الثقافة والثقافة الإسلامية
الطبعة : الطبعة الرابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   711
تاريخ النشر :   1993




النصُّ والظَّاهِر

النصّ: يُرادُ بالنصِّ ما دلّ بصيغتِه نَفْسِها على ما يُقْصَدُ أصلًا من سياقهِ كقولهِ تعالى: {وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} (سورة البقرة: الآية 275) فالمعنى المقصود بأصالةِ هذا السّياقِ القرآنيّ نفيُ كلِّ نوعٍ من أنواعِ المماثلةِ بينَ البيْعِ الحلالِ والرّبا الحرامِ.
الظَّاهِر
الظاهر: يُرادُ بهِ ما يتبادرُ إلى الفَهْمِ من عبارتهِ نفسِها من غيرِ حاجةٍ إلى قرينةٍ، لكنّ مفهومَهُ غيرُ مقصودٍ أصالةً من سياقهِ. كقولهِ تعالى: {فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً} (سورة النساء: الآية 3). فالمعنى المتبادرُ إلى الفَهْمِ منْ غيرِ توقّفٍ على قرينةٍ هوَ إباحةُ نِكاحِ ما طابَ من النساءِ، ولكنّهُ لمْ يُقْصَدْ منَ السّياقِ أصلًا، وإنما قُصِدَ بهِ أصلًا قَصْرُ العددِ على أربع أوِ الاكتفاء بواحدةٍ.
ويجبُ العملُ بالظّاهرِ أيضًا لأنّ اللّفْظَ لا يُصْرَفُ عن المتبادرِ إلَّا بقرينةٍ. فإذا وُجِدَتْ عُمِلَ بما تؤدّيهِ القرينةُ.
الاجتهاد والتقليد
خاطبَ الله برسالةِ سيّدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم الناسَ جميعًا، قالَ تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ} (سورة الأعراف: الآية 158) وقالَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ} (سورة النساء: الآية 135).
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} (سورة البقرة: الآية 178).
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (سورة البقرة: الآية 183).
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (سورة الحجرات: الآية 13).
فعلى مَنْ سَمِعَ الخطابَ أنْ يَفْهَمَهُ ويؤمنَ بهِ، وعلى مَنْ آمنَ بهِ أنْ يَفْهَمَهُ وَيَعْمَلَ بهِ، لأنّهُ هو الحكمُ الشرعيّ. ولذلكَ كانَ الأصلُ في المسلمِ أنْ يَفْهَمَ بنفسِهِ حُكْمَ الله منْ خطابِ الشارعِ، لأنّ الخطابَ موَجّهٌ مباشرةً منَ الشّارعِ للجميعِ. ولمْ يُوَجّهْ للمُجْتَهِدين فقطْ، ولا للعلماءِ، بلْ لجميعِ المكلّفينَ، فصارَ فَرْضًا على المكلّفينَ أن يَفْهَمُوا هذا الخطابَ حتى يتأتّى لهمْ أنْ يَعْمَلُوا بهِ لأنّهُ يستحيلُ العملُ بالخطابِ دونَ فَهْمِهِ، فصارَ استنباطُ حُكْمِ الله فَرْضًا على المكلّفينَ جميعًا، أي صارَ الاجتهادُ فرْضًا على جميعِ المكلّفينَ. ومنْ هنا كانَ الأصلُ في المكلّفِ أنْ يأخذَ حكمَ الله بنفسهِ من خطابِ الشّارعِ، لأنّهُ مخاطَبٌ بهذا الخطابِ، وهو حكمُ الله. ولكن واقِعُ المكلّفينَ متفاوتُ الفَهْمِ والإدراكِ وهُمْ مختلفونَ منْ حيثُ العلمُ والجهلُ. ولذلكَ كانَ منَ المتعذرِ على الجميعِ استنباطُ جميعِ الأحكامِ الشرعيّةِ منَ الدلالَةِ.
ومنَ المتعذّرِ أنْ يكونَ جميعُ المكلّفينَ مجتهدينَ. لذلكَ كانتْ قضيّةُ الاجتهادِ على الكفايةِ إنْ قامَ بهِ البَعْضُ سَقَطَ عنِ الباقينَ. وكانَ فَرْضًا على المكلّفين المسلمينَ أنْ يكون فيهِمْ مجتهدونَ يستنبِطُونَ الأحكامَ الشرعيّةَ، وعلى ذلكَ كانَ واقِعُ المكلّفينَ. وحقيقةُ الحكمِ الشرعيّ أنْ يكونَ في المسلمينَ مجتهدونَ ومقلّدونَ. أمّا المجتهد فهوَ الذي يأخُذُ الحكْمَ بنفْسِهِ مباشرةً منَ الدليلِ، ومنْ يسألِ المجتهدَ عنِ الحكمِ الشرْعي للمسألةِ يكونُ مقلّدًا. سواءٌ كانَ المسؤولُ عالمًا أو عاميًّا، فكلّ من هؤلاءِ مُقَلّدٌ غيرَهُ في الحكمِ الشرعيّ المسؤولِ عنهُ حتى ولو لمْ يعرفْ مُسْتَنْبَطَهُ، لأنّ المكَلّفَ مطالَبٌ بأخْذِ الحكمِ الشرعيّ لا بتقليدِ شخصٍ، ومعنى كونِهِ مُقَلِّدًا أخْذُهُ الحكمَ الشرعيّ عنْ طريقِ شخْصٍ آخر أي أنّهُ لمْ يستنبطهُ بنفسهِ.
ولا يعني ذلكَ أنّهُ قَلّدَ شخصًا، لأنّ الموضوعَ هوَ الحكمُ الشرعيّ لا الشخصُ.
الاجتهاد
الاجتهادُ في اللغَةِ استفراغُ الوسع في تحقيقِ أمْرٍ منَ الأمورِ مستلزم للكلفَةِ والمشقّةِ، وأمّا في اصطلاحِ الأصوليينَ فمخصوصٌ باستفراغِ الوسعِ في طَلَبِ الظنِّ بشيءٍ منَ الأحكامِ الشرعيّةِ وعلى وجْهٍ يحسّ من النّفسِ العجزَ عنِ المزيدِ فيهِ.
الاجتهادُ ثابتٌ بنَصِّ الحديثِ. فقد رُوِيَ عنِ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أنّهُ قالَ لمعاذٍ، حينَ أرسَلَهُ واليًا إلى اليمنِ: «بمَ تحكمُ؟» قالَ بكتابِ الله.
قالَ: فإنْ لمْ تجِدْ.
قال: بسنّةِ رسولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم.
قالَ: فإنْ لمْ تجِدْ.
قالَ: باجتهادِ الرأي. قالَ: «الحمدُ لله الذي وَفّقَ رسولَ رسولِ الله لما يحُبّهُ الله ورسولُهُ».
وهذا صريحٌ في إقرارِ الرّسولِ لمعاذٍ على الاجتهادِ، وما وُجِدَ منَ المسلمينَ مَنْ نازعَ في الاجتهادِ، وليسَ منَ الاجتهادِ تطبيقُ الحكمِ على المسائلِ التي تندرِجُ تحتهُ، بلْ هوَ فَهْمُ الحكمِ الشرعيّ، لأنّ الاجتهادَ هو استنباطُ الحكمِ منَ النصِّ، إمّا من منطوقهِ، أو مِنْ مفهومهِ، أو منْ دلالَتِهِ، أوْ منَ العِلّةِ التي وردتْ في النصِّ، سواء كانَ ذلكَ استنباطَ حكمٍ كليّ منْ دليلٍ كليّ، كاستنباطِ أنّ على «النّاهِب عقوبةً» منْ جعْلِ الشّارعِ قَطْعَ اليدِ حدًّا للسرِقَةِ. أو كانَ استنباطَ حكمٍ جزئيّ منْ دليل جزئيّ كاستنباطِ حكمِ الإجارَةِ منْ قولهِ تعالى: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} (سورة الطلاق: الآية 6).
ومنْ قولِ رسولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم: «أَعطوا الأجيرَ أجْرَهُ قبْلَ أنْ يجِفّ عَرَقُهُ» ، فهو دليلٌ جُزئيّ لحكمٍ جزئيّ. فهذا الاستنباطُ للحُكْمِ الكليّ منَ الدليلِ الكليّ. والاستنباطُ للحكمِ الجزئيّ منَ الدليلِ الجزئيّ. وكلّ ذلكَ يُعْتَبَرُ اجتهادًا لأنّهُ أخْذٌ للحكمِ من الدليلِ، سواءٌ كانَ حكمًا عامًّا منْ دليلٍ عامّ أو حكمًا خاصًّا منْ دليلٍ خاصّ.
أمّا تطبيقُ الحُكْمِ على المسائلِ المستَجِدّةِ الداخلةِ تحتَ معناهُ، والمدرِجَةِ تحتَهُ فلا يُعْتَبَرُ اجتهادًا، فإذا قيلَ: «حرّمَ الله الخمرةَ» كانَ كلّ شيءٍ مندرج تحتَ هذهِ القاعدةِ محرّمًا كالأشياءِ المسْتَجِدّةِ ممّا لم يكنْ موجودًا قبلًا، كالجنّ، والويسكي، والبيرة، والفرموث، وما شابهها، وكذلكَ الميتةُ، سواءٌ ماتتْ ميتَةً طبيعيّةً، أمْ ضرِبتْ على رأسِها حتى ماتَتْ، أمْ فُصِلَ رأسُها في المعْمَلِ وَوُضِعتْ في عُلَبٍ، فبيعها وأكْلُها محرّمٌ، لأنها لمْ تُذْبَحْ ذَبحًا شرعيًّا.
وما ذلكَ منْ قبيلِ الاجتهادِ الذي هوَ استنباط الأحكامِ منَ الأدلّة الشرعيّةِ، بل من قبيلِ تطبيقِ الأحكامِ على الجزئيّاتِ، أو فهمِ الجزئيّاتِ وتطبيقِ الأحكامِ عليها.
ونصوصُ الشريعةِ الإسلاميّةِ تستوجبُ منَ المسلمينَ الاجتهاد، لأنّ النصوصَ الشرعيّةَ لمْ تأتِ مُفصّلةً، وإنما جاءَتْ مجمَلَةً تنطبقُ على جميعِ وقائعِ الحياةِ ويحتاجُ فَهْمُها واستنباطُ حُكْمِ الله فيها إلى بَذْلِ الجُهْدِ لأخْذِ الحكمِ الشرعيّ. حتى النصوصُ التي جاءَتْ مُفَصّلَةً إنما تعرّضَتْ للتفصيلاتِ التي هيَ في حقيقتِها عامّة ومجمَلَة. فآياتُ الميراثِ ـــــــ مثلًا ـــــــ جاءَتْ مُفَصّلَةً وتعرّضَتْ لتفصيلاتٍ دقيقةٍ، ومعَ ذلكَ فإنها منْ حيثُ الأحكامُ الجزئيّةُ احتاجَتْ إلى فَهْمٍ واستنباطٍ في كثيرٍ منَ المسائلِ، كمسألةِ الكلالةِ ومسائلِ الحَجْبِ، فإنّ جميعَ المجتهدينَ يقولونَ: إنّ الولَدَ يحجُبُ الإخوةَ سواءٌ كانَ ذكرًا أم أُنثى، لأنّ كلمةَ ولدٍ تعني كلّ ولدٍ ابنًا كانَ أو بنتًا. وابن عبّاسٍ يقولُ: إنّ البنتَ لا تحْجُبُ، لأنّ كلمةَ ولد تعنيى «الذكرَ» فقط، وذلكَ يدلّ على أن النصوصَ حتى التي تعرّضتْ للتفصيلاتِ جاءَتْ مجمَلَةً، يحتاجُ فَهْمُها واستنباطُ الحكمِ منْها إلى اجتهادٍ. والاجتهادُ فرضٌ كفائيّ على المسلمينَ إذا أقامَهُ البعْضُ سَقَطَ عنِ الباقينَ، وإنْ لمْ يقمْ بهِ أحدٌ أثمَ المسلمونَ جميعًا.
شروط الاجتهاد
عُرِفَ الاجتهادُ بأنّهُ بَذْلُ الوسعِ في طلبِ الظّنِّ بشيءٍ منَ الأحكامِ الشرعيّةِ على وجْهٍ يحسّ من نفسِهِ العجزَ عنِ المزيدِ عليهِ. أي هو فَهْمُ النصّ الشرعيّ من الكتابِ والسنّةِ بعدَ بذْلِ أقصى الجُهْدِ في سبيلِ الوصولِ إلى هذا الفَهْمِ، لمعرفةِ الحكمِ الشرعيّ. ويعني ذلكَ أنّهُ لا بدّ أن تتوفّرَ في استنباطِ الحكمِ الشرعيّ ثلاثةُ أُمورٍ، حتى يكونَ الاستنباطُ باجتهادٍ شرعيّ:
1 ـــــــ بذلُ الوسعِ على وجهٍ يحسّ من نفسهِ العجزَ عنِ المزيدِ عليه.
2 ـــــــ أن يكونَ هذا البذلُ في طلبِ الظنِّ بشيءٍ من الأحكام الشرعيّة.
3 ـــــــ أن يكونَ طَلَبُ الظّنِّ من النصوصِ الشرعيّةِ.
ممّا يجبُ أنْ يكونَ واضحًا أنّ النصوصَ الشرعيّةَ هيَ الكتابُ والسنّةُ لا غير، وما عداهما من النصوصِ لا يُعْتَبَرُ منَ النصوصِ الشرعيّةِ مهما كانتْ منزِلَةُ قائلها. ومن هنا كانت شُرُوطُ الاجتهادِ كلّها تدورُ حولَ أمرينِ اثنينِ هما:
ـــــــ توفّرُ المعارفِ اللغويّةِ والمعارفِ الشرعيّة. وقد كانَ المسلمونَ في فجرِ الإسلامِ حتى نهايةِ القَرْنِ الثاني لا يحتاجونَ إلى قواعدَ معيّنَةٍ لِفَهْمِ النصوصِ الشرعيّةِ، لا منَ الناحيةِ اللّغويّةِ ولا منَ الناحيةِ الشرعيّةِ، نظرًا لقربِ عهدِهِمْ برسولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم وصَرْفِ عنايتِهِمْ في الحياةِ إلى الدينِ، ونظرًا لسلامةِ سليقتِهِم اللغويّة وبُعْدِهِمْ عنْ فسادِ اللسانِ، ولذلكَ لم تكنْ هنالكَ أيّ شروطٍ معروفةٍ للاجتهادِ.
وكانَ الاجتهادُ أمْرًا معروفًا. فكانَ المجتهدونَ يُعَدّونَ بالآلافِ. وقد كانَ الصحابةُ كافّةً مجتهدينَ. ويكادُ يكونُ أكثرُ الحكّامِ والولاةِ والقضاةِ منَ المجتهدينَ.
ولما فَسَدَ اللسانُ العربيّ، ووُضعَتْ قواعدُ معيّنَةٌ لضبطِهِ. وشُغِلَ الناسُ بالدنيا، وقلّ مَنْ يُفرّغُ أكثرَ وقتهِ للدينِ، وفشا الكذبُ في الأحاديثِ عنْ لسانِ رسولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم، وُضِعَتْ قواعدُ للنّاسخِ والمنسوخ لأخْذِ الحديثِ أو رَفْضِهِ، ولِفَهمِ كيفيّةِ استنباطِ الحُكْمِ من الآيةِ، أو الحديثِ، وعندئذٍ قلّ عددُ المجتهدينَ، وصارَ المجتهدُ يسيرُ باجتهادِهِ على قواعدَ معيّنةٍ، يصلُ منها إلى استنباطاتٍ مُعيّنَةٍ، تخالف قواعدَ غيره. وتكوّنَتْ هذهِ القواعدُ عندهُ، إمّا منْ كثرةِ ممارستِهِ لاستنباطِ الأحكامِ منَ النصوصِ حتى صارَتْ كأنها موضوعةٌ لسيرهِ على طريقٍ واحدةٍ حَسْبُها، وإمّا لاتباعِ قواعدَ معيّنَة ثمّ الاستنباطِ بحسبِها، فنتجَ عنْ ذلكَ أن صارَ المجتهدُ مجتهِدًا في طريقةٍ معيّنَةٍ لفهِم النصوصِ الشرعيّةِ. ومجتهِدًا في أخْذِ الحكْمِ الشرعيّ من النصوص الشرعيّةِ، وصارَ بعضُ المجتهدينَ يقلّدونَ شخصًا في طريقتهِ في الاجتهادِ، ولكنهمْ لا يُقلّدونَهُ في الأحكامِ، بلْ يستنبطونها بأنفسِهِمْ على طريقةِ ذلكَ الشخصِ. وصارَ بعضُ المسلمين ملمّينَ بشيءٍ منَ المعارفِ الشرعيّةِ في مسائلَ معيّنَةٍ تعرِضُ لهمْ لا في جميعِ المسائلِ. قكانَ بذلكَ واقعيًّا بينَ المسلمينَ ثلاثةُ أنواعٍ منَ المجتهدينَ:
مجتهد مطلق.
ومجتهد مذهب.
ومجتهد مسألة.
والمجتهِدُ المطلقُ لهُ شروطٌ، أهمّها اثنان:
أحدهما: معرفةُ الأدلّةِ السمعيّةِ التي تُنتزعُ منها القواعدُ والأحكامُ، ثانيهما: معرفَةُ وجوهِ دلالَةِ اللّفْظَةِ المعْتَدِّ بها في لسانِ العربِ واستعمالِ البلغاءِ.
أمّا الأدلّةِ السمعيّةُ فيرجعُ النّظرُ فيها إلى الكتابِ والسنّةِ والاجتهادِ وإلى القدْرَة على الموازنةِ والجمْعِ بينهما، وترجيحِ أقواها على ما هو دونَهُ عندَ تعارضِهِما. كقولِه تعالى: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ} (سورة الطلاق: الآية 2) وقال: {اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} (سورة المائدة: الآية 106) فالآيتان في الشهادةِ، الأولى تنص على أنْ يكونَ الشهودُ من المسلمينَ. والثانيةُ تنصّ على أن يكونوا منَ المسلمينَ وغيرهم. فلا بدّ من معرفةِ الجمعِ بينهما، أي لا بدّ منْ معرِفَةِ أنّ الآيةَ الأولى في الشهادةِ على الإطلاقِ، والآيةَ الثانيةَ مقبولٌ في الشهادةِ في الوصيةِ في السفر، وهاتان الآيتانِ تدلّانِ على أنّ البينةَ تكونُ بشاهدينِ عدلينِ، وتؤيّدهما آيةٌ أُخرى وهي قولهُ تعالى: {وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ} (سورة البقرة: الآية 282).
فكيفَ يتفِقُ ذلكَ مع ما ثَبَتَ في الصحيحِ عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنّهُ قَبِلَ شهادَةَ امرأةٍ واحدةٍ على الرضاعةِ، وأنّهُ قبلَ شهادةَ شاهدٍ واحدٍ معَ يمينِ المدعي. وعنْ أميرِ المؤمنينَ عليهِ السلامُ، قالَ: «إنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قضى بشهادةِ شاهدٍ واحدٍ ويمينِ صاحبِ الحقّ» فيبدو من هذا تعارضٌ بينَ الأدلّةِ. والمجتهدُ المدقّقُ يجدُ أنّ الآيةَ ذَكَرَتِ النصابَ الأكملَ في الشهادةِ.
ولا يلزمُ إذا لمْ يكتمِلِ النصابُ الأكملُ أنْ لا يُقْبَلَ ما دونَ ذلك، لأنّ النصابَ إنما هو للتحمّلِ. أما في الأداءِ والحكمِ منْ قِبَلِ القاضي فلا يُشْتَرَطُ نصابُ الشهادةِ. بلْ يُشْترطُ البيّنَةُ، وهيَ كلّ ما يُبيّنُ الحقّ ولو كانَ ذلكَ شهادةَ امرأةٍ واحدةٍ، أو شهادةَ رجلٍ واحدٍ مع يمينِ صاحبِ الحقِّ إلّا إذا جاءَ نصّ شرعيّ يُعيّنُ نصابَ الشهادةِ، كما في شهادةِ الزنى فحينئذٍ يتقيّدُ بالنصِّ، وبهذا البيانِ ومثلِهِ يذهبُ تزاحُمُ الأدلّةِ.
فالمقدرَةُ على فَهْمِ الأدلّةِ السّمْعيّةِ وعلى الموازنةِ بينها شَرْطٌ أساسيّ، وعليهِ فلا بُدّ أن يكونَ المجتهِدُ المطلقُ عارفًا بمداركِ الأحكامِ الشرعيّةِ وأقسامِها، وطُرُقِ إثباتها ووجوهِ دلالَتِها على مدلولاتها، واختلافِ مراتبِها والشروطِ المعتَبَرَةِ فيها، وعليهِ أنْ يعرِفَ جهاتِ تَرجيحها عندَ تعارضِها. وهذا يُوجِبُ عليهِ أنْ يكونَ عارفًا بالرّواةِ وطرقِ الجرحِ والتعديلِ، وأن يكونَ عارفًا بأسبابِ النزولِ والناسخِ والمنسوخِ في النصوصِ.
وأمّا معرفةُ وجوهِ دلالةِ اللّفظِ فإنّهُ يقتضي معرفةَ اللغةِ العربيّةِ فيتمكّنُ بها من معرفةِ معاني الألفاظِ، ووجوهِ بلاغتِها ودلالتِها ومعرفةِ الخلافِ الجاري في اللفظِ الواحدِ، حتى يُرجّحَ روايةَ الثقاتِ وما يقولُهُ أهلُ اللغةِ. ولا يكفي أنْ يعرفَ منَ القاموسِ أنّ القروء تدلّ على الطّهْرِ والحيضِ، وأنّ النكاحَ يدلّ على الوطْءِ والعَقْدِ، بلْ لا بدّ من معرفةِ اللغةِ العربيّةِ بشكلٍ عامّ من نحوٍ وصرفٍ وبلاغةٍ ولغةٍ وغيرِ ذلكَ معرفةً تمكِّنُهُ من الوقوفِ على وجوهِ دلالةِ اللّفْظِ الواحدِ والجملةِ الواحدة حسب لسانِ العربِ واستعمالِ البلَغَاءِ، وتمكّنُه منَ المراجعةِ في كتبِ العربيّةِ وفهم ما يحتاجُ إلى فَهْمِهِ منها.
ولكن لا يعني ذلكَ أنْ يكونَ مجتهِدًا في كلِّ فرعٍ من فروعِ اللّغةِ بل يكفي أنْ يكونَ عالماً بأُسلوبِ اللّغةِ بحيثُ يميّزُ بينَ دلالةِ الألفاظِ والجملِ والأساليبِ، كالمطابَقَةِ والتضمينِ والحقيقةِ والمجازِ والكنايةِ والمشتركِ والمترادفِ، وما شاكلَ ذلكَ. وبالجملةِ فإنّ درجَةَ الاجتهادِ المطلقِ لا تحصلُ إلّا لمنِ اتّصفَ بوصفينِ.
الأول: فَهْمُ مقاصدِ الشريعةِ، لِفَهْمِ الأدلّةِ السمعيّةِ.
الثاني: فَهْمُ اللغةِ العربيّةِ ومدلولاتِ ألفاظِها، وجُمَلِها وأساليبِها. وعليهِ فليسَ وجودُ المجتهِدِ المطلقِ بالأمرِ العسيرِ.
بلْ هوَ ممْكِنٌ ومتيّسرٌ إذا صحّتْ الهممُ. ومجتهدُ المسألَةِ متيسّرٌ للجميعِ بعد معرفةِ ما لا بدّ منهُ منَ المعارفِ الشرعيّةِ واللغوية.


التقْليد
التقليدُ في اللغَةِ اتباعُ الغيرِ دونَ تأمّلٍ. يقالُ: قَلّدَهُ في كذا: تَبِعَهُ من غيرِ تأمّلٍ ولا نَظَرٍ. والتقليدُ شرْعًا هو العملُ برأي الغيرِ من غيرِ حجّةٍ ملزمَةٍ. والتقليدُ في العقيدةِ لا يجوزُ لأنّ الله قد ذمّ المقلدينَ في العقيدةِ، قال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ} (سورة البقرة: الآية 170).
وقوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ} {قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ} (سورة النساء: الآية 61 ـــــــ سورة المائدة: الآية 104).
أمّا التقليدُ في الأحكامِ الشرعيّة فجائزٌ شرْعًا لكلِّ مسلمٍ، قالَ تعالى: {فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} (سورة الأنبياء: الآية 7)، وقالَ تعالى: {وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ} (سورة البقرة: الآية 282).
وكان العلم قبْلَ التقوى أي أنّ الله يُعَلّمُكُمْ فتَتّقُونَ، ولا بدّ منْ تقدّمِ العلمِ على العملِ، ولذلك كَانَ فرضًا على المسلمِ أنْ يتعلّمَ أحكامَ الله التي تلزمهُ للعلْمِ قَبْلَ العمَلِ.
وهذا العلْمُ بالأحكامِ يستوجبُ السؤالَ عنها فيأخذُ الحكمَ ويعملُ بهِ فيكونُ مقلّدًا بذلكَ.


الدليل الشرعي وقوته
الدليلُ الشرعيّ هو الحجةُ على أنّ الحكمَ الذي دلّ عليهِ هو حكمٌ شرعيّ، ولذلكَ كانَ اعتبارُ الحكمِ شرعيًّا يتوقّفُ على اعتبارِ دليله. ومنْ هنا كان البحثُ عنِ اعتبارِ الدليلِ هو الأصلُ في اعتبارِ الأحكامِ الشرعيّةِ، فإذا وردَ على الحادثة دليلٌ صالحٌ للاستدلالِ على أنّ حُكْمَهَا كذا اعتُبِرَ حينئذ هذا الحكمُ شرعيًّا لتلكَ الحادثةِ بناءً على اعتبار دليله.
أمّا إذا وردَ على الحادثَةِ دليلانِ صالحانِ، أحدهُما يدلّ على حكمٍ معيّنٍ كالحرمةِ مثلًا، والآخرُ يدلّ على حكمٍ آخرَ خلافِهِ كالإباحَة مثلًا، فيجبُ حينئذٍ ترجيحُ أحدِ الدليلينِ على الآخر حتى يتسنّى أخْذ أحد الحكمينِ بناءً على أنّ دليلَهُ أقوى مَن الدليلِ الآخر.
وعندما يتعارضُ دليلانِ لا يصحّ اللجوءُ إلى ترجيحِ أحدهِما على الآخرِ، إلّا في حالَةِ عدمِ إمكانِ العمل بكليهِما معًا. فإنْ أمْكَنَ العملُ بهما فهو أولى، لأنّ إعمالَ الدليلين أولى من إهمالِ أحدِهما بالكلّيةِ لكونِ الأصلِ في الدليلِ هو الإعمالُ لا الإهمالُ. غيرَ أنّ العملَ بالدليلين لا يصحّ أن يكونَ بمحاولاتِ التحمّلِ بلْ بمدلولِ النصِّ كقولهِ صلى الله عليه وآله وسلم: «لا صلاةَ لجارِ المسجدِ إلا في المسجدِ» . مع أنّ الرسولَ صلى الله عليه وآله وسلم قدْ ثَبَتَ تقريرُهُ للصلاةِ في غيرِ المسجدِ، فأحدُ الدليلينِ معارضٌ للآخر. والجمع بينهما في حمْلِ الحديثِ على نفي الكمالِ، ويحملُ تقريرُ الرسولِ على صحّةِ الصلاةِ.
فإن لَمْ يمكنِ العمَلُ بالدليلينِ معًا، وتعارضا مع تساويهما في القوّة والعموم فإن علِمَ المتأخرُ منهما فهو ناسخٌ للمتقدّمِ، سواءٌ كانا قطعيينِ أم ظنيّينِ، وسواءٌ كانا من الكتابِ أو السنّةِ.
وأمّا إنْ جُهِلَ المتأخّرُ منهما فلمْ يُعْلَمْ عينهُ فلا بدّ أن يكونا ظنيين، لأنّ القطعيين لا تعارُضَ بيْنهما. فإن كانا ظنيينِ وجبَ الرجوعُ إلى الترجيح فيُعْمَلُ بالدليلِ الأقوى. وقوّةُ الدليلِ تَعني قوّتهُ من حيثُ ترتيبُ الأدلّةِ، وقوتهُ من حيثُ درجةُ اعتبارِ الاستدلالِ في كلِّ نوعٍ من أنواعِ الأدلة الظنيّةِ.
أمّا منْ حيثُ ترتيبُ الأدلّةِ فإن الكتابَ أقوى من السنّةِ، ولو كانتْ متواترةً. والسنّةُ المتواترةُ أقوى من الإجماعِ، والإجماعُ المنقولُ بالتواتُر أقوى من خبر الآحاد. وخَبَرُ الآحاد أقوى من القياسِ إذا كانتْ عِلّتُه مأخوذةً دلالةً أو استنباطًا أو قياسًا. أمّا إذا أُخذَتْ علّتهُ صراحةً فَتُعَامَلُ معاملةَ النصِّ الذي دلّ عليها صراحةً وتأخذ حكمه من حيثُ قوّةُ الدليلِ. فإن كانَ قرآنًا كانَ حُكْمُها حكمَ القرآن. وإن كانَ سنّة كانَ حكمُها حكمَ السنّةِ. وإن دلّ عليها الإجماعُ فتأخذُ حكمَ الإجماعِ.
أمّا من حيثُ اعتبارُ الاستدلالِ في كل نوعٍ من أنواعِ الأدلّةِ الظنيّةِ فإنّ للأدلّةِ الظنيّةِ دليلينِ أحدهما السنّةُ والآخرُ القياس، ولكلِّ واحد منهما اعتباراتٌ معيّنَةٌ في الترجيحِ، من حيثُ اعتبارُ القوّةِ في الدليلِ.
أمّا السنّةُ فإنّ قوّةَ الدليلِ بالنسبةِ لها تعني قوّتَهُ من حيثُ السَّندُ، وقوّتهُ من حيثُ المتنُ وقوته من حيثُ المدلولُ.
ترجيحُ السّندِ يبْنى عَلَى مراقبة الأمُورِ الآتيةِ:
1 ـــــــ يُرَجّح الراوي المباشر على الراوي غَيرِ المباشرِ.
2 ـــــــ يُرَجّجُ الخبرُ المتواترُ على خبرِ الآحادِ.
3 ـــــــ يُرَجّحُ الراوي في زَمَنِ البلوغِ على مَن رواهُ قبْلَ البلوغِ.
4 ـــــــ يُرَجّحُ الخبرُ المحْكِيّ بلفظِ الرسولِ على الخبرِ المرويّ بغيرهِ.
5 ـــــــ يُرَجّحُ الخبرُ الذي يدلّ لفظُهُ على الحقيقة، على الخبرِ الذي يدلّ لفظُهُ على مجازٍ.
6 ـــــــ يُرَجّحُ الخبرُ المشتملُ على الحقيقةِ الشرعيّةِ، على الخبرِ المشتملِ على الحقيقةِ اللغويّة.
وأمّا قوّةُ الخبرِ من حيثُ المتنُ فتكونُ في أُمورٍ:
1 ـــــــ أنْ يكونَ أحَدُ الخبرينِ مفيدًا للتخفيفِ، والآخر مفيدًا للتشديدِ، فيرجّحُ الخبرُ المتضمّنُ للتخفيفِ لقولهِ تعالى: {يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} (سورة البقرة: الآية 185) ولقولهِ عليهِ السلام: «إن الدينَ يسرٌ».
2 ـــــــ أن يكونَ أحدُ الخبرينِ مفيدًا للتحريمِ، والآخَرُ للإباحَةِ، فيرجّحُ الخبرُ الدالّ على التحريمِ، لقولهِ صلى الله عليه وآله وسلم: «ما اجتمعَ الحَلالُ والحرامُ إلّا وغَلَبَ الحرامُ الحلالَ» وقولهُ: «دعْ ما يريبُكَ إلى ما لا يريبُك» .
3 ـــــــ أنْ يكونَ أحدُ الخبرينِ مُفيدًا للتحريمِ، والآخرُ مفيدًا للوجوبِ، فيرجّحُ الخبرُ الدالّ على التحريمِ، لأنّ الغالبَ في التحريمِ أنْ يكونَ لدفْعِ مَفْسَدَةٍ، والغالبُ في الوجوبِ أن يكونَ لجلْبِ مصلحةٍ، ودرءُ المفاسدِ مُقدّمٌ على جَلْبِ المصالحِ.
4 ــــــــ أن يكونَ أحدُ الخبرينِ مُفيدًا للوجوبِ، والآخرُ مفيدًا للإباحَةِ، فيرجّح الخبرُ الدّالّ على الوجوبِ، لأنّ الوجوبَ يقتضي تَرْكهُ الإثمَ، والإباحة لا يقتضي تَرْكهُ شيئًا.
هذهِ هيَ خلاصةُ المرجّحات، وبها يستطيعُ أن يعرفَ الدليلَ الأقوى حتى يرجّحَ بهِ الحكم الشرعيّ.
أصول الفِقْه
الأصلُ في اللّغَةِ ما يُبْتَنى عليهِ، سواءٌ كانَ الابتناءُ حِسّيًّا، كابتناء الجدرانِ على الأساسِ، أو عقليًّا كابتناء المعلولِ على العلّةِ والمدلولِ على الدليلِ.
فأصولُ الفقهِ هي:
القواعدُ التي يبْتَنى عليها الفِقْهُ.
أمّا الفقهُ في اللّغةِ فهو الفَهْمُ: {مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِّمَّا تَقُولُ} (سورة هود: الآية 91). وفي عرْف المتشرّعينَ هو العلمُ بالأحكامِ الشرعيّةِ العمليّةِ المستنبَطَةِ من الأدلّةِ التفصيليّةِ.
ويتميّزُ أُصولُ الفقْهِ عنْ عِلْمِ الفِقْهِ بأنّ علم الفِقْهِ أفعال المكلّفينَ، منْ حيث إنها تُحِلُّ وتُحَرّمُ وتُصِحّ وتُبْطِلُ وتُفْسِدُ.
أمّا أُصولُ الفِقْهِ فإنّ موضوعَهُ الأدلّةُ السمعيّةُ من حيثُ إنها تُستَنبَطُ منها الأحكامُ الشرعيّةُ، أي منْ حيثُ إثباتُها للأحكامِ الشرعيّةِ. فلا بُدّ عندئذٍ منْ بحثِ الحكمِ وما يتعَلّقُ بهِ من حيثُ بيانُ منِ الذي يصدُرُ عنه الحكم، أي منِ الذي يملكُ إصدارَ الحكْمِ، يعني من الحاكم، ومن الذي يصدرُ عليهِ الحكْم، أي من المكَلّفِ بتنفيذِ هذا الحكمِ، يعني الذي صدرَ عليهِ الحكمُ، ومنْ حيثُ الحكمُ نفسه. فما هو؟ وما هي حقيقتهُ؟ وبعْدَ ذلكَ يأتي بيانُ الأدلّةِ وجهات دلالتها.
عِلْمُ أُصولِ الفِقْهِ لا يبحثُ في الأصولِ، أي لا يبحثُ في العقائد وإنما يبحثُ في الفروعِ، أي في الأحكامِ الشرعيّةِ منْ ناحيةِ الأسسِ التي تُبنى عليها، لا منْ ناحيةِ المسائلِ التي يتضمنُها الحكمُ، فلا بُدّ مِنْ معرفةِ حقيقةِ الحكْمِ الشرْعيِّ حينَ البحثِ في معرفةِ الأدلّةِ الشرعيّةِ. وقد عَرّفَ علماءُ أُصولِ الفِقْهِ الحكمَ الشرعيّ بأنّهُ خطابُ الشارع المتعلّقْ بأفعالِ العبادِ بالاقتضاءِ، أو بالتخيير أو الوضعِ.
1 ـــــــ قيلَ الشارِعُ، ولمْ يقلْ خطابَ الله، ليشملَ السنَّةَ والإجماعَ منْ حيثُ كونُهُ دالًا على الخطابِ حتى لا يتوهّمَ أنّ المرادَ بهِ القرآنُ فَقَطْ لأنّ السنّةَ وَحْيٌ، فهيَ خطابُ الشّارع.
2 ـــــــ قيلَ المتعلّقُ بأفعالِ العبادِ، ولم يقل المكلّفين ليشملَ الأحكامَ المتعلقَةَ بالصبيِّ والمجنونِ كالزكاةِ في أموالِهما.
3 ـــــــ متعلقًا بالاقتضاء، أي متعلّقًا بالطلبِ لأنّ معنى كلمةِ الاقتضاءِ الطّلَبُ.
4 ـــــــ التخييرُ: الإباحة.
5 ــــــ خطابُ الوضعِ أوِ الخطابُ المتعلقُ بأفعالِ العبادِ بالوضْعِ، هوَ جَعْلُ الشيءِ سببًا أو مانعًا أو ما شاكلَ ذلكَ، ككون دُلوكِ الشّمس موجبًا لوجودِ الصلاةِ وهو سببُ الصّلاةِ، ومثل مانعيّةِ النجاسةِ للصلاةِ وبقولهِ: بالوضعَ شَمَلَ ما كانَ سببًا، وما كانَ مانعًا، وما كان شرْطًا، وما كانَ صحيحًا وباطِلًا وفاسِدًا، وما كانَ رُخْصَةً وعزيمةً.
الأدلة الشرعيَّة
الدليلُ، لغةً، بمعنى الدّالِّ، وقدْ يُطْلَقُ الدليلُ على ما فيهِ دلالَةٌ وإرشادٌ وهذا هو المسمّى دليلًا في تعريفِ الفقَهَاءِ. وقد عرّفَهُ علماءُ الأصولِ بأنه الذي يمكنُ أن يُتَوَصّلَ بصحيحِ النّظَرِ فيهِ إلى العلْمِ بمطلوبٍ خبريٍّ، وبعبارةٍ أُخرى هو الذي يُتّخَذُ حجّةً على أنّ المبحوث عنهُ حُكْمٌ شرعيّ، وكلّ دليلٍ شرعي إمّا أنْ يدلّ على الحُكْمِ دَلالةً قطعيّةً أو ظنيّةً. فالقطعيّةُ كالقرآنِ والحديثِ المتواتر، وما كان قطعيَّ الدلالَةِ أيضًا فلا إشكالَ في اعتبارِه، وإنْ دلّ على الحُكْمِ دلالَةً ظنيّةً، فإنْ كانَ أصله قطعيًّا وهو الكتاب والحديثُ المتواترُ فهو مُعْتَبَرٌ أيضًا، وإن كانَ أصلُهُ ظنيًّا كخبر الآحاد فحينئذٍ يجبُ التثبتُ منهُ، ولا يَصحّ إطلاقُ القوْلِ بقبولهِ. والأدلّةُ الشرعيّةُ نوعانِ:
أحدهما: ما يرجعُ إلى النّقْلِ المحْضِ، وهو الذي يرجعُ إلى النصِّ المحضِ، أي إلى الألفاظ وما يدلّ عليهِ منطوقُها ومفهومُها. والنّقْلُ المحـْضُ هو الكتابُ والسنّةُ والإجماعُ وهو يحتاجُ إلى الفهمِ والنظرِ.
والثاني: ما يرجعُ إلى الرأيِ المحْضِ وهو الذي يرجعُ إلى معقولِ النصِّ أي إلى العلّة الشرعيّةِ. والرأيُ هوَ القياسُ، ويحتاجُ إلى العلّة الشرعيّةِ التي دلّ عليها النصّ الشرعيّ والدليلُ الشرعيّ، ولكي يعتبرَ حجّةً فلا بدَّ أنْ يقومَ الدليلُ القطعيّ على حجيّته.
الكِتاب
القرآنُ الكريمُ ما نُقِلَ نقْلًا متواترًا، أمّا نَقْلُ الآحادِ فليسَ منَ القرآنِ. والذي يجبُ لَفْتُ النّظَرِ إليهِ أنّ القرآنَ قدْ نُقِلَ بالمشاهَدَة عنِ الرّسولِ صلى الله عليه وآله وسلم، عنِ الوحيِ حينَ نزولهِ بهِ، وسُجّلَ كتابةً إلى جانبِ حِفْظِهِ.
فالصحابةُ رضوانُ الله عليهِم لم يرْوُوا القرآنَ الكريمَ روايةً عنْ الرسولِ، وإنما نَقلوهُ نَقْلًا. أي نَقَلُوا ما نزلَ بهِ الوحيُ عينُهُ وما أمرَ الرّسولُ بكتابتهِ، بخلافِ الحديثِ فإنّهُ رُويَ عن الرسولِ رواية ولم يُسَجّلْ حينَ قولهِ أو روايتهِ، وإنما جرى تدوينُهُ وتسجيلُهُ في عَهْدِ تابعي التابعينَ.
أمّا القرآنُ فَدُوِّنَ وسُجِّلَ حينَ نزولِ الوحْي بهِ، وَنَقَلَ الصحابَةُ ما نَزَلَ بهِ الوحْيُ نفسُهُ ولهذا يُقالُ: إنّ الصحابةَ قد نقلوا لنا القرآن الكريمَ نَقْلًا.
المحكم والمتشابه
القرآنُ الكريمُ مُشْتَمِلٌ على آيات مُحْكَمَةٍ وأُخرى متشابهة. قالَ الله تعالى: {مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} (سورة آل عمران: الآية 7).
أمّا المحكَمُ فهو ما ظهرَ معناهُ وانكشفَ كشفًا يرفعُ الاحتمالَ، كقولهِ تعالى: {وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} (سورة البقرة: الآية 275)، وأمّا المتشابهُ فهو المقابلُ للمُحْكَمِ، وهو ما يحتمِلُ أكثرَ من معنى، إمّا بجهةِ التساوي أو بغير جهةِ التساوي.
المعنى بجهةِ التساوي قولهُ تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ} (سورة البقرة: الآية 228)، فإن لفظَ «القروء» يمكنُ أن يكونَ المرادُ بهِ الحيضَ أو الطهرَ.
وقولهُ تعالى: {أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} (سورة البقرة: الآية 237) فإنّ الذي بيدهِ عقدةُ النكاحِ يمكنُ أنْ يكونَ المرادُ بهِ الزوجُ أو الوليّ.
وقولهُ تعالى: {أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء} (سورة النساء: الآية 43) لترددهِ بينِ اللّمْسِ باليدِ والوطءِ.
المعنى على غيرِ جهةِ التساوي قولهُ تعالى: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ} (سورة الرحمن: الآية 27)، {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي} (سورة الحجر: الآية 29)، {مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا} (سورة يس: الآية 71)، {وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللّهُ} (سورة آل عمران: الآية 54)، {وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} (سورة الزمر: الآية 67)، وغيره فإنّهُ يحتملُ عدّةَ معانٍ حَسَبَ فَهْمِ اللغة العربيّةِ من حيثُ أساليبُ العربِ وحَسَبَ المعاني الشرعيّةِ، فهذا كلّهُ متشابهٌ... وإنما سُمّيَ متشابهًا لاشتباهِ معناهُ على السامع.
وليس المتشابهُ هو الذي لا يُفْهَمُ معناه، حيث لا يوجدُ في القرآن شيءٌ لا يُفْهَمُ معناه. لأنّ اشتمالَ القرآنِ على شيءٍ غيرِ مفهومٍ يُخْرِجُهُ عن كونهِ بيانًا للناس، وهو خلافُ قوله تعالى: {هَـذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ} (سورة آل عمران: الآية 138) وأما حروف المعجم في أوائل السوَر فإنّ لها معنى لأنها أسماء للسور ومعرفةٌ لها.
amantadin cena amantadin biverkningar amantadin nedir



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB