الثقافة والثقافة الإسلامية
الطبعة : الطبعة الرابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   711
تاريخ النشر :   1993




السَّبَب

السببُ في اصطلاحِ المتشرّعينَ هوَ كلّ وصفٍ ظاهرٍ منضبطٍ دلَّ الدليل السمعيُّ على كونهِ معرّفًا لوجودِ الحكمِ لا لتشريعِ الحكمِ، كعلِ زوالِ الشمسِ أمارةً معرّفةً لوجودِ الصلاةِ في قوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} (سورة الإسراء: الآية 78). وفي قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «إذا زالتِ الشمسُ فصلّوا» وليسَ هوَ أمارةً لوجوبِ الصلاةِ، وكجعل طلوعِ هلالِ رمضانَ أمارةً معرّفةً لوجودِ صومِ رمضانَ في قولهِ تعالى: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} (سورة البقرة: الآية 185). وقولهِ صلى الله عليه وآله وسلم: «صومُوا لِرؤيتِهِ» . وهكذا فالسبّبُ ليس موجبًا للحكم وإنما هو معرّفٌ لوجودِهِ. وواقعُ السببِ أنّهُ وُضعَ شرعًا للحكمِ الشرعيِّ لحكمةٍ يقتضيها ذلكَ الحكمُ. فحصولُ النّصابِ سببٌ في وجودِ الزّكاةِ. والعقود الشرعيّةُ سببٌ في إباحةِ الانتفاعِ أو انتقالِ الأملاك، فالشَّارعُ شرّعَ الحكمَ الشرعيَّ للمكلّفِ وكلّفَ بهِ ووضعَ أمارات تدل على وجودِ ذلكَ الحكمِ. فهذهِ الأماراتُ هيَ الأسبابُ الشرعيّةُ، فالسببُ هو إعلامٌ ومعرّفٌ لوجودِ الحكمِ لا غير، لأنَّ الذي أوجبَ الحكمَ هو الدليلُ الذي وردَ فيهِ والذي عرّفَ وجودَ هذا الحكمِ الذي دلّ عليهِ الدليلُ هو السببُ. وهذا بخلافِ العلّةِ، فإنَّ العلةَ هيَ الشّيءُ الذي مِنْ أجلهِ وُجدَ الحكمُ، فالحكمُ شرعَ بها فهيَ الباعثُ عليهِ وهيَ سببُ تشريعهِ لا سببُ وجودهِ. فهيَ دليلٌ من أدلةِ الحكمِ، مثلُها مثلُ النصّ في تشريعِ الحكمِ، فهيَ ليستْ أمارةً على الوجودِ بل هيَ أمارةٌ معرّفةٌ لتشريعِ الحكمِ وذلكِ كالإلهاءِ عن الصلاةِ المستنبطِ من قولهِ تعالى: {إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} (سورة الجمعة: الآية 9) فإنّ الإلهاءِ قد شُرّعَ من أجلهِ الحكم وهو تحريم البيعِ عند أذانِ الجمعةِ، ولذلكَ كانَ علةً وليس سببًا، بخلافِ دلوكِ الشمسِ فليسَ علةً لأنّه لم تُشرَّعْ صلاة الظّهرِ من أجلهِ، وإنما هوَ أمارةٌ على أنَّ الظهرَ قد وجبَ وجوده.



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB