الثقافة والثقافة الإسلامية
الطبعة : الطبعة الرابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   711
تاريخ النشر :   1993




القياس

القياسُ في اللغةِ التقديرُ، ومنهُ يقالُ: قِسْتُ الأرضَ بالمترِ، وقِسْتُ الثّوبَ بالذراع، أي قَدّرْتُهُ، وهو يستدعي أمرين يضافُ أحدُهما إلى الآخرِ بالمساواةِ، فهو نسبةٌ وإضافةٌ بينَ شيئينِ، ولهذا يُقالُ: فلانٌ يقاسُ بفلانٍ ولا يُقاسُ بفلانٍ، أي يُساويهِ ولا يساويه. وأمّا في اصطلاحِ الأصوليّينَ. فالقياسُ هو إلحاقُ أمْرٍ بآخرَ في الحكمِ الشرعيّ لاتحادٍ بينهما في العِلّةِ، أي لاتحادِهِما في الباعثِ على الحُكْمِ في كلٍّ منهما:
فتعاريفُ القياسِ كلّها تقتضي وجودَ مُشبّهٍ ومشبّهٍ بهِ ووجهَ شَبَهٍ. أي يقتضي ومقيسًا عليهِ ووجهَ القياسِ.
إنّ الذي يجعَلُ القياسَ موجودًا هو اشتراكُ المقيسِ والمقيسِ عليهِ في أمْرٍ واحدٍ، أي وجود جامع بينهما، وهذا الأمْرُ الواحدُ الجامعُ بينَ المقيسِ والمقيسِ عليه هو الباعثُ على الحكمِ.
وبناءً عليهِ فلا يدخلُ في القياسِ قياسُ حكْمٍ على حُكْمٍ للتماثُلِ بينهُما فالقياسُ المعتبَرُ هو الذي يرجعُ إلى النصِّ نفسِه لا غير. والمرادُ بالقياسِ القياسُ الشرعيّ لا القياسُ العقليّ، أي القياسُ الذي وجدَتْ فيهِ أمارةٌ من الشرعِ تدلّ على اعتبارِهِ، أي وجدتْ فيهِ علّةٌ شرعيّةٌ ورد بها نصّ شرعيّ معيّنٌ.
وأمّا القياسُ العقليّ الذي يفهَمهُ العقْلُ منْ مجموعِ الشرعِ، دونَ أنْ يكونَ هناكَ نصّ معيّنٌ يدلّ عليهِ، أو الذي يفهَمهُ منْ قياسِ حكمٍ على حكمٍ لمجرّدِ التماثُلِ عقلًا، دونَ أنْ يكونَ هناكَ باعثٌ على الحكمِ وردَ بهِ الشرعُ. فإنّ ذلكَ كلّهُ لا يجوزُ ولا بوَجْهٍ منَ الوجوهِ.
أمّا ما قالوهُ في أحكامِ الغَصْبِ من أنّ على الغاصِبِ رَدّ عينِ المغصوبِ ما دامَ قائمًا، ورَدّ مثله أو قيمتِهِ إذا تلف، فيقاسُ على تَلَفِ المغصوبِ تغييرُ عينهِ تغييرًا يجعلُهُ شيئًا آخرَ غيرَ الأوّلِ، كطحْنِ الحنطةِ المغصوبةِ، أو صنْعِ قطعةِ الفولاذِ سيْفًا أو ما شاكلَ ذلكَ، لأنّهُ يُشْبِهُ التلف في زوالِ العين الأولى، فهذَا ليسَ منْ قياسِ الحكمِ وإنما هو من قياسِ العلّةِ فالتلَفُ عِلّةُ الرّدّ فيُقاسُ على هذهِ العلّةِ كلّ ما تحقّقَ فيها ممّا يجعلُها عِلّةً، والذي جَعَلَهَا عِلّةً زوالُ عيْنها، فكلّ ما تزولُ بهِ العينُ يُعتَبَرُ عِلّةً قياسًا على التلفِ، ولذلكَ كانَ تغييرُ العَينِ عِلّةً كالتلفِ إذ زالتْ بهِ العينُ عما كانتِ عليهِ، فحكمُ الغصْبِ ردّ العينِ المغصوبةِ عملًا بعمومِ قولِ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. «على اليدِ ما أخذتْ حتى تؤَدّيه» فإنّهُ دليلٌ على أنّهُ يجبُ الإنسانِ ردّ ما أخذتْهُ يدهُ من مالِ غيرِهِ باعتبارهِ عينًا أو إجارةً أو غصبًا. ولكنْ إذا تلفت العينُ المغصوبةُ فعلى الغاصبِ رَدّ مثلِها أو قيمتها لما رُويَ عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ كسرَ شيئًا فهوَ لهُ وعليهِ مثلهُ» ، فهذا دليلٌ على حكمِ المتلفِ منه تلَف عينِ المغصوبةِ، والتلفُ علَةٌ لردِّ القيمةِ أوِ المثلِ فيكونُ دليلًا على العِلَّةِ ومن هنا لا يأتي قياسٌ على حُكْمٍ لمجردِ التشابهُ بينَ الوظيفتينِ بلْ لا بدَّ منْ أن تكونَ هناكَ علّةٌ دَلّ عليها الدليلُ الشرعيّ.
هذا هو القياسُ الشرعيّ الذي يُعْتَبَرُ دليلًا شرعيًّا.
والقياس من الأمور الدقيقة جدًا، وينبغي أن يعلم أن هذا القياس إنما هو لذوي العقول التي تفهم النصوص والأحكام والحوادث، وليس هو لكل واحد من الناس يقوم به حسب ما يهوى ووفق ما يشتهي، بل لا بدّ أن يكون لمن آتاهم الله بصيرة وفهمًا وإلّا كان وسيلة من وسائل الهدم والبعد عن حقيقة حكم الله.
والقياس إنما هو إلحاق فرع بأصل. ولذلك لا يعني القياس العموم في عبارة النص العام ولا يعتبر من القياس، لأن النص العام يشمل جميع الأفراد الداخلة في مفهومه فقط. فقوله تعالى: {فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} (سورة الطلاق: الآية 6) لفظ عام يشمل إجارة المرضع والعامل والدار والسيارة وغير ذلك، ولا يقال: قيست إجارة العامل على إجارة المرضع أو قيست إجارة السيارة على إجارة العامل بل هي داخلة تحته وفرد من أفراده. وقوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} (سورة المائدة: الآية 3) لفظ عام يشمل جميع أنواع الميتة سواء أكانت معبأة في علبٍ أم لا، فلا يقال: إن تحريم لحم العلب الذي لم يذبح حيوانه ذبحًا شرعيًا قياس على لحم الميتة، بل لحم العلب هذه لحم ميتة فهو داخل تحت الميتة وفرد من أفرادها. أما القياس فإنه يجعل النصوص شاملة لما يدخل في معقولها من أنواع الحوادث وأفرادها بطريق الإلحاق للاشتراك في العلة، فمثلًا ثبت في أحكام الشريعة أن الأجير يجبر على القيام بما استؤجر عليه لأن الإجارة من العقود اللازمة، ولم يشمل ذلك النص الوكيل لأن الوكالة من العقود الجائزة، لكن الوكيل إذا وكل بأجرة فحينئذ يقاس على الأجير، لأن الوكيل بأجرة كالأجير بأجرة لوجود الأجرة لكلٍّ منهما، واعتبر الوكيل في حالة أخذه أجرة مجبرًا على القيام بما وكل به لأنه بتقاضيه الأجرة أصبح كالأجير، لأن الأجرة هي الباعث على حكم الإلزام في الإجارة فكذلك تكون الوكالة الباعث على حكم الإلزام.
بخلاف ما لو كان وكيلًا من غير أجر فلا يجبر ولا يقاس على الأجير لعدم وجود الأجرة الموجودة في الأجير، ولهذا فإن القياس لا يعني العموم وإنما يعني جعل النص يشمل أنواعًا أخرى أو أفرادًا أخرى من الحوادث لا بلفظه بل بطريق الإلحاق لاشتراكها مع ما جاء فيه في العلة. ومن ذلك يتبين أن وجود أركان القياس أمر حتمي ليتأتى القياس، فإذا لم يوجد ركن واحد منها لم يصح القياس، ولذلك لا بدّ من معرفة أركان القياس.
أركان القياس
القياس يقتضي أركانًا لا يتمّ بدونها وهيَ:
الفرعُ الذي يُرادُ قياسُهُ.
والأصْلُ الذي يُرادُ القياسُ عليهِ.
والحكْم الشرعيُّ الخاصّ بالأصلِ.
والعِلّةُ الجامعةُ بينَ الأصلِ والفرْعِ.
ومثالهُ تحريمُ الإجارَةِ عندَ أذانِ الجمعَةِ قياسًا على تحريمِ البَيْعِ عنْدَ أذانِ الجمعةِ، لوجودِ العلّةِ وهي الإلهاءُ عن صلاةِ الجمعَةِ، فالفرعُ هنا الإجارَةُ، والأصلُ البَيْعُ.
والحكْمُ الشرعيّ الخاصّ بالأصلِ التحريمُ الموجودُ في البيْعِ عندَ أذانِ الجمعةِ والعِلّةُ هيَ الإلهاءُ عنْ صلاةِ الجمعةِ.
وليسَ حكمُ الفرْعِ منْ أركانِ القياسِ إذ الحكمُ في الفرع متوقف على صحّةِ القياسِ فلو كانَ ركنًا منهُ لتوقّفَ على نفسهِ وهو محالٌ.
وعلى هذا فشروطُ القياسِ لا تخرجُ عن شروطِ هذهِ الأركانِ فمِنْها ما يعودُ إلى الفرْعِ، ومنها ما يعودُ إلى الأصلِ، ومنها ما يعودُ إلى حُكْمِ الأصلِ، ومنها ما يعودُ إلى العِلّةِ.
شُروط الفرع
الفَرْعُ هو نَفْسُ الحكْمِ المتَنَازَعِ فيهِ، وهو مَقيسٌ، ويُشترَطُ فيهِ خمْسَةُ شروطٍ:
1 ـــــــ أنْ يكونَ خاليًا منْ مُعارِضٍ راجحٍ يقتضي نَقيضَ ما اقتضتْهُ عِلّةُ القِياسِ.
2 ـــــــ أنْ تكونَ العِلّةُ الموجودةُ فيهِ مُشاركةً لِعِلّةِ الأصلِ. إمّا في عينِها وإمّا في جنسِها.
3 ـــــــ أنْ يكونَ الحكْمُ في الفرْعِ مماثلًا لحُكْمِ الأصْلِ في عينهِ، كوجوبِ القصاصِ في النّفْسِ.
4 ـــــــ أنْ لا يكونَ حُكْمُ الفرْعِ منصوصًا عليه.
5 ـــــــ أنْ لا يكونَ حُكْمُ الفَرْعِ مُتقدّمًا على حُكْمِ الأصلِ.
شروط الأصل
الأصلُ ما بُنيَ عليهِ غيرُهُ، أي ما عُرِفَ بنفسِهِ، منْ غيرِ افتقارٍ إلى غيرِهِ وهو مقيسٌ عليهِ، وشَرْطهُ ثبوتُ الحكْمِ فيهِ، لأنّ إثباتَ مثلِ حُكْمِ الأصلِ في الفرْعِ فَرْعٌ عن ثبوتهِ فيهِ، ولذلكَ يُشتَرَطُ في الأصلِ ثبوتُ الحكمِ فيهِ.
شرُوط حُكمِ الأصل
يُشترَطُ في حُكْمِ الأصلِ خمْسَةُ شرُوطٍ:
1 ـــــــ أنْ يكونَ حُكْمًا شرْعيًّا تابعًا بدليلٍ منَ الكتابِ، أوِ السنّةِ أوِ الإجماعِ.
2 ـــــــ أنْ لا يكونَ الدليلُ الدالّ على حُكْمِ الأصلِ مُتناولًا للفرع.
3 ـــــــ أنْ لا يكونَ الدّليلُ الدّالّ على إثباتِ حُكْمِ الأصلِ دالّا على إثباتِ حُكْمِ الفَرْعِ وإلّا فلنْ يكونَ أحدهُما أصلًا للآخَرِ ولا يكونَ أحدُهُما أوْلى منْ أخيهِ.
4 ـــــــ أن يكون حكمُ الأصل مُعلَّلًا بعلة معينة غير مُبهمةٍ.
5 ـــــــ أن يكون حكم الأصل غير متأخرٍ عن حكم الفرع.



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB