الثقافة والثقافة الإسلامية
الطبعة : الطبعة الرابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   711
تاريخ النشر :   1993




العقوبَاتُ والبيّنات

والجريمةُ ليستْ فطريّةً ولا مكتسبةً يكتسبها الإنسانُ، ولا عَرَضًا يصابُ بهِ بَلْ مخالفَةً للنظامِ الذي ينظّمُ أفعالَهُ في علاقتهِ بربّهِ وبنفسهِ وعلاقاتِ الناسِ ببعضهِم.
إنّ الله خَلَقَ الإنسانَ وخَلَقَ فيهِ غرائز وحاجاتٍ عضويّةً، وهيَ طاقاتٌ حيويّةٌ تدفعُ الإنسانَ لإشباعِها. فيقومُ بالأعمالِ التي تُشْبِعُها. أو تحاولُ إشباعَهَا. وينبغي أن يكونَ ذلكَ قائمًا على التنظيمِ وإلا أدّى إلى الفوضى والاضطرابِ، أو إلى الإشباع الخاطئِ الشاذّ.
ويجب أن يرتبط تنظيمُ الإشباعِ بتنظيمِ الغرائزِ والحاجاتِ العضويّةِ بعدَ ارتباطِهِ بالأحكامِ الشرعيّةِ. وقدْ بيّنَ الشرْعُ الإسلاميّ الحكمَ في كلِّ حادثة بَشريّةٍ، وشرّعَ الحلالَ والحرامَ بأوامرَ ونواهٍ معروفةٍ في أماكِنها الخاصّةِ، فإذا خالفَ ذلكَ ارتكبَ جريمةً.
لهذه الجرائمِ عقوباتٌ، ولولاها لما كانَ للأوامرِ والنّواهي معنًى. وترْكُ الفَرْضِ، وارتكابُ الحرامِ، ومخالفَةُ ما أصدرتْهُ الدولَةُ منْ أوامرَ ونواهٍ جازمةٍ أفعالٌ يُعاقِبُ الشرْعُ عليها، ولا عقابَ فيما عدا هذهِ الثّلاثة.
إنّ وجوب تنفيذِ الدولةِ للعقوباتِ التي قدّرها الشّارعُ أمرٌ لا جدالَ فيهِ، وكلّها عقوباتٌ على فِعْلٍ حرامٍ أو تَرْكِ فَرْضٍ.
وقيامُ الدولةِ بالعقوبات غير المقَدّرَةِ محدّدةٌ بالتعزير.
والتعزيرُ عقُوبة غير مُقدّرةٍ على معْصِيَةٍ لا حدّ فيها ولا كفّارةً، فهوَ محصورٌ بالمعاصي ولا يدْخُلُ تحتَهُ المندوبُ والمكروهُ والمباحُ، لأنها ليْسَتْ منَ المعاصي. وأمّا المخالفاتُ فمعاصٍ، لأنّ الرسولَ صلى الله عليه وآله وسلم يقولُ: «مَنْ يَعْصِ الأميرَ فقدْ عصاني» ، فتكونُ عقوبة على معْصِيَةٍ، وعليه فلا عقوبَةَ إلّا بمعصيَةٍ.
أنواعُ العقوبات
العقوباتُ أربعةُ أنواعٍ: الحدودُ والجناياتُ والتعزيرُ والمخالفاتُ.
الحدود: أصلُ الحَدّ ما يُقامُ بينَ شيئين، فيمنع اختلاطهما. وحدّ الدارِ ما يميّزها، وحدّ الشيء ما يحيطُ به ويميزُه به ويميزهُ عن غيره. وسميتْ عُقوبةُ القذْفِ «حدًّا» بتقديرٍ منَ الشرْعِ. وقدْ تُطْلَقُ الحُدودُ ويرادُ بها المعاصي كقولِهِ تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا} (سورة البقرة: الآية 187)، وتُطلقُ على شرائعِ الله ومحارمِهِ كقولِهِ تعالى: {وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} (سورة الطلاق: الآية 1) وحُدودُ الله محارمُهُ.
والحدُودُ اصطلاحًا عُقوبةٌ مُقَدّرَةٌ شرعًا في معصية لتمنع من الوقوع في معصية مثلها. والمعاصي التي تستوجب الحدود أي يتعين بها الحدّ ثمان: اللّواطُ والزنى، والقذف وشرب الخمر والسرقةُ والردّةُ والبغْيُ وقطعُ الطرقِ. وهذهِ العقوباتُ التي تعني إقامة الحُدود لا تطلق إلّا على المعاصي الخاصةِ التي لله تعالى حقّ فيها، ولا تطلق على غيرها كما لا يصحّ فيها العفوُ لا من الحاكم ولا من الذي اعتدي عليه، لأنها حق الله، فلا يملكُ أحدٌ من البشر إسقاطه بحالٍ من الأحوال.
الجنايات
الجناياتُ، جمعُ جنايةٍ وهي التعدّي على بدنٍ أو مالٍ أو عرض لغة. والتعدي على البدنِ اصطلاحًا، وذلك يوجبُ قصاصًا أو مالًا. وأطلق على العقوبات المطبّقة على الجاني هذا التعبيرُ. فالجنايةُ تطلقُ على الجريمة والعقوبة الموقّعةِ عليها وتطلقُ على كسرِ السنّ كما تطلقُ على القتلِ عمدًا وتطلقُ على الجرحِ كما تطلقُ على القتل شبهِ العمدِ، وهكذا فكل واحدةٍ منها يقال لها «جنايةٌ» وعقوبة كل واحدةٍ منها جنايةٌ. ومن أعظم الجنايات القَتْلُ وعقوبةُ القتلِ. ومن أبرزِ الأحكامِ المعلومةِ من الدين بالضرورةِ تحريم القتلِ بغيرِ حق. وتحريمُ القتلِ ثابتٌ بالكتابِ والسنّةِ. أما الكتابُ فقد قال الله تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً} (سورة الإسراء: الآية 33) وقال تعالى: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً} (سورة النساء: الآية 93). وأما السُّنة فقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لا يحِلُّ دَمُ امرئٍ مسلمٍ يشهد أن لّا إله إلا الله وأني رسول الله إلّا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينهِ المفارق للجماعة» فهذا نص في تحريمِ القتلِ وحُرْمَتِه مما هو معلومٌ من الدينِ بالضرورة.
التعزير
التعزيرُ في اللغةِ المنعُ، واصطلاحًا التأديبُ والتنكيل. وتعريفهُ الشرعيّ الذي يُستنبطُ من النّصوصِ التي وردتْ فيها عقُوبةٌ تعزيريّة: هو العقوبةُ المشروعةُ على معصيةٍ لا حدّ فيها ولا كفّارة.
وقد فَعَلَه رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأمرَ بهِ فَعَنْ أنسٍ: «أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم حَبَسَ في تهمةٍ» وروي أنه صلى الله عليه وآله وسلم حبس رجُلًا في تهمةٍ ساعةً منْ نهارٍ ثمّ أخلى سبيلَه، وأنّهُ حَكَمَ بالضربِ وبالسجنِ. والتعزير مشروعٌ لكل ما لم يُعينِ الشارع لهُ عُقوبةً مقدّرةً. أمّا ما أوردَ فيهِ عقوبةً فيعاقبُ مرتكبُهُ بالعقوبةِ المقدّرةِ، فكلّ ما لم يُقدر لهُ الشارعُ عقوبةً ترك أمرهُ للحاكمِ في أنْ يقدّرَ له ما يراه مناسبًا. وقد أطلق على هذه العقوبةِ اسم «التعزير» ومنَ الصعبِ حَصرُ وقائِعِهِ في أنواعٍ معيّنةٍ فالذنوبُ كثيرةٌ متشعبّةٌ، وتجدّدُ وقائعِ الحياةِ يجعَلُ الجرائمَ متجدّدَةً ومن هنا جاءَتْ صعوبةُ حصرِ أنواعِ الجرائمِ. ولما كانَ التعزيرُ مقابلَ الحدودِ وهو في الغالبِ يحصُلُ فيما لمْ تُذكَرْ لهُ عُقوبةٌ مُقَدّرَةٌ في نوعِ الحدّ المقدّرِ. كانَ منَ الأفضلِ أنْ يعمد إلى وضعِ العقوباتِ على وقائع الأنواع التي جاءتْ حدودٌ من جنسِها، ثمّ ما يمكن إدخالها تحتها، وإلّا فالأفضَلُ تَركُها لِلقُضاةِ.
المخالفات
المخالفاتُ عَدَمُ امتثالِ ما تُصدره الدولةُ من أوامرَ ونواهٍ، ومعلومٌ أنّ الخليفةَ لا يحلّلُ حرامًا ولا يحرّمُ حلالًا، وإنما يقومُ برعايةِ شُؤونِ الأمّةِ وتصريفِ مصالحِ النّاسِ، يُصرّفُها بحسبِ أحكامِ الشرعِ وإنْ جَعَلَ الشارِعُ لهُ تصريفَ كثيرٍ منَ الشؤونِ برأيهِ واجتهادهِ كتصرفهِ في بيتِ المالِ، واجتهادهِ في تجهيزِ الجيشِ وتعيينِ الوُلاةِ وإدارةِ مصالحِ النّاسِ، وتمصيرِ المدُنِ وشق الطرقِ ودَفْعِ النّاسِ بعْضهم عن بَعْضٍ وحمايَةِ الحُقُوقِ العامّةِ وغيرِ ذلكَ. فهذهِ الأمورُ وأمثالها تُركتْ للخليفةِ في أن يصدرَ بشأنها الأوامرَ التي يراها. وتنفيذُ ما يُصدرُهُ فَرْض على المسلمينَ، ومخالَفَتُهُ مَعْصيةٌ.
فالذي لا يُنفّذُ ممّا أُلْزِمَ الناسُ به أو نُهُوا عنْهُ يُعتَبَرُ عَدمُ تنفيذِهِ مخالَفَةً، أي جُرمًا يُعاقَبُ عليهِ. وهذهِ الجرائمُ وأمثالها تسمى مخالفات.
والمخالفاتُ لا تحتاجُ إلى مُدّعٍ، فالقاضي يملكُ الحكُمَ في المخَالَفَةِ حالَ العِلْمِ بها في أيّ مكانٍ.
والخليفةُ يُقدّرُ أنواعَ العقوباتِ التي يراها مناسبةً للمخالفاتِ التي تحصُلُ فساحاتُ البَلْدَةِ مثلًا والطّرقُ العامّةُ تعودُ لهُ في تعيينِ المسافةِ والحدودِ. ويستطيعُ أن يمنَعَ الناسَ منَ البناءِ أوِ الغَرْسِ على جوانبها للمسافةِ التي يُعَيّنُها، فإذا خالفَ أحَدٌ ذلكَ عاقَبَهُ بالغرامةِ أوِ الجَلَدِ أو الحَبْسِ أو ما أشْبَهَ. ولهُ أنْ يُعَيّنَ أيضًا مكاييلَ وموازينَ ومقاييسَ مخصوصةً لإدارةِ شؤونِ البيعِ والتجارةِ، ولهُ أنْ يُعاقِبَ مَنْ يُخالفُ أوامرهُ في ذلكَ، ولَهُ أنْ يَجْعَلَ للمقاهي وللفنادقِ ولدورِ السينما ولميادينِ الألعابِ وغيرِ ذلكَ منَ الأمكِنَةِ العامّةِ أنظِمَة خاصّةً يُنَظّمُ بها شؤونها، فيعاقبُ مَنْ يخالفُ هذهِ الأنظمةِ وهكذا.
أحكام البيّنات
البيّناتُ إمّا أن تكونَ على المعاملاتِ أو على العقوباتِ وهيَ أحكامٌ إسلاميّةٌ شرعيّةٌ مُسْتَنْبَطَةٌ منْ أدلّتِها التفصيلية.
والبيّنَةُ كلّ ما يُبَيّنُ الدعوى، وهيَ حجّةُ المدّعي على دعواهُ، فَعَنِ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قال: «البيّنَةُ على المدّعي، واليمينُ على المدعَى عليهِ» وقال: «البيّنَةُ على المدّعي واليمينُ على مَنْ أنكَر» .
فالبيّنةُ حجّةُ المدّعي التي يُثبتُ بها دعواهُ، وهي البرهانُ لإثباتِ الدعوى، فلا تكونُ بيّنةً إلّا إذا كانت قطعيّةً يقينيةً. وكونُ البيّنَةِ مبنية على اليقين لا يعني أن الحكمَ بها مبنيّ على اليقينِ، أي لا يصحّ أن تكونَ إلّا يقينيّةً. أمّا الحكمُ بها فَلَيْسَ كذلكَ. لأنّ الحكمَ مبنيّ على غَلَبَةِ الظن لا على اليقينِ. والله سبحانهُ وتعالى يقولُ للرسول صلى الله عليه وآله وسلم: {لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ} (سورة النساء: الآية 105)، أي بما تراهُ منَ الرأي وهو يشملُ الرأيَ الصادرَ عنْ يقينٍ أو ظنٍ. وقدْ حَكَمَ في قضيةٍ وقالَ ما يدل على أنّ حكْمَهُ كانَ بناءً على غَلَبَةِ الظن. عن أُمِّ سَلمة أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إنما أنا بشرٌ وإنكم تختصمون إلي، ولعلّ بعضكم أن يكون ألحن بحجّتهِ من بعضٍ، فأقضي بنحوٍ مما أسمعُ، فمن قضيتُ لهُ من حقِّ أخيهِ شيئًا فلا يأخُذْهُ فإنما أقْطَعُ لهُ قِطعةً منَ النّار» . وقال: «إذا حَكَمَ الحاكم فاجتهد، ثمّ أصابَ فَلَهُ أجرانِ، وإذا حَكَمَ فاجتهَدَ ثمّ أخطأ فَلَهُ أجْرٌ» .
فهذا كلّهُ دليلٌ على أنّ الشهادةَ يجبُ أن تكونَ يقينيّةُ، ولا يعني أنّ الحكمَ مبنيّ على اليقينِ بل على الظنّ.


أنواع البيِّنات
البيّناتُ أربعةُ أنواع فقطْ هي: «الإقرارُ، واليمينُ، والشهادةُ، والمستنداتُ الخطيّةُ المقطوعُ بها».
الإقرار: جاءَ دليلُهُ في القرآنِ والحديثِ، قالَ الله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ} (سورة البقرة: الآية 84). أي ثمّ أقررتمْ بمعرفةِ هذا الميثاقِ وصحّتِه، فالله قدْ أخذَهُمْ بإقرارِهمْ فكانَ حُجّةً عليهمْ. وفي الحديثِ قالَ النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «واغدُ يا أنس ـــــــ لرجلٍ منْ أسلم ــــــ إلى امرأةِ هذا فإنِ اعترفَتْ فارجمْها».
اليمين: جاءَ دليلُهُ في القرآنِ والحديث، قالَ الله تعالى: {لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَـكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ} (سورة المائدة: الآية 89). وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «واليمينُ على مَنْ أنكَرَ» . «البينة على المدعي واليمين على من أنكر» .
الشهادةُ: وقد جاءَ دليلُها في القرآنِ والحديثِ، قالَ الله تعالى: {وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ} (سورة البقرة: الآية 282)، وعنه صلى الله عليه وآله وسلم أنّهُ قال: «شاهداك أو يمينهُ» ، ولا يصحّ لأحدٍ أنْ يشهدَ إلّا بناءً على يقينٍ مقطوعٍ بهِ لقولِ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للشاهدِ: «إذا رأيْتَ مثلَ الشمسِ فاشْهَدْ» .
المستندات الخطيّة: جاءَ دليلُها في القرآنِ الكريم، قال تعالى: {وَلاَ تَسْأَمُوْاْ أَن تَكْتُبُوْهُ صَغِيراً أَو كَبِيراً إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللّهِ وَأَقْومُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُواْ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا} (سورة البقرة: الآية 282). فإنها تدلّ على المستندات الخطيّةِ بما في ذلك دفاترُ التجّارِ والإقراراتُ وغير ذلكَ. هذه هي البيّناتُ ولا توجَدُ بيّنَةٌ غيرُ البيّناتِ الأربعِ المذكورة.
وأمّا القرائنُ فليستْ منها شرْعًا إذ لم يأتِ أيّ دليلٍ شرعيٍ يدلّ على أنها منها. صحيحٌ أنّ القرائنَ وقصّ الأثر وكلابَ الأثرِ وما شاكلَ ذلكَ يُؤتَنَسُ بها، ولكن الائتناسَ شيءٌ والبيّنَةُ شيءُ آخر. والرسولُ صلى الله عليه وآله وسلم حينَ سألَ الجاريةَ مَنْ قتل أباكِ وسمّى لها فلانًا وفلانًا فسمَّت رجلًا يهوديًا لمْ يأخذْ قوْلها بيّنَةً، ولكنّهُ ائتنس به فجيء باليهوديّ فاعترفَ فقُتِل، وكذلكَ القرائنُ وأمثالُها يُؤتَنَسُ بها ولا تكونُ بيّنَةً.
وأمّا أخبارُ المخبرينَ وشهادةُ أهلِ الخبرَةِ وتقاريرُ الكشفِ والمعايَنَةُ وما شاكلَ ذلكَ فإنها لا تُعَدّ بيّناتٍ، بل هي أخبارٌ فيصحّ أن تكونَ مبنيّةً على الظنِّ ويكفي فيها المخبرُ الواحدُ، ولا تكونُ لإثباتِ دَعوى، وإنما لكشْفِ أمْرٍ من أُمورِ الدعوى كبيانِ قيمةِ الأرضِ أو ثمنِ العَرَبَةِ أو نَفَقَةِ الأولادِ أو صحة عَقْلِ المدّعى عليهِ أو مَرَضِ المدّعى أو ما شاكلَ ذلكَ، فإنّ هذهِ وأمثالها تثبتُ بالإخبارِ، ولا تحتاجُ إلى بيّنَةٍ، فيصحّ للمخبرِ فيها أن يبيّنها على الظن، ويكفي فيها المخبرُ الواحد.
cetirizin netdoktor cetirizin csepp cetirizin hund dosis



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB