الثقافة والثقافة الإسلامية
الطبعة : الطبعة الرابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   711
تاريخ النشر :   1993




خرافة تأثير الفِقه الرّوماني في الفِقهِ الإسلامي

يزعُمُ بعضُ المستشرقينَ أنّ الفِقْهَ الإسلاميّ، في العصورِ الأولى، حينَ اندفعَ المسلمونَ في الفتوحاتِ، قد تأثّرَ بالفِقْهِ الرّومانيّ والقانونِ الرّومانيّ، وقالوا: إنّ الفقهَ الرّومانيّ كانَ مصدرًا من مصادرِ الفِقْهِ الإسلاميّ، وقد استمدّ الفقهُ الإسلاميّ منهُ بعضَ أحكامهِ. وهذا يعني أنّ بعضَ الأحكامِ الشرعيّةِ التي استُنْبِطَتْ في عهدِ التابعينَ وفيما بعد، هيَ أحكامٌ رومانيّةٌ أو مستمدّةٌ منَ الفِقْهِ الرّوماني. ويستدلّ هؤلاءِ المستشرقونَ على هذا القولِ بأنّ مدارسَ للقانونِ الرّومانيّ كانَتْ في بلادِ الشامِ عندَ الفتح الإسلامي في قيصرة على سواحِلِ فلسطينَ وبيروت، وكانَ في بلادِ الشامِ أيضًا محاكمُ تسيرُ في نظامِها وأحكامِها على القانونِ الرومانيّ، واستمّرتْ هذهِ الأحكامُ في البلادِ بعدَ الفتحِ الإسلاميّ زمنًا وذلك يدلّ على إقرارِ المسلمينَ لها وأخذِهِمْ بها وسيرِهِمْ بمُقتضاها. وأيّدُوا هذهِ النظرةَ بافتراضاتٍ منْ عندهِم فقالوا: من الطبيعيّ أنّ قومًا لمْ يأخذُوا منَ الحضارةِ بحظٍّ وافرٍ كالمسلمينَ لا بدّ وأنْ يأخذوا من قومٍ سبقوهم في الحضارةِ، ولا بُدّ أن ينظروا ماذا يفعلونَ وكيفَ يحكمونَ؟
ثم قالوا: إنّ المقارنةَ بينَ بعضِ أبوابِ الفقهِ الإسلاميّ وبعضِ أبوابِ الفِقْهِ الرّومانيّ وقوانينهِ تُرينا التّشابُهَ بينَ الاثنينِ، بلْ تُرينا أنّ بعضَ الأحكامِ نُقِلَتْ بنُصوصِها عنِ الفقْهِ الرّومانيّ، مثل: «البيّنَةُ على مَنِ ادّعى، واليمينُ على مَنْ أنْكر»، ومثلُ كلمةِ «الفِقْهِ والفقيهِ»؛ فيكونُ الفقْهُ الإسلاميّ على حدِّ زعمِهِمْ أو بعْضُهُ مُسْتَمَدًّا منَ الفِقْه الرّومانيّ مباشرةً أيّ من مدارسِ الشّامِ ومحاكمِها، هذا ما يزْعَمُهُ المستشرقونَ دونَ أنْ يُقيمُوا أيّ دليلٍ عليهِ سوى الافتراضِ، وهذهِ الأقوالُ فاسدةٌ لعدّةِ أسبابٍ منها:
1 ـــــــ لمْ يروِ أحدٌ عنِ المسلمينَ، لا المستشرقونَ ولا غيرُهُمْ، أنّ أحدًا منَ المسلمينَ، فقهاء أو غيرَ فقهاء، قد أشارَ أيّةَ إشارةٍ إلى الفقهِ الرّومانيّ أو القانونِ الرّومانيّ، لا على سبيلِ النّقْدِ ولا على سبيلِ التأييدِ، ولا على سبيلِ الاقتباسِ، ولم يذكرهُ أحدٌ لا بالقليلِ ولا بالكثيرِ، ممّا يدلّ على أنّهُ لمْ يكنْ موضِعَ حديث فضلًا عنْ أن يكونَ موضعَ بحثٍ. وأنّ بعضَ المسلمينَ ترجَمُوا الفلسفةَ اليونانيّةَ، ولكنّ الفقهَ الرّومانيّ لمْ يُتَرْجَمْ بلْ لمْ تُتَرْجَمْ منهُ أيّةُ كلمةٍ فضلًا عن كتابٍ، الأمرُ الذي يَبْعَثُ على الجزمِ أنّهُ قدْ أُلغيَ وطُمِسَ في البلادِ بمجرّدِ فتحِها.
ـــــــ في الوقتِ نفْسِهِ الذي يزعُمُ المستشرقونَ أنّهُ كانَ في بلادِ الشامِ مدارسُ للفقهِ الرّومانيّ ومحاكمُ تحكُمُ بمقتضى قوانينِهِ كانتِ الشّامُ غاصّةً بالمجتهدينَ من علماء وقضاةٍ وحكامٍ فكانَ منَ الطبيعيّ أنْ يحصُلَ التأثّرُ ـــــــ إذا حصلَ ـــــــ عندَ هؤلاءِ القضاةِ.
ــــــ إنّ المسلمينَ حملَةُ رسالةٍ، فهمْ يفتحونَ البلادَ لتطبيقِ أحكامِ رسالتهم، فكيفَ يفتحونَ البلادَ ليأخذوا أحكامَ الذي جاؤوا ليزيلوهُ، ويضعُوا مكانهُ حُكمَ الإسلامِ وهُمْ في العصرِ الأوّلِ من عصورِ الفتوحاتِ.
4 ـــــــ وليسَ بصحيحٍ أنّ المسلمينَ حينَ فتحوا البلادَ كانوا أقلّ حضارةً من البلادِ المفتوحةِ، ولو كانَ ذلكَ صحيحًا لتركوا حضارَتهُم وأخذُوا حضارةَ البلادِ المفتوحةِ، لأنّ الفكرَ الأقوى هو الذي يُؤثّرُ، لا الفكر الأضعف، مع العلمِ أنّ الإسلامَ يمنعُ الإكراهَ في الدينِ.
5 ـــــــ إنّ كلمةَ «فقهٍ وفقيهٍ» قد وردتَ في القرآنِ الكريمِ، وفي الحديثِ الشريفِ، ولمْ يكنِ المسلمونَ قد عرفوا أيّ اتصالٍ تشريعيّ بالرّومانِ. قال تعالى: {فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ} (سورة التوبة: الآية 122)، وقالَ عليه وعلى آلِهِ الصّلاةُ والسلامُ: «مَنْ يُردِ الله فيه خيْرًا يُفَقِّهْه في الدين» .
أمّا كلِمَةُ: «البيّنَةُ على من ادّعى واليمينُ على مَنْ أنكَرَ» فهيَ حديث قالهُ الرسولُ صلى الله عليه وآله وسلم، كما سيأتي في أحكام البينات وورَدَتْ في كتابِ عُمَرَ لأبي موسى في البصرةِ. فكيفَ يُزْعَمُ أنَّ المسلمينَ أخذُوا كلمة «فقهٍ وفقيهٍ» وقاعدة «البينةُ على مَنِ ادّعى واليمينُ على مَنْ أنكَر» عنِ الفقهِ الروماني، والمسلمون هم الذين قالوها وَوُجِدَتْ عندهم مُنْذُ فجرِ الإسلامِ. يتبيّنُ من ذلكَ أنّ خُرَافة تأثّرِ الفقهِ الإسلاميّ بالفِقْهِ الرّوماني لا أصلَ لها مُطلقًا، وأنها دسّ من المستشرقينَ.
والحقيقةُ والواقعُ المحسوسُ أنّ الفقهَ الإسلاميّ أحكامٌ مُستنبطةٌ مستندةٌ إلى الكتابِ والسنّةِ، أو إلى ما أرشدَ إليهِ الكتابُ والسنّةُ من أدلّةٍ، وأنّ الحكمَ إذا لمْ يكنْ مُسْتَنِدًا في أصلِهِ إلى دليلٍ شرعيّ لا يُعْتَبَرُ منْ أحكامِ الإسلامِ، ولا يُعْتَبَرُ منَ الفقهِ الإسلاميّ.



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB