الثقافة والثقافة الإسلامية
الطبعة : الطبعة الرابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   711
تاريخ النشر :   1993




العقليّة والنفسِيّة

عندما تتكوّن المفاهيمُ من ربط الواقع بالمعلومات، يتبلورُ هذا التكوين حسبَ القاعدةِ أو القواعدِ التي يجري عليها قياسُ المعلوماتِ والواقع، حين الربط، ثم توجد بذلك للشخص عقليّةٌ تفهم الألفاظ والجمل، لِتُدْرِكَ المعاني بواقِعها المشخّص، وتُصدرَ حكمها عليه.
فالعقليّةُ إذًا هي الكيفيّةُ التي يُرْبَطُ فيها الواقع بالمعلومات، بقياسها إلى قاعدةٍ واحدةٍ أو قواعدَ معيّنة، ومن هنا يأتي اختلاف العقليّات كالعقلية الإسلاميّة، والعقليةِ الشيوعية، والعقلية الرأسمالية، والعقلية الفوضويّة، والعقليّة الرتيبة.
النفسية: هيَ الكيفيّة التي يجري عليها إشباعُ الغرائزِ والحاجاتِ العضويّةِ، وبعبارةٍ أُخرى هيَ الكيفيّة التي تُرْبَط فيها دوافع الإشباع بالمفاهيم، فهي مزيجٌ من الارتباط الحتميّ الذي يجري طبيعيًا في داخلِ الإنسانِ، بين دوافعهِ والمفاهيمِ الموجودةِ لديهِ عنِ الإشباعِ، مربوطةً بمفاهيمهِ عن ِ الحياةِ.
الشخصية: ومن هذه العقليّةِ والنفسيّةِ تتكوّن الشخصيّة، فالعقل أو الإدراك، وإنْ كانَ فطرةً، ووجودهُ غالبًا لدى كلِّ إنسانٍ، ولكنّهُ تكوينٌ يجري بفعلِ الإنسانِ، والميولُ لإشباعِ الغرائزِ والحاجاتِ العضويّةِ، وإنْ كانتْ فطريّةً في الإنسانِ، ووجودُها حتمًا لدَى كلّ إنسان، ولكنّ التكوينَ النفسي يجري بفعلِ الإنسانِ، فإنْ كانتْ هذهِ القاعدةُ أوِ القواعدُ التي يجري عليها تكوين العقليّةِ هيَ نفسَ القاعدةِ أوِ القواعدِ التي يجري عليها تكوينُ النفسيّةِ، فقد وجدتْ عندَ الإنسانِ شخصيّة متميّزة بلونٍ خاصٍّ، وإنْ كانتِ القاعدةُ أوِ القواعدُ التي يجري عليها تكوينُ النفسيّةِ، منفصلةً عنِ القواعدِ التي يجري عليها تكوينُ العقليّةِ. كانتْ عقليّةُ الإنسانِ غيرَ نفسيّتِهِ، لأنّهُ حينئذٍ يقيسُ ميولهُ على قاعدةٍ أوْ قواعدَ موجودةٍ في الأعماقِ، فيربطُ دوافِعهُ بمفاهيمَ غيرِ المفاهيمِ التي تكوّنت بها عقليّتهُ، فيصبحُ شخصيّةً مختلفةً متباينةً، أفكارهُ غيرُ ميولِه، لأنّهُ يفهمُ الألفاظَ والجُمَلَ، ويدركُ الوقائِعَ على وجهٍ يختلفُ عنْ ميله للأشياءِ.
الشخصية الإسلامية: عالجَ الإسلامُ أعمالَ الإنسانِ الصَّادرةَ عن حاجاتهِ العضويّةِ وغرائزِهِ، بالأحكامِ الشرعيّةِ المنبثقةِ عنْ هذهِ العقيدةِ نفسِها، معالجةً صادقةً تُنَظِّمُ الغرائزَ ولا تَكْبِتُها، وتُنسّقُها ولا تُطلِقُها، وعلى هذا نجد أنّ الإسلامَ يكوّن الشخصيةَ الإسلاميّةَ بالعقيدةِ الإسلاميّةِ، فبِها تتكوّن عقليّتُه، وبها نفسها تتكوّن نفسيّتُه، إنّ جعْلَ الإسلامِ مقياسًا لجميعِ الأفكارِ عمليًّا وواقعيًّا يجعل عندَ الإنسانِ عقليّةً إسلاميّةً ونفسيّةً إسلاميّةً. وهما اللتانِ تجعلانِ مُيولهما كلها على أساسِ الإسلامِ، فيكونُ الإنسانُ حينئذٍ بهذه العقليّةِ وهذه النفسيّةِ شخصيّةً إسلاميةً، بغضِّ النظرِ عن كونهِ عالماً أو جاهلًا، لأنّ كلَّ من يفكِّرُ على أساسِ الإسلامِ، ويجعَلُ هواه تبعًا للإسلامِ يُكوِّن شخصيّةً إسلاميّةً. والإسلامُ أمرَ بالاستزادةِ منَ الثقافةِ الإسلاميّةِ، لتنمو هذهِ العقليّة، وتُصبِحَ قادرةً على قياسِ كلِّ فكرٍ من الأفكارِ، وأمرَ بأشياءَ ونهى عنْ أشياءَ لتقوى هذهِ النفسيّة، وتصبح قادرةً على ردعِ كلِّ ميْلٍ يخالفُ الإسلام، ومن هنا يأتي تفاوُتُ الشّخصيّاتِ الإسلاميّةِ، وتفاوُتُ العقليّاتِ الإسلاميّةِ وتفاوُتُ النفسيّاتِ الإسلاميّةِ. ولذلكَ يُخطِئُ كثيرًا أُولئكَ الذينَ يتصوّرونَ الشخصيّةَ الإسلاميّة، بأنها مَلَكٌ سماوِيّ: فهمْ يبحثونَ عنِ الملَكِ بينَ البشرِ، فلا يجدونهُ مُطْلَقًا، بلْ لا يجدونَهُ في أنفُسِهِم، فَيْيأسونَ وينفضونَ أيديهم منَ المسلمينَ، وهؤلاءِ الخياليّونَ يبرهنونَ بتصوّرهمْ على أنّ الإسلامَ خياليّ، وأنّهُ مستحيلُ التّطبيقِ مع أنّ الإسلامَ جاءَ ليُطبّقَ عمليًّا، وهو واقعيّ أي يُعالجُ واقعًا لا يصعبُ تطبيقهُ وفي متناولِ كلّ إنسانٍ مهما بلَغ تفكيرهُ من الضعفِ ومهما بلغت غرائزه وحاجاته العضويّة منَ القوّةِ، فإنّه يمكن لهُ أنّ يطبّقَ الإسلامَ على نفسهِ بسهولةٍ ويسرٍ، المسلمُ عندما يُطبّقُ الإسلامَ على نفسهِ يصبحُ شخصيّةً إسلاميّةً، ويُصبحُ مؤهّلًا للجنديةِ والقيادةِ في آنٍ واحدٍ، جامعًا بينَ الرّحمةِ والشدّةِ والزهدِ والنعيمِ، يفهمُ الحياةَ فَهْمًا صحيحًا، فيستولي على الحياةِ الدنيا بحقّها، وينال الآخرةَ بالسعيِ لها.
ولذا لا تغلبُ عليهِ صفةٌ منْ صفاتِ عُبّادِ الدّنيا، ولا يأخذهُ الهوس الدينيّ ولا التقشُّفُ الهنديّ، وفي الوقتِ الذي يكون سريًّا يكون متواضعًا، ويجمع بينَ الإمارة والفِقهِ، وبينَ التجارةِ والسياسةِ، وأسمى صفةٍ من صفاتهِ أنّه عبدٌ لله تعالى خالقهِ وبارئهِ.
cetirizin netdoktor cetirizin yliannostus cetirizin hund dosis



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB