الثقافة والثقافة الإسلامية
الطبعة : الطبعة الرابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   711
تاريخ النشر :   1993




صِلةُ الأرحام

صِلةُ الأرحامِ واجبةٌ. رُويَ عن رسولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: «من أحبَّ أن يُبسَطَ له في رزقهِ وأن يُنسأَ له في أثرِهِ فَلْيصلْ رَحِمَه» . وقال: «لا يَدخلُ الجنّةَ قاطعُ رَحِم» . وقال: «إنّ أعمالَ أمّتي تُعرضُ عشيّةَ الخميسِ ليلةَ الجمعةِ فلا يُقبلُ عملُ قاطعِ رَحِم» . هذه الأحاديثُ دليلٌ على صلةِ الأرحام، وقد اقترنت بالمَدْحِ واقترنت بالوعيدِ فكان ذلك قرينةً على أنّ الطلبَ طلبٌ جازمٌ، والطلبُ الجازمُ هو الفرضُ، فَصِلةُ الأرحامِ فرضٌ، وقطيعةُ الرّحمِ حرام، فقد وَرَدَ في الصّلة أمرٌ جازمٌ فكانت فرضًا وَوَرَدَ في القطيعةِ نهيٌ جازمٌ فكانت حرامًا.
أما الأقاربُ فهمُ المقصودون في قولِهِ تعالى: {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ} (سورة الإسراء: الآية 26)، فالأقاربُ صِلَتُهُمْ مندوبة، والإنفاقُ عليهم فرضٌ على المستطيعِ. وأما ذوو الأرحامِ فهم كلُّ من أولى للشّخصِ بسببٍ، وهم الخالُ والخالةُ، والجَدُّ لأم، وَوَلَدُ الأختِ، وولدُ البنتِ، وبنتُ الأخِ، وبنت العمّ، والعمّةُ، والعمُ لأم، وابنُ الأخِ لأمّ، ومن أولى بأحد منهم. هؤلاء ذوو الأرحامِ المقصودون في قوله تعالى: {وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ} (سورة الأنفال: الآية 75). وهمُ الذين ينصرفُ إليهم المعنى حينَ يقالُ: وأولو الأرحام أو ذوو الأرحام. مِنهم مَنْ هُوَ رحمٌ محرم كالخالةِ ومنهم مَنْ هو رحمٌ غيرُ محرمٍ كبنت العمّ. هذا بالنسبةِ للأرحامِ، أما بالنسبةِ لِصلةِ الأرحامِ فإنها خاصّةٌ بالرحمِ المحرمِ، ولا تَشملُ الرّحمَ غيرَ المحرم. وعليه فإنّ صلةَ بنتِ العمّ وبنتِ الخالِ غيرُ واجبةٍ لأنها غيرُ محرم. والدّليلُ على أنّ صلةَ الأرحامِ لا يدخلُ فيها الرحمُ غيرُ المحرمِ أمران:
أحدُهما: أنَّ من الرحمِ غيرِ المحرمِ قد حرّمَ الله عليهِ الخلوةَ بها، وحرّمَ عليهِ النظرَ إلى غيرِ وجهها وكفّيها، وحرّمَ عليهِ أن يختَلِطَ بها، وهذا يُنافي أعمالَ الصّلةِ من الزّيارةِ والهديّةِ والمخالطة والجلوسِ، فَوُجودُ التّناقُضِ في واقعِ الصّلةِ بين صِلة غيرِ المحرمِ وبَيْنَ ما حرّمهُ الله يجعَلُ الصّلةَ خاصةً بالرّحِمِ المحرم. وهذا ليس من قبيلِ تَخصيص العامّ، بَلْ مِنْ قبيل مَدلولِ النصّ، فمدلولُ الصّلةِ في صِلةِ الرّحمِ يعني صِلَةَ غيرِ مَنْ حرّمَ الله عليهِ بَعْضَ أعمالِ الصّلة.
والأمرُ الثاني: هو أنَّ الرسولَ صلى الله عليه وآله وسلم نَهَى عنِ الجمعِ بينَ المرأةِ وعمّتِها وبينَ المرأةِ وخالتِها، وقال: «إنّكم إنْ تَفعلوا ذلك تَقْطَعونَ أرحامَكُمْ» فوصفَ نِكاحَ المرأةِ مع عَمّتِها أو خالتِها بأنه قَطْعٌ للرّحمِ. فتحريمُ عمّةِ الزوجةِ وخالتِها وهي غير محرمٍ على الرجل لأن كلًّا منهما من أرحامِ الزوجةِ معناه أن جواز نكاحِ الأرحامِ يوجِدُ قطيعةً. وهذه قرينة على أن ذاتَ الرحم هي من لا يجوزُ نكاحُها. وهذان الأمران يدلان على أن المرادَ بالصّلةِ في قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «وصلوا الأرحام» الرّحمُ المحرمُ فقط.

وصلةُ الأرحامِ تكونُ بِعدّةِ أشياء. منها الزّيارةُ في الأعيادِ والمناسباتِ، ومنها تَفقّدُ ذوي الرحِمِ وتفقّدُ أحوالهم، ومنها التغافُلُ عن زلّاتِهِمْ ولو كَثُرَتْ، ومنها الإهْداءُ إليهمْ في الأعيادِ والمناسبات وفي غيرِ الأعيادِ والمناسباتِ، ومنها الدّفاعُ عنهم وعمن يهمّهم أمرُهم، ومنها قضاءُ حاجاتِهم وحاجاتِ أبنائهم. ومجملُ القول: هُوَ فعلُ ما يَقدِرُ المرءُ عليهِ مِنَ الخيرِ لهم، وإبعادُ ما يقدِرُ عليهِ من الشرّ عَنهمْ. فإن قصّرَ عمّا يقدِرُ عليهِ، سواءٌ أكانَ من فعلِ الخيرِ أو مِنْ دفعِ الأذى فإنّه لا يكونُ قد قام بِصلةِ الأرحامِ. وأمّا قطيعة الرّحمِ فَهِيَ أن لا يَتَفَضّلَ على رحمِهِ، ولا يَقبلَ تفضُّلًا منهم، كالزّيارة والهديّةِ وغير ذلك.
فمن لا يَصِلُ رَحِمَهُ لا يكونُ قاطعًا، فالقطيعة هي الإساءَةُ إلى الرّحمِ، مهما قَلّتْ.
هذهِ هيَ بعضُ النماذجِ التي أتيتُ على ذكرِها في المقدّمة، والتي يحتاجُ إلى فَهمِ أمثالها الإنسانُ المؤمِنُ في القرنِ العشرينِ، كي يَعرفَ حكمَ الله فيها، كما أنّه يجبُ أن يكونَ واضحًا لديكَ أيها القارئُ الكريمُ أن التّعريفَ عندما يتوحّدُ عند جميعِ أبناءِ الأمّةِ تَتَوَحّدُ المعارفُ ثمّ تَتَوَحَدُ الأحكامُ. وَمِنْ أهمِّ التّعاريفِ في الوقتِ الحاضرِ هو تعريفُ الثّقافةِ، حتى تُميّزَ كلُّ ثقافةٍ عن الأخرى، ويزولَ التشويشُ وينتفيَ التأويلُ والتّحريف.
والذي يحزُّ في النفسِ أن النّخبةَ من مثقّفي أبناءِ الأمة لم تتّفق على تعريفٍ واحدٍ للثقافةِ، بل عرّفوها بألوانٍ شتّى، ووصفوا واقِعَها وصفًا مختلفًا متباينًا. ومنهم مَنْ ذهبَ بِسطحيّتِهِ بعيدًا فعرّفها باللّغةِ الأجنبيّةِ التي يُتقنُها، مع أن التّعريفَ مصطلحٌ عليهِ قديمًا وحديثًا أنّه وصفُ الواقعِ، وحتى يكونَ تعريفًا صحيحًا يجبُ أن يكونَ جامعًا مانعًا.
فإليكمْ تعريفًا عن الثقافة والثقافةُ الإسلاميةُ المنبثقةُ عن الفكرةِ الأساسيّة المحددةِ هي الدّينُ ومنه الدولةُ.

amitriptylin 75 mg amitriptylin angst amitriptylin hund



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB