الثقافة والثقافة الإسلامية
الطبعة : الطبعة الرابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   711
تاريخ النشر :   1993




العقوباتُ في الإسْلام

شرّعَ الله العقوباتِ في الإسلامِ زواجِرَ وجوابِرَ. أمّا الزواجِرُ فلزجْرِ الناسِ عنِ ارتكابِ الجرائمِ، وأمّا الجوابرُ فلكي تجبرَ عن المسلمِ عذابَ الله تعالى يومَ القيامةِ.
وكونُ العقوبات زواجرَ ثابتٌ بنصِّ القرآنِ، قال تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ} (البقرة: 179) فتشريعُ القصاصِ في الحياةِ معناهُ أنّ إيقاعَ القصاصِ هوَ الذي أبقى الحياةَ ولا يكونُ ذلكَ في إبقاءِ الحياةِ، فمنْ وقَعَ عليهِ القصاصُ، ففي القصاصِ موتهُ لا حياتُهُ، بل حياةُ منْ شاهدَ وقوعَ القصاصِ.
وهذهِ العقوباتُ لا يجوزُ أنْ تُوقَعَ إلّا بمنْ ثبتَتْ جريمتُهُ وأُدينَ، ومعنى كونها زواجرَ أن ينزجرَ الناسُ عنِ الجريمةِ أي يمتنعوا عنِ ارتكابها. والجريمةُ هيَ الفعلُ القبيحُ، والقبيحُ ما قَبّحَهُ الشرعُ، ولذلكَ لا يعتبرُ الفعلُ جريمةً إلّا إذا نصّ الشرْعُ على أنّهُ فعلٌ قبيحٌ فيعتبرُ حينئذٍ جريمةً.
وقد بيّنَ الشرْعُ الإسلاميّ أنَ على هذهِ الجرائمِ عقوباتٍ في الآخرة والدنيا. أمّا عقوبةُ الآخرة فالله تعالى هو الذي يتولّاها ويُعاقِبُ بها المجرمَ، فيعذبهُ يومَ القيامة. قالَ تعالى: {يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ} (سورة الرحمن: الآية 41). وقالَ تعالى: {إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (47) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ} (سورة القمر: الآيتان 47 ـــــــ 48). ومعَ أنّ الله أوعدَ المذنبينَ بالعذاب إلّا أنّ المذنبينَ موكولٌ إليه تعالى أمرهم إن شاء عذبهمْ وإنْ شاءَ غَفَرَ لهُمْ، قالَ تعالى: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} (سورة النساء: الآية 48) وتوبتهم مقبولة لعمومِ الأدلّةِ...
وأمّا عقوبات الدنيا فقد بيّنَها الله تعالى في القرآنِ والحديثِ مجمَلَةً ومفصّلَةً، وجعلَ الدولةَ هي التي تقومُ بها. فعقوبةُ الإسلامِ التي بيّنَ إنزالها بالمجرمِ في الدنيا، يقومُ بها الإمامُ أو نائبهُ، أي تقومُ بها الدولةُ فيما يُوجِبُ الحدودَ، وما دونَ الحدودِ منَ التعزيرِ والكفارات. وهذه العقوبةُ في الدنيا تُسقِطُ عنِ المذنبِ عقوبةَ الآخرةِ وتجبرُها. فتكون بذلكَ العقوباتُ زواجرَ وجوابرَ. قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم: «تُبَايعُونني على أنْ لا تُشرِكُوا بالله شيئًا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتُوا بِبُهتانٍ تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوا في معروفٍ. فمن وفى منكم فأجرُهُ على الله ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب في الدنيا فهو كفارة لهُ. ومَنْ أصاب شيئًا فستره الله فأمرُهُ إلى الله إنْ شاء عاقبهُ وإن شاء عفا عنهُ» .



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB