الثقافة والثقافة الإسلامية
الطبعة : الطبعة الرابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   711
تاريخ النشر :   1993




أثر الخلافاتِ بَين المسلمين

لقدْ وقعَ في عهدِ الصحابةِ والتابعينَ حادثانِ: أحدهُما فتنةُ عثمانَ، والثاني المناظراتُ التي حصلَتْ بينَ العلماءِ، فنتجَ عن ذلكَ اختلافٌ في أنواعِ الأدلّةِ الشرعيّةِ أدّى إلى وجودِ أحزابٍ سياسيّةٍ جديدةٍ، كما أدّى إلى وجودِ مذاهبَ فقهيّةٍ متعدّدةٍ. وقد نشأ ذلك بوضوحٍ بعدما قُتلَ عثمانُ بنُ عفّانَ رضي الله عنهُ، وبويعَ بالخلافةِ عليّ بن أبي طالبٍ سلامُ الله عليهِ، ونازعهُ عليها معاويةُ بنُ أبي سفيانَ، واشتعلتِ الحربُ بينَ الفريقينِ، وانتهتْ إلى تحكيمِ الحكَمَينِ. وقد نتجَ عن ذلكَ نُشوءُ أحزابٍ سياسيّةٍ جديدةٍ لمْ تكنْ منْ قبلُ، وصارتْ لهذهِ الأحزابِ آراءٌ جديدةٌ. وقد ابتدأ الرأيُ سياسيًّا بشأنِ الخليفةِ والخلافةِ، ثمّ شملَ الأحكامَ، أو كثيرًا منها.
نشأتْ جماعَةٌ منَ المسلمينَ شَجَبَتْ سياسةَ عثمانَ في خلافتهِ ونقمَتْ على عليّ قبولَهُ التحكيمَ. وعلى معاوية تولّيهِ الخلافةَ بالقوّةِ، فخرجتْ عليهمْ جميعًا. وكانَ رأيُهُمْ أنّ الخلافةَ بيعةٌ اختياريّةٌ يقوم بها المسلمونَ نحوَ الخليفةِ بمحضِ اختيارِهِمْ دونَ إكراهٍ ولا إجبارٍ، وكلّ مَنْ توفّرَتْ فيهِ الكفايةُ للخلافةِ يصِحُّ أنْ يكونَ خليفةً يبايعهُ المسلمونَ، وعندئذٍ تنعقدُ الخلافةُ لهُ ببيعتهِ ما دامَ رجلًا سياسيًّا مسلمًا عدلًا ولو كانَ عبدًا حبشيًّا. ومن آرائِهِمْ أنّ طاعةَ الخليفةِ واجبةٌ إذا كانَ أمرُهُ في حدودِ الكتابِ والسنّةِ، وإذا تجاوزَهُما فلا طاعةَ لهُ.
وهؤلاءِ ـــــــ وهم الخوارجُ ـــــــ لا يأخذونَ بالأحكام التي وردتْ في الأحاديثِ التي رواها عثمانُ أو عليّ أو معاويةُ أوْ صحابيّ ناصرَ واحدًا منهمْ ورَوى أحاديثَهُمْ وآراءهُمْ وفتاويهمْ، ثم رجّحوا كلّ ما رُويَ عَمّنْ يرضَوْنَ عنهُ واعتبروا رأيهُ، ووثقُوا بعلمائهم دونَ غيرهم. ولهمْ فِقْهٌ خاصّ، أمّا الجماعةُ الثانيةُ منَ المسلمينَ ـــــــ وهيَ الشيعةُ ــــــ فقد أحبّتْ عليَّ بن أبي طالبٍ سلامُ الله عليهِ، وأحبّتْ ذرّيّتهُ ورأتْ أنّهُ هو وذرّيّتهُ أحقّ بالخلافةِ من كلِّ أحدٍ. وأنهُ هو الذي أوصى إليهِ الرسولُ بالخلافةِ منْ بعدهِ نصًا وقد روَوْا أحاديثَ كثيرةً نَقَلَها عنِ الرسولِ جمهورُ الصحابةِ. ولم يُعوّلوا على آراءِ بعضِ الصحابة، بلْ على الأحاديثِ التي رَواها آلُ البيتِ سلامُ الله عليهم، والذينَ ناصروهُمْ واقتدوا بهم من الصحابة (رضوانُ الله عليهِم أجمعين). وعلى الفتاوى التي صدرَتْ عنهم. وكانَ لهمْ فِقْهٌ خاصٌ. وأما الفِئَةُ الثالثةُ وهي أهل السنة فقد رأتْ أنّ الخليفةَ يجبُ أن يكون منْ قريشٍ إن وُجِد، وهم يحملونَ كلّ إكبارٍ ومحبّةٍ لجميعِ الصحابةِ دونَ استثناءٍ مع تفضيل أصحاب الفضل منهم كالخلفاء الراشدين وأهل البيت وأهل بدر، فليس كل الصحابة في الفضل سواء ويؤوّلون أكثر ما كانَ بينهُمْ من خصوماتٍ بأنها كانتْ خصوماتٍ اجتهاديّةً في أحكامٍ شرعيّةٍ ظنيّةٍ، لا ترتبطُ بكفرٍ أو إيمانٍ مع الجزم بأنَّ أمير المؤمنين، علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان على الحق وبأن معاوية وجيشه قد أخطأوا في خروجهم على طاعته وقتالهم له، ويترضون عليهم جميعًا ويحتجّونَ بكلّ حديثٍ صحيحٍ رواهُ صحابيّ بلا تفريقٍ بينَ الصحابة، لأنهم يعتقدونَ أنّ أصحابَ النبيّ كلهمْ عدولٌ ويأخذونَ بفتاوى الصحابة وآرائِهِمْ.
وهذا الاختلافُ تسبَّب في اختلاف الأحكام في عدّة موضوعاتٍ للاختلاف في الحكمِ وفي طريقةِ الاستنباط، وفي أنواعِ الأدلّةِ.
ومن ذلكَ يتبيّنُ أنّ الفتنةَ التي حصلتْ، أوْجَدَتْ حالةً سياسيّةً وفِقْهِيّةً أدّتْ إلى اختلافٍ كانَ له أثرُهُ في التاريخِ، ولكنّهُ لم يكنِ اختلافًا على الشريعةِ، وإنما كانَ اختلافًا في فَهْمِ الشريعةِ.
وأمّا المناظرات التي حصلتْ بينَ العلماءِ فقدْ أدّتْ إلى اختلافاتٍ فقهيّةٍ ولمِ تؤدِّ إلى اختلافاتٍ سياسيّةٍ، لأنها لمْ تكنِ اختلافًا في الخليفةِ والخلافة ونظامِ الحُكْم. وإنما كانتْ اختلافًا في الأحكامِ وطريقة استنباطها، ولذلك كان بعض المجتهدين يرى أن الأدلة الشرعيّةَ لا تتعدّى الكتابَ والسنّةَ والإجماعَ، والعقلَ، واعتبارُ هذينِ الدليلينِ الآخرينِ: الإجماع والعقل منْ حيثُ رجوعُهُما إلى الكتابِ والسنّةِ كاشفين عن وجودِ دليلٍ شرعيّ. وبعضهُمْ يرى أنّ الأدلّةَ الشرعيّةَ هيَ الكتابُ والسنّةُ والإجماع والقياسُ والاستحسانُ ومذهبُ الصحابيّ وشرعُ مَنْ قَبْلَنا، وبعضُهُم يرى أنّ الأدلّةَ الشرعيّةَ هيَ الكتابُ والسنّةُ والإجماعُ. ومنهم من يرى أنّ الأدلّةَ هيَ الكتابُ والسنّةُ والإجماعُ والقياسُ والمصالحُ المرسَلَةُ. وهذا الاختلافُ أدّى إلى اختلافٍ في الأدلّةِ الشرعيّةِ فأدّى ذلكَ إلى اختلافِ طريقةِ الاجتهادِ، وهكذا نشأ بعد طبقةِ التابعينَ الاختلافُ في طريقةِ استنباطِ الأحكامِ، وصارَتْ لكلِّ مجتهدٍ طريقةٌ خاصّةٌ.
وقد نشأ عنْ هذا الاختلافِ في طريقةِ الاستنباطِ وجودُ مذاهبَ فِقْهيّة متعددةٍ أدّتْ إلى نموّ الثروةِ الفقهيّةِ، وجعلتِ الفِقْهَ يزدهرُ ازدهارًا كبيرًا، وذلكَ لأنّ الخلافَ في الفَهْمِ طبيعيّ وهو يساعدُ على نمو الفكرِ. وقد كان بعضُ الصحابةِ يخالفُ البعضَ الآخرَ، فقد خالفَ عبدُ الله بن عباس عليًّا سلامُ الله عليهِ، وزيدَ بن ثابت وعمر رضيَ الله عنهما، معَ أنّهُ أخذَ عنْهُمْ. وخالفَ كثيرٌ منَ التابعينَ بعضَ الصحابةِ في الوقتِ الذي أخذوا العلمَ عنهُمْ، وخالفَ مالكٌ كثيرًا من أشياخِهِ، وخالفَ أبو حنيفةَ جعفرًا الصادقَ في بعضِ المسائلِ معَ أنّهُ تلميذُهُ، وخالفَ الشافعيّ مالكًا في كثيرٍ منَ المسائلِ، وهو تلميذُهُ أيضًا. وهكذا كانَ العلماءُ يخالفُ بعضُهُمْ بعْضًا، والتلاميذُ يخالفونَ أشياخَهُمْ وأساتذتَهم، وما كانُوا يَعدّونَ ذلكَ سوءَ أدبٍ أو خروجًا عن أشياخِهِمْ، وذلكَ لأنّ الإسلامَ حثّ على الاجتهادِ، فكانَ لكلِّ عالمٍ أنْ يَفْهَمَ ويجتهِدَ وأنْ لا يَتَقَيّدَ بصحابيّ أو شيخٍ أو أُستاذٍ. وقد كانَ لهؤلاء التلاميذِ الفضلُ الأوّلُ في نشرِ مذاهب أساتذتِهِم وأئمّتهم في شرحِ الفقهِ وازدهارِهِ. ويعتبرون عصرهمْ أزهرَ من عصرِ الأئمّةِ أنفسِهِمْ، لأنّ هذا العصرَ هو الذي فُصّلَتْ بهِ الأحكامُ والأدلّةُ. ولأجلِ ذلكَ اندفعَ الفقهاءُ في دراسةِ الفَقْهِ وشرْحهِ ولا سيّما عِلْمُ أُصولِ الفِقْهِ الذي يُعَدّ الأساسَ الحقيقيّ للفقهِ. وظلّ أمرُ الفِقْهِ يَشعّ حتى ازدهرَ أيما ازدهار، وكانَ أوجُ ازدهارِهِ في القرن الرَابعِ الهجري بَعْدَ القرن الذي تكوّنتْ فيهِ المذاهبُ الفقهية.
ciloxan notice ciloxan tropfen ciloxan alkohol



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB