الثقافة والثقافة الإسلامية
الطبعة : الطبعة الرابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   711
تاريخ النشر :   1993




تعريف الثقافة والفَرْقُ بينَها وبَيْنَ العِلم والمعرفة

يُقالُ في اللغةِ: عِلمَ الرجلُ عِلمًا، إذا حصلتْ لهُ حقيقةُ العلمِ. وعِلمَ الشيءَ: عرَفَهُ، وأعلمهُ الأمرَ: أطلعَهُ عليهِ.
وهناك فرقٌ كبيرٌ بين العلم والمعرفة. فالمعرفة هي إدراك الشيء بتفكُّر وتدبُّر لأثره، والمعرفة والعرفان واحد، وهو أخصُّ من العلم، ويضادّه الإنكار، أما العلم فيضادُّه الجهل.
يقال: فلانٌ يعرفُ الله، ولا يقال: يعلمُ الله. لأنَّ معرفة البشر لله هي بتدبُّر آثاره دون إدراك ذاته.
ويقال: الله يعلم ما في السماوات والأرض. ولا يقال: يعرف ما في السماوات والأرض، لما كانت المعرفة يتوصل إليها بالعلم القاصِر المتوصل إليه بالتفكير، وأصله من عرفتُ أي أصبتُ عَرْفَهُ أي رائِحَتَهُ.
والثقافةُ: الحذقُ، يقالُ: ثَقُفَ الكلامَ ثقافةً، أي حَذقَهُ وفَهِمَهُ بسرعةٍ. وهذه المعاني اللغويةُ هي الأصلُ في استعمالِ الألفاظِ، إلّا أنّهُ اصطُلِحَ على وضعِها لمعانٍ أُخرى لها علاقةٌ بالمعنى اللغويّ، كما اصطلِحَ على كلمة «فاعل» في النحو مثلًا؛ وفي القديمِ كانوا يُطلِقونَ لفظ «العلم» على كلّ معرفة، مهما كانَ نوعُها، ولا يفرّقونَ بينَ العلوم والمعارفِ، ثمّ أخذَ يتحدّدُ معنى العلم بمعارفَ معيّنة، ومعنى الثقافةِ بمعارفَ خاصّة، وصارَ للعلمِ معنى اصطلاحيّ وللثقافةِ معنى اصطلاحيّ غير معناهما اللغويّ.
فالعلم اصطلاحًا: هو المعرفة التي تُؤخذُ عن طريق الملاحظة والتجربة والاستنتاج، كعلم الطبيعة، وعلم الكيمياء، وسائر العلوم التجريبية.
والثقافة اصطلاحًا: هي المعرفة التي تُؤخذُ عن طريق الأخبار والتلقي والاستنباط، كالتاريخ واللغة، والفقه، والأدب، والتفسير، والفلسفة، والحديث. والتاريخ هو التفسيرُ الواقعيُّ للحياة، والأدب هو التصويرُ الشعوريُّ للحياة، والفلسفة هي الفكرُ الأساسيُّ الذي تُبنَى عليه وجهةُ النظر في الحياة، والتشريعُ هو المعالجاتٌ العلميّةُ لمشاكل الحياة، والأداةُ التي يقومُ عليها تنظيمُ علاقاتِ الأفرادِ والجماعات.
وهنالك معارف غيرُ تجريبية تُلحقُ بالعلمِ. وإن كانت تدخل في الثقافةِ. كالحسابِ والهندسةِ والصناعاتِ. لأنها تُعتَبَرُ عامّةً لجميعِ الناسِ.
وأمّا الفنونُ كالتصوير والنحتِ والموسيقى. فإنها من الثقافةِ لأنها تتبعُ وجهةَ نظرٍ معيّنةٍ مع ملاحظة ما في بعضها من الحرمة شرعًا.
والفرقُ بينَ العلمِ والثقافةِ، أنّ العلمَ عالميّ، ولا تختصّ بهِ أُمّةٌ دونَ أُخرى، وأمّا الثقافةُ فقد تكونُ خاصّةً، تُنسَبُ للأمّةِ التي أنتجتها أو قد تكونُ من خصوصيّاتها ومميّزاتها، كالأدب وسير الأبطال، وفلسفتها في الحياةِ، وقد تكونٌ عامّةً كالتجارةِ والملاحةِ وما شاكلها، ولهذا يُؤخَذُ العلمُ أخْذًا عالميًّا، وأمّا الثقافةُ فإنّ الأمّةَ تبدأُ بثقافتها، حتى إذا درسَتْها ووعَتْها، وتمركزَتْ في الأذهانِ، انتقلتْ إلى الثقافاتِ الأخرى.



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB