الثقافة والثقافة الإسلامية
الطبعة : الطبعة الرابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   711
تاريخ النشر :   1993




التخصيص بالأدلة المنفصلة

التخصيص بالأدلة المنفصلة إنما يكون بالأدلة السمعية، لأن العامَّ الذي يُخصِّص إنما هو لفظ جاء به الدليل السمعي، فلا يخصِّصه إلّا دليل سمعي.
والأدلة السمعية هي الكتاب والسنَّة وإجماع الصحابة والقياس، وما عدا هذه الأدلة الأربعة لا يعتبر من أدلة التخصيص. ولا يجوز تخصيص العموم بالدليل العقلي والدليل على ذلك:
أولًا: إن التخصيص إخراج بعض ما تناوله اللفظ عنه، ودلالة اللفظ على المعنى إنما فيها مرادُ التكلم من معنى اللفظ لغة وشرعًا، أي مما دل عليه اللفظ لغةً وشرعًا، ولا دخل للعقل في ذلك فإذا جاء العقل واستثنى من ذلك المعنى الذي دل عليه اللفظ معنى آخر يكون قد أخرج معاني اللفظ عن مدلولها اللغوي بالعقل وهو غير صحيح لأن دلالة اللفظ على معناه إنما ترجع إلى اللغة وليس للعقل، فلا يصح أن يكون العقل مخصصًا في هذه الحال.
ثانيًا: إن التخصيص بيان وهو تشريع، والنص الشرعي قد جاء به الوحي فلا يبيِّنه إلّا شيء جاء به الوحي، والشرع إنما هو لله تعالى، لذلك لا بدّ أن يكون البيان والمبين مما جاء به الوحي.
ثالثًا: إن التخصيص بمثابة النسخ لجزء من العام، لأنه صرف الحكم عن العموم فأبطلَه في البعض ووضع مكانه حكمًا آخر، كقوله تعالى:
{الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ} (سورة النور: الآية 2) فإنه حكم للمُحْصِنِ وغير المحصن، ولكن جاء التخصيص وأبطل الجلد في المحصِن وجعل له حكمًا آخر وهو الرَّجم.
وأما قوله تعالى: {وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} (سورة آل عمران: الآية 97) وكونُ الصبيِّ والمجنون من الناس وهما غير مراديْن من العموم، وأن العقلَ دل على امتناع تكليفهما فكان مخصِّصًا لعموم الآية، فإن هذا لا يصلح حجةً على أن العقل يصح أن يكون دليلًا مخصصًا في مثل هذا المورد. وذلك أن الصبي والمجنون لا يمتنع خطاب الشارع لهما فلا يمتنع تكليفهما بدليل دخولهما تحت الخطاب بأرُوشِ الجنايات وَقِيَمِ المتلفات ووجوب الزكاة في مالهما، وعموم الآية خُصِّصت بالعقل، وبحديث: «رُفِعَ القلمُ عن ثَلاثة» الصبي والمجنون والنائم.
ولفظ الحديث «رُفِعَ القلمُ عن ثَلاثة عن الصبيِّ حتى يبلغ، وعن النائم حتى يَستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق» .
فيكون التخصيص قد وقع عن طريق الحديث ولم يقع عن طريق العقل.
تخصيص الكتاب بالكتاب
يجوز تخصيص الكتاب بالكتاب، لأن كلًّا منهما جاء به الوحي لفظًا ومعنى. فيصح أن يكون أحدهما مخصصًا للآخر، ولأنه وقع التخصيص فعلًا في القرآن بالقرآن فمن ذلك قوله تعالى: {وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} (سورة الطلاق: الآية 4) فإن هذه الآية وردت مخصِّصة لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً} (سورة البقرة: الآية 234) ومن ذلك قوله تعالى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ} (سورة المائدة: الآية 5) فإن هذه الآية وردت مخصِّصة لقوله تعالى: {وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ} (سورة البقرة: الآية 221)، فكون التخصيص للكتاب بالكتاب قد وقع فعلًا دليلًا على جواز تخصيص الكتاب بالكتاب. وأما قوله تعالى: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} (سورة النحل: الآية 44) خطابًا للرسول فإنه ليس فيه ما يمنع من كونه مبيِّنًا للكتاب بالكتاب، إذ الكل وارد على لسان الرَّسول الكريم. فذكرُهُ الآيةَ المخصِّصة يكون بيانًا منه، ويجب حمل وصفه بكونه مبيِّنًا على أن البيان وارد على لسانه، أكان الوارد على لسان الكتاب أو السُّنَّة لما فيه من موافقة عموم قوله تعالى:
{وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ} (سورة النحل: الآية 89) فإنَّ مقتضاه أن يكون الكتاب مبيِّنًا لكل ما هو من الكتاب لكونه شيئًا.
تخصيص الكتاب بالسنَّة
يجوز تخصيص الكتاب بالسنَّة سواء أكانت متواترة أم خبر آحاد، إذا كان الواحدُ موثوقًا مصدَّقًا، لأن كُلًّا منهما جاء به الوحي، فيكون ما جاء به الوحي قد خُصِّص بما جاء به الوحي، فيصح أن يكون أحدُهما مخصِّصًا للآخر، ولأنه وقع التخصيص فعلًا في القرآن بالسنَّة فمن ذلك قوله تعالى:
{يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ} (سورة النساء: الآية 11) قد خُصِّص بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «القاتل لا يرث» وقوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ} (سورة النور: الآية 2) قد خُصِّص برجمه صلى الله عليه وآله وسلم ماعزًا لأنه كان متزوجًا. وأيضًا فإن الصحابة رضوان الله عليهم قد انعقد إجماعهم على جواز تخصيص الكتاب بالسنَّة. فقد خصَّصوا قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ} (سورة النساء: الآية 11) بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «لا يرث القاتل، ولا يرث الكافر من المسلم» وخصصوا قوله تعالى: {فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ} (سورة النساء: الآية 11) بما رُوي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه جعل للجدَّة السُّدس، وخصَّصوا قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ} (سورة البقرة: الآية 175) بما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه نهى عن بيع الدِّرهم بالدِّرهمَين، وخصَّصوا قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ} بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «لَا قَطْعَ إلَّا في رُبْعٍ دِينارٍ فصاعدًا» . وخصصوا قوله تعالى: {فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ} (التوبة: 5) بما رُوي عنه صلى الله عليه وآله وسلم: أنه قال عن مجوس هَجَر: «سنُّوا بهم سنَّة أهل الكتاب» إلى غير ذلك من الصور المتعددة ولم يوجد لما فعلوه مُنكِرٌ فكان ذلك إجماعًا.
وعليه فإن تخصيص الكتاب بالسنَّة جائز شرعًا.
تخصيص الكتاب بإجماع الصحابة
إن إجماع الصحابة يكشف عن دليل شرعي. فإذا أجمع الصحابة على أن هذا الحكم حكم شرعي فإن ذلك يعني أن لهم دليلًا على ذلك وقد روَوا الحكم ولم يَرْووا الدليل، فكانت كرواية الدليل. ولذلك كان إجماعهم كاشفًا عن أن هناك دليلًا شرعيًا. أي أنهم سمعوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قالَه أو رأوه فعلَه أو سكت عنه، فيكون من قبيل السنّة، ولذلك يعامَل معاملةَ السنّة فيؤخذ بالرِّواية. وما دام الأمر كذلك فإنه يجوز تخصيص الكتاب بإجماع الصحابة. وقد وقع التخصيص فعلًا في القرآن بإجماع الصحابة، فمن ذلك قوله تعالى في حقِّ القاذفين: {فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} (سورة النور: الآية 4) قد خصص بإجماع الصحابة على تخصيصه بالأحرار وتنصيف حدِّ القَذف على العبد. والوقوع دليل الجواز، فدل على أن تخصيص الكتاب بإجماع الصحابة جائز شرعًا.


تخصيص الكتاب بالقياس
إن القياس المعتبر هو القياس الذي علته قد ورد بها الشرع، أي الذي علته مأخوذة من الكتاب والسنة، وإجماع الصحابة، وما لم تكن علته قد وردت في الشرع فإنه لا يعتبر دليلًا شرعيًا، وما دام القياس قد وردت علته في الكتاب أو السنة أو إجماع الصحابة، وكان التخصيص جائزًا في الكتاب والسنة وإجماع الصحابة، فيكون تخصيص الكتاب بالقياس الذي علته قد وردت في الكتاب أو السنة أو إجماع الصحابة جائزًا. لما مر من أدلة جواز تخصيص الكتاب بالكتاب وبالسنة وبإجماع الصحابة.
وعليه يجوز تخصيص الكتاب بالقياس الذي علته قد ورد بها الشرع.
تخصيص السنَّة بالكتاب
يجوز تخصيص عموم السنَّة بخصوص القرآن، لأن كلًّا منهما جاء به الوحي. فيكون ما جاء به الوحي قد خُصِّص بما جاء به الوحي، ويصح أن يكون أحدُهما مخصِّصًا للآخر وإن كان القرآن قد جاء به الوحي لفظًا ومعنى، والسنّة قد جاء بها الوحي معنًى فقط. فإن التخصيص متعلِّق بالمعنى وليس باللفظ، فلا يؤثر كون لفظ السنَّة من الرَّسول صلى الله عليه وآله وسلم فإن المعنى وحيٌ من الله، فيصح أن يكون مخصِّصًا، وأيضًا فإن الله تعالى يقول: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ} (سورة النحل: الآية 89) ولا شك أن سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هي من الأشياء فكانت داخلة تحت العموم، فيصح أن يكون القرآن مبيِّنًا للسنَّة والمخصِّص مبيِّن، فجاز أن يكون القرآن مخصِّصًا للسنّة، وقد يقال: إن الله تعالى يقول للرسول:
{لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} (سورة النحل: الآية 44) فجعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم مُبيِّنًا للكتاب المنزل وذلك إنما يكون بسنَّته. وهذا يدل على أن التخصيص إنما يكون من الرَّسول لا من الله أي بالسنَّة لا بالقرآن، والجواب على ذلك أنه لا يلزم من وصف النبي صلى الله عليه وآله وسلم بكونه مبيِّنًا لما أُنزل إليه أنه يمتنع أن يُبيِّن السنَّة بما يرِدُ على لسانه من القرآن، لأن السنَّة مُنْزَلةٌ من الله تعالى والقرآن منزلٌ من الله تعالى فيجوز أن يبيِّن ما أُنزل إليه من السنَّة بما أُنزل إليه من القرآن. وعليه يجوز أن تخصَّص السنّةُ بالقرآن.
تخصيص السنة بالسنَّة
ويجوز تخصيص السنَّة بالسنَّة سواء أكانت متواترة أم خبر آحاد عدول، لأن كلًّا منهما قد جاء به الوحي معنًى فيصح أن يكون أحدهما مخصِّصًا للآخر، وهكذا وقع التخصيص فعلًا في السنَّة بالسنَّة، ومن ذلك أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قال:
«فيما سَقَتِ السماء الْعُشر» . وقد خُصِّص بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «لا زكاةَ فيما دون خمسة أَوْسُق» .
تخصيص السنَّة بإجماع الصحابة وبالقياس
أما تخصيص السنَّة بإجماع الصحابة فلِما سبق من جواز تخصيص القرآن بإجماع الصحابة، فتخصيص السنة كذلك جائز. فإن ما جاز أن يخصِّص القرآنَ جاز أن يخصِّص السنَّة، ولأن إجماع الصحابة يكشف عن دليل، فهو مما جاء به الوحي كما فصَّلنا سابقًا فيصح أن يخصِّص ما جاء به الوحي.
وأما القياس فلأن علته إما أن تكون واردة بالقرآن أو بالسنَّة فيكون التخصيص به إن كانت علته وردت بالقرآن تخصيصًا للسنة بالقرآن، وهو جائز، وإن كانت علته وردت بالسنة فإن التخصيص به حينئذ يكون تخصيصًا للسنَّة بالسنَّة وهو جائز كذلك، ومن هنا جاز تخصيص السنة بالقياس.
ومن تخصيص السنَّة بالقياس جواز إعطاء الكافر صدقة التطوع فإن الحديث عن الزكاة في عدم إعطائها للكافر عام.
إذ يقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: «تؤخذ من أغنيائهم وتعطى لفقرائهم» أي لفقراء المسلمين.
وقد خصص في الزكاة وأخرجت منه صدقة التطوع بالقياس على الهبة والهدية والوقف.
تخصيص المنطوق بالمفهوم
يجوز تخصيص المنطوق بالمفهوم، سواء أكان من قبيل مفهوم الموافقة أم من قبيل مفهوم المخالفة لأن المفهوم حُجة كما مرَّ والعام حجة. فإذا تعارضا وجب تخصيص العام به ولا يلزم إهمال الدليل الأول.
ومثاله قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «خَلق الله الماءَ طهورًا لا ينجِّسه شيء إلّا ما غيَّر طَعْمَه ولَوْنَه وَرِيحَه» فإنه يدل بمنطوقه على أن الماء لا ينجِّسه عند عدم التغيُّر شيء إذا كان ما فوق قُلَّتين كما مرَّ معنا في الحديث السابق. وإن منطوق الحديث شامل لما ذكرنا من الماء القليل والكثير والجاري والراكد. وقوله: «إذا بلغ الماء قُلَّتَين لا يحمل خَبَثًا» يدل بمفهومه على أن الماء القليل يَنْجُس بملاقاة عين النجاسة، وإن لم يتغيَّر، فيكون مفهوم الحديث الثاني مخصِّصًا لمنطوق الحديث الأول.
ومثاله قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «وفي الغنَم من أربعين شاة، إلى عشرين ومثله» فإن منطوقه يدل على وجوب الزكاة في الغنَم كلها وفقًا لعددها ولأنْصِبَة الزكاة.




Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB