الثقافة والثقافة الإسلامية
الطبعة : الطبعة الرابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   711
تاريخ النشر :   1993




بعض الأحكام الشرعية

البَيْع
البيع: لغةً، مطلقُ المبادَلَةِ، وهو ضدّ الشراء، ويُطلَقُ البيعُ على الشراءِ، كما يُطلَقُ الشراءُ على البيعِ. فيقالُ: باعهُ منهُ بمعنى اشتراهُ، شرَوه: بمعنى باعوه، وذلكَ يُوضّحُ أنّ كلًّا منهما يُطلقُ على الآخرِ، والقرينةُ تعيِّنُ المرادَ.
والبيعُ شرعًا مبادلةُ مالٍ تمليكًا وتملكًا على سبيلِ التراضي، والبيعُ جائزٌ بالكتابِ والسنّةِ، قالَ تعالى: {وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ} (سورة البقرة: الآية 275) وقال: {وَأَشْهِدُوْاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ} (سورة البقرة: الآية 282). وقال: {إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ} (سورة النساء: الآية 29)، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «البَيعانِ بالخيارِ ما لمْ يتفرّقا» . وقالَ: «التاجرُ الصدوقُ الأمينُ معَ النبيين والصدِّيقينَ والشّهداء» ويُشْتَرَطُ في البيعِ الإيجابُ والقبولُ بلفظٍ يدلّ على كلِّ واحدٍ منهما، أو ما يقومُ مقامَ اللّفظِ كإشارة الأخرسِ، أمّا الكتابةُ فتُعتبرُ منَ اللّفظِ.

حكم الخِيارِ في ردِّ المبيع
لقد طَغَتِ النفعيّةُ الرأسماليةُ على النفوسِ، وصارَ لها أثرٌ بارزٌ في معاملاتِ المسلمينَ. وهيَ ملموسةٌ في معاملاتِ البيعِ في التجارةِ الداخليّةِ والخارجيّةِ. أمّا التجارةُ الداخليةُ فإنها واضحةٌ في تجارةِ الخضارِ كوضوحها في تجارةِ القُماشِ، وبارزةٌ لدى البقّالينَ وأصحابِ الحَرَفِ والصناعاتِ. فكثيرًا ما يضعُ الفلّاحُ، أو تاجرُ الخضرةِ على وجهِ الصندوقِ الجِنْسَ الجيّدَ منَ الفاكهةِ، كما يَضَعُ الخضرَةَ الرديئَةَ أوِ المختَلِطَةَ منَ الجيّد والرديء، محاولًا بذلكَ تَغطيةَ العَيْبِ الموجودِ حتى يبيعَ الخضرة والفاكهةَ بسرعةٍ وبسعرٍ جيّدٍ. فصندوقُ الخُضرةِ أوِ الفاكِهَةِ المُوجّهِ بالجنسِ الجيّدِ تَغَطّى على النّاسِ، بل زُوّرَ في الحقيقةِ من أجلِ زيادةِ الرّبحِ. والنفعيّةُ هيَ الأساسُ وقد يبيعُ التاجرُ ثوبَ قماشٍ دَبّتْ فيهِ العِثّةُ التي لا تَظهرُ ولا يعرفُها إلّا الخبيرُ بالقماشِ.
وقد يبيعُ ثوبَ صوفٍ مخلوطٍ بقطنٍ على وجهٍ لا يظهرُ خَلْطُهُ ويخفى ذلكَ على المشتري، وقد يشتري ثوبَ حريرٍ أصليّ مخلوطٍ بحرير نباتيّ ولكنهُ خفي على المشتري، وقد يبيعُ البقّالُ سمنَ غَنَمٍ مخلوطًا بسمنٍ نباتيّ وهذا الخَلطُ خافٍ على المشتري.
وهكذا تسيرُ التجارةُ الداخليّةُ في المبيعاتِ ببيعِ السلعِ المحتويةِ على عَيبٍ أو عُيُوبٍ إمّا عن تدليسٍ على المشتري، أو عن عَدمِ عِلْمِ البائعِ بالعيبِ، فينتجُ عن ذلك ضررُ المشترينَ وإلزامُهُمْ بالسلَعِ المشتراةِ على ما فيها من عيبٍ. ولمْ يقتصرِ الأمرُ على التجارةِ الداخليّةِ بل تعدّاهُ للتجارةِ الخارجيّةِ، فقد يشتري بضاعةً منَ الخارجِ، ويدفَعُ ثمنَها وتُرسَلُ لهُ، ثمّ يظهرُ لهُ حينَ استلامِها عيبُ أثوابِ الصوفِ التي أَكلَتْها العثّةُ مثلًا، أو دبّتْ فيها. وقد يشترطُ في البضاعةِ أوصافًا معيّنةً أو شروطًا خاصّةً، ثم تأتي البضاعةُ على خلافِ الشروطِ والأوصافِ. وقد يُريهِ البائعُ نماذجَ منَ البضاعةِ ثمّ يجدُ حينَ تسلّمها أنها غيرُها. وفي هذهِ الأحوالِ تَقَعُ المنازعاتُ بينَ البائعِ والمشتري، وقد يُفضي هذا النزاعُ إلى اضطرابٍ في معاملاتِ الناسِ.
وقدْ عالجَ الإسلامُ هذهِ الناحيةَ التجاريةَ بأحكامٍ شرعيّةٍ ترفَعُ المنازعاتِ، وتُسيِّرُ التجارةَ في أقومِ سبيلٍ، فبيّنَ أحكامَ الخيارِ في البيعِ، وجعلَ للبائعِ ردّ الثمنِ، وفسخَ العقدَ في بعضِ الأحيانِ أيضًا، فكانَ خيارُ التدليسِ والعيبِ والغَبْنِ، وخيارُ الوصفِ والرؤيةِ، وخيارُ الشرطِ والمجلسِ. وخيارُ المجلسِ ثابتٌ في الحديثِ. قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «البيعانِ بالخيارِ ما لمْ يتفرّقا». «فإن صدقا وبيّنا بُورِك لهما في بيعهِما، وإنْ كَذَبا وكَتَمَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بيعهما» ، وقالَ: «إذا تَبَايَعَ الرّجُلانِ فكلّ واحد منهما بالخيارِ ما لمْ يتفرّقا» . وخيارُ المجلسِ هذا يختصّ بالبيعِ ويَثْبُتُ بعدَ العقْدِ وقبلَ التفرقِ في كلِّ مبيع، وهو ثابتٌ للبائعِ والمشتري ما داما في المجلسِ. فإن افترقا تمّ العقدُ ووجبَ البَيْعُ وبَطَلَ الخيارُ، وأصبحَ العقْدُ لازمًا، لأنّ الأصلَ في البيعِ اللزومُ، وذلكَ متى تمّ العقدُ بالإيجابِ والقبولِ بينَ البائعِ والمشتري لأنّ مجلِسَ البيعِ عندئذٍ ينتهي. ولكنْ لما كانَ عقْدُ المعامَلَةِ واجبَ الإتمامِ على وجْهٍ يرفَعُ المنازعات بينَ الناسِ، جعلَ الشارعُ للمتبايعين أو لأحدهما الخيارَ في فَسخِ هذا العَقدِ، فقد يكونُ البائعُ غيرَ منتبهٍ فيستَغْفِلُهُ المشتري، ويَبتاعُ مِنْهُ السّلعةَ بأقلّ ممّا تساوي، ولا يَفْطُنُ البائعُ لذلكَ إلّا بعدَ انفضاض مجلسِ البيعِ، وقد يكونُ المشتري غافلًا فيغتنم البائعُ غَفْلَتَهُ ويبيعُهُ السلعةَ بأكثرَ ممّا تساوي، ولا يَفْطنُ إلّا بَعْدَ انفضاضِ مجلسِ البَيْعِ وتفرّقِ المتبايعين، وفي هذه الحالِ تَقَعُ المنازَعَةُ بينَ المتبايعين كذلكَ كانَ من الواجب أنْ يكونَ العقد على وجه يَرفَعُ المنازعةَ، ومن هنا جعلَ الشّارعُ للبائعِ الخيارَ إذا غُبنَ في ثمن السّلعةِ، كما جعلَ للمشتري الخيارَ أيضًا إذا غُبنَ بثمنِ السلعةِ، وجَعَلَ لكلٍّ منهما فَسخَ البَيْعِ في حالةِ الغَبْنِ، فقد رُويَ أنّ رجُلًا ذُكرَ للنبي صلى الله عليه وآله وسلم يخدَعُ في البيوعِ فقالَ: «إذا بايعتَ فَقُلْ لا خلابَة» وعن أَنَسٍ أنّ رجُلًا على عَهدِ رسولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم كانَ يبتاعُ، وكانَ في عقدَتهِ (يعني في عقلهِ) ضَعْفٌ، فأتى أهلهُ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، فقالوا: يا رسولَ الله احجُرْ على فلانٍ فإنّهُ يبتاعُ وفي عُقدتِهِ ضَعْفٌ فدعاهُ ونهاهُ فقالَ: «يا نبيّ الله: إني لا أصبِرُ عنِ البيعِ». فقالَ: «إن كنتَ غيرَ تاركٍ للبيعِ فَقُلْ ها وها ولا خلابة». والخلابَةُ: الخديعةُ والمرادُ أنّهُ إذا ظَهَرَ غَبنٌ جازَ للمغبونِ أن يردَّ الثمنَ إن كانَ بائعًا وأن يردّ المبيعَ إن كان مشتريًا. وعلى ذلكَ فالمغبونُ يثبتُ لهُ الخيارُ إلّا أنّ هذا الخيارَ يثبتُ بشرطينِ أحدهما عَدَمُ العلمِ وقتَ العقدِ، والثاني الزيادةُ أوِ النقصانُ الفاحشُ الذي لا يتغابنُ الناسُ بمثلِهِما وقتَ العَقدِ.
هذا من ناحيةِ الغَبْنِ بالثّمَنِ. أما من ناحيةِ التدليسِ فقد يحصُلُ في البيعِ أن يُدلّسَ البائعُ على المشتري السّلعةَ. ومعنى تدليس البائع السلعةَ هوَ أن يكتمَ العَيبَ عنِ المشتري معَ علمهِ بهِ أو يُغطّي العَيْبَ عنهُ بما يُوهِمُ المشتري عَدَمَهُ، أو يغطّي السلعةَ بما يُظهرُها كلّها جيّدةً، وقد يختلفُ الثمنُ باختلافِ المبيعِ، لأجلِ التدليسِ، وقد يرغبُ المشتري بالسلعة بسبب التدليس، فقد يغطّي البائع صندوقَ البرتقالِ بالجيّدِ منهُ، ويضعُ في قلبِ الصندوقِ برتقالًا رديئًا أو مختلطًا، وقد يقولُ عن بضاعتهِ بأنها ألمانيّةٌ وهي إيطاليّةٌ، إنّ ذلكَ كلّهُ تدليسٌ يجعَلُ الخيارَ للمشتري وعليهِ فإمّا أنْ يَفسَخَ العقدَ أو يمضيهِ وليسَ لهُ غيرُ ذلكَ. وإذا أرادَ المشتري إمساكَ السلعةِ المعيبةِ أو المدلّسةِ وأخذَ الأرشِ، أي الفرق بينَ ثمنِها من غير عيبٍ، وثمنِها بالعيبِ فليسَ لهُ ذلكَ لأنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لمْ يجعلْ لهُ أرشًا، وإنما خيرَهُ في شيئين: «إن شاءَ أمْسَكَهَا وإن شاءَ ردّها»، ولا يُشترطُ أن يكونَ البائعُ عالماً بالتدليسِ أوِ العيبِ حتى يَثبُتَ الخيارُ في العيبِ كما يَثبُتُ في التدليسِ سواءٌ بسواء.
والعيبُ هو الخروجُ عنِ المجرى الطبيعيّ لزيادةٍ أو نقْصٍ مُوجِبٍ لنقصِ الماليّةِ، لأنّ المبيعَ إنما صارَ محلًا للعقدِ باعتبارِ صفةِ الماليةِ، فما يُوجِبُ نَقصًا فيها يكونُ عيبًا.
وأمّا خيارُ الشرطِ فإنّهُ ثابتٌ بقولهِ صلى الله عليه وآله وسلم: «المسلمونَ عند شروطهم» والمراد أن يشترط المشتري في المبيعِ صفةَ مقصودةً، مما لا يُعَدّ فَقدُهُ عَيبًا، فإنّهُ يصحّ اشتراطُهُ، ويصيرُ الشرطُ مُستحقًا ويَثبتُ لهُ خيارُ الفَسخِ عندَ عَدَمِ وجودِ الشرطِ سواءٌ كانَ ما شُرِطَ أقلّ ممّا وجَدَهُ أو أكثر منهُ، فيَثْبُتُ لهُ الخيار للحديثِ المذكورِ.
هذهِ أحكامُ الخيارِ، ومنها يتبيّنُ أنها أحكامٌ تُزيلُ الضرَرَ عنِ البائعِ والمشتري، وتَرفعُ النزاع بينهُما. ومن ذلكَ يتبيّنُ أنّ على المسلمِ أنْ يكونَ بَيعُهُ نقيًّا. فكلّ مَن عَلِمَ أنّ بسلعَتِهِ عَيبًا يجبُ عليهِ أنْ يبيّنَ العَيْبَ للمشتري فإن لمْ يُبيّنهُ فهو آثمٌ عاصٍ، لما رُوي عنِ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قالَ: «مَنْ باعَ عَيْبًا لمْ يُبيّنهُ لمْ يزَلْ في مَقْتِ الله، ولمْ تزَلِ الملائكَةُ تَلْعَنُهُ» ، وقالَ: «ليسَ منّا مَنْ غَشّ» ، وهذا كلّهُ يجعَلُ المسلمَ المتقيّدَ بأحكامِ الله بعيدًا عنِ الغشِّ بدافعِ تقوى الله.
معَ ذلكَ فإنّ الشّرْعَ لمْ يجعَلِ المعاملاتِ مبنيّةً على الدافعِ الذاتي وحدهُ، بلْ جَعَلَهَا مبنيّةً عليهِ وعلى أحكامٍ أخرى تَرْفَعُ المنازعاتِ فهو في الوقتِ الذي طالبَ بهِ المسلمَ ببيانِ العَيْبِ وبتقوى الله، جعلَ للمشتري الخيارَ، وجَعَلَ للبائعِ الخيارَ في بعْضِ الأحيانِ ليُقيمَ المعاملاتِ بينَ الناسِ على أُسُسٍ ثابتةٍ تَرْفَعُ النّزاعَ، وتَرْفَعُ الضرَرَ عنِ المتبايعَيْنِ سواءٌ كانا مسلمَيْنِ أو غيرِ مسلمين، لأنّ أحكامَ المعاملاتِ تُطبّقُ على جميعِ النّاسِ.


بَيع الثمارِ على أصُولها
بَيْعُ الثمارِ وهيَ على شجرها كضمانِ الليمونِ والزيتونِ والكرومِ وما شابهَ ذلكَ. فمِنَ النّاسِ مَنْ يضمَنُ كَرْمَ الزيتونِ لسنتينِ أو ثلاثٍ أو أكثرَ، فيحرثهُ ويُثقّفهُ ويُعْنَى بهِ كلّ سنةٍ، ويأكلُ ثَمَرَهُ أكثرَ منْ سنةٍ. والسببُ في هذا الضمانِ أنّ الزيتونَ مثلًا لا يُثْمِرُ كلّ سنةٍ ثمرًا جيّدًا، بلْ يُثْمِرُ على الأغلبِ ثمرًا جيّدًا في سنةٍ، وفي سنَةٍ أُخرى يُثْمِرُ أقلّ منْ ذلكَ لأنّهُ ينمي أغصانًا في سنةٍ وثمرًا في أُخرى. ولكي يُثمِرَ ثمرًا جيّدًا يحتاجُ إلى عنايةٍ منْ حرثٍ وتثقيفٍ وتشْذِيبٍ، فيأخذه الذي يضمنهُ لعدّةِ سنواتٍ حتى يتمكّنَ منَ العنايةِ بهِ، وخدمتِهِ خدمةً كافيةً لِيُعطي ثمرًا كثيرًا جيدًا. وكما يجري ذلكَ في الزيتونِ يجري في اللّيمونِ وما شاكَلَهُ منِ الشجرِ. ومنَ النّاسِ مَنْ يضمنُ الزيتونَ والليمونَ والعنَبَ لسنةٍ واحدةٍ فيُقدّرُ ضمانُهُ بتقديرِ ما على الشجرِ من ثمرٍ، بغضّ النّظَرِ عما إذا كانَ الثمرُ قليلًا أو كثيرًا، جيّدًا أو رديئًا. والضمانُ منْ حيثُ هوَ شراءٌ للثمرِ لسنَتَينِ، أو ثلاثٍ أو أكثرَ. فضمانُ الشجرِ لسنتينِ أو أكثرَ شراءٌ لثمرٍ معدومٍ، لأنّهُ غيرُ موجودٍ فعلًا، وبَيْعُ المعدومِ لا يجوزُ، وهو منْ بابِ بَيْعِ الغررِ. علاوةً على أنّ بَيْعَ ثمرِ الشجَرِ لسنتينِ، أو ثلاثٍ أو أكثرَ يعني بَيعَ ما ليسَ عندَكَ.وقد نهى رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم عنْ هذا البيْعِ قال: «لا تَبعْ ما ليسَ عندَكَ» وأمّا الضمانُ لِثَمَرِ شَجَرٍ ظاهرِ الثمرِ، فإنهٌ بَيْعُ ثَمَرٍ مَوْجودٍ عَلى الشّجَرِ والحكْمُ الشرعيّ في هذا الضمانِ أي في شراءِ الثمرِ الموجودِ على الشجرِ فيهِ تفصيلٌ حيثُ يُنْظَرُ فيهِ للثمَرِ فإنْ كانَ صلاحُهُ باديًا أي يمكِنُ الأكْلُ منْهُ فإنّهُ يجوزُ الضمّانُ، أي يجوزُ بَيْعُ الثّمرِ في هذهِ الحالَةِ. وإنْ لم يكنْ صلاحُهُ باديًا أي لمْ يبدأ بالإطعامِ بعد، فلا يجوزُ بيْعُه وذلكَ لما رُويَ عنْ جابرٍ رضي الله عنهُ قال: «لقدْ نهى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم عنْ بَيْعِ الثّمَرِ حتى يطيبَ». ولما رُوِيَ عنْهُ أيضًا: «إنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، نهى عَنْ بَيْعِ الثّمَرِ حتى يبدوَ صلاحُهُ» وعن أنس بن مالكٍ، عنِ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: «أنّهُ نهى عنْ بَيْعِ الثمرة حتى يبدوَ صلاحُها» ، وقالَ رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم: «أرأيتَ إذا مَنَعَ الله الثمرةَ بمَ يأخُذُ أحدكُمْ مالَ أخيهِ» ؟ فهذهِ الأحاديثُ كلّها صريحةٌ في النهيِ عنْ بيْعِ الثمرَةِ قَبْلَ النضجِ، ويُسْتَدَلّ بمنطوقِ هذهِ الأحاديثِ على عَدَمِ جوازِ بَيْعِ الثمرَةِ قَبْلَ أنْ يبدوَ صلاحُها. ويستدلّ بمفهومِها على جوازِ بَيْعِها إذا بدا صلاحُها وعلى ذلكَ فإنّ ضمانَ الشجرِ الذي ظَهَرَ ثمرُهُ يجوزُ إنْ بدأ يُطْعِمُ، ولا يجوزُ إذا لمْ يبْدأ بالإطعامِ. ولكنْ إذا بيعَتِ الثمرَةُ على الشجرةِ وأصابتْها عاهةٌ منَ العاهاتِ فيجبُ على البائعِ أن ينزلَ من ثمنِ الثمرِ ما أصابَتْه العاهةُ لما رُوِيَ أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَنْ باعَ ثمرًا فأصابتْهُ جائحةٌ فلا يأخذ منْ أخيهِ شيئًا. على ماذا يأخذُ أحدُكُمْ مالَ أخيهِ» ، والمرادُ بالجائحةِ الآفة التي تُصيبُ الثمارَ فَتُهْلِكُها. والآفاتُ السماويّةُ كالبردِ والعَطَشِ والرياح والقحطِ. وأما إذا كانتِ المصيبةُ غيرَ سماويةٍ كالعَطَشِ الناشئِ عنْ خرابِ ماكينةِ السّقْيِ والسرقَةِ والحريقِ وما شاكلَ ذلكَ، فلا يُعْتَبَرُ جائحةً، ولا يدفع البائع عن المشتري شَيئًا إذْ لا يدخُلُ تحتَ مدلولِ الجائحةِ.
هذا حُكْمُ الله في بَيْعِ الثّمَرِ، فيجبُ على المسلمينَ أنْ يَتَقَيّدُوا بهذا الحكمِ فلا يقومُ أصحابُ البساتينِ بِبَيْعِ ثمارِ بساتينهِمْ قَبْلَ أن يبدوَ صلاحها، ولا يجوزُ لمنْ يضمنونَ الثمارَ أنْ يضمنوها إلّا في حالةٍ واحدةٍ وذلكَ حينَ يبْدو صلاحُ الثمرةِ وهيَ على الشجرِ.
بَيْع السَّلَم
قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ أسْلَمَ فَلْيُسْلِمْ في كَيْلٍ معلومٍ وَوَزْنٍ معلومٍ إلى أجَلٍ معلومٍ» . والسّلَمُ: «السّلَفُ وزْنًا ومعنًى. وهو أنْ يُسْلِمَ عِوَضًا حاضرًا في عِوَضٍ مَوصوفٍ في الذمّةِ إلى أجَلٍ، أي أنْ يُسْلِفَ مالًا ثَمَنَ السلعةِ، ثمّ يَقْبِضَها بعدَ مدّةٍ في الأجَلِ المعيّنِ».
والسّلَمُ نَوْعٌ منَ البَيْعِ يَنْعَقِدُ بما يَنْعَقِدُ بهِ البَيْعُ بلَفْظِ السّلَمِ والسّلَفِ. يُقالُ: «أسْلَمَ وأسْلَفَ وسَلَفَ». ويُعْتَبَرُ فيهِ منَ الشروطِ ما يُعْتَبَرُ في البَيْعِ. وقدْ جرى تعامُلُ الناسِ بالسلَمِ أو التسليفِ لأنهم في حاجةٍ إليهِ. ولا سيّما الفلاحينَ والتجار. فإنّ أربابَ الزروعِ والثمارِ يحتاجونَ إلى النَّفَقَةِ على أنْفسِهِمْ وعليها. لِيُتِمّوا ما تحتاجُ إليهِ تلكَ الزّروعُ والثمارُ منْ أعمال. وقدْ يعوزُهمُ المالُ فلا يجدونَهُ فَيَبيعونَ محاصيلَهُمْ قبْلَ خروجِها بثمَنٍ معجّلٍ يقبِضُونَهُ حالًا في مجلِسِ العقْدِ ويُسلّمونَ السلعةَ للمشتري عندَ حلولِ الأجَلِ المضروبِ. إنّ التجارَ قدْ يبيعونَ بضاعةً غيرَ موجودةٍ فعْلًا إلى أجَلٍ معلومٍ يعيّنونَهُ، ويقبضونَ الثّمَنَ في مجلسِ العَقْدِ على أنْ يسلّموا البضاعةَ عندَ حلولِ الأجَلِ المضروبِ. وجواز السّلمِ ثابتٌ بالسنّةِ، فَعَنِ ابنِ عبّاسٍ قال: قَدِمَ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم المدينةَ، وهمْ يُسْلِفُونَ في الثمارِ السنَةَ والسنتَينِ، فقالَ: «مَنْ أسْلَفَ فَلْيُسْلِفْ في كَيْلٍ معلومٍ وَوَزْنٍ معْلومٍ إلى أجَلٍ معْلومٍ». وعنْ عبْدِ الرحمنِ بن أبي أبْزَى وعبْدِ الله بنِ أبي أوْفى. قالا: «كُنّا نُصيبُ المغانمَ معَ رسولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم وكانَ يأتينا أنْباطُ الشّامِ فَنُسْلِفُهُمْ في الحنطةِ والشّعيرِ والزيْتِ إلى أجَلٍ مُسَمّى، قيل: أكانَ لهمْ زَرْعٌ أوْ لمْ يكُنْ»؟ قالا: «ما كنّا نَسْألهُمْ عنْ ذلكَ»، وعنْ رسولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَنْ أسْلَفَ سَلَفًا فَلْيُسْلِفْ في كَيْلٍ معلومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلومٍ إلى أجَلٍ معْلومٍ» ، فهذهِ الأحاديثُ كلّها دليلٌ ظاهرٌ على جَوَازْ السّلَمِ. أمّا ما هيَ الأشياءُ التي يجوزُ فيها السلَم، والأشياءُ التي لا يجوزُ فيها السّلَمُ، فإنّهُ واضحٌ في الحديثِ والإجماعِ، وذلكَ أنّ السّلَمَ بَيْعُ ما لا يملكُ وبَيْعُ ما لمِ يَقْبِضْ وهما ممنوعانِ.
وقد اسْتُثْنيَ السّلَمُ منها بالنّصِّ فخصِّصَ المَنْع في غيرِهِ، ولذلكَ لا بدّ أنْ يكونَ الشيءُ الذي يصحّ فيهِ السّلمُ منصوصًا عليهِ. وبالرّجوع إلى النصوصِ نجِدُ أنّ السّلَمَ يجوزُ في كلَ ما يُكالُ ويُوزن لقولِ رسولِ الله صلى الله وعليه وآله وسلم: «في كَيْلٍ معْلومٍ ووزنٍ معلومٍ»، كما يجوز في كلِّ معدودٍ وقد انعَقَدَ الإجماعُ على أنّ السّلَمَ في الطعّامِ جائزٌ. والطّعامُ لا يخلو منْ كونهِ مكيلًا أو موزونًا أو معدودًا فَتَعَلّقُ الحكمِ بكلِّ ما يقدّرُ بهِ الطعامُ منْ كيْلٍ أو وزْنٍ أو عَدَدٍ كَتَعَلّقِ القبْضِ بهِ منْ كوْنهِ ممّا يحتاجُ إلى قبْضٍ. إلّا أنّهُ لا بدّ أنْ تكونَ الأشياءُ المسلّمُ بها مضبوطةَ الصّفَةِ كقمحٍ حَورانيّ، وتمْرٍ عراقيّ، وقطْنٍ مصريٍّ، وحريرٍ هنديّ، ومضبوطةَ الكَيْلِ أوْ الوَزْنِ كصاعٍ شاميٍّ، ورطلٍ عراقيٍّ، وكالكيلو، والليتر. أي لا بدّ أن يكونَ الكَيْلُ والميزانُ معروفينِ موصوفَينِ، وكما تجبُ معرفَةُ جِنْسِ المسلّمِ بهِ، وجنسِ ما يُكالُ وما يُوزَنُ، كذلكَ يجبُ أنْ يكونَ البَيْعُ لأجَلٍ، وأنْ يكونَ الأجَلُ معْلومًا فلا يصحّ السّلَمُ في الحال. بلْ لا بدّ أن يُشْتَرَطَ الأجَلُ لقول النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: «إلى أجَلٍ معلومٍ» فدلّ على أنّ الأجَلَ شرْطٌ في صحّةِ السّلَمِ. على أنّهُ إذا كانَ حالًا ولمْ يُعيّنْ لهُ أجلٌ فلا يسمّى سَلفًا، لأنّ الذي يجعلهُ سَلَمًا وسَلَفًا هو تعجيلُ أحَدِ العِوضَينِ، وتأخيرُ العِوَضِ الآخرِ. ولا بدّ أنْ يكونَ الأجَلُ معلومًا، لقولِ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: «إلى أجَلٍ معلومٍ» وتعيينُ الأجَلِ إنما يكونُ بِشَهْرٍ أوْ سَنَةٍ مثلًا، أو إلى تاريخِ كذا، بحيثُ لا يتفاوتُ فيهِ تفاوتًا كثيرًا... وكذلكَ لا بدّ أنْ يكونَ الثّمَنُ معْلومًا لِقَوْلهِ صلى الله عليه وآله وسلم: «فيسلف في ثمَنِ معْلُومٍ» ولا يجوزُ أنْ يكونَ الثمنُ إلّا مقْبوضًا حالًا في مجلسِ العَقْدِ فإنْ تفرّقَ المتبايعانِ قَبْلَ قَبْضِ الثّمَنِ جميعِهِ بَطَلَتِ الصّفقَةُ كلّها، لأن التسْليفَ في اللّغةِ العربيّةِ التي خاطَبَنَا بها رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم هو أن يُعْطيَ شَيئًا في شيءٍ. فَمَنْ لمْ يدْفَعْ ما أسْلَفَ فإنّهُ لمْ يُسْلِفْ شيئًا، وإنما وعدَ بأنْ يُسْلِفَ. فلوْ دفَعْ البَعْضَ دونَ البعضِ، أكْثَرَهُ كانَ أو أقلّهُ، صحّ السّلَمُ فيما قَبَضَ وبطلَ فيما لمْ يقْبَض.
فَقَبْضُ البائعِ الثّمَنَ منَ الْمشتري شَرْطٌ لصحّةِ السّلَمِ. أمّا وجودُ السلعةِ المباعةِ حينَ البيعِ فَلَيْسَ بشرْطٍ.
فالسّلمُ جائزٌ فيما لا يُوجَدُ حينَ عَقْدِ السّلَمِ، وفيما يوجَدُ، وإلى مَنْ عندَهُ شيءٌ ولمنْ ليسَ عنده شيءٌ، لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين قدمَ المدينةَ كانوا يُسلفونَ في الثمارِ السنتينِ والثلاث، ومنَ المعلومِ أنّ الثمارَ لا تبقى هذهِ المدّةِ، والرسولُ لمْ يَنْهَهُمْ عنِ السّنَةِ والسّنَتَين، بل أقَرّهُمْ على ذلكَ، وعليهِ فيجوزُ أنْ يُدْفَعَ ثمنُ سِلَعٍ تُسلّمُ بَعْدَ مدّةٍ معيّنةٍ، كانَتْ موجودةً أم لمْ تكنْ. ولكنْ يُشترَطُ أنْ لا يكونَ في الثمنِ غَبْنٌ فاحشٌ، بلْ يجبُ أنْ يكونَ الثّمَنُ ثمنَ المِثْلِ بحسبِ سعرِ السّلَمِ في السّوقِ عنْدَ عَقْدِ البَيْعِ لا عندَ استلامِ السلعةِ. فكما يحْرُمُ أنْ نَبيعَ سلعةً مُعجّلَةَ القَبْضِ بثمَنٍ مُؤجّلٍ بِغَبْنٍ فاحشٍ كذلكَ لا يجوزُ أنْ نَبيعَ سلعةً مُؤجّلَةَ القبْضِ بثمنٍ مُعَجّلِ القبْضِ بغَبْنٍ فاحشٍ. والغَبْنُ في السّلَمِ حرامٌ، وإذا ظَهَرَ غَبْنٌ في بَيِعِ السّلَمِ كانَ حُكْمُهُ كَحُكْمِ الغَبْنِ في البَيْعِ فإنّ للمغبونِ فَسْخَ البَيْعِ برّدِّ الثمَنِ واسْتردادِ المبيعِ، ولهُ أنْ يأخُذَ منَ البائعِ المبْلَغَ الذي غُبْنَ بهِ. والغَبْنُ الفاحِشُ يُقدّرُ بتقديرِ التجّارِ الأمناءِ فما يعتبرونه غَبْنًا يكونُ غَبْنًا.
وعلى هذا فإنّ ما يفْعَلُهُ المسلمونَ منَ السّلَفِ والتسليفِ جائزٌ في كلِّ ما يكونُ مكيلًا أو موْزونًا، أو معدودًا، سواءٌ كان طعامًا أو غيرَهُ وغيرُ جائزٍ في غيرِ ذلكَ.
بَيْعُ السلعِ قبل تمَامِ مُلكِها حَرام
يُلاحَظُ على المسلمينَ بعدَ أنِ احتلّ المستعمِرُ بلادَهُمْ، وطبّقَ عليهِم النظامَ الرأسماليّ، أنهم ألِفوا هذا النظامَ، واندَفَعُوا في تطبيقِه على أنفُسِهِمْ، مع أنّهُ نظامٌ يخالِفُ عقيدتهُمْ، ولمْ يقتصِرِ الأمْرُ على ذلكَ، بلْ تجاوزُوه إلى نسيانِ تطبيقِ أحكامِ الشرعِ عليهِمْ وإهمالِ ملاحظتِها عندَ القيامِ بأعمالِهِمْ. وتراهُمْ على العمومِ حينَ يباشرونَ أعْمالهم في عَلَاقاتهِم معَ الناسِ، لا يدورُ بخلدهِمْ سوى هذهِ المنافعِ، وما في المعاملاتِ منْ أرباحٍ. ولا يمتنعونَ عن القيامِ بعَمَلٍ، لأنّ الشرْعَ حرّمَهُ، ولا يأتونَ عملًا لأنّ الشرعَ حَلّلَهُ، بلِ الممْنوعُ عندَهُمْ ما مَنَعَهُ القانونُ، أوْ ما كانَ عَيْبًا في عُرْفِ النّاسِ. والجائزُ ما أجازهُ القانونُ. وما اصطلحَ الناسُ على التعامُلِ بهِ. وقد اندفعوا في المعاملاتِ على هذا الأساسِ، وتركوا أحكامَ الشرْعِ وراءهم ظهريًّا بالرّغمِ من محافظتِهِمْ على الصّلاةِ واعتقادهِمْ بالإسلامِ. وقدْ أدّى الإهمالُ في تطبيقِ الأحكامِ إلى نسيانها لأنّها لمْ تَعُدْ لازمةً في حياتهم العامّةِ. ويكفي أنْ يحْفَظَهَا الفُقَهَاءُ ويَطلعَ عليها المشايخُ، ومن هنا كانتِ المهِمّةُ التي يضطلع بها حَمَلَةُ الدعوَةِ الإسلاميّةِ هيَ: التذكيرُ بأحكامِ الله، والإنذارُ بوُجوبِ تطبيقِها، وشرْحُ هذهِ الأحكامِ، وبيانُ الرأيِ الإسلاميّ فيها. ولما كانَ المالُ منْ أهمّ ما يسعى الناسُ للحصولِ عليهِ لمْ يَكُنْ بُدٌّ منْ دوامِ تذكيرِ المسلمينَ بأنّ حيازَتَهُ لا يجوزُ أنْ تكونَ إلّا بسبب منَ الأسبابِ التي أباحَهَا الشرعُ للمسلمِ، وما اعتادَهُ المسلمونَ في معاملاتِ البَيْعِ وإقدامِهِمْ على بَيِعِ ما يملِكُونَ على أمَلِ أنْ يملِكُوهُ، فكثيرٌ من الباعةِ الذينَ لا يملكونَ السلعةَ حالَ طَلَبِها، يذهبونَ لمنْ يملكها ويشترونها منهُ، ثمّ يسلّمونها لمنْ طَلَبَها منهُمْ. وهذا الأسلوبُ غيرُ جائزٍ شَرْعًا، وكثيرٌ منَ الناس من يشتري الحبوبَ أوِ الفاكهَةَ من الفلّاحِ ثمّ يبيعُها قبْلَ أنْ يقبضَها لاعتقادِهِ بأنّهُ باع ما يملكُهُ، دونَ أنْ يفكّرَ بأحكامِ الشرْعِ، ودونَ أنْ يَعْلَمَ ما إذا كانتِ الصّفَقَةُ التي اشتراها تمّت أم لا؟
وهكذا دأبَ الناسُ على بَيْعِ سِلَعٍ لا يملِكونها بعد، كما دأبوا على بيْعِ ما مَلَكُوا مِنَ السّلَعِ، دونَ أنْ يفكِّرُوا بأحكامِ الشرعِ أو يعلموا ما إذا كانَ ذلكَ حلالًا أمْ حرامًا. ولذلكَ كانَ لا بدّ منْ بيانِ حُكْمِ الشرْعِ في مثْلِ هذهِ البُيُوعِ.
والحكْمُ الشرعيّ فيها يختلِفُ باختلافِ بَيْعِ ما لا يملِكُهُ أو يمْلِكُهُ ولَمْ يقْبِضْهُ، ولكلِّ واحدٍ حُكْمٌ. أمّا بالنسبةِ لبيْعِ ما لا يملِكُهُ فلا يجوزُ مُطلقًا في شيءٍ، لأنّ عَقْدَ البَيْعِ إنما يَقَع على الملْكِ، وما لمْ يَكُنْ ممْلوكًا بَعْدُ لا يَقَعُ عليهِ عَقْدُ البَيْعِ لأنّ ما وقَعَ عليهِ العَقْدُ غيرُ موجودٍ، وقد نهى رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم عَنْ بَيْعِ ما لا يملِكُهُ البائعُ. رُوِيَ عنْ حكيمِ بنِ حزامٍ قالَ: «قلْتُ: يا رسولَ الله يأتيني الرجلُ فيسألُني عنِ البيعِ وليسَ عندي ما أبيعُهُ منهُ، ثم أبتاعُهُ منَ السّوقِ»، فقالَ: «لا تَبعْ ما لَيْسَ عندَكَ» ، وعنْ عمرو بنِ شُعَيْبٍ عنْ أبيهِ عَنْ جَدّهِ قالَ: «قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا يحلّ سلَفٌ وبيْعٌ ولا بَيْعُ ما ليسَ عندَكَ» ، وهذا يدُلّ على أنّ كلّ ما كانَ غائبًا خارجًا عنِ الملْكِ لا يجوزُ بَيْعُهُ مُطلقًا، فَبَيْعُ التاجرِ السلعةَ قبلَ أنْ يشتريهَا، وبَيْعُ المسْتَوْردِ البضاعةَ قَبْلَ أنْ يَعْقِدَ صَفْقَتَهَا لا يجوزُ مُطلقًا لأنّ البائعَ لا يملكُ ما باعَهُ، وللنّهي الواردِ في الحديثِ الشريفِ.
وأمّا بالنسبةِ لِبَيْعِ ما مَلَكَهُ ولم يَقْبِضْهُ، ففيهِ تفصيلٌ فإنْ كانَ ممّا يحتاجُ إلى قَبْضِهِ كالطّعَامِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ بَيْعِ ما لا يملِك، لقولِ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنِ ابتاعَ طعامًا فلا يبيعُهُ حتى يستوفِيَهُ» ، ولما رُوِيَ: أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لما بَعَثَ عتّاب بن أُسَيْد إلى مَكّةَ قالَ: «انهَهُمْ عنْ بَيْعِ ما لمْ يٌقْبِضُوهُ» وذلكَ لأنّهُ إذا وقعَ البَيْعُ على مَكيلٍ، أو على موزونٍ أو على معْدودٍ فَتَلِفَ قَبْلَ قبضهِ فهو منْ مالِ البائعِ، ولا شيءَ على المشتري ويبْقى حَقّهُ كاملًا، وبذلكَ لا يكون قدْ تمّ عليهِ مُلْكُهُ فلا حقّ لهُ ببَيْعِهِ قبلَ قبْضِهِ.
إلّا أن هذا كلّهُ إذا لمْ يكنْ مُتعيّنًا، كما لوِ اشترى ذراع قماشٍ من ثوْبٍ، أو قنطارَ قُطْنٍ منْ مخزنٍ، أو رِطْلَ زَيْتٍ منْ جَرّةٍ. أمّا إذا كانتِ السلعةُ متعيّنَةً بالإشارةِ عليها كما لو باعَهُ جرّةَ الزيْتِ هذهِ، أو صندوقَ التفّاحِ هذا، أو هذا القطنَ، فإنّهُ يجوزُ لهُ بَيْعُهَا قَبْلَ قبضِها، لأنها تَتْلَف على المشتري إذا تَلِفَتْ، لا على البائعِ. وهذا كلّهُ إذا كانتِ السّلعَةُ مما يحتاجُ إلى قبضهِ. أمّا إذا كانت السّلعَةُ مما لا يحتاجُ إلى قبضهِ، وهو ما كانَ غيرَ مكيلٍ ولا موزونٍ ولا معدودٍ فإنه يجوزُ بيعُها قبلَ قبضِها، لأنها من مالِ المشتري، إذْ لو تلفتْ عندَ البائعِ تلفَتْ على المشتري لا على البائعِ، لما رُويَ عن ابن عمر قال: كان عليَّ بكر صعب (يعني جملًا صعبًا) لعمرَ. فقال النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم لعمرَ: «بِعْنِيهِ». فقالَ: «هو لكَ يا رسولَ الله»، فقالَ النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم: «هوَ لكَ يا عبدَ الله بنَ عمرَ فاصنعْ بهِ ما شئتَ». فاشترى الرسولُ صلى الله عليه وآله وسلم الجملَ منْ عمرَ، ووهبهُ لعبدِ الله بنِ عمرَ قبلَ أن يقبضَهُ، وهذهِ ظاهرةُ التصرفِ في المبيعِ بالهبةِ قبلَ قبضِهِ.
وبناءً على هذا فإنَّ ما سارَ عليهِ التجارُ من بيعِ البضاعةِ قبْلَ أنْ يشتروها كما يحصلُ عادةً من أنهم يبيعونَ السّلعةَ ثمَّ يذهبونَ لشرائِهَا، وإحضارِها للمشتري، أو من بيعِهمْ بضاعةً، ثم شرائِها من تاجرٍ آخرَ على التلفون، ثمّ إحضارِها وتسليمها للمشتري يخالفُ الشرعَ. وهو بيعٌ باطلٌ لا ينعقدُ فيحرمُ عليهمْ ملكُهُ كما يحرمُ عليهمْ ربحُهُ.
وكذلكَ ما اعتادوهُ من بيعِ البضاعةِ التي اشترَوْهَا قبلَ أن يتسلموها وكانتْ مما يحتاجُ إلى قبضٍ.
البَيْع بالتقسِيطِ والدَّيْن
قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إنما البيعُ عن تراضٍ» ولصاحب السّلعةِ أنْ يبيعَها بالسعرِ الذي يرضاهُ، ولهُ أنْ يمتنعَ عن بيعِها بالسّعرِ الذي لا يرضاهُ. ولهذا يجوزُ لصاحبِ السّلعةِ أن يجعلَ لسلعتِهِ ثمنينِ، ثمنًا حالًا وثمنًا مؤجلًا، أو ثمنًا بالتقسيطِ لعدّةِ آجالٍ. ولذلك يجوزُ أن يساومَ البائعُ المشتريَ بأيِّ الثّمنينِ يقبلُ الشراءَ، ويجوزُ أنْ يساومَ المشتري البائعَ بأيِّ الثمنينِ يقبلُ البيعَ. وهذهِ كلّها مساومةٌ على الثمنِ وليستْ بيعًا، فإذا اتفقا على سعرٍ معينٍ وباعَ البائعُ المشتريَ بالسعرِ الحاليِّ فقبلَ المشتري، أو باعهُ بالسعرِ المؤجّلِ فقبلَ المشتري، فإنّ ذلكَ صحيحٌ، لأنّهُ مساومةٌ على البيعِ وليستِ بيعًا. والمساومةُ جائزةٌ، فإنّ الرسولَ صلى الله عليه وآله وسلم ساومَ، فقدْ رُوِيَ عن أنسٍ رضي الله عنه: «إنَّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم باعَ قدحًا وحلسًا بثمنٍ يزيد» وبيع المزايدةِ هو المساومةُ. وكذلكَ يجوزُ للبائعِ أن يبيعَ سلعتَهُ بثمنين أحدهما يكونُ نقدًا والآخرُ نسيئةً. فلو قالَ شخصٌ لآخرَ: بعتكَ هذهِ السّاعةَ بثلاثينَ ليرةً لبنانيةً نقدًا. وبأربعينَ نسيئةً، فقالَ: اشتريتُ نقدًا بثلاثينَ، أو نسيئةً بأربعينَ، صحَّ البيعُ. ففي هذا المثالِ حصلتِ المساومةُ على ثمنينِ ولكنَّ البيعَ تمَّ على ثمنٍ واحدٍ. قال الله تعالى: {وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ}. وهذا عامٌّ. فإذا لم ينصّ الشرعُ على تحريمِ نوعٍ معينٍ من البيعِ، فإنَّ البيعَ يكونُ حلالًا، لعمومِ قولِهِ تعالى: {وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ}: فهذا النصّ يشمَلُ جميعَ أنواعِ البيعِ ويدلُّ على أنها حلالٌ، إلّا الأنواعَ التي وردَ نصٌّ في تحريمها، فإنها تصبحُ حرامًا بالنصِّ مستثناةً من العمومِ. ولم يَرِدْ نصٌّ في تحريمِ جعلِ ثمنينِ للسلعةِ، ثمنٍ معجّلٍ وثمنٍ مؤجّلٍ فيكون حلالًا أخذًا من عمومِ الآيةِ. وأيضًا فقد قالَ صلى الله عليه وآله وسلم: «إنما البيعُ عن تراضٍ» والمتبايعانِ هنا كانا بالخيارِ وتمَّ البيعُ برضاهما. وقد نصَّ جمهرةُ الفقهاءِ على أنّهُ يجوزَ بيعُ الشيءِ بأكثر من سعرِ يومِهِ لأجل تأخيرِ دفعِ الثّمنِ. وقال عليٌّ عليه السلام: «من ساومَ بثمنينِ أحدهما عاجلٌ والآخرُ نَظِرَةٌ فليسمِّ أحدَهُما قبلَ الصّفقةِ» ومِنْ ذلكَ يتبيّنُ أنَّ ما يفعلُهُ التّجارُ من بيعِ سلعٍ بثمنينِ، ثمنٍ معينٍ إذا دُفعَ نقدًا، وثمنٍ أزيدَ إذا دُفعَ تقسيطًا، فإنّ هذا مبيعٌ جائزٌ، والحكمُ الشرعيُّ فيهِ أنّهُ حلالٌ، وما يفعلُهُ بعضُ الفلاحينَ وأصحابُ البساتينِ من شراءِ البذارِ أو الماشيةِ أو الآلاتِ، وما شابَهَهَا واشتراطِ دفعِ ثمنِهَا مؤجّلًا إلى الموسمِ بزيادةِ الثّمنِ مقابلَ تأجيلِ الدّفعِ فذلكَ جائزٌ.
التسعير
إننا نسمعُ الكثيرَ منَ الناسِ يُلحّون على الدولةِ أن تبادرَ بتسعير السلع نظرًا لما يلمسونه من الواقع السيِّئ في ظلِّ النظام الرأسمالي الذي يحمي الغُبنَ والغشّ والتدليس، وجهلًا منهم بالحكم الشرعي، وظنًّا منهم أن التسعيرَ يكون لمصلحةِ المستهلك، ولكن الله سبحانه وتعالى جعل لكلِ شخص أن يبيعَ سلعته بالسعرِ الذي يرضاه هو نَفسُهُ، قال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: «إنما البيع عن تراضٍ» وقد حرّم الله سبحانه وتعالى على الدولةِ أن تضعَ أسعارًا معينة للسلع تُجْبِرُ الناسَ على البيعِ والشراء بحسبها.
والتسعيرُ هو أن يأمرَ الحاكم أو نُوَّابُهُ أو موظفوه أهلَ السوق أن لا يبيعوا السلع إلّا بسعرٍ معين فيمنعوا من الزيادة عليه حتى لا يغلوا الأسعار أو ينقصوا عنه حتى لا يُضاربوا غيرهم، أي يُمنعون من الزيادةِ أو النقص عن السعر المقرر لمصلحة الناس. وقد حرَّمَ الإسلامُ التسعيرَ مطلقًا لما روي عن أنس قال: غلا السعر على عهدِ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا: يا رسول الله لو سعَّرتَ. فقال: «إن الله هو القابضُ الباسطُ الرازقُ المسعِّرُ وإني لأرجو أن ألقى الله عزّ وجلّ ولا يطلبني أحدٌ بمظلمةٍ ظلمتها إياه في دمٍ ولا مال» ، وجاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله سعِّر، فقال: بل أدعوا الله، ثم جاء آخر فقال: يا رسول الله سَعِّرْ فقال: «بل الله يخفضُ ويرفعُ» هذه الأحاديثُ تدُلُّ على تحريم التسعير وأنه مظلمة من المظالم التي ترفع الشكوى على الحاكم لإزالتها وإذا فَعَلها الحاكم أثِمَ عند الله لأنه فَعَلَ حرامًا، وكان لكّلِ شخص من رعيته أن يرفعَ الشكوى إلى محكمةِ المظالم على هذا الحاكم الذي سعَّر لتحكم عليه وتقوم بإزالة هذه المظلمة.
وتحريم التسعير عامٌ لجميع السلع لا فرقَ في ذلك بين ما كان قوتًا ولم يكن كذلك.
لأن الأحاديثَ تنهى عن التسعيرِ مطلقًا فهي عامة ولا يوجدُ ما يُخَصِّصه بالقوت أو بغيره، فكانت حُرمةُ التسعير عامة تشملُ تسعير كل شيء.
والتسعيرُ ضررٌ من أشدِّ الأضرار على الأمة في جميع الظروفِ سواء أكان ذلك في حالةِ الحرب أم في حالة السلمِ، لأنه يفتحُ سوقًا خفية يبيع الناسُ فيها بيعًا مستورًا عن الدولةِ بعيدًا عن مراقبتها وهي ما يُسمونها السوق السوداء فترتفعُ الأسعارُ ويحوزُ السلعةَ الأغنياءُ دونَ الفقراءِ.
ولأن تحديدَ الثمن يؤثرُ على الاستهلاك فيؤثر على الإنتاج، وربما سَبَّبَ أزمةً اقتصادية وفوقَ ذلك فإنَّ الناسَ مسلطون على أموالهم لأن معنى ملكيتهم لها أن يكونَ لهم سلطان عليها والتسعير حَجرٌ عليهم وهو لا يجوز إلّا بنص شرعي ولم يردْ نصّ بذلك، فلا يجوز الحجر على الناس بوضع ثمن معين لسلعهم ومنهم من الزيادة عليه أو النقص عنه، أما ما يحصلُ من غلاءِ الأسعار في أيام الحروب أو الأزمات السياسية فإنه ناتج إما من عدمِ توفيرها في السوق بسبب احتكارها أو بسبب ندرتها، فإن كان عدم وجودها ناتجًا عن الاحتكار فقد حرمه الله وإن كان ناتجًا عن نُدرتها فإن الخليفةَ مأمورٌ برعاية مصالح الناس، فعليه أن يسعى لتوفيرها في السوق في جلبها من أمكنتها، وبهذا يكونُ قد منعَ الغلاءَ، وعمرُ بن الخطاب رضي الله عنه في عام المجاعة الذي سُمي عام الرمادة إنما حصلت المجاعة في الحجاز فقط لندرة الطعام في تلك السنة وقد غلا سعر الطعام من جراء ندرته فلم يضعْ أسعارًا معينة للطعام بل أرسل وجلبَ الطعامَ من مصر وبلاد الشام إلى الحجاز فرخُصَ سعره دونَ الحاجةِ إلى التسعير.
الاحتكار
يقال في اللغة حكِرَ حكرًا بالشيء: استَبدَّ به واستقَلَّ وأصل المعنى: الجمع والإمساك.
ويقال احتكر وتحكر الطعامَ: جَمَعَهُ وحَبَسَهُ عن البيع لِيقلَّ فيغلو سعره.
والاحتكار حرامٌ شرعًا لورود النهي الجازم عنه في الحديث الشريف، فقد روي عن سعيد بن المسيب أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لا يحتكرُ إلا خاطئٌ» وقال: «من احتكر فهو خاطئ» ورُوي عن أبي أمامة قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يحتكرَ الطعام» فالنهي في الحديث يفيد طلب الترك وذم المحتكر بوصفه أنه خاطئ والخاطئ هو المذنبُ العاصي.
والمحتكرُ هو من يجمع السلع انتظارًا لبيعها بسعر غالٍ بحيث يضيقُ على المواطن شراؤها فبناء على هذا يكون الاحتكارُ: هو الاستبدادُ بحبس البضاعة كي تباعَ بالكثير من الأموال وأما كون شرط انطباق الاحتكار كونه يبلُغ حدًا يضيقُ على أهل البلد شراء السلعة المحتكرة، فلو لم يضِقْ على الناس شراء السلعة لا يحصل جمع البضاعة ولا الاستبداد بها كي تباع بالأسعار المرتفعة وليس شرط الاحتكار أن تُشترى السلعة فقط بل شراؤها وجمعها انتظارًا للغلاء يعتبرُ احتكارًا، وسواء جمعها بالشراء أو جمعها من غلَّة أراضيه الواسعة لانفراده بهذا النوع من الغلة أو لندرة زراعتها، أو جمعها من مصانعه كما هي حال الاحتكارات الرأسمالية، فإنهم يحتكرون صناعةَ شيءٍ بقصدِ قتل جميع المصانع إلا صناعتهم ثم يتحكمون مستبدين بالسوق. وبناء على هذا الفهم اللغوي والشرعي لمنطوق ومفهوم كلمة الاحتكار، يكون الاحتكارُ حرامًا في جميع الأشياء من غير فرقٍ بين قوت الآدمي أو قوت الحيوان، ومن غير فرق بين ما هو من ضروريات الناس أو من كمالياتهم. وذلك لأن معنى احتكرَ في اللغة جمع الشيء مطلقًا ولم تأت بمعنى جمع الطعام أو القوت أو ضروريات الناس بل جمع الشيء، فلا يجوز أن تخصص بغير معناها اللغوي. ولأن الأحاديث جاءت مطلقة من غير قيد، وعامة من غير تخصيص، فتبقى على إطلاقها وعمومها.
وأما ما ورد في بعض الروايات لأحاديث الاحتكار من تسليط الاحتكار على الطعام فقط، فإن ذكر الطعام في الحديث لا يجعل الاحتكار خاصًا بالطعام لأن ذكر الطعام في بعض الأحاديث تنصيص على نوعٍ من أنواع الاحتكار كمثال عليها وليست هي قيدًا ولا مخصصًا للاحتكار ولا وصفًا له مفهوم يعمل به، بل هو اسم جامد لمسمى معين وليس نعتًا بل هو لقب.
لذا فلا يعمل بمفهومه، والذي يصلح قيدًا أو مخصصًا هو حالة مفهوم يعمل به، فدلَّ على أن الروايات التي نهت عن الاحتكار، حتى الروايات التي ذكرت الطعام هي أحاديث مطلقة وعامة فتشمل النهي عن احتكار كل شيء مطلقًا. وواقع المحتكر أنه يتحكم في السوق ويفرض على الناس ما يشاء من أسعار باحتكاره السلعة عنده فيضطر الناس لشرائها منه بالثمن الغالي لعدم وجودها عند غيره.
فالمحتكر إذن يكون في حقيقته من يريد أن يُغلي الأسعارَ على المواطنين، وهذا حرامٌ لما روي عن معقل بن يسار قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «من دخل في شيء من أسعار المسلمين ليغليه عليهم كان حقًّا على الله أن يقعده بعُظْمٍ من النار يوم القيامة» .
السَّمْسرةُ
قالَ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «دعُوا النّاسَ يرزق الله بعضَهم من بعضٍ فإذا استنصحَ الرجلُ أخاه فَلْينصح له» وباستعراض التجارةِ وأموالِ البيعِ والشّراءِ نجدُ النّاسَ فيهَا يرزقُ الله بعضَهُمْ من بعضٍ، فكثيرًا ما نجدُ تجارًا كبارًا يقومونَ بشراءِ بضائعَ لصغارِ التجّارِ على أن يأخذُوا نسبةً مئويةً منَ الرّبحِ على ما يشترونَهُ لهم، كواحدٍ في المئة مثلًا. وغالبًا ما يكونُ هؤلاءِ من تجارِ الجملةِ ويسمّونَ ذلكَ «كومسيونًا» ويجري هذا في البضائعِ كافّةً، كالأقمشةِ والحلوياتِ والورقِ والماكناتِ وما شابَهَ ذلكَ.
ويجري أيضًا بينَ الشركاتِ الكبيرةِ وبينَ بائعي الجملةِ ويسمّوْنَ متعهدينَ أو وكلاءَ بيعٍ. فيتعهّدُ هؤلاءِ ببيعِ ما تُنتجهُ الشركاتُ ويأخذونَ منها ربحًا معلومًا هو نسبةٌ معيّنةٌ بالمئةِ على ما يبيعونَ وتجري بيوعٌ بواسطةِ أشخاصٍ يعملون عند التّاجرِ أو المصنعِ، فهؤلاءِ يعرضونَ البضاعةَ على النّاسِ ويبيعونها لهمْ. وينفذُ بيعُهمْ ولهمْ منَ التاجرِ أو المصنعِ الذي يعملونَ عندهُ أجرةٌ معيّنةٌ على عمليةِ عرضِ البضاعةِ سواءٌ باعُوا أم لم يبيعُوا. ولهمْ أُجرةٌ معينةٌ على كلِّ صفقةِ بيعٍ يبيعونهَا هيَ نسبةٌ مئويةٌ معيّنةٌ من الثمنِ الذي يبيعونَ فيه. وهكذا تجري وساطةٌ بينَ البائعِ والمشتري في المصانعِ والشركاتِ ولدى التجّارِ والزبائنِ في كلِّ شيءٍ. وتجري في الخضارِ والفواكهِ، كما تجري في القماشِ والحلوياتِ وغيرِها. ففي سوقِ الخضرةِ يبيعُ التاجرُ الخضرةَ لحسابِ الفلاحِ لقاءَ عمولةٍ يأخذُها من الفلّاحِ.
وهذهِ الأعمالُ كلُّها سمسرةٌ والقائمونَ بها سماسرةٌ، لأنّ السمسارَ هو القيّمُ بالأمرِ والحافظُ لهُ. ثم استعملَ في الشخصِ الذي يتولى البيعَ والشراءَ، وقد عرّفَ الفقهاءُ السمسارَ بأنّهُ اسم لمن يعمل للغيرِ بأجرٍ بيعًا وشراءً. وهو يصدُقُ على الدلّالِ. فإنّهُ يعملُ للغيرِ بأجرٍ بيعًا وشراءً. والسمسرةُ والدلالةُ حلالٌ شرعًا، وتعتبرُ من الأعمالِ التجاريةِ. فقد روى قيسُ ابنُ أبي غرزةَ الكنانيُّ قال: كنا نبتاعُ الأوساقَ في المدينةِ ونسمّي أنفسَنا سماسرةً فخرجَ علينا رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم فسمّانا باسمٍ هو أحسنُ من اسمنا قالَ: «يا معشرَ التّجارِ، إن البيعَ يحضرُهُ اللغو والحلفُ فشوبوه بالصدقةِ» ومعناهُ أنّه قد يبالغُ في وصفِ سلعتهِ حتى يتكلمَ بما هو لغوٌ أي زيادة عما يجبُ من القولِ وقد يجازفُ في الحلفِ لترويجِ سلعتهِ فيندبُ إلى الصدقةِ ليمحوَ ذلكَ. هذا دليلٌ على أنّ السمسرةَ حلالٌ شرعًا. إلّا أنه لا بدّ من أن يكونَ العملُ الذي استؤجرَ عليهِ للبيعِ والشراءِ معلومًا، إما بالسلعةِ وإما بالمدةِ، وأن يكونَ الربحُ أو العمولةُ أو الأجرةُ معلومةً. وعلى ذلك فالسمسرةُ بمعناها المعروف بينَ التجار وبينَ الناسِ منذ عهدِ الرسولِ صلى الله عليه وآله وسلم حتى اليومِ يعتبرُ كسبُ أصحابها من الكسبِ الحلالِ.


الإجَارة
الإجارةُ: عقدٌ على المنفعةِ بعوضٍ، ويدخلُ تحتها ثلاثةُ أنواعٍ:
1 ـــــــ عقدٌ على منفعةِ العينِ.
2 ـــــــ عقدٌ على منفعةِ العملِ.
3 ـــــــ عقدٌ على منفعةِ الشخصِ.
والإجارةُ بأنواعِها الثلاثةِ جائزةٌ شرعًا. قالَ الله تعالى: {وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً} (سورة الزخرف: الآية 32) وقولُهُ تعالى: {َإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} (سورة الطلاق: الآية 6) وقالَ صلى الله عليه وآله وسلم: «منِ استأجرَ أجيرًا فَلْيعلِمْهُ أجرَهُ» . وقال: «أَعطُوا الأجيرَ أجرَهُ منْ قبلِ أن يجفَّ عرقُهُ» .
الأجيرُ
عقدُ الأجارةِ الذي يرد على منفعةِ العملِ وعلى منفعةِ الشّخصِ هو الذي يتعلّقُ بالأجيرِ، والأجيرُ هوَ الذي أجّرَ نفْسَهُ. وقد أجازَ الشرعُ إجارةَ الشّخصِ لمنفعةٍ تحصلُ منه، كالخدمةِ في المنازلِ والمكاتبِ والحقولِ ونحوها، أو لمنفعةٍ تحصلُ من عملهِ كالهندسةِ ونحوِها. وحتى تنعقدَ الإجارةُ فإنّهُ يُشترطُ لانعقادِها أهليةُ العاقدَيْنِ بأن يكون كلٌّ منهما عاقلًا مميزًا. فلا تنعقدُ إجارةُ المجنونِ ولا إجارة الصبيّ غيرِ المميِّز. ولو انعقدتِ الإجارةُ فإنّهُ يُشترطُ لصحتها رضا العاقدين، وكونُ المعقودِ عليهِ ـــــــ وهو المنفعةُ ـــــــ معلومًا على وجهٍ يمنعُ المنازعةَ. وهذا العلمُ بالمنفعةِ بالنسبةِ للأجيرِ تارةً يكون ببيانِ المدةِ، وتارةً يكونُ بتحديدِ المنفعةِ أو وصف العملِ المطلوبِ وصفًا تفصيليًا، وتعيينِ ما يعمله الأجيرُ أو تعيينِ كيفيةِ عملِهِ، وعلى ذلك لا تصحّ إجارة المكرهِ ولا تصحُّ إجارةُ المنفعةِ المجهولةِ.
الأجرةُ
يُشترطُ أن يكونَ مالُ الإجارةِ معلومًا بالمشاهدةِ أوِ الوصفِ الرافعِ للجهالةِ. قال صلى الله عليه وآله وسلم: «من كانَ يؤمنُ بالله واليومِ الآخرِ فلا يستعملنَّ أجيرًا حتى يُعلمهُ أجرَهُ» إلا أنه لا تُشترطُ القيمةُ في الأجرةِ كما لا تُشترطُ القيمةُ في ثمن المبيعِ. والفرقُ بين القيمةِ والثمنِ أنَّ القيمةَ هيَ ما توافقُ مقدارَ ماليةِ الشيءِ وتعادلُهُ بحسبِ تقويمِ المقوّمين. وأما الثمنُ فهو ما يقعُ بهِ التراضي وفقَ القيمةِ أو أزيدَ أو انقصَ. ولا يُشترطُ أن تكونَ أجرةُ الأجيرِ قيمةَ العملِ، لأنّ القيمةَ لا تكونُ بدلًا في الإجارةِ فيجوزُ أن تكونَ الأجرةُ أكثرَ من قيمةِ العملِ ويجوزُ أن تكونَ أقلّ من قيمتِهِ. فلو استأجرَ شخصٌ أجيرًا بأجرةٍ معلومةٍ ليصوغَ له قطعةَ ذهبٍ أو فضةٍ صياغةً معلومةً فهوَ جائزٌ، لأنهُ استؤجرَ لعملٍ معلومٍ فلا تُشترطُ المساواةُ بين الأجرةِ وبينَ ما يعملُ فيه من الفضة أو الذهب، لأن ما يشترط له من الأجرة هو مقابل العملِ فقط. وما صلحَ لأن يكونَ بدلًا في البيعِ كالنقودِ ونحوِها صلحَ لأن يكونَ بدلًا في الإجارةِ أي ما صلحَ لأن يكونَ ثمنًا صلحَ لأن يكونَ أجرةً. وأمّا ما لا يصلحُ أن يكونَ ثمنًا في البيع فيجوزُ أن يكونَ بدلًا في الإجارةِ. فإنه لا يجوزُ أن يبيعَ دابةً بسكنى دارٍ سنةً مثلًا ولكن يصحُّ أن يستأجرَ بستانًا بسكنى دارٍ. لأنَّ البيعَ هو مبادلةُ مالٍ بمالٍ، فمعادلةُ المالِ بالمنفعةِ لا تعتبرُ بيعًا، بخلافِ الإجارة فهي عقدٌ على المنفعةِ بعوضٍ، وهذا العوضُ لا ضرورةَ لأن يكونَ مالًا بل قد يكونُ منفعةً.
تقديرُ الأجرةِ
عُرّفتِ الإجارةُ بأنها عقدٌ على المنفعةِ بعوضٍ. وهذا العقدُ يَرِدُ على ثلاثةِ أنواعٍ كما ذكرنا سابقًا، أحدها: نوعٌ يرِدُ على منافعِ الأعيانِ كاستئجارِ الدّورِ والدّوابِّ والسيّاراتِ وما أشبهَ ذلكَ فالمعقودُ عليهِ هوَ منفعةُ العينِ.
وثانيها: نَوعٌ يردُ على منافعِ الأعمالِ كالخياطةِ والهندسةِ وما أشبهَ ذلكَ، فالمعقودُ عليهِ هو منفعةُ العملِ.
وثالثُها: نوعٌ يَرِدُ على منافعِ الأشخاصِ كالخادمِ والحصادِ وما أشبهَ ذلكَ، فالمعقودُ عليهِ هو الانتفاعُ بجهدِ الشّخصِ. فهذهِ الأنواعُ الثلاثةُ كانَ المعقودُ عليهِ فيها هوَ المنفعةُ التي في كلِّ واحدٍ منها، فيكونُ الشّيءُ الذي جرَى عليهِ العقدُ هو المنفعةُ، والمالُ المسمّى هوَ مقابلُ هذهِ المنفعةِ. وعليهِ فإنّ الأساسَ الذي يُبنى عليهِ تقديرُ الأجرةِ هوَ المنفعةُ التي تُعطيها تلكَ العينُ أو يعطيها ذلكَ العملُ أو ذاك الشخصُ، وليست هي بالنسبةِ للعملِ قيمةَ الشّيءِ الذي يعملُ فيه ولا ثمنَهُ، ولستْ هيَ بالنسبةِ للأجير إنتاجَهُ كما أنها ليست سداد حاجةِ الأجيرِ. ولا دخلَ لارتفاعِ مستوى المعيشةِ وانخفاضها في تقديرِ الأجرةِ وإنما يرجعُ تقديرُها لشيءٍ واحدٍ فقط هوَ المنفعةُ، لأنها عقدٌ على المنفعةِ بعوضٍ. وتُقدَّرُ الأجرةُ بالاتفاق المسبق بين الأجير وصاحب العمل، ولا سلطة لأحد في فرض حدٍّ معيّنٍ من الأجور على الناس.
ويجوزُ تقديرُ الأجرةِ مؤقتةً بوقتٍ معينٍ كالسّاعةِ واليومِ والشّهرِ والسّنةِ كما يصح أن تكون على وِحْدَةَ العمل كالأمتار المربعة أو المكعبة، أو العدد أو الوزن إلى آخره.


مقدارُ الأجرةِ
أجرُ الأجيرِ يكونُ أجرًا مسمّى، ويكونُ أجرَ المثلِ. أمّا الأجرُ المسمّى فهوَ الأجرةُ التي ذُكرتْ وتعيّنتْ وقتَ العقدِ. ويُعتبرُ من الأجرِ المسمّى أجرةُ العَمَلةِ الذين عُرفتْ أجرةُ كلٍّ منهم كالموظفينَ في درجةٍ معينةٍ أو كعمالٍ في مصنعٍ معيّنٍ معروفةٍ أجرةُ العاملِ فيهِ. ولذلكَ إذا استخدمتَ عمالًا أو موظفين وسمّيتَ لهم أجرتَهُمْ فيكونُ المسمّى هو أجرَهُم. وإن لم تسمّ أجرتَهُم يُنظرُ إن كانت معلومةً فتُعطى لهم وتُعتبرُ أجرًا مسمّى وإن لم تكنِ الأجرةُ معلومةً فيُعطى لهم أجرُ المِثلِ، وأجرُ المِثلِ هوَ أجرُ مثلِ العملِ ومثلِ العاملِ، أو أجرُ مثلِ العاملِ فقط. ويلزمُ تقديرُ أجرِ المثلِ منْ قبلِ ذوي الخبرةِ، ويلزمُ أهلُ الخبرةِ بتعيينِ الأجرةِ بالنظر إلى شخصِ الأجيرِ وعندَ تقديرِ أجرِ المثلِ ينبغي أن يُنظَرَ إلى ثلاثةِ أمورٍ:
الأول: إذا كانتِ الإجارةُ واردةً على المنفعةِ أن يُنظرَ إلى الشّيءِ الذي تساوي منفعتُهُ منفعةَ المأجورِ.
الثاني: إذا كانتِ الإجارةُ واردةً على العملِ أن يُنظرَ إلى الشّخصِ المماثلِ للأجيرِ بذلكَ العملِ.
الثالث: أن يُنظرَ إلى زمانِ الإيجارِ ومكانِهِ، لأنّ الأجرةَ تتفاوتُ بتفاوتِ المنفعةِ والعملِ والزمانِ والمكانِ.
وأجرُ المثلِ تتوقفُ معرفتُهُ على أهلِ الخبرةِ، فلا تجوزُ إقامةُ البيّنةِ عليهِ من المدّعي، بلْ يجبُ أن يقدّرَهُ أهلُ الخبرةِ غيرُ المتحيّزينَ، فينتخبهم الخصمانِ بالاتفاقِ، وإن لم يتّفقا فينتخبهم الحاكمُ.


دفعُ الأجرةِ
يجوزُ تعجيلُ الأجرةِ ويجوزُ تأجيلُها. فإذا اشترطَ العاقدانِ تعجيلَ الأجرة أو تأجيلَها يراعَى شرطُهما. فقال صلى الله عليه وآله وسلم: «المسلمونَ عندَ شروطِهِمْ» فَيُعتبرُ ويراعَى كلّ ما اشْترَطَ العاقدانِ، وأمّا إنْ لمْ يشترطا شيئًا في تعجيلِ الأجرةِ أو تأجيلِها ينظرُ، فإذا كانتِ الإجرَةُ مؤقتةً بوقتٍ معيّنٍ كالشهريةِ والسنويةِ، يلزمُ إيفاؤها عند انقضاءِ ذلكَ الوقتِ، فلو كانت مشاهرةً تُؤدَّى عندَ نهايةِ الشهر، وإنْ كانتْ مسانهةً ففي ختامِ السّنةِ. أمّا إذا كانت الإجارةُ على عملٍ، مثل خياطةِ ثوبٍ أو تصليحِ سيارةٍ أو صنعِ خزانةٍ أو ما شاكلَ ذلكَ، فإنّه يلزمُ إيفاؤها عندَ الانتهاء من العملِ، لقولِ رسولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم: «أعطُوا الأجيرَ أجرَهُ قبلَ أن يجفَّ عرقُهُ» ومعناهُ بعد أنْ ينتهيَ من عملِهِ مباشرةً.
ويجبُ إعطاءُ الأجرةِ على موجبِ الصورةِ التي تَظهرُ فعلًا. فمثلًا لو قيلَ للنجارِ: إن صنعتَ حفرًا فلكَ كذا أو صنعتَ خزانةً بدون حفرٍ فلكَ كذا، فأيَّ الصورتينِ صنعَ فلهُ أجرَتُهَا.
أنواعُ الأجرةِ
ينقسمُ الأجيرُ إلى خاصٍ ومشتركٍ.
الأجيرُ الخاصُّ هو الذي يعملُ لواحدٍ معيّنٍ. أو أكثرَ، عملًا مؤقتًا مع التّخصيصِ أي هو الذي يختصُّ بالمؤجِّر وحدهُ ويُمنعُ منْ أنْ يعملَ لغيرِهِ طوالَ مدةِ الإجارة. فلو استأجرَ شخصٌ أو أكثرُ طاهيًا ليطبخَ لهم خاصةً مع تعيينِ المدةِ كانَ ذلكَ الطاهي أجيرًا خاصًا.
والأجيرُ المشتركُ هو الذي يعملُ لواحدٍ عملًا غيرَ مؤقتٍ أو عملًا مؤقتًا بلا اشتراطِ التّخصيصِ عليه، أي هوَ الذي لا يختصُّ بصاحبِ العملِ، بل يجوز لهُ أن يعملَ عندَ غيرهِ. فلو استأجرتَ دهّانًا غيرَ مشترطٍ عليهِ أن يدهنَ لسواكَ، فهو أجيرٌ مشتركٌ...
والأجيرُ الخاصُّ يستحقُّ الأجرةَ بتسليم نفسهِ في المدةِ لتأديةِ ما كُلِّفَ بهِ مع تمكنهِ من العملِ، سواءٌ قام بالعملِ أم لم يقمْ، فاستحقاقُهُ للأجرِ يكونُ بحسبِ المدةِ لا بحسبِ العملِ. ولذا لا يجوزُ لهُ أن يعملَ في مدةِ الإجارةِ عملًا لغيرِ مستأجرهِ. فإن عملَ لغيرِهِ نقصَ من الأجرِ بقدرِ ما عملَهُ. والأجيرُ المشتركُ يستحقُّ الأجرةَ على نفسِ العملِ كالدّهّانِ والنجّارِ والخيّاطِ إلخ...
فاستحقاقهُ للأجر يكونُ بحسبِ العملِ لا بحسبِ المدةِ. والفرقُ بينَ الأجيرِ الخاصِّ والأجيرِ المشتركِ منْ حيثُ الضمانُ، هو أنّ الأجيرَ الخاصَّ أمينٌ فإن هلكَ الشيءُ في يدِه بدونِ تعمدٍ وبدونِ تقصيرٍ وإهمالٍ فلا ضمانَ عليه. والأجيرُ المشتركُ إما أن يهلكَ الشيءَ بفعلِهِ أو لا. فإن هلكَ الشيءُ بفعلِهِ ضمنهُ سواءٌ أكانَ هلاكُهُ بالتّعَدِّي أم لم يكن. وإن هلكَ الشيءُ بغيرِ فعلِهِ يُنظرُ، فإن كانَ مما لا يُمكنُ الاحترازُ عَنْهُ لا يضمنُ. أما إنْ كانَ يمكنُ الاحترازُ عنه ولم يحترزْ يضمنُ. وذلكَ لأنَّ الشيءَ الذي يعملُ فيهِ الأجيرُ الخاصّ، وإن كانَ تحتَ يدهِ، فإنّهُ تحتَ تصرّفِ المستأجر لا تحتَ تصرّفِ الأجيرِ. ومن هنا كانت يدُهُ يدَ أمانةٍ، بخلافِ الأجيرِ العامِّ فإنّ الشيءَ الذي يعملُ فيهِ هوَ تحتَ تصرّفِهِ لا تحتَ تصرّفِ المستأجرِ ولذلكَ لم تكنْ يدُهُ يدَ أمانةٍ بل كانَتْ يدَ متصرّفٍ.
والفرقُ بينهما من حيثُ استحقاقُ الأجرةِ أنَّ الأجيرَ الخاصَّ يستحقُّ الأجرةَ إذا كانَ في مدةِ الإجارةِ حاضرًا للعملِ ولا يشترطُ عملُهُ بالعملِ، والأجيرُ المشتركُ لا يستحقُّ الأجرةَ إلّا بالعملِ.
ومدةُ الإجارةِ للأجيرِ الخاصِّ إمّا أن تكونَ معينةً في العقدِ أو غيرَ معينةٍ، فإنْ كانتْ غيرَ معينةٍ فسدَ العقدُ لجهالتِها، فلكلٍّ من العاقدَيْنِ فسخُها في أيّ وقتٍ أرادَ، وللأجيرِ أجرةٌ مِثلهِ مدةَ خدمتِهِ. وإن كانتْ معينةً في العقدِ وفسخَ المستأجرُ الإجارةَ قبلَ انقضاءِ المدةِ بلا عذرٍ ولا عيبٍ في الأجيرِ يوجبُ الفسخَ كمرضِهِ أو عجزهِ عن العملِ، فإنّهُ يجبُ على المستأجر أن يؤدّيَ إلى الأجيرِ الأجرةَ إلى تمامِ المدةِ سواءٌ أكانَ الأجيرُ خادمًا أم مزارعًا أم غيرَ ذلك. أمّا إنْ فسخَ الإجارةَ لعذرٍ أو عيبٍ ظهرَ في الأجيرِ يوجبُ الفسخَ فإنّهُ ليسَ عليهِ أن يؤدّيَ الأجرةَ إلّا إلى الوقتِ الذي فُسِخَتْ فيهِ الإجارةُ.
لا يُوجَد في الإسلام مشكلة عُمّالٍ
كانَ النظامُ الرأسماليُّ في الاقتصادِ مطبّقًا على العالمِ الغربيِّ وعلى روسيا قبلَ أن يحكمَها الحزبُ الشّيوعيُّ. ومِنْ أُسُسِ هذا المبدأ الحريةُ الملكيةُ. فنتجَ عن ذلكَ استبدادُ أصحابِ الأعمالِ بالأجراءِ. ما دامَ التّراضي قائمًا وما دامت نظريّة الالتزامِ هي التي تتحكمُ فيهمْ. وقد لاقى الأجراءُ من أصحابِ الأعمالِ العنتَ والإرهاقَ والظلمَ والاستغلالَ البشعَ لعرقِهِمْ وجهودِهم، وحينَ ظهرتِ الفكرةُ الاشتراكيةُ ونادتْ بإنصافِ الأجيرِ، ظهرتْ على أساسِ معالجةِ مشاكلِ الأجراءِ وليسَ على أساسِ معالجةِ عقدِ الإجارةِ. ولذلكَ جاءتِ الاشتراكيةُ بحلولٍ لإنصافِ الأجيرِ، بتحديدِ وقت عملِهِ، وتحسينِ أجرتِهِ، وضمانِ راحتِهِ، فهدمتْ نظريةَ الالتزامِ، وأظهرتْ عدمَ صلاحيّتِها لمعالجةِ المشاكلِ، فاضطُرَّ فقهاءُ القانونِ الغربيّ لأن يغيروا نظرتَهم للالتزام حتى تستطيعَ أن تثبتَ أمامَ المشاكل، ولذلكَ أدخلوا تعديلاتٍ لترقيعِ نظريّتهم، فعقدُ العملِ قد أدخلت عليهِ قواعدُ وأحكامٌ، تهدفُ إلى حمايةِ الأجيرِ، وإلى إعطائهِ من الحقوقِ ما لم يكنْ لهُ مِنْ قبلُ، كحريةِ الاجتماعِ، وحقِّ تكوينِ النقابةِ، وحقِّ الإضرابِ، وإعطائهِ تقاعدًا وإكرامياتٍ وتعويضاتِ نهايةِ الخدمةِ إلخ... معَ أنَّ نصَّ نظريةِ الالتزامِ لا يبيحُ مثلَ هذهِ الحقوقِ. ولكنْ جرَى تأويلُ هذهِ النظريةِ لمعالجةِ مشاكلِ الأجراءِ التي أوجدتْها الأفكارُ الاشتراكيةُ بينَ الأجراءِ. ثم جاءتْ النظريةُ الشّيوعيةُ لتمنعَ ملكيةَ الأعمالِ، وتُعطي الأجيرَ ما يحتاجُهُ مطلقًا. ومن تباينِ وجهاتِ النظرِ بينَ المبدأينِ: الاشتراكيِّ ومنه الشيوعيُّ والمبدأ الرأسماليِّ، نحو الملكيةِ ونحوَ الأجيرِ، نشأتْ لديهمْ مشكلةُ الأجراءِ، وصارَ لكلّ منهما طريقةٌ خاصةٌ في حلِّ هذهِ المشكلةِ التي أوجدتها نظرتُهما المختلفةُ نحوَ الحياةِ. أمّا في الإسلامِ فلا توجدُ مشكلةٌ تسمّى مشكلةَ عمالٍ ولا تُقسمُ الأمّةُ الإسلاميّةُ إلى طبقاتِ عمالٍ ورأسماليّينَ، أو فلاحينَ وأصحابِ أراضٍ.
والقضيةُ كلُّها تتعلقُ بالأجيرِ سواءٌ أكانَ استئجارُهُ على العملِ كالأخصائيينَ والفنيينَ أمْ كان استئجارُهُ على جهدِهِ فقط كسائرِ الأجراءِ. وسواءٌ أكانَ أجيراً عندَ أشخاصٍ أم أجيرًا عند جماعاتٍ أم أجيرًا عند الدولةِ، وسواءٌ أكانَ أجيرًا خاصًا أم أجيرًا مشتركًا فكلّهُ أجيرٌ، والأجيرُ قد سبقَ ووضّحنا أحكامَهُ وبيّناها. أما تعيينُ أجرةٍ معينةٍ من قِبَلِ الحاكم فلا يجوزُ قياسًا على عدمِ جوازِ التسعيرِ للسّلعِ لأنّ الأجرةَ ثمن المنفعةِ، والثمن ثمنُ السلعةِ. وكما أنّ سوقَ السلعِ يقرّرُ سعرَ السلعةِ تقريرًا طبيعيًّا فكذلكَ سوقُ المنافعِ للأجراءِ تقرّرُها الحاجةُ إلى العمالِ. إلّا أنّ على الدولةِ أنْ تهيّئ الأعمالَ للعمالِ «الإمامُ مسؤول عن رعيتهِ» وعلى الدولة أن ترفعَ ظلمَ أصحابِ الأعمالِ عن العمالِ فإنّ السكوتَ على الظلمِ معَ القدرةِ على إزالتِهِ حرامٌ فيهِ إثمٌ كبيرٌ. وإذا قصّرتِ الدولةُ في رفعِ الظلمِ أو ظلمتْ هيَ الأجراءَ كانَ على الأمةِ كلّها أنْ تُحاسبَ الدّولةَ وأنْ تسعَى لإزالةِ الظلمِ، وليسَ هذا على الأجراءِ الذين ظُلموا وحدَهُم، كما هي الحالُ اليومَ في معالجاتِ مشاكلِ العمالِ بالإضراباتِ والتظاهراتِ لأن ظلمَ أيِّ فردٍ من الرعيّةِ وتقصيرَ الدولةِ في رعايةِ شؤونهِ، أمرٌ يتعلقُ برعايةِ شؤونِ الأمةِ كلِّها، لأنّهُ تنفيذُ حكمٍ شرعيٍّ، وإن كانَ واقعًا على جماعةٍ معينةٍ.
أمّا ما يحتاجُهُ العمالُ من ضمانٍ صحيّ لهم ولأهلِهمْ، وضمانِ نفقاتِهم عند انتهائِهم منَ الخدمةِ، وضمانِ شيخوختهمْ، وضمانِ تعليم أبنائِهِم وما شاكلَ ذلكَ من الضماناتِ، فلا يُبحثُ فيها في الإسلامِ عند بحثِ الأجيرِ والأجراءِ، لأنّ هذهِ ليستْ على المستأجرِ، وإنّما هيَ على الدولةِ، وليستْ هي للعمالِ فقطْ، وإنّما هيَ لكلِّ عاجزٍ منَ الرعية، لأنّ الدولةَ تضمنُ التطبيبَ والتعليمَ مجانًا للجميعِ، وتضمنُ للعاجِزِ الإنفاقَ عليهِ سواءٌ أكانَ عاملًا أم غيرَ عاملٍ، لأنّ هذا مما هو فرضٌ على بيتِ مالِ المسلمينَ.
وعليهِ فلا توجدُ مشكلةُ عمالٍ، ولا توجدُ مشكلةٌ خاصةٌ تتعلقُ بجماعةٍ معينةٍ أو فئةٍ من الأمةِ، فكلُّ مشكلةٍ تتعلقُ برعايةِ شؤونِ الرعيّةِ فالدولةُ مسؤولة عن حلِّها، والأمةُ كلّها تحاسبُ الدولةَ وليس المسؤولُ فقط أو صاحبُ المشكلةِ أو مَنْ وقعَ عليهِ الظّلمُ.
استئجارُ الأعيانِ
إذا وردَ العقدُ على منافع الأعيان كاستئجارِ الدورِ والسياراتِ وما شابهَ ذلكَ، فإنّ المعقودَ عليهِ يكونُ منفعة العينِ، ومتى تمَّ استئجارُ العينِ فقد صارَ للمستأجرِ أنْ يستوفيَ منفعةَ العينِ التي استأجرها فإذا استأجرَ دارًا، فلهُ سكناها أو سيارةً فلهُ أن يستقلّها، وللمستأجرِ أن يؤجِّرَ بمثلِ ما استأجرَ أو بأزيدَ أو بأنقصَ، لأنّ قبضَ العينِ المستأجرةِ قامَ مقامَ قبضِ المنافعِ، بدليلِ أنهُ يجوزُ التصرفُ فيها فجازَ العقدُ عليها، ولأنّهُ عقدٌ يجوزُ برأسِ المالِ فجازَ بزيادةٍ أو بنقصانٍ. إلّا أنهُ إذا استأجرَ العينَ لمنفعةٍ فلهُ أنْ يستوفيَ مثلَ تلك المنفعةِ وما دونهَا في الضررِ، وليسَ لهُ أنْ يستوفيَ أكثرَ مِنْ مثلِ تلكَ المنفعةِ، لأنّهُ لا يجوزُ لهُ أنْ يستوفيَ أكثرَ من حقّهِ أو غيرَ ما يستحقُّهُ، فإنِ استأجرَ سيارةً لمسافةٍ معينةٍ، لم يجزْ لهُ أن يستقلّها مسافةً أكبرَ من المسافةِ التي استأجرها لها، وإنِ استأجر دارًا يسكنُها، فليسَ لهُ أن يجعلَها مستودعًا، مما يكونُ أكثرَ ضررًا على الدارِ من السكنى. والحاصلُ أن العقدَ إذا وردَ على العينِ بعوضٍ كان بيعًا وإذا وردَ على منفعةِ العينِ بعوضٍ كان إجارةً. وكما أن المشتريَ للعينِ يملكُ العينَ، ويتصرفُ بها سائرَ التصرفاتِ، فكذلكَ يملكُ المستأجر المنفعةَ التي ملكها بالاستئجارِ، وله أن يتصرفَ بها سائرَ التصرفاتِ. وعليهِ فإنهُ يجوزُ للمستأجِرِ أن يؤجّرَ العينَ المستأجرة إذا قبضها، لأن قبضَ العينِ حينَ الاستئجارِ قائمٌ مقامَ قبضِ المنافعِ، بدليل أنّهُ يجوزُ التصرفُ فيها فجازَ العقدُ عليها. ومتى تمَّ استئجارُ العينِ وقبضُ منفعتها ملكَ المستأجرُ جميعَ التصرفاتِ الشرعيّة في منفعةِ العينِ التي استأجرها لأنها ملكهُ، فلهُ أن يؤجّرها بالأجرةِ التي يراها مهما بلغتْ، فلو استأجرها بمئةٍ وأجّرها بثلاثمائةٍ جازَ، لأنهُ يملكُ المنفعةَ فيملكُ تأجيرها بما يراهُ هو لا بما استأجرَها.
وعلى هذا فإن ما يسمّى بالخلوِّ للمخازنِ والدورِ وغيرِها جائزٌ لأنّ المستأجرَ يؤجّرُ الدارَ أو المخزنَ بمبلغٍ زائدٍ عليها يُدفعُ لهُ، وهذا تأجيرٌ للعينِ التي استأجرَها بزيادةٍ على الأجرةِ التي استأجرها بها، وهو كالبيعِ بعدَ قبضهِ يجوزُ بيعُهُ بزيادةٍ عما اشتراهُ. وهناكَ مسألةُ تسليمِ المأجورِ للمالكِ عندَ انتهاءِ العقدِ هل هي واجبةٌ عليهِ أم لا؟
والجوابُ على ذلكَ هوَ أنَّ إعادةَ المأجورِ للمستأجرِ واجبةٌ عليهِ، إنْ كانَ المأجورُ تحتَ يدِهِ، لما رُويَ عنْ رسولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم، قالَ: «على اليدِ ما أخذتْ حتّى تؤديَهُ» . أمّا إنْ لمْ يكنِ المأجور تحتَ يدِهِ يُنظرُ، فإن اغتصِبَ منهُ غصبًا فإن على الغاصبِ أن يُرجِعَ العينَ المأجورةَ لصاحبها وليسَ على المستأجرِ لأنّ الغاصب هو المأمورُ بردِّ العينِ، قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لا يأخذنَّ أحدُكُم متاعَ أخيهِ جادًّا ولا لاعباً، وإذا أخذ أحدُكم عصا أخيهِ فَليردَّها عليه» وهذا عامٌ سواءٌ أخذها من صاحبها أم من غيرهِ. أما إن أعادَ المأجورَ لغيرهِ أو أجّرهُ لهُ فإنّهُ بعد انتهاءِ العقدِ الذي بينهُ وبينَ صاحبِ الملكِ يجبُ عليهِ تسليمُ المأجور لمالكهِ وذلكَ لعمومِ حديثِ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: «على اليدِ ما أخذتْ حتى تؤدّيَهُ» ولم يأتِ نصٌّ آخرُ في الإِجارةِ يستثنيهِ كما وَرَدَ في الغصبِ ولذلكَ يبقى على عمومهِ.
وعلى ذلكَ إذا أجّرَ شخصٌ دارًا لآخرَ ثم أجّرَها المستأجرُ لغيرِهِ بأجرةٍ أزيدَ وانتهتْ مدةُ الإجارةِ للمستأجرِ الأولِ انتهى العقدُ وصارَ لزامًا عليهِ أن يسلِّمَ الدارَ لصاحِبها، إلّا أنْ يجدّدَ صاحبُها العقدَ معهُ فتظلّ تحتَ سلطانهِ، أو يجدِّدَ صاحبُها العقدَ معَ المستأجر الثاني ويعتبر نفسهُ قد تسلّمَ الدارَ من المستأجرِ الأولِ. وإذا أجّرَ أحدٌ دارَهٌ فعلى المؤجِّرِ إتمامُ ما يتمكنُ بهِ المستأجرُ من الانتفاعِ، كتسليمِ مفاتيحِ الدارِ وتبليطِها، ومجرى الماءِ، وكلِّ ما يحتاجُ إلى إصلاحهِ أو إيجادِهِ ليتمكن منَ الانتفاعِ بالدارِ، أمّا إن كانَ لاستيفاءِ المنافع كالسلّمِ المتنقّلِ وساعةِ الماءِ وساعةِ الكهرباءِ فعلى المستأجرِ. أمّا ما يجبُ لزخرفةِ البيتِ فلا يَلزمُ واحدًا منهما لأنَّ الانتفاعَ ممكنُ بدونهِ، أمّا طرشُ الدارِ وفتحُ مجاري المياهِ، فهما عندَ الإيجارِ على المؤجّر، لأنَ ذلكَ مما يُتمكنُ بهِ من الانتفاعِ، أمّا نقلُ النفّاياتِ فهوَ على المستأجرِ. فإذا شَرَطَ المؤجّرُ على المستأجرِ في عقدِ الإجارةِ دفعَ نفقاتِ ما أوجبهُ الشرعُ عليه مما يمكنُ به منَ الانتفاعِ فالشرطُ فاسدٌ لمخالفتهِ مُقتضى العقدِ. وكذلكَ لو شَرَطَ المستأجرُ على المؤجّرِ دفعَ نفقاتِ العقدِ وإذا ماتَ المؤجّرُ والمستأجرُ أو أحدُهما فالإجارةُ تبقى على حالِها. لأنّ الإجارة عقدٌ لازمٌ لا ينفسخُ بالموتِ مع سلامةِ المعقودِ عليهِ.
الرشوةُ والهديةُ
كلّ منْ يتوجّبُ عليهِ قضاءُ مصلحةٍ منْ مصالحِ الناسِ ويأخذُ مالًا من أجلِ قضاءِ هذه المصلحةِ، لا يكونُ المالُ الذي أخذهُ أجرةً ولا بحالٍ من الأحوالِ، بل يكونُ رشوةً. فالرشوةُ هي المالُ الذي يُعطى من أجلِ قضاءِ مصلحةٍ يجبُ على الآخذِ قضاؤها، أو يُعطى لكي لا يقومَ الآخذ بتنفيذِ ما يجبُ عليهِ القيامُ به.
ويقالُ لدافعِ الرشوةِ الرّاشي، وللقابضِ لها المرتشي، وللوسيطِ بينهما الرائش.
والرشوةُ حرامٌ بصريحِ النصوصِ. قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لعنةُ الله على الراشي والمرتشي» . وروى أحمدُ عن ثوبان قالَ: «لعنَ رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم الراشي والمرتشي والرائش». وهذهِ الأحاديثُ عامةٌ فتشملُ كلّ رشوةٍ سواءٌ أكانت لطلبِ حقّ أم باطلٍ، وسواء أكانت لدفعِ أذى أم لجلبِ منفعةٍ، لرفعِ ظلمٍ أم لإيقاعِ ظلمٍ، فكلُّها حرامٌ. ولا يقالُ: الرشوةُ حرامٌ لأنها طلبُ باطلٍ أو إضاعةُ حقّ، فإن كانتْ كذلكَ فهيَ حرامٌ، أمّا إنْ كانتْ لطلبِ حقّ أو رفعِ ظلمٍ فهيَ حلالٌ، لا يقالُ ذلكَ لأنّ هذا يعني أنّ تحريمَ الرشوةِ جاءَ معللًا بعلةٍ، فإذا وُجدتْ وُجدَ الحكمُ، وإذا ذهبتْ ذهبَ الحكمُ. وهذا غيرُ صحيحٍ، لأنّ جميعَ النصوص التي جاءتْ في تحريمِ الرشوةِ لم تُعلّلْ.
ولا يُقالُ: إن قضاءَ الحقِّ، ولو أُخذَ مِنْ صاحبهِ رشوةٌ، جازَ لأنّهُ أخْذُ مالٍ للقيامِ بعملٍ حلالٍ وهوَ قضاءُ الحقِّ، لا يُقالُ ذلكَ لأنّ النصوصَ التي حرّمتِ الرشوةَ جاءت عامّةً فتبقَى على عمومها تشملُ جميعَ أنواعِ الرشوةِ. فإذا أُريدَ تخصيصُها واستثناءُ بعضِ أنواعِ الرشوةِ احتاجَ الأمرُ إلى نصّ آخرَ يخصّصُها، لأنّ النصَّ لا يخصّصُهُ إلّا نصٌّ منْ كتابٍ أو سنّةٍ، ولم يردْ نصٌّ فتبقى عامّةً دونَ تخصيصٍ.
ولا فرقَ في تحريمِ الرشوةِ بينَ أن تكونَ للحاكمِ أو للموظّفِ أو للقاضي أو غيرِ ذلكَ فكلُّها حرامٌ.
ومثلُ الرشوةِ في الحرمةِ الهديةُ تهدَى للحكامِ والقضاةِ وغيرِهم من أصحابِ النفوذِ، حتّى عدّها بعضُ الفقهاءِ من الرشوةِ لأنها تُشبهُها من حيثُ كونها مالًا يُؤخذُ من أجلِ القيامِ بعملٍ يجبُ القيامُ بهِ. والفرقُ بينَ الرشوةِ وبينَ الهديةِ التي تُهدى للحكامِ والقضاةِ وأمثالِهِمْ هوَ أن الرشوة يُعطى فيها المالُ مقابلَ قضاءِ المصلحةِ، أمّا هدايا الحكّامِ والقضاةِ وغيرهم مِن أصحابِ النفوذِ فإنّ المالَ الذي يُهدى لهم من صاحبِ المصلحةِ لا مقابلَ قضاءِ مصلحةٍ معينةٍ بل لأنهم يتولّونَ فعلًا قضاءَ المصالحِ بأنفسهم وبواسطتهم.
ومِنْ هنا كانتِ الرّشوةُ والهديةُ التي تهدى للقاضي وأمثالهِ متشابهتينِ وتُقاسُ إحداهما على الأخرى ولكنَّ واقعَهما فيهِ شيءٌ من الاختلافِ، وقد جاءَ تحريمُ الهديةِ صريحًا في الأحاديثِ. فقد روى أبو حميدٍ الساعديُّ أن النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم استعملَ رجلًا على صدقاتِ بني سليمٍ فلما جاءَ إلى رسولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم قالَ: هذا لكم وهذهِ هديةٌ أهديت لي، فقالَ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «فهلْ جلستَ في بيتِ أبيكَ وأمّكَ حتى تأتيَكَ هديتُكَ إن كنتَ صادقًا؟» ثم قامَ رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم فخطبَ في الناسِ وحمدَ الله وأثنَى عليه ثمَّ قالَ: «أما بعدُ فإني استعملُ رجالًا منكم على أمورٍ مما ولّاني الله فيأتي أحدُكم فيقول: هذا لكم وهذهِ هديةٌ أهديت لي. فهلّا جلسَ في بيتِ أبيهِ وأمهِ حتى تأتيه هديتُهُ إن كانَ صادقًا. فوالله لا يأخذُ أحدُكم منها شيئًا بغيرِ حقّهِ إلّا جاءَ الله يحملُهُ يومَ القيامةِ» وعن بريدةَ عنِ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قال: «من استعملناهُ على عملٍ فرزقناهُ رزقًا فما أخذهُ بعدَ ذلكَ فهو غلولٌ» فهذه الأحاديثُ كلُّهَّا صريحةٌ في أنّ الهدايا التي تُهدى لمن يتولّونَ الأعمالَ العامّة حرامٌ سواءٌ أُهديت بعدَ القيامِ بعملٍ معين أو قبلَ القيامِ بهِ أو أُهديت له لأنّهُ صاحبُ صلاحيةٍ في أمرٍ من الأمورِ، أو أُهديتْ لهُ لأنّ لهُ وجاهةً عندَ مَنْ بيدهِ قضاءُ المصلحةِ فهذهِ كلُّها حرامٌ. إلّا أنَّ الهديّةَ لهؤلاءِ تكونُ حلالًا إن كانَ من عادةِ المهدي أن يهديَ لهم، سواءٌ أكانوا يتولَّونَ قضاءَ مصالحِ الناسِ أم لا، فإنّهُ تجوزُ الهديةُ لهم ولا غبارَ عليها. لأنَّ الرسولَ صلى الله عليه وآله وسلم يقولُ في الحديثِ: «فهلا جلستَ في بيتِ أبيكَ وأمكَ حتى تأتيَكَ هديتُكَ إن كنتَ صادقًا» وهذا يعني أن الهديةَ التي من شأنِ مُهديها أنْ يهديَها فهيَ جائزةٌ في حالِ توليةِ قضاءِ المصالحِ كما هيَ جائزةٌ في حالِ عدمِ توليةِ قضاءِ المصالحِ، ولا تنطبقُ عليها أحاديثُ النهي فهيَ مستثناةٌ منها بمفهومِ الحديثِ.
الرَّهن
كثيرًا ما يقترضُ الناسُ من بعضهِم نقدًا لأجَلٍ، أو يشترونَ سلعةً مُعَجّلَةَ القبضِ بثمنٍ مؤجَّل، أو يستأجرونَ دارًا أو سيّارةً أو دابةً بأجرةٍ مؤجّلةٍ، أو يطبعونَ كتابًا بأجرةٍ مؤجّلةٍ، أو يستصنعونَ شيئًا كخزانةٍ أو حذاءٍ مثلًا بثمنٍ مؤجّلٍ، على أن يكونَ دينًا لصاحبِ السلعةِ أوِ الدارِ أوِ السيّارةِ أوِ المطبعةِ أوِ المصنَعِ أو غيرِ ذلكَ. ولأجلِ أن يستوثقَ الدائنُ أوِ البائعُ أوِ المؤجّرُ إلخ... من سدِّ دَينهِ يطلبُ رَهنًا فيرهَنُ المدينُ عندَ الدائنِ شيئًا يأمَنُ بهِ على دَينِهِ. ونظرًا لرغبةِ النّاس في الربحِ، فإنهم يحرصونَ على أن ينتفعَ المرتهنُ بالعينِ المرهونةِ فيشترطونَ عندَ الرّهنِ الانتفاعَ بالعينِ المرهونةِ، وقد يتفِقُون منْ غيرِ شرطِ، وقد يكونُ ذلكَ بإذنِ الرّاهنِ، وقد يكونُ بغيرِ إرادتهِ. وكثيرًا ما يُقدمونَ على هذا العمَلِ دونَ أن يفكّروا في جوازِ ذلكَ شرعًا. أو عدَمِ جوازهِ حيثُ تركّزَتْ في أذهانهم النّفعيّةُ الرأسمالية مَعَ أنّ الواجبَ على المسلمِ أن يوفِّقَ بينَ أعمالِهِ وأوامرِ الله ونواهيهِ، ويتقيّدَ بالأحكامِ الشرعيّةِ، فما كانَ حلالًا فَعَلَهُ، وما كانَ حرامًا تركَهُ، لأنّ مقياسَ المسلمِ في أعمالهِ طاعةُ أوامرِ الله ونواهيهِ، وغايتُهُ من هذهِ الحياةِ نَيْلُ رضوانِ الله لا كَسْبُ المالِ كَيْفَما كانَ الكسْبُ.
والرّهنُ منَ الأحكامِ الشرعيّةِ، والانتفاعُ بالمرهونِ حُكْمٌ مِنْ أحكامِ الرّهْنِ. والحكمُ الشرعيّ أنّ الرهنَ جائزٌ بنصِّ القرآنِ والحديث قالَ تعالى: {وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِباً فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ}، ورُويَ أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم اشترى منْ يهودي طعامًا وَرَهَنَهُ دِرْعَهُ. والرّهْنُ في الشرعِ مالٌ بمثابةِ وثيقةٍ بالدّينِ ليستوفيَ الدّائنُ من ثمنِهِ إذا تعذّرَ استيفاؤهُ منَ المدينِ. ولا بُدَّ أنْ يَقبِضَ المُرتَهِنُ الرهنَ، ولا يصحّ الرهنُ إلّا أن يكونَ مقبوضًا. ولكن تختلفُ كيفيّةُ القبضِ باختلافِ نوعِ العَينِ، فإن كانتِ العَينُ المرهونَةُ ممّا يُنْقَلُ كالدّابّةِ والسّيَارَةِ فَقَبْضُ المُرتَهنِ للرهنِ أخْذُهُ إيّاهُ منقولًا، وإن كانَ الرّهنُ ممّا لا يُنقَلُ كالدّارِ والأرضِ فَقَبْضُهُ تخليَةُ راهنهِ بَيْنَهُ وبينَ مرتهِنِهِ بدونِ حائلٍ فَيَفْتَحُ لهُ بابَ الدّارِ أو يسلّمُهُ المفاتيحَ، أو يخلي بَيْنَهُ وبينَ الأرضِ، ولكن لا يعني ذلكَ أنّ تَسَلّمَ المرتَهِنِ الرّهْنَ وَجَعلَهُ تحتَ يدهِ، أنْ يَنْتَفِعَ بهِ، بلْ هوَ لمجرّدِ اطمئنانهِ على دينهِ فَقَطْ، ويبقى الرّهنُ لمالكهِ، ولوِ استحق المرتَهِنُ الدّينَ على الراهن.
وقد كانَ المرتَهِنُ في الجاهليةِ يتملّكُ الرّهنَ، إذا لم يؤدِّ الراهنُ إليه ما يستحقّهُ في الوقتِ المضروبِ فأبطَلَهُ الإسلامُ. قال صلى الله عليه وآله وسلم: «لا يغلقُ الرّهنُ من صاحبهِ الذي رهَنَهُ لَهُ غنمُهُ وعليهِ غُرْمُهُ» . فقولُ الرسولِ: «لا يغلِقُ الرهنُ من صاحبهِ»، أي لا يستحقّ المرتهن الرّهنَ، إذا لم يفكّهُ صاحبهُ في الوقتِ المشروطِ. فتبقى العينُ المرهونةُ مُلكًا للرّاهنِ، وتبقى مَنْفَعَتُها مُلكًا لهُ، لأنها غنمهُ كما دلّ على ذلك قولُ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.
وعلاوةً على ذلكَ فإنّ المنفَعَةَ نماءٌ للعينِ المرهونَةِ سواءٌ كانت منفعةً كسُكنى الدّارِ أو عَينًا كثمرِ الشّجَرِ، فهي ملكٌ للراهنِ لم يُعقّد عليها عَقدُ الرّهنِ فلم تكن رهنًا.
وما دامَتِ المنفعةُ ملكَ الرّاهنِ فإنّ لهُ أن يستوفيَها، فلهُ أنْ يؤجّرَ الدّارَ لمرهونَةَ وأن يستوفيَ أُجرَتَهَا سواءٌ أجرّها للمرتَهِنِ أو لغيرِهِ، ولا تكونُ هذهِ الأجرةُ رَهنًا، بل تكونُ مُلْكًا للراهنِ، ولا تَتْبَعُ الرّهنَ، لأنها ليست من توابعِ العقارِ التي تدخلُ في البَيْعِ دونَ ذكْر مفاتيحِ الدّارِ. وبناءً عليهِ فليسَ للمرتهنِ الانتفاعُ بالعينِ المرهونَةِ بحجّةِ أنها مرهونةٌ لهُ، أو أنها تحتَ يدهِ، بل تبقى مَنْفَعَتُها لصاحبِها. ولما كانت مَنْفَعَةُ العينِ لمالكها فإنّ لهُ أنْ يهبَ هذهِ المنفعَةَ. كما لهُ أنْ يهبَ العينَ، ولهُ أن يأذَنَ مَنْ يشاءُ بالانتفاعِ بالعينِ. والسؤالُ الذي يرِدُ هنا:
هل يجوزُ للمرتهنِ أن يَنتفعَ بالعينِ بإذنِ الرّاهنِ أم لا؟
والجوابُ على ذلكَ فيهِ تفصيلٌ، وهو أنّهُ إنْ كانَ الرهنُ بثمَنِ بَيْعٍ، أو أُجرةِ دارٍ أو أيّ حقٍّ مالي غير القَرضِ جاز للمرتهنِ الانتفاعُ بالعَينِ المرهونَةِ بإذنِ الرّاهنِ، وذلكَ لأنّهُ مُلكهُ ولهُ أنْ يأذَنَ لمن يشاءُ الانتفاعَ بهِ ـــــــ ويشمل ذلكَ المرتهن ـــــــ ولا يوجدُ نَصّ يمنعُ ذلكَ، ولأنّهُ يجوزُ للبائعِ أنْ يزيدَ الأجرةَ إذا كانتْ لأجلٍ، فيجوزُ أنْ يأذَنَ بالانتفاعِ بالعينِ، زيادةً على ثمنِ المبيعِ أو أُجرةِ العينِ المستأجَرَةِ.
أمّا إذا كانَ الدّينُ قَرْضًا، كأن يقرض إنسانٌ لآخر ألفًا لسنةٍ، ويرهن عندهُ دارَهُ ويأذن لهُ بالانتفاعِ بالرّهنِ، فإنّهُ لا يجوزُ للمُرتهِنِ في هذه الحالةِ الانتفاعُ بالعينِ المرهونَةِ ولو أذنَ الرّاهن. لأنّ تعريف الربا هو: «كلّ قَرْضٍ جَرّ نَفعًا فهو رِبا». وهذا القرض جَرّ مَنفَعَةً للمُقرضِ بانتفاعه بالعينِ المرهونَةِ فهو رِبا. والرّبا حرامٌ. وعليهِ فإنّ الرّهنَ في حالةِ القرضِ يحرُمُ على المرتهِنِ فيهِ الانتفاعُ بالعينِ المرهونةِ ما دامَ الانتفاعُ بها دونَ عِوَضٍ.
أمّا إن كانَ الانتفاعُ بِعِوَضٍ، كما لو أجّرَ الراهنُ المرتهِنَ الدّارَ بعوَضٍ، فإنّهُ يجوزُ الانتفاعُ بها في القرضِ وغيرِهِ. لأنّهُ لم ينتفِعْ بالقَرْضِ بل بالإجارةِ على شرطِ أن يكونَ ذلكَ بأجرةٍ من غيرِ محاباةٍ. وإنْ حاباهُ في ذلكَ فحكمهُ حُكمُ الانتفاعِ بغيرِ عِوَضٍ، وهو لا يجوزُ في القَرضِ. ويجوزُ في غيرهِ. وهذا كلّهُ فيما لا يحتاجُ إلى نَفَقَةٍ يتوقفُ عليها بقاءُ حياتهِ. أمّا إن كان الرّهنُ عينًا تحتاجُ إلى نَفَقَةٍ يتوقفُ عليها بقاءُ حياتهِ كالدابّةِ التي تُركبُ والبقرةِ أوِ الشّاةِ التي تُحْلَبُ فحُكمُها كحُكمِ ما لا يحتاجُ إلى نَفَقَةٍ في إذنِ الرّاهنِ. إنّ المرتهنَ يستطيعُ أنْ ينتفعَ برُكوبِ الدابّةِ وحليبِ الشاةِ، أوِ البقرةِ بإذنِ الرّاهنِ بغيرِ عِوَضٍ في غيرِ القرضِ. وأما الانتفاعُ بِعِوضٍ، كاستئجارِ الدابةِ أوِ البَقَرَةِ فجائزٌ في القرضِ وغيرهِ على شرطِ عدمِ المحاباةِ.
وأمّا الانتفاعُ بما يحتاجُ إلى نَفَقَةٍ وهو الدابّةُ التي تُركبُ والشاةُ التي تُحلَبُ بغيرِ إذنِ الرّاهنِ، فإنّ للمرتهِنِ أن يُنفِقَ عَلَيْهِ ويركَبَ ويحلبَ بقَدَرِ نَفَقَتِهِ، متحريًا العدلَ في ذلكَ، لوُجودِ النصّ الشرعي في هذا، قالَ صلى الله عليه وآله وسلم: «الظّهْرُ يُركَبُ بِنَفَقَتِهِ إذا كانَ مرهونًا، وعلى الذي يركَبُ ويشْرَبُ النّفَقَةُ» وفي رواية: «إذا ارتَهَنَ شاةً شرِبَ المرتَهِنُ من لبنها بقدرِ عَلَفِها فإن استُفضل منَ اللّبَنِ بَعْدَ ثَمَنِ العَلفِ فهو ربا» . ويُقاسُ على هذا كله ما تَحَقّقَتْ فيه النفقةُ مما يَتَوَقّفُ بقاءُ حياتهِ عليها كالثورِ والشجرِ. أما ما لا يتوقّفُ بقاءُ حياتهِ على النفقةِ كالسيّارةِ في البنزينِ والدارِ في إصلاحها والأرض في حرثها وما شاكلَ ذلكَ مما يحتاجُ إلى مؤنةٍ، فإنّهُ لا يُقاسُ على ما يركبُ وما يحلبُ لانعدامِ وجودِ النفقةِ التي يَتَوقّفُ عليها بقاءُ حياتِهِ بل هوَ داخلٌ في حكمِ المرهونِ الأول وهو غير ما يُركبُ ويُحلبُ.
هذا هو حكمُ الرهنِ ومنهُ يتبينُ أنَّ ما اعتادَ الناسُ فِعلهُ من إقراضِ المالِ وأخذِ رهنٍ للانتفاعِ بهِ بإذنِ الراهنِ أو بغيرِ إذنه بشرطٍ أو بغيرِ شرطٍ حرامٌ شرعًا لأنه ربا.


المفلِسُ
المفلسُ لغَةً هوَ الذي لا مالَ لهُ ولا ما يَسُدُّ بهِ حاجَتَهُ أي أنّهُ وصلَ إلى حالةٍ ليسَ مَعَهُ فلسٌ واحدٌ فَهُوَ مُفْلِسٌ. ولهذا لما قالَ النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابهِ: «أتدرونَ مَنِ المفلسُ؟ قالُوا: يا رسولَ الله، المفلِسُ فينا مَنْ لا درهمَ لَهُ ولا مَتَاعٌ قالَ صلى الله عليه وآله وسلم: لَيسَ ذلكَ المفلِسَ، ولكنَّ المفلسَ مَنْ يَأتي يومَ القيامةِ بحسناتٍ أمثالِ الجبالِ ويَأتي وَقَدْ ظَلَمَ هذا ولَطَمَ هذا وأخذَ مِنْ عِرْضِ هذا، فيأخُذُ هذا مِنْ حسناتِهِ وهذا مِن حسناتِهِ فإنْ بَقِيَ عليه شيء أخَذَ مِن سيّئاتِهِمْ» فقولهم ذلكَ إخبارٌ عن حقيقةِ المفلِسِ، وقولُ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: «ليسَ ذلكَ المفلسَ» لمْ يُرد به نفي الحقيقةِ بل أرادَ أن مفلسَ الآخرةِ أشدُّ وأعظمُ بحيثُ يَصيرُ مُفلسُ الدنيا بالنسبةِ إليهِ كالغنيّ. والمفلسُ في عرفِ الفقهاء من دَينُهُ أكثرُ من مالِهِ ومصروفه أكثرُ من مدخولِهِ وسموه مفلسًا وإن كانَ ذا مالٍ لأنَّ مالَهُ مستحق الصرف في جهةِ دينهِ فكأنّهُ معدومٌ.
ومتى لَزِمَ الإنسان ديونٌ حالةٌ لا يَفي مالُهُ بها فَسَألَ غُرماؤه الحاكمَ الحَجْرَ عليه لزمته إجابتهم، ويستحبُّ أن يُعلنِ الحجرَ عليه ليتجنّبَ الناسُ معاملتَهُ فإذا حُجِرَ عليهِ ثبتَ بذلك أربعةُ أحكامٍ:
أحدُها: تعلّقُ حقوقِ الغرماءِ بعينِ مالِهِ.
الثاني: مَنْعُ تصرّفِهِ بعينِ مالِهِ.
الثالثُ: أنّ مَنْ وَجَدَ عينَ مالِهِ عندَهُ فهو أحقُّ بها من سائرِ الغُرماءِ.
الرابعُ: أنَّ للحاكمِ بيعَ مالِهِ بالمزادِ العلنيّ، وإيفاءَ الغُرماءِ. والدليلُ على الحَجْرِ على المفلسِ ما رُوِيَ عن رسولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّهُ حَجَرَ على مَعاذِ بنِ جبلٍ وباعَ ماله. وعنْ عَبدِ الرحمنِ بن كعبٍ قالَ: «كانَ معاذُ بنُ جبلٍ مِنْ أفضلِ شبابِ قومهِ ولَمْ يكنْ يُمْسَكُ شيئًا فلم يزل يُدَانُ حتّى أغرَقَ مَالَهُ في الدّينِ فكلّمَ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم غُرماءَهُ، فلو تُرك أحدٌ من أجلِ أحدٍ لتركوا معاذًا من أجلِ رسولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم فباعَ لهم رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم مالَهُ حتى قامَ معاذٌ بغيرِ شيءٍ».
والمفلسُ إذا ثبت للناسِ عَليهِ حقوقٌ من مالٍ، بِبَيّنَةِ عَدْلٍ، أو إقرارٍ منهُ صحيحٍ، بيعَ كُلُّ ما يوجَدُ لَهُ وأُنصِفَ الغُرماءُ، ولا يحلُّ أن يُسجَنَ أصلًا، كما لا يحِلُّ أن يُحْبَسَ المدينُ المعْسرُ مطلقًا، لِقَولِ الله تعالى: {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} (سورة البقرة: الآية 280)، ولما رُويَ عن أبي سعيدٍ الخدري قالَ: «أُصيبَ رجُلٌ في ثمارٍ ابتاعَها في عهدِ رسولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم فكثُرَ دَينُهُ فقالَ رسولُ الله لغرمائهِ: خذُوا ما وجدتُم وليسَ لكم إلّا ذلك». وَرُويَ أنّهُ صلى الله عليه وآله وسلم قَسَمَ مالَ المفلِسِ بَيْنَ الغُرماءِ ولمْ يسجنْهُ أبدًا، وقالَ عليٌّ أميرُ المؤمنين عليه السلام: «حَبْسُ الرّجلِ في السجنِ بعدما يُعرفُ ما عَليهِ مِن دينٍ ظلْمٌ». وعن عُمَرَ بنِ عبْدِ العزيزِ رضي الله عنه أنّهُ قَضَى في المفلسِ بأن يقسمَ مالُهُ بين الغُرماءِ ثُمَّ يُتركَ حتّى يرزقهُ الله.
ويُقسمُ مالُ المفلِسِ الذي يوجَدُ لَهُ بينَ الغُرماءِ بالحِصَصِ بالقيمةِ على الحاضرينَ الطّالبينَ الذينَ حلّت آجالُ حقوقِهِمْ فَقَط، ولا يدخُلُ فيهِمْ حاضرٌ لا يطلُبُ ولا غائبٌ لم يوكلْ ولا حاضرٌ أو غائبٌ لم يَحُلَّ أجَلُ حقِّهِ، طَلَبَ أم لم يطلب، لأنّ مَنْ لم يَحُلَّ أجَلُ حقّهِ فلا حقَّ له بعد، ومَنْ لم يطلُبْ فلا يلزمُ أنْ يُعطى ما لم يَطلُبْ. هذا إذا كان المفلِسُ حيًّا، أما الميتُ المفلِسُ فإنّهُ يُقضى لِكُلِّ مَنْ حَضَرَ أوْ غابَ، طَلَبَ أمْ لَمْ يَطلبْ، ولكلِّ ذِي دَيْنٍ سواءٌ كانَ حالًّا أم إلى أجلٍ مسمّى، لأنَّ الآجالَ كلّها تَحُلُّ بِمَوتِ الذي عليهِ الحقُّ. وإن اجتمعتْ عَلى المفلسِ حقوقُ الله وحُقُوقُ العبادِ فَحُقُوقُ الله تَعَالى مُقَدَّمَةٌ على حقوقِ النّاسِ فيبدأ ممّا فَرّطَ فيهِ مِنْ زكاةٍ أو كفّارةٍ، ويُقسّم ذلك على كلِّ أصحاب الحقوقِ بالحِصَصِ لا يبدّى فيها شيء على شيءٍ. فإن لم يَفِ مالُهُ بجميعِها أخَذَ كُلُّ واحدٍ بقدرِ مالِهِ مما وُجِدَ. ودليلُ أنَّ حُقُوقَ الله مقدمةٌ على حقوقِ العبادِ مَا ثبتَ عَن رسولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّهُ قال: «دَيْنُ الله أحقُّ أنْ يُقْضَى» وقولُهُ: «واقضوا الله فهُوَ أحَقُّ بالقضاءِ» وحينَ يُباعُ مالُ المفلِسَ يُنظرُ في نفقتِهِ ونفقةِ مَنْ تلزمُهُ نفقتُهُ، فلا تُباعُ دارُهُ التي لا غِنى لهُ عَن سكناها. أمّا إن كانَ لهُ دارانِ يَستغني بإحداهما عَنِ الأخرى فتُباعُ التي يستغني عنها. وإن كانَ المفلِسُ يَكْسبُ ما يقُومُ بأوَدِهِ وأوَدِ مَنْ تلزمُهُ نفقتُهُ أو كانَ يقدرُ أن يكتسبَ ذلكَ بالفعلِ بأنْ يُؤجّرَ نفسهُ فإنهُ في هذهِ الحالِ يُباعُ كلّ مالِهِ ما عَدا دارَهُ التي تلزمُهُ لسكناهاـ وإنْ لم يَقْدِرْ على شيءٍ من ذلكَ تُركَ لهُ من مالِهِ ما يكفيهِ ليُنْفِقَ عَلَيْهِ وعلى مَنْ تلزمُهُ مؤونَتُهُ بالمعروفِ مِن مالِهِ إلى أن يفْرَغَ مِنْ قِسْمَتِهِ بين غُرمائِهِ.
الحَوالَةُ
الحَوَالَةُ مأخوذَةٌ مِنْ تحويلِ الحقِّ مِنْ ذِمّةٍ إلى ذِمّةٍ، وَهِيَ تحويلُ من عليهِ الحقُّ على آخرَ لَهُ عندَهُ حقٌّ. والحوالةُ ثابتةٌ بالسّنةِ عَنْ رسولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم قالَ: «مَنْ أحيلَ بحقّهِ على محيلٍ فليحتلْ» وهيَ جائزةٌ في الحالّ والمؤجّلِ لأنها إحالةُ حقّ لآخرَ على آخرَ وهُوَ عامٌّ يشملُ كلَّ حقّ. وواقعُ الحوالة ومنطُوقُ الحديثِ يَدُلُّ على أنّهُ لا بدَّ في الحوالةِ من محيلٍ ومُحتالٍ ومُحالٍ عليهِ. ويُشترطُ في صحّةِ الحوالةِ أربعةُ شروطٍ.
أحدُها: تماثُلُ الحقّيْنِ جِنسًا وحُلولًا وتأجيلًا، لأنها تحويلٌ للحقِّ ونقلٌ لهُ فينقلُ على صفتِهِ، ولذلكَ يَصِحُّ أن يحيلَ منْ عليه ذَهَبٌ بِذَهَبٍ ومن عليهِ فضَّةٌ بِفضَّةٍ، ولا يَصِحُّ أنْ يحيلَ مَنْ عَليهِ ذهبٌ بفِضَّةٍ أوْ مَنْ عليهِ فضّةٌ بذهبٍ. ويصحُّ أنْ يحيلَ مَنْ عليهِ دَيْنٌ إلى شِهْرٍ بدينٍ إلى شَهرٍ، ويَصِحُّ أنْ يحيلَ مَنْ عَلَيهِ دَيْنٌ مُسْتَحَقٌّ بدينٍ مُستحقّ، وأن يحيلَ حالًا بحالٍ ومؤجّلًا بمؤجّل. أمّا إن كانَ أحدُ الديْنَينِ حالًّا والآخرُ مؤجّلًا أو أُجِّلَ أحدُهُما إلى شهرٍ والآخرُ إلى شَهْرَينِ لم تصحَّ الحوالةُ.
ثانيها: أن تكونَ الحوالةُ دَينًا مُستقِرًا. فَلَوْ أحالَتِ المرأةُ عَلى زَوْجِها بِصَداقِها قَبلَ الدُّخولِ لم يصحَّ لأنّهُ غَيْرُ مُستقِرٍّ، ولو أحالَ الموظّفُ بأجرتهِ قبلَ الانتهاءِ من عملهِ أو قبلَ نهايةِ مدّةِ إجارتهِ لم يصحّ لأنّهُ دينٌ غَيْرُ مُستقرٍّ. أمّا لو أحالَ مَنْ لا دينَ عليهِ رجلًا على آخرَ لَهُ عليهِ دَينٌ فَلَيْسَ ذلكَ بحوالَةٍ، بلْ هيَ وكالَةٌ تَثْبُتُ فيها أحكامُ الوكالةِ لا أحكامُ الحوالةِ. وإنْ أحالَ مَنْ عليهِ دَيْنٌ على مَنْ لا دينَ عَليهِ فَلَيْسَتْ حوالةً أيضًا فلا يُلزَمُ المحالُ عليهِ الأداءَ ولا يُلزَمُ المحتالُ قبولَ ذلكَ لأنَّ الحوالةَ مُعاوَضَةٌ.
ثالثُها: أن تكونَ بمالٍ معلومٍ فلا تصحُّ بمالٍ مجهولٍ.
رابعُها: أن يحيلَ المحيلُ برضائهِ ولا يجبر عَلى الحوالةِ لأنَّ الحقَّ عَلَيهِ فلا يلزمُهُ أداؤهُ مِنْ جهةٍ معيّنةٍ، إذْ لا يلزمُهُ أداؤهُ مِنْ جهةِ الدَّينِ الذي على المحالِ عَليهِ بَلْ لَهُ أن يؤدّيَهُ مِنْ أيةِ جهةٍ أرادَ.
ولا يشْتَرطُ بعضهم رِضَا المحتالِ والمحالِ عليه بلْ لا يُعتبرُ رضاهُما مطلقًا فالمحتالُ مجبورٌ عندهم أن يَقْبَلَ الحوالةِ والمحالُ عليهِ مجبورٌ أن يَقْبَلَ الحوالةَ. أمّا إجبارُ المحتالِ فلِقَوْلِ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: «إذا أُتْبعَ أحدُكُمْ عَلى مَليءٍ فَلْيَتْبَعْ» والمليءُ هُوَ القادرُ على الوفاءِ، ويَقتَضي أنْ يكونَ غير جاحدٍ ولا مماطلٍ. ولأنَّ للمُحيلِ أن يُوفي الحقَّ الذي عليهِ بنفسهِ وبوكيلهِ، وقَدْ أقامَ المحالَ عليهِ مقام نفسهِ في التقبيضِ فَلَزِمَ المحالَ القبولُ. وأمّا عَدَمُ رضا المحالِ عَليهِ فلأنَّ الدّائنَ أقام المحتالَ مقامَ نفسِهِ في القبضِ فَلَمْ يفتقرْ إلى رضا مَنْ عليهِ الحقّ كالتّوكيلِ ولكن جمهور الفقهاء على خلاف ذلك حيث اعتبروا رضاهما معًا.
وعلى ذلكَ فالحوالةُ في السّنداتِ التي تتضمنُ مبالغَ حالّةً كالشيكاتِ أو مبالغَ مؤجّلةً استحقَّ أجلُها وهُوَ ما يُسمّى بحوالةِ العينِ، جائزةٌ برضا المحيلِ فَقَط ولا يُشترطُ فيها رضا المحتالِ والمحالِ عَليهِ، وكذلكَ حوالةُ السّنداتِ التي تتضمّنُ مبالغَ مؤجَلةً لم يستحقَّ أجلُها كالكمبيالاتِ، وهُوَ ما يسمّى بحوالةِ الدّينِ سواءٌ رَضي المحتالُ أمْ لم يَرْضَ، ورَضِي المحالُ عَليهِ أمْ لم يَرْضَ، والحوالةُ ليست عَقدًا حتى يُشترطَ فيها الرّضا فَلَيسَ فيها إيجابٌ ولا قَبولٌ، وإنّما هيَ تصرّفٌ منَ الشّخصِ نَفسهِ كالضّمانِ والكفالةِ والوصيّةِ وما شاكلها منَ التصرفاتِ التي لا تُعتبر عَقدًا مِنَ العُقودِ.
تحديدُ النسْل
تحديدُ النسلِ يرتكزُ على موضوعين:
أحدهما: النّسلُ، هل يباح تحديدُهُ أم هو حرام؟
الثاني: هل يحلّ للرجلِ والمرأةِ منعُ الحمل أم يحرم عليهما ذلك؟
الموضوع الأول: النصوصُ الشرعية التي جاءت بشأنه قد جعلت الموضوع داخلًا تحت المندوبات وليس تحت المحرمات أو المباحات فجاء الطلبُ من الشارع بتكثير النسلِ لا بتقليله، وبإطلاقهِ لا بتحديده، واقترن الطلب بما يفيد مدحَ فاعِلِهِ، فكان طلب فعل مقرونًا بقرينة تدل على ترجيحِ الفعل على الترك فكان بذلك مندوبًا وليس مباحًا. وبالطبع بما أنه طلب فعل لا طلب ترك فهو ليس بحرام ولا بمكروه، ومن هنا كان تكثيرُ النسلِ مندوبًا من المندوبات، وفعلُ المندوبِ يثابُ فاعلهُ ولا يعاقب تاركهُ لا في الدنيا من الدولة ولا في الآخرة من الله تعالى.
أما النصوصُ فعن أنس رضي الله عنه أن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قال: «تزوجوا الودود الولود فإني مكاثرٌ بكم الأنبياءَ يومَ القيامةِ» ، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «وانكحوا أمهاتِ الأولاد فإني أباهي بكم يومَ القيامةِ» ، وقال: «تنكاحوا تكاثروا» .
فهذه النصوصُ صريحةُ الدلالةِ في الأمرِ بتكثيرِ النسلِ: فالرسولُ طلب تزوجَ الودودِ الولود، وأمهات الأولاد، وعلّل ذلكَ بأنه مكاثر بالمسلمين ومباهٍ بهم، فهذا هو ما جاء به الوحيُ في شأنِ تكثيرِ النسلِ: أي هذا هو الحكمُ الشرعيُّ في النسلِ، وهو أنه مندوبٌ من المندوباتِ.
الموضوع الثاني: وهو منعُ الحملِ فإنه غيرُ تحديد النسلِ بل هو أعمُّ من ذلك، إذ قد يمنع الحمل حفظًا لصحةِ المرأةِ، وقد يمنع الحمل لأن الرجلَ لا يستطيعُ تعليمَ أبناء كثيرين وهو يريد أن يعلّمَ أولادهَ كلّهم فيقوم بمنع الحمل بعد أربعةِ أولادٍ أو أكثر إلى غير ذلك من الأسباب، لذلك كان منع الحمل أعم وأشمل من تحديد النسل، فكان موضوعًا آخرَ غيرَ تحديدِ النسلِ وإن كان يمكن أن يكون تحديد النسل سببًا من أسباب منعِ الحمل.
إلّا أنه لما كانت نصوصُ الشرعِ قد جاءت بخصوص النسلِ بحكم معين، فجاءت تحثُّ على تكثيرِ النسل، فكان وحدَهُ موضوعًا معيّنًا إذا كان الأمر يتعلق بالنسل من حيث هو.
ومنع الحمل قد جاءت النصوصُ الشرعيّة صريحةً بإباحتِهِ، فجاء الطلب من الشّارع بإباحة منع الحمل، وجعلت للرجل وكذلك للمرأةِ أن تفعل ما يمنع الحملَ بغضِّ النظر عن أسبابِهِ حتى لو كان لمنعِ إنجاب الأولاد.
وطلب الفعل إذا لم يقترنْ بقرينة تفيد ترجيحَ الفعلِ على التركِ لذلك يستوي فيه الفعلُ والتركُ فكان مباحًا، وبالطبع هو طلبُ فعلٍ وليس بطلب ترك فهو ليس بحرام ولا بمكروهٍ، لذلك كان منعُ الحملِ حلالًا، وهو مباحٌ من المباحات.
أما النصوصُ: فقد أخرج مسلم عن جابر قال: «إن رجلًا أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إن لي جاريةً هي خادمتنا وأنا أطوفُ عليها وأكره أن تحمل فقال: اعزل عنها إن شئت، فإنهُ سيأتيها ما قدّر لها، وعن أبي سعيد قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في غزوةِ بني المصطلق بسبيٍ من العرب، فاشتهينا النساءَ واشتدتْ علينا العزبةُ وأحببنا العزلَ فسألنا عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: «ما عليكم أن لا تفعلوا، فإن الله، عزّ وجلّ، قد كتبَ ما هو خالق إلى يومِ القيامة» وعن جابر قال: «كنّا نعزلُ على عهدِ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فبلغه ذلك فلم يَنْهَنا».
فهذهِ النصوصُ صريحةُ الدلالةِ في إباحة العزل، وفي الإذنِ به وفي إقراره وعدمِ النهيِ عنه. هذا هو ما جاء به الوحيُ في شأنِ منعِ الحملِ أي هذا هو الحكم الشرعي في منع الحمل، وهو أنّهُ حلالٌ ومباح من المباحات ولا يقال: إن هذا في العزلِ خاصّة. وليس في منعِ الحملِ، لأن النصوصَ لم تأتِ بالعزل من أجلِ منعِ الحملِ، فالرجلُ قال للرسولِ: وأكره أن تحمل، فقال له الرسولُ: «اعزل عنها» والسؤالُ داخلٌ في الجواب، أي اعزلْ عنها إن كنتَ تكرهُ الحمل. والصحابةُ حين أحبوا العزلَ وسألوا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أجابهم جوابًا يتعلق بالأولادِ مما يدلُّ على أن الموضوعَ في العزل هو منع الحمل وليس العزل من حيثُ هو عزلٌ إذ قال لهم: «ما عليكم أن لا تفعلوا فإن الله، عزّ وجلّ، قد كتب ما هو خالق إلى يوم القيامة»، وهذا يعني أن الجواب هو عن العزل من حيث عدم الحمل، ولذلك يصدق على كل ما يمنع الحمل سواء أكان عزلًا أم شيئًا آخر، فتكون النصوصُ دليلًا على إباحةِ كلِّ ما يمنعُ الحملَ وليس على إباحةِ العزلِ من حيثُ هو عزل.
هذا هو الحكمُ الشرعيُّ في النسلِ وفي منعِ الحملِ وهو أن السنّةَ تكثيرُ النسلِ وأن منعَ الحملِ حلالٌ. ونظرًا لأن هذا الموضوعَ هو مما تقومُ للدعاية له الدولُ الغربيةُ في البلادِ التي يعتبرونها بلادًا متخلّفةً ويطلقون عليها البلادَ النامية، ولما ثبت من تأثر المسلمين بالدعاية له، فكان لزامًا أن يبيّنَ الحكم الشرعي في ذلك.
والحكمُ الشرعيُّ هو ما أخذ من الكتابِ والسنّةِ وما أرشد إليه الكتابُ والسنّةُ وليس رأي العقلِ ولا مصلحةَ الناس. فحكمُ الشرعِ هو ما جاء بهِ الوحيُ ليس غير.
الرِّق والاسترقاق
كانت أبوابُ الاسترقاقِ في النظمِ القديمةِ التي كانَ معمولًا بها في العالمِ حينَ جاءَ الإسلامُ كثيرةً. فكانتِ تقضي باسترقاقِ المدين المفلس. فالدّائنُ إذا أعْسَرَ مدينُهُ وأفْلَسَ كانَ لهَ أنْ يَسْتَرِقّهُ، وكانتْ تقضي باسترقاقِ الإنسانِ عقوبةً على بعضِ ما يرتكبهُ من الجرائم والخطايا، وكانتْ تتيحُ للحُرِّ أن يقبلَ الرقّ على نفسهِ، فيبيعُ نفسهُ لغيرِهِ بشرطِ أن يعتقهُ بعدَ زمَنٍ يتّفقانِ عليهِ.
وكانتِ القبائلُ القويّةُ تُبيحُ لنفسِها استرقاقَ أفْرادِ القبيلة الضعيفةِ، كما كانتِ الحروبُ والغزواتُ بوجْهٍ عامٍّ تقضي باسترقاقِ الأسرى، وتبيحُ استرقاقَ أهلِ البلادِ كلِّهم إذا استولوا عليهم. وكانَ بعْضُها يحْصُرُ الاسترقاقَ بمنْ يُؤخَذُونَ أسرى في الحربِ منَ الرّجالِ والنساءِ والأطفالِ، فمَنْ أُخِذَ أسيرًا في حرْبٍ مشروعةٍ استُرِقّ واعتُبِرَ رقيقًا واعترفَ بكونهِ رقيقًا.
فلما جاءَ الإسلامُ وضعَ للأحوالِ التي كانَ يحصلُ فيها الاسترقاقُ أحكامًا شرعيّةً غيرَ الاسترقاقِ.
في الحرب: بَيّنَ حالةَ الأسرى في قوله تعالى: {فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} (سورة محمد: الآية 4).
بالنسبةِ للمدينِ المفلسِ: قولُه تعالى: {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} (سورة البقرة: الآية: 280).
وبيّنَ العقوباتِ على الذنوبِ مُفصّلَةً، ولا سيما عُقوبةُ السارقِ التي كان جزاؤها الاسترقاقَ، والتي أشارَ إليها الله في القرآن: {قَالُواْ جَزَآؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ} (سورة يوسف: الآية: 75).
لكنَّ الإسلامَ بَيّنَ عقوبةَ السّارقِ. قال تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا} (سورة المائدة: الآية 38).
وجعَلَ العَقدَ بينَ العبد والمولى على العتق لا على الاسترقاقِ، وحرّمَ استرقاقَ الأحرار تحريمًا قاطعًا، وقد جاءَ في حديثٍ قُدْسِّي: «ثلاثةٌ أنا خصمهم يومَ القيامةِ: رجلٌ أعطى بي ثمّ غدرَ، ورجلٌ باعَ حُرًّا فأكَلَ ثَمَنَهُ، ورجلٌ استأجرَ أجيرًا فاستوفى منهُ ولمْ يُعْطِهِ» ، فالله تعالى خصمٌ لبائعِ الحرِّ، وبهذا يكونُ الإسلامُ قَدْ مَنَعَ الاسترقاقَ.
وأمّا بخصوصِ الرّقِّ الذي كانَ موجودًا قبلَ الحكمِ الإسلاميّ، فإنّ الإسلامَ قدْ عالجهُ بأحكامٍ واضحةٍ في القرآنِ الكريمِ، حتى أنهاهُ بالنسبةِ لمنْ قتلَ خطأً أوِ ارتَكَبَ إثمًا. ولقدْ شرَطَ الإسلامُ، أوّلًا، على المرُتكِبِ أن يُعتقَ رقبةً، فإنْ لمْ يجِدْ فصيامٌ، وإلّا فإطعامُ مسكينٍ. كما أنّ الإسلامَ وضعَ نصيبًا من أموالِ الزكاةِ لما بقيَ منَ الرقيقِ، وعدّهم منَ الأشخاصِ الثمانيةِ الذينَ يجبُ أنْ تُدْفَعَ الزكاةُ في سبيلِ عِتْقِهم. قالَ تعالى في سورةِ التوبَةِ: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} (سورة التوبة: الآية 60). ورُبّ مُعترِضٍ يقولُ: بالرغمِ من هذهِ الأحكامِ الواضحةِ فكلّ الحكامِ المسلمين استرقّوا في بعض العصور. والجوابُ أنّ الإسلامَ في الوقتِ الذي مَنَعَ الاسترقاقَ ظَلّتْ أوروبا وغيرُها من دولِ العالمِ تسيرُ على نظامهِ. وهكذا كانَ الحاكمُ المسلمُ عندما يأخذُ أسيرًا منْ هذهِ الدولِ التي استرقّتْ بعض رعاياهُ يُطبّقُ عليهم قاعدةَ المعاملَةِ بالمِثْلِ، لا نظامَ الاسترقاقِ، وهذهِ القاعدةُ مستنبطةٌ من قولِه تعالى: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} (سورة البقرة: الآية 194). وقال تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ} (سورة النحل: الآية 126).
القِمار
مَنَعَ الشّرْعُ القمارَ مَنْعًا باتًّا واعتبرَ أموالَهُ محرّمةً، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ} (سورة المائدة: الآيتان 90 ـــــــ 91). وأكّدَ تحريمَ الخمْرِ والميْسِرِ بوجوه منَ التأكيدِ منها تصديرُ الجُمْلَةِ بـــــــ «إنما»، ومنها أنّه قَرَنَهُما بعبادةِ الأصنامِ، ومنها أنّهُ جَعَلَهُما رِجْسًا، قال تعالى: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ} (سورة الحج: الآية 30) ومنها أنّهُ جَعَلَهُما من عملِ الشيطانِ، ولا يصدُرُ منَ الشيطانِ سوى الشرّ البَحْتِ. ومنها أنّهُ أمرَ بالاجتنابِ. ثمّ جَعَلَ الاجتنابَ منَ الفلاحِ. وإذا كان الاجتنابُ فَلاحًا كانَ الارتكابُ خَيْبَةً. ثمّ ذكَر ما يَنْتُجُ عنْهُما منَ الوبالِ وهوَ وقوع التعادي والتباغض منْ أصحابِ الخمْر والقمارِ. وما يؤديّانِ إليه منَ الصدِّ عن ذكْرِ الله، وعنْ مراعاةِ أوقاتِ الصلاةِ {فهَلْ أنتمْ مُنتهون} مِنْ أبلَغِ ما ينهى به! كأنّهُ قيل: «قَدْ تُليَ عَلَيْكُمْ ما فيها من أنواعِ الصّوارِفِ والموانعِ، فهلْ أنتمْ معَ هذهِ الصّوارِفِ والموانعِ مُنْتَهُون»؟ ومن القمارِ أوراقُ اليانصيبِ، مهما كانَ نوعُها، ومهما كانَ السبّبُ الذي وُضعتْ لَهُ. ومن القِمارِ الرّهانُ في سباقِ الخَيْلِ. ومالُ القِمارِ حرامٌ لا يجوزُ الانتفاع به أو إنفاقه في سبيل الله بل يعاد إلى أصحابه إن وجدوا وعُلِموا، وإلّا وُضِعَ في بيت مال المسلمين.



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB