الثقافة والثقافة الإسلامية
الطبعة : الطبعة الرابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   711
تاريخ النشر :   1993




السنة

يقال في اللغة:
سنَّ الله سنَّةً أي بيّن طريقًا قويمًا.
قال الله تعالى: {سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ} (سورة الأحزاب: الآية 38) والسنة: السيرة حسنة كانت أو قبيحة.
قال خالد بن عتبة الهذلي:
فلا تجزعن من سيرةٍ أنت سِرتَها فأول راضٍ سُنّة من يسيرها
وكلُّ من ابتدأ أمرًا عملَ به قومٌ بعدَهُ قيل هو الذي سنَّهُ.
قال نُصيب:
كـــأني سننــــتُ الحـُبَّ أول عاشقٍ من الناسِ إذ أحببت من بينهم وحدي
فيكون أصل السنة في اللغة هي الطريقة والسيرة: وأما إذا أريدَ منها الاصطلاح الشرعي فإنما يرادُ بها أمرين:
الأمر الأول: تُطْلَقُ السنة على ما قابلَ الفرض فيكون معناها النافلة المنقولة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كالنوافل في الصلوات.
الأمر الثاني: وتطلقُ السنة على ما قابلَ القرآن الكريم. فيكونُ المراد بالسنة ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من قولٍ أو فعلٍ أو تقرير.
والسنة إما أن تكونَ مُبينة ومفسرةً وشارحةً للقرآن وإما أن تكونَ تشريعًا جديدًا مثل قوله تعالى: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ} (سورة النساء: الآية 59) والرَّدَّ إلى الله يكونُ بالرد إلى القرآن الكريم، وأما الرد إلى الرسول فيكونُ في حياته بالرجوع إليه، وبعد مماته إلى ما صدر عنه أي إلى سنته.
والتنازعُ هنا هو لفظ مطلق، سواء أكان في فهم القرآن أو في استنباط الأحكام أو في التخاصم. والرد إلى السنة يشملُ مطلق سنة، سواء أكانت قولية أو فعلية وسواء أكانت تفسيرًا أو شرحًا أو كانت تشريعًا جديدًا. ولذا يجبُ الأخذ بالقرآن وبالسنة معًا، ولا يجوز مطلقًا للمسلم أن يقتصرَ على الأخذ بالقرآن، وترك الأخذ بالسنة لأن الله سبحانه وتعالى قال في كتابه العزيز: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} (سورة الحشر: الآية 7) والرسول أتى بالكتاب والسنة فلا يجوزُ لنا أن نأخذَ شيئًا مما أتى به الرسول ونتخلى عن شيء.
كما أنه لا يجوزُ أن نقولَ: نعرضُ ما في السنة على القرآن ونقارنه، فما وافق القرآن نأخُذُهُ وما خالفه نرفضه. كما أنه لا يجوزُ لنا أن نقولَ: نعملُ بالقرآن لأنه لا خلافَ عليه بين المسلمين ونتركُ السنةَ لأنه يوجدُ خلافٌ كبيرٌ حولها فهذا القولُ وأمثاله لا يجوز الأخذ به لأنه ترك لما ألزمنا الله به، وقد حَذَّرنا الرسولُ الكريمُ من ذلك بقوله: «يوشكُ رجلٌ منكم متكئًا على أريكَته يُحَدثُ بحديثٍ عني فيقولُ بيننا وبينكم كتاب الله فما وجدناه من حلال استحللناه وما وجدناه من حرامٍ حرمناه، ألا وأن ما حرَّمَ رسولُ الله مثل الذي حرَّم الله» . والسنة بالنسبة للقرآن مبينة له لقوله تعالى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} (سورة النحل: الآية 44)، فتكون بذلك مُفَصِّلة لمجمله، مُخَصِّصة لعمومه، مُقَيِّدة لمطلقه، أو مُلحقة فرعًا بأصل، أو جاءت بتشريعاتٍ لم يُنَص عليها في القرآن الكريم. وأحببنا أن نأتي على ذكرها ملخصًا، كما أتينا من قبل على ذكرها مفصلًا، كي يتمكن القارئ من فهمها، ومن ثمَّ ينتقل إلى إدراكها فاستيعابها.


أولًا: تفصيل مجمل القرآن:
والمجملُ: هو اللفظُ الذي لم تتضحْ دلالته فقد ورد في القرآن الكريم وجوب الصلاة والزكاة والحج غير أنه بشكلٍ مجمل دون بيان لكيفياتهم، فجاءت السنة فبينت أوقات الصلاة وعدد ركعاتها وكل ما يتعلقُ بها، وذكرت السنة في أي حال تدفع الزكاة والأشياء التي تجبُ فيها والمقدار الذي تفرض عليه كما أنها بينت مناسكَ الحج وقول الرسول الكريم واضح وصريح: «خذوا عني مناسككم» وكذلك الجهاد، جاءت السنة وبيّنت كيفية السير فيه وما يسبُقهُ ويتبعه وما يترتبُ عليه من علاقات.
ثانيًا: تخصيص عام القرآن الكريم:
والعام: هو اللفظُ الذي يستغرقُ جميعَ ما يصلحُ له بلفظ واحد، مثل الرجال والنساء، الأولاد، المؤمنون المسلمون، المشركون إلى آخره. فقد ورد في القرآن الكريم عمومات وجاءت السنة وخصصتها فمثلًا قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ} (سورة النساء: الآية 11)، فهذه الآية عامة في توريث الأبناء من الآباء، فجاءت السنة وخصصت هذا العام وجعلته لغير المرتدين عن الدين الإسلامي ولغير القاتلين آباءهم لقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «قاتل أبيه لا يرث، مفارق الجماعة لا يرث» .
وقال الله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ} (سورة النور: الآية 2). فهذا عام شامل لكل من يزني محصنًا أو غير محصن فجاءت السنة وخصصت ذلك بغير المحصن وأوجبت رجم المحصن.
ثالثًا: تقيد مطلق الكتاب:
والمطلق: هو اللفظُ الدالُّ على مدلولٍ شائع في جنسه، فقد وردَ في القرآن الكريم آيات مطلقة وجاءت السنة وقيدت هذا المطلقَ بقيدٍ معينٍ مثل قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا} (سورة المائدة: الآية 38) فإنها مطلقة في كل سرقة فجاءت السنة وقيدت مقدار السرقة بربع دينار ذهبًا فصاعدًا، وقيدت قطع اليد من مكان معين.
رابعًا: إلحاق فرع من فروع الأحكام ورد في السنة بأصل موجود له في القرآن:
فقد ورد في القرآن الكريم تحريم الجمع بين الأختين قال تعالى: {وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} (سورة النساء: الآية 23) ولم يذكر القرآن الكريم حرمة جمع نكاح المرأة مع عمتها أو خالتها، أو ابنة أخيها أو ابنة أختها فجاءت السنة وبيّنت ذلك قال صلى الله عليه وآله وسلم: «لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها ولا على ابنةِ أخيها ولا على ابنةِ أختها فإنكم إن فعلتم ذلك قطعتم أرحامكُم» فألْحَقَ ذلك كله بتحريم الجمع بين الأختين وكذلك في تحريم الأمهات والأخوات من الرضاعة قال تعالى: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ} (سورة النساء: الآية 23).
فجاءت السنة وألحقت بهذا الأصل سائر القرابات من الرضاعة اللاتي يحرمن من النسب، كالعمة والخالة وبنت الأخ وبنت الأخت إلخ.
قال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم:
«إن الله حَرّمَ من الرضاعِ ما حرَّم من النسب» .
خامسًا: السنة جاءت بتشريعات جديدة ليس لها أصل في القرآن الكريم:
مثل جعل مرافق الجماعة والنفط ومعادن الذهب والحديد والفضة والنحاس، وغيرها من المعادن، والأنهار والبحار والمراعي والأحراش من الملكية العامة.
قال عليه وعلى آله الصلاة والسلام:
«الناسُ شركاءُ في ثلاث في الماءِ والكلأ والنار» وقال: «مِنًى مَنَاخُ من سبق»
ومن ذلك أخذُ الأرض ممن يُعَطِّلهَا ثلاثَ سنوات متوالية لقوله عليه الصلاة والسلام:
«وليس لمحتجر حق بعد ثلاث سنين».
والسنّةُ دليلٌ شرعيّ كالقرآنِ وهيَ وحْيٌ منَ الله تعالى. والاقتصارُ على القرآنِ وتَرْكُ السنّة كُفْرٌ صراحٌ، وهو رأيُ الخَارجينَ على الإسلامِ، أمّا أنَّ السنّةَ وحيٌ منَ الله تعالى فهو صريحٌ في القرآنِ الكريمِ، قالَ تعالى: {إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ} (سورة الأنعام: الآية 50) {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} (سورة النجم: الآيتان 3 ـــــــ 4) وأمّا السنّة واجبةُ الاتباعِ كالقرآنِ الكريمِ فهوَ صريحٌ في القرآنِ أيضًا، قال تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} (سورة الحشر: الآية 7)، ومنَ المعروفِ أنّ السنّةَ هيَ كلامُ الرسولِ صلى الله عليه وآله وسلم وفعالهُ وسكوتهُ، وهيَ واجبةُ الاتباعِ كالقرآن.
غيرَ أنّهُ لا بدّ أنْ يثبُتَ أنّ الرسولَ هو الذي قالَ هذا الكلامَ، أو فَعَلَ هذا الفعلَ أو سكتَ عن هذا الكلامِ، أو هذا الفعْلِ. وإذا ثبتتِ السنّةُ صَحّ الاستدلالُ بها على الأحكامِ الشرعيّةِ وعلى العقائدِ، وكانتْ حجّةً على أنّ هذا الثابتَ بالسنّةِ حكمٌ شرعيّ أو عقيدةٌ من العقائدِ، إلّا أنّ ثبوتَ السنّةِ، إمّا أنْ يكونَ ثبوتًا قطعيًّا كأن يرويها جَمْعٌ من تابعي التابعين عنْ جمعٍ منَ التابعينَ عنْ جمْعٍ منَ الصحابةِ عنِ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، بشرْطِ أنْ يكونَ كلّ جَمْعٍ يتكوّنُ من عددٍ كافٍ، بحيثُ يُؤمنُ عدمُ تواطئِهمْ على الكذبِ، وهذهِ هيَ السنّةُ المتواتِرَةُ أو الخبرُ المتواترُ.
وإمّا أنْ يكونَ ثبوتًا ظنيًّا، كأنْ يرويه واحدٌ أو آحادٌ متفرِّقون، تابعو التابعينَ عن واحدٍ أو آحادٍ من التابعينَ عن واحدٍ، أو أحَدٍ منَ الصحابةِ عن النبيّ، وهذا هو حديثُ الآحادِ أو خبرُ الآحادِ، ومنْ هنا كانتِ السنّةُ من حيثُ الاستدلالُ قسمينِ اثنينِ، هما الخبرُ المتواتر وخبرُ الآحادِ، أمّا الخبرُ المشهورُ، وهو الذي يُروى بطريقِ الآحاد عنِ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، ثمّ يشتهِرُ في عصرِ التّابعين أو تابعي التابعينَ، فإنّهُ من خبرِ الآحادِ وليسَ قِسمًا ثالثًا، فالسنّةُ إمّا التواترُ، وإمّا الآحادُ ولا ثالثَ لها.
وخبر الآحادِ إذا كانَ صحيحًا أو حسنًا يُعْتَبَرُ حُجّةً في الأحكامِ الشرعيّةِ كلّها، ويجبُ العمَلُ بهِ سواءٌ كانتْ أحكام عباداتٍ أو معاملاتٍ أو عقوباتٍ. والاستدلالُ بهِ هوَ الحق، فإنّ الاحتجاجَ بخبرِ الآحادِ في الأحاديث في إثباتِ الأحكامِ الشرعيّةِ هو الثابتُ. والدليلُ على ذلكَ أنّ الشرعَ اعتبرَ الشهادةَ في إثباتِ الدعوى، وهي خبرُ آحادٍ، وعندئذٍ يمكنُ أنْ يُقاسَ قبولُ الروايةِ وقبولُ الآحادِ على قبولِ الشهادةِ، لأنّه ثبتَ بنصِّ القرآنِ الكريمِ أنّهُ يُقْضَى بشهادةِ شاهدينِ رجلينِ أو رجل وامرأتينِ في الأموالِ، وبشهادةِ أربعةٍ منَ الرّجالِ في الزنى وبشهادةِ رجلين في الحدود والقصاص.
وقضى رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم بشهادَةِ شاهدٍ واحدٍ ويمين صاحبِ الحقِّ، وقبلَ شهادةَ امرأةٍ واحدةٍ في الرضاع، وهذا كلّهُ خبر آحادٍ.
والقضاءُ إلزامٌ بترجيحِ جانبِ الصّدقِ على جانبِ الكذبِ، ما دامتِ الشّبهاتُ التي تجعَلُ الخبرَ مظنّةَ الكذبِ قد اتبعتْ وغيرَ ثابتةٍ. وهذا الإلزامُ ليسَ إلّا عملًا بخبرِ الآحادِ.
والثابتُ عن الصحابةِ فيما اشتهرَ بينهُمْ واستفاض عنهُمْ، أنّهُمْ كانوا يأخذونَ بخبر الآحادِ إذا وثقوا بالرّاوي، وعلى ذلكَ يكونُ خبرُ الواحدِ حجّةً في الأحكام الشرعيّةِ.
ciloxan notice ciloxan tropfen ciloxan alkohol



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB