. قال تعالى للرسول: {لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} (سورة التحريم: الآية 1)؟.
وهكذا آيات كثيرة في القرآن قد قصَّ الله فيها أحكامَ مَن قبلنا علينا وأتى لنا الرسول بأحكامٍ تخالفها وليست هذه الآيات منسوخة بعينها كنسخ الآيات المنسوخة وإنما شريعة من قبلنا هي التي أصبحت منسوخة، فتكون هذه الآيات مَحْكِيّةً عن شريعة من قبلنا، فنحن غيرُ مطالَبين بها لأنها ليست من شريعتنا.
ومن هذا كله يتبيَّن أن شريعةَ من قبلنا ليست شرعًا لنا فلا تعتبر من الأدلة الشرعية التي تستنبط منها الأحكام. وأما الأدلة التي أوردوها دليلًا على قولهم فإنها كلها لا دلالة فيها فقوله تعالى: {فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} (سورة الأنعام: الآية 90) يراد به التوحيد، لأنه قال: {فَبِهُدَاهُمُ} ولم يقل «بِهِمْ» فيما اهتدوا به وهو التوحيد، وقوله تعالى: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} (سورة النساء: الآية 163) الآية فإنه لا دلالة فيها على أنه موحًى إليه بعين ما أُوحي به إلى نوح والنبيِّين من بعده، حتى يقال باتِّباعه لشريعتهم، بل المراد أنه أُوحِيَ إليه كما أُوحِيَ إلى غيره من النبيِّين، لاستبعاد ذلك وإنكاره، أي مثل ما أوحى الله إلى من قبلك أوحى إليك. وقوله تعالى: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً} (سورة الشورى: الآية 13) المراد منه أصل التوحيد، لا ما اندرس من شريعته، ولهذا لم يُنقل عن النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم البحث عن شريعة نوح. وقوله تعالى: {أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ} (سورة النحل: الآية 123) المرادُ بلفظ المِلة إنما هو أصول التوحيد وإجلال الله تعالى بالعبادة دون الفروع الشرعية. ويدل على ذلك أن لفظ الملة لا يطلق على الفروع الشرعية فلا يقال ملة الشافعي وملة جعفر لمذهبيهما في الفروع الشرعية، ويؤيد هذا أنه قال عقب ذلك: {وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (سورة النحل: الآية 123) ذكر ذلك في مقابلة الدِّين بالشرك فهو إذًا التوحيد الذي هو دليل على أن الاتِّباع إنما هو في أصل التوحيد. وقوله تعالى: {يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ} (سورة المائدة: الآية 44) هو صيغة إخبار لا صيغة أمر، وذلك لا يدل على وجوب اتِّباعها. فليس في الآية دلالة على أن يحكم بها الرسول.
وأما ما روي من أن الرسول رجع إلى التوراة في رجم اليهودي فإنه لم يراجعها ليحكم بما جاء فيها، وإنما راجعها لإظهار صدقة فيما كان قد أخبر به من أن الرجم مذكور في التوراة وإنكار اليهود ذلك، ولم يرجع إليها فيما سوى ذلك.
ومن هذا كله يتبين أن هذه الأدلة كلها لا دلالة فيها على أن شرع مَن قبلنا هو شرع لنا فتسقط عن درجة الاستدلال، وبذلك يثبت أن ما ورد في القرآن والحديث من أحكام كانت للأمم السابقة، إنما هو خاص بمن قبلنا ولا يعتبر شرعًا لنا...

قولُ الصحابي
لا خلاف في أن مذهب الصحابي في مسائل الاجتهاد ليس حجة على غيره من الصحابة المجتهدين فلا يعتبر دليلًا شرعيًا بالنسبة لهم، وإنما الخلاف في كونه حجة على التابعين ومن بعدهم المجتهدين أم لا؟ فقد قال بعض الأئمة: إنه حجة، واعتبروه دليلًا شرعيًا من الأدلة الشرعية على الأحكام الشرعية، واستدلوا على كونه حجة بالكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب فقوله تعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ} (سورة آل عمران: الآية 110) وهو خطاب مع الصحابة بأن ما يأمرون به معروف، والأمر بالمعروف واجب القبول، وأما السنة فقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» ولا يمكن حمل ذلك على مخاطبة العامة والمقلِّدين لهم لما فيه من تخصيص العموم من غير دليل ولما فيه من إبطال فائدة تخصيص الصحابة بذلك، من جهة وقوع الاتفاق على جواز تقليد العامة لغير الصحابة من المجتهدين، فلم يبق إلّا أن يكون المراد به وجوب اتِّباع مذاهبهم. وأما الإجماع فهو أن عبد الرحمن بن عوف ولَّى عليًا رضي الله عنه الخلافة بشرط الاقتداء بالشيخَين فأبَى، وولَّى عثمان فقبل، ولم ينكر عليه منكر فصار إجماعًا. فإذا كان الإجماع السكوتي لقول الصحابي إذا انتشر ولم ينكر عليه منكر يصير إجماعًا. وأيضًا فإن الإجماع السكوتي لقول الصحابي إذا انتشر ولم ينكر عليه منكر يعتبر حجة وهكذا: يكون قول الصحابي حجة، حتى إذا لم ينتشر.
هذه هي خلاصة أدلة من يقول بأن مذهب الصحابي حجة، وهي أدلة لا تصلح للدلالة على حجية مذهب الصحابي. أما الآية فلا دلالة فيها، لأن الآية خطاب لأمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم كلها وليس للصحابة ولا لعصر الرسول فقط، ثم إنه ليس معنى قوله: {تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ} بأن ما يأمرون به معروف بدليل ما أتى بعدها وهو قوله: {وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ}، بل معناه أنكم خير أمة لأنكم تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر، وأما الحديث فإنه ثناء على الصحابة لا أن قولهم دليل شرعي، وأما قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «بأيهم اقتديتم اهتديتم» فإن المراد به ما يروونه عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وليس المراد الاقتداء بكل شيء، فإن الصحابة غير معصومين، ولا يقتدى بكل شيء إلا بالمعصوم.
وأما الإجماع السكوتي فحجيته ليست آتية من عدم الانتشار فقط وإنما هي آتية من الانتشار، ومن كونه مما يُنكر عادة، وهذان ليسا موجودين في مذهب الصحابي، فإن مذهب الصحابي حتى لو انتشر لا يعتبر عدم معارضة الصحابة له سكوتًا عنه لأن السكوت خاص بما يُنكر، وهذا عام لكل حكم، ولأن السكوت معتبر إذا انتشر وعلمه الصحابة وهذا لم ينتشر فلا يعتبر أنهم سكتوا عنه، ولهذا لا يقاس بسكوت الصحابة، ومن ذلك كله يظهر أن هذه الأدلة كلها لا تصلح حجة على أن مذهب الصحابي دليل شرعي.
على أن هناك ما ينفي أن مذهب الصحابي دليل شرعي. فمن ذلك أن الله تعالى يقول: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ} (سورة النساء: الآية 59) فعيَّن الجهات التي يُرَدُّ إليها النِّزاع وهي تتمثَّل بالله وبالرسول، أي الكتاب والسنة، فما عداهما لا يُرد إليه. ومذهب الصحابي ليس من الكتاب ولا من السنة فلا يرد إليه، ولذلك لا يعتبر حجة. ومن ذلك أن الصحابي من أهل الاجتهاد، والخطأ عليه ممكن، وما دام احتمال الخطأ موجودًا فلا يعتبر مذهبه حجة، ومن ذلك أن الصحابة قد اختلفوا في مسائل، وذهب كل واحد إلى خلاف ما ذهب إليه الآخر. فلو كان مذهب الصحابي حجة لكانت حجج الله تعالى مختلفة متناقضة ولم يكن اتِّباع البعض أَوْلى من الآخر، فلا يكون مذهبُهم دليلًا شرعيًّا. وأيضًا فإن الصحابة رضوان الله عليهم يُقرُّون ويَعترفون بأنه لم يبلغهم كثير من السنن، وكثيرًا ما رجعوا عن آراء بعد أن بلغهم عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم خلافُها، وهذا أيضًا دليل على أن مذهبهم ليس بحجة لجواز أن يكون لم يبلغهم ما قاله الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في شأنه، والدليل على إقرارهم أنه لم تبلغهم كثير من السنن ما روي عن البراء بن عازب قال: «ما كل ما نُحَدِّثُكُموه سَمِعناه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولكن حدثَنا أصحابُنا وكانت شُغلنا رعية الإبل» وعمر رضي الله عنه يقول في حديث الاستئذان: «أخَفِيَ عليَّ هذا مِنْ أمْرِ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ أَلْهاني الصَّفْقُ في الأسواق». وهكذا كثير. والدليل على أنهم رجعوا عن آراء بعد أن بلغهم عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم خلافُها، ما روي من أن عمر كان يردُّ النساء اللواتي حضن ونفرن قبل أن يودعن البيت، حتى أُخبر بأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أذن في ذلك فأمسك عن ردِّهن، وكان يفاضل بين ديات الأصابع حتى بلغه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمره بالمساواة بينها فترك قوله وأخذ بالمساواة. وأراد رجم مجنونة حتى أعلمه علي بن أبي طالب عليه السلام بقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «رفع القلم عن ثلاثة» فأمر أن لا ترجم، وهؤلاء الأنصار نسوا قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «الأئمة من قريش» وقد رواه أنس، وهكذا كثير من الحوادث، وهذا كله يدل على أن مذهب الصحابي عرضة للخطأ والنسيان فلا يصلح أن يكون حجة.
بقيت مسألة إجماع الصحابة على طلب عبد الرحمن بن عوف الاقتداء بالشيخين أبي بكر وعمر، فإن هذه ليست إجماعًا ولا هي دليل على أن مذهب الصحابي حجة، وإنما هي دليل على جواز تقليد المجتهد لمجتهد آخر وترك رأيه، والمراد منها جواز إمضاء اجتماع كلمة المسلمين على رأي فيما لو اجتمعوا عليه في واقع الأمر. وهذا شيء وكون مذهب الصحابي حجة شيء آخر، ومن ذلك كله يتبيَّن أن مذهب الصحابي ليس من الأدلة الشرعية.

الاستحسانُ
الاستحسان في اللغة على وزن الاستفعال وهي من الحسن ويطلق على ما يميل إليه الإنسان ويهواه من الصور والمعاني وإن كان مستقبحًا عند غيره. ولكن هذا المعنى اللغوي ليس هو المراد من الاستحسان في أصول الفقه، فإنه لا خلاف في أنه لا يجوز القول في الدِّين بالتشهي ولا خلاف في امتناع حكم المجتهد في شرع الله تعالى بشهواته وهواه من غير دليل شرعي، ولا فرق في ذلك بين المجتهد والعامي.
وبحثنا هنا في الاستحسان الذي اصطلح عليه علماء أصول الفقه والمراد منه الاستحسان بالمعنى الأصولي لا المعنى اللغوي. وقد اختلف القائلون به في تعريفه، فمنهم من قال: إنه عبارة عن دليل ينقدح في نفس المجتهد لا يقدر على إظهاره لعدم مساعدة العبارة عنه، ومنهم من قال: إنه عبارة عن موجب قياس إلى قياس أقوى منه، ومنهم من قال: إنه عبارة عن تخصيص قياس بدليل هو أقوى منه، ومنهم من قال: هو ترك وجه من وجوه الاجتهاد غير شامل شمول الألفاظ لوجه هو أقوى منه، وهو في حكم الطارئ على الأول. ومنهم من قال: إنه قطع المسألة عن نظائرها لما هو أقوى، ومنهم من قال: إنه العدول بالمسألة عن حكم نظائرها إلى حكم آخر لوجه أقوى يقتضي هذا العدول.
وقد جعلوا الاستحسان أربعة أنواع: الاستحسان القياسي، واستحسان الضرورة، واستحسان السنة، واستحسان الإجماع. ومنهم من قسمه إلى قسمين: استحسان الضرورة ـــــــ والاستحسان القياسي.
فالاستحسان القياسي عندهم هو أن يعدل عن حكم القياس الظاهر المتبادر في المسألة إلى حكم مغاير، يقولون عنه: إنه قياس آخر هو أدق وأخفى من الأول، لكنه أقوى حجة وأسدّ نظرًا وأصح استنتاجًا، ويسمونه القياس الخفي. مثال ذلك لو اشترى شخصان سيارة من اثنين في صفقة واحدة دينًا عليهما، فقبض أحد الدائنين قسمًا من هذا الدَّين فإنه لا يحق له الاختصاص به بل لشريكه في الدَّين أن يطالبه بحصته من المقبوض، لأنه قبضه من ثمن مبيع مشترك بِيعَ صفقةً واحدة. أي أن قبض أي من الشريكَين ثمن المبيع المشترك بينهما قبض للشريكين وليس لأحدهما أن يختص به.
فإذا هلك هذا المقبوض في يد القابض قبل أن يأخذ الشريك الثاني حصته منه فإن مقتضى القياس أن يهلك من حساب الاثنين أي من حساب الشركة. ولكن في الاستحسان يعتبر هالكًا من حصة القابض فقط ولا يحسب على الشريك الثاني استحسانًا، لأنه في الأصل لم يكن ملزمًا بمشاركة القابض، بل له أن يترك المقبوض للقابض ويلاحق المدين بحصته. هذا هو الاستحسان القياسي.
وأما استحسان الضرورة فهو ما خولف فيه حكم القياس نظرًا إلى ضرورة موجبة أو مصلحة مقتضية سدًّا للحاجة أو دفعًا للحرَج، وذلك عندما يكون الحكم القياسي مؤديًا لحرج أو مشكلة في بعض المسائل فيعدل حينئذ عنه استحسانًا إلى حكم آخر يزول به الحرَج وتندفع المشكلة. مثال ذلك الأجير، تُعتبر يدُه على ما استؤجر له يدَ أمانة فلا يضمن إذا تلف عنده من غير تعدٍّ منه. فلو استؤجر شخص ليخيط لآخر ثيابًا مدة شهر فهو أجير خاص فإذا تلفت الثياب في يده من غير تَعدٍّ منه لم يضمن لأن يده يد أمانة، ولو استؤجر شخص ليخيط ثوبًا آخر وكان يخيط الثياب لجميع الناس فهو أجير عام، فإذا تلف الثوب في يده لا يضمن لأن يده كذلك يد أمانة.
ولكن في الاستحسان لا يضمن الأجير الخاص ويضمن الأجير العام كي لا يقبل أعمالًا أكثر من طاقته. وأما استحسان السنة فهو أن يعدل عن حكم القياس إلى مخالف له ثبت بالسنة. مثال ذلك شهادةُ خُزيمة فقد خصَّ النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم خزيمة بقبول شهادته وحده وجعل شهادته شهادة رجلَين وقال: «من شهد له خزيمة فهو حسبه». فقبول شهادة خزيمة عدول عن القياس لأن القياس أن لا تُقبل، لأن نصاب البيِّنة رجلان أو رجل وامرأتان، ولكن عدل عن القياس لورود النص. وأما استحسان الإجماع فإنه عدول عن مقتضى القياس إلى حكم آخر انعقد عليه الإجماع. مثال ذلك الاستصناع، فإن القياس يقتضي عدم جوازه لأنه بيع معدوم ولكن الإجماع انعقد على جوازه. هذا هو الاستحسان الذي اعتبروه دليلًا شرعيًّا، وقد استدلوا على كونه دليلًا شرعيًّا بالكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب فقوله تعالى: {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} (سورة الزمر: الآية 18) وقوله تعالى: {وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم} (سورة الزمر: الآية 55) ووجه الاحتجاج بالآية الأولى ورودها في معرض الثناء والمدح لمتَّبع أحسنِ القول، وبالآية الثانية من جهة أنه أمر باتِّباع أحسن ما أُنزل، ولولا أنه حجة لما كان كذلك.
وأما السنة فقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن» .
ولولا أنه حجة لما كان عند الله حسنًا، وأما الإجماع فهو إجماع الأمة على استحسان دخول الحمام وشرب الماء من أيدي السقائين من غير تقدير لزمان السكون وتقدير الماء والأجرة. هذه خلاصة الاستحسان، وهذه خلاصة آرائهم فيه وأدلتهم عليه، والحق أن الاستحسان لا يعتبر دليلًا شرعيًّا، وما أتوا به من تعريفات وتحليلات وأدلة لا يقوم حجة على اعتباره دليلًا شرعيًّا. أما التعريفات فهي حسب المعاني التي تدل عليها ثلاثة أقسام:
القسم الأول: هو قولهم: إن الاستحسان دليل انقدح في ذهن المجتهد إلخ... وهذا التعريف باطل من أساسه لأن الدليل الذي انقدح في ذهن المجتهد ولا يدري ما هو لا يجوز أن يعتبر دليلًا ما دام لا يعرف ما هو. ثم إنه إن تردَّد فيه بين أن يكون دليلًا محققًا ووهمًا فاسدًا فلا خلاف في امتناع التمسك به، وإن تحقق أنه دليل من الأدلة الشرعية فإنه لا نزاع في جواز التمسك به بالنسبة لنفسه ولكنه لا يكون استحسانًا، وإنما يكون أخذًا بالدليل. أما بالنسبة لغيره فإنه في حاجة للتعبير عن تحققه أنه دليل حتى يصح الأخذ به، وعلى كلا الوجهَين لم يكن الاستحسان دليلًا.
ولهذا فإن الاستحسان على هذا التعريف باطل.
وأما القسم الثاني من التعاريف: فهو التعاريف التي تفهم معنى واحدًا وهي قولهم: إنه عبارة عن موجب قياس إلى قياس أقوى منه، وإنه عبارة عن تخصيص قياس بدليل هو أقوى منه، وقطع المسألة عن نظائرها لما هو أقوى، والعدول بالمسألة عن نظائرها إلخ... فإن هذه كلها بمعنى واحد وهو أن يعدل عن القياس لدليل أقوى، وهذه التعاريف أو التفسيرات للاستحسان إن كان يراد من الدليل الأقوى نص من كتابٍ أو سنَّة فهذا ليس استحسانًا وإنما هو ترجيح للنص فهو استدلال بالنص. وإن كان الدليل الأقوى هو استحسان العقل بما يراه من مصلحة وهذا ما قصدوه فهو باطل، لأن القياس مبنيٌّ على علة شرعية ثابتة بالنص، وأما استحسان العقل أو المصلحة فليس نصًّا ولا علة أخرى أقوى منه، بل لا علاقة له بالنص الشرعي، أي بما جاء به الوحي. ولذلك كان هذا العدول عن النص باطلًا.
أما القسم الثالث من التعاريف: فهو قولهم: ترك وجه من وجوه الاجتهاد غير شامل شمول الألفاظ لوجه هو أقوى منه وهو في حكم الطارئ على الأول. هذا التعريف وإن كان كالقسم الثاني في أنه ترك الاستدلال بالظاهر إلى دليل آخر ولكن الفرق بينه وبين الثاني هو أن الثاني معناه عدول عن القياس لدليل أقوى، وأما هذا التعريف فهو أعم لأنه يعني عدولًا عن دليل ظاهر قد يكون قياسًا وقد يكون غيره إلى دليل آخر لأنه قال: «ترك وجه من وجوه الاجتهاد» فهو أعم من القياس. وأيضًا فإن هذا القسم جعل الوجه الأقوى الذي عدل إليه في حكم الطارئ على الأول، وهذا بخلاف القسم الثاني فإنه لا يكون بحكم الطارئ. وهذا القسم الثالث، يُرَدُّ عليه بما رُدَّ على القسم الثاني، فإن الرجوع عن حكم دليل خاص إلى مقابله بدليل طارئ عليه أقوى منه إن كان الدليل الطارئ من الكتاب أو السنة أو كان إجماع الصحابة فلا نزاع في صحة الاحتجاج به، وفي هذه الحال لا يكون استحسانًا. وإن كان الدليل الأقوى العقل والمصلحة فإن ذلك ليس دليلًا شرعيًّا فضلًا عن أن يكون أقوى من دليل شرعي، ولذلك لا يصح الاستدلال به. وفي هذه الحال يكون العدول باطلًا، وعليه فإن الاستحسان على هذا التعريف مردود ولا يصح اعتباره دليلًا شرعيًّا لأنه في إحدى حالتَيه يكون كتابًا، أو سنة أو إجماعَ صحابةٍ ولا يكون استحسانًا وفي الحالة الثانية يكون باطلًا لأنه عدول عن الدليل إلى ما ليس بدليل.
هذا من ناحية التعريفات أو التفسيرات للاستحسان. أما من ناحية أقسام الاستحسان فإن القسمَين الأولين «الاستحسان القياس واستحسان الضرورة» باطلان. أما الاستحسان القياسي فإنه يظهر بطلانه من بطلان القسم الثاني من تعريفات الاستحسان أو تفسيراته، وهي العدول بالمسألة عن نظائرها، وأيضًا فإن اعتبارهم له أنه قياس خفي باطل لأنه لا علاقة له بالقياس، وإنما هو تعليل مصلحي. فمثال ثمن المبيع المشترك بيعَ صفقة واحدة، فلا يصح أن يختلِف فيه الحكم في هلاك المال الذي قبضه أحد الشريكَين بأنه هلاك من مال الشركة عن قبض أحد الشريكين بأنه قبض للشركة، لأن المال سواء أكان السيارة المبيعة أو ثمنها مال الشركة وليس مال أحد الشريكَين، فهلاكه هلاك لمال الشركة وليس هلاكًا لمال القابض وحده. فهنا قد عدلوا بالاستحسان عن حكم الشرع وعن الدليل الشرعي إلى حكم غير الشرع وإلى تحكيم هوى النفس. فإنه إذا كان دَين مشترك لعدة أشخاص كدَين على شخص واحد لشريكَين فقبض أحد الشريكين من الدَّين مقدار حصته، وهلكت في يده قبل أن يأخذ الشريك الثاني حصته منه فإن الهالك يعتبر على حساب الاثنَين لا على حساب حصة القابض وحده، وذلك لأن الشريك وكيل وأمين، ويده يد وكالة ويد أمانة، فإذا قبض الدين قبضه للجميع، وإذا هلك في يده لا يسأل عن هلاكه لأن يده يد أمانة. هذا هو الحكم الشرعي الذي دلت عليه النصوص الشرعية، وليس ذلك قياسًا، أي ليست هذه المسألة من مسائل القياس ولم يثبت هذا الحكم بالقياس وإنما هو مسألة من مسائل الشركة ومن مسائل الأمانة، ثبتت بالدليل الشرعي من السنة، ولكن الذين يقولون بالاستحسان مع كونهم يُقرون بأن ما قبضه الشريك لا يحق له الاختصاص به بل لشريكه في الدَّين أن يطالبه بحصته من المقبوض، ولكنهم يقولون: إن الاستحسان يقضي بأن يُعتبر الهالك في يد القابض هالكًا من حصته فقط، فيعدلون عما يقتضيه الحكم الشرعي لغيره دون دليل سوى الاستحسان، أي استحسان المجتهد إذا رأى ذلك، بحجة أن الشريك لم يكن ملزَمًا بمشاركة القابض فيما قبض بل له أن يترك المقبوض للقابض ويلاحق المدين بالباقي وله أن يشاركه، فاستدلوا بذلك على كون هلاك المقبوض على القابض لا على الاثنين، وهذا هو ترك الدليل الشرعي وحكم بالهوى.
وأما استحسان الضرورة فهو ما خولف فيه حكم القياس نظرًا إلى ضرورة موجبة أو مصلحة مقتضية سدًّا للحاجة أو دفعًا للحرَج فاستحسان الضرورة عندهم يكون طريقًا إلى الأحكام المصلحية حسب ما يراه عقل المجتهد لا حسب ما يرى الشرع، ويخالف الشرع ويتبع العقل فيما يرى من مصلحة، فبطلانه ظاهر بأنه يحكم العقل وما يراه من مصلحة وليس النص الشرعي، ويرجح على العلة الشرعية التي دل عليها الشرع، وهذا باطل، ففي مثال الأجير ظاهر البطلان. فإن جَعْلَ الأجير المشترك يضمن، والأجير الخاص لا يضمن ترجيح بلا مرجح ومخالفة للنص الشرعي. فالرسول صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «لا ضمانِ على مؤتمن» فلا ضمان على من كان أمينًا على عين من الأعيان مطلقًا لأن تعبير الحديث بلا النافية للجنس (لا ضمان) يشمل كل مؤتمن سواء أكان أجيرًا خاصًّا أم أجيرًا عامًّا، فهذا الحكم بالاستحسان ترك للدليل وحكم بالهوى، فهو ترك للحديث، والحكم بما يراه العقل مصلحة وهو حتى لا يتقبل الأجير المشترك من أموال الناس أكثر من طاقته طمعًا في زيادة الكسب فيعرِّض أموال الناس للضياع، ولذلك ترك حديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فلا شك أن هذا الاستحسان باطل.
ومن ذلك يتبيّن بطلان الاستحسان في صورتَيه الأُولَيَين وهما الاستحسان القياسي واستحسان الضرورة. وأما استحسان السنة واستحسان الإجماع فإنه ليس استحسانًا وإنما هو ترجيح أدلة. ففي شهادة خزيمة ظاهر أنه ترجيح الحديث على القياس فهو من مواضع ترجيح الأدلة ولا علاقة له بالاستحسان. وفي موضوع الاستصناع ظاهر فيه أنه ترجيح لإجماع الصحابة، على أن الاستصناع ثابت بالسنة فإن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم استصنع خاتمًا واستصنع المنبر، فالاستصناع ليس من الاستحسان. على أن الأمثلة التي أوردها الذين يقولون بالاستحسان ثابتة بالأدلة الشرعية، فدخول الحمام من غير تقدير عوض ومن غير تقدير الماء ومدة اللبث في الحمام، وكذلك شرب الماء من يد السقائين من غير تقدير العوض ولا مبلغ الماء المشروب، ثابتة كلها بالسنة، فإن هذا مما جرى في عصر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مع معرفته به وتقريره له فهو ثابت بدليل التقرير من السنة لا بالاستحسان. وأما الأدلة التي أتَوا بها على أن الاستحسان حجة فإنها كلها لا تصلح للاستدلال لعدم انطباقها على الاستحسان بالمعنى الأصولي الذي أرادوه فآية: {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} (سورة الزمر: الآية 18) لا دلالة في اتِّباع أحسن القول، على اتِّباع الاستحسان بالمعنى الأصولي، بل يعني إذا كان هناك قولان أحدهما حسن والآخر أحسن يُتَّبع الأحسن.
ولكن إذا كان هناك دليل، فيتعيَّن اتباع الدليل. وآية {وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم} (سورة الزمر: الآية 55) لا دلالة فيها على أن الاستحسان دليل مُنْزَل، فضلًا عن كون {أَحْسَنَ} مُنْزَل، ولا علاقة لها بالاستحسان بالمعنى الأصولي. وأما حديث: «ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن» إنما يعني ما رأوه من المباحات. أما ما قام الدليل عليه بأنه فرض أو مندوب أو حرام أو مكروه أو باطل أو فاسد فإنه يجب اتِّباع الدليل لا اتِّباع ما رآه المسلمون. على أن هذا قد أوردوه في الشورى والرجوع لرأي المسلمين، ولا يجوز أن يَرِدَ في الاستدلال على الحكم الشرعي. فما يراه المسلمون ليس دليلًا شرعيًّا ولا يصح الاستدلال به على الحكم الشرعي، على أن الحديث لا علاقة له بالاستحسان بالمعنى الأصولي مطلقًا.
ومن ذلك كله يتبيَّن أن الاستحسان ليس دليلًا شرعيًّا بل هو حكم بالهوى، وهو ترك للدليل الشرعي وأخذ بما يستحسنه العقل ويراه مصلحة.

مَصَالحُ المرسَلَة
يعتبر بعض الأئمة والمجتهدين المصلحة دليلًا شرعيًا ويقسمونها ثلاثة أقسام، فيقولون: المصلحة بالنسبة لشهادة الشرع ثلاثة أقسام:
القسم الأول: ما شهد الشرع لها بالاعتبار فهي حجة ويرجع حاصلها إلى القياس وهو استنباط الحكم من معقول النص أو الإجماع.
القسم الثاني: ما شهد الشرع ببطلانها وذلك كقول أحد العلماء لأحد الخلفاء، لما واقع في نهار رمضان: إن عليك صوم شهرين متتابعين، فلما أنكر عليه ذلك حيث لم يأمره بإعتاق رقبة من اتِّساع مالهِ قال: لو أمرتُه بتلك لَسَهُلَ عليه واستحقر إعتاقَ رقبة في جنب قضاء شهوته، فكانت المصلحة في إيجاب الصوم لينزجر به فهذا قول باطل مخالف لنص السنة لأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قال للأعرابي الذي قال له: واقعتُ أهلي في رمضان، قال له: «أعتِق رقبة، قال: لا أجدها، قال: صُم شهرين متتابعين، قال: لا أُطيق، قال: أطعم ستِّين مسكينًا» ففيه دلالة قوية على الترتيب.
والقسم الثالث: ما لم يشهد له من الشرع بالبطلان ولا بالاعتبار نص معين، وهذا ما اُطلق عليه بأنه المصالح المرسلة. وقالوا: إذا كانت المصلحة قد جاء بها نص خاص بعينها كتعليم القراءة والكتابة، أو كانت مما جاء نص عام في نوعها يشهد لها بالاعتبار، كالأمر بكل أنواع المعروف والنهي عن جميع أمور المنكر فإنها في هاتَين الحالتَين لا تُعتبر من المصالح المرسلة، لأنها حينئذ ترجع إلى القياس، بل المصالح المرسلة هي المرسلة من الدليل، أي هي التي لا يوجد دليل عليها بل هي مأخوذة من عموم كون الشريعة جاءت لجلب المصالح ودَرْءِ المفاسد، فالمصالح المرسلة عندهم هي كل مصلحة لم يرد في الشرع نص على اعتبارها بعينها أو نوعها، فهي مرسلة أي مطلقة من الدليل، ولكن دلت على اعتبارها نصوص الشريعة بوجه كلي.
فَتُبنى على أساسها الأحكام الشرعية عند فقدان النص الشرعي في الحادثة أو فيما يشبهها، فتكون المصلحة هي الدليل. ففي هذا يستطيع الفقيه أن يحكم بأن كل عمل فيه مصلحة غالبة يصبح مطلوبًا شرعًا من غير أن يحتاج إلى شاهد خاص من نصوص الشرع يدل عليه. إلا أنهم يفرِّقون بين المصالح الشرعية وغير الشرعية، فيقولون: إن المصالح التي تصلح دليلًا هي المصالح التي تتفق مع مقاصد الشريعة، وإن من أول مقاصدها صيانة الأركان الضرورية الخمسة وهي: حفظ الدين وحفظ النفس وحفظ العقل وحفظ النسل وحفظ المال، وقد اتفقت الشرائع الإلهية على وجوب احترام هذه الأركان الخمسة وحفظها، ويتفرع عنها مصالح أخرى يفهم العقل أنها مصلحة، فيكون كونها مصلحة حسب تقدير العقل دليلًا شرعيًّا، إذ كل ما يؤيد المقاصد الشرعية ويساعد على تحقيقها فهو مصلحة. ولا يشترط في المصلحة أن تخالف القياس، بل قد تخالفه وقد تكون هي الدليل الشرعي ابتداءً.
والذين يقولون بالمصالح المرسلة يجعلونها تخصص النصوص الشرعية غير القطعية، فمثلًا يقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: «البيِّنة على المدَّعي واليمين على من أنكر» . فالذين يقولون بالمصالح المرسلة يرون أنه لو ادَّعى أحدٌ على آخر مالًا وعجزَ عن الإثبات وطلب تحليف المدعَى عليه اليمينَ فإنهم لا يوجبون تحليف المدَّعَى عليه إلّا إذا كان بينه وبين المدعي خلطة، كي لا يتجرأ السفهاء على الفضلاء فيجروهم إلى المحاكم بدعاوى كاذبة. فهؤلاء الذين يقولون بالمصالح المرسلة يعتبرون أنها أصل قائم بذاته كالكتاب والسنة إلى حدٍّ أنهم جعلوها تخصص الكتاب والسنة إذا كان النص غير قطعي. وقرروا أن الشريعة لم تأت في أحكامها إلّا بما هو المصلحة.
وما كان بالنص عُرف به، وما لم يُعرف بالنص فقد عُرف طلبه بالنصوص العامة في الشريعة. فعلى اعتبارهم هذا يستطيع المجتهد بأن يحكم بأن كل عمل فيه مصلحة لا ضرر فيها، أو كان النفع فيها أكبر من الضرر فهو مطلوب من غير أن يحتاج إلى شاهد خاص. وكل أمر فيه ضرر ولا مصلحة فيه، أو إثمه أكبر من نفعه فهو منهيٌّ عنه من غير أن يحتاج إلى نص خاص.
وقالوا: إنا وجدنا الشارع قاصدًا لمصالح العباد، وإن أحكام المعاملات تدور مع المصلحة حيث دارت، فترى الشيء الواحد يمنع في حال لا تكون فيه مصلحة، فإذا كانت فيه مصلحة جاز، كالدرهم بالدرهم إلى أجل، يمتنع في المبايعة ويجوز في القرض، وأن الشارع قصد في النصوص اتِّباع المعاني لا الوقوف عند النصوص. وقد دافعوا عن كون جعل المصالح دليلًا شرعيًّا يؤدي إلى جعل اتِّباع الهوى دليلًا شرعيًّا، فقرروا بالنسبة لارتباط الأهواء بالمصالح أن التلازم بينهما غير ثابت، فمصالح الشرع المعتبرة المقررة لا تلاحظ فيها الأهواء والشهوات المجردة. فالمصالح المعتبرة هي التي تعتبر من حيث نظام الحياة الدنيا للحياة الآخرة لا من حيث أهواء النفوس في جلب المصالح، لأن الشريعة جاءت لتخرج المكلَّفين من دواعي أهوائهم، ولأن الله تعالى يقول: {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ} (سورة المؤمنون: الآية 71). وقد استدلوا على الأخذ بالمصالح المرسلة بدليلين: أحدهما أن الشارع اعتبر جنس المصالح في جنس الأحكام، واعتبار جنس المصالح يوجب ظن اعتبار هذه المصلحة لكونها فردًا من أفرادها، فتكون المصالح المرسلة مما اعتبره الشارع.
ثانيهما: أن من يتتبع أحوال الصحابة رضي الله عنهم يقطع بأنهم كانوا يقنعون في الوقائع بمجرد المصالح ولا يبحثون عن أمر آخر فكان ذلك إجماعًا منهم على قبولها، ورووا أعمالًا عن الصحابة قالوا إنهم عملوها مستندين إلى المصالح المرسلة وعددوا عدة أعمال منها:
1 ـــــــ كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقومون بأمور لم تكن في عهده فجمع أبو بكر القرآن في مصحف، وأمر عثمان بنسخه وحرق ما عدا النسخة التي نسخها، ولم يكن ذلك في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولكن أبا بكر وعثمان رأيا المصلحة في القيام بذلك العمل فعملاه إذ خشيا أن يُنسى القرآن بموت حُفَّاظه.
2 ـــــــ اتفق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من بعده على حدِّ شارب الخمر ثمانين جلدة مستندين في ذلك إلى المصالح أو الاستدلال المرسل.
3 ـــــــ كان عمر بن الخطاب يشاطر الولاة الذين يتهمهم في أموالهم، لاختلاط أموالهم الخاصة بأموالهم التي استفادوها بسلطان الولاية، وذلك من باب المصلحة المرسلة.
4 ـــــــ روي عن عمر رضي الله عنه أنه أراق اللبن المغشوش بالماء تأديبًا للغاشّ، وذلك من باب المصلحة العامة كي لا يغشَّ البائعون الناس.
5 ـــــــ نقل عن عمر بن الخطاب أنه قتل الجماعة بالواحد إذا اشتركوا في قتله، لأن المصلحة تقتضي ذلك، إذ لا نص في الموضوع.
هذه خلاصة واقع المصالح المرسلة عند من يقولون بها، وهذه أدلتهم عليها. أما بالنسبة لأدلتها فإنَّ الدليل الأول فاسد من وجهين:
الأول: أن الادعاء أن الشارع اعتبر جنس المصالح في جنس الأحكام ادعاء باطل من أساسه ولا سند له من الشرع. فلم يأت نص لا من الكتاب ولا من السنة يدل على اعتبار جنس المصالح في جنس الأحكام.
وكذلك لم ينعقد إجماع الصحابة على هذا، وما دام لم يثبت ذلك لا في الكتاب ولا في السنة ولا في إجماع الصحابة، وهذه هي التي جاء بها الشارع، فيكون هذا الادعاء باطلًا من أساسه. وأما قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} (سورة الأنبياء: الآية 107) فإنه لا يفيد العلية لا بالصيغة ولا بالمعنى، فهو كقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَهُ اللّهُ إِلاَّ بُشْرَى} (سورة آل عمران: الآية 126) المراد منه أن تكون النتيجة التي تحصل من إرساله صلى الله عليه وآله وسلم أن يكون رحمة للناس، فكون الشريعة رحمة للعالمين ليس علة تشريع الشريعة وإنما هو النتيجة التي تحصل من الشريعة. وعليه فإن الشارع لم يعتبر جنس المصالح في جنس الأحكام الشرعية لأنه لم يجعلها علة لتشريع الشريعة ولا علة للأحكام الشرعية بجملتها، فلا يكون للمصالح المرسلة أي اعتبار شرعًا.
الثاني: أن النصوص الشرعية من الكتاب والسنة متعلقة بفعل معيَّن للعبد، فهي الدليل الشرعي على حكم الشرع في هذا الفعل، وهي ليست متعلقة بالمصلحة المفسدة، ولا جاءت دليلًا على المصلحة والمفسدة، فالله تعالى حين يقول: {فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ} (سورة البقرة: الآية 283) وحين يقول: {إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} (سورة البقرة: الآية 282) وحين يقول: {وَأَشْهِدُوْاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ} (سورة البقرة: الآية 282). إنما يبيّن حكم الرهن، وحكم كتابة الدَّين، وحكم الشهادة عند البيع، ولم يبيِّن أن هذا مصلحة أو ليس بمصلحة لا صراحة ولا دلالة، ولا يؤدي النص على أن هذا الحكم مصلحة أو ليس بمصلحة لا من قريب ولا من بعيد ولا بوجه من الوجوه، فمن أين يقال: إن هذه مصالح دلَّ عليها الشرع حتى تُعتبر هذه المصالح دليلًا شرعيًّا؟ وأيضًا فإن العلل الشرعية جاءت كالنصوص الشرعية متعلقة بفعل العبد، ودليلًا على علة حكم الشرع في هذا الفعل ولم تبيِّن المصلحة والمفسدة بل بيَّنت معنًى معينًا، وجعلته علةً للحكم ولم تقل عنه مصلحة أو مفسدة مطلقًا. فالله تعالى حين يقول: {لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ} (سورة الأحزاب: الآية 37) وحين يقول: {وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ} (سورة التوبة: الآية 60) إنما يبيِّن علة توزيع المال على الفقراء بأنها لمنع التداول بين الأغنياء، ويبين علة تزويج الرسول بزينب بأنها لبيان إباحة تزوُّجِ امرأةِ الابن المتبنَّى، فلم يبيِّن أن هذه العلة مصلحة أو مفسدة وإنما بيَّن شيئًا معينًا علةً لحكمٍ معيَّن دون أي اعتبار للمصلحة أو المفسدة وبدون أي نظر إليها لا من قريب ولا من بعيد، فمن أين يقال: إن هذه مصالح دلَّ عليها الشرع حتى تعتبر هذه المصالح دليلًا شرعيًّا؟!.
إن النصوص الشرعية التي دلت على الأحكام الشرعية سواء ما جاء منها معللًا بعلة وما جاء غير معلل إنما دلت على معان معيَّنة تبيِّن حكم الله في فعل العبد ولم تأت لجلب المصالح ودَرْءِ المفاسد فلا محل للمصلحة والمفسدة فيها لأن ذلك لم تدلّ عليه هذه النصوص، فلا يُقال: إن تحريم البيع عند أذان الجمعة مصلحة، وأن كون منابع النفط ملكية عامة مصلحة، وإن القصاص مصلحة، كما لا يقال: إن تحريم الزنى دَرْءُ مفسدة، وإن تحريم التجسس دَرْءُ مفسدة، وإن تحريم الربا دَرْءُ مفسدة، لا يقال ذلك لأن الله لم يقله، ولا يوجد دليل يدل عليه ولأن هذه الأحكام قد شرعها الله بالنصوص الشرعية، ومنها ما جاء معلَّلًا بعلةٍ نص عليها الشرع ومنها ما لم يكن معلَّلًا، وما جاء منها معلَّلًا لم يكن جلبُ المصلحة ودَرْءُ المفسدة علةً لأي حكم منها. فتحريم البيع عند أذان الجمعة كان لِعلةٍ فُهمت من النص الشرعي وهي الإلهاء عن الصلاة. فهذا الإلهاء كان علةً لأن النص الشرعي ورد به لا لأنه جلب مصلحة أو دفع مفسدة، فلا محل لوجود المصلحة والمفسدة هنا حتى ولا لبحثها، وكون النفظ ملكية عامة كان لعلة فُهمت من النص الشرعي وهي كونه حياة. فكونه حياة كان علة لأن النص الشرعي ورد به لا لأنه جلبُ مصلحة ودَرْءُ مفسدة، فلا محل لوجود المصلحة والمفسدة هنا أيضًا حتى ولا لبحثها. وهكذا جميع العلل الشرعية التي وردت وجميع الأحكام المعلَّلة إنما هي علل معيَّنة اعتُبرت لأنه ورد بها الشرع لا لأنها مصلحة أو مفسدة، ولذلك لا وجود لجلب المصلحة ودرء المفسدة في الأحكام المعلَّلة ولا في عللها مطلقًا. هذا بالنسبة لما جاء من الأحكام معلَّلًا، وأما ما جاء منها غير معلَّل فإنه كذلك لم يوجد فيه شيء يدل على جلب المصلحة ودرء المفسدة مطلقًا. فتحريم الزنى وتحريم التجسس وتحريم الربا لم يرد في أدلتها ما يدل على المصلحة والمفسدة مطلقًا فلا يقال: إن الزنى حرِّم لدرءِ المفسدة وإن التجسس حُرِّم لدرءِ المفسدة وإن الربا حرم لدرءِ المفسدة، لأن ذلك لم يكن كذلك، ولا يوجد ما يدل عليه مطلقًا ولا بوجه من الوجوه. وعليه فإن الادِّعاء بأن الشرع اعتبر جنس المصالح في جنس الأحكام ادِّعاءً باطلًا لا يوجد ما يدل عليه في الأحكام الشرعية، لا الأحكام غير المعلَّلة، ولا الأحكام المعللة حتى ولا عللها. ولهذا لا يجوز أن يقال: يجب أن يباح للناس الاستيراد لأنه مصلحة أو يمنع الناس من الاستيراد لأنه مفسدة، كما لا يقال: إن الزنا حرِّم لدفع المفسدة، والتجارة حُرِّمت عند أذان الجمعة لدفع المفسدة، وجعلت الأنهار ملكًا عامًّا لأنه مصلحة، وفرض الجهاد لأنه مصلحة، لا يقال ذلك، لأن النص الشرعي لم يقل هذا مطلقًا، ولا يفهم ذلك منه لا منطوقًا ولا مفهومًا. فالادعاء به افتراء على الله ومخالف للواقع. وإذا كان الشرع لم تدل نصوصه على أنها جاءت لمصلحة لا في دلالتها على الحكم ولا في دلالتها على علة الحكم، فلا يجوز أن يقال: إن النصوص دلت على مصالح بعينها أو على مصالح بنوعها، لأن ذلك لم يأت شيء منه في النصوص الشرعية مطلقًا، وبهذا يظهر بطلان القول بأن النصوص الشرعية جاءت دليلًا على مصالح بعينها أو بنوعها، لأنها لم تدل على مصالح مطلقًا لا بعينها ولا بنوعها، فلا تعتبر هذه المصالح دليلًا شرعيًا. وإذا كان هذا فيما يقولون إنه مصالح ورد نص من الشرع باعتبارها بعينها أو نوعها، من حيث إنه باطل فإنه من باب أولى أن لا تُعتبر المصالح التي لم يرد نص في الشرع يدل عليها دلالةً شرعيةً، أي من باب أوْلى أيضًا أن يكون اعتبارها دليلًا شرعيًا باطلًا، علاوة على أنها مبنية على تلك، فإذا بطلت الأُولى بطل ما بُني عليها. أو بتعبير آخر، إذا بطل وجود المصلحة فيما جاء من النصوص الشرعية «والمصالح المرسلة مبنيَّة على أن الشرع قد نص على جنس المصلحة في جنس الأحكام» فإنه يبطل ما هو مبنيٌّ عليه، أي يبطل اعتبار المصالح المرسلة دليلًا شرعيًّا. فهذان الوجهان يدلان على بطلان دليلهم الأول وهو أنه ما دام الشرع قد اعتبر جنس المصالح في جنس الأحكام، فالمصلحة التي لم يأت دليل يدل عليها فرد من أفراد المصالح التي اعتبر الشارع جنسها، فتكون داخلة في اعتبار الشارع هذا الدليل باطلًا لأن الشارع لم يجعل المصلحة علة لتشريع الشريعة بوصفها كلًّا، ولأنه لم يجعلها علة لأي حكم من أحكام الشريعة، أي لأنه لم يعتبر جنس المصالح في جنس الأحكام. وأما كون نفس الحكم هو جلب مصلحة مثل وجوب العمل على القادر المحتاج أو دفع مفسدة مثل تحريم الرشوة، وأما كون نفس العلة هي مصلحة مثل كون ما كان من مرافق الجماعة ملكية عامة أو دفع مفسدة مثل كون قتل الوارث يمنع من الإرث، فإن هذا كله لا يصح أن يكون دليلًا على أن الشارع اعتبر جنس المصالح في جنس الأحكام، لأن الحكم الشرعي نفسه لا يصلح دليلًا، لأنه هو نفسه المستدل عليه، وكذلك العلة لا تصلح دليلًا لأنها هي نفسها المستدل عليه. ولهذا لو فرضنا أن الحكم الشرعي دل على شيء هو مصلحة أو دفع مفسدة فإن دلالته غير معتبرة دليلًا شرعيًّا لأن الدليل الشرعي هو النص الذي جاء دليلًا على الحكم وليس الحكم نفسه. وكذلك لو فرضنا أن العلة الشرعية دلت على شيء هو مصلحة أو دفع مفسدة فإن دلالتها غير معتبرة دليلًا شرعيًّا، لأن الدليل الشرعي هو نفس النص الذي جاء دليلًا على العلة وليس العلّة نفسها، وعليه تكون دلالة الحكم أو العلة على المصلحة أو دفع المفسدة دليلًا على المصلحة أو دفع المفسدة فلا تكون دلالتها دلالة الشرع، وبذلك لا تصلح حجة على أن الشرع قد اعتبر جنس المصالح في جنس الأحكام. على أن اعتبار ما دل عليه الحكم مصلحة أو دفع مفسدة أو اعتبار ما دلت عليه العلة مصلحة أو دفع مفسدة إنما هو في نظر المسلم وفي المجتمع الإسلامي. أما غير المسلم فلا يرى ذلك، لأن كون الشيء مصلحة أو مفسدة إنما يتبع وجهة نظره في الحياة. ذلك أن الأفكار إذا أصبحت مفاهيم أثَّرت على سلوك الإنسان، وجعلت سلوكه يسير بحسب المفاهيم، فتعتبر نظرته إلى الحياة، وتبعًا لتغيُّرها، تتغير نظرته إلى المصالح. فاعتبار الإنسان هذا الشيء مصلحة أو ليس بمصلحة إنما يتبع وجهة نظره في الحياة، ولهذا فهي مصالح من وجهة نظر المسلم وليست مصالح من وجهة نظر غير المسلم. والشرع إنما جاء للإنسان، فما يقول عنه إنه مصلحة هو مصلحة بحسب واقعه عند الإنسان لا بحسب وجهة نظر المسلم فحسب، فلو قال هذا مصلحة لكان مصلحة عند جميع الناس، ولذ لك لم يقل هذا الحكم مصلحة أو دفع مفسدة أو هذه العلة مصلحة أو دفع مفسدة.
وإنما قال الحكم هو كذا مبيِّنًا ما هو فقط، دون أن يذكر أنه مصلحة أو ليس بمصلحة، وبهذا يكون الحكم نفسه لم يدل على مصلحة أو دفع مفسدة، وإنما المسلم هو الذي فسره بذلك وقال عنه، وهذا يثبت أيضًا أن الأحكام والعلل أيضًا لم تقل عن الأحكام إنها مصلحة أو دفع مفسدة. على أن المسلم نفسه في المجتمع غير الإسلامي لا يرى مصلحة دنيوية له في بعض الأحكام لأنها لا تجلب له منفعة، فمثلًا في المجتمع الرأسمالي يُعتبر الربا جزءًا هامًّا في الحياة التجارية والحياة الاقتصادية برمَّتها، فإذا التزم عدم التعامل بالربا جرَّ ذلك عليه خسارة أو على الأقل قلل من أرباحه، فلا يرى ذلك مصلحة دنيوية له وإنما يعمل به لأنه حكم شرعي فقط. وبهذا أيضًا لا يكون الحكم الشرعي أو العلة الشرعية قد دلَّا على مصلحة. وبهذا ينتفي نفيًا باتًّا الزعم بأن الشارع اعتبر جنس المصالح في جنس الأحكام. وإذا انتفى ذلك انتفت المصالح المرسلة لأنها مبنيَّة عليه.
وأما بالنسبة للدليل الثاني من أدلتهم فهو فاسد لوجهتين:
أحدهما: أن ما استدلوا به على أنه إجماع الصحابة ليس إجماعًا وإنما هو فعل أفراد منهم، فإنهم استشهدوا بفعل أفراد عديدين من الصحابة. وَروَوا أعمالًا عنهم قالوا إنهم عملوها مستندين إلى المصالح المرسلة، وهذا لا يعتبر إجماعًا حتى ولا إجماعًا سكوتيًا، لأنه وإن كان أعمالًا لعدد من الصحابة ولكنها أعمال متفرقة لصحابة متفرقين وليست هي عملًا واحدًا أو قولًا واحدًا أجمع الصحابة عليه ولا سكتوا عليه. ولهذا فإنه لا يعتبر إجماعًا وإنما يعتبر عمل أفراد. وفعلُ آحادِ الصحابة لا يُعتبر دليلًا شرعيًّا على فرض أن أفرادًا من الصحابة قد اعتبروا المصالح المرسلة دليلًا شرعيًّا وساروا عليها.
ثانيهما: أنه غير صحيح أن الصحابة اعتبروا المصالح المرسلة دليلًا شرعيًّا، ولم يُنقل عن أحد من الصحابة ولا في رواية صحيحة أو سقيمة أنهم اعتبروا المصالح المرسلة دليلًا. وأما ما فهمه الذين يقولون بالمصالح المرسلة من أعمال الصحابة بأنها تدل على اعتبارهم المصلحة دليلًا على فرض صحة الفهم فإنه لا يعني أن الصحابة اعتبروا المصالح المرسلة دليلًا شرعيًّا. وإنما كان الصحابة مطلعين على الأدلة الشرعية ضليعين بها، ولم يكن بعد قد قُعِّدت القواعد ولا نُظِّمت الشروط ولم يكن علم أصول الفقه من أصله موجودًا، فكانوا يعطون الحكم في المسألة دون أن يلتفتوا إلى الشرائط المعتبرة عند فقهاء العصور التي جاءت بعدهم في القياس والأصل والفرع، ودون أن يستندوا إلى ما وُضع بعدهم من قواعد مثل الضرر يُزال، ومثل الوسيلة إلى الحرام محرَّمة، وما شاكل ذلك، وإنما كانوا هم يستنبطون الحكم من الدليل حسب سليقتهم السليمة في معرفة اللغة وفهم الشريعة فظن بعض من لم ينتهوا إلى ذلك أن الصحابة إنما راعوا المصالح. والحقيقة ليست كذلك فإن الصحابة تقيدوا بالكتاب والسنة ولم يخرجوا عنها، ولا يوجد لهم عمل أو قول إلا وهو مستند إلى دليل شرعي.
على أن الأمثلة التي جاؤوا بها كلها لا تدل على المصلحة العقلية، وإنما كل مثال منها مستند إلى دليل شرعي. فأمر أبي بكر بجمع القرآن وأمر عثمان بنسخ المصحف وإحراق سائر المصاحف، قد يدلَّان على أنه إزالة ضرر عظيم «على الأقلّ» فإنه لما كثُر القتل في حُفَّاظ القرآن، وخِيفَ على القرآن من الضياع إن استمر القتل في القُرَّاء رأوا جمع القرآن ثم إن وقوع الاختلاف في قراءة القرآن باختلاف نسخ المصاحف خِيفَ أن يحصل من جرائه اختلاف في القرآن بين المسلمين، ولذلك قال حذيفة بن اليمان لعثمان: أدرك المسلمين قبل أن يختلفوا، فأمر بنسخ المصاحف في نسخة واحدة وأحرق ما سواها. فهذا كله ضرر أزاله خليفة المسلمين، وهذا ليس مصلحة عمل بها من عنده، وإنما لأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أمر بإزالة الضرر.
وأما حدُّ شارب الخمر، فإنه ثابت بالسنة، والرسول صلى الله عليه وآله وسلم حدَّ شارب الخمر فعن أنس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أُتي برجل قد شرب الخمر فجُلد بجريدتين نحو أربعين. وفي رواية النسائي: «أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم ضربه بالنعال نحوًا من أربعين» وفي رواية لأحمد والبيهقي: «فأمر نحوًا من عشرين رجلًا فجلده كل واحد جَلدتين بالجَريد والنعال» وأما ما روي عن علي عليه السلام أنه قال: «جَلد النبي صلى الله عليه وآله وسلم أربعين، وأبو بكر أربعين، وفعله الصحابة أربعين وثمانين، فهذا يعني أن أقله أربعون وأكثره ثمانون وهو متروك للإمام. وعليه فليس ذلك من المصالح المرسلة، فهو لم يشرع ثمانين للمصلحة بل ترك للخليفة بوقعه أربعين ويوقعه ثمانين».
وأما ما فعله عمر رضي الله عنه فإنه من باب رعاية الشؤون التي للخليفة أن يقوم بها حسب رأيه واجتهاده، ضمن أحكام الشرع، كتعيين الولاة ومحاسبتهم وكإنفاق مال بيت المال وكعقد المعاهدات وغير ذلك، فإن قيامه به آت من حيث كون الشرع قد جعل له ذلك فهو يقوم به بحكم شرعي وليس للمصلحة.
وما يراه هو راجع لاجتهاده وبذله النصح للمسلمين، وفعل الخليفة ليس حكمًا شرعيًا دليله المصلحة وإنما هو من المباحات التي يختار منها ما يشاء. وأما إراقة اللبن المغشوش فهو من باب الحسبة، حيث يتفقد السوق كما فعل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حين رأى صبرة قمح فمد يده فإذا بها بلل فقال لصاحب الصبرة: ما هذا؟ فقال: إن السماء مطرتنا فقال له: اجعل البلل ظاهرًا حتى يعرفه الناس، فعمر كان يقوم بالحسبة لمراقبة البائعين، ولما رأى اللبن مغشوشًا عاقب الغاش، وعقوبته هذه بإراقة لبنه من باب التعزير، وهي عقوبة جعل تقديرها للإمام أو للقاضي وله أن يقدرها كما يرى وليست هي حكمًا شرعيًّا دليله المصلحة.
وهكذا جميع الحوادث التي رووها عن الصحابة ليس في واحدة منها مصلحة وإنما هي مستندة إلى أدلة شرعية، وبذلك سقط استدلالهم بعمل آحاد الصحابة على فرض اعتباره دليلًا شرعيًّا.
ومن ذلك يتبيّن أن الأدلة التي أتَوا بها للاستدلال على أن المصالح المرسلة دليل شرعيٌّ أدلةٌ باطلة من أساسها وبذلك يسقط الاستدلال بها. وحينئذ لا تعتبر المصالح المرسلة حجةً شرعيةً لعدم وجود دليل يدل على حجيتها. وهذا وحده كافٍ لعدم اعتبارها دليلًا شرعيًّا. ومع ذلك فإن واقع المصالح المرسلة من حيث هي حسب تعريفهم لها يدل على عدم حجيتها، فإن من دراستها يتبيَّن أن اعتبارها دليلًا شرعيًّا فاسد من عدة وجوه:
أحدها: أنها تناقض تعريف الحكم الشرعي، أي أنها تناقض واقع الحكم الشرعي. فاعتبارها دليلًا للحكم الشرعي باطل من أساسه، ذلك أن الحكم الشرعي هو خطاب الشارع، سواء قلنا: إنه «خطاب الشارع المتعلق بأفعال العباد» أو قلنا إنه: «خطاب الشارع المفيد فائدة شرعية» أو قلنا: إنه «خطاب الله» فإنه على أي قول وعلى كل حال قد اتفق على أن الحكم الشرعي هو خطاب الله أو خطاب الشارع أي الله تعالى. والحكم الذي يجعل دليله مصلحة لا دليل لها من خطاب الشارع لا يعتبر حكمًا شرعيًّا مطلقًا، لأنه لا ينطبق عليه واقع الحكم الشرعي وهو خطاب الشارع، فيكون اعتبار المصلحة التي لم يدل عليها الشارع دليلًا شرعيًّا على الحكم الشرعي باطلًا، لأن ما يستند إليها لا ينطبق عليه واقع الحكم الشرعي. ولا يقال: إن مجموع الشرع دل عليها، لأنه لا يقال لمجموع الشرع: إنه حكم شرعي، ولا يقال عن مجموع الشرع: إنه يدل على جزئية لامتناع ذلك واقعًا، إذ لا يدل المجموع على جزئية فلا يكون مجموع الشرع دالًّا على خطاب معيَّن لهذه الجزئية.
ثانيها: أن الله تعالى يقول: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} (سورة الحشر: الآية 7). والمصلحة المرسلة أتى بها العقل ولم يأت بها الرسول، لأن العقل هو الذي أتى بها من عنده لا فهمًا من نص معيَّن. ولذلك يقول الذين يعتبرون المصالح المرسلة دليلًا: إن الشارع لا يأذن إلّا بما هو مصلحة ولا ينهى إلّا عمَّا هو مفسدة، وفي طاقة العقل البشري أن يدرك أَوْجُهَ المصلحة في شؤون الدنيا ويعرفها فيحصلها بأمر الشارع وإن لم يرد نص صريح خاص بها. فهم إذن يعتبرون العقل قادرًا على فهم المصلحة والمفسدة بناء على أن الشارع لا يأتي إلا بما هو مصلحة، فالعقل عندهم هو الذي أتى بها، وما أتى به العقل لا يجوز أخذه حكمًا شرعيًّا، لأنه لم يأتِ به الرسول. وإن مفهوم {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ} أن ما أتاكم من غير الرسول لا تأخذوه. وكلمة {الرَّسُولُ} وصف مُفهم وليس بجامد أي ليس بلقب، فيكون له مفهوم المخالفة. ومعناه كل ما لم يأتكم به الرَّسول لا يجوز أن تأخذوه، فما أتاكم به العقل من الأحكام لا تأخذوه.
ثالثها: أن الله تعالى قال: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهمْ} (سورة النساء: الآية 65) ويقول: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} (سورة المائدة: الآية 45) «الفَاسِقُونَ» «الْكَافِرُونَ» ويقول: {وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ} (سورة الأنعام: الآية 153) وجعلُ المصالح المرسلة دليلًا شرعيًّا هو تحكيم لغير ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من كتاب وسنة، وهو حكم بغير ما أنزل الله، بل بما جاء به العقل، وهو أيضًا اتِّباع لغير الشرع، لأنه اتِّباع للعقل، وهذا مخالف لنص الآيات ولذلك لا يجوز جعل المصالح المرسلة دليلًا شرعيًّا.
رابعها: أننا مأمورون باتِّباع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحده قال تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ} (سورة آل عمران: الآية 31) والرسُول لا يأتي بشيء إلا من الوحي {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} (سورة النجم: الأيتان 3 ـــــــ 4) {قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُم بِالْوَحْيِ} (سورة الأنبياء: الآية 45) فنحن مأمورون باتِّباع ما جاء به الوحي. ومفهومه أننا منهيُّون عن اتِّباع غير ما جاء به الوحي، أي عن اتِّباع غير الرسول.
وجعل المصالح المرسلة دليلًا شرعيًّا هو اتِّباع للعقل، فهو اتباع لغير الرسول، أي لغير ما جاء به الوحي، فلا يكون ما يدل عليه حكمًا شرعيًّا، فلا يجوز أن تكون المصالح المرسلة دليلًا شرعيًّا.
خامسها: أن الله تعالى يقول: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً} (سورة المائدة: الآية 3) فهذه الآية صريحة بأن الله قد أكمل الدين فجعلُ المصالحِ المرسلة دليلًا «وهي المصالح التي دل عليها العقل من غير دليل شرعي لعدم وجود دليل يدل عليها» معناه أنّ الشريعة الإسلامية غير كاملة بل هي ناقصة بدليل أنه وُجدت أعمال لم يوجد لها دليل من الشريعة فجاء العقل وبيَّن لها دليلًا ببيان المصلحة التي فيها فتكون المصالح المرسلة قد كمَّلت الشريعة بعد أن ثبت نقصانها. وهذا مناقض لنص الآية الصريح، ومخالف لواقع الشريعة، إذ ما من واقعة إلّا ولله فيها حُكم. ولا مشكلة إلّا ولها محل حكم شرعي، فيكون اعتبار المصالح المرسلة دليلًا شرعيًّا مناقضًا للقرآن ولواقع الشريعة.
سادسها: أن المصالح المرسلة اشترطوا فيها حتى تكون مرسلة أن لا يَرِدَ نص في الشرع يدل على اعتبارها لا بعينها ولا بنوعها، فيكون اشتراطهم أن لا يكون لها دليل معيَّن من الشرع كافيًا لإسقاطها من اعتبار الشرع. لأن عدم ورود دليل من الشرع يدل عليها كافٍ لردها، لأن الحكم المراد أخذه حكم الشرع لا حكم العقل، فلا بدّ لاعتباره من الشرع أن يرد دليل يدل عليه. فاشتراط أن لا يدل عليها نص من الشرع كافٍ لنفي الشرعية عنها واعتبارها غير شرعية.
وأما كونها تُفهم من مقاصد الشريعة فإن مقاصد الشريعة ليست نصًّا يُفهم حتى يعتبر ما يفهم منها دليلًا، فلا قيمة لما يُفهم منها في الاستدلال على الحكم الشرعي.
ثم إن ما يسمى بمقاصد الشريعة إن أُريد به ما دلت عليه النصوص مثل تحريم الزنا وتحريم السرقة وتحريم قتل النفس وتحريم الخمر وتحريم الارتداد عن الإسلام، فإنه ليس مقصدًا للشريعة وإنما هو حكم لأفعال العباد فيُوقَف فيه عند مدلول النص. وإن أُريد حكمة الشريعة كلها، أي حكمة إرسال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من كونه رحمة للعباد فإنها حكمة وليست علة، والحكمة قد تحصل وقد لا تحصل، فلا تتخذ أصلًا يستدل به، لإمكانية تخلفها. ولهذا لا يصلح ما يسمى بمقاصد الشريعة لأن يكون ما يفهم منه يعتبر دليلًا شرعيًا.
ومن ذلك كله يتبيّن بطلان اعتبار المصالح المرسلة دليلًا شرعيًّا، فلا تصلح لأن تكون دليلًا من الأدلة الشرعية.

cetirizin netdoktor cetirizin csepp cetirizin hund dosis



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB