الثقافة والثقافة الإسلامية
الطبعة : الطبعة الرابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   711
تاريخ النشر :   1993




الإسْلام ثابت لا يتغيّر ولا يتطوّر بتغيّر الزمان والمكان

التطوّرَ، لغةً: التحوّلُ منْ طَوْرٍ إلى طَوْرٍ، أوْ من حالٍ إلى حالٍ. قالَ الله تعالى: {وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً} (سورة نوح: الآية 14)، أي خَلَقَكُمْ طَوْرًا نُطْفَةً، ثمّ طَوْرًا عَلَقَةَ، ثم مضغة، ثمّ عظامًا، ثمّ كَسَا العِظَامَ لحْمًا، ثمّ أنشأ خَلْقًا آخرَ نَبَتَ لهُ الشعْرُ وكملَتِ الصورةُ، ثمّ صبيانًا فشبّانًا فشيوخًا ووقَفَ مفهومُ التطوّرِ عندَ هذا الحد، ولمْ يُعْرَفْ عنهُ أكثرُ ممّا فُهِمَ منهُ إلى أنْ غَزَتْ مفاهيمُ النّشوءِ والارتقاءِ، الجيلَ الصّاعِدَ وسادَ الانقلابُ الصناعيّ ولمسَ الإنسانُ التحسّنَ في بعضِ الميادينِ ولا سيما وسائل النقلِ التي أذْهَلَتْهُ، وجعلتهُ ينقادُ انقيادًا أعمى إلى جميعِ ما نتجَ عنِ الغرْبِ منْ مفاهيمَ، وإذا اعترَضْتَ أحدَ هؤلاءِ وقُلْتَ لهُ: إنّ هذا المفهومَ يُخالِفُ الشريعةَ الإسلاميّةَ أجابَ بسرعةٍ وبدونِ تروٍّ أو تفكيرٍ: أتعودُ بنا إلى الوراء؟ وأمّا إذا كانَ منَ الذينَ يؤمنونَ بالإسلام ويغارونَ عليه أجابَ: إنّ الإسلامَ مَرِنٌ ومتطوّرٌ يسيرُ معَ الأفكارِ التقدميّةِ.
وقد نشأ هذا المفهومُ في أواخرِ القرنِ التاسعَ عشرَ، أيّامَ الانحطاطِ الفكريّ، فشاعَ عن الإسلامِ أنّهُ مرنٌ ومتطوّرٌ يُسايرُ الأوضاعَ الاقتصاديّةَ والاجتماعيةَ والسياسيّة في كلِّ مكانٍ وزمانٍ، ووجدَ الاستعمارُ الفرصَةَ المناسبةَ للقضاءِ على التشريع الإسلاميّ وطَمس معالمِهِ، فقامَ بتغذية هذهِ الفكرةِ حتى طَغَتْ على سلوكِ بعض المسلمينَ، وطُبِعَتْ في أذهانهم وأصبحتْ تتحكّمُ في تصرفاتهم. فإذا ذكّرْت هؤلاءِ اليوْمَ بأحكام الشرعِ أجابوا: إنها كانتْ لزمنٍ معينٍ، والإسلامُ يفرضُ على الإنسانُ أنْ يجاريَ عصرَهُ، ويعملَ بما يُلائمُ زمانَهُ ومكانَهُ. وبدأوا يبرّرونَ وجودَ البنوك الربويّةِ والشركاتِ المساهمةِ والتعاملَ معها، ويُصدرونَ الفتاوى بأنّ على الإسلامِ أن يقبَلَ بهذه المصلحةِ الواقعيِةِ، لأنّهُ مَرنٌ، كما أنّ عليهِ أنْ يبيحَ للنساءِ الاختلاطَ بالرّجالِ وإنْ كانَ ذلكَ لغيرِ حاجةٍ يقرّها الشرع، لأنّهُ من متطلباتِ الزمنِ وكيفَ يخُالِفُ الإسلامُ العصرَ، والقاعدة الشرعيّةُ تقولُ: «إنّ الإسلامَ يتغيّرُ بتغيرِ الزّمانِ والمكانِ»، وإذا نَاقَشْتَهُمْ على أساسٍ إسلاميّ أخذوا يُرَدّدُونَ: إنّ تعدّدَ الزوجات انتهى حُكْمُهُ. لأنّ الزمنَ لمْ يعُدْ يستسيغُ ذلكَ، وقَطْعُ يدِ السّارق ورجْمُ الزاني أوْ جَلْدُهُ لا يجوزُ البحْثُ به لأنها لا تُناسِبُ ذَوْقَ زماننا هذا. والحقيقةُ أنّ الإسلامَ منْ هذهِ القاعدةِ وأمثالِها بَراءٌ، لأنّهُ لا يُقيمُ وزنًا للظروفِ والأحوالِ، فكلّ ما خالَفَهُ، لا بدّ منْ إزالتهِ، وكلّ ما أمرَ بهِ لا بدّ منْ تمكينِهِ وجَعْلِهِ موضعَ التطبيقِ، فواقِعُ المجتمعِ لا بدّ أنْ يكونَ مُقيّدًا بأوامرِ الله ونواهيهِ.
ولا يحلّ للمسلمينَ أن يتكيّفوا معَ الزمن، أو المكانِ، بل عليهم أنْ يعالجوا ذلكَ بكتابِ الله وسُنّةِ نبيّهِ صلى الله عليه وآله وسلم، لأنّ الإسلامَ طرازٌ خاصّ في الحياةِ متميزٌ عن غيرِهِ كلّ التمييزِ، وهو يفرضُ على المسلمينَ عيْشًا ذا لونٍ ثابتٍ معيّنٍ، لا يتحوّلُ ولا يتغيّرُ. ويُوجِبُ عليهِم التقيّدَ بهِ تقيّدًا يجعلُهُمْ لا يَطمَئِنّونَ فكريًّا ونفسيًّا إلاّ لهذا النوعِ المعيَّنِ منَ العيشِ، ولا يشعرونَ بالسعادة إلّا به.
الإسلامُ مجموعةُ مفاهيمَ عنِ الحياةِ، تشكّلُ وُجهَةَ نظرٍ معيّنَة، ولقد جاءَ في خطوطٍ عريضةٍ، أي معانٍ عامّة تُعالِجُ جميعَ مشاكلِ الإنسانِ في الحياةِ، يسْتنبِطُ منها بالفعلِ علَاج كلِّ مشكلةٍ إنسانيّةٍ بحيثُ تجعلُهُ مُستَندًا إلى قاعدَةٍ فكريَةٍ تنْدرِجُ تحتها جميعُ الأفكارِ عنِ الحياةِ وتكونُ مقياسًا تُبنى عليهِ جميعُ الأفكارِ الفرعيّةِ، كما جَعَلَ الأحكامَ من معالجاتٍ وأفكارٍ منبثقة عنِ العقيدة على أنْ تكونَ مُستنبطَةً منَ الخطوطِ العريضةِ. وقد حدّدَ للإنسانِ الأفكارَ، ولم يحُدّ عَقْلَهُ، بلْ أطْلَقَهُ وقيّدَ سلوكَهُ في الحياةِ بأفكارٍ معينةٍ، فجاءتْ نظرَةُ المسلمِ للحياةِ الدّنيا نظرةَ أملٍ باسمٍ، وجديّةٍ واقعيّةٍ، كما جاءَتْ نظرَةَ تقديرٍ لها مُفصّلَةً على قدرِها منْ حيثُ إنها يجبُ أن تُنالَ، ومنْ حيثُ إنها ليستْ غايةً. بلْ ولا يصحّ أنْ تكونَ غايةً. وما سعْيُ الإنسانِ في مناكِبِها والأكلُ منْ رزْقِ الله والتمتّع بزينةِ الله التي أخرجَها لِعِبادِهِ سوى وسيلةٍ لا غايةٍ على أساسِ أنّ الدنيا دارُ ممّرٍ والآخرةُ هيَ الغايةُ، وهيَ دارُ البقاءِ والخلودِ.



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB