الثقافة والثقافة الإسلامية
الطبعة : الطبعة الرابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   711
تاريخ النشر :   1993




حُمِلَ الإسْلامُ بِثَلاثة
بِكِتابِ اللهِ و سُنَّةِ رَسُولِه
وَاللغَةِ العَرَبيَّة


حُمِلَ الإسْلامُ بِثَلاثة
بِكِتابِ اللهِ و سُنَّةِ رَسُولِه
وَاللغَةِ العَرَبيَّة
{إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}
واللغة العَربيّة جُزْءٌ
لا يَتجزّأ مِنَ الإسْلام
ولا تُحْمَل الدَّعْوةُ
الإسلاميَّة
إلّا بِهَا

اللغة
اللغةُ أصواتٌ يُعبّرُ بها كلّ قومٍ عنْ أغراضِهِمْ. ويقال: لَغَوْتُ أيْ تكلمتُ. وقالَ تعالى: {وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً} (سورة الفرقان: الآية 72). أي الباطلِ. وفي الحديث: «منْ قالَ في الجمعةِ صه فقد لغا» أي تكلّمَ. واللغةُ من لغا إذا لهِجَ بالكلامِ. وأمّا تعريفُ اللغةِ فهو «كل لفظٍ وُضِعَ لمعنى».
وطريقةُ معرفةِ اللّغاتِ الروايةُ فقط.
أقسام اللغات
تقسَمُ اللغاتُ في العالمِ إلى ثلاثةِ أقسامٍ: الساميّة، والآريّة والطورانيّة.
1 ـــــــ الساميّةُ: يرتقي نَسَبُها إلى سامِ بنِ نوحٍ، وهيَ أقدمُ عهدًا من الآريّة والطورانيّةِ، وأشهرُها منَ اللغاتِ الحيّةِ: العربيّةُ والعبرانيّة والسريانيّةُ والكلدانيّةُ والحبشيّةُ. ومنَ الدواثرِ: الآشوريّة والبابليّة والفينيقيّةِ والحميريّة والنّبْطيّة.
2 ـــــــ القسم الثاني: الآريّة: وتعودُ إلى أصلٍ واحدٍ: اللغة الهنديّة القديمة وتُعرَفُ بالسنسكريتيّةِ، ومن سلالتها الفارسيّةُ القديمةُ واليونانيّة واللاتينيّةُ والجرمانيّةُ وما تفرّعَ عنها من اللغاتِ الحديثةِ، كالإنكليزيةِ والألمانيّةِ والفرنسيّةِ والإيطاليّةِ والإسبانيّةِ وغيرَها من اللغاتِ العصريّةِ الحيّةِ.
3 ـــــــ القسم الثالث: اللغات الطورانيّة: وأشهرُها التركيّةُ والمجريّةُ والتتريّةُ والمغوليّةُ.


طبقاتُ اللغات
تُقسمُ اللغاتُ، من حيثُ تكوينُها، إلى ثلاثِ طبقاتٍ: أُحاديّةٌ ومزجيّةٌ ومتصرفةٌ.
1 ـــــــ الأُحاديّة: تتألّفُ ألفاظُها من مقطعٍ واحدٍ لا يتغيّرُ تبعًا للمعاني كاللغةِ الصينيّةِ، فإنّكَ تجدُ فيها عشراتِ الألوفِ من الحروفِ وهي من أضعفِ اللغاتِ.
2 ـــــــ المزجيّةُ: التي تتركّبُ الألفاظُ فيها من كلمتينِ تدلّ أولاهما على أصلِ المعنى، والثانيةُ على المعنى المضاف إليه كالفاعلِ والزّمانِ والمكانِ: مثل اليابانيّةِ والتركيّةِ، وهي أرقى من الطبقةِ الأولى.
3 ـــــــ المتصرّفة: التي يتحوّلُ فيها الأصلُ الواحدُ إلى صِيَغٍ شتى، كلّ منها يدلّ على معنى لا يدلّ عليهِ الآخرُ كالعربيةِ والعبرانيّةِ والسريانيةِ ولكنّ العربيّة امتازَتْ بكونها لغةَ اشتقاقٍ وإعرابٍ معًا، فبالاشتقاقِ تتحوّلُ المادّةُ الواحدةُ إلى صوَرٍ متعدّدةٍ تبعًا للمعاني الجزئيّةِ، وذلكَ منْ خصائص علمِ الصرْفِ.
فنقولُ من وضعَ مثلًا: يضعُ وضْع واضِع موضوعٌ وضيعٌ وضاعَة إلخ... وبالإعرابِ تُعْرَفُ كلّ كلمةٍ منَ الجملةِ فاعلًا كانتْ أوْ مفعولًا أو مبتدأ أو خبرًا إلخ...
وأمّا اللغاتُ الحديثةُ فأكثرُها من نوعِ اللغاتِ التحليليّةِ، وهي التي يكونُ فيها للمعنى، ولكلٍّ من توابعهِ لفظةٌ خاصةٌ، بخلافِ العربيّةِ وهيَ من فصيلةِ اللغاتِ الإجماليّةِ التي تجدُ فيها ما يدلّ على أصلِ المعنى، كما يدلّ على تابعهِ من فاعلٍ ومفعولٍ وزمانٍ ومكانٍ إلخ...


أسبابُ وَضْعِ اللّغاتِ
اللّغاتُ هي عبارةٌ عنِ الألفاظِ الموضوعةِ للمعاني، فلما كانت دلالةُ الألفاظِ على المعاني مستفادةً من وضعِ الواضعِ كانَ لا بدَّ من معرفةِ الوضعِ ثمَّ معرفةِ دلالةِ الألفاظِ. والوضعُ هو تخصيصُ لفظٍ بمعنى، ومتى أُطلقَ اللّفظُ فُهِمَ المعنى، وسببُ وضعِ اللغةِ هو أنَّ الإنسان محتاجٌ إلى غيره من أبناءِ جنسهِ لأنّهُ لا يستطيعُ أن يستقلّ بما يحتاجُ إليهِ في المعاشِ والغذاء واللّباسِ والمسكنِ والسلاحِ إبقاءً للجسدِ وصونًا له من الحرّ والبردِ والاعتداء، ولذلكَ كانَ لا بدَّ لهُ منَ الاجتماعِ معَ غَيرهِ من بني الإنسانِ، ومن هنا كانَ اجتماعُ الإنسانِ بالإنسانِ أمرًا طبيعيًا. فالإنسانُ اجتماعيٌّ بطبعِهِ، وهذا الاجتماعُ بَينَ الناسِ لا يَتِمُّ فيهِ التعاونُ إلّا بأن يَعرِفَ كلٌّ منهم ما في نفسِ الآخرِ، فاحتيجَ إلى شيءٍ يحصلُ بهِ التعريفُ. ومن هنا جاءَ وضعُ اللغاتِ لأنَّ هذا التعريف لما في الذِّهنِ لا يتمُّ إلا باللّفظِ أو الإشارة أو المثالِ. واللفظُ أفيدُ منَ الإشارةِ أو المثالِ لعمومهِ. إذ اللفظُ يشملُ الموجوداتِ، محسوسةً ومعقولةً، ويشملُ المعدوماتِ، ممكنةً أو ممتنعة، لإمكانيةِ وضعِ اللفظِ بإزاءِ ما أُريدَ من تلكَ المعاني، بخلافِ الإشارةِ، فإنّه لا يمكن وضعُها إزاءَ المعقولاتِ ولا الغائبِ ولا المعدوم، وبخلافِ المثالِ، فإنّه يتعذَّر أو يتعسّرُ أن يحصَلَ لكلّ شيءٍ مثالٌ يطابقُهُ، لأنَّ الأمثلةَ المجسّمةَ لا تفي بالمعدوماتِ. وأيضًا فإنَّ اللّفظَ أيسرُ منَ الإشارةِ والمثالِ، لأن اللَفظَ مركّبٌ منَ الحروفِ الحاصلةِ منَ الصّوتِ، وهو يحصلُ منَ الإنسانِ طبيعيًّا، فكانَ اتخاذهُ وسيلةً للتعبيرِ عمّا في النفسِ أظهرَ وأولى. ومن هنا كانَ سببُ الوضعِ للّغاتِ هو التعبيرَ عمّا في النفسِ، وكانَ موضوعُها هو الألفاظَ المركّبةَ من الحروفِ. واللّفظُ قَد وُضعَ للتعبيرِ عمّا في الذِّهنِ وليسَ للماهيّةِ، فهوَ غيرُ الفكرِ، فالفكرُ هو الحكمُ على الواقعِ، إذ الفكرُ عبارةٌ عن نَقلِ الواقعِ بواسطةِ الإحساسِ إلى الذّهنِ مع معلوماتٍ سابقةٍ تفسّرُ هذا الواقعَ، بخلافِ اللّفظِ فإنّهُ لم يُوضعْ للدّلالةِ على حقيقةِ الواقعِ ولا على الحكمِ عليه بل وُضِعَ للتعبيرِ عمّا في الذّهنِ، سواءٌ طابقَ الواقعَ أم خالفهُ. لأنَّ إطلاقَ اللّفظِ دائرٌ معَ المعاني الذّهنية دونَ الخارجيةِ. فإنّا إذا شاهدنا شَيئًا فظننا أنّهُ قلمٌ فأطلقنا عليه لفظَ القلمِ، فإذا دَنَونا منهُ وظنناهُ مِلعقةً أطلقنا عليهِ لفظَ المَلعقةِ، ثمّ إذا دَنونا منهُ ظنّنا أنّهُ سكِّينٌ أطلقنا عليهِ لَفظَ السكّين، فالمعنى الخارجيّ لم يتغيّر معَ تغيرِ اللّفظِ فدلَّ على أنّ وضعَ الألفاظِ ليسَ للواقعِ الخارجي بل للصورة المنطبعةِ في ذِهنِ الإنسانِ، وأيضًا لو قلنا سميرٌ جالسٌ ووضعنا الألفاظَ لجلوسِ سميرٍ الموجودِ في الخارجِ، ثُمّ وَقَفَ سميرٌ أو مَشَى أو نامَ فدلَّ على أنَّ الوضعَ ليسَ للحقيقةِ القائمةِ وإنّما هو تعبيرٌ عمَا في الذّهنِ. فالألفاظُ وُضعتْ ليُفيدَ الوضعُ النّسبَ الإسناديّةَ أو التقيديّةَ أو الإضافيةَ بينَ المفرداتِ يُضمّ بعضها إلى بعضٍ كالفاعليّةِ والمفعوليّةِ وغيرِهِما، ولإفادةِ معاني المركباتِ من قيامٍ وجلوسٍ، فلفظ «سميرٌ جالسٌ» مثلًا، وُضِعَ ليستفاد بهِ الإخبارُ عن مَدلولهِ بالجلوس، وليسَ القصدُ منَ الوضعِ أن يُستفادَ بالألفاظِ معانِيها المفردةُ التي تُصوّرُ تِلكَ المعاني بلِ القصدُ منْ وضعِ اللّفظِ إفادة النسبِ ليحصلَ التعبيرُ عمّا في الذّهنِ.
وأمّا وضعُ اللّغاتِ فهوَ أنّ اللغاتِ كلّها اصطلاحيةٌ فهي منْ وضعِ الناسِ ولَيْسَتْ من وضعِ الله تعالى، واللّغةُ العربيّةُ كسائرِ اللّغات وضعَهَا العربُ واصطلحوا عليها فتكونُ من اصطلاحِ العربِ وليستْ توقيفًا من الله سبحانهُ وتعالى. وأمّا قولُهُ تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا} (سورة البقرة: الآية 31) فإنَّ المرادَ مُسمّياتُ الأشياءِ لا اللّغات، أي عَلّمَهُ حقائقَ الأشياءِ وخواصها، أي أعطاهُ المعلوماتِ التي يستعملها للحكمِ على الأشياءِ التي يحِسّها فإنَّ الإحساسَ بالواقعِ لا يكفي وحدَهُ للحكمِ عليهِ وإدراكِ حقيقتهِ بل لا بُدّ من معلوماتٍ سابقةٍ يُفسّرُ بواسطتِها الواقعُ. وأمّا تعبيرُ القرآنِ الكريمِ بكلمةِ الأسماءِ فإنّهُ قد أطلَقَ الاسمَ وأرادَ المسمّى كما يدلّ على ذلكَ الواقعُ، فإنَّ آدمَ عَرَفَ الأشياءَ ولم يعرِف اللغاتِ، فكلُّ ما يُعرَفُ ماهيّتُهُ ويُكشفُ عن حقيقتِهِ هو محلُّ التّعليمِ والمعرفةِ، واللغةُ إنّما هي وسيلةٌ للتعبيرِ لَيسَ إلّا، فسياقُ الآيةِ يدلُّ على أنَّ المرادَ من كلمةِ "الأسماءَ كلّها" المسمّياتُ أي الحقائقُ والخواصُّ. وأمّا قولُهُ تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ} (سورة الروم: الآية 22) أي لغاتِكُمْ فلا دلالةَ فيهِ على أنَّ اللغاتِ من وضعِ الله تعالى لأنَّ معنى الآيةِ: ومنَ الأدلّةِ على قدرةِ الله كونُكم تختلفونَ في اللّغاتِ وليس معناها كون الله سبحانَهُ وتعالى قد وضعَ لغاتٍ مختلفةً إذ لو كانتِ اللّغاتُ توقيفيّةُ عنِ الله عزَّ وجلَّ لَلَزِمَ تقدُّمُ بعثةِ الرّسُلِ على معرفةِ اللّغاتِ حتى يعرّفوا الناسَ اللّغةَ التي وضعها الله ثُمَّ بعدَ ذلكَ يُبَلِّغُهُم الرّسالةَ، لكنَّ البعثةَ متأخرةٌ والدليلُ على هذا قولُهُ تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ} (سورة إبراهيم: الآية 4) وبِهذا يَثْبُتُ أنَّ اللغَة ليستْ توقيفيّة عن طريقِ الوَحي أي من وضعِ الله عزَّ وجلَّ بل هي من وضعِ الإنسانِ.
القُرآنَ عَرَبيٌّ
لم يشتملِ القرآنُ الكريمُ على كلمةٍ واحدةٍ غير عربيّةٍ مُطلقًا بل كلهُ عربيٌّ، والدليلُ على ذلك قولهُ تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً}(سورة الزخرف: الآية 3) وقولهُ: {وَهَـذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ} (سورة النحل: الآية 103) وقولهُ: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ} (سورة إبراهيم: الآية 4) فلو اشتملَ القرآنُ على غيرِ اللّغةِ العربيّةِ لكانَ مخالفًا لهذهِ الآياتِ، ويكونُ الرّسول صلى الله عليه وآله وسلم قد أرسِلَ بغيرِ لسانِ قومِهِ، والقرآنُ يُطلَقُ على مجموعِهِ وعلى جزءٍ منهُ، فلو كانَ جزءٌ غيرَ عَربيّ لما كانَ منَ القرآنِ، وأيضًا فإنَّ الله تعالى يقول: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أَعْجَمِيّاً لَّقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ} (سورة فصلت: الآية 44). فنفَى أن يكون أعجميًّا.
وأمّا اشتمالُ القرآنِ على ألفاظٍ مأخوذةٍ منَ اللّغاتِ الأخرى كاشتماله على لَفظِ «المشكاةِ» وهي لفظةٌ هنديّةٌ وقيلَ: حبشيّةٌ وهي الكوّةُ، وعلى لفظِ «القسطاسِ» وهي روميّةٌ ومعناها الميزانُ، وعلى لفظِ «الاسْتَبْرَقِ» ومعناها الدّيباجُ الغليظُ، وعلى لفظِ «سِجّيلِ» ومعناها الحجرُ منَ الطينِ وهما لفظان فارسيّان فإنّهُ لا يكونُ بِذلكَ مشتملًا على كلماتٍ غيرِ عربيّةٍ لأنَّ هذهِ الألفاظَ قد عُرّبَتْ فصارت معرّبةً، فهو مشتمِلٌ على ألفاظٍ مُعَرَّبةٍ لا على ألفاظٍ غيرِ عربيّةٍ. واللفظُ المعرّبُ عَربيٌّ، كاللفظ الذي وضعتْهُ العربُ سواءٌ بِسواءٍ. والشّعرُ الجاهليّ قدِ اشتملَ على ألفاظ معرّبةٍ من قَبلِ أن يُنَزَّلَ القرآنُ مثلَ كلمةِ «السّجنجل» بمعنى المرآةِ في شعرِ امْرِئِ القيسِ وغيرِها منَ الكلماتِ عندَ كثيرٍ من شعراءِ الجاهليةِ. والعربُ كانوا يعتبرونَ اللّفظَةَ المعرّبةَ عربيةً كاللفظةِ التي وضعوها سواءٌ بسواء. والتّعريبُ لَيسَ أخْذًا للكلمةِ منَ اللّغاتِ الأخرى كما هي ووضعها في اللّغةِ العربيّةِ بلِ التَّعريبُ هوَ أن تُصاغَ اللّفظةُ الأعجميّةُ بالوزن العربيّ فتصبحَ عربيّةً بعدَ وضعِها على وزنِ الألفاظِ العربيّةِ أو على حدّ قَولِهِمْ على تفعيلةٍ من تفعيلاتِ اللّغةِ العربيّةِ، مثلَ أفْعَلَ وَفَعَلَ وَفَاعَلَ وافْتَعَلَ وَانْفَعَلَ وغيرها. فإن وافقتْها ووافقتْ حروفُها حروفَ اللغةِ العربيّةِ أخذوها، وإنْ لم تكنْ على أوزانِ التّفعيلاتِ العربيّةِ ولم توافق أيَّ وزنٍ من أوزانِ العربِ حَوَّروها بزيادةِ حرفٍ أو بنقصان حرفٍ أو حروفٍ وصاغُوها على الوزنِ العربيّ، وكذلك يفعلونَ في حروفِها فيحذفونَ الحرفَ الذي لا ينسجمُ معَ اللّغةِ العربيّةِ، ويضعونَ بدلًا منهُ حرفًا من حروفِها حتى يُصبحَ جزءًا منها. فالتّعريبُ هو صوغُ الكلمةِ الأعجميّةِ صياغةً جديدةً بالوزنِ والحروفِ حتى تُصبحَ لفظةً عربيّةً في وزنها وحروفِها.
وبمناسبةِ الحديثِ عنِ الألفاظِ المعرَّبةِ قد يرِدُ سؤالٌ وهوَ: هلِ التّعريبُ خاصٌّ بالعربِ الأقحاحِ الذينَ وضعُوا اللّغةَ العربيّةَ ورُوِيَتْ عَنهُم أمِ التّعريبُ جائزٌ لكلِّ عربيّ في كلِّ عَصرٍ؟
الجوابُ على ذلك: التّعريبُ جائزٌ لكلِّ عربيّ في كلَ عصرٍ على شرطِ أن يكونَ مجتهدًا في اللُّغةِ العربيّةِ. لأنَّ التّعريبَ ليسَ وضعًا أصليًّا وإنّما هُوَ صياغَةٌ عَلى وزنٍ مخصوصٍ بحروفٍ مخصوصةٍ. هذا هو واقعُ التّعريبِ. وأمّا الوضعُ فخاصٌّ بالعربِ الأقحاحِ وحدهُم، ولا يجوزُ لغيرِهِمْ، لأنّهُ إيجادٌ من شيءٍ غيرَ موجودٍ من الكلامِ واصطلاح ابتداء فلا يصحُّ إلَّا لأهلِ الاصطلاحِ، ولكنَّ التّعريبَ ليسَ إيجادًا لشيء غيرِ موجودٍ بل هو اجتهادٌ في الشيءِ الموجودِ، وهوَ ليسَ اصطلاحًا ابتداءً وإنّما هُو اجتهادٌ في ما جرى الاصطلاحُ عَلَيهِ. فإنَّ العربَ قَدْ حدّدتْ أوزانَ اللّغةِ العربيّةِ وتفعيلاتِها، وحدّدتْ حروفَ العربيّةِ بحروفٍ معينةٍ وعددٍ مجدّدٍ، والتّعريبُ هوَ صَوْغُ لفظةٍ من هذهِ الحروفِ على وزنٍ منَ الأوزانِ العربيّةِ.
ومن هنا كانَ جائزًا لكلِّ مجتهدٍ في اللّغةِ العربيّةِ، فهو كالاشتقاقِ سواءٌ بسواءٍ. فالاشتقاقُ أن تصوغَ من المصدرِ فعلًا أوِ اسمَ فاعلٍ أوِ اسمَ مفعولٍ أوْ غيرَ ذلكَ منَ المشتقّاتِ مِن حروفِ العربيّةِ وعَلى استعمالِ العربِ، سواءٌ أكانَ ما صغتَهُ قد قالتْهُ العربُ أم لم تقلْهُ. والمشتّقُّ لا خلافَ في جوازهِ لكلِّ عالِمٍ بالعربيّةِ، فكذلكَ التّعريبُ لأنّهُ صياغَةٌ وليسَ بوضعٍ، ولهذا فإنَّ التّعريبَ ليسَ خاصًّا بالعربِ الأقحاحِ بلْ هوَ عامٌّ لكلّ مجتهدٍ باللّغةِ العربيّةِ، غَيْرَ أنّهُ ينبغي أنْ يُعْلَمَ أنَّ التعريبَ خاصٌّ بأسماءِ الأشياءِ وليسَ عامًا لكلِّ لفظٍ أعجميّ. فالتّعريبُ لا يُدخلُ الألفاظَ الدّالّةَ على المعاني ولا الجُمَلَ الدّالةَ على الخيالِ، وإنما هو خاصٌّ بأسماء الأشياءِ ولا يصحُّ في غيرها مطلقًا. والعربُ حينَ عَرَّبتْ إنّما عرّبت أسماءَ الأشياءِ ولم يجرِ التّعريبُ في غيرها. فإنهم بالنّسبة للمعاني قدْ وضعوا الاشتقاق وبالنّسبةِ للتخيّلاتِ والتّشبيهاتِ قد وضعوا المجازَ ولم يستعملوا التّعريبَ إلَّا في أسماءِ الأشياءِ، ويدخلُ فيها أسماءُ الأعلامِ مثلَ إبراهيمَ. ولهذا لا يجوز التّعريبُ إلّا في أسماءِ الأشياءِ وأسماءِ الأعلامِ ولا يجوزُ في غيرِهما، أمّا غيرُ أسماءِ الأشياءِ وأسماءِ الأعلامِ فإنَّ مجالَ أخذِها واسعٌ في الاشتقاقِ والمجازِ. فإنَّ الاشتقاقَ مجالٌ واسعٌ لأخذِ المعاني والتعبير عنها مهما بلغت من الكثرةِ والتّنوُّعِ، وكذلك المجازُ مجالٌ خصبٌ لأخذِ الخيالِ والتّشبيهاتِ والتّعبيرِ عنها مَهما كانت، ومن هنا كانَ لزامًا على علماءِ اللّغة العربيّةِ أن يُوجدُوا ألفاظًا جديدةً للأسماءِ والمعاني الجديدةِ ولا مناصَ لهم من إيجادِ هذهِ الألفاظِ الجديدةِ وإلّا وقفوا عنِ السير معَ الحياةِ ومتطلّباتِها، ووقفوا عن بيانِ حُكمِ الشرعِ في وقائعَ وأشياءَ لا بدَّ من بيانِ حكمِ الشرّعِ فيها. واللّغةُ العربيّةُ نفسُهَا إنّما تبقى وتحيا بالاستعمال فإذا وُجِدَتْ معان جديدةٌ ضروريّةٌ لحياةِ الأمّةِ ولم توجَدْ في اللّغةِ العربيّةِ ألفاظٌ تعبّرُ بها عنها انصرفَتِ الأمّةُ حتمًا إلى لُغَةِ أخرى لتعبِّرَ بها عمّا هُوَ من ضروريّاتِها وبذلكَ تجمدُ اللّغةُ ثم معَ الزّمنِ تُتْركْ وتُهجر.
ومن هنا كان التّعريبُ كالاشتقاقِ والمجازِ ضرورةً من ضرورات حياةِ اللّغةِ العربيّةِ وبقائِها ولذلكَ لا بدَّ منَ التّعريبِ، واللّغةُ العربيّةُ ليستْ في حاجةٍ لأنْ يُؤخَذَ معنى اللْفظةِ الأعجميّةِ ويعبّرَ عنه بلفظٍ يدلُّ على معنى مثلِهِ بالعربيّةِ كَما حاولَ المسلمون أن يفعلوا ذلكَ، بل تُؤخذُ اللّفظةُ الأعجميّةُ نفسُها وتُصاغُ على وزنٍ عربيّ، فما فعلوهُ من وضعِ كلماتِ قطارٍ وسيّارةٍ وهاتفٍ ومِقودٍ وما شاكلَ ذلكَ عمَلٌ كلّهُ خطأٌ. ويدلُّ على الجمودِ الفكريّ وعلى الجهلِ المطبِقِ. فهذهِ أشياءُ وليستْ معانٍ ولا تخيّلاتٍ وتشبيهاتٍ فلا تُوضَعُ لها أسماءٌ لمعانٍ تشبهُها ولا تُشتقُّ لها أسماءٌ وإنّما تُؤخذُ أسماؤها الأعجميّةُ نفسُها وتُصاغُ على تفعيلةٍ من تفعيلاتِ العرب. فكلمةُ «تلفون» كان يجبُ أن تُؤخذَ كما هي لأنَّ وزنها وزنٌ عربيٌّ «فعلول» ومنها عربون وحروفُها كلُّها حروفٌ عربيّةٌ وكلمةُ «كِدون» وزنها وزنٌ عربيٌّ «فعول» ومنهُ جهول ولكنَّ حرف «G» غيرُ موجودٍ في اللغةِ العربيّةِ فيوضعُ بدلًا منه حرف «غ» فيُقالُ: «غدون» أو «ج» فيُقالُ: «جدون» فتصبحُ لفظةً معرّبةً وهكذا. ومن هنا كانت الألفاظُ التي وُضعتْ لأسماءِ الأشياءِ الجديدةِ كالقطارِ والسيّارةِ ونحوهما لا تُعتبرُ من ألفاظِ اللّغةِ العربيّةِ مُطلقًا لأنَّ اللفظَ العربيَّ هو اللّفظُ الذي وضعه العربُ للدّلالةِ على معنى معينٍ، فإذا حصلَ اصطلاحٌ للفظٍ وضعَهُ العربُ على معنى لم يضعوهُ لهُ كانَ ذلكَ حقيقةً شرعيّةً أو حقيقةً عُرفيّةً وليسَ حقيقةً لُغويةً.
والحقيقةُ اللُّغويّةُ هي اللّفظُ المستعملُ في ما وُضعَ له أولًا في اللُّغةِ، ولفظُ المِقودِ وما شابَهَهُ لم يضعهُ العربُ بإزاء هذا المعنى للدّلالةِ عَليه فلا يكونُ حقيقةً لُغويّةً، وبما أنّهُ ليس حقيقةً شرعيّةً ولا حقيقةً عُرفيّةً. فيكونُ لفظًا غيرَ عربيٍّ لأنّ ألفاظَ اللّغةِ العربيّةِ لا تخرجُ عَن هذه الثلاثِ.
الحقيقةُ العُرفيّةُ والحقيقةُ الشرعيّةُ
الحقيقةُ الشرعيّةُ هي اللفظ المستعملُ في ما وُضعَ لهُ أولًا في اصطلاحِ الشرعِ. والأسماءُ الشرعيّةُ مثل الصلاةِ للأفعالِ المخصوصةِ، والصومِ للإمساكِ المعروفِ إلى غيرِ ذلك... هيَ الاسماءُ التي جاءَ بها الشرعُ.
الحقيقةُ العرفيّةُ هي اللّفظُ المستعملُ في ما وُضعَ لهُ بعُرفِ الاستعمالِ اللُّغويّ. أيْ هي اللّفظةُ التي انتقلَتْ عَنْ مُسماها اللّغويِّ إلى غيرِهِ للاستعمالِ العامَ في اللغةِ بحيثُ هُجِرَ الأوّلُ، وهيَ قسمانِ: الأولُ: أن يكونَ الاسمُ قد وُضعَ لمعنى عامٍّ ثُمّ يُخصّصُ بِعرفِ استعمالِ أهلِ اللغةِ ببعضِ مُسميّاتِهِ، كاختصاصِ لفظِ الدّابّةِ بذواتِ الأربعِ عُرفًا. وإن كانَ في أصلِ اللّغةِ لكلّ ما دبَّ على الأرضِ فتشمل الإنسانَ والحيوانَ ولكنَّ الاستعمالَ العامَّ في اللّغةِ خصّصَها بذواتِ الأربعِ وهُجِرَ المعنى الأوّلُ فصارتْ حقيقةً عُرفيّةً لُغويّةً في المعنى الذي نُقْلَتْ إليهِ.
الثاني: أن يكونَ الاسمُ في أصلِ اللّغةِ بمعنى ثمَّ يشتهرُ في عُرفِ استعمالِهِمْ بالمعنى الخارجِ عنِ الموضوعِ اللُّغويّ، بحيث إنّهُ لا يُفهمُ من اللّفظِ عند إطلاقِ غيرِهِ كاسمِ الغائطِ فإنّهُ وإن كانَ في أصلِ اللّغةِ للموضعِ المنخفِضِ منَ الأرضِ غير أنّهُ قد اشتهرَ في عُرفِهِم بالخارجِ المسْتَقْذَرِ منَ الإنسانِ حتّى إنّهُ لا يُفهَمُ مِنْ ذلكَ اللّفظِ عندَ إطلاقِهِ غيرُهُ. فالحقيقةُ اللّغويّةُ قد وضعها العربُ فهي وضعيّةٌ والحقيقةُ العُرفيَةُ استعملَها العربُ فهيَ عُرفيّةٌ أي تعارف العربُ عليها باستعمالِهِمْ لها.
وأمّا أنّهُ يوجدُ لكلِّ طائفةٍ من العلماءِ من الاصطلاحاتِ التي تخصهم مثلَ اصطلاحِ النحاةِ على الرفعِ والنصبِ والجرِّ والنصبِ والجرِّ فإنّهُ حقيقةٌ عرفيّةٌ خاصّةٌ وهي غيرُ الحقيقةِ العرفيّةِ اللّغويّةِ، لأنَّ الحقيقةَ العرفيّةَ اللغويةَ من العربِ أنفسهِم، وأمّا الحقيقةُ العرفيّةُ الخاصّةُ فهي ليستْ من العربِ الأقحاحِ وإنّما تعارَفَ عليها علماءُ كلِّ علمٍ للدّلالةِ على معانٍ معينة كعلماءِ الهندسةِ والكيمياءِ والطبِّ والاقتصادِ وما شاكلَ ذلكَ فكل ما اصطلحَ عليهِ علماءُ أيِّ علمٍ أو فنٍّ في أيِّ عصرٍ هُو حقيقة عُرفيةٌ خاصّةٌ، وهي منَ اللغةِ العربيّةِ كالحقيقةِ العُرفيةِ العامّة سواءٌ بسواءٍ، لأنَّ العرفيّةَ العامّةَ قد استعملَها العربُ في غيرِ ما وضعُوها له واشتُهرت بهِ فكانت عربيّةً لاستعمالِ العرب لها فهي كالوضع من قِبَلِهِم وكذلك العُرفيّةُ الخاصّةُ قد جرى الاصطلاحُ عليها من قِبَل علماءِ العربِ وعلى مسمعٍ منهم وأقرّوهُ واعتبروهُ منَ اللّغةِ، بل استعملوها في معانيها التي وُضعت لها كاستعمالِ الحقيقةِ العُرفيّةِ، وكذلك هم استعملوا اللّفظةَ في النّحوِ في غيرِ ما وُضعتْ له استعمالًا خاصًا في علمٍ مخصوصٍ، فكانت لذلكَ عربيّةً كالذي استعملوهُ استعمالًا عامًّا وكالذي وضعوهُ وما انطبقَ على العلومِ التي وضعوها والعلومِ التي أقرّوا استعمالها ينطبقُ على كلِّ علمٍ منَ العلومِ الحديثةِ، ومن هنا كانتِ الحقيقةُ العرفيّةُ الخاصّةُ عربيّةً كالحقيقةِ العُرفيّةِ العامّةِ سواءٌ بسواءٍ.
وأمّا الحقيقةُ الشرعيّةُ فتنقسمُ إلى أسماءِ الأفعالِ كاسمِ الفاعل واسمِ المفعولِ والصّفةِ وأفعلِ التّفضيلِ كقولنا: زيدٌ مؤمنٌ أو فاسقٌ أو محجوجٌ عنه أو أفسقُ من عمروٍ. وأمّا بالنسبةِ للحروفِ فإنَّ الحروفَ الشرعيّةَ لم تُوجد مطلقًا لأنها لا تُفيدُ وحدَها، ولأنَّ المعانيَ التي وُضعَ كلُّ حرفٍ ليؤدّيهَا معَ غيرهِ مثلَ الباءِ للإلصاقَ، واللّامِ للاختصاصِ وما شاكلَ ذلكَ لم يوجدْ في الاستعمالِ الشرعيّ نقل لها عن معناها، ولذلكَ لم تكن موجودةً، وأمّا الفعلُ صلى الظّهر فإنّ الفعلَ عبارةٌ عنِ المصدرِ والزمانِ، فإن كانَ المصدرُ شرعيًّا، لم يكن الفعل إلَّا شرعيًا، وإن كان المصدر لُغويًّا فكذلك.
الحكمة في وضع الألفاظ العربية
إذا قُيّضَ لكَ أن تَتَبَحّرَ في لغتكَ العربيّةِ. وتقِفُ على مكنوناتها. وتطّلِعَ على سرِّ الوضعِ فيها، والطريقةِ التي تمشّي عليها الواضعُ في صياغةِ أُصولها، وكيفَ أحسنَ التفريعَ على تلكَ الأصولِ مع مراعاةِ التناسُبِ بينَ كل أصلٍ وفرعهِ، لم تملكْ نفسَكَ عنِ الإعجابِ بذهنِ العربِ الشفّافِ.
وها نحنُ نوردُ لكَ شيئًا من تلكَ الألفاظِ الناطقة بحكمةِ واضعيها. فقد قالوا: أسْرَفَ الرجلُ مالَهُ: إذا بذّرَهُ وأنْفَقَهُ في غيرِ حاجةٍ. وهو مشتقّ من السّرفةِ وهي دُوَيْبةٌ سوداءُ الرّأسِ سائرها أحْمَرُ. تَقَعُ على الشجرةِ فتأكلُ وَرَقَها وتُفْسِدُها. وقريبٌ من هذا المعنى قولهم بذّرَ مالهُ: إذا أفسدَهُ وأنْفَقَهُ إسرافًا، وهو مجازٌ عن قولهم: بذرَ الحَبّ إذا نَثَرَهُ في الأرضِ وبذَرَ الشيءَ إذا فَرّقَهُ فكأنّ المبذّرَ لمالهِ يبدّدُهُ وينثرهُ في الأرضِ حتى يضيعَ أو يلتقطَهُ عابرُ سبيلٍ.
ألفاظ اللغة وأقسامُها
وضعَ العربُ ألفاظًا معيّنة للدلالةِ على معانٍ مُعيّنةٍ، فكانَ اللّفظُ هو الدالّ على المعنى، وكانَ المعنى مدلولًا عليهِ باللّفظِ، ولهذا كانت أبحاثُ اللغةِ أبحاثًا عن الألفاظِ وحدها، وأبحاثًا عن الألفاظِ والمعاني، وأبحاثًا عن المعاني. ومن هنا كانت الألفاظُ الموضوعةُ ثلاثةَ أقسامٍ:
أولًا: «دَلالَةُ المُطابَقَةِ، وهيَ دلالةُ اللّفظِ على تمامِ مُسمّاه كدَلالَةِ الإنسانِ على الحيوانِ النّاطقِ، وسُمّيَ بذلكَ لأنَّ اللفظَ طابقَ معناهُ».
ثانيًا: «دلالة التضمّنِ، وهيَ دلالةُ اللّفظِ على جُزْءِ المسمّى، كدلالَةِ الإنسانِ على الحيوانِ أو على النّاطقِ فقط، وسُمّيَ بذلكَ لتضمّنهِ إيّاهُ، وسُمّيَ تضمّنًا لكونِ المعنى المدلولِ في ضمنِ الموضوعِ لهُ».
ثالثًا: «دَلالَةَ الالتزامِ، وهيَ دلالَةُ اللّفظِ على لازمهِ، كَدَلالةِ الأسَدِ على الشجاعةِ، وسُمّيَ بذلكَ لكونِ المعنى المدلولِ لازمًا للموضوعِ لهُ. والمقصودُ باللزومِ اللزومُ الذهنيّ أيّ الذي ينتقلُ الذهْنُ إليهِ عندَ سماعِ اللَّفْظِ».
الكلام
الكلامُ حرفٌ وصوتٌ، فَقَطّعُوهُ وجزّأوهُ على حركاتِ أعضاءِ الإنسانِ التي يخرجُ منها الصوتُ، وهو من أقصى الرّئةِ إلى منتهى الفَمِ، فوجدوه تسعةً وعشرينَ حرفًا لا تزيدُ على ذلكَ، ثمّ قَسّموها على الجوف والحَلْق واللسان والشّفَةِ والخيشوم، ثمّ رأوا أنّ الكفايةَ لا تتمّ بهذه الحروفِ التي هي تسعةٌ وعشرونَ حرفًا، ولا يحصلُ المقصودُ بإفرادِها، فركبوا منها الكلامَ ثُنائيًا وثلاثيًّا ورُباعيًّا وخُماسيًا، هذا هَو الأصلُ في التركيب وما زادَ على ذلكَ فَمُسْتَقِلّ.
فلم يضعوا كلمةً أصليّةً زائدةً على خمسةِ أحْرُفٍ إلّا بطريقِ الإلحاق والزيادةِ لحاجةٍ.
خصَائِص الحروف
وممّا يستدعي الإعجابَ أنّ العَرَبَ عَرَفُوا بالاستقراءِ وطولِ الإدمانِ مدلولاتِ بعضِ الحروفِ عندَ دخولِها في تركيبِ الألفاظِ، فقالوا مثلًا: إنّ الحاءَ إذا تطرّفَتْ دلّتِ الكلمةُ المختومةُ بها على معنى الاتّساعِ والامتدادِ والانتشارِ، مثل: باحَ ـــــــ وساحَ ـــــــ وفاحَ ـــــــ وراحَ ـــــــ وفلحَ، إلخ...
والشينُ إذا وقعتْ في أوّلِ الكلمةِ دلّتْ على التفريق مثل: شَتّتَ، والظهورِ، مثل: شقّ، وعلى القطعِ والكسرِ كلّ ما كانَ ثانيهِ تاءٌ أو ثاءٌ أو دالٌ أو ذالٌ أو صادٌ أو طاءٌ، مثل: بتّ وقَدّ وقصّ وقَضَمَ، قَطَعَ، قَطَمَ، قَطَفَ، قَطَرَ، إلخ...
(والغين) إذا وَقَعَتْ في صدْرِ الكلامِ تدلّ على معنى الخفاءِ، مثل: غابَ وغارَ وغاص وغاض وغرب وغمسَ وغَبَنَ وغامَ. واللّفظةُ التي تبدأ بالنونِ والفاءِ تدلُّ على الخروج، مثل: نَفَحَ نَفَدَ نَفَثَ نَفَرَ نَفَخَ. والحاءُ والجيمُ تدلّانِ على الستر والحجز كحجز وحَجَرَ وحَجَلَ.
ومن خصائصِ حرفِ الميمِ القطعُ والاستئصالُ والكسرُ مثل: جَزَمَ وجَذَمَ وجَرَمَ وحَسَمَ وحَطَمَ وخَضَمَ وخَرَمَ.
ومن خصائصِ حرفِ الهاءِ الحمقُ والغفلةُ مثلُ: بَلُهَ تَفُه وعَتُهَ. وكلّ ذلك من بابِ التغليب.
وهناكَ الألفاظُ الدخيلةُ، فكلّ ما انتهى بالجان فهو فارسيّ المصدر مثال ذلكَ مهرجان وصولجان وباذنجان. وفارسي أيضًا من الأسماءِ ما بدأ بالنون والراءِ إذا كانَ ثانيه ساكنًا مثل: نرد ونرجس ونرجيلة أو اجتمعَ فيه الطاءُ والجيمُ مثل طنجرة وطازج.
أجناس الكلام
يكونُ على وجوهٍ: فمنهُ ما يختلفُ لَفْظُهُ ومعناهُ، وهو الأكثر والأشهرُ: رجل. قلم. سيف. أسد.
ومنه ما يختلفُ لفظُهُ مع وَحْدَةِ المعنى الأساسي: سيف عضب. ليث أسد.
ومنهُ ما يتفقُ لفظهُ ويختلفُ معناهُ، مثل: عين التي تُطْلَقُ على العينِ الباصِرَةِ، والمالِ والميزانِ.
ومنهُ قضى: بمعنى حَتّمَ وأمرَ وأعْلَمَ وصَنَعَ وفَرَغَ.
ومنهُ ما يجتمعُ تحتهُ الضدّانِ. مثل: جَلَل للكبيرِ والصّغيرِ وللعظيم أيضًا، والجَوْن للأسْودِ والأبيضِ، والرّجاءِ للرّغبةِ والخوفِ، والقُرْء للحيضِ والطّهْرِ، والغابرِ للباقي والماضي. والناهل للعطشانِ والذي قد شرِبَ حتى ارتوى.
ومنهُ ما يتقارَبُ لفظهُ ومعناهُ: كالحَزْمِ والحزْنِ، فالحزم منَ الأرضِ أرْفَعُ من الحزْنِ، وكالخَضْمِ وهو بالفمِ كلّهِ، والقَضْمِ وهو بأطرافِ الأسنانِ.
ومنهُ ما يختلفُ لفظاهُ ويتقاربُ معنياهُ: مَدَحهُ إذا كانَ حيًّا، وأبّنَهُ إذا كانَ ميتًا، وعادَهُ إذا كانَ مريضًا، وزارَهُ إذا كانَ مُعافى.
ومنهُ ما يتقاربُ لفظاهُ ويختلفُ معنياهُ: مثل «حرج» إذا وقع في الحرجِ! وتَحَرّجَ إذا تَبَاعَدَ منَ الحَرجِ، وكذلكَ فَزِعَ إذا أتاهُ الفَزَعُ، وَفَزّعَ عن قلبهِ إذا نُحّيَ عنهُ الفزعُ.
هذا الاختلافُ في المعاني والتَّفاوُت في الألفاظِ المعَبّرَةِ عنْ معانٍ لهُ واقِعٌ، يشيرُ إلينا أنْ لا نأخذَ معنًى واحدًا من أيّ جملةٍ حتى نعودَ إلى مصادرها ومتفرّعاتها، كيْ يكونَ فَهْمُنا للجملةِ فَهْمًا مبنيًّا على واقعٍ وحقيقةٍ.
العَام والخَاصّ
العام: العام الباقي على عُمُومِهِ، وهو ما وُضعَ عامًّا واسْتُعْمِلَ عامًّا: كلّ ما علاك فأظَلّكَ فهو سماءٌ. كلّ أرضٍ مستويةٍ فهيَ صعيدٌ، كلّ حاجزٍ بينَ شيئين فهو موبِقٌ، وكلّ بناءٍ مُرَبّعٍ فهو كَعْبَةٌ. كلّ بِناءٍ عالٍ فهو صَرْح. كلّ شيءٍ دبّ على وجهِ الأرضِ فهو دابّةٌ. كل ما يُسْتَعَارُ منْ قدّومٍ أو شفرةٍ أو قدرٍ أو قصعةٍ فهو ماعون. كل بستانٍ عليهِ حائطٌ فهو حديقةٌ. كل كريمةٍ من النساءِ والإبلِ والخيل وغيرها فهيَ عَقيلةٌ، كلّ صانعٍ عندَ العربِ فهو إسكافٌ، كل ما ارتفع منَ الأرضِ فهو نجْدٌ.
العام المنقول إلى الخَاصّ
وهو ما وُضِعَ في الأصلِ عامًّا ثم أُطلق في الاستعمالِ على بعضِ أجزائِهِ مثل «السبت» فإنّهُ في اللغةِ الدهر، ثمّ نُقِلَ في الاستعمال لأحَدِ أيّامِ الأسبوعِ، وهو جُزْءٌ من أجزاءِ الدّهر.
في ما وضع في الأصل خاصًّا ثم استُعمِلَ عامًّا
أصلُ الورد: إتيانُ الماءِ، ثم صارَ إتيانُ كلّ شيءٍ وِرْدًا، ويُقالُ: رفعَ عقيرتهُ أي صوتَهُ، وأصْلُ ذلكَ أنّ رجُلًا عُقِرَتْ رجلهُ فرفَعَهَا وصاحَ، فقيلَ بعدَ ذلك لكلِّ مَنْ رَفَعَ صوتهُ: رفعَ عقيرَتَهُ، ويقولون بينهما مسافةٌ، وأصلُهُ منَ السّوفِ وهو الشّمّ. والظّمأُ: العَطَشُ وشَهْوَةُ الماءِ. ثمّ كثُر حتى قالوا: ظمِئْتُ إلى لقائِكَ. والرائدُ: الطالبُ الكلإِ، وهو الأصلُ ثم صارَ لكلّ طالبِ حاجةٍ.
ما وضع عامًّا واستعمِل خاصًّا
ثم أطلِق على بعض أفرَاده اسم يخصّه
التّشهّي عامّ، والوَحمُ للحبلى خاصّ، الغسلُ للبدنِ عامّ، والوضوءُ للوجهِ واليدينِ خاصّ. والنّومُ في الأوقاتِ عامّ. والقيلولةُ نصفَ النّهارِ خاصّ. الطّلبُ عامّ، والتوخيّ في الخيرِ خاصّ. الهربُ عامّ، والإباق للعبيدِ خاصّ. السّهَرُ في الخيرِ والشرّ، والأرَقُ لا يكونُ إلّا في المكروه وحْدَهُ.
ما وُضع خاصًّا بمعنًى خاصّ
للعربَ ألفاظٌ تختصّ بمعانٍ لا يجوزُ نَقْلُها إلى غيرِها، تكونُ في الخير والشرّ والحسنِ وغيرهِ، «مكانك» وُضِعَتْ للوعيد، قالَ الله تعالى: {مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ} (سورة يونس: الآية 28)، ومن ذلكَ: «ظَلّ فلانٌ يَفْعَلُ كذا» إذا فَعَلَهُ نهارًا «وباتَ يَفْعلُ كذا» إذا فَعلهُ لَيْلًا، ومنَ الخصائصِ في الأفعالِ قولُهم: ظننتُني وحسبتُني وخلتُني. ولا تقالُ إلّا في ما فيهِ أدنى شَكّ. ويقالُ للقِطْعَةِ منَ الشّعْرِ: القليلة. ولِلْقِطْعَةِ منَ القطنِ: السّبيخةِ، وللقطعَةِ منَ الصّوفِ: العَمِيّة.
ويُقالُ: فلكٌ مشحونٌ. كأسٌ دِهاقٌ. وادٍ زاخرٌ. بحرٌ طامٍ. نهرٌ طافحٌ. مجلسٌ غاصّ بأهلِهِ. والشّعْر للإنسانِ. الصوفُ للغنمِ، الوَبَر للإبلِ، الرّيشُ للطيرِ، الزّغبُ لَلْفَرْخِ، الزّف للنعامِ، ويقالُ: الصباحةُ في الوجهِ. والوَضاءَةُ في البشرةِ، والجمالُ في الأنفِ، والملاحةُ في الفمِ، والحلاوةُ في العينينِ، والظرفُ في اللسانِ، والرشاقةُ في اليدِ، واللباقةُ في الشمائلِ، وكمال الحسنِ في الشعرِ. ومن أهم المعاني الخاصّةِ والتي يستوقفُ الخاطرَ في هذهِ اللّغةِ غناها في التعبيرِ العاطفيّ مراتبُ العِشق التي تتدرّجُ صعودًا من الاستحسانِ إلى المحبّةِ فالتتيم، فالولهِ فالصبّابةِ فالهيامِ والجوى والوجدِ والشغفِ مما لا نَظيرَ له في غيرِ هذه اللّغة الكريمة.
المُطْلق والمقيَّد
الأسماءُ التي لا تكونُ إلّا باجتماعِ صفاتٍ، وأقلّها اثنتانِ. من ذلك: المائدةُ لا تُسمّى مائدةً حتى يكونَ عليها طعامٌ، لأنّ المائدةَ من مَادَ يميدُ إذا أعطاكَ، وإلّا فاسمُها خَوِانٌ. والكأسُ لا تكونُ كأسًا حتى يكونَ فيها شرابٌ وإلّا فهوَ قَدَحٌ أو كوبٌ. والحلّةُ: لا تكونُ إلّا ثوبينِ إزارًا ورداء منْ جنسٍ واحدٍ، فإن اخْتلفا لَمْ تُدْعَ حلةً. والظعينةُ لا تكونُ ظعينةً حتى تكونَ امرأة في هودجٍ على راحلَةٍ. ولا يُقالُ «عِهْن» إلّا إذا كان مصبوغًا وإلّا فهو صوفٌ. ولا يُقالُ: خِدْرٌ إلّا إذا كانَ على جاريةٍ، وإلّا فهو سِترٌ. ولا يُقالُ للرّوْثِ: فَرْثٌ إلّا إذا بقيَ في الكَرْشِ. ولا يُقالُ للذهبِ: تِبْرٌ إلّا إذا لمْ يُصَغْ. ولا يُقالُ للبئر: جُبّ إلّا إذا كانَ محفورًا بعواملِ الطبيعةِ لا ما حَفَرَهُ الناسُ. ولا يكونُ السّغَبُ جوعًا إلّا إذا رافقهُ التعبُ.
مناسَبة الألفاظِ للمَعاني
أصواتُ الخيلِ: الشّخيرُ منَ الفمِ، والنّخيرُ منَ المِنْخَرَينِ، والكريرُ منَ الصّدرِ، مثل المدّ والمتّ والمطّ.
إذا انحسرَ الشّعْرُ عن مُقَدّمِ الرّأسِ فهو أجْلَح، فإنْ بَلَغَ الانحسارُ نصفَ رأسِهِ فهو أجلى وأجلَه.
وكالنّقش في الحائطِ والرّقْشِ في القرطاسِ، والوشمِ في اليدِ، والوسمِ في الجلدِ، والرشمِ على الحنطةِ والشعيرِ، والوشيِ على الثوبِ. منَ العقربِ، واللسعِ منَ الحيّةِ. والضربُ بالرّاحةِ على مقدمِ الرّأسِ: صَقْع. وعلى القفا صَفْعٌ، وعلى الخدِّ أيضًا. بسط الكف: لَطْمٌ، وقَبْضُهُ: لَكْمٌ. وبكلتا اليدين: لَدْمٌ. وعلى الجنبِ بالأصبعِ: وَخْزٌ، وعلى الصدْرِ والجنبِ: لَكْزٌ. وعلى الحَنَكِ والذقنِ: وَهْزٌ.
وإذا أخرجَ المريضُ صوتًا رقيقًا فهوَ الرنينُ، فإنْ أخفاهُ فهو الهنينُ. فإنْ أظهرهُ فخرجَ خافيًا، فهوَ الحنينُ. فإنْ زادَ فيهِ، فهو الأنينُ، فإن زادَ في رفْعِهِ، فهوَ الخنينُ.
فانظرْ لمناسبةِ الألفاظِ إلى معانيها. وكيفَ فاوتَ العرَبُ في هذهِ الألفاظِ المقترنةِ المتقاربةِ المعاني، فجعلوا الحرفَ الأضعَفَ فيها والألْيَنَ والأخفى والأسهَلَ والأهْمَسَ لما هو أدنى وأقلّ، وأخفّ عَمَلًا أو صوتًا، وجعلوا الحرْفَ الأقوى والأشدّ والأظهرَ والأجهرَ لما هُوَ أقوى عَمَلًا وأعظم حسًّا.
معرفة بعض ما رُوِيَ من اللغة بدُون إثبات
معرفةُ ما رُويَ منَ اللّغةِ فقط بدونِ إثباتٍ:
الشطشاط طائر
الجبجاب الماء الكثير
كنحت نبت
الدنجبة الخيانة
الهنقب القصير
اللقع الضرب
حَديث شريف «أنا أفصحَ العَرَب بَيْدَ أنّي من قريش».
كانتْ وفودُ العربِ إذا جاءتْ إلى مكّةَ في أوقاتِ الحجّ تتحاكمُ في سوقِ عُكَاظٍ إلى قريشٍ، وتنزِلُ عندَ أحكامِ أئمّتِها وجهابِذَتها بدونِ أدنى اعْتراضٍ. معَ أنْ القبائلَ التي كانتْ تؤمّ السوقَ العكاظيّةَ من جميعِ الأمصارِ العربيةِ لمْ تكنْ لتألوَ جهدًا في تهذيبِ أشعارِها وانتقاءِ ألفاظِها واختيارِ معانيها، لكي تنالَ موقعًا في قلوبِ القرشيينَ فكانَ أن انتشرتِ الألفاظُ السّلِسَةُ الرقيقةُ بين القبائلِ العربيةِ. على أنّ قريشًا لمْ تَعْدَمْ مع ذلكَ فائدةً منْ هذا الامتزاجِ بهذهِ الوفودِ إذْ كانتْ تتخيّرُ من منظومِهمْ ومنثورِهِمْ أحسنَ الألفاظِ وأصفى الأوضاعِ وتضمّهُ إلى ما عندها من الكلماتِ الفصحى حتى صارتْ بذلكَ أفصح العرب، وخلت لُغَتُها من الألفاظِ الركيكةِ كالكشكشةِ، وهيَ في ربيعة ومضرَ الذين كانوا يجعلونَ بعْد "كاف" الخطاب في المؤنث شينًا فيقولونَ: وبكش وعليكش. والعنعنة وهي الشائعةُ في لغَةِ قيسٍ وتميمٍ التي تجعَلُ في أولِ الكلمةِ عيْنًا، فيقولونَ في «أنك» عنّك، وفي «أسلم» عسلم، وفي «إذن»، عذن. ومن ذلكَ الوتم في لغةِ اليمنِ التي تجْعَلُ السين تاءً كالنّاتِ في النّاسِ وأنشدوا:
يا قبّحَ الله بني السعلات عمرو بن يربوع شرار النات
والشنشنة التي تقلبُ الكافَ شينًا: اللّهمّ لبيش، أي لبيك.
ومن ذلكَ الاستنطاء في لغةِ سعدِ بن بكرٍ والأزْدِ والأنصارِ، وهو جَعْلُ العينِ الساكنَةِ «نونًا» إذا جاورتِ الطّاءَ كأنطى في أعطى.
وقبائلُ العربِ التي أُخِذَ عنها اللسانُ العربيّ هي قيسٌ وتميمٌ وأسد، وعلى هؤلاءِ اتّكِلَ في الغريبِ وفي الإعرابِ والتصريفِ. ثمّ هذيلٌ وقسمٌ منْ كنانة والطائيينَ، ولم يُؤخَذْ عن غيرهمْ من سائرِ القبائلِ. كما لم يُؤخَذْ عن حضَري قطّ ولا عن سكّان البراري ممن كانَ يسكنُ أطرافَ بلادهِم المجاورةِ لسائرِ الشّعوبِ الذينَ حولهم. فلم يُؤخَذْ من لخمٍ ولا من جذامٍ لمجاورتهمْ أهْلَ مصرَ والقِبْطَ، ولا منْ قُضاعةَ وغسّانَ وإيادٍ لمجاورتهمْ أهلَ الشّامِ، وأكثَرُهُمْ نصارى يقرأُونَ بالعبرانيّةِ ولا من تَغْلِب لأنههُمْ كانوا بالجزيرةِ مجاورينَ لليونانِ، ولا من بكرٍ لمجاورتهم للفُرسِ، ولا من عبدِ القيسِ وأزدِ عُمان، لأنهم كانوا بالبحرينِ يخالطونَ الهندَ والفرسَ، ولا من أهلِ اليمنِ لمخالطتهم الهندَ والحبشَةَ، ولا من بني حنيفةَ وسكانِ اليمامةِ، ولا من ثقيفٍ وأهلِ الطائفِ لمخالطتِهِمْ تجّارَ اليمنِ المقيمينَ عندهمْ، ولا من حاضرَةِ الحجازِ لأنّ الذينَ نقلوا اللّغةَ حين ابتدأُوا يَنقُلونَ لغة العرب، وجدوا شيئًا منَ الفسادِ في ألسنتِهِمْ بعْدمَا اختلطوا بغيرهمْ منَ الأعاجمِ. والذي نَقَلَ اللّغةَ واللّسانَ العربيّ عن هؤلاءِ، وأثبتها في كتابٍ فصيّرها عِلمًا وصناعةً هم أهلُ البصرةِ والكوفةِ فقط من بينِ أمصارِ العربِ وكأنّ المولى عزّ وجلّ قد أرادَ السّلامةَ لهذهِ اللغة الشريفةِ، فلم تنقشع غيومُ الجاهليّة حتى جاءَ القرآنُ الكريمُ بلغتهِ الفُصحى، وهو الذي عَلّمَ الشعراءَ والكتابَ أسْلَسَ الألفاظِ وأبلغَ الجُمَلِ وحرّرهمْ منَ الخشونةِ الجاهليّةِ والغلاظةِ البدويّةِ، وهو الذي أوحى إلى الحكماءِ جوامِعَ البيانِ ومعجزاتهِ.
ومن فصاحةِ رسولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّهُ تكلّمَ بجملٍ لم يسبقه إليها أحَدٌ منَ العربِ كقولهِ: ماتَ حَتْفَ أنْفِهِ. وحَمِيَ الوطيسُ. ولا يُلْدَغُ المؤمنُ من جُحْرٍ مرّتينِ.
الإعرابُ يميّز المعاني ويُوقِفُ على أغراض المتكلمين
فالعربُ يُفرّقونَ بالحركاتِ وغيرها بين المعاني، فيقولونَ مِفتح للآلةِ التي يُفْتَحُ بها، ومَفْتَح لموضعِ الفتْحِ، ومِقصّ لآلةِ القَص، ومَقَصّ للموضعِ الذي يكونُ فيهِ القصّ. ومِحْلَب للقدحِ الذي يُحْلَبُ فيهِ، ومَحْلَبُ للمكانِ الذي تحلبُ فيهِ ذواتُ اللّبنِ.
يقولون: امرأةٌ طاهرٌ منَ الحيضِ، لأنّ الرّجُلَ لا يَشْركُها في الحيضِ.
ويقولونَ: امرأةٌ طاهرةٌ منَ العُيوبِ، لأنّ الرّجُلَ يَشركُها في هذهِ الطّهارَةِ.
وكذلكَ قاعدٌ للمرأةِ التي تَقْعُدُ عن الأزواجِ وعنِ الحيضِ، وقاعدةٌ من القعودِ. ويقولونَ: هذا غلامًا أحسن منهُ رجلًا، يريدونَ الحالَ في شخصٍ واحدٍ.
ويقولونَ: هذا غلامٌ أحْسنُ منهُ رجلٌ فهما إذًا شخصانِ. ويقولونَ: كمْ رجلًا رأيتَ في الاستفهامِ، وكم رجلٍ رأيتُ في الخبرِ، ويُرادُ بهِ التّكثيرُ. وهُنّ حجّاجُ بَيْتِ الله إذا كنّ قَدْ حَجَجْنَ. وحواجّ بَيْتِ الله إذا أردنَ الحَجّ. ويقولونَ: جاءَ الشتاءُ والحطَبَ، إذا لم يُرِدْ أنّ الحَطَبَ جاءَ معَ الشتاءِ، وإنما أُريدَ الحاجةُ إليهِ. فإنْ أُريدَ مجيَئُهُما قيلَ: والحطبُ.
التصريف
يُقالُ: القاسِطُ للجائرِ، والمقْسِطُ للعادِلِ، فتحوّلَ المعنى بالتصريفِ منَ الجَوْرِ إلى العَدْلِ.
ويقالُ: خافَ: فزِعَ، ومخوف: ما يفزَعُ منهُ. وتَخَوّف الشيءَ: تَنَقّصَهُ.
ويقالُ: استَقَدّ الأمر: استمرّ، والقديد: اللحم المقدّد، والقُداد: وَجَعُ البطن، وهكذا كلّ تصريفٍ، وهو تحويل الأصلِ الواحد إلى صِيَغٍ متعدّدةٍ.
الجزاء على الفِعْل بمثل لفظه
{إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) اللّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} (سورة البقرة: الآية 14 ـــــــ 15) أي يجازيهمْ جزاءَ الاستهزاءِ. {وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللّهُ} (سورة آل عمران: الآية 54) {فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللّهُ مِنْهُمْ} (سورة التوبة: الآية 79) {نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ} (سورة التوبة: الآية 67) {وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا} (سورة الشورى: الآية 40) ومثلُهُ قولُ الشاعرُ:
ألا لا يَجْهَلَنْ أحَدٌ عَلَيْنَا فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الجاهلينا
القصر
القَصْرُ تخصيصُ شيءٍ بآخر، وهو إمّا قَصْرُ صفةٍ على موصوفٍ نحو: «ما رازِقٌ إلّا الله»، وإمّا قَصْرُ موصوفٍ على صفةٍ، نحو: «إنما الدنيا غُرورٌ»، والمراد بالصفةِ، الصفةُ المعنويّةُ التي تدلّ على معنى قائم بشيءٍ، سواءٌ كانَ اللفظُ الدالّ عليهِ جامدًا أو مُشتقًا، فِعلًا أو غَيْرَ فِعْلٍ، وليس المرادُ بها الصفةَ النحويّةَ، أي النعتَ.
والقصر نوعان: حقيقيّ وإضافيّ.
فالحقيقيّ هو: حَصْرُ المقصور عليه في الحقيقة والواقع. بحيثُ لا يتعدّاهُ إلى غيرهِ أبدًا، نحو: لا إله إلا الله، فليسَ في الحقيقةِ والواقع إلهٌ غيرُ الله تعالى، ومثل لا يروي مصر منَ الأنهارِ إلّا النيلُ. وإنما الرازقُ الله، وفي هذين المثالينِ قُصِرَتِ الصفَةُ على الموصوفِ، ويُسمّى القصْرُ في هذه الحالِ قصرًا حقيقيًا، لأنّ الصفَةَ في كلّ مِنَ الأمْثِلَةِ الثلاثَةِ لا تفارِقُ موصوفَها في الحقيقَةِ والواقعِ إلى موصوفٍ آخر.
الإضافي: أن يختصّ المقصورُ بالمقصورِ عليه بحسبِ الإضافَة «أي النسبةِ» إلى شيءٍ معينٍ كقوله تعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ} (سورة آل عمران: الآية 144) فقد قصرَ الموصوفَ، وهو محمّدٌ، على الصفةِ. وأداة، القصر النفيُ، ومثل: إنما حسنٌ شجاعٌ. ولا يُقْصَدُ من هذين المثالين أنّ هذه الصفة لا توجَدُ في غيرِهما من جميعِ أفرادِ الإنسانِ، فإنّ الواقعَ خلافُ ذلكَ ولأجلِ هذا المعنى يُسمّى القصرُ في هذه الحالِ قصرًا إضافيًّا.
ويُعْرَفُ قصرُ الصفَةِ على الموصوفِ وقصْرُ الموصوفِ على الصفةِ بأنّ كلّ مُقدّمٍ مقصورٌ وكلّ مؤخّرٍ مقصورٌ عليهِ.
فإنْ كانَ المقدّمُ صفةً فهوَ قصرُ صفةٍ على موصوفٍ، نحو: «ما شاعرٌ إلّا أنا» وإنْ كانَ مَوْصوفًا فهو قصرُ موصوفٍ على صفةٍ، نحو: «ما أنا إلّا شاعرٌ» ويُعتبرُ المقدّمُ، وحقّهُ التأخيرُ، مقصورًا عليه، نحو: «إيّاكَ نَعْبُدُ» ويعتبرُ الخبرٌ المعرّفُ بأل مقصورًا، نحو: «ما هو إلّا الفاضلُ».
الإيجاز والإطنابُ والمساواة
المساواة:
أنْ تكونَ المعاني بقدَرِ الألفاظِ، والألفاظُ بقَدرِ المعاني، لا يزيدُ بَعْضُها على بعضٍ: كقولهِ تعالى: {وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللّهِ} (سورة البقرة: الآية 110).
وقولِهِ تعالى: {وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ} (سورة فاطر: الآية 43).
وقولِ طرفة بن العبدِ:
ستُبدي لكَ الأيّامُ ما كنت جاهلًا ويأتيكَ بالأخبار مَنْ لمْ تُزَوّدِ
فالألفاظُ فيها على قَدرِ المعاني، ولو حاوَلْتَ أن تزيدَ فيها لفظًا، لجاءتْ الزيادة فَضْلَةً، ولو أرَدْتَ إسقاطَ كلمةٍ لكانَ ذلكِ إخلالًا.
الإطناب:
الإطنابُ زيادةُ اللفظِ على المعنى لفائدةٍ: كقوله تعالى: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} (سورة نوح: الآية 28) وقوله: {تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا} (سورة القدر: الآية 4).
فلفظةُ «روح» زائدةٌ، لأنّ معناها داخلٌ في عموم اللفْظ المذكور قبلهُ وهو الملائكةُ و«لي» و«لوالديّ» زائدٌ أيضًا، لدخول معناه في عمومِ المؤمنِينَ والمؤمِنات، وهذه الزيادَةُ لم تجئ عبثًا وإنما جاءت للطيفةٍ مِنَ اللّطائِف البلاغيّة التي تزيدُ قيمةَ الكلام، وترفَعُ من معانيه.
ففي المثال الأوّل ذكر الخاصّ قبل العامّ، فتقديم الخاصّ على العامّ للتنويه بشأنه.
وفي المَثال الثاني ذكر العامّ قبل الخاصّ، والغرضُ من ذلكَ إفادةُ الشّمُول معَ العناية بالخاصّ.
وقولُ عنترةَ:
يدعونَ عنترَ والرّماحُ كأنهــــــــــــا أشْطانُ بِئْرٍ فــي لَبَــــان الأدْهـــــم
يدْعونَ عنترَ والسيوفُ كأنهـا لَمْعُ البوارقِ في سحابٍ مُظْلمِ
والمقصودُ بالتكرار تقريرُ المعنى في نَفْس السّامع وتثبيته. ويُستعملُ في مَوَاطِنِ الفَخْر والمدح والإرشاد والإنْذار.
الإِيجَازُ:
الإيجاز قسمان: إيجازُ قصرٍ، وإيجازُ حذفٍ.
1 ـــــــ إيجاز القصر: قِلّةُ الألفاظ في الدّلالَة على كثرة المعاني من غير حذفٍ، كقوله تعالى: {أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءهَا وَمَرْعَاهَا} (سورة النازعات: الآية 31) فقد دلّ الله سُبحانهُ وتعالى بكلمتين على جميع ما أخْرَجَهُ منَ الأرْض، قُوتًا ومتاعًا للناس: منَ العُشب والشّجرَ واللّباس والماء والنار. وكقوله تعالى: {أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ} (سورة الأعراف: الآية 54) وفي هذه الآية ترى أنّ الألفاظَ القليلةَ اتّسَعَتْ للمعاني الكثيرة والأغراض المتزاحمة، ولم تحذَفْ أيّةُ كلمةٍ أو جملةٍ. وهذا النّوْعُ من الإيجاز يسمّى إيجازَ قصرٍ.
2 ـــــــ إيجاز حذفٍ: تُحْذَفُ كلمةٌ أوْ جملةٌ أو أكثرُ مع قرينةٍ تعيّنُ المحذوفَ:
أ ـــــــ نحو: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} (سورة يوسف: الآية 82) أي أهْلها. ومثل: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} (سورة المائدة: الآية 3). أي تناوُلها أو أكلُها.
ب ـــــــ حَذفُ جملةٍ: كقوله تعالى: {وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً} (سورة النمل: الآية 10) أي فألقاها فاهتزّت.
ج ـــــــ أو أكثرَ من جملةٍ مثل قوله تعالى: {فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} (سورة القصص: الآية 24) {فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا} (سورة القصص: الآية 25). حَذَفَ جُمَلًا عدّةً إذْ ينبغي أنْ يقال: فذَهَبَتَا إلى أبيهما وقصّتا عليه ما كانَ مِنْ أمِر موسى فأرسَل إليه «فجاءتهُ إحداهُما تمشي على استحياء» وسببُ الإيجاز في هذه الأمثِلَةَ هو الحذْفُ، ولذلكَ يُسمّى إيجازَ الحَذْف.
الجملة الخَبرية والإنشائية
1 ـــــــ الجملةُ الخبريّةُ ما تحتملُ الصدقَ والكذبَ بالنسبة لتحقّق معناها أوْ عَدَمِه، بقطْع النّظَر عن قائلها، بِصدْقِه عُرِفَ أمْ بكذبه قولكَ: سافرَ الحاكِمُ؛ صادقٌ إذا ثبتَ السفرُ، وكاذبٌ إذا لم يثبُتْ. والجملةُ الخبريّةُ إمّا أنْ تكونَ فعليّةً أو اسميّةً.
2 ـــــــ أما الجملةُ الإنشائيّةُ فهي التي لا تحتملُ الصدقَ والكذبَ لأنّ تحقّقَ مدلولها مُتوقّفٌ على النطق بها: أكْرمْ مَنْ تشاءُ، فجملةُ «أكرمْ مَنْ تشاءُ» لا تدلّ على حصول الإكرام أو عدَمهِ لتحتمِلَ الصّدْقَ والكذب، وإنما هيَ أمرٌ، والجملةُ الإنشائيّةُ قِسمان: طلبيّةٌ وغيرُ طلبيّةٍ.
ـــــــ تتحقّقُ الطلبيّةُ في الأمْرِ والنهي والتمني والترجّي والاستفهام والنّداء والتهديد: افْعَلْ ما تشاءُ، والإرشاد: عاشر الأتقِياءَ، والدعاء: ارْحَمْنَا يا الله.
ـــــــ الجملةُ غيرُ الطلبيّة كالتعجّب، ما أجملَ البحْرَ، والقسم: والله. وفعلي المدح والذمّ: نعمَ وبئْسَ: نِعْمَ الرجلُ الكريم، وبِئْسَ الرجلُ البخيلُ، ورُبّ وكم الخبريّة: كمْ عالمٍ.
المعنى المشترك
أمّا اللفظُ الواحِدُ الدالّ على مَعْنَيَين مختلفين فأكثرُ دلالةً على السواء عندَ أهْل تلكَ اللغة، مثل: العم: أخو الأب، والعم: الجمعُ الكثيرُ.
قال الراجزُ:
يا عمر بن مالكٍ يا عمّا أفْنَيْتَ عمّا وجبرت عمّا
الأول أرادَ به العمّ، والثاني، أرادَ به أفنيتَ قَومًا، وجبرتَ آخرين.
ومن الألفاظ المشتركة في معانٍ كثيرةٍ: لفظُ العين: العين: النّقْدُ من الدّراهم والدّنانير. والعين: عينُ الإنسان الباصرة. والعين: العينُ النابعة.
والعينُ: عينُ الشيء ذاتُهُ. أو الدابّة نفسُها. والعين: عين الجيش الذي يتجسّسُ له. والعين: عين اللصوص. والعين: فمُ القِرْبة. وعينُ القوم: سيّدُهُمْ. والعين: الجاسوسُ. والخالُ ـــــــ مثلًا ـــــــ لهُ معانٍ. فيُطْلَقُ على أخي الأمّ. والمكان الخالي، والعصر الماضي، والشامَة في الوَجْه، ويجوزُ استعمالُ المشترك في جميع معانيه على سبيل الحقيقة، بدليل وقُوعِه في القرآن. قالَ تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} (سورة الأحزاب: الآية 56) والصلاةُ من الله مغفرةٌ ومنْ غيره استغفارٌ. وتخصيصُ المشترك في معنى من معانيه لا بُدّ له من قرينةٍ تُخصّصه في ذلكَ المعنى وإن انعدَمَت القرينَةُ وجَبَ حمْلُهُ على جميع معانيه.

الحقيقة والمجاز
كلُّ كلمةٍ تستعمل في معناها الحقيقي الذي وضعت له تُسمَّى حقيقةً وكل كلمةٍ تنْتقلُ من معناها الأصلي إلى معنى آخر له علاقة به تسمى مجازًا. والحقيقة في اللغةِ مأخوذةٌ منَ الحقِّ، والحقّ هو الثابتُ اللازِمُ، وهو نقيضُ الباطلِ، ويقالُ: حقيقة الشيء: أي ذاتُهُ الثابتةُ اللازمةُ. ومنهُ قولُهُ تعالى: {وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ} (سورة الزمر: الآية 71) أي وجبت.
والحقيقةُ إمّا لغويَّةٌ أو شرعيَّةٌ أو عُرْفِيَّةٌ:
1 ـــــــ الحقيقةُ اللغويّةُ: هي اللفظُ المستَعملُ في ما وُضِعَ لهُ أوّلًا في اللغةِ.
2 ـــــــ الحقيقةُ الشرْعيّةُ: هي اللفظُ الذي وَضَعَهُ الشّارعُ لمعنى يَدُلّ عليهِ في ما وُضِع له أولًا في اصطلاحِ الشرع.
3 ـــــــ الحقيقةُ العرفيّةُ: هيَ الشائعةُ في عُرْفِ الاستعمالِ العامّ في اللغَةِ بحيث يهجر الأوّل، ويستعمل الثاني، أي: «هيَ عامّةٌ وخاصّةٌ».
المجَاز
المجاز: مأخوذٌ في اللغةِ من الجوازِ، وهو الانتقالُ من حالٍ إلى حالٍ. ويُقالُ: (جازَ فلانٌ من جهةِ كذا إلى جهةِ كذا: اجتازَ، أو عبرَ).
ويُعْدَلُ عنِ الحقيقةِ إلى المجازِ لمعانٍ ثلاثةٍ: الاتساعِ، والتوكيدِ، والتشبيهِ. فإن قدّمَتِ الثلاثة تَعَيّنَتِ الحقيقةُ. فمن ذلكَ قولُهُ صلى الله عليه وآله وسلم في الفرس: بحر. فالمعاني الثلاثةُ: موجودةٌ فيهِ. وقولُهُ تعالى: {وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا} (سورة الأنبياء: الآية 75) مجازٌ وفيهِ المعاني الثلاثةُ: امّا السّعَةُ فلأنّهُ زاد في أسماءِ الجهاتِ والمحال. وأمّا التشبيهُ فلأنّهُ شَبّهَ الرحمة، وإنْ لمْ يصِحّ دخولها، بما يجوزُ دخولُهُ، فلذلكَ وضَعَها موضعَهُ. وأمّا التوكيدُ، فلأنّه أخْبَرَ عنِ المعنى بما يُخْبِرُ به عنِ الذّاتِ.
وقولُهُ تعالى: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} (سورة يوسف: الآية 82). ووجهُ الاتساعِ فيهِ أنْ يَسْتَعْمِلَ السؤالَ لشيءٍ لا يجوزُ في الحقيقةِ سُؤالُهُ، والتّشبيهِ أنها شُبِّهتْ بمنْ يجوزُ سؤالُهُ بعلاقةِ الحالّ والمحَلِّ، والتوكيدِ لأنّهُ في ظاهر اللّفْظِ وَجّه السؤالَ لما لا يجيبُ، أو لا يَقْدِرُ على الإجابَةِ.
والتوكيد يأتي لتقوية المعنى في نفس القارئ أو السامع، وللإيضاح وإزالة الإبهام والشبهة، وترسيخ الفكرة التي ي،راد إيصالها إلى الغير.
إنه بمثابة الصدمة التي تساعد على الوعي والإدراك اتقاءً للسهو والنسيان، أو الحيرة والشرود، أو الخطأ والغلط.
أساليب التعبير:
للتعبير أساليبُ مختلفة، تبدأ بالأسلوب العلميّ الحسابيّ الرياضيّ الجاف، وتنتهي بأساليبَ أدبيّةٍ بيانيّةٍ جماليّةٍ، فيها صفاءٌ وشفافيّة، وذوق وسموّ. ومن نافل الكلام، القولُ بأن القرآن الكريم ينبوعٌ لا ينضب تنداح منه هذه الطرق البيانيّة الخلّابة بشعابها الثلاثة: التشبيهِ والمجازِ والاستعارة.
فالتشبيه أسلوبٌ بيانيّ يعمد صاحبه فيه إلى عقد قرانٍ بين شيئين اشتركا في صفة واحدة وزاد أحدهما على الآخر، وبينهما علاقةُ مشابهةٍ ومماثلة.
والكاتب يعقد هذه المشابهةَ لأسبابٍ عدةٍ فيها: توضيح الصفة أو المبالغة في إثباتها، وقد يستعملها الكاتب للمدح إذا ألحق أدنى بأعلى مثل: ترابٌ كالمسك في طيبه، وللذم إذا ألحق أعلى بأدنى مثل: مسكٌ كالتراب في انعدام طيبه.
وللتشبيه أركان منها:
1 ـــــــ المشبّه: ما أريد إثبات الصفة له.
2 ـــــــ المشبّه به: ما أوضحتْ فيه الصفة.
3 ـــــــ أداة التشبيه: الكلمة التي أفادت المماثلة: كاف ـــــــ كأنّ ـــــــ مثل...
4 ـــــــ وجه الشبه: الصفة التي أريدَ إثباتها للمشبه.
قال تعالى: {فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ} (سورة الحاقة: الآية 7).
المشبَّه: الضمير «هم» العائد إلى القوم.
المشبَّه به: أعجاز نخل.
أداة التشبيه: كأنّ.
وجه الشبه: المشابهة بين القوم الصرعى الذين لا حراك بهم وبين جذور النخل الخالية الجوف. وبكلمة واحدة: الخواء.
وهناك فنونٌ وفنونٌ من التشابيه:
فتارة يحذف وجه الشبه زيادةً في البلاغة كما في قوله عزّ وجلّ: {إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ} (سورة يونس: الآية 24). وجه الشبه مقدّر: التحوّل أو الزوال.
وتارة يحذف وجهُ الشبه وأداةُ التشبيه. والمثلُ على ذلك التشبيهُ البليغُ في عبارة: العلم، نور، التي كانت في الأصل: العلم في التوجيه الذي ينير العقول، كانتشار الضوء أمام المبصرين.
وأترك القارئَ الكريمَ يسبّح لخالقه سابحًا مع أرقِّ التشبيهات وأشدَّها تأثيرًا على النفس الإنسانية في إحدى الآيات الكريمات:
{اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (سورة النور: الآية 35) .
وإذا تمادى التشبيه في مجالات المجاز تحوّل إلى استعارة، وهي أسلوب بيانيّ، أبلغ وأعمق أثرًا في النفس من التشبيه، لأنها تختصر التشبيه، وفي الوقت ذاته تقوِّي من مؤدّاه. فعندما أقول: رأيت أسودًا يتبارَون، أكون قد عبّرت عن الأسلوب التشبيهيّ لأن المعنى في الأصل: رأيت رجالًا شجعانًا كالأسود يتبارَون: فحذفت المشبَّه ووجه الشبه، والأداة، وأديّتُ المعنى في أقل ما يمكن من الألفاظ.
وفي سياق الاستعارة، نأخذ الكلمة ونستعملها في غير معناها الحقيقي الذي وضعت له في الأصل، لعلاقة المشابهة بين المعنيين مع وجود قرينة تمنع أن يكون المراد هو المعنى الأصلي.
فعندما مدح المتنبي سيف الدولة الحمداني قائلًا:
فلم أرَ قبْلي من مشى البحر نحوه ولا رجلًا قامت تعانقه الأسْدُ
فقد استعار كلمة البحر للدلالة على كرم ممدوحه، واستعار كلمة الأسد للدلالة على شجاعته.
إن البحر لا يمشي، والأُسْدُ لا تعانق، إنما براعة المتنبي في استعمال المجاز جعلته يستعير كلمة «مشى» التي هي من مستلزمات الإنسان، للبحر الذي هو سيف الدولة. وكذلك الحال بالنسبة لـــــــ «تعانقه».
وعندما قال الشريف الرضيّ:
نسرق الدمع في الجيوب حياءً وبنا ما بنا من الأشواقِ
نراه يستعير كلمة «نسرق» ـــــــ وطبعًا الدمع لا يُسرق ـــــــ ونقلها من معناها الأصلي لمعنى آخر وهو: نذرف الدموع بسرعة خفيّة كي لا يرانا الرقباء ونُنعت بالضعف.
هنا، أيضًا، الاستعارة مجاز مبنيّ على مشابهة السرعة الفائقة والمهارة المتناهية في الإخفاء.
أمثلة تبدو، رغم رونقها وبهائها، باهتةً أمام استعارات القرآن الكريم:
قال الله تعالى على لسان زكريا عليه السلام: {رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً} (سورة مريم: الآية 4).
هنا، شُبّه الرأس بالوقود ثم حُذف المشبّه به، ورُمز إليه بشيء من لوازمه وهو «اشتعل»، على سبيل الاستعارة، لأن الرأس لا يشتعل أصلًا.
وقفة ثانية عند الآية الكريمة: {وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ} (سورة الأعراف: الآية 154).
هنا أيضًا، شُبّه انتهاءُ الغضب بالسكوت، واستُعير اللفظُ الدالُّ على المشبه به وهو السكوت للمشبّه وهو انتهاء الغضب. وبتوضيح آخر، المستعار السكوت، والمستعار منه الساكت، والمستعار له الغضب.
ومهما استزدنا من شواهد الآيات البيّنات فإننا نظلّ عطاشى للمزيد منها، ولذلك نكتفي بذكر الآية الكريمة التالية وبها ننهي الشواهد على الاستعارة:
{أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ اشْتَرُوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ} (سورة البقرة: الآية 16).
فالضلالة لا تشترى، إنما استعار القرآن الكريم {اشْتَرُوُاْ} بمعنى اختاروا مع وجود قرينها {الضَّلاَلَةَ} وقد ذكر معها ما يلائم المشبّه به وهو {فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ}.
المجاز المرسل
إذا كانت العلاقةُ غيرَ تشبيهيّة سمي المجازُ مرسلًا، أي حُرًّا وغيرَ مقيدٍ بعلاقة واحدةٍ، وإنما له علاقاتٌ كثيرة متنوعة من أهمها:
أولًا ـــــــ السّبَبِيّةِ: وهي أربعة أقسامٍ:
أ ـــــــ السببيّةُ القابليّة: وهي تسميَةُ الشيءِ باسمِ قابِلِهِ مثل قولهم: سال الوادي، أي: الماءُ الذي في الوادي، لأنّ الوادي سببٌ له فأطلقَ السّببُ على المسبّب.
ب ـــــــ القابليّة الصورية: كتسميةِ اليدِ قدرةً، لأنّ القُدرَةَ صورةُ اليدِ، لحلولها فيها حلولَ الصورةِ في المادةِ. مثل {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} (سورة الفتح: الآية 10) أي: قُدْرَةُ الله فوقَ قُدْرَتِهِمْ، فإطلاقُ اليدِ على القُدْرَةِ من بابِ إطلاقِ اسمِ السّبَبِ الصوريّ على المسبّب.
جـــــــ ـــــــ السببيّة الفاعليّة: نزل السحابُ، أي المطرُ، وذلكَ بإطلاق اسمِ فاعلِ الشيءِ عليهِ، لصدور المطرِ عنِ السّحابِ.
د ـــــــ السببيّة الغائيّة: كتسميةِ العنَبِ خمرًا في قولِه تعالى: {إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً} (سورة يوسف: الآية 36). أي عنبًا فأطلق الخَمْرَ على العنب، لأنّ الغايةَ منْ عصْرِهِ أنْ يكونَ خمْرًا، وهو ما يُسمّى بعلاقة «الأوْل» فقد آلَ العنبُ إلى خَمْرٍ.
ثانيًا ـــــــ المسبّبيةُ: كقولهِ تعالى: {وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ رِزْقاً} (سورة غافر: الآية 13)، فالرّزقُ لا ينزلُ منَ السّماءِ. ولكنّ الذي ينزلُ هو مَطَرٌ، مَطَر ينشأُ عنهُ النبات الذي يَتَكَوّنُ منهُ طعامُنا ورزقنا، فالرزقُ مُسَبَّبٌ عنِ المطرِ، فهو مجازٌ علاقتُهُ المسبّبيةُ.
ثالثًا ـــــــ المشابهة: كتشبيهِ الشجاعِ بالأسَدِ، والعالِمِ بالبحر، وهي قائمةٌ على الاشتراكِ في صفةٍ يجبُ أن تكونَ ظاهرةً في المشبّهِ بهِ أكثرَ منْ ظهورها في المشبّهِ، بحيثُ ينتقلُ الذّهنُ إليها، فيفهمُ القَصْدُ عندَ القرينَة باعتبارِ ثبوتها لهُ.
رابعًا ـــــــ الجزئيّةِ: قولُ الشاعرِ:
كــــم بَعَثْنَا الجَــــــيْشَ جرّا رًا وأرْسَـــــلْنَا الــــــعُيُونَــــــا
فالعينُ جُزْءٌ منَ الجاسوسِ، ولها شأنٌ كبيرٌ فيهِ، فأُطْلِقَ الجزءُ وأُريد الكلّ، ولذلكَ يُقالُ: لأنّ العلاقةَ هنا الجزئيّة.
خامسًا ـــــــ الكليّة: قولهُ تعالى: {وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ} (سورة نوح: الآية 7).
والمقصودُ بالأصابعِ أطرافُها، فهي مجازٌ، علاقتُهُ الكليّة.
سادسًا ـــــــ اعتبار ما كانَ: قولهُ تعالى: {وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ} (سورة النساء: الآية 2).
ولا ينبغي أنْ يُظَنّ أنّ الله سبحانُه وتعالى أمَرَ بإعطاءِ اليتامى الصغار أمْوالَ آبائهِم، فهذا غير معقولٍ، بلِ الواقعُ أنّ الله أمرَ بإعطاءِ الأموالِ مَنْ وَصَلُوا إلى سِنّ الرّشْدِ، بعدَ أن كانوا يتامى، فكلمةُ اليتامى مجازٌ لأنها استُعمِلَتْ في الراشدينَ، والعلاقةُ اعتبارُ ما كانَ.
سابعًا ـــــــ اعتبارُ ما يكونُ: قولُهُ تعالى على لسان نوح عليه السلام: {إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِراً كَفَّاراً} (سورة نوح: الآية 27).
إنّ فاجرًا وكفارًا مجازانِ لأنّ المولودَ حينَ يُولَدُ لا يكونُ فاجرًا ولا كفّارًا، ولكنّهُ قد يصير ذلكَ بعدَ الطّفولةِ، فأُطْلِقَ الفاجرُ على المولود وأُريدَ بهِ الرجلُ. والعَلاقةُ اعتبارُ ما يكونُ أو ما يسمّى بـــــــ «الأوْل».
ثامنًا ـــــــ المحلية: قولهُ تعالى: {فَلْيَدْعُ نَادِيَه (17) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ} (سورة العلق: الآيتان 17 ـــــــ 18).
المقصودُ في الآيةِ الكريمةِ مَنْ في النّادي من عشيرتهِ ونظرائِهِ، فهو مجازٌ أُطلقَ فيه المحلّ، وأُريدَ به الحالُّ، فالعلاقة «المحليّة».
تاسعًا ـــــــ الحالّيّة: قولُهُ تعالى: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ} (سورة الانفطار: الآية 13).
النّعيم لا يحلّ فيه الإنسانُ، لأنّهُ معنى من المعاني، وإنما يحلّ في مكانه، فاستعمالُ النّعيمِ في مكانه مجازٌ، أُطلق فيه الحالُّ وأُريدَ المحلّ، فعلاقتهُ الحالّيّة.
عاشرًا ـــــــ المضادة: وهيَ تسميةُ الشيء باسمِ ضدّهِ كقوله تعالى: {وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا} (سورة الشورى: الآية 40)، فأطلقَ على الجزاءِ سيّئَةٌ والجزاءُ حَسَنَةٌ. أو المضادة المنزلةُ منزلةَ التناسُب والتشابُهِ، بواسِطة تمليحٍ أوْ تهكّمٍ، كما يُقالُ للبَخيلِ: حاتمٌ، وللجبانِ: أسدٌ.
المجَاز اللغوي
هو اللفظُ المسْتَعْمَلُ في غير ما وضع له، لعلاقةٍ مانعةٍ من إرادةِ المعنى الحقيقيّ، على أن يكونَ مُتّصلًا بإحدى القرائن.
أمّا العلاقَةُ بينَ المعنى الحقيقيّ والمجازيّ، فقد تكونُ المشابهةُ أو غيرها، والقرينةُ قد تكون لفظيّةً، وقد تكونُ حالّيّةً.
فقولُ الشاعر:
فإنْ أمْرَض فما مَرِضَ اصطباري وإنْ أُحْمَمْ فما حُمَّ اعتزامي
فالمجاز «مرض» و«حُمّ» السبب: لأن الاصطبار لا يمرض، والاعتزام لا يُحمم.
والعلاقةُ المشابهَةُ (توضيح العلاقة) شَبّهَ قلّة الصبرِ بالمرضِ لما لكلّ منهما مِنَ الدّلالةِ على الضعفِ (القرينة لفظيّة).
وقولُ الآخر:
بلادي وإنْ جارَتْ عليّ عزيزةٌ وقومي وإنْ ضنّوا عليّ كرامُ
المجاز: «بلادي» السبب: لأن البلاد لا تجور، والعلاقة غير المشابهة (توضيح العلاقة) ذكر البلادَ وأرادَ أهلها، فالعلاقة المحليّة (القرينة لفظيّة) وهي جارَتْ.
المجاز العقلي
المجاز العقليّ إسنادُ الفِعْلِ أو ما في معناهُ إلى غير ما هو له لعلاقَةٍ مانعةٍ من إرادةِ الإسنادِ الحقيقيّ، على أن تكونَ معهُ قرينةٌ.
الإسناد المجازيّ يكونُ إلى سببِ الفعل، أو زمانهِ، أو مكانِهِ، أو مصدرهِ، أو بإسنادِ المبنيّ للفاعل إلى المفعول، أو المبنيّ للمفعول إلى الفاعل.
كقول الشاعر:
دعِ المكارمَ لا تَرْحَلْ لبُغْيَتها واقعُدْ فإنّكَ أنتَ الطاعم الكاسي
فكأنّهُ يقولُ: لا تَرْحَلْ لِطَلَبِ المكارمِ، لأنّكَ ستُطْعِمُ غيرَكَ وتَكسُوه، بل اقعُدْ كَلًّا على غيركَ مطعومًا مكسوًّا، فأسندَ الوصفَ المبنيَّ للفاعلِ إلى ضميرِ المفعول.
وقوله تعالى: {وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَاباً مَّسْتُوراً} (سورة الإسراء: الآية 45). فقد جاءت كلمة {مَّسْتُوراً} (بدل ساتر).
وقوله تعالى: {إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً} (سورة مريم: الآية 61) فمأتيًا بدلُ آتِ، فاستعملَ اسم المفعولِ مكان اسمِ الفاعل.
ومِنَ الهيّنِ أن تعرِفَ أنّ هذا الإسنادَ غيرُ حقيقيّ، لأنّ الإسنادَ الحقيقيَّ هَو إسْنادُ الفاعل إلى فاعِلِهِ الحقيقيّ، فالإسنادُ إذن هنا مجازيّ، يُسمّى بالمجاز العقليّ، لأنّ المجازَ ليسَ في اللفظِ كالاستعارة، بل في الإسْنادِ وهو يُدْرَكُ بالعقلِ.
وخُلاصةُ القولِ: إنّ الحقيقة هي اللفظُ المستعملُ فيما وضعَ لهُ أوّلًا، أي في الأصل كالأسدِ المستعملِ في الحيوانِ المفترسِ. والمجازُ هو التعبير المستعملُ في غير المعنى الذي وضع له في الأصل، ولكن المعنى يظل على علاقة بالمعنى الحقيقي مثل: يبتسمُ الفجرُ. أي يظهرُ أو يبدأُ بالشروق، كما تظهر الابتسامة على الثغر وترتسم كخطين لم ينفرجا، أو كالأسدِ المستعملِ في الرجلِ الشجاع. العلاقة المشابهة.
والمجازُ ثلاثةُ أقسام: أوّلها: أن يكونَ في مفرداتِ الألفاظِ كقولكَ: رأيتُ أسدًا يخطبُ، تعني «الرجُلَ الشجاعَ».
والثاني: أن يقع في المركّبات فقط، كقول الشاعر:
أشابَ الصغيرَ وأفنى الكبيرَ كَرّ الغداةِ ومَرّ العَشيّ
فالإشابَةُ والإفناءُ والكرّ والفرّ حاصلةٌ حقيقةً، لكنّ إسنادَ الإشابَة والإفناء إلى كرّ الغداةِ ومرّ العشي إسنادٌ لغيرِ من قامَ بهما. فهو مجازٌ لأنّ الله تعالى هو الفاعِلُ للإشابةِ والإفناء.
والثالثُ: أن يكون في الإفرادِ والتركيبِ معًا: كقولكَ لمن تداعبهُ: (أحياني اكتحالي بطلعتك) أي سرّتني رؤيتُك، فاستعمل الإحياءَ في السرور، واستعملَ الاكتحال في الرؤيةِ، وذلك مجازٌ، ثم أسْنَد الإحياء إلى الاكتحال مع أنّ المحْيي هوَ الله تعالى، فيكونُ المجازُ في الجملةِ والمفرداتِ وفي التركيبِ معًا. ويُشْتَرَطُ في استعمال المجازِ وجُودُ العلاقةِ بينَ المعنى الحقيقيّ والمعنى المجازيّ، وهذهِ العلاقةُ بينَ المعْنَيَيْنِ لا بُدّ أن تكونَ من أنواعِ العلاقةِ التي استعملها.
والعلاقاتُ المقرّرَةُ عندَ العربِ في الإطلاقِ المجازيّ المرسل كثيرةٌ وصلتْ عندَ بعضهم إلى إحدى وثلاثين، وعند البعض الآخر إلى خمسٍ وعشرين، وعندَ بعضٍ إلى اثنتي عشرَةَ علاقة، وقد أتينا على ذكرِ أهمّها.
الكِنَاية
الكنايةُ لفظٌ أُطْلِقَ، وأُريدَ به لازمُ معناهُ، مع جواز إرادة المعنى نفسه.
والكنايةُ ثلاثةُ أقسامٍ:
1 ـــــــ تكونُ الصّفَةُ المكنّى بها إمّا صفةً قريبةً، نحو: رَحْبُ الصدْر أي لطيفٌ طويلُ الأناة، وإمّا صفَةً بعيدةً، نحو:
طويلُ النجاد رفيعُ العماد كثيرُ الرماد إذا ما شتا
طويلُ النجاد: أي حمالةُ سيفه طويلةٌ، ولزمَ من طول حمالة سيفه طولُ قامتِه، وهذا يدلّ عادة على شجاعة صاحِب القامة الطويلة.
رفيعُ العِماد: أي عظيم المكانة في قومهِ وعشيرته. كثيرُ الرّماد: يدلّ على كثرَةِ حَرْق الحطَبِ ثمّ كثرة الطّبخ. وكثرةُ الضُيوف تقضي كثرَةَ الإطعام فكثرةَ الإنفاق وكل هذا دليلٌ على الكَرَم.
2 ـــــــ يكونُ الموصوفُ المكنّى عنهُ إمّا معنًى واحدًا، نحو: حيوانٌ ناطِقٌ كنايةً عن الإنسان، وإما مجموعةُ معانٍ، نحو: حيّ مستوي القامة عريضُ الأظفارِ، كناية عن الإنسان أيضًا.
3 ـــــــ الكنايةُ عن النسبة، هيَ أن نَنْسب لموصوفٍ صفةً أو صفاتٍ. ونُثْبِتَها فيه، ويكونُ صاحبُ النسبة إمّا مذكورًا، نحو: المجدُ بين ثوبي عليّ، فقد نُسِبَ المجدُ إلى عليّ وأُثْبِتَ فيه. وإمّا غير مذكورٍ، ويُسمّى هذا تعريضًا، نحو: خَيرُ الناس مَنْ نَفَعَ الناسَ، كناية عن نفْي الخيرية عَمّن لا ينفَعُ الناسَ.
والكنايةُ من ألطف أساليبِ البلاغَةِ وأدقّها. وهيَ أبْلَغُ من التصريح لأنّ الانتقالَ فيها يكون من الملزوم إلى اللازمِ، فهو كالدّعوةِ ببيّنَةٍ. ومن خواصّ الكنايةِ أنها تمكّنُ المرءَ من التعبير عن أُمورٍ كثيرةٍ يتحاشى الإفصاحُ بذكرِها إمّا احترامًا للمخاطب أو للإبهام على السامعين، أو للنيلِ من خَصْمِهِ دون أنْ يدَعَ لهُ سبيلًا عليه، أو لتنزيهِ الأذُنِ عما تنبو عن سَماعهِ كما في تعبير الله سُبحانهُ وتعالى لما عبّرَ عنِ الغايَةِ منَ المعاشرَةِ الزوجيّةِ، وهيَ التناسلُ رَمَزَ إلى ذلك بلفظ الحرث {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} (سورة البقرة: الآية 223)...
واللباس: {هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ} (سورة البقرة: 187).
الفرق بَين الكناية والمجاز
وأمّا الفرق بينَ الكنايةِ والمجازِ فظاهرٌ، لأنّ الكنايةَ يجوزُ فيها إرادةُ المعنى الأصليّ واللفظِ الذي أُطْلِقَ وأُريدَ بهِ لازمُ معناهُ. أما المجازُ فلا يجوزُ، فلو قلنا: أمْطَرَتِ السّماءُ لم يجزْ أنْ تكونَ قد أمْطرتِ النباتَ على حقيقةِ معناهُ.

المترادفات
اللفظة ومرادفاتها
يقال في اللغة: رَدِفَ بمعنى تبع. والرِّدْف: التابع. والتَّرادُف: التتابع.
وردِف له: جاء بعده. وأردف الشيء بالشيء: أتبعه، ألحقه به.
وتظهر هذه المعاني في قول الله تعالى: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ} (سورة الأنفال: الآية 9). أي أني أستجيب لدعائكم ـــــــ أَيَّتُها العصبة المؤمنة ـــــــ وأنتم تطلبون الإغاثة والعون، وأني ممدُّكم ومعينكم بألف من الملائكة جاؤوكم رُدافى ـــــــ يتبع بعضهم بعضًا ــــــ ويتعاقبون معكم على أعدائكم حتى يتحقق لكم النصر من عند الله تعالى.
ولهذا يقال: أرادفُ الملوك: أي الذين يخلفونهم. ومنه أيضًا تعيين أو تكليف أحد بمهمّة، ووضع رديف له ينوب عنه ويحلّ محله في حال غيابه أو حصول ما يعوقه.
ويقال: ترادفت الكلمات أيْ تشابهت. وكلمات مترادفة: متشابهة. ويطلق المفسِّرون على هذه الكلمات المتشابهة أو المترادفة تعبير: النظائر.
يقول الله تعالى: {يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (6) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ} (سورة النازعات: الآيتان 6 ــــــ 7) فالراجفةُ هي النفخةُ الأولى، يوم يُنفخ في الصور لإحياء الموتى، فترجف لها الأرض ويُصعق لها من في السماوات والأرض إلّا من شاء الله تعالى. والراجفةُ تلك تتبعها الرادفةُ، أي النفخة نفسها في الصور، وقد تكرّرت لأن لها شأنًا آخر في عملها: فالأولى تميت الناس، والثانية هي التي تُحييهم ويحشرون. قال تعالى: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ} (سورة الزمر: الآية 68). ويلاحظ أن النصَّ القرآنيَّ قد استعمل لفظة {تَتْبَعُهَا} للدلالة على الترادف أي التتابع، لأنهما تنطلقان من مصدر واحد وتهدفان إلى شأن واحد وهو الحشر الموعود لخلائق الأرض من الأحياء.
وقد عرّف العربُ المرادفات بأنّها ألفاظٌ تشترك في معنى أساسيّ واحد، ولكن الواحدة تختلفُ عن الأخرى بمعنى فرعيّ أو بمعانٍ فرعيّة. وفي علم البلاغة لا يجوز أن نستعمل المرادفات دون تمييز بعضها عن بعض، فلكلِّ لفظة اختصاصٌ لا يُستحسن استعمالها خارج نطاقه. فالألفاظُ التالية: خَضَدَ ـــــــ حَصَدَ ـــــــ جَزّ ـــــــ قَصَّ ــــــ جَدَعَ ــــــ صَلَمَ ـــــــ شَتَرَ ــــــ قَلَمَ ــــــ بَتَرَ، جميعها ألفاظٌ مترادفةٌ لأنها تفيد معنًى أساسيًّا واحدًا هو «القطع»، ومع ذلك فإن لكل لفظة منها اختصاصَها الذي لا يجوز استعمالُها خارج نطاقه.
فالخضد يختصّ بقطع النبات الرطب. والحصد يختصّ بقطع النبات اليابس. والجزّ يكون للصوف. والقصّ للشعر. والجدع للأنف. والصلم للأذن. والشتر للجفن. والقلم للظفر. والبتر للساق.
ولمعرفة اختصاص المرادفات علينا الرجوع إلى مصادر اللغة العربية من قرآنٍ كريمٍ وحدِيثٍ شريفٍ، بالإضافة إلى كتبِ التراثِ الموثوق بها، من معاجمَ ونصوصٍ للبلاغيين من أهل العلم والصدق، والاستقامة والتجرّد.
ونظرًا لما للمرادفات من الأثر الجليّ في البلاغة، فلا عجب أن يكون القرآن الكريم قد استعمل المرادفات في بلاغته التي دانت لها العقول جميعًا، باعتباره الكتابَ المبينَ ومنتهى البلاغة في النسج والنظم والتعبير.
ومن قبيل البلاغة في القرآن الكريم، في باب استعماله للمرادفات، مَثَل لفظتيْ «جاء» و«أتى». فهما تدلّان على معنى أساسيّ واحد، إلّا أنّ المجيء أعمّ. فالإتيان مجيء بسهولة، كما أنه يستعمل للقصد وإن لم يكن منه الحصول، بينما المجيء يقال اعتبارًا بالقصد والحصول. ويقال جاء في الأعيان والمعاني... وهاكم الأدّلة من كتاب الله العزيز: في الأعيان قال الله تعالى: {وَجَاء مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى} (سورة يس: الآية 20) {وَلَمَّا جَاءتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ} (سورة هود: الآية 77).
وفي المعاني قال سبحانه: {فَإِذَا جَاء الْخَوْفُ} (سورة الأحزاب: الآية 19)، {إِذَا جَاء أَجَلُهُمْ} (سورة يونس: الآية 49). {فَلَمَّا جَاءهُمُ الْحَقُّ} (سورة يونس: الآية 76).
قلنا: إن الإتيان مجيء بسهولة، ومنه قيل للسيل المار على وجهه: أتيٌّ وأتاويّ. وأتَّى تأتيةً الماءَ: سهَّل مجراه، وبه شُبّه الغريب فقيل عنه: أتاويّ.
والإتيان يقال في الخير والشر، وفي الأعيان والأعراض. وأدلّته في القرآن الكريم: {أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ} (سورة الأنعام: الآية 40) {فَأَتَى اللّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ} (سورة النحل: الآية 26) {وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى} (سورة التوبة: الآية 54) و{وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً} (سورة البقرة: الآية 25).
فإذا حاولنا توضيح استعمال المفردات الواردة في هذه الآية أو تلك لوجدنا أن المدلول الخاص بكل لفظة، هو المدلول الذي يعبّر عن غرضها تمامًا. والمثال على ذلك بلفظة {وَجَاء} إذ ورد في سورة «يس» قوله تعالى: {وَجَاء مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى}. يتحدث القرآن الكريم هنا عن حبيب النجار، وهو رجلٌ من أنطاكية كان مؤمنًا بدين عيسى عليه السلام. ولما قصد رسلُه أنطاكية، وكذَّبهم أهلُها، عرف حبيبٌ بالأمر فجاء من بيته في أقصى المدينة لينهى القوم عن تكذيب رُسُلِ عيسى عليه السلام... في مثل هذا الموضع استعمل {وَجَاء} ولم يقل «أتى».
وعن لفظة «أتى» قوله تعالى في سورة البقرة: {وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَـذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً} (سورة البقرة: الآية 25).
الحديث هنا عن المؤمنين الذين عملوا الصالحات في الدنيا فكانت لهم الجنة في الآخرة. كلما أُطعموا من ثمارها قالوا: هذه هي الثمار نفسها التي رُزقناها من قبل. وأُتوا بهذا الثمر متشابهًا على اختلاف أنواعه وألوانه ومذاقه وحجمه. فأولئك هم الذين أنعم الله تعالى عليهم بتلك النعمة الدائمة. وقد قال عنهم تبارك وتعالى: إنهم يؤتَون الرزق من الثمر بأيسر الطرق. ولذلك استعملت كلمة {وَأُتُواْ} ولم تستعمل كلمة «جيئوا».
وكذلك الأمر في ما يتعلق بأولئك الذين «لا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى»، أي الذين لا يأتونها إلّا وهم متثاقلون. والمقصود بذلك هم المنافقون في أغلب الأحيان، لأنهم كانوا لا يقومون إلى الصلاة إلّا رغمًا عنهم، وإذا أتَوْها فلا يكادون يفعلون إلّا بشقِّ النفس، خوفًا من أن يفتضح أمرهم بالنفاق، ويظهر الكفرُ الذي ما زال يعشّش في نفوسهم... ثم لأن في الصلاة بعضَ المشقَّة، وهي بعضٌ من جهاد النفس يأتيه المؤمنون بطيبة خاطر، بينما من كفر بالله تعالى ورسوله الكريم لا تعنيه مثلُ هذه الأمور، ولا يبغي غير الدعة والسكينة وبالتالي الاستسلام لأهواء نفسه... في هذا المقام استعمل القرآن الكريم لفظة {يَأْتُونَ} ولم يستعمل لفظة «يجيئون». وهذا لعمري منتهى البلاغة.
ثم إن اجتماع المترادفات يُنتج معنى لا يظهر عند انفرادها. لأنّ التركيبَ بينها يُحدث معنى زائدًا. أوَ لَا ترى معي أنَّ تكرار الحرف في اللفظة الواحدة يحمّلها زيادة في المعنى، وكذلك تكرار الألفاظ في التعبير عن فكرة ما يضيف إلى المعنى الأساسيّ معانيَ إضافيةً. وغالبًا ما يكون التكرار لتقرير المعنى في النفس كما في قوله تعالى: {كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (3) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ} (سورة التكاثر: الآيتان 3 ــــــ 4) فقد أكَّد الإنذار بتكراره ليكونَ أبلغَ تأثيرًا وأشدَّ تخويفًا.
وقد يكون التكرار للمبالغة في التحذير، وقد يكون للترغيب ومن قبيل النصح. وهل أوفى من قول قدامة بن جعفر في هذا الصدد:
«البلاغة ثلاثة مذاهب: المساواة وهو مطابقة اللفظة للمعنى لا زائدًا ولا ناقصًا، والإشارة وهو أن يكون اللفظ كاللمحة الدالة، والتذييل وهو إعادة الألفاظ المترادفة على المعنى الواحد، ليظهر لمن لم يفهمه، ويتأكد عند من فهمه» .
وعلى هذا فإن كثرة الألفاظ التي ترد بمعنى أساسيٍّ واحدٍ تفيد كذلك معنى زائدًا. والمثال على ذلك يتجلَّى في اللفظات التالية: تعب ـــــــ نصب ـــــــ وصب ـــــــ لغب... فهي تشترك بمعنى أساسي واحد وهو «التعب». ولكن كل لفظة تختلف عن الأخرى بمعنى فرعيّ أو بمعانٍ فرعيّة مختلفة. ولذلك فهي من المرادفات التي لكل منها اختصاصها كما يتبيّن من توضيح معانيها:
التعب: ضد الراحة. وتَعِبَ: أعيا، ضد استراح. والإعياء هو العجز الذي يلحق البدن. والعِيّ هو عجز يلحق من تولى الأمر والكلام. نستقي ذلك من قول الله تعالى: {أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ} (سورة ق: الآية 15)، وقوله أيضًا: {وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ} (سورة الأحقاف: الآية 33).
والمتعب والمتعبة (الجمع متاعب) وقد قيل فيها: «استخراج المعاني متعبة للخواطر» عندما نقول: أتعب الإناء نقصد أنه ملأه حتى فاض فخرج عن سعته. وعلى كلّ حال، لم ترد لفظة «تعب» مطلقًا في القرآن الكريم.
النّصَب: هو التعب. جاء في القرآن الكريم على لسان سيدنا موسى عليه السلام قائلًا لفتاه: {لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَباً} (سورة الكهف: الآية 62) وأنصبني فلان: أتعبني وأزعجني. وهمٌّ ناصب يقابله عيشة راضية. ونصب الشيء: وضعه وضعًا ناتئًا، كنصب الرمح والحجر. والجمع: نصائب ونُصُب.
يدلّ على ذلك ما كان للعرب من حجارة ناتئة رفعوها ليتقرّبوا بها ويذبحوا عندها نذورهم. وقد حرّم الله تعالى لحم هذه الذبائح في كتابه الكريم بقوله تعالى: {وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ} (سورة المائدة: الآية 3) أي ما ذبح على تلك الحجارة المنصوبة الظاهرة الناتئة.
أما قوله عزّ وجلّ: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ} (سورة الانشراح: الآية 7) فإنه يعني: إذا فرغت من صلاتك أيها المؤمن فارفع يديك إلى بارئك داعيًا مستغفرًا لأنه سبحانه هو القادر على تلبية جميع حوائجك وهو المجير.
الوصب: الوجع والمرض، وكذلك الوجه الدائم. وقد جاء في مجمع البيان للطبرسي، الوصب: هو الألم الذي ينجم عنه تعبٌ دائمٌ في البدن، والموصّب بالتشديد: الكثير الأوجاع. وقد يطلق على التعب والفتور في البدن، قال تعالى: {وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ} (سورة الصافات: الآية 9) أي عذاب دائم، موجعٌ متعب.
اللغب: التعب والإعياء، وقد قيل: فلان ساغب لاغب أي جائع تعب. وفي التنزيل العزيز: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ} (سورة ق: الآية 38) أي ما أصابنا نصب ولا تعب ولا إعياء.
وقد جاءت هذه الآية الكريمة تكذيبًا لليهود الذين زعموا أن الله سبحانه قد استراح يوم السبت، ولذلك فإنهم لا يعملون فيه.
وقوله تعالى على لسان أهل الجنة: {لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ } (سورة فاطر: الآية 35)، يعني لا يمسّنا في الجنة تعب أو مشقة أو إزعاج أو مرض.
والقصدُ هنا، من عطف المترادِفَيْن، هو التأكيدُ في الأساس والتنوعُ في الفرع. ويظهر ذلك جليًا في قوله تعالى: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ} (سورة يوسف: الآية 86)، فالبثُّ، أصلًا، هو التفريق، وبثُّ النفس هو ما انطوت عليه من الغمّ. أما الحزن فهو خشونة في النفس لما يظهر فيها من الغمّ. هنا يظهر جليًّا أيضًا، كيف أن البثَّ والحزنَ متلازمان في الأساس، متنوعان في المعنى الفرعيّ لكل منهما.
ولتوضيح ذلك نُمثِّلُ باللفظات: سَكَنَ ـــــــ وَطَنَ ـــــــ نَزَلَ ـــــــ لَبِثَ ـــــــ مَكَثَ.
السكون هو ثبوت الشيء بعد تحرّك. وسكن فلان مكانًا: استوطنه، واسم المكان مسكِن، وجمعه مساكن. يقول تعالى: {لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ} (سورة الأحقاف: الآية 25)، ويقولُ أيضًا: {وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} (سورة الأنعام: الآية 13). فالله سبحانه وتعالى يشير في هاتين الآيتين إلى الأمرين معًا: الإقامة والسكون.
أما الفعل وَطَنَ فهو بمعنى أقام، والموطن هو المكان الذي يقيم فيه صاحبه. جاء في التنزيل العزيز: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ} (سورة التوبة: الآية 25)، أي في أماكنَ كثيرة.
ونزل من النزول، وهو، في الأصل، انحطاط من علو. يقال: نزلت من الجبل. ونزل في مكان معين: حطّ رحله فيه.
وقد طلب سبحانه وتعالى من نوح عليه السلام عندما ينجو من الطوفان أن يقول: {وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلاً مُّبَارَكاً وَأَنتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ} (سورة المؤمنون: الآية 29).
لبث: لبث بالمكان، أقام به ملازمًا له. جاء ذلك واضحًا في قوله تعالى: {فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إلَّا خَمْسِينَ عَاماً} (سورة العنكبوت: الآية 14)، عنى نوحًا عليه السلام الذي لبث في قومه هذه المدّة ملازمًا لهم مقيمًا معهم لا يفارقهم إلى مكان آخر. وكذلك في قوله إلى موسى عليه السلام: {فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ} (سورة طه: الآية 40)، بعد مجيئك من مصر مقيمًا في مدين عند النبي شعيب عليه السلام ملازمًا إياه بعد أن زوجك ابنته.
مكث: أقام في مكان ثابتًا فيه منتظرًا. والمكث هو ثبات مع انتظار. لقد ورد في القرآن الكريم ما يؤكد ذلك في معرض الحديث عن موسى عليه السلام: {إِذْ رَأَى نَاراً فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً} (سورة طه: الآية 10). محدّثًا امرأته قائلًا لها: امكثي في هذا المكان أي أقيمي فيه ولا تبرحيه، وانتظري رجوعي؛ وذلك أثناء مسيره من مدين طالبًا مصر.
إذن، نرى أنّ: سكن، وطن، نزل، لبث، ومكث، مترادفاتٌ اتفقت في المعنى الأساسيّ وتمايزت عند الاختصاص.
ومثل ذلك أيضًا: القلب والفؤاد.
القلب أو الفؤاد عبارة عن مضغةٍ في صدر الإنسان كما جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «ألا وإنّ في الجسد مضغةً إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله. ألا وهي القلب» أما الأطباء فقد قالوا فيه: هي تلك العضلة الصنوبرية الشكل، المودعة في الجانب الأيسر من الصدر.
والقلب، لغةً، قلب الشيء: صرفه عن وجه إلى وجه آخر. قال الله تعالى: {أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئاً} (سورة آل عمران: الآية 144) أي من يرجع إلى الكفر بعد وفاة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فلن يضرَّ الله شيئًا إنما يضرّ نفسه.
وقال بعضهم: سمّي القلب قلبًا لتقلّبه، وأنشد:
ما سُميّ القلب إلّا من تقلّبه والرأي يصرف بالإنسان أطوارا
والفؤاد: هو القلب أيضًا. إنما يقال فؤاد إذا اعتُبر فيه معنى التفود أي التوقّد. يقال: فأدت اللحم أي شويته، ولحم فئيد: مشويّ. ولذا عندما يكون القلب متّقدًا لا نستطيع إلّا أن نستعمل لفظة فؤاد. والآية الكريمة تؤكد هذا المعنى: {نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (6) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ} (سورة الهمزة: الآيتان 6 ـــــــ 7).
ولفظتا القلب والفؤاد متلازمتان في قول الله تعالى عزّ وجلّ: {وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغاً إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا} (سورة القصص: الآية 10). ذلك أن أمَّ موسى عليه السلام عندما علمت بالتقاطه أصبح فؤادها فارغًا من كلّ ما عداه وكادت تُظهر أنه ابنها، لولا أن سكّن الله تعالى قلبها بالصبر لتكون من المؤمنين المصدقين بوعد الله عز وجل.
فاللفظتان: القلب والفؤاد، متلازمتان، متفقتان من حيث المعنى الأساسيّ لهما، ومختلفتان متمايزتان من حيث المعنى الفرعيّ لكل منهما، ومن حيث اختصاص كل لفظة ضمن نطاقها.
رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «أتاكم أهلُ اليمن، هم أرقُّ قلوبًا وألينُ أفئدة». فوصف القلوبَ بالرقة والأفئدة باللين. وهذا الحديث الشريف يزيد إيضاحًا ما بيّناه من أنّ المترادفَين، القلبَ والفؤادَ، يلتقيان في المعنى الأساسيّ ويفترقان في المعنى الفرعي، أي أن لكل لفظة اختصاصَها.
ألا ترى معي، أخي القارئ، بأن الرسول الكريم لم يستعمل لفظتَيْ «أرقّ» للقلوب و«ألين» للأفئدة عبثًا؟ فأهل الطب، ومن خلال التشريح والاختبار، يقولون بأن شِغافَ القلب في منتهى الرقة، والعضلة الخارجية وحدها هي القاسية.
أما الأفئدة فلها علاقة ـــــــ كما بيّنا سابقًا ـــــــ بالنار. وأي صلدٍ تدنيه من النار لا بدَّ أن تُلينه من تأثيرها عليه. هكذا العواطف الجيَّاشة تؤثر في القلوب لتستحيل معها أفئدة، أي قلوبًا متوقدة.
الكتاب والقرآن
بعد هذا التمهيد في شرح الترادف ومراميه، وبعد أن اتضحت لنا دقّةُ معانيه بخصائصه المميزة، والحاجةُ الماسّةُ إلى إدراك مغازيه والإحاطة بأسراره من قبل أهل البلاغة وعلماء اللغة، لا بدّ لنا من التوقف إزاء مؤلَّفٍ طلَع علينا في أواخر القرن العشرين يحمل عنوان: الكتاب والقرآن، وفيه ينكر مؤلّفه وجود الترادف في اللغة العربية. ومن السهل أن نلاحظَ أن إنكار الواقع الثابت يؤكد حقيقة وجوده، ويبيِّن عدمَ إحاطة المنْكِر بموضوعه.
يزعم مؤلف هذا الكتاب: أن الكتاب شيء والقرآن شيء آخر. ويقول: «إنَّ الكتابَ هو مجموعة الأحكام الشرعية، يبيّن الله تعالى فيه الحلالَ والحرامَ والعباداتِ والأخلاقَ وقواعدَ السلوكِ الإنساني. أما القرآنُ فهو القوانين المطلقة للوجود». ويستطرد قائلًا: هناك رسالة وهناك نبوّة. فالرسالة هي كتاب الله وأحكامه، والنبوّة هي القرآن وفيه كلام الله. والرسالة هي التي تفرّق بين الحلال والحرام في السلوك الإنسانيّ، والنبوّة هي التي تفرّق بين الحق والباطل، وبين الحقيقة والوهم في الوجود الموضوعي، وشتان ما بين الاثنتين.
ولكنَّ المؤلِّف عندما يأتي على ذكر المصحف والكتاب فإنّهُ يصفهما وصفًا واحدًا ويعرّفهما تعريفًا واحدًا، إذ نجده يقول، وتحديدًا في الصفحة 54: «هذا الكتاب هو مجموعة المواضيع التي أوحيت إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الله تعالى في النص والمحتوى والتي تؤلف في مجموعها كلَّ آيات المصحف من أوّل سورة الفاتحة إلى آخر سورة الناس».
هنا، يظهر التناقض واضحًا وضوح الشمس عند المؤلِّف، فهو يذكر أن الكتاب والمصحف يحتويان جميعَ الآيات التي أنزلها الله سبحانه وتعالى على نبيّه صلى الله عليه وآله وسلم. فيكون، والحالة هذه، قد أثبت في صفحةٍ من مؤلّفه ما كان قد أنكره في صفحاتٍ أخرى من قبلُ، وهو وجود المرادفات، إذْ ها هو الآن يذكر أنَّ المصحفَ والكتَابَ واحد، دون أن يفصل أحدهما عن الآخر كما فعل حين فصل الكتاب عن القرآن. وهذا هو التناقض بعينه الذي أوقعه في شَرَك أفكاره.
وإذا عدنا قليلًا إلى الصفحة 51 من الكتاب نفسه نراه يورد ما يلي: «تصادفنا في المصحف إلى جانب لفظة الذكر الألفاظُ التالية: الكتاب والقرآن والفرقان». ويأتي على ذكر الآية الكريمة: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (سورة الحجر: الآية 9) ». فيتابع قائلًا: «إن الإنزال عربيّ، فهذه الصيغة التي بين أيدينا هي صيغة عربيّة، وهي بالتالي صيغة محدثة غير قديمة بدليل قوله تعالى: {مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ} (سورة الأنبياء: الآية 2) نلاحظ هنا ـــــــ والقول دائمًا للمؤلف ـــــــ دقّة التعبير في الكتاب عندما قال عن الذكر إنه محدث ولم يقل القرآن».
ويتابع المؤلِّف قوله: «ولا ننسى أن الذكر ليس القرآن نفسه. وعندما يقول الله سبحانه وتعالى: {فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} (سورة الأنبياء: الآية 7) يجب أن نفهم أنّ أهل الذكر هم أهل اللسان العربيّ».
لا بدّ لنا هنا من الردّ لتصويب هذا الرأي وتصحيحه فنقول: إن قوله تعالى: {فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} ليس مقتصرًا على سؤال علماء اللغة العربيّة وفقهائها والمتبحِّرين فيها وحدهم، بل إنه ينطبق أيضًا على أصحاب الكتب المتقدمة كالتوراة والإنجيل. فلو سلّمنا جدلًا بأنَّ الأمر مقتصر على اللغة العربية واستبعدنا الكتب السماويّة الأخرى أو الوحيَ الذي أنزله الله تعالى على أنبيائه، فكيف نفهم، والحالة هذه، قولَهُ تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ} (سورة فصلت: الآية 41).
فهل كفر العرب باللغة العربية التي هي فخرهم وهم أهلها، أم كفروا بالكتاب أو بالقرآن الذي هو الذكر، والذي {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} (سورة فصلت: الآية 42)؟ فضمير الغائب «الهاء» في {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ} يعود إلى القرآن الكريم الذي هو الذكر. فإذا كان المقصود بالذكر اللغة العربية وحدها كما يزعم الكاتب، فكيف نفهم قوله تعالى: {وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (51) وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ} (سورة القلم: الآيتان 51 ـــــــ 52)؟.
هل أراد الكفار أن يهلكوا محمدًا لكونه يتكلم اللغة العربيّة وهم أصحابها وحماتها والذائدون عنها؟ إن الآية الكريمة تشير إشارة واضحة إلى أنّ هذا الذكر ليس للعرب وحدهم بل هو للعرب وللعالمين أجمعين: إنسًا وجنًّا وملائكة.
الفرقان: يقول المؤلف: إنّ الآيات 151 ـــــــ 152 ـــــــ 153 من سورة الأنعام هي الوصايا العشر. وهذه الوصايا نزلت على موسى عليه السلام مفصولة عن الكتاب، زاعمًا أنَّ الفرقان إن هو إلّا هذه الوصايا وليس اسمًا للقرآن الكريم. والحقُّ يقول ويثبت: أنّ الكاتب قد جهل أو فاته أنّ سورة الإسراء قد أوردت وصايا متعددة حتى أنها فاقت الوصايا العشر.
وهنا لا بدّ من التساؤل: لماذا أطلق المؤلف على هذه الوصايا الفرقان مع أنها نزلت في سورة الأنعام، وفي القرآن الكريم سورة قائمة بذاتها، تامّة، كاملة أطلق عليها الله سبحانه وتعالى: «الفرقان» وعدد آياتها سبع وسبعون آيةً، وهي مكيّة إلّا الآيات 68 ـــــــ 70 فهي مدنية.
يقول الله تعالى في الآية الأولى من سورة الفرقان: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً} ثم يقول في الآيتين الرابعة والخامسة: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاؤُوا ظُلْماً وَزُوراً (4) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً}.
هنا، لن يحتاج الأمر إلى كثير من العناء والشرح لتوضيح أمر بسيط يتلخص في أنه: لو كان الأمر يتعلق بالآيات الثلاث فقط من سورة الأنعام لما استطاع النبيّ الكريم أن يكون للعالمين نذيرًا، ولما احتاج الأمر أن تتلى عليه هذه الآيات الثلاث بكرةً وأصيلًا.
إذن، إنْ هو إلّا القرآن الكريم الذي يُتلى على محمد صلى الله عليه وآله وسلم غدوةً وعشيًا. إنه الفرقان الذي يفرّق بين الحق والباطل وبين الحقيقة والوهم، وبين الحلال والحرام.
وأما قوله بخصوص العطف على المتغايرات أو عطف الخاص على العام فقط، فإننا رأينا لزامًا علينا أن نصحِّح هذا القول ونؤكد: إن اللغة العربية تتضمّن العطف على المتغايرات، أجل، وتتضمن أيضًا العطف على المترادفات. وبالإضافة إلى ذلك تتضمن عطف العام على الخاص وعطف الخاص على العام. وإذا كان المؤلف قد قدّم مثالًا على عطف المتغايرات فهو مثال يتناول وجهةً معينةً غيرَ كافية، أو طرفًا من واقعةٍ غيرَ كاف لإثبات حقيقة ثابتة. وإذا بالمؤلف يقع في لُبْسَةِ المترادفات فيجمع اللفظة على ألفاظ ويفوته أن اللفظ يُجمع على ألفاظ وأن اللفظة تُجمع على لفظات. ولذلك، ومن باب الأمانة، فإننا نضع أمام القارئ أمثلةً عديدةً على عطف المترادفات.
عطف المترادفات من القرآن الكريم:
ـــــــ {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً} (سورة المائدة: الآية 48): الشرعة والمنهاج متلازمان في المعنى الأساسيّ.
ـــــــ {لَّا تَخَافُ دَرَكاً وَلَا تَخْشَى} (سورة طه: الآية 77): فالخوف توقعٌ لمكروه، معلومًا كان أو مظنونًا. والخشية هي الخوف المشوب بالتعظيم.
ـــــــ {لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ} (سورة المدثر: الآية 28): أي لا تبقي جهنّمُ شيئًا إلّا أحرقته، ولا تذر شيئًا: أي لا تبقي على شيء.
ـــــــ {إِلاَّ دُعَاءً وَنِدَاءً} (سورة البقرة: الآية 171): الدعاء والنداء يرميان إلى قصد واحد.
ـــــــ {إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا} (سورة الأحزاب: الآية 67): فكبير القوم هو سيّدهم.
ـــــــ {فَلَا يَخَافُ ظُلْماً وَلَا هَضْماً} (سورة طه: الآية 112): فالظلم هو وضع الشيء في غير موضعه بنقصان. وعندما يقال: ظلمته: يكون القصد أنقصت له شيئًا من حقّه. والهضم: النقص، وهضمني حقي: أنقصنيه. وفيه هضمت المعدة الطعام أي أنقصته.
بعد هذه الأدلّة الساطعة، ودائمًا من قَبَسِ كتاب الله عزّ وجلّ، نكون قد أثبتنا وجود المترادفات وبالتالي قد لفتنا النظر إلى سمومٍ مبثوثةٍ في حنايا ذلك المؤلّف وبين سطوره، ونبَّهنا إلى أساسٍ خاطئٍ بنى مؤلِّفُه آراءه عليه لنفي وجود المترادفات.
الحرب الإيجابية
الحقيقة توحي بأنَّ نشر ذاك المؤلِّف لكتابه يشكّل جزءًا من حرب خفيَّة على الإسلام والمسلمين، والبعض يسميها «الحرب الإيجابية» وهي أشدّ ضراوةً وخبثًا وأكثر دهاءً من كل أنواع الحروب السلبية الظاهرة. ولا يقوم بنشر مثل هذه الكتب وترويجها إلا المضلّلون، والمضلَّلون، والمنافقون الذين يعملون لمصلحة أعداء الإسلام والمسلمين.
ولو رجعنا إلى الوراء واستقرأنا الماضيَ لوجدنا أنَّ الحروب الخفية أو الإيجابية ليست جديدة علينا فهي موجودة منذ عهد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم. قال الله تعالى: {وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} (سورة آل عمران: الآية 72).
لقد نزلت هذه الآية الكريمة عندما تواطأ اثنا عشر رجلًا من أحبار اليهود ـــــــ يهود خيبر ـــــــ وقال بعضهم لبعض: ادخلوا في دين محمد أوّلَ النهار باللسان دون الاعتقاد، واكفروا به آخرَ النهار، وقولوا: إنّا نظرنا في كتبنا، وشاورنا علماءنا، فوجدنا محمدًا ليس كما يدّعي، وظهر لنا كذبه وبطلان دينه. فإذا فعلتم ذلك شك أصحابه في دينه وقالوا: إنهم أهل كتاب وهم أعلم به منا فيرجعون عن دينهم.
وعودة إلى الماضي ترينا أنّ الحروبَ الصليبيةَ وحروبَ التتار وغيرهما من الحروب التي شنّت ضد العالم الإسلامي ـــــــ مع شدة ضراوتها ووحشيتها ـــــــ لم يكن لها التأثير الكبير على الإسلام والمسلمين كالحروب الخفية الإيجابية ذات الوسائل المتعدّدة والمتجدّدة في النوع والشكل. فالحروب العلنية المذكورة كانت تحاول قهر المسلمين عن طريق التغلب عليهم بالسلاح أو بالمقاتلين أي بالعدة والعدد. أما الحروب الإيجابية فتهدف إلى قهرهم عن طريقِ تغييرٍ في طريقة تفكيرهم، وبالتالي تغيير الهدف الذي يرمون إليه بدافعٍ من عقيدتهم. فهذه الحروب ـــــــ وقوامها الدسّ والنفاق ـــــــ استطاعت أن تحدث تمزّقًا في كيان الأمّة الإسلاميّة وكادت تفقدها شخصيّتها، وجعلت من الصعوبة بمكان إعادتها إلى وحدتها المتماسكة، وأقعدتها وشلَّت حركتها بحيث أعجزتها عن النهوض. ونذكر على سبيل المثال، لا الحصر، بعضَ الوسائل والأساليب التي استعملها الاستعمار مستعينًا ببعض العملاء المأجورين المنافقين. لقد أرسل البعثات التبشيريّة إلى ديار المسلمين تحت ستار العلم والخدمات الإنسانية، وشيّد الجامعات والكليات واستعملها مجالًا لنشاطاته. وراح ينفث تعاليمه، فتمّ له إنشاءُ أجيالٍ تفكّر بعقله، وتنتمي إلى ثقافته وتدافع عنها، وتسلك سلوكه في الحياة وتتبع أساليبه. وبذلك ابتعدت عن عقيدتها ودينها فذهبت قوتها وقلّت أهميتها وسقطت هيبَتُها في عين عدّوها.
وبعد أن ثبّت أقدامه واطمأنّ إلى وجوده غزا العالم الإسلاميّ. ولم يجد كبير عناءٍ في حربه مع المسلمين الذين يستوطنون هذا العالم الإسلاميّ الكبيرَ المتراميَ الأطراف، لماذا؟ لأنه، وبكل بساطة، استطاع أن يحتلّ تفكيرَ تلك الأجيال وعقولها بمفاهيمه قبل أن يحتل بلادها بسلاحه وقوته. كما أنّ هؤلاء الذين تغرّبوا عن دينهم وبيئتهم ومحيطهم هم أنفسهم قدّموا له بلادهم يقسّمها ويجزّئها ويعْبَثُ بها كفيما شاء، وعلى هواه. وها هو العالم الإسلاميّ ما زال يقاسي حتى اليوم مُرَّ العذاب من هذا الاستعمار، ومن وحشيّة أبنائه وعملائه.
* * *
عطف الخاص على العام:
هذا العطف يبدو في قوله تعالى: {حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى} (سورة البقرة: الآية 238). وقوله سبحانه: {مَن كَانَ عَدُوّاً لِّلّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ} (سورة البقرة: الآية 98). إن الله عزَّ وجلَّ قد أتى على ذكر الملائكة، وجبريل وميكال عليهما السلام من الملائكة، ولكن لفضلهما ومنزلتهما ولرفع شأنهما خصّهما بالذكر. فهنا يبدو عطف الخاص على العام. وكذلك الحال بالنسبة للصلاة الوسطى عندما عطفها على الصلوات. وفائدة هذا العطف هي التنبيه على فضل الخاص، حتى كأنه ليس من جنس العام.


عطف العام على الخاص:
يقول تعالى على لسان نوح عليه السلام: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} (سورة نوح: الآية 28).
إنّ نوحًا عليه السلام من المؤمنين، ولكن حرصه على نفسه، وحبّه لأهل بيته والمتردّدين عليه من أصحابه المؤمنين، وإعلاءً لشأنهم وإكرامًا لهم، دعا لهم أولًا بشكل خاص، ثم عطف العام (المؤمنين والمؤمنات) على الخاص في الوقت الذي هو وأصحابه وأهل بيته منهم. ومثلُه قولهُ تعالى: {إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي} (سورة الأنعام: الآية 162) والنسك هو العبادة، وهو أعمّ من الصلاةِ التي هي جزء من النسك. والفائدة من هذا العطف واضحة وهي التعميم، وأُفرِد المعطوف عليه بالذكر اهتمامًا بشأنه.
عطف التغاير:
يطالعنا المؤلف في الصفحة 57 من كتابه بِرأيٍ غريب مدّعيًا بأن العطف في الآية الكريمة: {الَرَ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ} (سورة الحجر: الآية 1) هو عطف للتغاير، فالقرآن شيء والكتاب شيء آخر، كأن نقول: جاء أحمد وسعيد، فسعيدٌ شخص وأحمد شخص آخر، وعطفهما للتغاير. ويقول: فإذا كان القرآن شيئًا والكتاب شيئًا آخر فتجانسهما أنهما من عند الله. ثم يتابع قائلًا: أو أن يكون القرآن جزءًا من الكتاب، وعطفهما من باب عطف الخاص على العام، وفي هذه الحالة يكفي عطف الخاص على العام للتأكيد وللفت انتباه السامع إلى أهميّة الخاص.
وهنا، نرى لزامًا علينا أن نقرع ادّعاءه بالحجّة الدامغة، ونقول له ولأمثاله ولمن وراءهم من الذين يريدون أن يحاربوا الإسلام والمسلمين عن طريق اللغة العربيّة التي هي لغة القرآن: لقد خاب فألهم. فعطف القرآن في الآية الكريمة ليس عطفًا على متغاير، ولا هو عطف الخاص على العام، بل هو عطف على مترادف... وإلّا كيف يفهم العطف في الآية الكريمة التالية:
{طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُّبِينٍ} (سورة النمل: الآية 1)؟ فهل تدل الآية الكريمة على أنَّ العام هو القرآن وأنّ الخاص هو الكتاب؟ ألا يبدو الافتراء واضحًا، منه ومن غيره من اللغويين أو المفسرين، في التصريح بمثل هذا القول؟ ففي هذه الآية الكريمة نرى إضافة الآيات إلى القرآن، وآيات القرآن هي القرآن. كقوله تعالى: {وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ} (سورة الحاقة: الآية 51). فالحقّ هو اليقينُ، واليقينُ هو الحقّ.
وهل يعي المؤلف أن العطف الذي يدَّعي أنه عطف الخاص على العام ليس إلّا عطفًا على مترادف، وأنَّ القرآن والكتاب معناهما واحد، وأنَّ الله تعالى وصف الوحيَ الذي أنزله على رسوله محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالصفتين ليفيد أن الوحي يظهر بالقراءة كما يظهر بالكتابة؟
وكيف يفهم قوله تعالى: {حم (1) تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (2) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} (سورة فصلت: الآيات 1 ـــــــ 3)؟
لقد نزل الوحي على محمد صلى الله عليه وآله وسلم بواسطة جبريل عليه السلام. هذا الوحي إن هو إلّا {كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ}. والكتاب بالتفصيل دون الإجمال، لأن التفصيل يأتي على وجوه البيان، أي الذي بيّنت آياته بيانًا تامًا. وتبيين آياته يكون بالأمر والنهي والوعد والوعيد والترغيب والترهيب والحلال والحرام والحق والباطل والمواعظ والأمثال. ونظمت هذه الآيات على أحسن نظام وأوضح بيان. و{قُرْآناً عَرَبِيّاً} نصب على الحال بمعنى: بيّنت آياته في حال جمعه، فوصف الله تعالى الكتاب بأنه قرآن لأنه جمع بعضه إلى بعض وبأنه عربي.
وكيف يفهم قوله تعالى: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ} (سورة يس: الآية 69). والذكر هنا هو القرآن الكريم، وهما واحد، فعطف سبحانه وتعالى واحدهما على الآخر لأنهما مترادفان، ولاختلاف فائدة كل منهما التخصصيّة التي هي: إنّ هذا الذكر من عند رب العالمين، وهو ليس بشعر، بل هو ذكر يتضمّن أخبار الأمم السالفة ويتضمّن الحلال والحرام والوعد والوعيد والحق والباطل، وكلَّ الدلالات القاطعة على حقيقة وجود الله تعالى. وقد وردت لتُقْرأ على الناس في آيات بيّنات.
وقبل أن نختم القول في هذا الموضوع نقول: إنّ الوحي الذي أنزله الله سبحانه على رسوله محمد صلى الله عليه وآله وسلم سمَّاهُ تبارك وتعالى بعدّة أسماءٍ مترادفة.
ففي نطاق القراءة سُمِّي الوحيُ قرآنًا كما في قوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنزِيلاً} (سورة الإنسان: الآية 23)، وقوله تعالى: {وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً} (سورة الإسراء: الآية 106)؛ وقوله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} (سورة النحل: الآية 98)؛ وقوله أيضًا: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15) قُل لَّوْ شَاء اللّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} (سورة يونس: الآيتان 15 ـــــــ 16).
وفي نطاق الكتابة سُمِّيَ الوحيُ كتابًا كما في قوله تعالى: {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ} (سورة الأنعام: الآية 7) أي كتابةً في صحيفة، وقوله تعالى: {قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاء بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً} (سورة الأنعام: الآية 91) وقوله تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ} (سورة الزمر: الآية 41) وقوله تعالى: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ} (سورة ص: الآية 29).
وفي نطاق التلاوة والكتابة معًا سمَّى الله سبحانه الوحيَ كتابًا. وهكذا يتبيّن لكل ذي بصيرةٍ أن الكتابَ والقرآنَ واحدٌ، وهما اسمان مترادفان لمسمّى واحد. يقول تعالى: {وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إذًا لَارْتَابَ المـبْطِلُونَ} (سورة العنكبوت: الآية 48).
ولو فكّرنا مليًّا لأدركنا أن القرآن هو الكتاب نفسه. فانظر أيها القارئ الكريم واحكم بعد التفكّر في قوله تعالى: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ (29) قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ} (سورة الأحقاف: الآيتان 29 ـــــــ 30). يعني: واذكر يا محمد إذ وجّهنا إليك جماعة من الجن تستمع القرآن، فلما حضروا قراءة هذا القرآن قال بعضهم لبعض: اسكتوا لنستمع إلى قراءته حتى لا يحول بيننا وبين الاستماع إليه شيء. فلما فرغ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من تلاوته، انصرفوا إلى قومهم قائلين: إنهم سمعوا كتابًا مصدقًا لما سبق من الكتب، وحذّروهم من عذاب الله تعالى إن لم يؤمنوا به. فهل يعنون بالكتاب شيئًا غير القرآن الذي استمعوا إليه؟ والذي يحوي أمرين معًا: أمرَ الهدايةِ إلى الحقِّ تمييزًا له من الباطل، وأمرَ الهدايةِ إلى الطريق القويم، تفريقًا بين الحلال والحرام، الذي يؤدي بسالكه إلى جنة النعيم.
وكذلك أيضًا، سمّي الوحي ذكرًا. قال سبحانه وتعالى على لسان نوح عليه السلام: {أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ } (سورة الأعراف: الآية 63). وقال سبحانه وتعالى: {وَهَذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ أَفَأَنتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ} (سورة الأنبياء: الآية 50) وقال عزّ وجلّ: {وَقَالُواْ يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ} (سورة الحجر: الآية 6) وقال عزّ من قائل: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (سورة الحجر: الآية 9) وأخيرًا وليس آخرًا قال وهو أصدق القائلين: {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ} (سورة الغاشية: الآية 21).
ولكي يكون ختامُ عجالتنا مسكًا فإننا نقول: سُمّي الوحي فرقانًا أيضًا في سياق التفريق بين الحق والباطل، وبين الحلال والحرام. يقول الله تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً} (سورة الفرقان: الآية 1).
وهكذا نستخلص بوضوح، لا لُبس فيه ولا إبهام، أنّ الله سبحانه وتعالى أطلق على الوحي الذي أنزله على رسوله محمد صلى الله عليه وآله وسلم الألفاظَ الآتية: القرآن ـــــــ الكتاب ـــــــ الذكر ـــــــ الفرقان، تمامًا كما نطلق نحن على أمكنة العبادة أسماءً متعدّدةً ذاتَ مدلول واحد فنقول: مسجد، وجامع، ومصلى، وهي أسماء لمسمّى واحد هو مكان يتعبد فيه المسلمون فيصلّون ويجتمعون. كما يُقال أيضًا: دير وكنيسة وصومعة، وهي أسماء لمسمّى واحد هو مكان يتعبّد فيه النصارى.
والقرآن الكريم أقرّ وثبّت المرادفات لأسماء أمكنة العبادة بقوله تعالى: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً} (سورة الحج: الآية 40).

خاتمة لغوية
إلى الذين لم تقنعهم آياتُ الله البيّنات... إلى الذين أنكروا الترادف مبرِّرين نكرانَهم بأن قبائلَ العرب الموزّعةَ في الجزيرة العربيّة وضعت لكل شيء مسمّى خاصًا به، كلفظة السبع مثلًا، فأتت قبيلة أخرى فوضعت لهذا المسمى لفظةً تختلف عن الأولى فسمّته أسدًا، وثالثة سمّته ليثًا، وأخرى سمّته ضرغامًا أو هزبرًا، وهكذا... وقالوا: إنّ هذا ليس مترادفًا بل هو متوارد... وقد ورد لهذا الحيوان أسماء مختلفة. وعطف المتوارد يكون للتأكيد فقط.
إلى هؤلاء نتوجّه مذكِّرين ببعض الحقائق:
الحقيقة الأولى: هي غير ما ادّعوا من أنَّ المترادفَ شيءٌ والمتواردَ شيءٌ آخر. وهم يختلفون في ما قالوه مع جمهرة فقهاء اللغة. فألفاظُ المسمّى المتوارد ذاته تتفق بالمعنى الأساسيّ وتختلف بالمعاني الفرعيّة. فعندما نقول السبع، لا نقصد الأسد فقط، بل نقصد كل حيوان مفترس. وعندما حرّم الله سبحانه وتعالى لحم الميتة في سورة المائدة أتى على ذكر أحد أفراد الميتة: «أو ما أكل السبع». فالسبع هنا، قد يكون ذئبًا أو نمرًا أو غيرهما من الوحوش المفترسة. والقرينة وحدها هي التي تعيّن الحيوان ذاته ومسمّاه. والسبع من الطير ما أكل اللحم خالصًا.
والأسد هو نوع من السباع وأنثاه اللبؤة، وصغيره الشبل، ومأواه العرين، ويقال للجريء أسد. واستأسد: تجرّأ.
والليث: جمع ليوث، والأنثى ليثة، ويقال: هو أليث أصحابه، أي أشدّهم وأجلدهم.
والهِزَبْرُ: جمعه هزابر: الغليظ الضخم، الشديد الصلب. ويُدعى الأسدُ هِزَبْرًا، بهذه التسمية، لأنه يحمل هذه الصفات.
والضرغام: الشجاع القويّ، جمعه ضراغم. والشجاعة والقوة بعض صفات الأسد ولذلك سمّي ضرغامًا.
وهكذا فالمتواردُ هو المترادفُ عينه.
والحقيقة الثانية: هي ردٌّ على قولهم بأن العربَ أطلقوا على كلِّ مسمًّى من الحيوان أو غيره اسمًا واحدًا، لأنهم كانوا قبائلَ متفرقةً، كلُّ واحدةٍ منها تستعملُ المسمّيات الخاصّةَ بها. ولهذا السبب هم ينكرون الترادف.
لقد نسي هؤلاء المنكرون المكابرون أن القبائلَ العَربيَّةَ لم تكن منقطعةً عن بعضها البعض انقطاعًا تامًّا، بل كانت هناك أسواقٌ، تقامُ في مواسمَ معيّنةٍ تتبادل فيها القبائلُ البضائعَ، ويتمُّ فيها التعاطي، وتزدهرُ فيها التجارة.
هذه الأسواقُ قرّبت بين القبائل العربية، وذهبت بعزلتها، وأوجدت بينها لغةً مشتركةً هي وسيلةُ التعاطي فيما بينها.
وهذه الأسواقُ في الجاهلية كثيرةٌ ذكر منها اليعقوبي عشرةً وكان في ناحية مكّةَ منها ثلاثة: عكاظ، وذو المجاز، ومجنّة. وأشهرها على الإطلاق: سوق عكاظ بين نخلة والطائف. وكان افتتاحها كل سنة في أول ذي القعدة.
وعلى هذا فإن العرب قد استعملوا الألفاظَ المتواردةَ المترادفة لمسمّى واحد، عندما كانوا متفرقين، وعلى مذاهب شتّى. فمنهم النصارى واليهود والأحناف وغالبيتهم كانوا من أهل الشرك. وبعد أن اجتمعوا، وتوحّدت كلمتهم بفضل الإسلام، أقرّوا هذه التسميات، ولم يحذفوا منها شيئًا. بل إنهم قد استعملوها جميعًا وتوسّعوا في استعمالها لأنها كانت متداولةً فيما بينهم، معتبرين أن كل مسمّى ينفرد بخصوصية معيَّنة.
وهكذا أصبح المتواردُ هو المترادفَ ذاته، وليس نقيضًا له أو شيئًا آخر غيره.
والحقيقة الثالثة: تقضي ـــــــ حسب قولهم ــــــ بأن يكون بإزاء كل لفظة معنًى واحدًا تدلّ عليه... نعم، ولكن ذلك غير ممكن، لأن هذه الكلمات محدودةُ العدد، ومواردها ومصادرها محدودة كذلك. فدعت الحاجة عند العرب الأقحاح إلى وضع الأسماء المشتركة في المعنى الواحد، وإلى تأكيد المعنى الأساسيّ والتحريض عليه والتقرير له، مع التنوّع في المعنى الفرعيّ، لأن المرء يحتاج عندما يتكلم أو يكتب أن يكون بيان مقاله رائعًا شاملًا وأن تكون دقائق أعماله صريحةً واضحة.
لهذه الأسباب مجتمعة وغيرها خالف العربُ بين الألفاظ، ولكنَّ المعنى الأساسيّ فيها بقي واحدًا.
والحقيقة الرابعة: إنه لأمْر مريع بدأنا نشهد ظواهره في عصرنا الحاضر: لقد أخذَ يتصدّى للقرآن الكريم كلُّ من تفقّه قليلًا أو كثيرًا في اللغة العربية وراح يُمْعِنُ في ألفاظه الشريفة تحليلًا وتأويلًا ليخرجها عن نطاق مدلولاتها ومجالات اختصاصها التي أرادها له الله سبحانه يوم نزّلها على قلب نبيّه صلى الله عليه وآله وسلم.
نعم، نحن لا ننكر أن بعض فقهاء اللغة، عبر التاريخ، أنكروا وجود عطف العام على الخاص. وبينهم من أنكر وجود الترادف. ومنهم من أنكر وجود المجاز. جاء في كتاب الإتقان في علوم القرآن للحافظ جلال الدين السيُوطي تحت عنوان: «في حقيقته ومجازه» ما نصّه: «لا خلاف في وقوع الحقائق في القرآن الكريم، وفي كل لفظ بقي على موضوعه، ولا تقديم فيه ولا تأخير، وهذا أكثر الكلام».
«وأما المجازف فالجمهور أيضًا على وقوعه فيه. وأنكره جماعة منهم: الظاهرية وابن القاص من الشافعية، وابن خويز من المالكية. وشبهتهم، أن المجاز أخو الكذب، والقرآن منزّه عنه، وأن المتكلم لا يعدل إليه إلّا إذا ضاقت به الحقيقة، فيستعير، وذلك محال على الله تعالى».
هؤلاء الذين اعترضوا على عطف العام على الخاص ووجود الترادف والمجاز... كان لديهم شبهات ولم يكن أحد من ورائهم. وهذه الشبهات باطلة لأنه لو سقط الترادف والمجاز من القرآن الكريم لسقط منه شطرُ الحسن والبلاغة ودقة المعاني وشمولها. وقد اتفق البلغاء على أن المجاز أبلغُ من الحقيقة. ولو وجب خلوُّ القرآن الكريم من المجاز لوجب خلوُّه من الحذف والتوكيد وتثنية القصص وغيرها.
والحقيقة الخامسة: واضحة كوضوح النهار الذي تدلّ عليه الشمس وهي أنّ القرآن الكريم نزل على العرب بلسانهم، مستعملًا أساليبهم البلاغية من مجاز وكناية وترادف... والأدلّة في قوله تعالى: {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ} (سورة الشعراء: الآية 195) {وَهَـذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ} (سورة النحل: الآية 103) وقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} (سورة إبراهيم: الآية 4) وقوله تعالى: {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدّاً} (سورة مريم: الآية 97) وقوله تعالى: {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} (سورة الدخان: الآية 58). أبعد هذه الأدلة الدامغة يقال: ائتنا بدليل؟ لا يسعنا بعد هذا إلّا أن نقول ما قاله الشاعر:
وليس يصحّ في الأذهان شيءٌ إذا احتاجَ النَّهارُ إلى دليلِ
وقبل الانتهاء من موضوع الردّ على المغالطات الواردة في المؤلِّف الذي نحن بصدده لا بدّ من القول: إن لكل بناء قواعدَ وأسسًا يقوم عليها، فإذا تداعت تلك القواعد والأسس، تهدَّم البناءُ بكامله.
والقواعد والأسس التي أنشأ عليها صاحب هذا الكتاب نظرياته تتمحور حول إنكار الترادف أي نفي وجوده في اللغة العربية، ولما كنّا أثبتنا وجود الترادف بشكلٍ واضحٍ وجليٍّ فإننا نكون قد أتينا على هذا البنيان المزيّف من قواعده، ولا بدّ له من السقوط على رؤوس أصحابه الذين أقاموه على الباطل. وسيكون حسابهم عسيرًا لمكرهم السيّئ. قال تعالى: {قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ} (سورة النحل: الآية 26).
وأخيرًا ماذا يترتب علينا، أيها المسلمون، أن نفعل أو نقول عندما يتكلم أمثال هؤلاء؟
ماذا سيحلُّ بنا وبإسلامنا الذي هو مصدر قُوَّتنا ومَنَعتنا إذا أنكرنا الترادفَ والمجازَ وغيرَهما وعملنا برأي هؤلاء المنكرين؟.
فلنتسلّحْ بالكياسة والفطنة، وهما من صفات المؤمن التي وصفه بها رسول الرحمة صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: «المؤمنُ كيِّسٌ فطنْ».
ولْنَتنَبّهْ إلى هذه الأساليب الخفية التي يعمد إليها أمثالُ هذا المؤلِّف من زَرعٍ للشبهات ونشر للضلال في عقول المسلمين التي من شأنها أنْ تؤدي بهم إلى الغفلة، والانحراف عن الصراط السويّ.
فيا أيها المسلمون! إلى متى أنتم غافلون عن هذه الحروب الإيجابية التي أتقنها أعداؤكم وتفنّنوا بها؟
عودوا إلى كياستكم وفطنتكم أيها المؤمنون، والتزموا بدينكم الذي ارتضاه الله لكم، وتراصّوا صفًا واحدًا، وحاربوا كل بدعةٍ أو ضلالةٍ تظهر في هذا العصر، كما حاربها أسلافكم في جميع العصور من قبل.
وبذلك تنتصرون على عدوّ الله وعدوّكم في جميع الحروب، الإيجابية منها والسلبية.
والله معكم ما دام سلاحكُم الإيمانَ بالله، والدعوةَ إلى الحقّ، والعملَ الصالحَ في سبيل الخلق أجمعين.
قال تعالى: {وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} (سورة آل عمران: الآية 139).


المحسّنات المعنويّة
التورِيَة
التورية: أن يَذْكُرَ المتكلّمُ لفظًا مفردًا له معنيان، أحدهما قريبٌ، والآخرُ بعيدٌ فيرادُ البعيدُ منهما ـــــــ ويورى عنه بالقريب. التورية نوعان: مرشحة: وهي ما اقترنت بشيء مما يلائم المعنى القريب، نحو: {وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ} (سورة الذاريات: الآية 47) أي بقوّةٍ وقد اقترنت بالبناء الذي يُلائم المعنى القريب، وهو الأعضاء المعلومة.
ومجرّدة: وهي ما لم تقترن بشيء من ذلك، نحو: {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ} (سورة الأنعام: الآية 60) هنا جرحتمْ أي ارتكبتُم الذّنوب، ولم تقترن بشيءٍ مما يلائم المعنى القريب وهو تفريق الاتصال بآلةٍ حديديّةٍ أو نحوها.
وكقول الشاعر:
فقالت: رُحْ بربّكَ من أمامي فقلتُ لها بربك أنت روحي
فالمعنى القريب في روحي: اذهبي والمعنى البعيد «الروح» التي هي سرُّ الحياة.
أصونُ أديمَ وجهي عَنْ أُناسٍ لِقاءُ الموِت عندَهُمْ الأديبُ
ورَبّ الشعْر عِنْـــدَهُمُ بغيـــضٌ ولـــــو وافـــى به لهُمُ «حَبيبُ»
فكلمة حبيب لها معْنَيَان، أحدُهما المحبوبُ وهو المعنى القريبُ الذي يَتَبَادَرُ إلى الذّهْن بسبب التمْهيد له بكلمة بغِيض. والثاني اسمُ أبي تمّام الشاعر وهو حبيبُ بنُ أوسٍ.
الطبَاق
الطباق: الجمْعُ بينَ الشيء وضدّه في الكلام وهو نوعان:
أ ـــــــ طباقُ الإيجاب وهو ما لم يختلِفْ فيه الضدّان إيجابًا وسلْبًا.
ب ـــــــ طباق السّلْب وهو ما اختلف فيه الضدّان إيجابًا وسلبًا.
قالَ تعالى: {وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ} (سورة الكهف: الآية 18) وقالَ صلى الله عليه وآله وسلم: «خير المالِ عينٌ ساهرة لعينٍ نائمةٍ» ، فإذا تأمّلْتَ وجدتَ كُلًّا منهما مشتمِلًا على الشيءِ وضدّه.
المثالُ الأولُ مشتملٌ على الكلمتين: «أيقاظًا ورقود»، والمثال الثاني على «ساهرة ونائمة».
وقال الله تعالى: {يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ} (سورة النساء: الآية 108).
وقال الشاعر:
ونُنْكِرُ إنْ شئِنا على النّاسِ قَوْلهمْ ولا يُنْكِرُونَ القوْلَ حينَ نقولُ
المثالانِ الأخيرانِ كلّ منهما مُشْتَمِلٌ على فعلينِ منْ مادّةٍ واحدةٍ، أحدهما إيجابيّ والآخر سلبيّ. وباختلافِهِما في الإيجاب والسّلبِ صارا ضدينِ.
المقَابلة
المقابلةُ: أنْ يُؤتَى بمعنَيَينِ أو أكثرَ، ثم يُؤتى بما يُقابلُ ذلك.
قال صلى الله عليه وآله وسلم للأنصارِ: «إنّكُمْ لتكثرونَ عندَ الفَزَعِ، وتَقْلّونَ عندَ الطّمَعِ». وقالَ تعالى: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ} (سورة الأعراف: الآية 157).


وقال الشاعر:
يا أُمّةً كانَ قُبْحُ الجـــور يُسْخطــــها دهرًا فأصبحَ حسنُ العدل يُرضيها
وقال:
قد يُنعمُ الله بالبلوى وإن عظُمتْ ويبتــــلي الله بعــــض القــــومِ بالنّـــعَــــمِ
وقال ابن بطوطة في وصف مصر:
هيَ مجْمَعُ الواردِ والصّادرِ، ومحَطّ رَحْلِ الضعيفِ والقادرِ. بها ما شئْتَ من عالمٍ وجاهلٍ، وجادّ وهازلٍ وحليمٍ وسفيهٍ ووضيعٍ ونبيهٍ وشريفٍ ومشروفٍ ومنكرٍ ومعروفٍ تموجُ مَوْجَ البحرِ بسكّانها وتكادُ تضيقُ بهم على سَعَةِ مكانها.
الأسلوبُ الحكيم
الأسلوب الحكيمُ: تلقّي المخاطَبِ بغيرِ ما يَتَرَقّبهُ، إمّا بحمْلِ كلامِه على خلافِ مرادهِ، تنبيهًا على أنّ هذا هو الأولى بأنْ يسألَ، وإمّا بإجابةِ السّائلِ بغيرِ ما يطلبُ تنبيهًا لهُ، على أنّ هذا هو الأهمّ. كقوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} (سورة البقرة: الآية 189).
فأصحابُ رسولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم سألوهُ عنِ الأهِلّةِ لِمَ تبدُو صغيرةً، ثمّ تزدادُ حتى يتكاملَ نورُها، ثمّ تتضاءلُ حتى لا تُرى؟
وهذهِ مسألةٌ من مسائلِ علْمِ الفَلَكِ يحتاجُ فهمها إلى دراسةٍ دقيقةٍ، فصرفهمُ القرآنُ الكريمُ عن هذا ببَيانِ أنّ الأهِلَّةَ وسائلُ للتوقيتِ في المعاملاتِ والعباداتِ، إشارةً منهُ إلى أنّ الأولى بهم أن يسألوا عن هذا.
ومثل: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} (سورة البقرة: الآية 215) سألوا عن حقيقةِ ما يُنفقونَ فأُجيبوا ببيانِ طرقِ الإنفاقِ تنبيهًا إلى أنّ هذا هو الأجْدَرُ بالسؤالِ عنهُ.
وكما وقعَ للقبعثريّ عندما قالَ له الحجّاج: لأحمِلَنّكَ على الأدْهَمِ فقالَ القبعثريّ: مِثْلُ الأميرِ منْ حملَ على الأدْهَمِ والأشْهَبِ. أراد الحجّاجُ بالأدهَمِ: «القَيْد» فحملهٌ القبعثري على «الفَرَسِ الأسودِ» بأنْ ضمّ إليهِ الأشْهَبَ تنبيهًا على أنّ هذا هو الأولى بمثله.
ومثل قول الشاعر:
جـــــــاءنـــــــي ابـــــني يـــــومًا وكنـــــــتُ أراه لــــــــيَ ريحـــــــانةً ومـــــصــــــدرَ أُنْــــــــــــــــــــسِ
قال: ما الروحُ؟ قلتُ: إنّكَ روحي قال: ما النّفسُ، قلتُ إنّك نفسي
المحسّناتُ اللفظيّة
الجِناس
الجناس: أنْ يتشابهَ اللفظانِ في النّطْقِ، ويختلفا في المعنى، وهو نوعان:
أ ـــــــ تامّ: وهو ما اتفقَ في أُمورٍ أربعةٍ هيَ: نوعُ الحروف وشَكْلُها وعددُها وترتيبُها.
ب ـــــــ غير تامّ: وهو ما اختلفَ فيهِ اللفظانِ في واحدٍ من الأمورِ الأربعةِ كقوله تعالى: {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ} (سورة الروم: الآية 55).
وقول الشاعر:
وسمّيتُهُ يحيى ليحيا فَلَمْ يكُنْ إلى ردِّ أمِرِ الله فيهِ سبيلُ
فلفظُ السّاعةِ تَكَرّرَ مرتينِ ويعني مرة يوم القيامة، ومرّةً أُخرى الساعاتِ الزّمانيّة، وفي المثالِ الثاني تكرّرَ يحيى مع اختلافِ المعنى واتفاقهِما في نوعِ الحروفِ وشَكْلها وعددِها وترتيبها، وهذا هو الجناس التّام.
وقوله تعالى: {فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (9) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَر} (سورة الضحى: الآية 9 ـــــــ 10). وقوله تعالى حكايةً عن هارون يخاطبُ موسى عليهما السلام: {خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ} (سورة طه: الآية 94).
قالت الخنساءُ:
إنّ البــــكاءَ هــــــــو الشفـــا ءُ من الجــــوى بــينَ الجـــوانحْ
وإذا تأمّلْتَ في الطّائفَةِ الثانيةِ رأيتَ اختلافًا في ركنٍ من أركانِ الوفاقِ الأربعةِ المتقدمةِ، كالاختلافِ بينَ «تقهر وتنهر»، و«الجوى والجوانح»، و«بين وبني»، ويُسمّى ما بَيْنَ كلِّ كلمتينِ في الطائفةِ الثانيةِ من تجانسٍ، جناسًا غير تام.
السَّجْع
السجعُ: توافُقُ الفاصلتين في الحرفِ الأخيرِ، وأفضلُهُ ما تساوت فِقَرُهُ.
قالَ الرسولُ صلى الله عليه وآله وسلم: «اللّهُمّ اعطِ منفِقًا خلفًا، واعطِ ممسكًا تَلفًا» .
وقالَ: «رَحِمَ الله عَبْدًا قالَ خيرًا فغنمَ، أو سَكَت فَسَلِمَ» .
وقال عليّ عليهِ السلامُ: «إلى الله أشكو منْ معشرٍ يعيشونَ جهالًا، ويموتونَ ضلالًا، ليسَ فيهِمْ سلعةٌ أبوَرَ من كتابِ الله إذا تُليَ حقّ تلاوتهِ، ولا سلعةٌ أنفَقَ بَيْعًا ولا أغلى ثمنًا من كتابِ الله إذا حُرّفَ عن مواضعهِ، ولا عندهم انْكَرُ منَ المعروفِ، ولا أعرَفُ منَ المنْكَرِ...».
وقيلَ: الحرّ إذا وَعَدَ وفى، وإذا أعانَ كفى، وإذا مَلَكَ عَفا.
وكتب هشام لأخيه بعدما بَلَغَهُ أنّهُ أظْهَرَ رَغْبَتَهُ في الخلافَةِ:
«أمّا بعد فقد بَلَغني استثقالُكَ حياتي واستبطاؤكَ مماتي، ولعمري أنّكَ بَعدي لواهي الجناح، أجذَم الكَفّ، وما استوجَبْتُ منكَ ما بَلَغني عنكَ».
والخلاصةُ أنّ البلاغَةَ في الكتابةِ والأساليبِ كما يلي:
تعريفُ البَلاغة
البلاغةُ: تأديَةُ المعنى الجليلِ واضحًا بعبارةٍ صحيحةٍ فصيحةٍ، لها في النفسِ أثَرٌ خَلّابٌ، معَ ملاءَمَةِ كلِّ كلامٍ للموْطنِ الذي يقالُ فيهِ، والأشخاصِ الذينَ يُخاطبونَ.
فإذا اختلّ ذلك وقعَ بما وقع فيه الفضلُ بنُ قُدامة حين مخاطبة هشامِ بنِ عبدِ الملكِ:
صفراءُ قدْ كادَتْ ولما تفعَلِ كأنها في الأفقِ عينُ الأحولِ
وكانَ هشامٌ أحولَ، فأمرَ بحبسِهِ.
وكما وقعَ جريرُ بن عطيّةَ التميميّ في مدحِ عَبْدِ الملكِ بن مروانَ عندما قالَ في مطلعِ قصيدتهِ:
أتصحوا أمْ فُؤادُكَ غيرُ صاحِ عشيّةَ همّ صحبُكَ بالرّواحِ
فاستنكرَ عبدُ الملكِ هذا المطلع، وردّ عليهِ بقوله: «بلْ فؤادكَ أنتَ!».
والبلاغةُ تنطوي على عِلْمِ البيانِ والمعاني والبديع.
علم البيان: وسيلةٌ لتأديةِ المعنى بأساليبِ عدّةٍ من تشبيهٍ ومجازٍ وكنايةٍ.
علم المعاني: تأديةُ الكلامِ بمطابقتهِ لمقتضى الحالِ مع وفائهِ بغَرَضٍ بلاغيٍّ يُفْهَمُ ضِمْنًا من سياقهِ وما يحيطُ بهِ منْ قرائنَ. كالقصرِ ـــــــ والإيجاز والإطناب إلخ...
علمُ البديع: المحسنات المعنويّة، كالتوريةِ والطّباقِ والمقابَلَةِ... واللفظيّةِ، كالجناسِ والسّجعِ.
الأسْلوب
عُرِفَ الأسلوبُ بأنّهُ المعنى المصوغُ في ألفاظِ مؤلّفَةٍ على صورةٍ تكونُ أقْرَبَ لنيْلِ الغَرَضِ المقصودِ منَ الكلامِ، وأفعلَ في نفوسِ سامعيهِ.
وينقسمُ أُسلوبُ الكتابةِ إلى نوعينِ: فكريٍّ وأدبيٍّ.
المرادُ من الكتابةِ أداءُ المعاني التي في نَفْسِ الكاتبِ للقارئ، فالأصلُ إذن في التعبيرِ للمعاني، ثمّ تأتي بعدَ ذلكَ الألفاظُ التي تؤدّيها كما هيَ لدى الكاتب. فالمسألةُ إذنْ تنحَصرُ في أمرين: المعاني والألفاظِ. ومن هنا اخْتَلَفَتْ عنايةُ الكتّابِ بالمعاني والألفاظ، فمنهُمْ مَن وجّه عنايتهُ إلى المعاني أوّلًا، وأخضَعَ الألفاظَ إلى الدقّةِ في أدائها، ومنهم مَن وَجّهَ عنايَتَهُ إلى الألفاظِ أوّلًا، وضحّى بشيءٍ منَ المعاني في سبيلِ الألفاظِ، ولذلكَ انقسمَ الأسلوبُ في الكتابةِ إلى قسمينِ أحدهما فكريّ، والآخر أدبيّ. ولكلٍّ منهما نسيجٌ خاصّ يخالفُ الآخر.
الأسلوبُ الفِكْريّ
يختارُ الكاتبُ فيه الأفكارَ التي يريدُ أداءَها لجدّتها أو قيمتِها أو ملاءمتها لمقتضى الحال، ثمّ يرتِّبُ هذه الأفكارَ ترتيبًا معقولًا ليكونَ ذلكَ أدعى إلى فَهْمِها، وحسْن ارتباطِها في ذهْن القارئِ. وأخيرًا يُعبّرُ عنها بالألفاظ اللائقَة بها. وفي الأسلوب الفكريّ يكونُ الانفعالُ طبيعيًّا أساسيًّا صادرًا منْ نَفْس صادقةٍ. والمعارفُ العقليّةُ هيَ الأساسُ الأوّلُ في بنائه. ولا يَظْهَرُ فيه أيّ أثَرٍ لصفةِ الانفعال. وتمتازُ عبارتُهُ بالدّقة والتحديد والاستقصاءِ.
والأصلُ فيه أنْ يقومَ على العقْل ونشر الحقائق الفكريّة والمعارف التي يحتاجُ الوصولُ إليها لجهْدٍ وتعمّقٍ. ويتكوّنُ في جُمْلَتِه من عنصرين أساسيّين: احدهما الأفكارُ والثاني العبارةُ.
الأسْلوبُ الأدَبيّ
الكاتبُ لا يقفُ عندَ الحقائق والمعارف، ولا يكونُ قصْدُهُ الوحيدُ تغْذيَةَ العقْل بالأفكار، وإنما يُقَرِّبُ هذه الحقائقَ ويختارُ أهمّها وأبرزَها الذي يستطيعُ أنْ يجدَ فيه مَظْهرًا لجمالٍ ظاهرٍ أو خفيٍّ، أوْ معْرضًا لِعِظَةِ أو اعتبار، وداعيًا لتفكيرٍ أو تأثيرٍ. ثمّ يفسّرُ ما اختارَهُ تفسيرًا خاصًّا به بما يَخْلَعُ عليه منْ نفْسِهِ المتعجّبَة أو الراضية أو السّاخِطة، ثمّ يحاولُ نَقْلَ هذا الانفعال، أو إثارَةَ مِثْلِهِ في نفوس القُرّاءِ ليكونوا مُتعجّبينَ أو مُغْتَبِطِينَ راضينَ أو ساخطينَ. والأسلوبُ الأدبيّ يعتمدُ على الانفعال، والعناية بإظهاره في المعاني. والألفاظ التي يؤدّي بها أفكارَهُ. والاهتمامُ فيه منصبّ على قُوّة الانفعال أو العاطفَة والمشاعر.
ولذلكَ لا يمكنُ أنْ تؤدّى الفَلْسَفَةُ والتشريعُ والعلومُ التجريبيّة وما شاكَلَهَا، إلّا بالأسلوب الفكريّ. كذلكَ لا يمكِنُ أنْ يُؤدّى الشعرُ والخطابةُ وما شابههما بغير الأسلوب الأدبيّ.
فالأسلوبُ الفكريّ واجبٌ في أداءِ الأفكار. والأسلوب الأدبيّ يقومُ على إثارة الناس وتحريضهِمْ على العَمَلِ الذي يُرادُ منهم. ومنْ هنا نجدُ الأسلوبَ الفكريّ يفشو في الأمّةِ، وهيَ في حالِ نهضتِها وعنفوانِ سيرِها التصاعديّ، والأسلوبُ الأدبيَ يشيعُ في الأمّةِ عندما تكونُ سطحيّةَ التفكيرِ أو في حالَةِ الترفِ. ولذلكَ نرى الشعر يضعفُ في بدايةِ الدعوةِ الإسلاميّةِ ويشيعُ الأسلوبُ الفكريّ في الخطَبِ والأحاديثِ.
وكانَ القرآنُ الكريمُ أروَعَ مَثَلٍ في الأسلوبِ الفكريّ، وكانَ أكثرُهُ قائمًا على هذا الأسلوبِ، وإن كانَ قَدْ حوى أروَعَ ما في الأسلوبِ الأدبيّ، ولكنّهُ يلتزمُ ما يلتزمُ في الأسلوبِ الفكريّ منَ الدقّةِ والتحديدِ.
وقدِ انتعشتْ في الأمةِ بهذا العصرِ أحاسيسُ النهضَةِ، فهيَ في حاجة إلى الأسلوبِ الفكريّ لتأديَةِ الحقائقِ للناسِ، وإنْ كانتْ لا تستغني عنِ الأسلوبِ الأدبيّ في تحريضِ النّاسِ على العَمَلِ، ولكنْ بعدَ وضعِ الفكرِ الذي تُريدُ أنْ يسودَ في أذهانهمْ.
خُلاصَة القَول
إنّ اللغةَ العربيّةَ تنقسمُ إلى مفردٍ ومُرَكّبٍ.
المركب
المركَّبُ ما دلّ أحَدُ جُزْأيْهِ على جزءٍ من المعنى، وقد صيغَ لإفهامِ السّامعِ النسبَ والمعاني المركّبَة بعدَ علمهِ بأوضاعِ المفرداتِ.
وينقَسِمُ المركّبُ إلى ستّةِ أقسام: الاستفهامُ والأمْرُ والالتماسُ والسؤال والخبرُ والتنبيهُ. فالمتكلّمُ صاغ المرّكب من المفرداتِ، وألّفهُ منها لإفهامِ الغيرِ ما في ضميرِهِ، فتارةً يفيدُ الطلبَ وتارةً يُفيدُ الإخبارَ. فإنْ أفادَ الطّلَبَ بذاتهِ أي بالوضع يُنْظَرُ فيهِ، فإن كانَ الطلبُ للماهيّةِ فهو الاستفهامُ، كقولكَ: ما حقيقةُ الإنسانِ؟ وهلْ قامَ زيْدٌ؟ وإنْ كانَ الطلبُ لتحصيلِ الماهيّةِ مع الاستعلاءِ على المطلوبِ منهُ، فهو الأمْرُ، كقولهِ تعالى: {وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاة} (سورة البقرة: الآية 43)، وإنْ كانَ الطلبُ لتحصيلِ الماهِيّةِ معَ التساوي فهو الالتماسُ، كَطَلَبِ الشّخْصِ من نظيرِهِ، وذلكَ عندما تقولُ لصديقكَ: أعطني القَلَمَ وخُذِ الكتابَ، وإنْ كانَ الطّلَبُ لتحصيلِ الماهيّةِ معَ التذلّلِ، فهو السؤالُ كقولِ العبْدِ: اللهمّ اغفرْ لي! اللهمّ ارْحَمْني!.
وإن كانَ المركّبُ يحتملُ الصّدقَ والكذبَ فهو الخبرُ: كقولهمْ: قامَ زيدٌ. وإن كانَ لا يحتمِلُ الصدقَ والكذبَ فهو التنبيهُ. ويشمل الترجّي والتمني والقَسَم والنداءَ.
المُــفْـرَد
ينقسم المفردُ إلى ثلاثةِ أقسام: اسم وفعل وحرف.
الاسم: ما دلّ على معنى في نَفْسِهِ، ولا يلزمُ منهُ الزمانُ الخارج عن معناهُ لنيتهِ، وهو إمّا أنْ يكونَ كليًّا أو جزئيًّا.
فالكليّ ما يَصِحّ أنْ يشتركَ في مفهومهِ عدَدٌ منَ الأنواعِ كحيوانٍ وإنسان. والجزئيّ ما لا يصِحّ فيهِ ذلكَ مثل: زيد وعمرو، ومثل الضمائر: هيَ، وهوَ.
الفعل: ما دلّ على حدَثٍ مقترنٍ بزمانٍ محَصّلٍ، والحدثُ هو المصدرُ وهو اسمُ الفعلِ، والزمانُ المحصّلُ، هو الماضي والحالُ والمستقبلُ.
الحرف: ما دلّ على معنى مُقترنٍ بغيرِهِ فإنْ لمْ يقترنْ بغيرِهِ فلا معنى له. ولا بُدّ من تفسيرِ الحرفِ الذي تَشْتَدّ الحاجةُ في الفقْهِ إلى معرفتهِ لوقوعِهِ في أدلّتِهِ وهو على أصناف:
الحرف وأصْنافه
الحرفُ ما دلّ على معنى في غيرِهِ وهو على أصنافٍ: الصنف الأولُ حرفُ الإضافةِ.
حرفُ الإضافةِ ما يفضي بمعاني الأفعال إلى أسماء وهو ثلاثة أقسام:
القسم الأوّل
ما يقتصر على كونهِ حرفًا مثل: من، إلى، حتى، في، ب، ل، رب، واو القسم.
1 ـــــــ «من» لابتداءِ الغايةِ: سرتُ مِنْ بغدادَ... وللتبعيضِ: أكلتُ منَ الخُبْزِ، ولبيانِ الجنسِ: خاتمٌ من ذهبٍ، وزائدة: ما جاءني من أحدٍ.
2 ـــــــ «إلى» لانتهاءِ الغايةِ: سرتُ إلى بيروتَ. وبمعنى مع، كقوله تعالى: {وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ} (سورة النساء: الآية 2).
3 ـــــــ «حتى» بمعنى إلى.
4 ـــــــ «في» للظرفيّة: زيدٌ في المدينةِ. وبمعنى «على» كقولهِ تعالى: {وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} (سورة طه: الآية 71) وقد يُتَجَوزُ بها: نظرتُ في العالمِ الفلاني.
5 ـــــــ «ب» للإلصاق: به داءٌ. وللاستعانة: ضربْتُ بالعصا. والمصاحبة، اشتريتُ السيفَ بقِرابه. وبمعنى «على» قالَ الله تعالى: {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} (سورة آل عمران: الآية 75)، وبمعنى من أجل، قال الله تعالى: {وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً} (سورة مريم: الآية 4) وقد تكونُ زائدة كقولهِ تعالى: {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} (سورة البقرة: الآية 195).
6 ـــــــ «ل» للاختصاص: المالُ لزيدٍ، وزائدة مثل: «رِدفٌ لكم».
7 ـــــــ «رب» للتقليل، ولا تدخُلُ إلّا على النكرةِ: رب رجلٍ عالم.
8 ـــــــ «واو القسم»، مثل: والله وبالله وتالله.
القِسم الثاني
ما يكون حرفًا واسمًا: على، عن، ك، مذ، منذ.
1 ـــــــ «على» للاستعلاء: على زيدٍ دَيْنٌ (حرف) غَدَتْ مِن عليهِ ما تمّ ظمؤها (اسم).
2 ـــــــ «عن» للمباعدة كقولهِ تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} (سورة النور: الآية 63) (حرف) وجلستُ عنْ يمينِهِ (اسم).
3 ـــــــ «ك» للتشبيه: زيدٌ كعمروٍ (حرف)، ومثل قول الشاعر: يَضْحَكْنَ عن كالبَرِد (اسم).
4 ـــــــ «مذ، منذ» لابتداءِ الغايةِ في الزمانِ: ما رأيتهُ مُذْ أو مُنْذُ يومِ الخميسِ، وقد يكونانِ اسمينِ إذا وقعا ما بعدهما.
القِسْم الثالِث
ما يكون حرفًا مثل حاشا، خلا، عدا، فإنها تجرّ ما بعدها على اعتبارِ أنها حرفٌ وقد تنصبُهُ على اعتبارِها فعلًا.
حُروف العَطفِ عشرَةٌ
أربعةٌ منها تشتركُ في جمْعِ المعطوفِ والمعطوفِ عليهِ في حُكْمٍ، غيرَ أنها تختلِفُ في أُمورٍ أُخرى، وهذه هي: «و، ف، ثم، حتى».
1 ـــــــ «الواو» للجمع المطلَقِ غير مقتضيةٍ ترتيبًا ولا معيّةً.
2 ـــــــ «الفاء» وتقتضي الترتيبَ السريعَ كقولهِ تعالى: {وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءهَا بَأْسُنَا} (سورة الأعراف: الآية 4)، وقولِهِ تعالى: {لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ} (سورة طه: الآية 61)، وقوله تعالى: {وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِباً فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ} (سورة البقرة: الآية 283) فإنّهُ وإن كانَ الإسحاتُ بالعذابِ مما يتراخى عن الافتراءِ بالكذبِ، وكذلكَ الرّهْنُ مما يتراخى عن المداينةِ، غيرَ أنّهُ يجبُ تأويلُهُ بأنّ حكمَ الافتراءِ الإسحاتُ وحُكْمَ المداينة الرّهينة.
3 ـــــــ «ثمّ» تدلّ على التراخي: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى} (سورة طه: الآية 82)، وتَرِدُ بمعنى الواو كقولهِ تعالى: {فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ} (سورة يونس: الآية 46). شاهِدًا.
4 ـــــــ «حتى» موجبة لكونِ المعطوفِ جزءًا منَ المعطوفِ عليهِ، نحو: ماتَ النّاسُ حتى الأنبياءُ. فالأنبياء جزءٌ من الناس.
وثلاثة منها تشترك في تعليق الحُكم بأحَدِ المذكورين وهي: أو، أمّا، أم.
1 ـــــــ أو وأما: يقعانِ في الخَبرِ والأمرِ والاستفهامِ.
أ ـــــــ في الخبرِ للشك، مثل: جاءَ أحمدُ، أو حسنٌ، وجاءَ إمّا أحمدُ وإمّا حسنٌ.
ب ـــــــ في الأمر للتخيير: أطعِمْ أحْمَدَ أو حسنًا، وأطعِمْ إمّا أحمدَ وإمّا حسنًا، وللإباحةِ، مثل: رافقِ الحسنَ أو الحسينَ.
ج ـــــــ في الاستفهام مع الشك في وجود الأمرينِ.
2 ـــــــ أم مع العلمِ بأحدهما والشك في تعيينهِ.
وثلاثة منها تشترك في أن المعطوف مخالف للمعطوف عليه في حكمِه: وهي: لا، بل، لكن.
مثل: جاءني زيدٌ لا عمرُ. بلْ عُمَرُ. وما جاءني زيدٌ لكنْ عُمَرُ.
حَرْفُ النفي
هي: ما، لا، (لم، لما) لن، إن بالتخفيف.
1 ـــــــ ما: لنفيِ الحالِ أو الماضي القريب من الحال. مثل: ما تفعلُ، ما فَعَلَ.
2 ـــــــ لا: لنفيِ المستقبلِ: وإمّا أن يكونَ خبرًا. مثل: لا رجلَ في الدارِ، وإما نهيًا لا تفعلْ. أو دعاءً لا رعاكَ الله.
3 ـــــــ لم ولما: لقلبِ المضارع إلى الماضي مثل: لمْ يفعلْ ولما يفعلْ.
4 ــــــــ لن: لتأكيدِ المستقبلِ، كقولهِ تعالى: {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ} (سورة البقرة: الآية 24).
5 ـــــــ إن: لنفيِ الحالِ، مثل قولِه تعالى: {إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً} (سورة يس: الآية 29).
حُروف التنبيه
هي: ها، ألا، أما.
مثل: ها أفعلُ كذا. ألا زيدٌ قائمٌ، أما إنك خارجٌ.
حُروف النداء
هي: يا، أيا، هيا، أي، أ، وا.
1 ـــــــ يا، أيا، هيا: لنداء البعيد.
2 ـــــــ أ، أي: لنداء القريب.
وا: للندبة.
حُروف التصديق والإيجاب
هي: نعم، بلى، أجل، جير، إي، أن.
1 ـــــــ «نعم» تصديقٌ لما سبقَ من قولِ القائلِ: أقام زيد؟ نعم قام زيد.
2 ـــــــ «بلى» لإيجابِ ما نُفيَ، مثل: «بلى» لمن قال ما قام زيدٌ ـــــــ أي قام ـــــــ.
3 ـــــــ «أجل» لتصديقِ الخبرِ لا غير، مثل: أجل، لمن سأل قام زيدٌ.
4 ـــــــ «جير، أن، إي» للتحقيق، مثل: جيرِ لأفعلنّ كذا. إن الأمر كذا. إي والله.
حُروف الاستثناء وَهي أربعة
إلّا، حاشا، عدا، خلا.
ما حضرَ الغائبونَ إلّا إيّاكَ. ذبلتِ الأزهارُ خلا زهرةً. سقيتُ الأشجارَ عدا شجرةً. عرفتُ الأسماءَ خلا اسمٍ.
حَرفا المصدَر
ما، أنْ، مثل: ما أعْجَبَ ما صنعتَ أي صنعك. «أنْ»: أُريدُ أنْ تفعلَ كذا، أي فعلك.
حُروف التخضِيض
وهي: لولا، لوما، هلا، ألا. ألَا فَعَلْتَ كذا! إذا أردْتَ الحَثّ على الفِعْلِ.
حَرف تقريب الماضِي من الحال
قد، مثل: قد قامَ زيدٌ.
حُروف الاستقبال
وهي: السينُ، سوف، أنْ، لا، إنْ، في قولكَ: سيفعلُ... سوفَ يفعلُ، أُريدُ أنْ تَفْعَلَ، لا تفعلْ، إنْ تفعلْ.


حُروفُ الشرط
هي: إن، لو، في قولكَ: إنْ جِئتَني. ولو جئتني لأكرمتكَ.
(حرف لا)
تستعمل «لا» في اللغة، كحرف يُنْفَى به ويُجحدُ به.
وقبل أن نتبسَّط في الكلام، نريد أن نذكّر بوجوب الرجوع إلى كتاب الله العليم الحكيم لنبيّن أهميّة هذا الحرف ومدلولاته:
1 ـــــــ تجيء «لا» كحرف زائد لا عمل له وذلك مع القَسَم. ففي هذا الموقع جاءت «لا» في أكثر من آية من آيات الله البيّنات، ومنها: {لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} (سورة القيامة: الآية 1) فقد أجمع المفسّرون والنحاة أنّ معناها أُقسمُ بيوم القيامة، وأن (لا) حرف زائد وقد قال البعض في تفسير «لا» هنا أنّ «لا» لغوٌ وإن كانت في أول السورة، لأنّ القرآن الكريم كلّه كالسورة الواحدة متّصل بعضه ببعض.
وقال الفرّاء في تفسيرها: «لا» ردّ لكلام تقدّم كأنه قيل: ليس الأمر كما ذكرتم، {أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ}.
وكذلك الحال، بالنسبة للآية الكريمة: {وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ} (سورة القيامة: الآية 2).
وإذا ما انتقلنا إلى قوله جلّ وعلا: {مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ} (سورة الأعراف: الآية 12) فإننا نرى أن لا اختلاف بين جمهرة اللغويين في أنّ معناها: ما منعك ان تسجد، والـــــــ«لا» فيها زائدة أيضًا.
2 ـــــــ وقد تُحذف «لا» وهي مَنْوِيَّة. هذا ما أكّده اللَّيثُ في تفسير ما جاء في التنزيل العزيز: {إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا} (سورة فاطر: الآية 41)، إذ قال الليث: يريد أن لا تزولا.
3 ـــــــ وتجيء «لا» بمعنى «غير»، ألا تراهما معطوفتين مترادفتين في قوله جلّ شأنه: {غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ} (سورة الفاتحة: 7) هذا ما أكّده لنا المبرّد.
وتجيء «لا» أيضًا بمعنى غير في الآية الكريمة: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ (24)‏ مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ} (سورة الصافات: الآيتان 24 ـــــــ 25). هنا، {لَا تَنَاصَرُونَ} في موضع نصب على الحال؛ والمعنى ما لكم غيرَ متناصرين.
دخول «لا» على الفعل
إذا كان دخول «لا» على الفعل الماضي نادرًا ومشروطًا بتكرارها كما في قول من عزّ قوله: {فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى} (سورة القيامة: الآية 31) فدخولها على الفعل المضارع أكثر شيوعًا واستعمالًا؛ وهذا ما نعنيه في هذا الباب.
فما هو المضارع؟
لغةً، المضارع = المشبه، والمضارعة = المشابهة. والنحويون يقولون للفعل «مضارع» لمشاكلته الأسماء فيما يلحقه من الإعراب. والمضارع من الأفعال هو الفعل الآتي والحاضر وقد تمتد جذوره إلى الماضي.
وإذا كان كل فعل يشكل حلقةً زمنية محدّدة، فالفعل المضارع يشكل سلسلة زمنيّة لها امتدادها بدءًا مما مضى وانتهاءً بالآتي:
سيصلّي (غدًا)، صلِّ (الآن)، صلّى (البارحة)، يصلي.
قلنا: إنّ المضارع يفيد أحيانًا معنى زمن مضى كما في قوله تعالى: {الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ} (سورة الماعون: الآية 6) و{وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ} (سورة الماعون: الآية 7). هنا مدلول المضارع لا يفيد الحال ولا الاستقبال، بل يفيد الماضي، خاصة إذا علمنا أنّ الحديث يدور في السورة الكريمة عن العاصِ بن وائل أو الوليد بن المغيرة.
كذلك في قوله تعالى: {وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ} (سورة البقرة: الآية 102) فقد قدّر النحاة قوله: {مَا تَتْلُواْ} بـــــــ {وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ}.
أولًا: «لا» والفعل المضارع.
تدخل «لا» على الفعل المضارع في حالتي النهي والنفي، فهي، والحالة هذه، ناهية ونافية.
1 ـــــــ «لا» الناهية:
تدخل على المضارع وحده، ويكون بعدها مجزومًا وتجعله في باب الأمر أكثر تصرفًا وحيويّة من الأمر ذاته، إذ إنها تتضمن الأمر والنهي معًا، فهي طلبيّة دالّة على:
أ ـــــــ النهي، كما في قوله تعالى: {لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ} (سورة لقمان: الآية 13).
ب ـــــــ الدعاء، كما في قوله تعالى أيضًا: {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا} (سورة آل عمران: الآية 8).
2 ـــــــ «لا» النافية:
هي أكثر أنواع «لا» استعمالًا، وهذا النوع هو الغالب شيوعًا في القرآن الكريم.
وهنا لا بدّ من ملاحظة بسيطة:
ـــــــ إذا نفي المضارع بـــــــ «لم» فإنه يفيد معنى الماضي، مثل: لم يُحسنْ إلى الفقراء.
ـــــــ إذا نفي المضارع بـــــــ «ما» فإنه يفيد معنى الحاضر، مثل: ما يحسنُ إلى الفقراء.
ـــــــ إذا نفي المضارع بـــــــ «لن» فإنه يفيد معنى المستقبل، مثل: لن يحسنَ إلى الفقراء.
ـــــــ أمّا إذا نفي المضارع بـــــــ «لا»، كان النفي أوسع وأشمل كاتساع المضارع وشموليّته. فانظر إلى قوله تعالى: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} (سورة التوبة: الآية 19).
ولاحِظْ المضارعين المنفيين بـــــــ «لا»: «لا يستوون» و«لا يهدي» ألا ترى أنهما فعلان انتفى منهم الاستواء والهدى ماضيًا وحاضرًا ومستقبلًا؟.
ولا بأس من الاستزادة في الإيضاح على ما تقدم من إيراد دليل آخر من التنزيل العزيز: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً} (سورة الكهف: الآية 60).
فهذا أيضًا، ألا يفيد نفي المضارع {لَا أَبْرَحُ} معنى الحاضر كما يفيد معنى الآتي من الزمان؟
وغيرهما من الآيات البيّنات الكثير الكثير:
{وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً} (سورة الإسراء: الآية 32)؛ {فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ} (سورة الإسراء: الآية 37)؛ {لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا} (سورة التوبة: الآية 40)...
وقد يدل المضارع على ما صار بمنزلة الطبيعة أو العادة، فيتَّسِعُ ولا يتقيد بزمن، ويدلُّ أيضًا على ما يتجدّدُ ويتكررُ كما هو قول الشاعر:
أو كلما وردت عُكَاظَ قبيلةٌ بعثوا إليَّ عريفهم يتوسَّمُ
لذلك ناسب المضارع النفي بـــــــ «لا» فاختصت به، وامتنع أن تنفي الماضي حتى يكون معنى الاستقبال، أو حتى تتكرر ليكون في التكرار معنًى من الشمول.
ثانيًا: دخول «لا» على الاسم.
تستعمل «لا» النافية مع الاسم بندرة واضحةٍ قياسًا على استعمالها مع الفعل. ففي سورة الإسراء، مثلًا، استعملت «لا» مع المضارع في ثلاثين موضعًا، ولم تستعمل مع الاسم إلّا في موضع واحد؛ وحتى في هذا الموضع الوحيد جاءت تأكيدًا لنفي فعل سابق، وذلك في قوله تعالى: {قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً} (سورة الإسراء: الآية 56).
طرق استعمالها:
1 ـــــــ إذا دخلت على معرفة يجب إهمالها وتكرارها؛ مثل: «لا محمدٌ في الدار ولا خليلٌ».
2 ـــــــ إذا دخلت على نكرة فإنها تنصب الاسم وترفع الخبر، ويراد بها نفي الجنس على سبيل التنصيص لا على سبيل الاحتمال. مثل: «لا أرضَ جرداءُ».
3 ـــــــ كثيرًا ما يكون اسمها النكرة مصدرًا أو في معنى المصدر كالمشتق ويبدو ذلك بشكل جليّ في أكثر من آية كريمة:
ـــــــ {ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ} (سورة البقرة: الآية 2).
ـــــــ {فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ} (سورة البقرة: الآية 193).
ـــــــ {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} (سورة البقرة: الآية 256).
ـــــــ {لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ} (سورة يونس: الآية 64).
ـــــــ {إِن يَنصُرْكُمُ اللّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ} (سورة آل عمران: الآية 160).
4 ـــــــ كما يجيء بعدها اسم جنس، مثل قوله تعالى: {لا إِلَـهَ إِلاَّ هُو} (سورة آل عمران: الآية 2).
ملاحظة: هنا نرى وجه الشبه بين استعماله مع المصدر والمشتق وبين استعماله مع المضارع.
ووجه الشبه هذا يظهر في ثلاثة أشكال:
أ ـــــــ إن المصدر والمشتق يشبهان الفعل شبهًا لا لُبس فيه ولا غموض. وقد عدّ علماء النحو في الكوفة المشتق نوعًا من الفعل، مثل اسميّ الفاعل والمفعول لأنهما يعملان عمل الفعل.
ب ـــــــ تنكير معموليها «الاسم والخبر» يشير إلى الاستغراق بالتعميم والشمول، وقد علمنا سابقًا كيف أنَّ المضارع يتضمّن هذا المعنى بالذات.
جـــــــ ـــــــ غالبًا، يلي اسم «لا» ظرف يتعلّق به، كما يتعلّق بالفعل إذ نرى «فيه» مثلًا، جارًا ومجرورًا متعلقين بالفعل في: «لا» ارتاب فيه، تمامًا كما في «لا ريب فيه».
من هنا، اتجه النحاة إلى القول: إنّ خبر لا النافية للجنس يكون غالبًا محذوفًا إذا عُلِمَ، حتى أنّ بني تميم يوجبون حذفه إذا كان معلومًا، كقول الله سبحانه وتعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ} (سورة سبأ: الآية 51) أي: فلا فوت لهم، وقوله تعالى: {لَا ضَيْرَ} (سورة الشعراء: الآية 50) أي: لا ضير علينا.
5 ـــــــ إذا دخلت على خبر مقدّم وجب إهمالها وتكرارها، كقول الله عزّ وجلّ: {لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ} (سورة الصافات: الآية 47) فخبر «لا» هنا، مقدّم متعلق فيها. ولهذا أهملت وبطل عملها.
***
تكرار «لا»
كما تكرّر «لا» مع المعرفة فتهمل ويبطل عملها كذلك تكرّر مع النكرة فتهمل أيضًا ويبطل عملها. ويأتي الاسم بعدها منوّنًا مرفوعًا. وقوله تعالى خير دليل على ذلك:
ـــــــ {وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} (سورة البقرة: الآية 277).
ـــــــ {لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ} (سورة البقرة: الآية 254).
وتجدر الإشارة إلى أن تكرار «لا» أسلوب شائع من أساليب استعمالها، فلا يأتي قليلًا ولا عرضًا.
إعراب الاسم بعد «لا»:
لما كان الاسم بعد «لا» المكرّرة، مرفوعًا، فإعرابه ليس بمحل خلاف عند النحاة.
أما الاسم المنصوب بعدها فهو الذي يعنينا وجه إعرابه. يبدو هذا الاسم المنصوب ظاهريًا أنّه متحدَّث عنه، وأنه صدر جملة اسميّةٍ يليها خبر. وإذا أعملنا الفكر قليلًا نرى غير هذا، إذ لا خبر بعده ولا شيء يُتحدث به.
مثال:
ـــــــ لا ريبَ ـــــــ لا خير ـــــــ لا بأس.
هنا نرى ثلاث جمل تامّة، فأين الخبر؟.
فإذا قلنا: إن «لا» نافية للجنس تنصب الأول اسمًا لها وترفع الثاني خبرًا لها، وريب: اسمها منصوب. فالخبر، بالتأكيد محذوف ومقدر بـــــــ «موجودٌ أو حاصل أو ما شابه ذلك». وكل ما نضيفه إلى هذه الجملة يكون من باب البيان وتكملة لكلام.
وقد يتوقف الكثيرون عند الآية الكريمة: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} (سورة البقرة: الآية 2)، فيقف بعض القرّاء عند ريب، ويبدأ {فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ}. وبعضهم يقف عند {لاَ رَيْبَ فِيهِ} والكلام في الحالين تام:
أ ـــــــ في الحالة الأولى: خبر «لا» محذوف تقديره موجود.
ب ـــــــ في الحالة الثانية: «فيه» جار ومجرور متعلقان بخير «لا» المحذوف تقديره موجود.
كذلك الحال في قوله تعالى: {لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ} (سورة هود: الآية 43).
إذا إننا لا نجد فيه ما يصح أن يكون خبرًا ظاهريًا في الكلام، لأن الأصل جملة {لاَ عَاصِمَ} وكل ما يليها بيان وتكملة للمعنى.
ونختم دراستنا الموجزة بالقول: مهما احتدم الخلاف بين النحاة، ومهما تنوّعت الاجتهادات في اللغة، تبقى العودة إلى الينبوع الأساسي ـــــــ ألا وهو القرآن الكريم، لننهل منه بإمعان وتمهّل، فهو الذي يروي عطشنا إلى فهم اللغة العربية واكتناه مدلولات مفرداتها.

أقسام الكتاب والسُّنة
بعدَ أن انتهى بحثُ اللغةِ العربيّةِ وعرفناها بأقسامها، ننتقل إلى أقسام الكتابِ والسنّةِ. وذلكَ لأنّ معرفةَ اللغةِ ومعرفةَ أقسامِها لا تكفي للاستدلالِ بالكتابِ والسنّةِ على الأحكامِ الشرعيّةِ.
ويتبيّنُ بعدَ الاستقراءِ أنّ أقسامَ القرآنِ الكريمِ والسُّنة محصورةٌ بخمسةِ أقسامٍ هي:
الأوامرُ والنواهي، والعمومُ والخصوصُ، والمطلَقُ والمقيّدُ، والمجملُ والبيانُ والمبينُ، والناسخُ والمنسوخُ. ولا يوجدُ غيرُها مطلقًا.
الأوامِرُ والنواهي
الأمر: طلبُ الفعلِ على وجهِ الاستعلاءِ.
والنهي: طلبُ التركِ على وجهِ الاستعلاءِ.
والأمرُ والنهْيُ معناهما الطلبُ، فالأمرُ طلبُ القيامِ بالفعلِ، والنّهيُ طَلَبُ تركِ الفعلِ، وليس الأمرُ والنّهيُ في كلِّ ما أمرَ بهِ الشارعُ أو نهى عنهُ على وتيرةٍ واحدةٍ.
وتختلفُ الأوامرُ، وكذلكَ النواهي باختلافِ القرائنِ والأحوالِ، فقد يكونُ الأمرُ للوجوبِ وقد يكونِ لغيرِهِ. وقد اتفقَ الأصوليونَ على إطلاقها بإزاءِ ستةَ عشرَ اعتبارًا إذا وردتْ مطلقةً عاريةً عنِ القرائنِ.
مثل:
1 ـــــــ الوجوب: كقولهِ تعالى: {أَقِمِ الصَّلاَةَ}.
2 ـــــــ الندب: كقولهِ تعالى: {فَكَاتِبُوهُمْ}.
3 ـــــــ الإرشاد: كقوله تعالى: {فَاسْتَشْهِدُواْ} وهو قريبٌ من الندبِ غير أنّ الندبَ لمصلحةٍ أُخرويّةٍ، والإرشاد لمصلحةٍ دنيويّةٍ.
4 ـــــــ الإباحة: كقولهِ تعالى: {فَاصْطَادُواْ}.
5 ـــــــ التأديب: وهو داخلٌ في النّدب كقولهِ: {كُلْ ممّا يليك}.
6 ـــــــ الامتنان: كقولهِ تعالى: {وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ} (سورة المائدة: الآية 88).
7 ـــــــ الإكرام: {ادْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ آمِنِينَ} (سورة الحجر: الآية 46).
8 ـــــــ التهديد: اعملوا ما شِئْتُمْ.
9 ـــــــ والإنذار: تَمَتّعوا، وهو بمعنى التهديدِ.
10 ـــــــ السخرية: {كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ} (سورة البقرة: 65).
11 ـــــــ التعجيز: {قُل كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً (50) أَوْ خَلْقاً مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ} (سورة الإسراء: الآية 50 ـــــــ 51).
12 ـــــــ الإهانة: ذُقْ إنّكَ أنتَ العزيزُ.
13 ـــــــ التسوية: فاصبرُوا أو لا تصبرُوا.
14 ـــــــ الدعاء: اغفرْ لي.
15 ـــــــ التمني: كقول الشاعر: ألا أيها الليلُ الطويلُ ألا انجلِ.
16 ـــــــ كمال القدرة: كقولهِ تعالى: {كُن فَيَكُونُ} (سورة غافر: الآية 68).
صيغة افعلْ، إنها وإن كانتْ ظاهرةً في الطلَبِ والاقتضاءِ، وموقوفةً بالنسبةِ إلى الوجوبِ والندبِ فيمكن أن تكونَ للإباحةِ وللإذنِ في الفعلِ كما تقدّمَ، فإذا وردتْ بعدَ الحظرِ، احتُمِلَ أن تكونَ مصروفةً إلى الإباحةِ ورفْعِ الحظر كما في قولِهِ تعالى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ} (سورة المائدة: الآية 2)، {فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا} (سورة الأحزاب: الآية 53). {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا} (سورة الجمعة: الآية 10). وقولهِ صلى الله عليه وآله وسلم: «كنتُ نهيتُكُمْ عنِ ادّخارِ لحومِ الأضاحي فادّخروا» ، واحتملَ أن تكونَ مصروفةً إلى الوجوبِ كما لو قيلَ للحائضِ والنفساءِ: «إذا زالَ عنكِ الحيضُ فَصلي وصُومي» .
النهْي
صيغة لا تفعل وردت في سبعة وجوه:
1 ـــــــ التحريم: {وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى} (سورة الإسراء: الآية 32).
2 ـــــــ الكراهة: {وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ} (سورة لقمان: الآية 18).
3 ـــــــ التحقير: {لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ} (سورة الحجر: الآية 88).
4 ـــــــ بيان العاقبة: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً} (سورة إبراهيم: الآية 42).
5 ـــــــ الدعاء: لا تَكِلْنا إلى أنفسِنا.
6 ـــــــ اليأس: لا تعتذروا اليوم.
7 ـــــــ الإرشاد: لا تسألوا عن أشياءَ.
فهي حقيقةٌ في طلبِ التركِ واقتضائهِ، ومجازٌ في ما عداه.
العَامّ والخَاص
العام: هو اللّفظُ الواحدُ الدّالُّ على معنيين فصاعدًا.
الخاص: هو اللّفْظُ الواحدُ الذي لا يصلُحُ مدلولُه لاشتراكِ كثيرين فيهِ، كأسماءِ الأعلامِ مثل: حسن وعلي ومحمد وإبراهيم.
وعلى هذا فإنّ اللفظَ الذي لهُ دَلالَةٌ ينقسم إلى عامّ لا أعمّ منهُ، فإنّهُ يتناولُ الموجودَ والمعدومَ والمجهولَ، وإلى خاصّ لا أخصّ منهُ كأسماءِ الأعلامِ، وإلى ما هو عامّ بالنسبةِ، وخاصّ بالنسبةِ كلفظِ الحيوانِ، فإنّهُ عامّ بالنسبةِ إلى ما تحتهُ من الإنسانِ والفرسِ، وخاصّ بالنسبةِ إلى ما فوقَهُ كلفظِ الجوهرِ والجسمِ.
أمثِلة على العموم والخصُوص
قولهُ تعالى: {وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقّ} (سورة هود: الآية 45)، وكانَ ذلكَ تمسّكًا منهُ بقولِه تعالى: {إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ} (سورة العنكبوت: الآية 33) وأقرّهُ الباري على ذلكَ، وأجابَهُ بما دلّ على أنّه ليسَ منْ أهْلِهِ. ولولا أنّ إضافةَ الأهْلِ إلى نوحٍ يُفْهَمُ منهُ العُموم لما صحّ ذلكَ. ومنها أنهُ لما نزلَ قولهُ تعالى: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} (سورة الأنبياء: الآية 98)، قالَ الزبعرى: «لأخْصمَن محمّدًا»، ثمّ جاءَ إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فقالَ لهُ: «وقد عُبِدَتِ الملائكة والمسيح. أفتراهُم يدخلونَ النّارَ؟» واستدل بعُمومِ «ما» ولم ينكرْ عليه النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ذلك، وقد نزلَ قولُهُ تعالى غَيرَ منكرٍ لقوله بل مخصّصًا بقولِهِ تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} (سورة الأنبياء: الآية 101) ومنها قولهُ تعالى: {ولَمـَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُواْ أَهْلَ هذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالمِينَ، قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لنُنَجْيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الغَابِرِينَ} (سورة العنكبوت: الآيتان 31 ـــــــ 32)، وذلكَ أنّ إبراهيمَ عليه السلامُ فهمَ العمومَ من كلمةِ {أَهْلَ هذِهِ الْقَرْيَةِ} حيثُ ذَكَرَ لوطًا، والملائكةُ أقَرّوهُ على ذلكَ وأجابُوهُ بتخصيصِ لوطٍ وأهْلِه بالاستثناءِ.
ومنها إجماعٌ على إجراءِ قولهِ تعالى: {الزّانيَةُ والزّاني ـــــــ والسّارِقُ والسّارِقَةُ ـــــــ ومَنْ قُتِلَ مَظْلومًا ـــــــ وذَرُوا ما بَقِيَ منَ الرّبا ـــــــ ولا تَقتُلُوا أنْفُسَكُمْ ــــــــ ولا تقتلوا الصيدَ وأنتم حرمٌ}. وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «لا وصيّة لوارثٍ» ، «ولا تُنْكَحُ المرأةُ على عَمّتِها ولا خالتِها» ، ومَنْ ألقى سلاحه فَهُوَ آمن إلى غيرِ ذلكَ منَ الألفاظِ الدالّةِ على العمومِ.
إنّ أكثرَ المعلوماتِ وَرَدَتْ على أسبابٍ خاصّةٍ، فآيَةَ السرقة نزلَتْ في سرِقَةِ رِداءِ صفوانَ، وآيةُ الظهار نزلتْ في حق أوس بن الصامت، وآيةُ اللّعانِ نزلَتْ في حقِّ هلالِ بن أُميّةَ، إلى غير ذلك.
تخصيصُ العُموم
العموم: لفظ يستغرق جميع ما يصلح له بلفظ واحد مثل القوم والرجال، والخصوصُ والتخصيصُ بمعنى واحدٍ، والتخصيصُ هو إخراجُ بعضِ ما يتناولهُ اللّفْظُ ويَقَعُ في الخطاب الدّال على الشمولِ أي العمومِ ولذلكَ يُقالُ: تخصيصُ العمومِ كقولهِ تعالى: {فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ} (سورة التوبة: الآية 5) وقد أخرجَ من ذلكَ أهْلَ الذمّةِ، وقولِهِ تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا} (سورة المائدة: الآية 38) وأخْرَجَ منْ ذلكَ مَنْ سَرَقَ دونَ النصابِ، أو سَرَقَ منْ غيرِ حِرْزٍ، وقولِهِ تعالى: {يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ} (سورة النساء: الآية 11) وأخرجَ منهُ الكافرَ والقاتلَ. وقد يكون التخصيصُ مُتّصِلًا أو منفصلًا.
والمتصِلُ ما لا يسْتَقِلّ بنفسِهِ بَلْ يكونُ متعلّقًا باللّفْظِ الذي ذُكِرَ فيهِ العامّ. والمنفصلُ ما يستقلّ بنفسهِ، أي أنّ الدالّ على التخصيصِ يكونُ أداةً منْ أدواتِ التخصيصِ متّصِلةً بالعامّ الذي يجري تخصيصُهُ كالاستثناءِ مثلًا. وهذا هو التخصيصُ المتصلُ ويكونُ نصًّا آخرَ منفصلًا عنِ النصِّ العام، كتخصيصِ الجَلْدِ للزّاني غيرِ المحْصِنِ بنصِّ آخر، وهو رَجْمُ الزّاني المحْصِنِ. والتخصيصُ المتصلُ أربعةُ أنواعٍ هيَ: الاستثناءُ، الشرطُ، الصفةُ، الغايةُ.
1 ـــــــ الاستثناء: كقوله تعالى: {إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ} (سورة الحجر: الآية 58). إلى قولِهِ: {إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ} (سورة الحجر: الآية 59) منَ الهلاكِ {إلّا امْرأتَهُ} استثنى آلَ لوطٍ منْ أهلِ القريةِ، واستثنى المرأةَ منَ الذين سينجونَ من الهلاكِ.
2 ـــــــ الشرط: أكْرِمْ بني تميم إذا دخَلُوا السوقَ أوِ الدارَ.
3 ـــــــ الصفة: ولا تخلو إمّا أنْ تكونَ مذكورةً بعدَ جُمْلَةٍ واحدةٍ كقولهِ: أكرمْ بني تميمٍ الطوالَ، فإنّهُ يقتضي اختصاص الإكرام بالطوالِ منهمْ، ولولا ذلكَ لَعَمّ الطوالَ والقصارَ، فكانتِ الصفَةُ مخرجةً لبعضِ مَنْ كانَ داخلًا تحتَ اللفظِ لولاها.
4 ـــــــ الغاية: صيغتاها: إلى وحتى، ولا بُدّ أنْ يكونَ حكمُ ما بعدهما مخالِفًا لما قَبْلَهُما، وإلّا كانتِ الغايةُ وسَطًا وخرجَتْ عنْ كونها غايةً ولزمَ من ذلكَ إلغاءُ دلالةِ «إلى وحتى». وهي لا تخلو أيضًا إمّا أنْ تكونَ مذكورةً عَقبَ جملةٍ واحدةٍ، أو جُمَلٍ متعدّدَةٍ، فإن كانَ الأول فإمّا أنْ تكونَ الغايةُ واحدةً أو متعدّدَةٍ، فإن كانت واحدةً كقولهِ: «أكرِمْ بني تميم أبدًا إلى أنْ يدخلوا الدار» اقتضى دخولُ الدّارِ اختصاصَ الإكرامِ بما قبْلَ الدّخولِ، وإخراجَ ما بعدَ الدخولِ عن عمومِ اللّفْظِ، ولولا ذلكَ لَعَمّ الإكرامُ حالةَ ما بَعْدَ الدخول. وإن كانتْ متعددةً فلا يخلو إمّا أنْ تكونَ على الجمْعِ، أو على البدَل. فالأوّلُ كقولهِ: أكرِمْ بني تميمٍ أبدًا إلى أنْ يدخُلُوا الدّارَ ويأكلُوا الطعامَ، فمقتضى ذلكَ استمرارُ الإكرامِ إلى تمامِ الغايَتَينِ دونَ ما بَعْدَهُما. والثاني كقولهِ: أكرمْ بني تميمٍ إلى أن يدخُلُوا الدّارَ والسوقَ، فمقتضى ذلكَ استمرارُ الإكرامِ إلى انتهاءِ إحدى الغايتينِ أيّهُما كانتْ دونَ ما بَعْدَها.
ومواردُ التخصيصِ كثيرةٌ في القرآنِ حتى تعذّرَ على بعضِ العُلماءِ أنْ يتصوّرَ عامًّا باقيًا على عمومِهِ غير قابلٍ للتخصيصِ.
والعامّ الباقي على عُمُومِهِ موجودٌ في القرآنِ، ولكنّهُ قليلٌ بالنسبةِ إلى العامِّ المرادِ بهِ الخصوصُ. ومنْ أمثِلَةِ الباقي على عمومِهِ قَطْعًا السّننُ الإلهية التي لا تحتملُ التخصيص في قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} (سورة الأنبياء: الآية 30) وقوله تعالى: {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا} (سورة هود: الآية 6). وقوله تعالى: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} (سورة الأعراف: الآية 34).
المطْلق والمقَيَّد
المطلق: اللّفْظُ الدّالُ على مدلولٍ شائعٍ في جنْسِهِ. وذلكَ كقولكَ في مَعْرِضِ الأمْرِ: «أعْتِقْ رقبةً» أو مصدرِ الأمْرِ كقولهِ: {فَتحريرُ رَقَبَةٍ} أوِ الإخبارِ عنِ المستقبلِ كقولهِ: «سأعْتِقُ رَقَبَةً» ولا يُتصوّر الإطلاقُ في مَعْرِضِ الخَبَرِ المتعلّقِ بالماضي كقولهِ: «رأيْتُ رجُلًا» ضرورةَ تعيّنهِ بإسنادِ الرؤيةِ إليهِ.
وأمّا المقيّدُ: فأنّهُ يُطْلَقُ باعتبارينِ: الأوّل ما كانَ منَ الألفاظِ الدّالّةِ على مدلولٍ معيّنٍ: كزيدٍ وعمرَ، ونحو ذلك. الثاني: ما كانَ منَ الألفاظِ الدالّةِ على وصفِ مدلولِهِ المطلقِ بصفةٍ زائدةٍ عليهِ كقولكَ: «دينارٌ مصريّ ودرهَمٌ مكيّ» وهذا النوعُ منَ المقَيّدِ وإن كانَ مُطْلقًا منْ جنسهِ من حيثُ هو دينارٌ مصريّ ودرهَمٌ مكيّ، غيرَ أنّهُ مقيّدٌ بالنسبةِ إلى مطلقِ الدينارِ والدرهمِ، فهو مطلقٌ منْ وجه مقيّدٌ من وجهٍ...
أو بعبارةٍ أوضحَ فيكونُ المطلقُ هو ما دلَّ على لفظٍ شائعٍ في جنسِهِ، والمقيدُ ما دلَّ على مدلولٍ معينٍ فتحريرُ رقبةٍ مطلقٌ وتحريرُ رقبةٍ مؤمنةٍ مقيّدٌ، وصيامُ ثلاثةِ أيامٍ مطلقٌ. وصيامُ شهرينِ متتابعينِ، مقيّدٌ.
وإذا وَرَدَ مُطْلَقٌ ومُقَيّدٌ، فلا يخلو إمّا أن يختلِفَ حكمُهُما، أو لا يختلف، فإنِ اختلَف حكمُهُما فلا خلافَ في امتناعِ حَمْلِ أحدِهما على الآخرِ، سواءٌ كانا مأمورًا بهما أو منهيًّا عنهما، أو كانَ أحدُهما مأمورًا بهِ والآخرُ منهيًّا عنهُ، وسواءٌ اتحدَ سبَبَهُما أوِ اختلفَ، لعدم المنافاةِ في الجمْعِ بَيْنَهُما إلّا في صورةٍ واحدةٍ وهيَ ما إذا قالَ مثلًا في كفّارَةِ الظّهارِ: «أعْتِقْ رقبة»، ثم قالَ: «لا تعتقُوا رَقَبَةً كافرةً» فإنّهُ لا خلافَ في مثلِ هذهِ الصورَةِ أنّ المقَيّدَ يُوجبُ تقييدَ الرّقَبَةِ المطلَقَةِ بالرّقَبَةِ المسلِمَةِ. وأمّا إذا لمْ يختلِفْ حكمُهُما فلا يخلو، فإمّا أنْ يتّحِدَ سببهُما أوْ لا، فإن اتحدَ سببُهُما فإمّا أن يكونَ اللفظُ دالًا على إثباتهما أوْ نَفْيهما، فإن كانَ الأوّلُ، كما لو قالَ في الظهار: «أعتقوا رقبةً» ثم قال: «اعتقوا رَقَبَةً مسلمةً» فلا خلافَ في حملِ المطلقِ على المقيّدِ ههنا وإنما كانَ العملُ بهما. لأنّ مَنْ عملَ بالمقيدِ فقد وفى بالعملِ بدلالةِ المطلقِ، ومن عملَ بالمطلقِ لم يفِ بالعملِ بدلالةِ المقيد فكانَ الجمع هو الواجب والأولى.
المجمَل والبَيان والمبين
المجْمَلُ في اللّغَةِ مأخوذٌ منَ الجمْعِ ومنهُ يقالُ: أجْمَلَ الحساب إذا جَمَعَهُ ورفع تفاصيلَهُ وقيلَ هو «المحصل» وفيه يقالُ: «جَمَلْتُ الشيءَ إذا حصّلْتُهُ».
وأمّا في اصطلاحِ الأصوليّينَ، فالمجمَلُ ما لمْ تتضحْ دَلالَتُهُ. أو بعبارةٍ أوضحَ: ما لَهُ دَلالَةٌ على أحَدِ أمرينِ لا مَزِيّةً لأحدِهما على الآخرِ بالنسبةِ إليه.
وفي إجمالِ النصِّ ضَرْبٌ منَ الغموضِ ينشأُ منْ أحِدَ الأسبابِ التاليةِ: غرابة لفظهِ «كالهلوع» فقدْ فسّرَهُ السياقُ القرآني في قولهِ تعالى: {إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً} (سورة المعارج: الآيات 19 ـــــــ 21).
أو وقوع الاشتراكِ فيهِ كلفظِ {عَسْعَسَ} في قولهِ تعالى: {وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ} (سورة التكوير: الآية 17)، فإنهُ صالحٌ لإرادةِ الإقبالِ والإدبارِ، في أنّهُ يُسْتَعمَلُ في معنَييّنِ مُتضادّينِ.
أو اختلاف مرجعِ الضميرِ، نحو: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} (سورة فاطر: الآية 10) فيُحْتَمَلُ عَودُ ضمير الفاعل في: {يَرْفَعُهُ}، إلى ما عادَ عليهِ الضميرُ في {إِلَيْهِ} «وهو الله»، ويحتَمَل عودُهُ إلى العملِ. والمعنى أنّ العَمَلَ الصالحَ يرفعُهُ الكَلِمُ الطيّبُ. ويحتَمَلُ عودُهُ إلى الكلمِ، أي أنّ الكلمَ الطيّبَ ـــــــ وهوَ التوحيدُ ـــــــ يرفعُ العملَ الصالحَ، لأنّهُ لا يصلُح العملُ إلّا معَ الإيمانِ.
أو التقديمُ والتأخيرُ، نحو: {وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى} (سورة طه: الآية 129) أي ولولا كلمةٌ وأجَلٌ مُسمّى لكان لزامًا، على أنّ هذا الغموضَ العارضَ الناشئَ عن تردّدِ المجْمَلِ بين أمرين، لا يلبثُ أنْ يزولَ، فإذا وردَ عليهِ بيانهُ سُمّيَ مُفَصّلًا أو مُفسرًّا أو مُبيّنًا.
وتبيينُ المجملِ إمّا أنْ يردَ مُتصلًا، نحو: «من الفجرِ» فإنّهُ فَسَّرَ مُجْمَلَ قولهِ تعالى: {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ} (سورة البقرة: الآية 187) إذْ لولا «منَ الفَجْرِ» لبقيَ الكلامُ الأوّلُ على تردّدِهِ واحتمالِه. أو منفصلًا في آيةٍ أُخرى، نحو: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} (سورة القيامة: الآية 22 ـــــــ 23) فإنّه دخلَ على جواز الرّؤيةِ ويُفَسّرُ بهِ قولهُ تعالى: {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ} (سورة الأنعام: الآية 103)، إذا كانَ مترّدّدًا بينَ نفْيِ الرّؤيةِ أصلًا ونفيِ الإحاطةِ والحصرِ دونَ أصلِ الرّؤيَةِ.
وقدْ يقَعُ تبيينُ المجمَلِ بالسنّةِ النبويّةِ لأنّ القرآنَ والحديثَ أبدًا متعاضدان في استيفاءِ الحقِّ وإخراجِهِ من مدارِكِ الحكمةِ، حتى أنّ كلًّا منهُما يُخَصِّصُ عمومَ الآخرِ ويبيّنُ إجمالَهُ.
وأكثرُ ما يكونُ في الألفاظِ الشرعيّةِ المنقولةِ عن معانيها اللغويّةِ كالصلاة والزكاةِ والحجِّ.
ومن ذلكَ تبيينه صلى الله عليه وآله وسلم «قرة أعيّن» في قولهِ تعالى: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ} (سورة السجدة: الآية 17) فقد قالَ فيها ما لا عينٌ رأتْ ولا أذنٌ سمعتْ ولا خَطرَ على قلبِ بشرٍ.
والحاصلُ أنّ كُلّ ما اتضحتْ دلالتُه بإحدى دَلالاتِ اللّغَةِ وضْعًا أوْ عُرْفًا أو شرْعًا، لا يعتبرُ منَ المجمَلِ، فيحمَل على المجازِ أو يُفْهَمُ من قرينةٍ، أوْ يُؤخَذُ من دَلالةِ اللّفْظِ، أو منْ دلالاتِ المعنى، أو غيرِ ذلكَ. وما دامَ ذلكَ ممْكِنًا في أيِّ لفظٍ فإنّهُ ينفي عنهُ الإجمالَ. ويحصُر مدلولَ المجملِ باللّفْظِ الذي لهُ دلالةٌ ولكنّ دلالتَهُ غيرُ واضحةٍ، مثل: {وَآتُواْ الزَّكَاةَ} فإنّهُ مجملٌ يحتاجُ إلى بيانٍ.
وعلى هذا يكونُ البيانُ إخراجَ الشيءِ من حيّزِ الغموضِ إلى حيّزِ الوضوحِ. وأمّا المـُـبيّن فقد يُطلَقُ ويُرادُ به ما كانَ من الخطابِ المستغني بنفسهِ عن بيانٍ، وقد يرادُ بهِ ما كانَ محتاجًا إلى البيانِ، وقد وردَ عليهِ بيانُهُ، وذلكَ كاللّفْظِ المجملِ إذا بُيّنَ المرادُ منهُ، والعامّ بعدَ التخصيصِ والمطلَقِ بعدَ التقييدِ، والفعلِ إذا اقترنَ بهِ ما يدلّ على الوجْهِ الذي قُصِدَ منهُ إلى غيرِ ذلكَ.
النسخُ والناسِخ والمنسُوخ
النسخ: في اللغةِ بمعنى الإزالةِ، يُقالُ: نَسَخَتِ الشَّمْسُ الظّلّ: أزالتْهُ، ونسختِ الريحُ أثَرَ الشيءِ أزالتْهُ، ونسخَ الشيبُ الشباب: إذا أزالهُ. ومنهُ تَناسُخُ القُرونِ والأزمِنَةِ.
والإزالةُ هيَ الانعدام ولهذا يقالُ: «زالَ عنهُ المرضُ والألم، وزالت النّعمةُ عن فلانٍ». ويُرادٌ بهِ الانعدامُ في هذهِ الأشياءِ كلّها.
وقد يُطْلَقُ بمعنى نقلِ الشيءِ وتحويلهِ من حالَةٍ إلى حالَةٍ مَع بقائهِ في نفسهِ، مثل: تناسخِ المواريثِ بانتقالها من قومٍ إلى قومٍ، وتناسخِ الأنفُسِ بانتقالهات من بدنٍ إلى غيرِهِ عندَ القائلينَ بذلكَ، ومنه نَسْخُ الكتابِ بما فيهِ منْ مشابهَةِ النقلِ، وإليهِ الإشارَةُ بقولهِ تعالى: {إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} (سورة الجاثية: الآية 29)، أي نَنْقُل إلى الصحفِ ما كنتم تعملون.
والنّسخُ: هو بيان انتهاء حكم شرعي بطريق شرعي متراخٍ عنه. قالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: «كنتُ نهيتُكمْ عنْ زيارةِ القُبورِ ألا فزوروها» . ولا بُدّ أنْ يكونَ الحكمُ المنسوخُ شرْعيًّا، وأن يكونَ الدليلُ الدالّ على ارتفاعِ الحكم شرعيًّا، متراخيًا عنِ الخطابِ المنسوخِ حكمُهُ، وأن لا يكونَ الخطابُ المرفوعُ حكمُهُ مقيّدًا بوقتٍ معيّنٍ. فإذا استكمَلَ الحكمُ هذه الشروطَ جاز أنْ يَقَعَ فيهِ النسخ.
والناسخ: يُطْلَقُ على الله تعالى، فيُقالُ: نَسَخَ، فهو ناسِخٌ، ومنهُ قولُهُ تعالى: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ} (سورة البقرة: الآية 106)، وقوله تعالى: {فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ} (سورة الحج: الآية 52) وقدْ يُطْلَقُ على الآيةِ أنها ناسخَةٌ.
المنسوخ: هو الحكمُ المرتفعُ، كالمرتَفِعِ من وجوبِ تقديمِ الصّدَقَةِ بين يدي مناجاة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وحُكْمِ الوصيّةِ للوالدينِ والأقربينَ، وحكمِ التربّصِ حَوْلًا كاملًا للمتوفّى عَنها زوجُها إلى غيرِ ذلكَ. ومن ذلكَ أنّ الله تعالى أوجَبَ في ابتداءِ الإسلامِ الحبسَ في البيوت، والتعنيفَ حدًّا للزنى، وقالَ تعالى: {وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىَ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً (15) وَاللَّذَانَ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ تَوَّاباً رَّحِيماً} (سورة النساء: الآية 15 ـــــــ 16). فنسخَ ذلك بالجَلْدِ والتّغريبِ عن الوطنِ في حقِّ البكرِ. وبالرّجمِ بالحجارةِ في حقِّ الثّيبِ، قال تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ} (سورة النور: الآية 2)، وقالَ رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم: «خُذُوا عني خذوا عني قد جعلَ الله لهنّ سبيلًا البكرُ بالبكرِ جَلْدُ مائة ونفيُ سَنَةٍ» .
والقرآنُ ينسخ القرآن، والسّنة تنسخُ السّنّةَ، لكنّها لا تنسخُ القرآنَ، مِثْلَ نسخِ القرآنِ للسنّةِ. كانَ المسلمونَ يتوجّهونَ عندَ صلاتهمْ إلى بيتِ المقدسِ، فنزلتِ الآيةُ: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} (سورة البقرة: الآية 144)، وقولُ الرسولِ صلى الله عليه وآله وسلم: «كنتُ نهيتُكُمْ عنْ زيارةِ القبورِ ألا فزوُرُوها» .
والدليلُ على أنّ الآيةَ لا تُنْسَخُ إلّا بآيةٍ قولهُ تعالى: {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ} (سورة النحل: الآية 101) أخْبَرَ أنّهُ إنما يُبَدّلُ آية بآيةٍ لا بالسنّةِ، وقولُهُ تعالى: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (سورة البقرة: الآية 106). وقولهُ تعالى: {قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ} (سورة يونس: الآية 15)، وهو دليلٌ على أن القرآنَ لا يُنْسَخُ إلّا بالقرآنِ.
الفرق بين الناسِخ والمنسُوخ والبداء
أن تكون آية نسختْ حكمَ آيةٍ:
البداءُ: الظهورُ كما في قولِه تعالى: {وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا} (سورة الجاثية: الآية 33) وهو نَشْأةُ رأيٍ جديدٍ لمْ يَكُنْ موجودًا.
إن البداءَ يصدرُ عنِ الذي يَرى الرّأيَ، ثمّ يبدو لهُ غيره كقولهِ تعالى: {ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ} (سورة يوسف: الآية 35).
وقدْ فرّ اليهودُ قبلًا منَ القولِ بالنّسْخِ لئلا يقودهمْ إلى القولِ بالبداء، فقد حَسِبُوا أنّ نَسْخَ الشيء بعد نزولهِ والعَمَلَ بهِ يُرادِفُ تغييرَ الله للأحكامِ بما يبدو لهُ بعدَ أن لمْ يكُ باديًا، ولا يجوزُ نِسْبَةُ شيءٍ من هذا إلى الله.
مع أنّ الناسخَ والمنسوخَ كانَ كلّهُ معلومًا لله منْ قبلُ، ولم يَخْفَ شيءٌ عليهِ.
والجديدُ في النّسْخِ إنما هو إظهارُهُ تعالى ما علِمَ لعبادهِ لا ظهورُ ذلكَ لهُ.
الفرق بين الناسِخ والمنسُوخ والتخصِيص
تعريف النّسْخ: «رفْعُ الحكمِ الشرعيّ بدليلٍ شرعيّ».
تعريفُ التخصيصِ هو: «قَصْرُ العامّ على بعضِ أفرادِهِ».
وليسَ في هذا القصْرِ رفْعٌ حقيقيّ للحُكْمِ عنْ بعْضِ الأفرادِ، لأنّ تناولَهُ بعضَ الأفرادِ فقط إنما يكونُ سبيلهُ المجازَ، فلفظُ العامِّ موضوعٌ أصْلًا لكّلِ الأفرادِ، ولمْ يُقْصَرْ على بعضها إلّا بقرينةِ التّخصيصِ.
أمّا النّسْخُ فَيَظَلّ النّصّ المنسوخُ فيهِ مُسْتَعْمَلًا فيما وُضِعَ لهُ، ويظلّ متناولًا جميعَ الأزمانِ إلّا أنّ حكمَهُ الشّاملَ يَسْتَمِرّ إلى وقْتٍ معينٍ، ثمّ لا يُبْطِلُهُ إلّا الناسخُ لحكمةٍ يعلمُها الله.
وتُراعى في التخصيصِ قرينةٌ سابقةٌ أو لاحقةٌ أو مقارنةٌ.
أمّا النسْخُ فلا يَقَعُ إلّا بدليلٍ متراخٍ عنِ المنسوخِ.
ويكونُ التخصيصُ في الأخبارِ وغيرِها.
أمّا النسخُ فلا يقعُ إلّا بالأمْرِ والنّهي.
ومنْ أدلّةِ التخصيصِ المعقولُ إلى جانبِ الكتابِ والسنّةِ. كقولهِ تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا} (سورة المائدة: الآية 38) خَصّصَهُ قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «لا قطع إلا في ربعِ دينارٍ» .
أمّا النسخُ فالدليلُ فيهِ شرعيّ مقصورٌ على الكتابِ والسنّةِ، فلا يرفعُ باسمِ النسخِ حكمٌ شرعيّ بدليلٍ عقليّ.
وعلى هذا يكونُ الفرقُ بينَ التخصيصِ والنسخِ، أنّ ما بقي من أفرادِ العامِّ بعدَ تخصيصهِ يظل معمولًا به، فلا يبطلُ الاحتجاجُ في العام بعدَ التخصيصِ.
أمّا ما رُفِعَ حكمُهُ منْ أفرادِ النصِّ المنسوخِ فيبْطلُ كلّ لونٍ منْ ألوانِ الاحتجاجِ بهِ أوِ العَمَلِ.
معرفة الناسخ من المنسوخ
الدليلُ الناسخ لا بدّ أن تقومَ حجة شرعيةٌ على أنه ناسخ وإلّا فلا يعتبر ناسخًا، وليس مجرد ظهور التعارض بين الدليلين يعني أن أحدهما ناسخ للآخر إذ قد يمكن الجمع بينهما فلا يكون هناك أي تعارض. والنسخ هو إبطال الحكم وتعطيل النص والجمع بين الدليلَين أولى من النسخ والتعطيل فإن الإهمال والنسخ خلاف الأصل. وما كان خلاف الأصل لا بدّ من بيّنةٍ عليه فإنْ لم تقم حجة عليه فلا عبرة له. وعلى ذلك فإنَّ إبطال الحكم السابق يتوقف على وجود حجة دالة على أنه منسوخ، وهذه الحجة إما أن ينصَّ اللاحق على أنه ناسخ للسابق لفظًا أو دلالة، وإما أن يكون بين النصَّين تعارض لا يمكن التوفيق بينهما فيه.
أما نص اللاحق على أنه ناسخ للسابق فقد وردت أحكام في ذلك، منها قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها» فهذا قد بيّن النص أنه نسخ ما كان من تحريم زيارة القبور. ومنها ما روي عن الزهري عن قبيصة بن ذؤيب أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال:
«من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه فإن عاد في الثالثة أو الرابعة فاقتلوه» فهذا يدل على أن شارب الخمر إذا شرب الثالثة أو الرابعة يقتل، «فأُتي برجل قد شرب فجلده ثم أُتي به فجلده ثم أُتي به فجلده ثم أُتي به فجلده ورفع القتل وكانت رخصة» قال الشافعي: والقتل منسوخ بهذا الحديث وغيره. وأخرجَ الخطيبُ في المبهمات عن ابن إسحاق عن الزهري عن قبيصة أنه قال في حديثه السابق: «فأُتي برجل يقال له نعيمان فضربه أربع مرات فرأى المسلمون أن القتل قد أُخِّر» أي نسخ. فهذا الحديث قد ورد فيه نص على أن قتل شارب الخمر في الثالثة أو الرابعة قد نسخ. فإنَّ قوله: «ورفع القتل» من نص الحديث وليس من كلام الصحابي فهو كما جاء في رواية أخرى عن جابر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إنْ شَرِبَ الخمر فاجلدوه فإن عاد الرابعة فاقتلوه» . «ثم أُتي النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد ذلك برجل قد شرب في الرابعة ولم يقتله» فكلمة «ولم يقتله» من الحديث وكذلك كلمة «ورفع القتل» من الحديث. فرواية (ولم يقتله) لا تنص على أن القتل نسخ ولكنها تعارض قول الرسول: «فإن عاد في الرابعة فاقتلوه» ولكنَّ رواية «ورفع القتل» تنص على نسخ القتل في الرابعة إذ معنى رفع: نسخ. ومن الأحكام التي نص اللاحق على أنه ناسخ للسابق دلالة قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (سورة المجادلة: الآية 12) فإن هذه الآية تدل على تحتيم الصدقة بين يدي الرسول إنْ وجدت، ولكن ذلك قد نُسِخَ بقوله تعالى: {أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ} (سورة المجادلة: الآية 13) فهذه الآية قد ورد فيها ما يدل على أن تحتيم تقديم الصدقات بين يدي النجوى إن وجدت قد رفع من غير تصريح بالرفع. وينبغي أن يعلم أن النص على النسخ لا بدّ أن يكون في نفس النص أو يفهم من النص، أن يكون هذا النص نصًّا من الكتاب أو السنة إما صراحة أو دلالة، وما عدا هذا لا يعتبر حجةً على النسخ.
وأما التعارض بين النصَّين من كل وجه ولا يمكن التوفيق بينهما فإنه ينظر فيهما فإن كان أحدهما معلومًا والآخر مظنونًا، أي أحدهما قطعي الثبوت قطعي الدلالة والآخر ظني الثبوت والدلالة أو قطعي الثبوت ظني الدلالة أو العكس، فالعمل بالمعلوم واجب أي العمل بالقطعي واجب سواء تقدم أو تأخر أو جهل الحال في ذلك، لكنه إن كان متأخرًا عن المظنون كان ناسخًا وإلّا كان مع وجوب العمل به غير ناسخ. وإن كانا معلومين ومظنونَين وعلم أن أحدهما متأخر عن الآخر فهو ناسخ والمتقدم منسوخ، وذلك بالتاريخ أو بإسناد الراوي أحدهما إلى شيء متقدم كقوله هذا في السنة الفلانية وهذا في السنة الفلانية، أو بغير ذلك مما يدل على التقدم والتأخر وإن جهل التاريخ ولم يعلم أيهما أسبق من الآخر فإنه لا نسخ لأن أحدهما ليس بأولى من الآخر بالنسخ وكل من ادعى أنَّ حكمًا ما منسوخ ولم يعلم التاريخ يُرَدُّ لعدم معرفة التاريخ والواجب في هذه الحال أما الوقف عن العمل بأحدهما، أو التخيير بينهما إن أمكن.
وإن علم اقتران النصين المتعارضين مع تعذُّرِ الجمع بينهما فإن هذا غير متصور الوقوع ولا يقع مطلقًا، ومن هذا يتبيّن أن النصين المتعارضين من كل وجه مع تعذر التوفيق بينهما لا يتصور وقوع النسخ في ذلك إلّا في حالتين اثنتين إحداهما ما إذا كانا معلومين أو مظنونين وعلم أن أحدهما متأخر عن الآخر فالمتأخر ناسخ والمتقدم منسوخ، والثانية إذا كان أحدهما معلومًا والآخر مظنونًا وكان المعلوم متأخرًا عن المظنون وما عدا هاتين الحالتين لا يوجد نسخ مطلقًا. هذا إن كان النصان المتعارضان متنافيين من كل وجه ويتعذر التوفيق بينهما وأما إن كان النصان المتعارضان متنافيين من كل وجه ولكن يمكن التوفيق بينهما أو كانا متنافيين من وجه دون وجه فإنه لا نسخ مطلقًا إذ يوفق بينهما ويصرف أحدهما للوجه الذي لا يتعارض فيه مع الآخر.
أما النصوص التي يكون التعارض فيها من وجه دون وجه فإنه ظاهر فيها صرف كلّ إلى الوجه الذي يعينه، مثال ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «من بدل دينه فاقتلوه» فإنه خاص في المبدل وعام في النساء والرجال، وقوله عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «نهيت عن قتل النساء» فهو عام في كل النساء وخاص في المرأة الكافرة إذا لم تباشر القتال، وليس عامًا في كل الحوادث لقوله في بعض طرق حديث النهي عن قتل النساء لما رأى امرأة مقتولة: «ما كانت هذه لتقاتل ثم نهى عن قتل النساء». ولذلك يقتل المرتد سواء أكان رجلًا أم امرأة ويدل على ذلك ما وقع من حديث معاذ أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما أرسله إلى اليمن قال له: «أيما رجل ارتد عن الإسلام فادعه فإن عاد وإلّا فاضرب عنقه، وأيما امرأة ارتدت عن الإسلام فادعها فإن عادت وإلّا فاضرب عنقها» ، وبهذا لا يكون هناك تعارض بين الحديثين.
فحديث قتل المرتد خاص بحالة الارتداد عام في كل شيء فيقتل الرجال والنساء، وحديث النهي عن قتل النساء خاص في حالة الحرب فلا تقتل المرأة في تلك الحالة.
ومثال ذلك أيضًا قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين» فهو عام في جميع الأوقات والأحوال والمساجد، وروى عقبة بن عامر قال: «ثلاث ساعات كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ينهانا أن نصلي فيهن أو أن نقبر موتانا، حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع وحين يقوم قائم الظهيرة وحين تضيف الشمس للغروب» فهو خاص بأوقات معينة.
وروى ابن عباس: «أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تشرق وبعد العصر حتى تغرب» فهو خاص بحالات معينة، وإذا تعارض الخاص مع العام حمل العام على الخاص فيحمل حديث تحية المسجد على غير الأوقات الخمسة المكروهة فلا يكون هناك تعارض بين النصين، وهكذا سائر النصوص المتعارضة من وجه دون وجه فإنها تحمل على الوجه الذي جاءت بشأنه وبرفع التنافي بين النصوص.
ومن هذا يتبيّن أن مجرد ظهور التعارض بين النصوص لا يعني أن أحدهما ناسخ للآخر بل يمكن التوفيق بين النصوص التي يظهر أنها متعارضة، ومن تدقيق النصوص الشرعية واستقراء ما يظهر أنها متعارضة يتبيّن أن التناقض بين النصوص غير موجود، فالادعاء بأنه يكون بين النصين تناقض ادعاء لم يقم عليه دليل، وما أورده بعض العلماء من نصوص توهم وجود التناقض بينها فإن نفس هذه النصوص صريح في عدم وجود التناقض وبالجمع بينها، وليس فيه أي دلالة على النسخ، فمثال الآيات التي زعم أنها منسوخة بآية قوله تعالى: {وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا} (سورة الأنفال: الآية 61) قيل: إنها نسخت بأثر السيف وهي قوله تعالى: {قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} (سورة التوبة: الآية 29) فالآيتان الأولى والثانية ظاهر نصهما أنه لا تناقض فيه بينهما، فالأولى تعني حالة الصلح إذا كانت مصلحة الدعوة تقتضي ذلك كما حصل في صلح الحديبية، والثانية تقتضي الجهاد إذا كانت الدعوة تقتضي ذلك، والجهادُ والصلح حالتان باقيتان، وأحكامُ كُلٍّ منهما باقية لم ينسخ شيء منها. وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ} (سورة الأنفال: الآية 72) قيل: إنها نسخت بقوله تعالى: {وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللّهِ} (سورة الأنفال: الآية 75) فالآية الأولى دالة على الولاية وهي النصرةُ والآية الثانية دالةٌ على الأولوية في الميراث، فظاهر نصهما أنه لا تناقض بينهما لأنَّ الأولى تقتضي النصرة والثانية تقتضي الأولوية في الميراث، والولاية وهي النصرة غير الأولوية في الميراث. وقوله تعالى: {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ} (سورة الأنفال: الآية 38) قيل: إنها نسخت بقوله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ} (سورة البقرة: الآية 193) وظاهر نص الآيتين أنه لا تناقض بينهما إذ الأولى خاصة بتوبة الكافر بالله يغفر له ما سلف من ذنوبه ولا دخل لها بالقتال، والثاني خاصة بقتال الكافرين حتى لا تكون فتنة للمسلمين عن دينهم.
وهكذا جميع النصوص التي أوردوها وزعموا أن بينها تناقضًا فإنه عند التدقيق يتبيّن أنه لا تناقض بينها. وعليه فإنَّ الادعاءَ أنه يكون بين النصين تناقض ادعاء لا دليل عليه. ومن طبيعة النصوص التشريعية أن يبدو منها للرائي شيء من التناقض، ذلك أن الأحوال والأحداث والأمور غالبًا ما تكون مختلفة. وعليه لا يصح فيها التجريد ولا التعميم بل يجب أن تؤخذ كل حالة وكل حادثة وكل أمرٍ على حِدَة ويُعطى النص له وحده، ولا يقاس شيء على الآخر لمجرد الاشتباه لأن النصَّ قد يأتي لمعالجة الحالة أو الحادثة أو الأمر ثم يأتي نص آخر لحالة أو حادثة أو أمر غير الأول، ولكن يوجد اشتباه بينهما فيحصل حينئذ عند الرائي التعارض بين النصين مع أنهما جاءا لأمرين مختلفين فيظن وجود التعارض لا سيما وأن الإنسان في طبيعته التعميم والتجريد، فيقع من هذا التعميم والتجريد في الخطأ وفي ظن أن أحد النصين يتعارض مع الآخر ولكن العليمين بأصول التشريع والخبيرين بالوقائع يدركون النصوصَ على حقيقتها، ويحملون كُلَّ نصٍ على معناه فيتبيّن حينئذٍ أنه لا تعارض.
ولهذا فإنه لا يصح أن يزعم أنَّ هذا الحكمَ منسوخٌ وأن هذا النص ناسخٌ بمجرد ظهور التعارض بين نصين فإنه في الحقيقة لا تعارض بينهما، ولا تقبل دعوى النسخ إلّا إذا وجدت حجة شرعية على أن هذا النص ناسخ لذاك. وما لم توجد حجة شرعية فلا نسخ.

المنطوق والمفهوم
بعد معرفة لغة العرب ومعرفة أقسامها ببيان ألفاظ اللغة وأقسامها، صار يتأتى الاستدلال بالكتاب والسنَّة. فالاستدلال بالكتاب والسنَّة إنما هو استدلال بألفاظهما، ومتى بيِّنت ألفاظ اللغة العربية فقد توفر ما يستوجبه الاستدلال باللغة أي ببيان ألفاظها وأقسامها. غير أن الاستدلال بالألفاظ يتوقف على معرفة كيفية الاستدلال من ناحية كونه بطريق المنطوق أو المفهوم، أي من كونه بطريق دلالة اللفظ على مدلوله، أو بطريق دلالة المدلول على مدلول آخر. يعني من ناحية المعنى الذي دل عليه اللفظ، أو من ناحية المعنى الذي دل عليه معنى اللفظ لا اللفظ نفسه. ومن هنا كان لا بدّ من بحث المنطوق والمفهوم.
وقبل بحث المنطوق والمفهوم لا بدّ من بحث أمرَين:
أحدهما: أن القرآن ليس فيه لفظ مهمَل ومثله السنَّة.
والثاني: أن الله تعالى لا يعني في كلامه خلافَ الظاهر من غير بيان.
أما بالنسبة للأمر الأول فإن الله تعالى لا يخاطبنا بالمهمل أي بما لا دلالة له على المعنى، لأنه هذيان، والهذيان نقص وهو عليه تعالى محال. ذاك أن المهمل هذيان، وهو أن يجمع ألفاظًا مهملة ويتكلم بها، أو بأن لا يدل مجموع كلامه من حيث هو على معنى، وإن دل كل جزء منه على معنى مستقل، وكلتا الصورتين من المهمل لا تليق بالله تعالى. ومن هنا كان من المحال أن يخاطبنا الله تعالى بالمهمل، فلا يكون في القرآن مهمل. وكذلك لا يكون في السنَّة مهمل لأن السنَّة وحيٌ من الله تعالى بالنسبة لمعناها، وقد عبّر عنه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بألفاظ من عنده، فمحال أن يكون فيها مهمل. وأما أوائل السور فهي حروف متقطعة كل حرف منها مستقل بنفسه ولا يؤلف شيء منها كلمة، والحكمة من ذلك بيان عجز العرب عن الإتيان بمثل القرآن الكريم.
وقد اكتشف أخيرًا أن الأحرف الموجودة في أوائل السور تشير إلى الرَّقم تسعة عشر وأن جميع الأحرف الموجودة داخل السورة مقسوم على الرقم تسعة عشر مثل سورة «ق» والقرآن المجيد فقد تبيّن أنه يوجد في السورة سبعة وخمسون قافًا أي ثلاثة أضعاف الرقم 19، وهذا يشير إلى قدرة الله تعالى الخارقة بحيث أنزل القرآن الكريم على هذا الرقم الذي يطلقون عليه الرقم الذهبي لأنه مؤلف من أول الأرقام وآخرها، أي من الرقم واحد ومن الرقم تسعة، وفي الوقت نفسه لا يقسم هذا الرقم إلّا على نفسه، كما اكتشفوا أن القمر يبدأ بالدوران ولا يتم دورانه إلّا بعد تسعة عشر عامًا ليعود من حيث انطلق. فسبحان الذي أنزل القرآن وفيه سرُّ هذا الرقم، ثم جعل القمر يدور على هذا الرقم، إنه على كل شيء قدير، وعليه لا تكون افتتاحيات السور بالحروف من المهملة. وأما قوله تعالى:
{وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} (سورة آل عمران: الآية 7) بالوقوف على قوله {إِلاَّ اللّهُ} وجعل قوله: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} كلام مستأنف فيكون في القرآن ما لا يعلم معناه إلا الله وبذلك خاطبنا بما لا نعلم له معنى وهو المهمل، وهذا محالٌ عليه سبحانه.
أما هذا القول فمردود لوجهين: أحدهما أن الوقوف لا يتأتَّى على قوله: {إِلاَّ اللّهُ} لأن الواو هنا حرف عطف وليس حرف استئناف فهي معطوفة على لفظ الجلالة فيكون المعنى: إن الله يعلم تأويله والراسخون في العلم يعلمون تأويله أيضًا. وواو الاستئناف إنما تكون حين ينتهي الكلام وينتهي المعنى ويبدأ كلام جديد ومعنى جديد ولا تكون في غير ذلك مطلقًا. أما هنا فلم يتم الكلام ولم يتم المعنى، وأما قوله تعالى: {يَقُولُونَ آمَنَّا} في الآية نفسها وبعد هذا الكلام بلا فصل، فهي حالٌ من قوله: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} وليست خبرًا. ولا يقال: إن الحال إذا جاء بعد المعطوف والمعطوف عليه انصرف للاثنين فكان حالًا من الاثنين. إذ هنا لا يتأتى أن يكون حالًا من المعطوف والمعطوف عليه لاستحالة أن يقول الله تعالى: {آمَنَّا بِهِ} فيكون حالًا من المعطوف فقط ولا تكون عبارة: {يَقُولُونَ آمَنَّا} خبرًا لقوله: {وَالرَّاسِخُونَ} وليس حالًا منه إذ لا قرينة على ذلك في المعنى ولا في المبنى.
أما إذا وجدت قرينة وجاء الحال بعد المعطوف والمعطوف عليه فإنها تنصرف إلى المعطوف دون المعطوف عليه كقوله تعالى: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً} (سورة الأنبياء: الآية 72) فإن {نَافِلَةً} حال من يعقوب أي من المعطوف دون المعطوف عليه لأن النافلة ولد الولد فيكون حالًا من يعقوب. والعكس في الآية الأولى، فإن استحالة أن يقول الله {آمَنَّا بِهِ} قرينة على أنه حال من المعطوف دون المعطوف عليه. وبذلك يظهر أن {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} يعلمون تأويله فلا يكون في القرآن لفظ لا دلالة له على معنى فلا يكون فيه مهمل. وأما قوله تعالى: {طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ} (سورة الصافات: الآية 65) فإنه معلوم للعرب. فإنه مَثلٌ في الاستقباح متداولٌ بينهم لأنهم يتخيلونه قبيحًا فيكون خطابًا بما له معنى عند العرب وليس من المهمل، لأن الشياطين مخلوقات تفكر وتحتال ولها قوة إدراك ولها رؤوس وحواس، وهل يؤمر الشيطان بالسجود لآدم بغير أن يضع رأسه على الأرض؟
وأما كون الله تعالى لا يعني في كلامه خلاف الظاهر من غير بيان، فلأن اللفظ إنما وضع للدلالة على معنى، فحين ينطق به أحد إنما يعني المعنى الذي دل عليه اللفظ، فإن كان الناطق باللفظ يعني غير ما دلَّ عليه من معانٍ، فإنه يضع قرينة تدل على أنه عنى غير المعنى الموضوع له اللفظ، أو يبيِّن أنه قال كذا وأراد كذا. أما إذا لم توجد قرينة تدل على أنه أراد غير المعنى الذي وضع له اللفظ، ولم يبيِّن أنه أراد من هذا الكلام المعنى الفلاني، فإنه لا يمكن أن يفهم من اللفظ إلا المعنى الذي وضعه له أهل اللغة أو استعملوه فيه استعمالًا عرفيًّا أو شرعيًّا. ومن هنا لا يتأتى القول أن الله تعالى يعني في قوله كذا خلاف الظاهر دون أن يبيِّن أنه عنى خلاف الظاهر، لأنه لا يمكن أن يفهم من الألفاظ إلّا مدلولاتها، فلا يوجد في القرآن ما يقصد منه خلاف دلالات الألفاظ، أي لا يوجد فيه كلام يعني فيه الله معنى غير الظاهر منه أي غير دلالات الألفاظ من غير أن يبين ذلك صراحةً أو إلماحًا أو عن طريق السنة النبوية.
ثم إن القول عن الكلام بأن الله تعالى يعني فيه خلاف الظاهر من غير بيان أنه عنى خلاف الظاهر، قول بأن الله قد خاطب الناس بكلام غير مفيد لما عنى اللفظ ومعنى ذلك أنه خاطبهم بالمهمل، لأن الكلام الذي لا معنى له حسب دلالة ألفاظه كلام مهمل. واللفظ بالنسبة إلى ذلك المعنى المراد مهمل لعدم إشعاره به ولعدم دلالته عليه، ولا يليق أن يخاطبنا الله تعالى بالمهمل. وبذلك يثبت أنه لا يوجد في القرآن الكريم كلام يعني فيه الله تعالى خلاف الظاهر من غير بيان، وعليه لا يوجد في القرآن معنى باطن ومعنى ظاهر، بل كل ما في القرآن إنما يعني فيه الله ما لألفاظه من دلالة عند أهل اللغة قد وضعوه له أو استعملوه فيه استعمالًا عُرفيًا أو شرعيًا، ولا يعني غير ذلك مطلقًا إلّا إذا كانت هناك قرينة أو بيان...
المنطوق
دلالة الخطاب على الحكم إن كانت من اللفظ فهي دلالة المنطوق، وإن كانت من المعنى الذي دل عليه اللفظ قطعًا في محل النطق، أي ما فهم من اللفظ مباشرة من غير واسطة ولا احتمال فهي دلالة الاقتضاء، لأنها لم تفهم صراحة وقطعًا بل اقتضاءً، ولم تفهم مباشرة من اللفظ وإنما يقتضيها ما فهم من اللفظ.
وقوله عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب» نفي لوجود الصلاة مع أنها قد وجدت بالفعل فيكون المراد نفي الصحة. فدلالة الحديث على عدم صحة الصلاة ليس من دلالة المنطوق لأنها لم تفهم من اللفظ مباشرة وإنما اقتضاها المعنى الذي فُهم من اللفظ.
ولذلك لا يقال ما فُهم من اللفظ في محل النطق ويكتفى بذلك، بل لا بدّ أن يُذكر ما يدل على أن اللفظ قد دل عليه دلالة قطعية وذلك بزيادة كلمة «قطعًا» حتى تخرج دلالة الاقتضاء. وعليه فإن المنطوق هو ما دل عليه اللفظ قطعًا في محل النطق كوجوب صوم رمضان المفهوم من قوله تعالى: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} (سورة البقرة: الآية 185).
وذلك أن يدل اللفظ بمنطوقه على المعنى، وهو المسمى بالدلالة اللفظية. فما دل عليه اللفظ مطابقة أو تضمنًا هو المنطوق لا الذي يفهم من سياق الكلام.
وذلك لأن اللفظ ينقسم باعتبار الدال وحده إلى ثلاثة أقسام هي: المطابقة، والتضمن، والالتزام.
فدلالة اللفظ على تمام معناه مطابقة وهي من المنطوق، ودلالة اللفظ على جزء المسمى تضمُّن، وهي كذلك من المنطوق. وإذا دل الخطاب على الحكم بمنطوقه فإنه يحمل أولًا على الحقيقة الشرعية كقوله صلى الله عليه وآله وسلم:
«ليس من البر الصيام في السفر» فيحمل على الصيام الشرعي لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعث لبيان الشرعيات، فإن لم يكن اللفظ حقيقة شرعية، أو كان ولم يمكن أن يحمل عليها، حمُل على الحقيقة العرفية الموجودة في عهده صلى الله عليه وآله وسلم، لأنه المتبادر إلى الفهم، ولاعتبار الشرع العرف في كثير من الأحكام كالإيمان. فإن تعذر حمله على الحقيقة الشرعية وعلى الحقيقة العرفية الموجودة في عهد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حُمل على الحقيقة اللُّغَوِية.
فالنصوص الشرعية ألفاظ تشريعية جاءت لبيان الشريعة الإسلامية، فيكون الأصل في دلالتها هو المعنى الشرعي ثم المعنى العرفي ثم المعنى اللُّغوي.
وهذا إذ أكثر استعمال الشرعي والعرفي بحيث صار يسبق أحدهما دون اللغوي، فإن لم يكن كذلك كان مشتركًا لا يترجح إلّا بقرينة.
فإن تعذرت الحقائق الثلاث حمل على المجازي صونًا للكلام عن الإهمال.
المفهوم
المفهوم هو ما فهم من اللفظ في غير محل النطق، أي هو ما دل عليه مدلول اللفظ، يعني المعنى الذي دل عليه معنى اللفظ، فالمنطوق ما فهم من دلالة اللفظ. أما المفهوم فهو ما فُهم من مدلول اللفظ كقوله تعالى: {فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ} (سورة الإسراء: الآية 23) فإن دلالة اللفظ هي لا تتأفف لهما وهذا هو المنطوق، ولكن مدلول اللفظ «وهو النهي عن التأفف» فيُفهم منه لا تُظهر اشمئزازًا من كلامهما فيكون مفهوم قوله تعالى: {فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ}: لا تتجَّهم في ردِّك عليهما ولا تخاصمهما بعنف. فتحريم هذا السلوك مع الوالدين هو المفهوم من قوله تعالى: {فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ} قد دل عليه مفهوم الآية. فالخطاب فيه قد دل على الحكم بالمفهوم وهو المسمى بالدلالة المعنوية والدلالة الالتزامية. وذلك لأن اللفظ ينقسم باعتبار الدال وحده إلى ثلاثة أقسام:
المطابقة، والتضمن، والالتزام. فالمطابقة هي دلالة اللفظ على تمام معناه. والتضمن دلالة اللفظ على جزء المسمى. وكلاهما دلالة من اللفظ قطعًا من غير احتمال، أي دلالة من اللفظ مباشرة ولذلك كانا من المنطوق. أما دلالة الالتزام فهي دلالة اللفظ على لازم معناه، فهي بحقيقتها مدلولُ المعنى وليس مدلولَ اللفظ. وقد دل عليها اللفظ بشكل غير مباشر، أي من دلالته على المعنى لا من لفظه، يعني أن المعنى فُهم من اللفظ لا في محل النطق، أي أنه فُهم من معنى اللفظ. وعليه فالمفهوم هو دلالة الالتزام. وحيث إن دلالات اللفظ باعتبار الدال وحده محصورة في هذه الدلالات الثلاث، وحيث إن دلالة المطابقة ودلالة التضمن هما من المنطوق، فلم تبق إلّا دلالة واحدة هي دلالة الالتزام وهي من المفهوم، فتكون كل دلالة من الدلالات إذا لم تكن من المنطوق فهي من المفهوم. وتكون دلالة اللفظ محصورة بالمنطوق والمفهوم، وإذا لم تكن من المنطوق فهي من المفهوم ولا يوجد غير ذلك. وعلى هذا تكون دلالة الاقتضاء ودلالة التنبيه والإيماء ودلالة الإشارة من المفهوم، وكذلك يكون مفهوم الموافقة ومفهوم المخالفة من المفهوم.
على أن الدلالة الالتزامية هي المفهوم وهي المسماة بالدلالة المعنوية.
وبالنظر في الدلالة الالتزامية يتبيَّن أن اللازم قد يكون مما يقتضيه العقل، أو مما يقتضيه الشرع لضرورة صدق المتكلم أو لصحة وقوع الملفوظ به وذلك دلالة الاقتضاء، وقد يكون لازمًا من مدلول اللفظ وضعًا، لا أن يكون اللفظ دالًا بوضعه عليه، وذلك دلالة التنبيه والإيماء، وقد يكون لازمًا لكلام سيق لبيان حكم، أو دل على حكم ولم يكن ذلك اللازم مقصودًا، بل المقصود إنما هو الحكم. ولكن الكلام يعطي ذلك المعنى ولو لم يكن مقصودًا من القول، وذلك هو الإشارة، وقد يكون مستفادًا من تركيب الجملة لازمًا لتركيب الكلام، وذلك هو المفهوم، فإن كان موافقًا للمنطوق في الإيجاب والسلب فهو مفهوم الموافقة، ويسمى فحوى الخطاب، أي معناه. كما أنه يسمى تنبيه الخطاب، وإن كان مخالفًا للمنطوق فهو مفهوم المخالفة ويسمى دليل الخطاب كما يسمى لحن الخطاب.


دلالة الاقتضاء
دلالة الاقتضاء هي التي يكون اللازم فيها مستفادًا من معاني الألفاظ، وذلك بأن يكون شرطًا للمعنى المدلول عليه بالمطابقة. واللازم قد يكون العقل يقتضيه، وقد يكون الشرع يقتضيه، إما لضرورة هدف المتكلم، وإما لصحة وقوع الملفوظ به. مثال ذلك قوله تعالى: {قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم} (سورة التوبة: الآية 123) فإن قوله: {قَاتِلُواْ} يستلزم الأمر بتحصيل أدوات القتال من سلاح وعتاد وتدريب إلخ. فهذا مما يقتضيه العقل وهو شرطٌ لصحة وقوع الملفوظ به وهو{قَاتِلُواْ}. ومثل قولك لآخر: «أَعْتِق عبدَك... عنّي بألف درهم». فالمفهوم اللازم من مدلول أعتق، هو تمليكه العبد بالبيع، وذلك المفهوم مما يتوقف عليه تحقق هذا المدلول شرعًا، إذ لا عتق في ما لا يُملك فكأنه قيل له: بِعْني هذا العبد، ثم كن وكيلي في إعتاقه وأَدفعُ لك ألف درهم. فهذا مما يقتضيه الشرع وهو شرط لصحة وقوع الملفوظ به وهو «أعتق». ومثل قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «رُفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استُكرهوا عليه» أي رُفع حكم الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه. إذ لا يصدق أنه رَفع نفس هذه الأشياء للقطع بتحققها فهذا مما يقتضيه الشرع لضرورة صدق المتكلم. ومثله قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «لا صيام لمن لم يبيِّت الصيام من الليل» وقوله: «لا عمل إلّا بنيَّة» «لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب» .
فإن رفع الصوم والعمل والصلاة مع تحققه ممتنع، فلا بدّ أن يكون المنفي حكمًا يمكن نفيُه كنفيِ صحة الصلاة والصيام فيما ذكر، ونفي الفائدة في حديث النيَّة. ومثله أيضًا قوله تعالى: {وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً} (سورة النساء: الآية 141) فإنّ وجود سبيل للكافرين على المؤمنين قد كان موجودًا في أيام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، في مكة إذ كان فيها مسلمون تحت حكم الكفار، ووجد ذلك بعد أيام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في بلاد الأندلس حيث كان فيها المسلمون تحت حكم الكفار، وهو كذلك موجود اليوم، فنفي أن يكون للكافرين على المؤمنين سبيل بلفظ «لن» المفيدة للتأبيد ممتنعٌ لتحقق وقوعه كما يتراءى لأول وهلة من حيث اللفظ، فلا بدّ أن يكون نفيًا لحكم يمكن نفيه وهو نفي الجواز، أي يحرم أن يكون للكافرين على المؤمنين سبيل، ولن يكون لهم في يومٍ من الأيام سلطانٌ وغلبةٌ يرضاها الله. فهذا مما يقتضيه الشرع لضرورة صدق الآية الشريفة.
دلالة التنبيه والإيماء
دلالة التنبيه والإيماء، إنما تقع في ما يدل على العلِّية، وهي أن يكون التعليل لازمًا من مدلول اللفظ وضعًا، لا أن يكون اللفظ دالًا بوضعه على التعليل، يعني أن اللفظ لا يدل بوضعه على التعليل، إذ لو دل لما كان من دلالة التنبيه والإيماء. بل إن مدلول اللفظ وضعًا يلزم منه بحسب وضع اللغة معنى آخر غير ما دل عليه اللفظ. فالدلالة على المعنى الآخر اللازم لمدلول اللفظ حسب وضع اللغة هي الدلالة بالتنبيه والإيماء. مثال ذلك قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا} (سورة المائدة: الآية 38) فإنه يدل على أن السرقة سبب القطع، وهذه الدلالة لازمة وضعًا لمعنى الفاء. فإن ما رتب عليه الحكم بالفاء يكون سببًا للحكم، لكون الفاء في اللغة ظاهرة في التعقيب، ويلزم من ذلك السببية، لأنه لا معنى لكون الوصف سببًا إلّا ما ثبت عليه الحكم عقيبه. فيلزم من المعنى الذي وُضعت له الفاء معنى آخر هو كون ما قبلها سببًا لما بعدها، وهذا اللزوم حسب وضع اللغة لا حسب العقل ولا حسب الشرع. ومثال ذلك أيضًا قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «لا يقضي القاضي وهو غضبان» فإنه يدل على أن الغضب علة للنهي عن القضاء، لكون الغضب وصفًا مناسبًا وقد ذكر مع الحكم فيلزم من كونه وصفًا مناسبًا وهو ما وُضع له في اللغة أن يكون علة إذا ذُكر مع الحكم. وهذا اللزوم حسب وضع اللغة، إذ لو لم يكن وصفًا بأن كان جامدًا أو كان وصفًا «ولكنه غير مناسب» لا يلزم منه حسب وضع اللغة أن يكون علة إذا اقترن بالحكم. فإذن: إن كونه وصفًا مناسبًا حسب وضع اللغة جعل له معنى لازمًا حسب وضع اللغة، وهو أن يكون علة إذا اقترن بالحكم. ومثله قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «القاتل لا يرث» وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «الكافر لا يرث» فإنهما وصف مناسب اقترن بحكم فدل على أنه علة، إذ يلزم من كونه وصفًا مناسبًا أن يكون علة إذا اقترن بحكم وهذا اللزوم حسب وضع اللغة.
دلالة الإشارة
دلالة الإشارة هي أن يكون الكلام قد سيق لبيان حكم أو دلَّ على حكم، ولكنه يُفهم منه حكم آخر غير الحكم الذي سيق لبيانه أو جاء ليدل عليه، مع أن هذا الحكم الآخر لم يكن مقصودًا من الكلام. فدلالة الكلام على هذا الحكم الذي لم يُسَقْ له ولم يدل عليه ولكن يُفهم منه هي دلالة الإشارة. ومثال ذلك دلالة مجموع قوله تعالى: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْراً} (سورة الأحقاف: الآية 15) وقوله تعالى: {وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ} (سورة لقمان: الآية 14) على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، وإن لم يكن ذلك مقصودًا من اللفظ. وهكذا كل كلام يُفهم منه حكم، ولم يكن الكلام مسوقًا له، ولا للدلالة عليه تكون دلالة الكلام على هذا الحكم ليست من المنطوق، وإن فهم من منطوق اللفظ وإنما هو من دلالة الالتزام، لأنه وإن فُهم من الكلام، ولكن الكلام لم يسق له ولم يأتِ للدلالة عليه فكان لازمًا للمعنى الذي سيق له أو جاء لبيانه ولهذا كان من دلالة الالتزام ويسمى دلالة الإشارة.
مفهوم الموافقة
مفهوم الموافقة هو ما يكون مدلول اللفظ في محل السكوت موافقًا لمدلوله في محل النطق. يعني أن ما فُهم من مدلول اللفظ من معانٍ وأحكام، يكون موافقًا لما فُهم من اللفظ نفسه. فالمعنى اللازم لمدلول اللفظ إذا كان موافقًا لذلك المدلول، فهو مفهوم الموافقة، ويسمى فحوى الخطاب ولحن الخطاب والمراد به معنى الخطاب. ومثاله قوله تعالى: {فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ} (سورة الإسراء: الآية 23) فإنه يدل على تحريم التأفف والتكشير في وجه الوالدين، ومخاصمتهما، فإن تحريم التأفف إنما كان لما فيه من أذى. فيلزم من تحريم التأفيف تحريم ما هو أشد منه أذى كالشتم والضرب. فتحريم الضرب إذًا قد استفدناه من التركيب، لأن مجرد التأفف لا يدل على تحريم الضرب. والمعنى اللازم هنا إنما استُفيد من تركيب الجملة، فتركيب الجملة أفاد أن حرمة التأفف إنما كانت لما فيه من أذى فلزم من ذلك أن يحرم الأذى الأشد وهو الشتم والضرب.
وهنا يكون الحكم المفهوم من اللفظ في محل السكوت موافقًا للحكم في محل النطق، فكان من مفهوم الموافقة. ومثل قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً} فإنه يدل على تحريم إتلاف أموالهم. لأن تحريم أكلها إنما كان لأنه إذهابٌ لمالهم عن ملكيتهم وإعدامٌ لها. فيلزم تحريم كل ما كان فيه إذهابٌ لمال اليتيم سواء اكان أشد من الأكل أم مساويًا له، فتحريم إتلاف مال اليتيم استفدناه من التركيب، لأن مجرد أكل مال اليتيم لا يدل على التحريم ولكن تركيب الجملة هنا وكون التحريم سُلِّط على أكلها ظلمًا لا أكلها فقط يستفاد من هذا التركيب المعنى اللازم وهو تحريم إتلاف مال اليتيم.
ومثل قوله تعالى: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ يَرَهُ (7) وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ} (سورة الزلزلة: الآية 7 ــــــ 8) فإنه يدل على أن من عمل خيرًا أكثر من مثقال ذرة ومن عمل شرًّا أكثر من مثقال ذرة فإنه من باب أولى يراه. ودلالته هنا وإن كانت قد فُهمت مما زاد على الذرة ولكنها جاءت من تركيب الجملة. فقد تكون الدلالة مما زاد، وقد تكون مما نقص، وقد تكون مما هو مساوٍ له.
فالدلالة على المعنى اللازم لم تأت من الزيادة ولا من النقص، ولا من المساواة، وإنما من تركيب الجملة. ومثل ذلك قوله تعالى: {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} (سورة آل عمران: الآية 75). في موضوع تأدية ما دون القنطار، وعدم تأدية ما فوق الدينار. ومثل قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «وإذا أخذ أحدُكم عصا أخيه فليردّها عليه». فإنه يدل على أن من أخذ ما زاد على العصا فعليه ردُّه، وكذلك ما كان مساويًا للعصا فعليه ردُّه، وكذلك ما كان أقل من العصا فعليه ردُّه. فالمعنى اللازم وهو مفهوم الموافقة قد استفيد من التركيب لا من الزيادة ولا من النقصان.
ومثل قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «من اقتطع شبرًا من الأرض بغير حقه طوَّقه الله يوم القيامة من سبع أرضين» فإنه يدل على تحريم اقتطاع ما دون الشبر. وذكر الشبر إشارة إلى استواء القليل والكثير في الوعيد. ومثله قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «من أخذ من طريق المسلمين شبرًا جاء يوم القيامة يحمله من سبع أرضين» فإنه يدل على تحريم أخذ أكثر من شبر من باب أولى، وكذلك أخذُ أقل من شبر. والدلالة هنا ليست من الزيادة ولا من النقصان بل من تركيب الجملة.
وثانيهما: أن مفهوم الموافقة لم يؤخذ من الزيادة ولا من النقصان وإنما أُخذ من تركيب الجملة، فلا دخل للأدنى على الأعلى ولا للأعلى على الأدنى في أصل فهم المعنى في مفهوم الموافقة، وإنما الأصل فيه أن يكون مستفادًا من التركيب بأن لا يكون شرطًا للمعنى المطابقي بل تابعًا له. والتنبيه بالأدنى على الأعلى وبالأعلى على الأدنى كلٌّ منهما مثالٌ من أمثلته لا أصلٌ للدلالة فيه. ولهذا فإن اشتراط الأولوية في مفهوم الموافقة لا معنى له، لأنه يجعله محصورًا في التنبيه بالأدنى على الأعلى وبالأعلى على الأدنى، مع أنه وارد في غيرهما. ويجعل الأصل في دلالته هو الأولوية مع أن الأصل فيه أن يكون مستفادًا من التركيب لا من الأولوية. على أن مفهوم الموافقة هو من الدلالة الالتزامية، والدلالة الالتزامية ليست هي دلالة الأدنى على الأعلى ولا الأعلى على الأدنى، وإنما هي دلالة اللفظ على لازمه، ومفهوم الموافقة هو دلالة اللفظ على لازمه، واللازم فيها مستفاد من التركيب، ولذلك لا تشترط فيه الأولوية، ولا هو آتٍ من قبيل التنبيه بالأدنى على الأعلى وبالأعلى على الأدنى، حتى يقال: لا تخرج الدلالة عنهما بل يشترط فيه أن يكون المعنى لازمًا للمعنى المدلول عليه وتابعًا له، وهو مستفاد من التركيب ليس غير.
ودلالة المفهوم هي ما فهم من اللفظ في محل السكوت، فما يكون مدلول اللفظ في محل السكوت موافقًا لمدلوله في محل النُّطق، هو مفهوم الموافقة. فهي مفهومة من اللفظ ولكن في محل السكوت لا في محل النطق، أي هي المعنى المسكوت عنه اللازم للمعنى المنطوق به فهي فهم من اللفظ لا قياسًا على مدلول اللفظ، ولهذا فهي من الدلالة اللفظية وليست هي من الدلالة القياسية، فيكون مستند الحكم في محل السكوت هو فحوى الدلالة اللفظية لا الدلالة القياسية. والدليل على ذلك أمران:
أحدهما: أن مفهوم الموافقة من الدلالة الالتزامية. والمعتبر باللزوم في الدلالة الالتزامية هو اللزوم الذهني وهو الذي ينتقل الذهن إليه عند سماع اللفظ كدلالة الأسد على الشجاعة. فتكون دلالة لفظية، لأن الذهن انتقل إليها بمجرد سماع اللفظ، والذي دل عليها إنما هو اللفظ فإذا قال الرجل للأجير الذي يعمل عنده: لا تعط زيدًا ليرة، ولا تقل له أفٍّ، ولا تظلمه ذرة، ولا تعبس في وجهه، فإنه يتبادر إلى الذهن عند سماع هذه الجمل امتناع إعطاء ما فوق الليرة، وامتناع الشتم والضرب، وامتناع الظلم بالذرة وما فوق، وامتناع أذيته بالتعبيس ومن هجر الكلام وغيره. ولذلك كان المفهوم من قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «أدُّوا الخيط والمخيط» أداء الرحال والنقود وغيرهما.
فيكون مستند الحكم في محل السكوت هو فحوى الدلالة اللفظية وليس القياس.
وثانيهما: أن العرب إنما وضعت هذه الألفاظ للمبالغة في التأكيد للحكم في محل السكوت، ولهذا فإنهم إذا قصدوا المبالغة في كون أحد الفَرسين سابقًا للآخر، قالوا: «هذا الفرس لا يلحق غبار هذا الفرس» وكان ذلك عندهم أبلغ من قولهم: «هذا الفرس سابق لهذا الفرس» فيكون المفهوم من وضع العرب، وهذا يعني أنه من الدلالة اللفظية وضعًا، فلا يكون من الدلالة القياسية.
على أنه لا توجد دلالة قياسية وإنما يوجد قياس، وهو إلحاق فرع بأصل، وهنا في المفهوم لا يوجد فرع وأصل، وإنما يوجد معنى دل عليه اللفظ ولازم للمعنى الذي دل عليه اللفظ ولهذا لا محل لوجود القياس.


مفهوم المخالفة
مفهوم المخالفة هو ما يكون مدلول اللفظ في محل السكوت مخالفًا لمدلوله في محل النطق. يعني أن ما فُهم من مدلول اللفظ من معان وأحكام، يكون مخالفًا لما فهم من اللفظ نفسه. فالمعنى اللازم لمدلول اللفظ إذا كان مخالفًا لذلك المدلول فهو مفهوم المخالفة.
ويسمى دليل الخطاب ولحن الخطاب وذلك كمفهوم الصفة، ومفهوم الشرط، ومفهوم الغاية، ومفهوم العدد.
مفهوم الصفة
مفهوم الصفة هو تعليق الحكم بصفة من صفات الذات، فإنه يدل على نفي الحكم عن الذات عند انتفاء تلك الصفة. وشرطُه أن تكون تلك الصفة وصفًا مفهمًا، أي مما يفيد العلِّية، فإن لم تكن وصفًا مفهمًا فلا مفهوم لها، فشرط مفهوم الصفة أن يكون وصفًا مفهمًا، كقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «في الغنَم السائمة زكاة» فإن الغنمَ اسم ذات ولها صفتان: السوم والعلف، وقد علق الوجوب على صفة السوم فيدل ذلك على عدم الوجوب في المعلوفة، فلفظ السائمة وصف مفهم ولذلك كان لها مفهوم. أما إذا كان الوصف غير مفهم كقولنا: الأبيض يشبع إذا أكل، فإنه وصف غير مفهم، إذ الأسود أيضًا يشبع إذا أكل.
ولهذا فإن قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «وليس لمحتجرٍ حق بعد ثلاث» ليس من المفهوم لأنه وإن كان وصفًا ولكنه ليس مفهمًا فلا مفهوم له. ولذلك قالوا: يشترط في الوصف حتى يكون له مفهوم أن يكون وصفًا مناسبًا أي مفهمًا. فإن كانت الصفة لا مناسبة فيها، فإنه لا يكون لها مفهوم. والدليل على أن مفهوم الصفة حجة هو أن ترتيب الحكم على الوصف يشعر بالعلِّية أي يكون الوصف علة لذلك الحكم فيكون السوم مثلًا علة للوجوب وحينئذ ينتفي الحكم بانتفاء تلك الصفة، لأن المعلول يزول بزوال علته، ويصدق عليه الالتزام. فإن ذكر وجوب الزكاة في السائمة، فالسؤال عن المعلوفة ما حكمها فهي في حكم المسكوت عنها، فيكون إثبات وجوب الزكاة في السائمة والسكوت عن المعلوفة مفيدًا عدم وجوبه في المعلوفة فهو داخل في دلالة الالتزام، ولذلك كان حجة.
مفهوم الشرط
مفهوم الشرط هو تعليق الحكم على الشيء بكلمة (إن) أو غيرها من الشروط اللغوية، فإنه يدل على نفي الحكم عند عدم تحقق الشرط كقوله صلى الله عليه وآله وسلم في حديث سليمان بن بردة عن أبيه: «ثم ادعُهم إلى التحوّل من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين». فإنه يدل على أنهم إن لم يتحولوا فليس لهم ما للمهاجرين وليس عليهم ما على المهاجرين، فعلق الحكم بالشرط، وكقوله تعالى: {وَإِن كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ} (سورة الطلاق: الآية 6) فإنه يدل على عدم وجوب الإنفاق بعدم الحمل، فعُلِّق الحكم بالشرط.
والدليل على أن مفهوم المخالفة في الحكم المعلَّق به، معمولٌ به أمران:
أحدهما: أنه لا خلاف في ثبوت المشروط عند ثبوت الشرط، ولا خلاف في دلالة (إن) عليه أي على الثبوت، ولا خلاف في عدم المشروط عند عدم الشرط. وهذا وحده كافٍ في الدلالة على العمل بمفهوم الشرط. فإن ثبوت المشروط يلزم عند ثبوت الشرط ودلالة (إن) عليه كافية في الدلالة على أن الحكم معلق بوجود الشرط لأن معناه أنه إذا لم يثبت الشرط لا يثبت المشروط، فكيف إذا أُضيف إليه أيضًا بأن عدم المشروط كذلك محققٌ عند عدم الشرط، فإن ذلك يؤكد هذا المعنى صراحة.
وقد تدل (إن) على العدم في موارد خاصة لأن الصحيح أنها تدل على الشرط. والدليل على ذلك أن النُّحاة قد نَصُّوا على أنها للشرط، ويلزم من انتفاء الشرط انتفاء المشروط.
ولا يقال: إن تسمية (إن) حرف شرط إنما هو اصطلاح للنُّحاة كاصطلاحهم على الرفع والنصب وغيرهما، وليس ذلك مدلولًا لغويًا. لا يقال ذلك لأن الرفع والنصب اصطلاحان للنُّحاة نقلوا فيهما كلمة الرفع والنصب لغير معناهما اللغوي فكانت اصطلاحًا.
وهذا بخلاف تسمية (إن) حرف شرط فإنه لم يكن بنقل الكلمة لغير معناها اللغوي، وإنما هو تسمية الكلمة بما استعملها العرب له. فالعرب استعملوا (إن) للشرط فسميت حرف شرط، فهي مستعملة فيما استعملها العرب وليست منقولة. وإنا نستدل باستعمالها الآن للشرط على أنها في اللغة كذلك. إذ لو لم تكن كذلك لكانت منقولة عن مدلولها والأصل عدم النقل. وعليه فإن ثبوت المشروط عند ثبوت الشرط ودلالة (إن) عليه، وعدم المشروط عند عدم الشرط ودلالة (إن) عليه يُثبت أن مفهوم الشرط معمول به. فإذا كان شرطًا في الثبوت كان العدم معمولًا به، وإن كان شرطًا في العدم كان الثبوت معمولًا به، فيكون مفهوم المخالفة في الحكم المعلق به معمولًا به.
إذ إنّ ما دخلت عليه (إن) شرط في الحكم، وإذا كان شرطًا لزم من عدمه عدم الشرط كما يلزم من وجوده وجود الشرط.
وثانيهما: هو أن الصحابة قد فهموا أن ما دخلت عليه (إن) شرط في الحكم، وأنه إذا كان شرطًا لزم من عدمه عدم المشروط. فمن ذلك ما رُوي أن يَعلى بن أمية قال لعمر: ما بالنا نقصر وقد أَمِنَّا، وقد قال الله تعالى: {فليس وَإِن كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ} (سورة النساء: الآية 101) ووجه الاحتجاج به أنه فهم من تخصيص القصر بحالة الخوف، عدَم القصر عند عدم الخوف ولم ينكر عليه عمر رضي الله عنه بل أقره على ذلك وقال له: لقد عجبت مما عجبت منه فسألت النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك فقال: «صَدقةٌ تصدَّق الله بها عليكم فاقبلوا الصَّدقة» .
ويعلى بن أمية وعمر من فصحاء العرب وقد فهما ذلك وأقرهما النبي صلى الله عليه وآله وسلم على ما فهما. فهو دليل ظاهر على العدم عند العدم.
ومن ذلك ما فهمه الصحابة من أن الحول شرط لوجوب الزكاة وحكموا بانتفاء وجوب الزكاة عند عدم الحول، ولولا أن ذلك مقتضى الشرط لما كان كذلك.
وبناءً على ما تقدَّمَ، يتبيّن أن مفهوم الشرط معمول به.
مفهوم الغاية
مفهوم الغاية هو تعليق الحكم بغاية، فإذا قُيِّد الحكم بغاية فإنه يدل على نفي الحكم فيما بعد الغاية كقوله تعالى: {ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ} (سورة البقرة: الآية 187) فقد قيَّد الصيامَ بغاية هي الليل، فهو يدل على عدم الصيام بعد أن يدخل الليل.
والدليل على أن مفهوم الغاية معمول به، هو أن الأحكام التي وردت مُغيَّاة بحتى، وإلى، كانت ثابتة لما قبل الغاية منفيَّة عما بعدها. فقوله تعالى:
{ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} معناه بعد دخول الليل لا صيام، بدليل قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: «عجّلوا الفطور» وبدليل النهي عن الوصال في الصوم. وقوله تعالى: {فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} (سورة المائدة: الآية 6) معناه ما بعد المرافق لا يجب غسله. وقوله تعالى: {فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ} (سورة البقرة: الآية 230). معناه إذا نكحت زوجًا غيره حلَّت له، وقوله تعالى: {حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ} (سورة التوبة: الآية 29) معناه إذا أعطوا الجزيةَ فلا يجوز أن يقاتلوا. وهكذا جميع النصوص التي وردت مغيَّة بحتَّى وإلى جاء الحكم ما بعد الغاية مخالفًا لما قبلها، وهذا يدل على أن مفهوم المخالفة بالغاية معمول به. ويؤكد ذلك أن تقييد الحكم بالغاية لو لم يكن له مفهوم المخالفة لما كان تقييده بها نافيًا للحكم عما بعدها، ولم تكن لذكرها فائدة. وهذا خلاف الواقع وخلاف ما عليه القرآن. إذ الواقع أن الحكم منفيٌّ فكان نفيُه ناتجًا عن مفهوم المخالفة للغاية، وما عليه القرآن أن كل حرف أو كلمة تُذكر فيه، إنما تُذكر لفائدة وليس فيه شيء زئد مطلقًا، وعدم العمل بمفهوم المخالفة جعل ذكر الغاية عبثًا وهو لا يجوز، لذلك كان مفهوم الغاية معمولًا به.
مفهوم العدد
مفهوم العدد هو تعليق الحكم بعدد، فإن تقييد الحكم بعدد مخصوص يدل على أن ما عدا ذلك العدد بخلافه. كقوله تعالى:
{الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ} (سورة النور، الآية 2). فقد قيَّد الجلد بعددٍ معيَّنٍ هو مئة، فهو يدل على تحريم ما زاد على المئة.
وأيضًا فإن النصوص التي ذكر فيها العدد كان حكم ما خالف العدد غير حكم العدد، فمن ذلك قوله تعالى: {فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ} (سورة النور: الآية 2) {فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} (سورة النور: الآية 4) فإنَّ جَلْدَ الزاني أقل من مئة لا يجوز وأكثر من مئة لا يجوز، وجَلْد القاذف أقل من ثمانين لا يجوز وأكثر من ثمانين لا يجوز.
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «إذا بلغ الماءُ قُلَّتَين لا يحملُ خَبَثًا» مفهومه أنه إذا لم يبلغ قُلَّتَين يحمل خبثًا، وهكذا جميع النصوص.
إلّا أنه ينبغي أن يُعلم هنا أن مفهوم المخالفة في العدد إنما يعمل به في حالة واحدة، وهي ما إذا قُيِّدَ الحكم بعدد مخصوص وكان يدل على ثبوت ذلك الحكم في العدد ونفيه عمن سواه، أو يدل على نفيه في العدد وثبوته فيما سواه من سياق الكلام، كما هي الحال في فحوى الخطاب. أي إذا عُرف من سياق الكلام أن الحكم مقيَّد بالعدد المخصوص الذي جرى تقييد الحكم به، يعني أنه كان مما تنطبق عليه دلالة الالتزام، بأن كان ذلك المعنى ينتقل الذهن إليه عند سماع الكلام، أي كان من اللازم الذهني، فإن لم يكن كذلك، أي لم يكن من اللازم الذهني فلا يعتبر، لأن مفهوم العدد من دلالة الالتزام، والمعتبر باللزوم هو اللزوم الذهني. فكل حكم قيد بعدد مخصوص وكانت دلالته على ثبوت ذلك الحكم في العدد ونفيه عمن سواه، أو دلالته على نفيه في العدد وثبوته عمن سواه مأخوذة من سياق الكلام بأن كان الذهن ينتقل إليها عند سماع اللفظ فإن مفهوم العدد في هذه الحالة معمول به، وذلك مثل قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إذا كنتم ثلاثة في سفر فأمِّروا أحدَكم» فإن الحكم هنا «وهو التأمير» قد قُيِّد بعدد وهو الواحد، وسياق الكلام يدل على أن المراد تأمير واحد لا تأمير اثنين، فكان مفهومه أنه لا تجوز إمارة أكثر من واحد، فسياق الكلام قد دل على أن الحكم مقيَّدٌ بهذا العدد فكان مفهوم المخالفة معمولًا به، ولذلك قال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في شأن إمارة المؤمنين أي الخلافة: «إذا بويع لإمامين فاقتلوا الآخر منهما» أما إذا كان سياق الكلام لا يدل عليه كما إذا قال أحد لشخص له دين عليه: (أعطني الليرتَين اللتَين لي عليك) فإنه لا يكون له مفهوم مخالفة، إذ لم يرد بليرتين تقييد الحكم بالعدد وإنما هو إطلاق لمطلق العدد، وقد يكون الدَّين الذي له مئات الليرات، وهذا يعني أن مفهوم المخالفة في العدد إنما يكون معمولًا به إذا استكمل شرطَين: أحدهما تقييد الحكم بالعدد، والثاني أن يدل سياق الكلام على نفي الحكم عن غير العدد.



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB