الثقافة والثقافة الإسلامية
الطبعة : الطبعة الرابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   711
تاريخ النشر :   1993




العقيدة وخبر الآحاد

العقيدة وخبر الآحاد
العقيدة: التصديقُ الجازمُ المطابقُ للواقع عن دليلٍ، فَخَبَرُ الآحادِ لا يَصحّ أنْ يكونَ دليلًا على العقيدةِ لأنّهُ ظنيّ، والعقيدةُ يجبُ أن تكون يقينيّةً. وقدْ ذمّ الله تعالى في القرآنِ الكريمِ اتّباعَ الظنّ فقالَ: {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ} (سورة الأنعام: الآية 116). وقال: {إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ} (سورة النجم: الآية 23)، وقال: {وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً} (سورة النجم: الآية 28).
وهذهِ الآياتُ قدْ حُصرَتْ في العقائدِ خاصّةً دونَ الأحكامِ الشرعيّة، لأنّ الله سبحانهُ وتعالى اعتبرَ اتّباعَ الظّنِ في العقيدةِ ضلالًا، وأوردها في موضعِ العقائدِ واعتبرَ اتّباعَ الظن في ذلكَ ضلالةً.
الفَرق بَين العقيدةِ والحكم الشرعي
العقيدةُ في اللّغةَ ما عُقِدَ عليهِ القلْبُ، ومعنى «عقدَ عليهِ» جُزِمَ بهِ، أي صُدِّقَ يقينًا، وهذا عامّ يشملُ التصديقَ بكلِّ شيء. غير أنّ التصديقَ بالشيءِ يُنْظَرُ فيهِ إلى ما يُصَدّقُ بهِ، فإن كانَ أمرًا أساسيًّا أو متفرّعًا عن أمرٍ أساسي، فإنّهُ يصِحّ أنِ يُسَمّى عقيدةً، لأنّهُ يَصِحّ أنْ يُتّخَذَ مقياسًا أساسيًّا لغيرهِ، فيكونُ لانعقادِ القَلْبِ عليهِ أثرٌ ظاهرٌ. وإن كانَ ما يُصدّقُ بهِ غيرَ أساسي أو غير متفرّع عن أمرٍ أساسي فلا يكونُ منَ العقائدِ، لأنّ انعقادَ القلبِ عليه لا يكونُ لهُ أيّ أثرٍ، بحيث لا يدفع الاعتقاد به إلى اتخاذ موقف معين. أمّا إنْ كانَ لانعقادِ القَلْبِ عليهِ أثَرٌ يَدْفَعُ لتعيينِ موقفٍ تجاههُ منَ التصديقِ والتكذيبِ فيكون منَ العقيدةِ. لأنه يكون من الأمور الأساسية، أو الأمور التي تفرعت عن أمرٍ أساسي.
العقِيدة
هيَ الفكرةُ الكليّةُ عنِ الكونِ والإنسانِ والحياةِ، وما قَبْلَ الحياةِ الدّنيا وما بعدَها، وعلاقَتها بما قبلَها وما بعدها، وهذا تعريفٌ لكل عقيدةٍ.
الحكم الشرعيّ
أما الأحكامُ الشرعيّةُ فهيَ خطابُ الشّارعِ المتعلّقِ بأفعالِ العبادِ، كالإجارةِ والبيعِ والرّبا والكفالةِ والوكالةِ وإقامةِ حاكمٍ وإقامةِ حدودِ الله، وكون الشاهدِ عَدْلًا، وكون الحاكمِ رجلًا وما شاكلَ ذلكَ، وتُعْتَبَرُ كلّها منَ الأحكامِ الشرعيّةِ. أمّا التوحيدُ والرسالةُ والبَعْثُ وصدقُ الرسولِ وعصمةُ الأنبياءِ وكونُ القرآنِ كلامَ الله، والحسابُ والعذابُ وما شاكلَ ذلكَ فكلّها منَ العقيدةِ. فالعقائدُ أفكارٌ تُصَدّقُ والأحكامُ الشرعيّةُ خطابٌ يتعلّقُ بفعلِ الإنسانِ. فركعتا الفجْرِ حكمٌ شرعيّ من حيثُ إنهما صلاةٌ. والتصديقُ بكونهِما من الله عقيدةٌ. وعليهِ فهناكَ فَرقٌ بينَ العقيدةِ والحكمِ الشرعيّ.
فإدراكُ الفكرِ والتصديقُ بوجودِ واقعِهِ أو عدمِ وجودِهِ عقيدةٌ، وإدراكُ الفكرِ واعتبارهُ معالجةً لِفِعْلٍ منْ أفعالِ الإنسانِ أوْ عَدَمُ اعتبارِهِ معالجة هو حكمٌ شرعيّ، فلأجلِ اعتبارِ الفكرِ معالجةً يكفي الدليلُ الظنيّ. أما التصديقُ بوجودِ واقع الفكرِ فلا بُدّ لهُ منَ الدليلِ القطعيّ.


أنواعُ الحكم الشرعيّ
لما كانَ الحكمُ الشرعيّ هو خطاب الشارعِ المتعلّقِ بأفعالِ العبادِ، بالاقتضاءِ أو التّخييرِ أو الوضعِ ، كانَ منَ الواجبِ أن يثبتَ الخطاب. ويتبينَ ما هوَ بِتبَيّنِ معنى الخطابِ، وخطابُ الشارعِ ما جاءَ في الكتابِ والسنّةِ منْ أوامرَ ونواهٍ، ولذلكَ كانَ فَهْمُ الحكمِ الشرعيّ متوقّفًا على فَهْمِ الكتابِ والسنّةِ. فإنهما أصْلُ التشريعِ ومصدرُ الأحكامِ.
وخطابُ الشارعِ يُفْهَمُ بالنّص وبالقرائنِ التي تُعيّنُ معنى النصّ، فليسَ كُلّ أمْرٍ للوجوبِ، ولا كلّ نهي للتحريم، فقدْ يكونُ الأمرُ للندبِ، أو الإباحةِ، وقدْ يكونُ النهي للكراهيةِ، ويَظْهَرُ منْ تَتَبّعِ جميعِ النصوصِ والأحكامِ أنّ الأحكامِ أنّ الأحكامَ الشرعيّةَ خمسة:
أولًا ـــــــ الفرضُ على نوعينِ: فرضُ عَيْنٍ كالصّلاةِ والصَومِ، وفرْضُ كفايةٍ وهو الذي إذا أقامَهُ البعضُ سَقَطَ عنِ الباقينَ كالجهادِ وحمْلِ الدعوةِ إلى الإسلام. والصلاةِ على الجنازةِ.
والفرضُ: معناهُ الوجوبُ، والحرامُ، معناهُ المحظورُ، والمندوبُ، معناهُ المستحبّ. والمكروهُ معناهُ: المنهِيّ الذي لا ذَمّ على فَعْلِهِ. والمباح معناهُ التخْييرُ، لأنّ خطابَ الشارعِ إمّا أنْ يكونَ طلبًا للفعلِ، أوْ طلبًا للتركِ أوْ تخْييرًا بينَ الفعلِ والتركِ.
والطلبُ إمّا أنْ يكونَ جازمًا فهو الفرضُ أو غيرَ جازمٍ فهو المندوبُ، وإن كانَ طلبُ التركِ جازمًا فهو الحرام، وإن كان غيرَ جازمٍ فهو المكروهُ وطلبُ التخييرِ هوَ المباحُ.
ما لا يتم الواجب إلّا به
إنّ ما لا يتمّ الواجبُ إلا بهِ قسمانِ:
أحدهما: أن يكونَ وجوبُهُ مشروطًا بذلك الشيءِ.
الثاني: أن يكونَ وجوبُهُ غيرَ مشروطٍ به.
أما ما يكونُ وجوبُهُ مشروطًا به فإنَّ تحصيلَ الشرطِ ليس واجبًا، فالواجبُ هو ما أتَى الدليلُ بوجوبِهِ وذلكَ كوجوبِ صلاةٍ معيّنةٍ فإنّهُ مشروطٌ بوجودِ الطهارةِ، فالطهارةُ ليستْ واجبةً من حيثُ الخطابُ بالصلاةِ وإنما هيَ شرطٌ لأداءِ الواجبِ، والواجبُ في الخطابِ إنما هو الصلاةُ إذا وُجدَ الشرطُ ـــــــ وأما ما يكونُ وجوبُهُ مطلقًا فهذا ينقسمُ إلى قسمينِ:
أحدهما: أن يكونَ بِوسعِ المكلّفِ أنْ يَقومَ بهِ.
الثاني: أنْ يكونَ غيرَ مستطيعٍ القيامَ بهِ.
أمّا الذي هُوَ بِوسعِ المكلّفِ فإنّه واجبٌ بالخطابِ نفسه الذي طلبَ بِهِ الواجب وَوُجوبُهُ كوجوبِ الشّيءِ الذي جاءَ خطابُ الشارعِ بهِ تمامًا مَنْ غيرِ فَرقٍ. وذلك كَغَسلِ المرفقينِ فإنّهُ لا يتمُّ القيامُ بالواجبِ وهو غسلُ اليدينِ إلى المرفقينِ إلّا بغسلِ جزءٍ منهما لأنَّ الغايَةَ تدخلُ في المغَيّا ويتوقّفُ حصولُ هذا الواجبِ على حصولِ جزءٍ من الغايةِ ولذلكَ كانَ غَسلُ جزءٍ من المرفقينِ واجبًا ولو كان الخطابُ لم يأتِ بهِ، ولكنّهُ أتَى بما يتوقّفُ وجودُهُ عليهِ، فيكونُ خطابُ الشّارعِ شاملًا الواجبَ ما لا يُمكِنُ القيام إلّا بهِ، وتكونُ دلالةُ الخطابِ عليهِ دلالةَ التزامٍ ولذلك كانَ واجبًا. وهكذا كلّ شيءٍ لا يتمُّ القيامُ بالواجبِ إلّا بهِ ولم يكنْ شرطًا فيهِ فهو واجبٌ، وهذا إذا كانَ باستطاعةِ المكلّفِ أن يقومَ بهِ. وأمّا إذا لم يستطع المكلّف أن يقومَ بهِ فإنه غير واجبٍ، وذلكَ لقولهِ تعالى: {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} (سورة البقرة: الآية 286)، ولقولهِ صلى الله عليه وآله وسلم: «وإذا أمرتكمْ بأمرٍ فأتُوا منهُ ما استطعتُمْ» ، لأنّهُ لا يجوزُ التكليفُ بما لا يطاقُ لأنّ التكليفَ بهِ يقتضي نسبة الظلمِ إلى الله سبحانهُ وتعالى وهوَ لا يجوزُ. والحاصلُ أن الأمرَ بالشيءِ يكونُ أمرًا بما لا يتمُّ ذلكَ الشّيءُ إلّا بهِ.
خطابُ الوضع
إنّ الأفعالَ الواقعة في الوجودِ قد جاءَ خطابُ الشّارعِ وبيّنَ أحكامَها ووضعَ لهذهِ الأحكامِ ما تقتضيهِ من أمورٍ يتوقّفُ عليها تحقّقُ الحكمِ أو يتوقّفُ عليها إكمالُهُ أي أنها وُضعتْ لما يقتضيهِ الحكمُ الشرعيّ. فخطابُ الاقتضاءِ والتخييرِ أحكامٌ لفعلِ الإنسانِ، وخطابُ الوضعِ أحكامٌ لتلكَ الأحكامِ فَتُكسبُها أوصافًا معيّنةً، وكونُها كذلكَ لا يخرجُها عن كونها مُتعلقةً بأفعالِ الإنسانِ، لأنّ المتعلقَ بالمتعلِّقِ بالشّيءِ متعلّقٌ بذلكَ الشيء فيكونُ الاضطرارُ سببًا في إباحةِ الميتةِ، وزوالُ الشّمسِ أو غروبها أو طلوعُ الشّمسِ سببًا في إيجابِ الصلاةِ.
كلُّ ذلكَ خطابٌ من الشّارعِ متعلقٌ بالحكمِ وهو إباحةُ الميتةِ، وإيجابُ الصلاةِ. أمّا ما جاءَ منَ الأحكامِ الكليّةِ ابتداءً كالصلاةِ والصومِ والجهادِ مِنْ حيثُ هيَ، فإنّ خطابَ الوضع في هذه الأحكامِ هو وصفُها من حيثُ كونها أحكامًا كلّيةً ومِنْ حيثُ إنها شُرِّعتْ ابتداءً فكانَ هذا الوصفُ خطاب الوضعِ ولذلك كانتِ العزائمُ من أحكامِ الوضعِ وتعتبرُ هيَ والرّخَصُ قسمًا واحدًا، لأن العزائمَ أصلٌ وتتفرعُ عنها الرخصُ. وأما ما يتعلّقُ بآثارِ العملِ في الدنيا فإنّ خطابَ الوضعِ يظهرُ من حيثُ هذه الآثارُ، فمثلًا نقولُ: الصلاةُ صحيحةٌ إذا استوفتْ جميعَ أركانها، ونقولُ: البيعُ صحيحٌ إذا استوفى جميعَ شروطِهِ، ونقولُ: الشركةُ صحيحةٌ إذا استكملتِ الشروطَ الشرعيّةَ، فهذا وصفٌ للحكمِ من حيثُ أداؤه لا من حيثُ تشريعُهُ، وقد جاءَ الشارعُ بذلكَ فاعتبرَ البيعَ صحيحًا والصلاةَ صحيحةً. وكذلكَ إذا فَقَدَ البيعُ الإيجابَ أو فقدتِ الصلاةُ الركوعَ أو فقدتِ الشركةُ القبولَ فإنها تكونُ حينئذٍ باطلةً، فبُطلانُها وصفٌ للحكمِ من حيثُ أداؤه لا من حيثُ تشريعُهُ، وقد جاءَ الشارعُ بذلكَ فاعتبرَها باطلةً. ومن هنا كانتِ الصّحةُ والبطلانُ قسمًا واحدًا، لأنّ خطابَ الشارعِ فيهما يتعلّقُ بحكمٍ واحدٍ إما صحيحًا أو باطلًا لأن الصحة أصلٌ والبطلانَ مترتبٌ على أحكامِ الصحةِ.
هذا هو خطابُ الوضعِ وهو متعلقٌ بأمر يقتضيهِ الحكمُ وهو خمسةُ أقسام: السببُ، الشرطُ، المانعُ، الصحةُ والبطلانُ، والعزائمُ والرخصُ.
cetirizin netdoktor cetirizin csepp cetirizin hund dosis



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB