الثقافة والثقافة الإسلامية
الطبعة : الطبعة الرابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   711
تاريخ النشر :   1993




ما لم يعمل به من مفهوم المخالفة

الأصناف الأربعة التي هي الصفة، والشرط، والغاية، والعدد، هي التي يعمل فيها بمفهوم المخالفة وما عداها لا يعمل به، فلا يعمل بمفهوم الاسم مطلقًا سواء أكان علمًا نحو زيد قائم، أو اسم جنس كقولك: في الغنم زكاة، فإنه لا يدل نفي الحكم المعلق بهذا الاسم عن غير مدلول ذلك الاسم. فإن مثال زيد قائم لا يدل على نفي القيام من غير زيد، ومثال في الغنم زكاة لا يدل على نفي الزكاة من غير الغنم. فتعليق الحكم بالاسم وما في معناه كاللقب والكنية لا يدل على نفيه عن غيره، كالتنصيص على الأشياء الستة بتحريم الرِّبا في قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: «الذهبُ بالذهبِ مِثْلًا بِمثْل، والفضَّةُ بالفضّةِ مِثْلًا بِمثْلٍ، والتَّمرُ بالتّمرِ مِثْلًا بِمثْل، والبُرُّ بِالبُرِّ مِثْلًا بمثْل، والمَلحُ بالمِلْحِ مِثْلًا بِمثْل، والشَّعيرُ بالشَّعيرِ مِثْلًا بِمثْلِ، فمن زاد أو ازداد فقد أربى» فإنه لا يدل على إباحته في كل ما عدا هذه السنة مطعومًا كان أو غيره، بل ضرب مثلًا لأن الرِّبا محرَّم في المال وفي كل حال، بعكس التنصيص على الأشياء العشرة في وجوب الزكاة فيما أخرجه البيهقي من طريق الحسن: «لم يفرض الصدقةَ النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم إلّا في عشرة في الحنطة والشعير والتمر والزبيب والذرة والإبل والبقر والغنَم والذهب والفضة» فإنه يدل على عدم وجوب الزكاة في كل ما عدا هذه العشرة. ففي الثاني من هذين المثالَين عُلِّق الحكم باسم الجنس.
وكقول القائل: زيد قام أو قام زيد، فإنه يدل على أن القيام قد حصل من زيد ولا يدل على عدم حصوله من غيره. وفي هذا المثال عُلق الحكم بالعلم. فمفهوم الاسم لا يعمل به مطلقًا.
وكذلك لا يعمل بمفهوم الوصف غير المفهم كقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «للسائل حقٌّ وإن جاء على فَرس» فإنه لا يدل على أن غير السائل لا حق له في الزكاة، بل تعطى للسائل وغير السائل، فالوصف غير المفهم أي غير المناسب، لا يعمل بمفهوم المخالفة الذي له ولا يعتبر حجة لأنه لا ينتقل الذهن إليه عند سماع اللفظ ولا يفيد العلِّية.
وكذلك لا يعمل بمفهوم «إنما» كقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «إنما الشُّفعة فيما لم يقسم، وإنما الأعمال بالنيات، وإنما الوَلاء لمن أعتق، وإنما الرِّبا في النسيئة» فإنها لا تدل على الحصر، ولا يعمل بمفهوم المخالفة لها. وذلك لأن «إنما» في اللغة لا تدل على الحصر قطعًا عند أهل اللغة حتى يعمل بمفهوم المخالفة، وإنما قد تَرِد والمرادُ بها الحصر وقد تَرِدُ ولا حصر فيها. فقوله تعالى: {إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ} (سورة الكهف: الآية 110) وقوله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء} (سورة التوبة: الآية 60) المرادُ بها في هاتَين الآيتين الكريمتين الحصر. وقولُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إنما الرِّبا في النسيئة» لا يراد بها الحصر، فإن الرِّبا غير منحصر في النسيئة لانعقاد إجماع الصحابة على تحريم ربا الفضل، فإنه لم يخالف في تحريمه من الصحابة سوى ابن عباس ثم رجع عنه.
وكذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «إنما الشُّفعة فيما لم يقسم» لا يراد منها الحصر، فإن الشفعة غير محصورة في الشريك بل هي كذلك ثابتة للجار، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «جارُ الدَّار أَحَقُّ بالدار من غيره» وقوله: «الجارُ أحق بشُفعة جاره يُنتظر بها وإن كان غائبًا» . وما دامت «إنما» لا تدل على الحصر قطعًا، بل قد تكون للحصر وقد تكون لغيره، فلا يعمل بمفهوم المخالفة فيها. وكذلك كل خطاب خصص محل النطق بالذِّكر لخروجه مخرج الأعم الأغلب لا مفهوم له، وذلك كقوله تعالى: {وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ} (سورة النساء: الآية 23) وقوله: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَا} (سورة النساء: الآية 35) وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «أَيُّما امرأةٍ أنكحتْ نفسَها بغير إذن وَليِّها فنكاحها باطل» فإن تخصيصه بالذِّكر لمحل النطق في جميع هذه الصورة إنما كان لأنه الغالب، إذ الغالب أن الربيبة إنما تكون في الحِجْرِ، وأن الخلع لا يكون إلّا مع الشِّقاق، وأن المرأة لا تُزوِّج نفسَها إلّا عند عدم إذن الولي لها وإبائه تزويجَها.
ولهذا لا مفهوم للخطاب في جميع هذه الأمثلة وما شابهها.
وكذلك لا يعمل بمفهوم المخالفة إذا ورد نص من الكتاب أو السنَّة يعطله. فإنه حينئذ يعطَّل لورود النص بخلافة كقوله تعالى: {لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً} (سورة آلة عمران: الآية 130) وقوله تعالى: {وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً} (سورة النور: الآية 33) فإنه لا يقال: إن الرِّبا إذا لم يكن أضعافًا مُضاعفةً كان حلالًا بحجة مفهوم الآية، فقد ورد نص آخر عطَّل هذا المفهوم وهو قوله تعالى: {وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ} (سورة البقرة: الآية 279) فكان الرِّبا كله حرامًا. وأضعافًا مضاعفة لا يعمل بمفهومه، وكذلك لا يقال: إن لم يُرِدْنَ تَحصُّنًا فأكرهوهن على البِغَاءِ بحجة مفهوم الآية، فقد ورد نص آخر يعطِّل هذا المفهوم، وهو قوله تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً} (سورة الإسراء: الآية 32) فكان إكراهُهن على الْبِغاءِ حرامًا سواء أَرَدْنَ التحصُّنَ أم لم يُرِدْنَه.
فمفهوم المخالفة محصور في الأصناف الأربعة ليس غير، وهي: مفهوم الصفة ومفهوم الشرط، ومفهوم الغاية، ومفهوم العدد، وما عداها لا يعمل بمفهوم المخالفة فيه مطلقًا.
بعد أن انتهى بحث اللغة العربية وعرَّفناها بأقسامها، وبعد أن انتهى بحث أقسام الكتاب والسنة، وتبيَّنَ لنا أن أقسام الكتاب والسنَّة محصورة بخمسة أقسام هي: الأول: الأوامر والنواهي. والثاني: العموم والخصوص. والثالث: المطلق والمقيد. والرابع: المجمل والمبينَّ. والخامس: الناسخ والمنسوخ. يمكننا أن نقول بعد هذا الاستقراء أنه ما عدا هذه الأقسام الخمسة لا اعتبار له كقسم خاص وإنما هو راجع لواحد منها أو راجع إلى اللغة، أو تمحُّل لا معنى له، إلَّا المؤول الذي هو حمل اللفظ على غير مدلوله الظاهر منه مع تأكيده بدليل يعضده. فاللفظ من حيث دلالته على المعنى إنما يُرجع فيه إلى اللغة فهو يدل عليه إما بالوضع أو بالعرف أو بالشرع، أما الظاهر والمؤول فهما من أقسام اللغة ومن عمل الراسخين في العلم الذين ذكرهم الله في آية التأويل التي مرَّت سابقًا. وقد قالوا: إن من أقسام الكتاب والسنَّة النص. وعرَّفوه بأنه ما ازداد وضوحًا على الظاهر لمعنى في نفس المتكلّم لا في نفس الصيغة، مثل قوله تعالى: {فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ} (سورة النساء: الآية 3) فإن أول الآية. {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ} (سورة النساء: الآية 3) أي إن خفتم ألَّا تعدلوا في اليتامى لقصور شهوتكم وقلة رغبتكم فيهن فانكحوا غيرَهن ما طاب لكم أي ما حل لكم من النساء. وقد قالوا: إن الآية ظاهرة في تجويز نكاح ما طاب من النساء لأنه يُفهم بمجرد سماع الصيغة، وهي أيضًا نص في بيان العدد، لأن جواز النكاح عُرف قبل ورود هذه الآية بنُصوص أُخرى وبفعل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ولكن العدد لم يكن مبيَّنًا فبُينِّ بهذه الآية.
ففُهم أن الآية لتشريع عدد الزوجات بأربع معتبرٌ فهمًا للنص، وفهم الزّواج بغير اليتميات فهمًا للظاهر. وهذا ما قالوه. والحقيقة أن فهم العدد جاء من منطوق قوله: {مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ} وفهم الزواج بغير اليتيمات من منطوق قوله: {مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء} ولا فرق بين الآيتَين من حيث كونه فهمًا من المنطوق ولا محل لهذا التفريق بأن هذا جاء من النص وهذا جاء من الظاهر.
وقالوا: إن من أقسام الكتاب والسنَّة عبارةَ النص، إذ قالوا: الاستدلال بعبارة النص هو العمل بظاهر ما سبق الكلام له، والنَّص هو عبارة القرآن والحديث أعم من أن يكون نصًّا أو ظاهرًا أو مفسَّرًا أو خاصًا. أي أن انتقال الذهن من عبارة القرآن إلى الحكم هو استنباط المجتهد من ظاهر ما سبق الكلام له. مثل قوله: {وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} (سورة البقرة: الآية 233) فإن الثابت بعبارة النَّص وهو: «وعلَى المولود له رزقُهن» وجوب الإنفاق على الأمَّهات من قِبَل الوالد، فإن الكلام سبق لذلك. وهذا القسم أيضًا لا معنى لوجوده لأن الحكم أُخذ من منطوق الآية فهو من المنطوق.
وقالوا: من أقسام الكتاب والسنة إشارةُ النَّص، وعرَّفوه بأنه هو العمل بما ثبت نظمه لغةً، لكنه غير مقصود ولا سيق له النص، وليس بظاهر من كل وجه، مثل قوله تعالى: {وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} (سورة البقرة: الآية 233) فإن الثابت بإشارة هذا النَّص نسب الولد إلى الأب لأنه نسب المولود له بحرف اللام المقتضية للاختصاص، وفي النص أيضًا إشارة إلى أن النفقة على الأقارب سوى الوالد بقدر حصصهم من الميراث حتى أن نفقة الصغير على الأم والجد تجب أثلاثًا لأن الوارث اسم مشتق من الإرث فيجب بناء الحكم على معناه. ومثل قوله تعالى:
{وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْراً} (سورة الأحقاف: الآية 15) فالثابت بالنص بيان المنَّة للوالدة على الولد، لأن الآية {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْراً} (سورة الأحقاف: الآية 15) وفيه إشارة إلى أن أقل مدة الحمل ستة أشهر.
روي أن رجلًا تزوج امرأة فولدت لستة أشهر فهمَّ عثمان برجمها فقال ابن عباس: أما إنها لو خاصمتكم لخصمتكم، قال الله تعالى: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْراً} (سورة الأحقاف: الآية 15) وقال: {وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ} (سورة لقمان: الآية 14) فإذا ذهب الفِصَالُ وهو عامان، لم يبق للحمل إلّا ستة أشهر فدرأ عثمان عنها الحد. وهذا القسم أيضًا يجعل قسمًا من أقسام الكتاب والسنة عن طريق أقسام المفهوم وإن كان من دلالة الإشارة أي من أبحاث اللغة.
وقالوا: من أقسام الكتاب والسنَّة دلالة النص، وعرفوه بأنه ما ثبت بمعنى النص لغة لا اجتهادًا كالنهي عن التأفف، يُوقَف به على حرمة التأفف بدون الاجتهاد، فالثابت بدلالة النص ما ثبت بمعنى النظم لغةً، وإنما يعني معنى ظاهرًا يعرف بسماع اللفظ من غير تأمل، وحقيقة هذا القسم ظاهر فيه أنه من دلالة المنطوق فهو من أبحاث اللغة.
وقالوا: من أقسام الكتاب والسنة اقتضاء النص، وهو ما لم يعمل النص إلّا بشرط تقدمه عليه، فإن ذلك أمر اقتضاه النص لصحة ما يتناوله فصار هذا مضافًا إلى النص بواسطة المقتضي، ومثاله قوله تعالى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} (سورة النساء: الآية 92) يقتضي ملك الرقبة وهو غير مذكور، فكأنه قال: «فتحريرُ رقبةٍ مملوكةٍ لكم» لأن إعتاق الحر وعبد الغير لا يصح فتحرير رقبة مقتضٍ «ومملوكة لكم» من اقتضاء النص.
وهذا القسم كذلك لا يصح جعله قسمًا من أقسام ظاهر الكتاب والسنة إذ هو من أبحاث اللغة فهو من قبيل الدلالة الالتزامية، أي أنه مما هو مستفاد من معاني الألفاظ المفردة بأن يكون شرطًا للمعنى المدلول عليه بالمطابقة. وهو إما أن يكون العقل يقتضيه كقوله: إرمِ، فإنه يستلزم سؤاله تمليكه حتى إذا أعتقه تبيَّن دخوله في ملكه، لأن العتق شرعًا لا يكون إلّا في مملوك، ومثل ذلك «تحرير رقبة» يقتضي ملك الرقبة فهو من دلالة الالتزام ومن أقسام المفهوم وهو دلالة الاقتضاء فهو من أبحاث اللغة لا من ظاهر أقسام الكتاب والسنَّة.

وقالوا: إن من أقسام الكتاب والسنَّة الخفيّ، وهو ما خفي مرادُه بعارض من غير الصيغة ولا ينال إلا بالطلب مثل قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا} (سورة المائدة: الآية 38) ظاهر في حق وجوب قطع اليد لكلِّ سارق، وهو في نفس الوقت خفي في حق الطرار والنباش، لأنهما اختصا باسم غير السارق في عرف أهل اللسان، فتأملنا فوجدنا أن اختصاص الطرار باسم آخر لأجل زيادة معنى السرقة، إذ السرقة أخذ مال محترم من حرز مثله خُفية، وهو يسرق ممن هو يقظان قاصدًا لحفظ المال بضرب غفلة وفترة تعتريه، واختصاص النباش باسم آخر لأجل نقصان معنى السرقة فيه، لأنه يسرق من الميت الذي هو غير قاصد الحفظ، فهذا كله خفي، والسرقةُ لها معنى في اللغة لا ينطبق على الطرار والنباش، ثم إن القطع له شروط جاء بها السنَّة وحكم السَّراق معروف وهو غير حكم الطرار والنباش.
وقالوا أيضًا: من أقسام الكتاب والسنَّة المشكل، وهو الداخل في إشكاله، أي الكلام المشتبَه في أمثاله، ففيه زيادة خفاء على الخفي، فيقابل النص الذي فيه زيادة ظهور على الظاهر، فلهذا يحتاج إلى النظر بين الطلب والتأمل، ومثاله قوله تعالى: {فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} (سورة البقرة: الآية 223) فإن كلمة «أنى» مشكلة تجيء تارة بمعنى من أين، كما في قوله تعالى: {أَنَّى لَكِ هَـذَا} (سورة آل عمران: الآية 37) أي من أين لكِ هذا الرِّزق الآتي كلَّ يوم، وتارة بمعنى كيف، كما في قوله تعالى: {أَنَّىَ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ} (سورة آل عمران: الآية 40) أي كيف يكون لي غلام فاشتبه ههنا معناها، هل هي بمعنى من أين، أو بمعنى كيف. فإذا تأملنا في لفظ الحرث علمنا أنه بمعنى كيف وليس بمعنى من أين، لأن الدُّبُرَ ليس بموضع الْحرث، بل موضع الفَرْث، فيكون إتيان المرأة في دُبُرِها حرامًا.
فلولا كلمة الحرث لكان لفظ {أنَّىَ} مشكلًا، لأن اللواط حرام قطعًا، وكان يمكن أن تُفسر {أنَّىَ} بمعنى من أين وهذا يؤدي إلى حِلِّيّة اللواط بالمرأة، فلما جاءت كلمة «الحرث» أزالت المشْكل، وهذا القسم أيضًا لا يصح أن يجعل من أقسام الكتاب والسنّة وإنما هو من أبحاث اللغة. فإن لفظ {أنَّىَ} من الألفاظ المشتركة، وهو قسم من أقسام اللفظ باعتبار الدال والمدلول كالعين الباصرة والجارية، والألفاظ المشتركة إنما يُعيِّن المعنى المرادَ منها القرينةُ، فبالقرينة يُفهم المعنى المراد منها، وكلمة «الحرث» هنا هي القرينة الدالة على أن المراد من لفظ {أنَّىَ} هو كيف: فلا يوجد أي إشكال.
وقالوا: من أقسام الكتاب والسنَّة المفسَّر، وهو ما زاد وضوحًا على النص على وجه لا يبقى معه احتمال التأويل أو التخصيص مثل قوله تعالى: {فَسَجَدَ الْمَلآئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} (سورة الحجر: الآية 30) فالملائكة اسمٌ ظاهر عامٌ ولكنه يُحمَّل الخصوص. فلما فُسِّر بقوله: {كُلُّهُمْ} انقطع هذا الاحتمال، لكنه بقي احتمال الجمع والإفراد، فانقطع احتمال تأويل الإفراد بقوله: {أَجْمَعُونَ} وهذا القسم هو من زيادة الإيضاح غير اللازمة، لأن استعمال التأكيد في الكلام لا يجعله قسمًا من أقسامه. ولا محل لبحثه في أمر استنباط الأحكام الشرعية



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB