الثقافة والثقافة الإسلامية
الطبعة : الطبعة الرابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   711
تاريخ النشر :   1993




نشوء الفِقهِ الإسلامي

الفِقْهُ منْ أجَلِّ المعارِفِ الإسلاميّةِ وأعْظَمِها تأثيرًا على المجتمعِ، وهوَ من أهمِّ فروعِ الثقافةِ الإسلاميّةِ. وهذهِ الثقافةُ هي الكتابُ والسنّةُ وما اسْتُمِدّ منهما وَوُضِعَ من أجْلِ فَهْمهما.
فقد وردَ أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بعثَ عليَّ بن أبي طالبٍ سلامُ الله عليهِ إلى اليمن قاضيًا، وقال لهُ: «أنّ الله سيهدي قَلْبك ويُثبّتُ لسانَكَ، فإذا جَلَسَ بينَ يديكَ الخَصمانِ فلا تقضِ حتى تَسْمَعَ منَ الآخرِ كما سمعْتَ من الأوّلِ، فإنّهُ أحرى أن يُبيّنَ لكَ القضاءَ».
وأرسلَ صلى الله عليه وآله وسلم حُذَيْفَةَ بن اليمانِ للقضاءِ بينَ جارينِ اختصما على جدار بيْنهما، ادّعى كلّ منهما أنّهُ لهُ.
وبوفاةِ الرسولِ صلى الله عليه وآله وسلم في السنةِ الحادية عشرةَ للهجرةِ ابتدأ عَهْدُ الصحّابةِ، وهوَ عَهْدُ التفسيرِ، وانفتَحَتْ أبوابُ الاستنباطِ فيما لا نصّ فيهِ منَ الوقائعِ. وقد نَقَلَ المؤرخونَ والمحدّثونَ والفقهاءُ كثيرًا من اجتهاداتِ الصّحابةِ، ومنها يتبيّنُ مَبْلَغُ تقيّدهم بالشريعةِ ومَبْلَغُ انطلاقِهِمْ في فَهْمِها. فقد وقَعَتْ لعُمَرَ قصّةُ رجلٍ قَتَلَتْهُ امرأةُ أبيهِ وخَليلُها، فتردّدَ عُمَرُ رضي الله عنهُ وتساءَلَ: هل يُقْتَلُ الكثيرُ بالواحدِ؟ فقالَ لهُ عليّ سلامُ الله عليهِ: أرأيتَ لوْ أنّ نفرًا اشتركوا في سرِقَة جَزُورٍ، فأخذَ هذا عضوًا وهذا عُضوًا أكُنْتَ قاطِعَهُمْ؟ قالَ: نعمْ، قالَ: فكذلكَ. فَعَمِلَ عمَرُ برأيِ عليّ، وكتبَ إلى عامِلِهِ أن اقْتُلْهُما، فلو اشتركَ فيه أهْلُ صنعاءَ لَقَتَلْتُهُمْ. ولما اختلفوا في المسألةِ المشتركةِ وهي التي تُوفّيَتْ فيها امرأةٌ عن زوجِ وأُمٍّ وإخوة أم وإخوةٍ أشقّاء، فأعطى عُمَرُ للزوجِ النصفَ، وللأم السدسَ، وللإخوة للأمّ الثلثَ، فلا يبقى شيء للإخوة الأشقّاءِ، فقيلَ لهُ: هَبْ أنّ أبانا كانَ حمارًا، ألسنا منْ أُم واحدةٍ؟ فعدلَ عن رأيهِ وأشْرَكَ بينهُمْ.
وكانوا يتعرّفونَ المصلحةَ التي جاءَ النصّ منْ أجلِهَا إذا كانت تُفْهَمُ منَ النصِّ. وكانتْ وجهَتُهُمْ جميعًا الحقّ والصوابَ. وكانَ يرجعُ بعضُهمْ إلى بعضٍ. وإذا اختَلَفَ رأيُهُمْ في بعضِ الأحكامِ كان اختلافًا نادِرًا في الفَهْمِ لا في طريقةِ الفَهْمِ. ولما اتّسَعَتِ الفتوحاتُ وتفرّقَ الصحابةُ في مُخْتَلفِ الأمصارِ ولمْ يَعُدْ منَ الميْسورِ أنْ يجتمعَ هؤلاءِ الصحابة كُلّما عَرَضَت واقعةٌ لا نَصّ فيها، انفردَ كلّ صحابيّ في إعطاءِ رأيهِ دونَ أنْ يرجعَ لغيرِهِ، لتعذّرِ الاجتماعِ معَ مُباعَدَةِ الأمصارِ وضرورةِ إعطاءِ الرّأيِ في الحادثةِ الواقعةِ في المِصرِ الذي هوَ قاضٍ فيهِ.



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB