الثقافة والثقافة الإسلامية
الطبعة : الطبعة الرابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   711
تاريخ النشر :   1993




كيف يُفَسَّر القرآن الكريم؟

يتوقّفُ تفسيرُ القرآنِ الكريمِ بوصفِهِ كلامًا عربيًّا ونصًّا من النصوصِ العربية على إدراكِ واقعِهِ العربيّ منْ حيثُ اللغة: {وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً} (سورة طه: الآية 113). أمَّا من حيثُ الموضوعُ فيتوقفُ على الإلمامِ بالتاريخِ، والعقائدِ، والتشريعِ، والقصصِ، وكثيرٍ من الأشياءِ التي انطوى عليها. وهوَ رسالةٌ منَ الله للبشرِ بلّغها إليهم رسوله سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ففيهِ كلّ ما يتعلّقُ بالرسالةِ من العقائدِ والأحكامِ والبشارةِ والإنذارِ وقصصِ العِظَةِ والذكرى والوصْفِ الرّائِعِ لمشاهدِ القيامةِ والجنّةِ والنّارِ. والغايةُ من ذلكَ الزجرُ وإثارةُ الشّوقِ، والقضايا العقليّةِ، والأمورِ الحسيّة، والغيبيّةِ المبنيّةِ على أصلٍ عقليّ للإيمانِ والعملِ، وغير ذلكَ ممّا تقتضيهِ الرسالةُ العامّةُ لبني الإنسانِ، فالوُقوفُ على هذا الموضوعِ وقوفًا دقيقًا قائمًا على معرفةِ التفاصيل لا يمكن أن يكونَ إلّا عن طريقِ الرسولِ الذي أُنزل عليه، وقد بيّنَ الله تعالى أنّ القرآنَ أُنزِلَ على الرسولِ لِيُبَيّنَهُ للنّاسِ: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} (سورة النحل: الآية 44). وطريقُ الرسولِ هيَ السنةُ. أي مَا يُروى عنهُ روايةً صحيحة منْ أقوالٍ وأفعالٍ وتقاريرَ. ولذلكَ كانَ الواجبُ يفرِضُ الاطلاعَ على سنَةِ الرسولِ قبلَ البدْءِ بتفسيرِ القرآنِ. إذْ لا يمكنُ فَهْمُ موضوعهِ إلّا بالاطلاعِ على سُنّةِ الرسولِ، على أنّ هذا الاطلاعَ يجبُ أنْ يكونَ اطلاعًا واعيًا لمتن السنة أي أن يكون اطلاع تدبّر على محتواها باعتبارها مفاهيم لا اطلاعَ حفظٍ لألفاظها لأنّ التفسيرَ متعلّقٌ بمدلولاتِ السنّةِ لا بألفاظِها وسندها ورُواتها. وعليهِ يجبُ توفّرُ الوعي للسنّةِ حتى يتأتى لهُ تفسيرُ القرآنِ. ومنْ هنا يتبيّنُ أنّهُ لا بدّ لتفسيرِ القرآنِ أوّلًا وقبلَ كلِّ شيءٍ من دراسةِ واقع القرآنِ دراسةً تفصيليّةً، ودراسةُ ما ينطبقُ عليهِ هذا الواقعُ منْ حيث الألفاظُ والمعاني، وإدراك موضوعِ بحثهِ. ولو بشكلٍ إجماليّ، ولأجلِ تصوّرِ ذلك نَعْرِضُ لوْحةً أو إشارةً لكيفيّةِ الإدراكِ التفصيليّ لواقعِ القرآنِ من حيثُ مفرداتُهُ وتراكيبُهُ وتصرّفه في المفرداتِ والتراكيب ومنْ حيثُ الأدبُ العالي في الخطاب والحديثِ منَ الناحيةِ العربيّةِ، ومنْ حيثُ لغةُ العربِ ومعهودُهم في كلامِهِمْ.
أمّا واقع القرآنِ ـــــــ منْ حيثُ مفرداتهُ ـــــــ فإنّا نشاهِدُ فيهِ مفرداتٍ ينطبقُ عليها المعنى اللغويّ حقيقةً ومجازًا.
وقد يُسْتَعْمَلُ المعنى اللغويّ بقسميهِ المجازيّ والحقيقيّ، وتكونُ القرينةُ أداةَ المقصودِ في كلِّ تركيبٍ. وقد يُتناسى المعنى الحقيقيّ ويبقى المعنى المجازيّ فيصبحُ المقصودَ الأساسي. وهناكَ مفرداتٌ ينطبقُ عليها المعنى الحقيقيّ فقط. كما أنّ هناك مفرداتٍ ينطبقُ عليها المعنى اللغويّ الحقيقيّ، وينطبقُ عليها معنى شرعيّ جديدٌ غيرُ المعنى اللغويّ حقيقةً، وغيرُ المعنى اللغويّ مجازًا، واستُعْملتْ في المعنى اللغويّ والشرعيّ في آياتٍ مختلفةٍ. والذي يُعيّنُ المقصودَ منهما تركيبُ الآيةِ. أو ينطبقُ عليها المعنى الشرعيّ فحسب، ولا تُستعملُ في المعنى اللغوي. فكلمة «قرية» ـــــــ مثلًا ـــــــ استُعملتْ بمعناها اللغويّ الحقيقيّ فقط في قولهِ تعالى: {حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ} (سورة الكهف: الآية 77) وقوله سبحانه وتعالى: {أَخْرِجْنَا مِنْ هَـذِهِ الْقَرْيَةِ} (سورة النساء: الآية 75) واسْتُعْمِلَتْ بمعناها المجازيّ في قوله تعالى: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا} (سورة يوسف: الآية 82) والقريةُ لا تسأل، والمقصودُ أهْلُ القريةِ وهذا هو المعنى المجازي وفي قوله تعالى: {وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا} (سورة الطلاق: الآية 8) والمرادُ أهْلُ القريةِ. وفي قوله تعالى: {أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَآئِطِ} (سورة النساء: الآية 43)، فالغائطُ هوَ المكانُ المنخفضُ، وقدِ اسْتُعْمِلَتْ في قضاءِ الحاجةِ مجازًا، لأنّ الذي يقضي الحاجَةَ يذْهَبُ إلى مكانٍ منخفضٍ. فاسْتُعْمِلَ مُرادًا به المعنى المجازيّ وتُنُوسيَ المعنى الحقيقيّ، أمّا في قوله تعالى: {فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ} (سورة المائدة: الآية 42) وقولهُ: {وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ} (سورة الرحمن: الآية 9) فالمقصودُ المعنى اللغويّ، ولم يَرِدْ لها معنى آخر، وكذلكَ قولهُ: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} (سورة المدثر: الآية 4) فإنّ المرادَ المعنى اللغويّ. أمّا في قولهِ تعالى: {وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ} (سورة المائدة: الآية 6) {لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} (سورة الواقعة: الآية 79) فالمرادُ المعنى المجازيّ، وهوَ إزالةُ الحَدَثِ لأنّ إزالةَ الحدثِ الأكبرِ والحدَثِ الأصغرِ يُقالُ لهُ في الشرع «طهارة»، معَ أخْذِ حقيقةِ أنّ «المؤمنِ لا ينجُسُ» بعينِ الاعتبارِ. وأمّا في قولِه تعالى: {أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (9) عَبْداً إِذَا صَلَّى} (سورة العلق: الآيتان 9 ـــــــ 10)، فإن المراد معنى الصلاة الشرعيّ. وفي قوله تعالى: {يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} (سورة الأحزاب: الآية 56)، يُرادُ المعنى اللغويّ وهُو الدّعاءُ. هذا منْ حيثُ المفرداتُ. أما مِن حيثُ التراكيبُ فإنّ اللغةَ العربيّةَ من حيثُ هي ألفاظٌ دالّةٌ على معانٍ. وإذا تقصّينا هذهِ الألفاظ، من حيثُ وجودُها في تراكيبَ سواء كانت منْ حيثُ معناها الإفراديّ في التركيبِ أمْ منْ حيثُ المعنى التركيبي، فإنّها لا تخرجُ عن نظرتينِ اثنتينِ.
إحداهما أنْ يُنظَرَ إليها منْ جهةِ كونها ألفاظًا وعباراتٍ مُطلقةً دالَةً على معانٍ مُطلقةٍ، وهيَ الدَّلالَةُ الأصليّةُ. والثاني منْ جهةِ كونها ألفاظًا وعباراتٍ دالّةً على معانٍ خادمةٍ للألفاظِ والعبارات المُطلَقَةِ، وهيَ الدّلالةُ التابعةُ. أمّا بالنسبةِ للقسمِ الأوّلِ وهو كونُ التراكيبُ ألفاظًا وعباراتٍ مطلقةً دالّةً على معانٍ مطلقةٍ، فإنّ في اللغةِ من حيثُ المفرداتُ ألفاظًا مشتركةً، مثل: كلمات «العين» و«القدر» و«الروح» وما شاكلَ ذلك. وفيها ألفاظٌ مترادفةٌ، مثل: كلمتي «جاءَ وأتى». وكلمتي «ظنّ وزعم» إلى غيرِ ذلكَ وفيها ألفاظٌ مُضادّةٌ، مثل: كلمةِ «قروء» للحيضِ والطّهر وكلمة: «عزر» للإهانةِ والنصرةِ وكذلك للّوْم والتنكيلِ، وما شابهَ ذلك.
ويحتاجُ فَهْمُ المعنى المرادِ من الكلمةِ، إلى فَهْمِ التركيب، ولا يمكنُ أن يُفْهَمَ معناها بمجرّد مراجعةِ قواميسِ اللغةِ، بل لا بدّ من معرفةِ التركيبِ الذي وَرَدَتْ فيهِ الكلمةُ، لأنّ التركيبَ هوَ الذي يُعيّنُ المعنى المرادَ منها. وكما نقولُ ذلكَ في المفرداتِ بالنسبةِ للتركيبِ، نقولهُ بالنسبةِ للتراكيبِ نفسها.
فإنها من حيثُ هيَ ألفاظٌ وعباراتٌ مُطلَقَةٌ دالّةٌ على معانٍ مطلقةٍ، وهذهِ هيَ دلالَتُها الأصليّةُ، وما لَمْ ترد قرينةٌ دالّةٌ على غير ذلكَ فإنّ معناها المطلق هو المراد، وهذا كثير في القرآنِ لا يحتاجُ إلى أمثلةٍ لأنّهُ الأصلُ.
وأمّا بالنسبةِ للقسمِ الثاني، وهو كونُ التراكيبِ ألفاظًا وعباراتٍ دالّةً على معانٍ خادمةٍ للألفاظِ والعباراتِ المطلقةِ، فإنّ كُلّ خبرٍ يقالُ في الجملةِ يقتضي بيانَ ما يُقْصَدُ منها بالنسبةِ لذلكَ الخبر. فتوضعُ الجملةُ في شكلٍ يؤدّي ذلك القصدَ بحسبِ المخبرِ والمخْبَرِ عنهُ، ونفْسِ الإخبارِ في الحالِ التي وُجد عليها، وفي المساقِ الذي سيقَتْ بهِ الجملةُ. وفي نوعِ الأسلوبِ منَ الإيضاحِ والإخفاءِ والإيجازِ والإطنابِ وغيرِ ذلكَ. تقولُ في ابتداءِ الأخبارِ: «قامَ زيدٌ» إنْ لمْ تكنِ العنايةُ بالمخبرِ بَلْ بالخبرِ، فإنْ كانتِ العنايةُ بالمخْبَرِ عنهُ قلت: زيدٌ قامَ، وفي جوابِ السؤالِ أو ما هو مُنزّلٌ منزلةَ السؤالِ قلت: إنّ زيدًا قائم، وفي جوابِ المنكرِ واللهِ إنَّ زيدًا لقائم! وفي إخبارِ مَنْ يتوقّعُ قيامَ زيد: قامَ زيدٌ، ومثلها في القرآن الكريمِ: قوله تعالى: {وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءهَا الْمُرْسَلُونَ (13) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ (14) قَالُوا مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمن مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ (15) قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ} (سورة يس: الآيات: 13 ـــــــ 16) فإنّ الرّسل حين أحسّوا إنكارَهُمْ في المرّةِ الأولى اكتفوا بتأكيد الخبرِ «بأنّ» فقالوا: {إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ}، فلما تزايدَ إنكارُهمْ وجُحودهم قالوا: {رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ}، فأكدوا بالقسمِ وإنَّ واللّامَ.
وقد رُويَ أنّ يعقوبَ بن إسحاقَ الكِنديّ ركبَ إلى أبي العباسِ المبرّدِ وقالَ لهُ: «إني لأجِدُ في كلامِ العربِ حشوًا!»، فقالَ أبو العبّاسِ: «أينَ وجدتَ ذلكَ»؟ فقالَ: وجدتهُمْ يقولونَ: «عبد الله قائمٌ» ويقولون: «إنّ عبدَ الله قائمٌ» ثمّ يقولونَ: «إنّ عبدَ الله لقائمُ»، فالألفاظُ مكرّرةٌ والمعنى واحد: فقالَ أبو العباسِ: «بلِ المعاني مختلفة».
فالأول: إخبارٌ عن قيامِهِ.
والثاني: جوابٌ عنْ سؤال.
والثالث: ردّ على مُنْكِر.
هذه الأمورِ يجبُ أنْ تُلاحَظَ في النّصوصِ العربيّةِ. وقد استوفى القرآنُ هاتينِ النظريّتينِ، فجاءَتِ الألفاظ والعباراتُ المطلقة الدالّةُ على معانٍ مطلقة، وجاءت الألفاظ والعبارات المقيدة الدالة على معانٍ خادمة للمعاني المطلقة. وفي وجوهٍ متعدّدةٍ من البلاغةِ. ومن أروع ما رُوعِيَ فيهِ وجودُ المعاني الخادمةِ التي هيَ الدّلالةُ التابعةُ الآياتُ وأجزاءُ الآياتِ التي تتكرّرُ في القرآنِ الكريمِ في السورةِ الواحدةِ والسّوَر المختلفةِ، وكذلكَ القصَصُ والجملُ التي تتكرّرُ في القرآنِ، وما جاءَ فيهِ من تقديم المحمول على الموضوعِ، ومنَ التأكيدِ بأنواع من التأكيد، أو بنوعٍ واحدٍ حَسْبَ مساقِ الجملةِ، ومن الاستفهامات الإنكاريّةِ وغيرِ ذلكَ، ممّا يتضمّنُ أعلى أنواعِ الدّلالةِ التّابعةِ. إنّكَ تجدُ الآيةَ أو جزءًا منَ الآيةِ أو الجملةِ أو القِصّةِ تأتي في مساقٍ على وجهٍ في بعضِ السور، وتأتي على وجهٍ آخرَ في سورٍ أخرى، وتأتي على وجهٍ ثالثٍ في موضوعٍ آخرَ، وهكذا لا تجدُ تعبيرًا حُوِّلَ عنْ وضعهِ الأصليّ، كتقديمِ الخبرِ على المبتدإ، وتأكيدِ الخبرِ والاكتفاءِ بذكرِ البعضِ عنِ العبضِ الآخرِ، ممّا يُذْكَرُ عادةً، إلّا وجدتَ لذلك نكتةً بلاغيّةً قائمةً على معنى يخدمُ المعاني المطلَقَةَ التي تتضمّنها الألفاظُ والعباراتُ في الآيةِ.
الكلامُ في اللّغةِ العربيّةِ ألفاظٌ دالّةٌ على معانٍ، سواء من حيثُ النظرةُ إلى المفرداتِ في تراكيبها، أوْ من حيثُ التراكيبُ جُمْلَةً.
أمّا من حيثُ التصرّفُ في المفرداتِ وهي في تركيبها، أو التصرّفُ في التراكيبِ، فإنّ القرآنَ سائرٌ فيها على معهودِ العربِ الذي نزلَ بلسانهم. ومع إعجازه للعربِ فلمْ يحصلْ فيه العدولُ عنِ العُرْفِ المستمرّ.
وواقعُهُ من هذهِ الجهةِ هوَ عينُ واقِعِ معهودِ العربِ في ذلكَ، وبالرّجوعِ إلى واقعِ معهودِ العربِ نجدُ أنّ العرَبَ لا ترى الألفاظَ حتميّةَ الالتزام حينَ يكون المقصودُ المحافظةَ على معنى التراكيبِ وإنْ كانتْ تراعيها، وكذلكَ لا ترى جوازَ العدولِ منَ الألفاظِ بحالٍ منَ الأحوالِ بلْ تُوجِبُها حيثُ يكونُ المقصودُ أداءَ المعاني التي تقتضي الدقّة في أدائها التزامَ اللفظِ الذي يكونُ أداؤها بهِ أكملَ وأدَقّ، فليسَ أحَدُ الأمرين عندهم بملتزمٍ، بل قد تُبنى المعاني على التركيبِ وحدَهُ معَ عدمِ الالتزامِ بالألفاظِ، وقد تُبْنى المعاني على الألفاظِ في التركيبِ عندَ العربِ كاستغنائهمْ ببعضِ الألفاظِ عما يرادفُها، أو يُقاربها إذا دلّ المعنى المقصودُ على استقامتِهِ، فقد حكى ابنُ جني عن عيسى بن عمرَ قالَ: سمعتُ ذا أكرمة ينشدُ:
وظَاهِر لها مِنْ يابسِ الشختِ واسْتَعِنْ عليها الصّبا واجْعَلْ يَدَيْكَ لها سترا
فقلتُ: أنشدْتَني من «بائس» فقال: «يابس وبائس واحدٌ». وعن أحمدَ بن يحيى قال: أنشدني ابنُ الأعرابي قال:
ومَـــــــوْضِعِ زيـــــــرٍ لا أُريــــــدُ مَـــبـــيتـَــــــــهُ كــــــأنّي بــــهِ مِنْ شِـــــــدّةِ الــــروع آنس
فقالَ لهُ شيخٌ من أصحابهِ: ليسَ هكذا أنشدتني بل قلتَ: «وموضع ضيق» فقالَ: سبحان الله! أصبحنا من كذا وكذا، ولا تعلمُ أنّ «الزيرَ والضيق» واحدٌ. وقد حصلَ ذلكَ في القرآن. كما حصلَ بالاستغناءِ ببعضِ الألفاظِ عما يرادفُها أو يُقارِبها كالقراءاتِ في القرآن.
{مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} {ملك يوم الدين} {وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم} {وما يخادعون إلا أنفسهم}.
ومنْ شأنِ العربِ الالتزامُ بالألفاظِ بعينها حينَ يكونُ هنالكَ قصْدٌ من التعبيرِ بها، كأن يُروى أن أحدَ الرواة حين أنشد:
لَعَمْرِي ومَا دَهْري بِتَأبِينِ مالكٍ ولا جزعٍ مما أصابَ فأوْجَعَا
فوضع كلمة «هالك» بدل مالك فغضب وقال: الرواية «مالك» وليس «بهالك» والمرثيّ «مالك» لا مُطْلَقُ شخصٍ هالكٍ.
والقرآنُ الكريم وردتْ فيهِ ألفاظٌ ملتزمةٌ لا يمكنُ أن يُؤدّى المعنى بدونها فقولُه تعالى: {تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى} (سورة النجم: الآية 22) فكلمةُ «ضيزى» هنا لا يُمكنُ أنْ تُؤدي معناها أيةُ كلمةٍ مرادفةٍ أو مقاربةٍ، فلا «قسمةٌ ظالمةٌ» ولا «جائرة» بقادرةٍ على تأديةِ المعنى ذاتهِ. ومن أجلِ ذلكَ رُوعيَ لَفْظُها في التركيبِ محافظةً على المعنى. هذا منْ حيثُ المحافظةُ على التعبيرِ باللّفظِ الخاصّ أو عدمِ المحافظةِ.
أما من حيثُ المحافظةُ على المعنى الإفراديّ بتبيانهِ أو عدمِ المحافظةِ فإنّ من معهودِ العربِ أن يكونَ الاعتناءُ بالمعاني المبثوثة في الخطابِ هوَ المقصود الأعظم بناءً على أنّ عناية العربِ كانت بالمعاني، وإنما أُصلحتِ الألفاظُ من أجلِها.
ولكنْ إذا كانَ مقصودُ الجملةِ المعنى الإفراديّ فيجبُ أنْ تُوجّهَ العنايةُ إلى معاني المفرداتِ معَ الهيئةِ الاجتماعيةِ للجملةِ، وإذا كانَ مقصودُ الجملة المعنى التركيبيّ فيُكتفى بالمعنى الإفراديَ لئلا يَفْسُدَ على القارئِ فَهْمُ المعنى التركيبيّ للجُملةِ. وقد جاءَ القرآنُ الكريمُ على هذا المعهودِ وسارَ عليهِ في مُخْتَلِفِ الآياتِ ولذلكَ قالَ عمرُ بن الخطّابِ حين سُئِلَ عن معنى قولهِ تعالى: {وَفَاكِهَةً وَأَبّاً} (سورة عبس: الآية 31) نُهينا عن التكلّفِ والتعمّقِ، أي في المعنى الإفراديّ. وفي مثلِ هذهِ الجملةِ يُرادُ المعنى التركيبيّ، ولكنْ إذا كانَ المعنى الإفراديّ يتوقّفُ عليه المعنى التركيبيّ، فيجبُ بذلُ العنايةِ للمعنى الإفراديّ.
ولهذا نجدُ عمرَ بنَ الخطّابِ نفسَهُ سَألَ وهو على المنبرِ عن المعنى الإفرادي لكَلِمَةِ «التخوّفِ» حينَ قرأ قوله تعالى: {أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ} (سورة النحل: الآية 47) فقالَ رجلٌ من هذيل: التخوُّفُ عندنا التَّنَقّص وأنشده:
تخوفَ السيرَ تامكًا قَردًا كما تَخَوّف عُودَ النّبعةِ السّفَنُ
التامكُ: المرْتَفعُ من السّنام.
القَرَدُ: المتلبد بعضُه على بعض.
والسّفَنُ: المِـــبْرَد.
أي أن الرجلَ في أثناءِ السيرِ تَنقص النّاقَةَ وتبرد ظَهرَها كما يُنقِصُ المبردُ خَشَبَ القِسي.
وحينَ أنشدَ الهُذَليّ بيتَ الشّعر وفسّرَ لعُمَرَ التَّخوفَ، قال عمر: «يا أيها النّاسُ تمسّكُوا. بديوانِ شِعْرِكُمْ في جاهلِيّتِكُمْ فإنَّ فيه تَفسيرَ كِتابكمْ». وأتى أعرابي إلى ابنِ عباس فقالَ:
تخـــــوَّفني مــــا لي أخٌ لي ظَـــالِمٌ فلا تَخْذُلَنّي اليومَ يا خيرَ مَنْ بقي
قال نعم: الله أكبر «أو يأخذهم على تخوّفٍ» أي على تنقُّصٍ من خيارهم.
وفوقَ ذلكَ كانَ القرآنُ يراعي عندَ الكلامِ تعبيراتٍ يُقصَدُ منها مراعاةُ الأدب العالي، فإنّهُ أتى بالنداءِ من الله تعالى للعبادِ ومن العبادِ لله تعالى، إمّا حكايةً وإمّا تعليمًا.
فحينَ أتى النداءُ منَ الله للعبادِ جاءَ بحرفِ النداءِ المقتضي للبُعْدِ ثابتًا غير محذوفٍ، ليُشْعِرَ العبدَ بالبُعْدِ كقولهِ تعالى:
{يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ} (سورة العنكبوت: الآية 56) {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ} (سورة البقرة: الآية 278). هذا بالنسبةِ لنداءِ الله. أمّا بالنسبةِ لنداءِ العبادِ لله فقد أتى بالنداءِ مجردًا منَ الياءَ كقولهِ تعالى: {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا} (سورة البقرة: الآية 286) {رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ} (سورة آل عمران: الآية 193).
قالَ عيسى ابنُ مريم: {اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ} (سورة المائدة: الآية 114) فهذهِ كُلّها مجرَّدَةٌ منَ الياءِ المشْعِرَةِ بالبعدِ، لِيَشْعُرَ العبدُ أن الله قريبٌ منهُ.ولأن الياءَ تُفيدُ التنبيهَ، والعبدُ بحاجةٍ للتنبيهِ عندَ النداءِ. والله سبحانُه وتعالى لا يحتاجُ لذلكَ.
وهناكَ عنايةٌ بالعباراتِ التي ترْمي لمراعاةِ الأدَبِ العالي جاءَتْ في القرآنِ بالكنايةِ بدَلَ التّصريحِ في الأمورِ التي يُسْتَحَى منْ ذِكْرِها والتصريحِ بها، كما كنى عن الجِماعِ باللّباسِ والمباشرةِ في قولهِ تعالى: {هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ} (سورة البقرة: الآية 187) وقولهُ تعالى: {وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} (سورة البقرة: الآية 187)، وكَنّى عنْ قضاءِ الحاجةِ بقولِهِ: {كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ} (سورة المائدة: الآية 75).
وهناكَ تعابيرُ قائمةٌ على الالتفاتِ الذي يُنْبِئُ عنْ أدَبِ الإقبالِ منَ الغَيْبِيّةِ إلى الحضورِ إذا كانَ مُقْتَضى الحالِ يسْتدعيهِ، كقولهِ تعالى: {الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمـنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} (سورة الفاتحة: الآيات 1 ـــــــ 4)، ثم عَدَلَ عَنِ الغَيْبَةِ إلى الخِطَابِ فقالَ: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} (سورة الفاتحة: الآية 5) وكقولهِ تعالى: {حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ} (سورة يونس: الآية 22).
فعدلَ عنِ الخطابِ إلى الغَيْبَةِ. وقولُهُ تعالى: {عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَن جَاءهُ الْأَعْمَى} (سورة عبس: الآيتان 1 ـــــــ 2) فجرى العتابُ على حالٍ بأُسلوب الغَيبَةِ. معَ أن الآيةَ نَزَلَتْ عليهِ، وهوَ المخَاطَبُ بها، ثم انتقلَ إلى الخطابِ فقالَ تعالى: {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى} (سورة عبس: الآية 3). فهذا العدولُ منَ الخطابِ إلى الغَيْبَةِ، ومنَ الغَيْبَةِ إلى الخطابِ قائمٌ على الأدبِ العالي، لما في الخطابِ بعدَ الغيبةِ منْ تَقْوِيَةٍ للمعنى الثاني أو تخفيفٍ للمعنى الأولِ على النّفسِ حينَ إلقائها. ألا ترى في الشكرِ لله والثناءِ عليهِ، فَقَدْ كانَ الأدبُ يقتضي الغَيْبَةَ، وحينَ العبادةِ وإظْهَارِ الضعفِ كانَ الخطابُ أليَقَ بأدبِ الخطابِ ولعل العتابَ أخف على المعاتَبِ بلفظِ الغيبةِ، والاستفهامُ أليقُ بهِ أنْ يكونَ منْ مُخاطَبٍ. ومن ذلكَ أيضًا ما عَلّمَنا الله تعالى في تَرْكِ التنصيصِ على نسبةِ الشرِ إليهِ تعالى، وإن كانَ هوَ الخالقَ لكلِ شيء: «بِيَدِكَ الخيرُ» واكتفى بذلكَ واستغنى بها عن ذكْرِ الشرّ فلم يقلْ: «بيدكَ الشر» وقد جاءَ ذلكَ بعدَ قولهِ تعالى: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (سورة آل عمران: الآية 26).
معَ أن السّياقَ يقتضي أن يقولَ: «وبيدكَ الشرَ» لأن ما نص على فعلِ الله لهُ خيرٌ وشر، باعتبارِ إطلاقِ الإنسانِ، فإتيانُ الملكِ وعِزّةُ الشّخصِ هيَ خيرٌ بالنّسبةِ للإنسانِ، ونَزْعُ الملكِ وذلّةُ الشّخصِ هيَ شرٌّ للإنسان. وقدْ نَسَبَهَا الله لنفسِهِ بأنّهُ هو الذي فَعَلَها. وقالَ في ختامِ الآيةِ: «إنّكَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ». هذا القولُ يشملُ الشَّرَّ كما يشملُ الخيرَ. ومعَ ذلكَ قالَ: «بيدكَ الخيرُ» واكتفى بذلكَ عنِ الشرّ، تَعْليمًا لنا بأنْ نَتَأدّبَ بأدَبِ الخطابِ. ويقصِدُ بذلكَ كلّهِ مراعاةَ الأدبِ العالي، وهوَ من معهودِ العربِ في كلامِهِمْ. وقدْ وَرَدَ في الشّعرِ والخطبِ. وهكذا يمضي القرآنُ في ألفاظِهِ وعباراتِهِ، على اللفظِ العربيّ وعباراته ومعهوده في الكلامِ، لا يخرجُ عن ذلكَ شَعْرَةً، ويحيطُ بكلِّ ما هو في أعلى مرْتبةٍ من بليغِ القولِ، ممّا سارَ العربُ عليهِ. فواقعُهُ أنّهُ عربيّ محْض ولا علاقَةَ لهُ بما هوَ أعْجَمي. فكانَ حتمًا على كلِّ منْ أرادَ تَفَهّمَ القرآنِ أن يأتيه من هذهِ الجهةِ.
ولا سبيلَ إلى فَهْمِهِ من غيرِها، ولذلكَ كانَ الواجبُ أن يُفَسَّرَ القُرآنُ من حيثُ ألفاظُهُ وعباراتُهُ، ومن حيثُ مدلولاتُ الألفاظِ والعباراتِ مفرداتٌ وتراكيب في اللغةِ العربيّةِ فَقَطْ.
فما تُرْشِدُ إليهِ اللغةُ العربيّةُ وما يقْتضيهِ مَعْهُودُها يُفَسَّرُ بهِ القرآنُ، ولا يجوزُ أنْ يُفَسّرَ منْ هذهِ النّاحيةِ إلّا بما تقتضيهِ اللغةُ العربيّةُ لا غير. وطريقُ ذلكَ النقلُ الموثوق بهِ منْ طريقِ الرّوايةِ التي يرْويها الثّقةُ الضابطُ كما يقولُ عن: (فصحاءِ العربِ الخالصةِ عربيّتُهُمْ). وبناءً على ذلكَ فتفسيرُ المفرداتِ والتراكيبِ، ألفاظًا وعباراتٍ، محصورٌ في اللغةِ العربيةِ وحدها ولا يجوزُ أنْ يُفَسّرَ بغيرِها مطلقًا. وهذا هو واقعُهُ منْ هذهِ الجهةِ.
أمّا واقعُهُ منْ حيثُ المعاني الشرعيّةُ كالصلاةِ والصومِ، والأحكامُ الشرعيّةُ كتحريمِ الربا وحلِّ البيعِ، والأفكارُ التي لها واقعٌ شرعيّ كالملائكةِ والشياطينِ، فإنّ الثابتَ أنّ القرآنَ جاءَ في كثيرِ منْ آياتهِ مُجمَلًا وجاءَ الرّسولُ وفَصّلَهُ. كما جاءَ عامًّا ولكنّ الرسولَ خَصّصَهُ، ومطلقًا فَقَيّدَهُ. وذكَرَ الله فيهِ أنّ الرسولَ هو يُبيّنهُ. قال تعالى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} (سورة النحل: الآية 44).
فالقرآنُ منْ هذه الجهةِ يحتاجُ فَهْمُهُ إلى الاطلاعِ على ما يٌبَيّنُهُ الرسولُ من مفردات القرآنِ وتراكيبهِ ومعانيها كلِّها، سواءٌ كانَ هذا البيانُ تخصيصًا أو تقْييدًا أو تَفصيلًا أو غَيْرَ ذلكَ.
ولذلكَ كانَ فَهْمُ القرآنِ مُتوقّفًا على فَهْمِ السنّةِ المتعلّقةِ بالقرآنِ، أيْ أنّهُ مُتوقّفٌ عليها توقّفًا تامًّا لأنّها بيانٌ للقرآنِ حتى يعرفَ بواسطتها ما في القرآنِ منْ معانٍ وأحكامٍ وأفكارٍ.
ولهذا كانَ الاقتصارُ على فَهْمِ القرآنِ فَهْمًا كامِلًا لا يكفي فيهِ الاقتصارُ على اللغةِ العربيّةِ بلْ لا بدّ أنْ يكونَ فوقَ معرفةِ اللغةِ العربيّةِ، معرفةُ السنّة، وإنْ كانَتِ اللغة العربيّةُ وحدها هيَ التي يُرجع إليها لِفَهْمِ مدلولاتِ المفرداتِ والتراكيبِ، من حيثُ ألفاظُها وعباراتَها.
ولكي نَفْهَمَ القرآنَ كلّهُ فلا بدّ منْ جعلِ السنّةِ واللغةِ العربيّةِ أمْرينِ حتميّينِ، ومنَ المحتّمِ أيضًا أنْ يسيرا معًا لفَهْمِ القرآنِ، وأنْ يتوفّرا لمنْ يريد أنْ يفسّرَ القرآنَ. أمّا القصصُ الواردةُ فيهِ عنِ الأنبياءِ والرّسُلِ والحوادِثِ التي قصّها عنِ الأممِ الغابرةِ فيتوقّفُ أمرُها على الحديثِ، إنْ وَرَدَ فيها حديثٌ، وإلّا اقتصرَ فيها على ما وَرَدَ عنها في القرآنِ.
ولا يصحّ أنْ تُعْرَفَ عنْ غيرِ هذينِ الطّريقينِ لأنّ الله أمرَنَا بالرجوعِ إلى الرّسولِ صلى الله عليه وآله وسلم. وبيّنَ لنا أنّ الرّسولَ هوَ الذي يحقّ لهُ أنْ يُبيّنَ القرآنَ، ولم يأمرْنا بالرجوعِ إلى غيرِهِ، فلا يجوزُ أن نرجعَ إلى الإسرائيليّات وما شاكَلَهَا لِفَهْمِ قِصَصِ القرآنِ وأخْبارِ الأمَمِ الماضيةِ. وليس الموضوعُ شَرْحَ قُصّةٍ حتى يُقال: إنّ هذا مصْدَرٌ أوْسَعُ. على فرْضِ صِدْقِهِ، وإنما الموضوعُ شرحُ نصوصٍ مُعيّنةٍ نعتقَدُ أنها كلامُ ربِّ العالمينَ، فيجبُ الوقوفُ عندَ مدلولاتِ هذه النّصوصِ من حيثُ اللغةُ التي جاءَت بها، ومنْ حيثُ الاصطلاحُ الشرعيّ من صاحب الاصطلاحِ، وهوَ الرسولُ الذي أُنْزِلَ عليه القرآن لَيُبيّنهُ للناسِ. ومن هنا يجبُ أنْ يُنفى منَ التفسير كلّ قولٍ جاءَ عن طريقِ الإسرائيليّات، أوْ كُتُبِ التّاريخِ وغيرِها. ويكونُ منَ الافتراءِ على الله أن نزعمَ أنّ هذهِ المعاني هيَ كلامُ الله ولا يوجدُ دليلٌ أو رائحةُ دليلٍ أنّ لها علاقةً بمعاني كلامِ الله.
وأمّا ما يزعمُهُ الكثيرُ منَ النّاسِ قديمًا وحديثًا من أنّ القرآنَ يحوي العلومَ والصنّاعات والاختراعاتِ وأمثالها، حتى أضافوا لَهُ كلّ عِلْمٍ مذكورٍ للمُتَقَدّمينَ والمتأخّرينَ من علومِ الطبيعياتِ والكيمياءِ والمنطقِ وغيرَ ذلكَ، فلا أصلَ لهُ.
وأمّا ما حدثَ منَ العلومِ، فلم ترِدْ بهِ آيةٌ ولا جُزءُ آيةٍ فيها أدنى دلالةٍ على أيّ علْمٍ منَ العُلومِ، وأما ما وَرَدَ فيهِ من الاكتشافات العلمية الثابتة كآية: {اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً} (سورة الروم: الآية 48) الآية... فإنها جاءَتْ للدّلالةِ بذلك على قُدْرَةِ الله ووجوب الإيمان به، لا لمجرد إثبات النواحي العلميّة. وأمّا قولُهُ تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ} (سورة النحل: الآية 89) فالمرادُ منها لِكُلّ شيءٍ من التكاليف والتعبدِ وما يَتَعَلَقُ بذلك بدليلِ نصِّ الآية فإنها تتعلقُ بموضوع التكليف الذي بلغه الرسول للناس. ونص الآية كاملًا هي:
{وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً عَلَى هَـؤُلاء وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} (سورة النحل: الآية 89).
فكونُ الله جاءَ بالرّسول شهيدًا على أُمّتِهِ، يعني شَهِيدًا عليها بما بَلغها. وكونُهُ نَزلَ القرآنَ لِيُبيّنَ ـــــــ أي القرآن ـــــــ كُلّ شيءٍ يكونُ هدًى ورحمةً وبُشرى للمُسلمينَ، يُحتّمُ أنّ الشيءَ المقصودَ لا يتعلّق بعِلْمِ الطبيعةِ أوِ المنطقِ أوِ الجغرافيا أو غيرِ ذلكَ. بلْ هوَ شيءٌ يتعلَقُ بالرسَالةِ، أي أنّ الكتابَ تبيانٌ للأحكامِ والتعبّدِ والعقائدِ، وهدًى يهدي النَّاسَ ورحمةٌ لهمْ، يُنقذهُمِ من الضَّلالِ، وبشرى للمسلمينَ بالجنَّةِ ورضوانِ الله تعالى.
فيتعيّنُ أنْ يكونَ معنى قولهِ: {تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ} أُمورَ الإسلامِ.
وأمّا قولُهُ تعالى: {مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ} (سورة الأنعام: الآية 38) فالمراد بــــــــ {الكِتَابِ} اللّوْحُ المحْفُوظُ، وهوَ كنايةٌ عنْ عِلْمِ الله تعالى. وكلمةُ "كتاب" منَ الألفاظِ المشتركةِ يُفَسِّرُها التركيبُ الذي وَرَدَتْ فيهِ، فحين يقولُ الله: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ} (سورة البقرة: الآية 2) يُرادُ بهِ القرآنُ وحينَ يقولُ: {مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ} (سورة الشورى: الآية 52) يَقْصِدُ بهِ الكتابةَ ولكنْ حين يقولُ: {وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} (سورة الرعد: الآية 39) أو {كَانَ ذَلِك فِي الْكِتَابِ مَسْطُوراً} (سورة الإسراء: الآية 58 ـــــــ سورة الأحزاب: الآية 6) أو {مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ} (سورة الأنعام: الآية 38) أو {لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللّهِ سَبَقَ} (سورة الأنفال: الآية 68) أو {إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} (سورة الأنعام: الآية 59) أو {كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} (سورة هود: الآية 6) أو {وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ} (سورة فاطر: الآية 11) يَقصِدُ بذلكَ كلّهِ عِلمَ الله، فقولُهُ تعالى: {وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} (سورة الرعد: الآية 39) يَقْصِدُ اللّوْح المحفوظ وهو كِنَايَةٌ عن عِلْمِ الله، فهذا كلّهُ يدلّ على أنّهُ ليسَ المرادُ في هذهِ الآية من كلمةِ الكتاب: «القرآن» بلِ المرادُ اللوحُ المحفوظُ وهو كنَايةٌ عن عِلْمِ الله نَفسِهِ.
فلا دلالَةَ في الآيةِ، إذًا، على أنّ القرآنَ يحوي العلومَ وأمثالَها، لأنّ مفرداتهِ وتراكيبَهُ لا تدلّ عليها، ولأنّ الرسولَ لمْ يُبَيّنِها، فلا علاقةَ لها بهِ. هذا هو واقعُ القرآنِ وهو يدلّ دَلالةً صريحةً واضحةً أنّهُ نصوصٌ عربيّةٌ جاءَ بها رسولُ الله منْ عِنْدِ الله، ولا تُفَسَّرُ بغيرِ اللغةِ العربيّةِ وسنّةِ رسولِهِ.
وأمّا تفسيرُ الصّحابةِ رضوانُ الله عليهِمُ فإنْ كانَ مُسْتَندًا إلى سببِ النّزولِ فهوَ من قبيلِ الحديثِ المرفوع، لا منْ قَبيلِ التفسيرِ، وإن كانَ منْ قبيلِ الشرحِ والبيانِ، فقد اختلفُوا في الآياتِ ولم يحصلْ إجماعٌ منهمْ على كيفيّةٍ مُعيّنةٍ للتفسيرِ. ومنهمْ مَنْ كانَ يأخذ مِنْ أهلِ الكتابِ بعضَ الإسرائيليّاتِ ويرويها عنهُ التّابعونَ، ومنهمْ مَنْ كانَ يرفُضُ أخْذها.
ولكنّهُمْ جميعًا كانوا يفهمونَ القرآنَ بما يعرِفونَهُ منَ اللّغةِ العربيّةِ، وبما يعرفونَ منْ سنّةِ رسولِ الله قولًا وفعلًا وسكوتًا ووصفًا بخَلْقِ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخُلُقِهِ، وذلكَ مشهورٌ عنهم جميعًا. ومَنْ كانَ يتحرّجُ عن تفسير بعضِ الكلماتِ أوِ الآياتِ فقدْ كانَ تحرّجُهُ للوثوقِ منَ المعنى لا على ما وَرَدَ بهِ النصّ حتى لا يفتيَ إلّا بعدَ علمٍ موثوقٍ. ولكنّ ذلك لا يُسمّى إجماعًا لأنّه لا يَكْشِفُ عنْ دليلٍ منَ الرسولِ. فبيانه صلى الله عليه وآله وسلم كما قلنا، سُنّةٌ لا تفسيرٌ.
ولما كانَ الصحابةُ هم أقربَ النّاسِ إلى الصّوابِ في تفسيرِ القرآنِ لمعرفتهم العميقةِ بأسرارِ اللغةِ العربيّةِ ومُلازمَتِهِمْ للنبيّ الذي أُنْزِلَ عليهِ القرآنُ، اتفقوا على جَعْلِ اللغةِ العربيّةِ والشّعرِ الجاهليّ والخُطَبِ الجاهليّةِ وغيرِها الأدواتِ الوحيدة لِفَهْمِ مفرداتِ القرآنِ وتراكيبهِ.
وفي وقوفِهِمْ عندَ حدِّ ما وَرَدَ عنِ الرّسولِ، وإطلاقِ عَقلِهِمْ في فَهْمِ القرآنِ خيرُ طريقةٍ تُتّبَعُ ويُقْتَدَى بها في فَهْمِ القرآنِ، ولذلكَ فإنّا نرى أنّ طريقةَ تفسيرِهِ لا تتعدّى اتخّاذَ اللغةِ العربيّةِ، والسنّةِ النبويّةِ الأداةَ الوحيدةَ لِفَهْمِ القرآنِ وتفسيرِهِ، منْ حيثُ مفرداته وتراكيبُهُ، ومن حيثُ المعاني الشرعيّة والأفكارُ التي لها واقعٌ شرعيّ. كما نرى أنْ يُطْلَقَ للْعَقْلِ فَهْمُ النصوصِ بقدرِ ما يدلّ عليهِ كلامُ العربِ ومعهودُ تصرّفِهِمْ في القولِ، وبما تدلّ عليهِ الألفاظُ منَ المعاني الشّرْعِيّةِ الواردةِ بنصٍّ شرعيٍّ من قرآنٍ أو سُنّةٍ. فبإطلاقِ العقل بالفَهْمِ لا بالوضعِ يحصُلُ الإبداعُ في التفسيرُ وذلكَ في حُدُودِ ما تقتضيهِ كلمةُ التفسيرِ منَ الحمايةِ والصّوْنِ منَ الوقوع
في ضلالِ الوضع لمعانٍ لا تمتّ إلى النّصّ بِصِلَةٍ منَ الصّلاتِ، وهذا الانطلاقُ في الفَهْمِ وإطلاقِ العنانِ للعقلِ بأقصى ما يَفْهمُهُ منَ النصّ يُحتِّمُ إبعادَ الإسرائيليّاتِ الباطلة ويُوجِبُ الاقتصارَ في القصصِ على ما وَرَدَ بهِ القرآنُ الكريم وثَبُتَ في السنّة النبويّة الشريفة.



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB