الثقافة والثقافة الإسلامية
الطبعة : الطبعة الرابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   711
تاريخ النشر :   1993




الفَرق بين التأثير والانتِفاع

أمّا شبهةُ تأثّر الثقافةِ الإسلاميّةِ بالثقافات غير الإسلاميّة، فإنما جاءَتْ منَ المغالطاتِ المتعمّدةِ التي يَعْمدُ إليها غيرُ المسلمينَ في تغيير مفاهيمِ الأشياءِ، ومن قِصر النّظر عندَ الباحثينَ.
إنّ الثقافةَ الإسلاميّةَ انتفعَتْ بالثقافاتِ الأجنبيّة واستفادتْ منها، وجَعَلَتْها وسيلَةً لخِصْبِها وتنميتِها، ولكنّ ذلكَ لم يكن تأثّرًا، وإنما كان انتفاعًا، وهو ما لا بدّ منهُ لكلِّ ثقافةٍ.
والفرقُ بينَ التأثّر والانتفاع أنّ التأثّرَ بالثقافةِ هو دراستُها، وأخذُ الأفكارِ التي تحويها. وإضافتُها إلى أفكارِ الثقافة الأولى، لوجودِ شبهٍ بينهما أوْ لاستحسانِ هذهِ الأفكارِ. والتأثُّرُ بالثقافةِ يؤدّي إلى الاعتقادِ بأفكارها، فلو تأثر المسلمونَ بالثقافةِ الأجنبيّةِ في أوّلِ الفتحِ لنقلُوا الفِقْهَ الرّومانيّ وترجموهُ وأضافوهُ إلى الفقهِ الإسلاميّ، واعتبروهُ جزءًا منَ الإسلامِ، ولكانوا جعلوا الفلسفةَ اليونانيّةَ جزءًا من عقائدهمْ، ولكانوا اتجهوا في حياتِهمْ اتجاهَ الفرسِ والرومانِ، في جعلِ أُمورِ الدولةِ مُسيّرَةً بما يرونهُ من مصلحةٍ لهُمْ، ولو فعلوا ذلكَ لاتجهَ الإسلامُ من أوّلِ خروجهِ منَ الجزيرةَ اتجاهًا مضطربًا، ولاختلطتْ أفكارُهُ اختلاطًا أفقدهُ معناهُ، وأمّا الانتفاعُ فهوَ دراسةُ الثقافةِ الإسلاميّةِ دراسةً عميقةً ومعرفةُ الفرق بين أفكارِها وأفكارِ الثقافةِ الأجنبيةِ وأخذُ المعاني التي في هذهِ الثقافةِ، والتشبيهات التي تحويها، لإخصابِ الثقافةِ الأدبيّةِ، وتحسينِ الأداءِ بهذه المعاني، وتلكَ التشبيهاتِ، دونَ أنْ يتطرّقَ إلى أفكارِ الإسلامِ أيّ تناقضٍ، ودونَ أنْ يُؤخَذَ من أفكارها الخاصّةِ عنِ الحياةِ، وعنِ التشريعِ وعن العقيدةِ أيّ فكرٍ، والاقتصارُ على الانتفاعِ بالثقافةِ دونَ التأثُر بها، يجعلُ دراستها معلوماتٍ لا تؤثّرُ على وجهةِ النظر في الحياةِ.
فالمسلمونَ منذُ أوائلِ الفتحِ الإسلاميّ حتى العصرِ الذي حصلَ فيهِ الغزوُ التبشيريّ في منتصفِ القرنِ الثامنَ عشرَ الميلاديّ، كانوا يجعلونَ العقيدةَ الإسلاميّةَ أساسَ ثقافتِهم، وكانوا يدرسونَ الثقافاتِ غيرِ الإسلاميّةِ للانتفاعِ بما فيها من معانٍ عنِ الأشياءِ في الحياةِ، لا لاعتناقِ ما فيها منْ أفكارٍ. ولذلكَ لمْ يتأثّرُوا بها، وإنما انتفعوا.
بخلافِ المسلمينَ بعدَ الغزوِ الثقافيّ الغربيّ لهمْ حيثُ درسوا الثقافةَ الغربيّةَ واستحسنوا ما بها من أفكارٍ، فمنهم منِ اعتنقها... وتخلّى عنِ الثقافةِ الإسلاميّةِ، ومنهمْ منِ استحسنَها، وأضافَ ما فيها إلى الثقافةِ الإسلاميّةِ حتى صارَتْ بعضُ أفكارها من الأفكارِ الإسلاميّةِ على الرّغمِ من تناقُضِها معَ الإسلامِ، فكثيرٌ منهمْ، مثلًا، كانَ يجْعلُ القاعدةَ الديمقراطيّةَ المعروفةَ «الأمّةُ مصدرُ السلطاتِ» قاعدةً إسلاميّةً، ويعتبرُ أنّ السيادَةَ للأمّةِ، وأنّ الأمّةَ هي التي تصنعُ التشريعَ وتسنّ القوانينَ، وهذا يتناقضُ معَ الإِسلامِ لأنّ السيادةَ فيهِ للشرعِ، لا للأمّةِ، والقانونُ منَ اللهِ، لا من النّاس، وكثيرٌ منَ المسلمينَ كانَ يحاولُ أن يجعلَ الإسلامَ ديمقراطيًّا واشتراكيًّا، أو شيوعيًّا. مع أنّ الإسلامَ يتناقضُ معَ الديمقراطيّةِ، فالإسلامُ يجعلُ الحاكمَ منفِّذًا للشرعِ، ومقيّدًا بهِ لا أجيرًا عندَ الأمّةِ، ومنفّذًا لإرادتها، بل راعيًا لمصالحها حسبَ الشرعِ، وكذلكَ يتناقضُ معَ الاشتراكيّةِ لأنّ الملكيّةَ محدّدةٌ عندَهُ بالكيفِ، ولا يجوز أن تُحدّدَ بالكَمِّ.
كما يتناقضُ معَ الشيوعيّةِ، لأنّه يجعلُ الإيمانَ بوجودِ الله أساسَ الحياةِ، ويقولُ بالملكيّةِ الفرديّةِ ويعملُ لصيانتها.
فَجَعْلُ الإسلامِ ديمقراطيًّا، أو اشتراكيًا، أو شيوعيًّا، تأثّر بالثقافةِ الأجنبيّةِ، لا انتفاعٌ بها، والأنكى من ذلك أنّ القيادةَ الفكريّةَ الغربيّةَ هيَ عقيدةٌ تناقضُ عقيدةَ الإسلام. وقدْ تأثّرَ بها بعضُهُمْ حتى صارَ المتعلّمُ يقولُ: يجبُ فصلُ الدينِ عن الدولةِ ويقولُ غيرُ المتعلّمِ منهمْ: «الدينُ غيرُ السياسةِ»، ولا تُدْخِلوا الدينَ بالسياسةِ، ممّا يدلّ على أنّ المسلمينَ في العصر الهابطِ، بعْدَ الغزوِ الثقافيّ، درسُوا الثقافة غيرَ الإسلاميّةِ وتأثّرُوا بها.
بخلافِ المسلمينَ قبلَ ذلكَ فإنّهُمْ درسُوا الثقافاتِ غيرَ الإسلاميّةِ، وانتفعُوا بها، ولم يتأثّرُوا بأفكارِها.
لما كانتِ الثقافةُ الإسلاميّةُ هي كُلّ شيءٍ أُخِذَ عنْ طريقِ التلقّي والأخبارِ والاستنباطِ، ولما كانَ التلقّي والإخبارُ والاستنباطُ يشتملُ على التفسيرِ والحديثِ والسيرَةِ والتاريخِ والفقهِ وأُصولِهِ والتوحيدِ، كانَ لا بُدّ مِنْ إعطاءِ صورَةٍ موجزةٍ عن كلِّ واحدٍ منها.




Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB