الثقافة والثقافة الإسلامية
الطبعة : الطبعة الرابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   711
تاريخ النشر :   1993




التّشريح

إنّ تحريمَ انتهاكِ حُرمَةِ الميْتِ وتحريم كلِّ عملٍ أو قولٍ يؤذيه ثابتٌ بنصِّ الأحاديث، فقد رُوِيَ أنَّ رجلًا كان يحفِرُ قبرًا فعثرَ أثناءَ الحفرِ على عظامِ ميْتٍ فكسرَها على مرأى من الرّسولِ صلى الله عليه وآله وسلم فقال الرسولُ صلى الله عليه وآله وسلم: «كَسْرُ عظمِ الميتِ ككسرِ عظمِ الحيِّ» ، ثم قالَ لهُ: دسها، أي دسَّها في التراب. ومن حديثٍ لأمِّ سلمة: «كسرُ عظمِ الميتِ ككسرِهِ حيًّا في الإثم». هذا فيما يتعلّقُ بتحريمِ انتهاكِ حرمةِ الميت، أمّا ما يتعلّقُ بتحريمِ ما يؤذيهِ فقد رويَ عن رسولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم أنهُ قالَ «لا تسبّوا الأمواتَ فتؤذوا الأحياءَ» . وعن عمرو ابنِ حزمٍ الأنصاريِّ قال: رآني رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنا متكئٌ على قبرٍ فقال: «لا تؤذِ صاحبَ القبر». هذهِ الأحاديثُ صريحةُ الدلالةِ في تحريمِ كسرِ عظمِ الميتِ وفي تحريمِ أذيّتهِ بالقولِ أو بالفعلِ. وفي أن الميتَ مثلُ الحيّ، فكما أنه تحرمُ أذيّةُ الحيِّ كذلك تحَرمُ أذيّةُ الميت، سواءٌ أكانت بالقولِ كالسبِّ أمْ بالفعلِ كالقعودِ على قبرهِ أو كسرِ عظمه، وغيرِ ذلك. ومن هذا يُؤخذُ أنّ حكمَ الميتِ كحكم الحيّ من حيث حرمتُهُ، فكما أنّ الحيَّ يحرمُ الاعتداءُ عليه بالضربِ أو السبِّ أو الجرحِ أو أيِّ نوعٍ من أنواعِ الأذى، فكذلك الميتُ يحرمُ الاعتداءُ عليه بأي شكلٍ يعتبرُ اعتداءً على الحي، فيعامل الميت كما يعامل الحي سواءٌ بسواء. لعمومِ اللفظِ فيَشملُ المسلمَ وغيرَه...
وبناءً على هذا يحرُمُ تشريحُ جثثِ الأمواتِ من بني الإنسانِ وكما أنّ التشريحَ يحرمُ أن يفعلَ بالحيّ فكذلكَ يحرمُ أن يفعلَ بالميتِ، فالميتُ والحيُّ في ذلك سواء. إلّا أنّه يجوزُ أن تُعملَ للحيِّ عمليّةٌ لمعالجتهِ كأنْ تُقطعَ رجلُهُ لعلاجِهِ هو لا لعلاجِ غيرِه. ويجوزُ أن تُعملَ للميتِ عمليّةٌ من أجلِ تحنيطِهِ لأنها لمعالجتِهِ هو لا لمعالجةِ غيرِهِ، وما لا يجوزُ أن يُفعلَ للحيِّ لا يجوزُ أن يُفعلَ للميتِ مطلقًا. وهذا لا يقتصرُ على كسرِ العظمِ الواردِ في الحديثِ بل يَشملُ كلَّ شيءٍ، لأنّ الحديثَ لم ينهَ عن كسرِ العظمِ، بل أخبرَ أنّ كسرَ عظمِ الميتِ ككسرِهِ حيًّا، أي نهى عن كلِّ ما يُنْهى عن فعلِهِ بِنَهْيِهِ عن كسرِ عظم الميتِ لأنّه كَكَسرِهِ حيًّا.
هذا هو الحكمُ الشرعيُّ في التشريحِ، وهو يَشملُ جميعَ أنواعِ التشريح ولأيِّ سببٍ من الأسباب، سواءٌ أكان لمعرفةِ حالةِ الوفاةِ في الجرائم، أم لتعليمِ الطبِّ في الجامعاتِ، أم لغيرِ ذلك فكلّهُ حرامٌ بنصِّ الحديث. ولا يجوزُ أن يقال: إنّ التشريحَ للتعليمِ جائزٌ لدخولِهِ تحتَ عمومِ أدلّةِ التعليم، فيشملُ كلَّ تعليم، ومنه التشريح لتعليمِ الطبّ، لا يقالُ ذلكَ لأنّ دخولَ الشيءِ تحتَ عمومِ الأدلّةِ صحيحٌ فيما إذا لم يظهرْ نص بخصوصهِ، وهنا وردَ نص عامٌّ في تحريمِ التشريحِ، أيِّ تشريحٍ، وعمومُه يشملُ التعليمَ وغيرَهُ. ولا يدخلُ تحتَ دليلِ الاضطرارِ لأنّ ذلكَ خاصٌّ بالأكلِ وفي حالةِ تحقّقِ الهلاكِ. وهذا نيطبقُ على تعليمِ الطبّ ولو كانَ ضرورةً للحياةِ، لأنّ تركَ التشريحِ لا يؤدّي إلى الهلاك.
بقيت مسألةٌ واحدةٌ، وهيَ أنّه إذا أوصى الحيُّ بتشريحِ جسدهِ بعدَ وفاتِهِ أو تبرّع بعيونِهِ أو بقلبِهِ أو بأيّ عضو من أعضائهِ فهل يجوز ذلكَ شرعًا؟ الجوابُ: إن الشرعَ يفرّقُ بينَ التبرعِ في حالِ الحياة وبينَ التبرّعِ بعد الوفاةِ. إنّ التبرّعَ بعدَ الوفاةِ لا يجوزُ لأنّ الحيَّ لا يملكُ شيئًا ممّا لَهُ بعد الوفاةِ. وأما الوصيّةُ فإنها لم تعطِ للحيّ ملكيّةً بعدَ الموتِ إلَّا في مالهِ وفقَ شروطٍ معيّنةٍ. فأجازت ثُلُثَهُ دونَ إجازةِ الورثة، وكلّهُ بإجازةِ جميع الورثة. ولهذا لا تجوز وصيّةُ الحيّ بعينهِ أو كليتهِ أو أيِّ عضوٍ من أعضاءِ جسدهِ لأنّه لا يملكُهُ ولأنّ النص الشرعيَّ مقتصرٌ على المالِ فلا يَشملُ غيرَهُ.
أما التبرّعُ بعضوٍ من أعضائهِ يؤخذُ منه وهو حيٌّ ففيه نظر، فإن كانَ أخذُ ذلكَ العضوِ يقتلُ المأخوذَ منهُ، أي يُميتُهُ كأخذِ قلبِهِ مثلًا لكي يُزرعَ في جسدٍ آخر، فذلكَ محرّمٌ شرعًا، لأنّه لا يجوزُ للمرء أن يقتلَ نفسهُ ولا أن يسمحَ لغيرِهِ بقتلِهِ برضاه فذلك من قبيلِ قتْلِ نفسهِ أيضًا، وأما إن كانَ أخذُ ذلكَ العضوِ لا يؤدي به إلى الموت، كأخذِ كليتهِ مثلًا، فإنّه يجوز، لأنّ أعضاءَ الجسمِ فيها الدياتُ، فمن قُلعتْ عينُهُ أو جُدِعَ أنفُهُ له أن يأخذَ الدّيةَ، وله أن يعفوَ عمن سبّب له ذلك، وهذا يعني أنّه يجوزُ له أن يتبرَع بعينهِ أو كليتهِ، لأن العفوَ عن ذلك جاء بنصّ الحديثِ سواءٌ بالقصاصِ أو الدّيات. فالعفوُ عن قلعِ العينِ، بعد قلعها، هو تبرّعٌ بديتها أو نزولٌ عن القصاص إلَّا أنّهُ إذا وردَ دليلٌ في النّهي عن أخذ عضوٍ معينٍ، كما لو كان الأمر في حالة الخصاء مثلًا، فإنه يُمنع أخذُ ذلك العضوِ وحده، وتظلُّ الإباحةُ جاريةً على باقي الأعضاء. وعليه يجوزُ للحي أن يتبرّعَ بعضوٍ من أعضائه، يُؤخذُ وهو حيّ، إلّا ما يتعلقُ بالناحيةِ الجنسيّةِ فإنه لا يجوزُ لأنه يقع تحت حديثِ منعِ الخصاء. وهذا لا يصدقُ على التشريحِ بل يصدقُ على الأعضاءِ وحدها. ولا يجوز أن يقالَ: إنّ أهلَ المقتولِ يملكونَ العفوَ عن الدّيةِ وعن القصاصِ، فهم إذن يملكون الميتَ أو أعضاءَهُ، لا يُقالُ ذلك، لأنَّ أهل المقتولِ قد جعلَ الشارعُ لهم حقَّ الدية، وحقَّ القصاصِ وحق العفوِ، فهم يملكون فقط ما جعله الشارع حقًا لهم، وهو حقُّ القصاصِ وحقُّ الدّيةِ وحقُّ العفوِ. ولذلك لا يملكُ أهلُ الميتِ التبرعَ بعضوٍ من أعضائه، ولا أن يأذنوا بأخذِ أيّ عضوٍ منه، ولم يجعله الشارع حقًّا لهم، ولا هو مما يورثُ عن الميت، ولذلك لا يحلُّ تشريحُ الميتِ ولا أخذُ عضوٍ منه بأيّ وجهٍ من الوجوه.



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB