الثقافة والثقافة الإسلامية
الطبعة : الطبعة الرابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   711
تاريخ النشر :   1993




هُبوط الفِقهِ الإسلامي

بعدَ تلاميذِ المجتهدينَ جاءَ أتباعُ المذاهبِ ومُقلّدُوها، فلمْ يستمرّوا على الطريقةِ التي سارَ عليها الأئمّةُ وأصحابُ المذاهبِ في الاجتهادِ واستنباطِ الأحكامِ، ولا على الطريقةِ التي سارَ عليها تلاميذُ المجتهدينَ منْ تتبّعِ الدّليلِ وبيان وجهِ الاستدلالِ والتفريعِ على الأحكامِ، وشرحِ المسائلِ، وإنما عُنِيَ أتْباعُ كلِّ إمامٍ، وعلماءُ كلِّ مذْهبٍ بالانتصارِ لمذهبهمْ وتأييدِ فروعهِ وأُصولهِ بكلِّ الوسائلِ.
فلمْ يُعْنَوا بتتبّعِ صحّةِ الدليلِ وترجيحِ الرّاجحِ على المرجوح ولو خالف مذهَبَهُمْ، وإنما كانوا يُعْنَوْنَ بإقامةِ البراهينِ على صحّةِ ما ذهبوا إليه وبطلانِ ما خالفهُ. ومن ثَمّ كانتْ عنايتُهُمْ منصرفةً إلى تأييدِ مذهبِهِمْ بالإشادةِ بالأئمّةِ وأصحابِ المذاهبِ. فشغلَ ذلكَ علماءَ المذاهبِ وصرَفَهُمْ عنِ الأساسِ الأوّلِ وهو القرآنُ والحديثُ، وصارَ الواحدُ منهم لا يرجعُ إلى نصٍّ قرآنيّ أو حديثٍ إلّا ليلتمسَ فيهِ ما يُؤيّدُ مذهبَ إمامهِ. وبهذهِ العنايةِ الخاصّةِ انحصرتْ أبحاثُهُمْ في مذاهِبِهِمْ وفترتْ هِمَمُهُمْ عن الاجتهادِ المطلقِ والرّجوعِ إلى المصادر الأساسيّةِ لاستنباطِ الأحْكَامِ منها. كما انحصرَ هَمّهُمْ في الاجتهادِ المذهبيّ أو في المسألةِ الواحدةِ منهُ أو تقليدِهِ تقليدًا دونَ تبصّرٍ. وبلغَ من تقليدِهِمْ أنْ قالوا: كلّ آيةٍ أو حديثٍ يخالفُ ما عليهِ أصحابُنا أي مَذْهَبُهُمْ فهو مؤوّلٌ أو منسوخٌ. وجعلوا تقليدَ المذهبِ الذي يعتنقونه فرضًا على المسلمِ، بل ذهبَ مُعْظَمُهُمْ إلى إقفالِ بابِ الاجتهادِ على المسلمينَ وقالوا بعدمِ جوازِ الاجتهادِ، حتى صار كثيرٌ منَ العلماءِ، ممّنْ همْ أهلٌ للاجتهادِ وتوفّرَتْ فيهِمْ أهْلِيّتُهُ، يخشَى الاجتهادَ، وقد بدأ هذا الانحطاطُ في أواخرِ القرْنِ الرابعِ الهجريّ إلّا أنّهُ لمْ يكنْ متطرّفًا، بلْ لمْ يكنْ يخلُو من مرونةٍ، حتى نهايةِ القرنِ السادسِ الهجريّ.
وفي أوائلِ القرنِ السابعِ الهجريّ حتى أوائلِ القرنِ الثالث عشر الهجريّ كانَ الانحطاطُ تامًّا، في التفكيرِ، ولكنّ الآراء الفقهيّةَ كانتْ آراءً إسلاميةً.
وبعد أواخرِ القرنِ الثالث عشر، أي منذُ سنة 1274ه. حتى الآن وصلَ الانحطاطُ إلى حدِّ أنْ خُلِطَتِ الأحكامُ الشرعيّةُ بالقوانين غيرِ الإسلاميّةِ، ووصلَ الحالُ إلى أبْعَدِ حدٍّ من حدودِ الانحطاطِ.
وكانَ من جرّاءِ ذلكَ الانحطاطِ الفِقْهِيّ أن جرّ الناسَ إلى إهمالِ الأحكامِ الشرعيّةِ. فبعدَ أنْ كانتِ الشريعةُ الإسلاميّةُ تَسَعُ العالَمَ بأسرِهِ، جعلُوها تضيقُ حتى بأهلِها فاضطّروا إلى أنْ يتناولوا غيرهَا منَ القوانينِ الأخرى التي لا ترقى إليها.
وأصبحَ كثيرٌ منْ أتقياءِ المسلمينَ يتخاصمونَ إلى شريعةٍ غيرِ شريعةِ الإسلامِ.
وكانَ، في أواخرِ الدولةِ العثمانيّةِ، الجهلُ بالإسلامِ وجهلُ الفقهاءِ هما السببان في تأخّرِ المسلمينَ وزوالِ دولتِهِمْ، كانَ هنالكَ فقهاءٌ جامِدُونَ مُستعدّونَ للفتوى بتحريمِ كلِّ جديدٍ وتكفيرِ كلِّ مفكّرٍ.
ومن أظرفِ ما وقعَ في ذلكَ مِنَ المضحكاتِ المبكياتِ أنْ ظَهَرَتْ قهوةُ البنّ، فأفتى بعضُ الفقهاءِ بتحريمِها، وظهر «الدخان» فأفْتوا بتحريمِهِ، ولبسَ الناسُ الطربوشَ فأفتَوا بتحريمهِ، وظهرتِ المطابعُ فحرّمَ بعضُ الفقهاءِ طبِعَ القرآنِ الكريمِ بها، وظهرَ التلفونُ فحرّموا التكلّمَ به، حتى آلَ الأمرُ إلى تجاهلِ الفقهِ الإسلاميّ تجاهلًا تامًّا عندَ المسلمينَ، وقد تحوّلَ الأمرُ من دراسةِ الأحكامِ الشرعيّةِ إلى دراسةِ القوانينِ الغربيّةِ.
وفي أواخرِ الدولة العثمانيّةِ عَمَدوا للفقهِ الإسلاميّ يُقلّدونَ بهِ الفقهَ الغربيّ في التقنينِ، فوضعوا المجلّةَ سنة 1286ه قانونًا مدنيًّا، وصدرتِ الإرادةُ السنيّةُ بالعَمَلِ بها سنةِ 1293ه، وكانوا قبلَ ذلكَ قد وضعوا قانونَ الجزاءِ سنة 1274ه، وجعلوهُ محلّ الحدودِ والجناياتِ والتعزير. ووضعوا قانونَ التجارةِ سنة 1276ه، ثم وضعوا الدستورَ لإلغاءِ الخلافةِ سنة 1294ه، ولكنّهُ أُلغي ثمّ أُعيدَ سنة 1326ه الموافق سنة 1908م. ثمّ حاولوا التوفيقَ بينهُ وبينَ الإسلامِ. وأبقَوا نظامَ الخلافةِ. وهكذا انحطّ الفِقْهُ وتحوّلَ إلى قوانينَ وأُبْعِدَتِ الأحكام الشرعيّةُ وأُخِذَتِ الأحكامُ تتلخّصُ في أنّ كلّ ما يوافقُ الإسلامَ يُؤخَذُ منْ أيّ إنسانٍ، وانحطّتْ هِمَمُ العلماءِ وصارُوا في جملتِهِمْ مُقَلّدينَ.
لكنّ ذلكَ، بالرّغمِ منْ كلِّ مساوئهِ، كانَ فيهِ ظِلّ للإسلامِ، أو كانَ يلوحُ فيهِ ظلّهُ على الأقلِّ. ولكنْ بعدَ زوالِ الخلافةِ واستيلاءِ الإنكليزِ والفرنسيّينَ على البلادِ وصيرورةِ البلادِ الإسلاميّةِ دولًا على الأساسِ القوميّ، عربيًّا كانَ أو تركيًّا أو إيرانيًّا أو غيرَهُ، ذابَ الفقْهُ الإسلاميّ منَ الوجودِ وحِيلَ بيْنَهُ وبينَ الناسِ في العلاقاتِ وسُدّتْ دونه أبوابُ التعلّمِ والتعليمِ، ولمْ يبْقَ لهُ أساسٌ في المدرسةِ إلّا في بعضِ البلدانِ كالأزهرِ في مصرَ، والنجفِ في العراقِ وجامعِ الزيتونةِ في تونس وقم في إيران.



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB