الثقافة والثقافة الإسلامية
الطبعة : الطبعة الرابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   711
تاريخ النشر :   1993




النهي عن التصرفات والعقود

النهي عن التصرفات والعقود المفيدة لأحكامها كالبيع والنكاح ونحوهما إما أن يكون راجعًا لعين العقد، وإما أن يكون راجعًا لغيره، فإن كان راجعًا لغير التصرف ولغير العقد كالنهي عن البيع في وقت النداء يوم الجمعة، فإنه لا يؤثِّر على العقد ولا على التصرف لا بطلانًا ولا فسادًا، وإن كان راجعًا لعين التصرف أو لعين العقد فلا شك أنه يؤثّر على العقد وعلى التصرف ويجعله باطلًا أو فاسدًا. والدليل على أن النهي يؤثِّر على التصرفات فيجعلها باطلة أو فاسدة قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «من عمل عملًا ليس عليه أمرُنا فهو رَد» وفي رواية: «من أدخل في ديننا ما ليس منه فهو رد» والمراد ليس بصحيح ولا مقبول لأنه ردٌّ لأمرنا ولقول الله عزَّ وجل، ولا شك أن المنهيَّ ليس بمأمور ولا هو من الدِّين وهو مردودٌ ومعنى كونه مردودًا هو بطلانه وفساده. وأيضًا فإن الصحابة رضوان الله عليهم استدلوا على فساد العقود وبطلانها بالنهي. فمن ذلك احتجاج ابن عمر على فساد نكاح المشركات أي بطلانه بقوله تعالى: {وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ} (سورة البقرة: الآية 221) ولم يُنكر عليه مُنكِر فكان إجماعًا، ومن ذلك احتجاج الصحابة على فساد عقود الرِّبا أي بطلانها بقوله تعالى:
{وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا} (سورة البقرة: الآية 278) وبقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «لا تَبيعوا الذَّهبَ بِالذهبِ ولا الْوَرْقَ بِالْوَرِق» الحديث.
فهذا كله دليل على أن النهي يؤثِّر على التصرفات فيجعلها باطلة أو فاسدة. إلّا أن هذا إذا كان النهي عنه يفيد التحريم، بأن كان طلبًا جازمًا للترك فهو محرَّم، أما إن كان النهي لا يفيد التحريم بأن كان يفيد الكراهة فل يؤثِّر على التصرفات والعقود، لأن التأثير آتٍ من ناحية التحريم، فتحريم التصرف والعقد يجعله باطلًا أو فاسدًا. أما متى يكون التحريم مُبطِلًا للتصرف والعقد ومتى يجعله فاسدًا فإن ذلك يكون بحسب الجهة التي يرجع إليها النهي، فإن كان النهي راجعًا إلى نفس العقد أو رُكنٍ من أركانه فإنه يدل على البطلان كالنهي عن بيع الحصاة وهو جعل الإصابة بالحصاة بيعًا قائمًا مقام الصيغة، وكبيع الملاقيح وهو ما في بطون الأمهات، فإن بيع الحصاة راجع فيه النهي إلى نفس العقد، وبيع الملاقيح راجع فيه النهي إلى المبيع، والمبيع ركنٌ من أركان العقد، لأن الأركان ثلاثة: العاقد والمعقود عليه والصيغة، فالنهي في مثل ذلك يدل على البطلان فلا يعتبر به انعقادُ البيع مطلقًا.
ومثل ذلك التصرفات والعقود التي أتت وفقها أنظمة جائرة ولم يأت بها الإسلام كشركات المساهمة فإنها تصرفات وعقود باطلة، لأن النهي فيها منصب على العقد من حيث هو إذ نهى الشارع عنها نهيًا عامًّا يشملها ويشمل كل واحد منها بعينه بقوله تعالى:
{يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ} (سورة النساء: الآية 60) وبقوله تعالى: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} (سورة النساء: الآية 65) وبقوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} (سورة الحشر: الآية 7) وبقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ أدْخلَ في دِيْنِنا ما ليسَ منه فهو ردٌّ». فإنها كلها نصوص تنهى عن التصرفات والعقود التي جاء بها غير الإسلام ولم يأت بها الإسلام، فهي داخلة تحت هذا النهي العام.
وأما إن كان النهي غير راجع إلى نفس العقد ولا إلى رُكنٍ من أركانه ولكنه راجع إلى صفة من صفاته ملازمة له، فإنه يدل على الفساد كالجمع بين الأختَين فإنه منهيٌّ عنه بقوله تعالى: {وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} (سورة النساء: الآية 23) ولكن النهي ليس راجعًا لنفس العقد ولا إلى ركن من أركانه بل لأمر خارج عنه، راجع إلى صفة لازمة وهي كون إحدى الزوجتَين أختًا للأخرى. فإن أصل الزواج بكل من الأختَين واحدة بعد واحدة في حال طلاق الأولى أو وفاتها جائز شرعًا، ولكن المنهيَّ عنه هو الجمع بينهما، فكان فاسدًا عقد النكاح ولم يكن باطلًا، وعليه أن يفارق إحداهما حسب الحُكم الشرعي الذي يطال الأولى أو الثانية. وكأنْ يُقرض شخصٌ آخرَ مبلغًا من المال ويشترط عليه أن ينفقه في الزراعة وأن لا ينفقه في الصناعة وأن لا يقيم به مصنع آلاتٍ. فإن هذا العقد يصح فيه العقد ويبطل الشرط. أو كأنْ يبيعه قمحًا على شرط أن يستعمله للبذار وأن لا يستعمله للأكل أو أن لا يبيعه لغيره، فإن هذا العقد يصح ولكن يبطل الشرط، وكذلك إذا أجرى عقد النكاح بين رجل وامرأة على شرط أن يطلق الرجل زوجته الثانية فإن هذا العقد فاسد لقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: «ولا يحل أن تُنكح امرأةٌ بطلاق أُخرى» فإن هذا العقد منهيٌّ عنه ولكن النهي ليس راجعًا لنفس العقد ولا إلى ركن من أركانه، بل لأمر خارج عنهما، أي إلى صفة خارجية عن نفس العقد وإن كانت في اشتراطها صارت ملازمة له ولهذا لم يبطل العقد بل كان فاسدًا.
غير أن هذا إذا كانت تلك الصفة من العقد، أي أن النهي عن الصفة اللازمة راجع لنفس التصرف أو العقد، وهي نهي عنه لعينه، أي لنفس التصرف أو العقد كالشرط الفاسد فإنه راجع لنفس العقد.
أما إن كان النهي راجعًا إلى أمر خارج عن العقد وعن كل صفة من صفاته اللازمة له، فإنه يكون راجعًا لغير العقد وبذلك لا يؤثر على صحة العقد.

ciloxan notice kobhvorlangtid.site ciloxan alkohol



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB