الصوفية في نظر الاسلام
الطبعة : الطبعة الرابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   600
تاريخ النشر :   1993




الطرق الصوفية

وَصُوفيَّة القَرن العِشرين


الطرق الصُّوفيَّة
وصُوفيَّة القرن العشرين
يعيش المسلمون اليوم واقعاً مؤلماً، أقل ما يُقال فيه، بُعدهم عن كتاب اللَّه وسنَّة رسولِهِ، وهذا البعدُ هو الذي أدّى بهم إلى التشتُّت والتشرذُم والتفرقة، وقد كان نتيجة حتمية لصراعات شتى، وظروف تاريخية متعاقبة كان من أبرزها تلك السياسات العقيمة، وتلك المناقشات والحجاجات السقيمة، التي طُبعت بظاهر الواجب والدفاع عن الحق، بينما هي في الحقيقة علّة خبيثة ما زالت تنخر في جسم الأمة الإسلامية، وتتفاعل في داخل أوطانها، وهي تبني من الظلال والأوهام ما تغطي به على البصائر، وتعمي الأبصار، وتتخبط به الأفكار، وتستكين له الهمم، ولذلك وصلنا إلى ما وصلنا إليه اليوم من ضعف وتخاذل، ومن أحزاب وفرق، تعمل كلٌّ منها وفق أُطُر معيَّنة من التفكير والتنظيم تجد فيها الغَثَّ والسمين، وإن كانت جميعها تهدف ـــــــ كما تدّعيِّ ـــــــ إلى تطبيق الإسلام والدعوة إلى اعتماد الكتاب والسنَّة ووفقاً لما أراده اللَّه تعالى ورسولُهُ الكريم...
ولعلَّ من أهم مظاهر ضعفنا اليوم اعتمادنا على أنظمة للسياسة والحكم أبعد ما تكون عن الإسلام، وعن هذه الأنظمة نشأت قواعد وقوانين في مجتمعاتنا لا تمتُّ إلى ديننا ولا إلى حضارتنا بصلة، ومع ذلك فُرضت علينا فرضاً، فكانت النتيجة التخلِّي عن نظامنا الديني والدُّنيوي، وتخبطنا في مشاكل وأخطار قد نعجز عن إيجاد حلولٍ لها إلاَّ إذا عدنا إلى المنبع والأصل، إلى إسلامنا الصحيح الذي هو من عند اللَّه تعالى والذي هو حق لا ريب فيه، هُدى ورحمةً للعالمين...
نعم لقد تُرك الإسلام كعقيدةٍ ونظامٍ للحياة، وتراكضت الشعوب المسلمة نحو الشرق أو الغرب، تستقي منه عقائده، ودساتيره، وقوانينه التي هي من وضع الإنسان، فوصلت بنا الحال إلى الضعف والوهن والتفكك، وما نعانيه من الارتباط بالأجنبي المستعمِر الذي عمل، ويعمل دائماً على هدم كياننا ووجودنا كمسلمين، من أجل أن نظل مرتبطين به، يتصرّف بطاقاتنا وخيراتنا بل وبمصائرنا كيف يشاء... وقد حصل ذلك كله بعد أن تخلّت الشعوب المسلمة عن نظامها الإسلامي، وحين أقنعها عدوّها أن الإسلام هو سبب تأخُّرها وتخلُّفها، وأنها بتركها الإسلام يمكنها أن تنموَ وتتقدَّم، وتحقِّق ما تصبو إليه!!...
ولعلَّ أبرز مثالٍ في الاندفاع نحو الغرب، وتقليده في أنظمته، بعد رفض الإسلام نظاماً قويماً، سليماً، متكاملاً، ذلك النهج الذي اتبعه مصطفى كمال في تركيا، بعدما استقرَّ في ذهنه، وأذهان أعوانه من الكماليين أن الإسلام لم يعد يصلح للحياة العصرية الجديدة (كما عبَّر عنه، في حينه، واصف بك، وزير المعارف في الدكتاتورية الكمالية عندما اعتبر «أن الإسلام كان عقبة في سبيل اندفاعهم نحو الحياة الجديدة، وأنهم ساروا شوطاً ابتدأوه لهدم الحضارة الإسلامية التي استعبدت وطنهم، وحالت بينهم وبين ترقيته»!!...) وبالفعل فقد أمضى مصطفى كمال خمسة عشر عاماً كاملة (1922 ـــــــ 1937 ميلادية) وهو يقود النظام الجديد، الذي أخذه عن الغرب الأوروبي، بحماسةٍ خطيرة، وانتقل به من مرحلةٍ إلى مرحلة، ومأربه الرئيسي أن يغيِّر عقلية المسلم التركي، ويبعده عن دينه حتى يستطيع أن يماشي ركب الحضارة الحديثة كما صوّرها له الغرب.
لقد ظنَّ مصطفى كمال أن الإسلام معوّق للتقدم الذي يريد، يوم أدخل هذا الظنَّ الوهميَّ في رأسه سادتُهُ من الغربيين، ويوم كان في شبه غفلةٍ عن ذلك، ففعلت فيه أضاليلهم فعل التنويم المغناطيسي، فانجذب إلى رغبة أسيادِهِ طائعاً، يعمل بأوامرهم، وينفذ رغباتهم، وهو يتوهم بأنه الآمر الناهي فيما يفعل أو يغيِّر، في حين أن يد الأجنبيِّ هي التي كانت تحرِّك تلك الدمى الحية في دولته!!!.
لقد بحث مصطفى كمال عن سببٍ مباشرٍ يتخذه حجَّةً لعملية التغيير فوجَدَ أن نفوذ أصحاب الزوايا والتكايا والطرق والدراويش وما اتصل بها من خطط كانت قد أوْجَدت جوّاً من الجبريَّة، وصار لها شأن هام في الحياة السياسية، والحياة الاجتماعية على حدٍّ سواء، فأقدم على إلغائها باعتبار أنها هي عوامل الضعف والتخلف، وحظَّر كل أنواع الطرق ومشايخها، ومنع مسالك وألقاب الدراويش والعرافة والسحر، وأعمال كشف الغيب وأخبار المستقبل (في حين أن كل هذه الأشياء التي عناها الكماليون بالإلغاء، ليست من الإسلام في شيء، وإنما دخلت عليه من خارج الإسلام، فكان إلغاؤها عملاً إيجابياً) لأنه إذا كان الأمر يتعلق بأولئك الأشخاص أو الأتباع الذين تصدّروا باسم الدين، وعملوا تحت ستاره حتى يحققوا غايات خاصة بهم، فإن الإسلام كدينٍ ونظامٍ ليس كذلك، ولم يكن أبداً السبب في تأخُر تركيا، ولا عاملاً على إضعافها...
صحيح أنَّه قد وصلت تركيا يومئذٍ إلى مرحلة من الضعف بالغة الشدة،وقد غلب في هذه المرحلة نفوذ الدراويش والصوفية، على نفوذ العلماء والقضاة، وصحيح أيضاً أن أولئك آزروا السلاطين وساهموا في قبول الشعب لتصرفاتهم بدلاً من العمل على مناصحة الأمراء والحكام وإرشادهم إلى الطريق الصحيح، فكان أن سيطرت مفاهيم الجبرية، وحلَّ في الدولة الضعف والتخلُّف... كل ذلك صحيح، ولكنَّه لم يكن وحَدَه السبب في الوصول إلى تلك الحالة من الضعف، بل كانت هنالك أيضاً عوامل كثيرة وعديدة، وأهمها تخلف الدولة عن ميادين القوة العسكرية في الوقت الذي كانت فيه نظم الحرب ووسائل الدفاع في الغرب آخذة في التقدم، مضافاً إلى انحراف السلاطين عن ميادين الفكر والثقافة ومجاراة عوامل التقدم، واعتمادهم سياسة الظلم والفساد والرشوة في الأقاليم والأمصار، وما إلى ذلك من العوامل المؤثرة التي جعلت حكام الشعوب الإسلامية منساقين وراء المتآمر الأجنبي وخططه الخبيثة التي كانت تهدف للقضاء على الخلافة الإسلامية واقتسام ولاياتها بعد احتلالها... هذه العوامل هي إذن التي أدَّت إلى نشوء التخلُّف الثقافي والانحراف عن المفاهيم الإسلامية الصحيحة، فنشأت المواقف الخطيرة التي جعلت النفوذ الأجنبي ينسب ذلك التخلف إلى الإسلام كي يتاح له المجال لإحلال مفاهيمه وتحقيق مخططاته... وهكذا وجَدَ في «الدونمة» أداةً طيّعة له، فقامت تدعو إلى القومية التركية، وتنادي بالاتجاه كليةً نحو مفاهيم الغرب التي تحقق ـــــــ في نظرها ـــــــ التقدُّم والرقي!!...
على أنَّ هذا الاتجاه الذي استهدفَهُ بعض رجال تركيا، والذي راحوا يعملون على تحقيقه بشتى الطرق والوسائل هل حقق غرضَهُ، وأمكن لأولئك الرجال أن ينزعوا عن تركيا طابعها الإسلامي؟.
وهل تقبَّلت تركيا المسلمة النظام الجديد الذي فرضوه عليها فرضاً، أم أنه اقتصر على دوائر الحكم، والطبقات العالية التي تدور في فلك الحاكم وتذعن له؟.
وأهم من ذلك كله، هل إن المسلم التركي انصهر انصهاراً تاماً، قلباً وعقلاً، في النموذج الأوروبي، بعد تغيير نظامه الإسلامي وتبديل أساليب التربية والتعليم، والتكوين المجتمعي، التي كانت سائدة من قبل؟.
قد يكون النظام الجديد حقق نجاحاً في بعض المظاهر، ولكنَّ الواقع يثبت أن ضمير الشعب التركي لم يستجب للحركة الكمالية المفتعلة التي خالفت المقوِّمات الأساسية للأمة، والقيم الأصيلة لفكرها؛ إذ تبيّن أن النهج الذي اتبعته الحركة غير صالح للتطبيق في معاداته للإسلام، وأن الطموح الغربي في تحويل بلاد الإسلام عن تعاليمها ومفاهيمها وحقيقة دينها قد باء بالخسران... وأن الدول التي عاصرت حركة مصطفى كمال مثل مصر وإيران وأفغانستان قد نقلت عن الغرب ولكن بشيء كثير من الحذر، وظلت والحمد للَّه مسلمة قلباً وقالباً بدليل ما تشهده هذه البلدان اليوم، من إقبال على دينها، والتمسك بعروته الوثقى، وليس هي وحدها، بل وبلاد المسلمين قاطبةً تهبُّ مستفيقة من ظلام الجهل والتخلف لبناء مجتمعات إسلامية صحيحة ورائدها في ذلك الوعي والإيمان الصادق بحقيقة عقيدة التوحيد. وشعارها الواحد: «لا إله إلاّ اللَّه محمدٌ رسولُ اللَّه»...
إذن فمن حيث الأساس تعتبر التجربة في تركيا قد فشلت، وانخذل الطموحُ الغربي في هدفه لتدجين الأمة الإسلامية، كما يعبّر عن ذلك المستشرق البعيد النظر «هاملتون جب» عندما يقول بصراحة: «إن العرب لن يكرروا تجربة تركيا، لأن لهم من عمق إيمانهم بالإسلام ما يعصمهم من الجري وراء هذه الخطوة». ونحن نقول بأن ليس العرب وحدهم، بل والمسلمون جميعاً لهم من عمق الإيمان بإسلامهم ما يدفعهم إلى تطبيقه نموذجاً في تنظيم كافة شؤونهم الحياتية...
وشاهد منصف آخر من الغرب، هو الكاتب الإيرلندي الشهير «برنارد شو» يرى بأنه لن يمرَّ هذا القرن حتى تعتنق الامبراطورية البريطانية النظم الإسلامية، هذا ما يراه «برنارد شو» عن الامبراطورية البريطانية نفسها، التي تُعتبر في نظرنا من أكبر أعداء الإسلام وأكثر الدعاة ضدَّه، وصاحبة أخبث مخطط في تفتيت بلاد العرب وسيطرة النفوذ الصهيوني عليهم!.
ويقول برنارد شو: «ولو أن محمداً (ص) بُعث في هذا العصر، وكانت له السيطرة على هذا العالم، لنجح تماماً في حل جميع المشكلات العالمية وقاده إلى السعادة والسلام»...
ومثل هذا الاتجاه عند بعض علماء الغرب وقادته المفكرين، قال به كثيرون مبصرون، صادقون في أنحاء شتى من العالم، بعد أن كانوا قد عرفوا شيئاً عن الإسلام وتعرفوا على حقيقة ما يهدف إليه ونحن نؤكد ذلك تأكيداً جازماً تصديقاً بقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [الصف: 9]. فقد ذهبت جهود «الدونمة» و«الكمالية» أدراج الرياح، وما همَّ إن كتبت تركيا المسلمة بالحرف اللاتيني، أو تبدَّت في بلادها مظاهر المدنية الغربية، فالإسلام قد بقي في ضمير أبنائها، والعقلية الإسلامية ظلَّت في صميم وجودها، وهذا وحده كفيلٌ بصدِّ الطامعين، وردِّ كيد الظالمين في نحورهم.
والمثال عن تركيا يمكن قياسه على كثيرٍ من البلدان الإسلامية، التي رام أصحاب الشأن والنفوذ فيها تطبيق مناهج دنيوية معيَّنة، بدلاً من الإسلام، فجاءت النتيجة ردَّة فعل عند شعوبها التي لا تبتغي غير الإسلام ديناً ومنهجاً في الحياة، ولذلك كثرت في العالم الإسلامي الدعوات إلى الإصلاح، وظهرت حركات غايتُها العودة إلى منابع الإسلام الأصيلة، والعمل بوحي الكتاب والسنَّة، وذلك من خلال العمل على تحقيق قضايا هامة ثلاث وهي:
1 ـــــــ تحرير الفكر الإسلامي من التقليد والجبرية والجمود، وإعلان أن باب الاجتهاد مفتوح لم يغلق، بحيث يمكن من خلال ذلك فضحُ ما ألصق بالإسلام ـــــــ زوراً ـــــــ من أنه السبب في تخلف البلاد الإسلامية، ومن ثمَّ إزالة ما علق بالعقلية الإسلامية من الفلسفات الأجنبية الخبيثة، وتطهير النفوس ممَّا جنحت إليه نحو استهواء أساليب الغرب ونُظمه في العيش وفي نظره للحياة، والتي أثبت الواقع فشلها في تحرير دخيلة الإنسان من عوائق تقدمه وتكامله، وتسبُّبها له بكثير من المشاكل والاضطرابات التي لم يعد يقوى على احتمالها حتى الإنسان الغربي نفسه، بحيث صار نهباً للقلق والهواجس، وعرضة للزندقة والإلحاد...
2 ـــــــ تطبيق الإسلام بصورة تامة، وفقاً للكتاب والسنَّة، باعتبار أنه ليس ديناً لاهوتياً خالصاً، وأنه لا يقف على جانب معيَّن من حياة الإنسان وشؤونه، بل يربط الروح والنفس والحسد ـــــــ في الإنسان الواحد ـــــــ برباط متكافلٍ متكامل، في الوقت نفسه الذي يربط الفرد والجماعة، ويصهرهما معاً في بوتقة التعاون والتضامن من أجل خير المجتمع الإسلامي، بل وخير الإنسانية كلها...
3 ـــــــ العمل على فك الارتباط وإزالة التبعية بين أنظمة الحكم في العالم الإسلامي وقوى الاستعمار التي تُخضع تلك الأنظمة لسيطرتها بطريقة أو بأخرى، حتى يمكن بالتالي للمسلمين الالتفاف على بعضهم، والسعي لتحقيق الوحدة الإسلامية، وذلك امتثالاً لأوامر اللَّه تعالى، وتطبيقاً لسنَّة رسوله الكريم، كما يهدينا إليهما القرآن الكريم بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ} [آل عمران: 118] ، وقوله تعالى: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ} [آل عمران: 103]، وقوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} [الحشر: 7].
ومن الحركات التي عرفها العالم الإسلامي في عهدٍ مبكِّرٍ من عهود انتشاره، حركةُ التصوف التي نشأت مع روادها الأوائل منذ أواخر القرن الأول للهجرة والتي ما تزال قائمة في هذا العالم حتى اليوم، رغم أنَّها مرت بمراحل عديدة من القوة أو الضعف، تبعاً لميل الحاكم لتعاليمها ونصرته لأتباعها، أو عداوته لها ولأهلها وعمله على محاربتها وإضعافها...
وقد كانت حركة التصوف موضع بحث وتدقيق لدى الأقدمين والمحدثين، وخاصة من قبل المستشرقين الذين عنوا بها عناية خاصةً واهتموا بإبراز تعاليمها وسِيرَ شخصياتها، لأسباب وأغراض عديدة، بحيث انقسم الباحثون جميعاً ـــــــ مسلمون وغير مسلمين ـــــــ بين مؤيِّد ومعارض للحركة فاعتبرها بعضهم حركة إصلاح وتقوى غايتها الوصول إلى اللَّه سبحانه وتعالى، بينما وجدَهَا غيرهم حركة دخيلة على العالم الإسلامي، جاءت بفعل الشعوبية لإفساد المفاهيم الإسلامية والدس على الإسلام حتى تُبعدَ عنه الناسَ، فتصفو الأجواء للعقائد الأخرى، وتتمكن من الانتشار وفق ما تريد، فتتأمَّن لأصحابها مصالحهُم الحيوية، ويسيطرون ويسودون، بينما يبقى المسلمون ضعفاء، متخلِّفين، غير قادرين على المشاركة في أحداث العالم أو اتخاذ قرارات هامة إنْ بالنسبة إليهم أو بالنسبة لغيرهم!!.
وبسبب ذلك التضارب في الآراء والاتجاهات، كان لا بد من الوقوف على مجمل عقائد الصوفية وإبراز أهم الشخصيات الصوفية في سائر مذاهبها ونظرياتها، حتى يمكن الحكم عليها من خلال كتاب اللَّه وسنَّة رسوله...
لذلك، وإيماناً منَّا بأن عوامل ضعف المسلمين كثيرة، وبأن ما دخَلَ على مفاهيمنا كان طارئاً ويجب أن يزول بفعل وعينا وحكمتنا، وأن جميع الفرق الإسلامية لعبت دوراً أساسياً في تفرقة المسلمين، يختلف مداه وأثره بحسب كل فرقة ونظرتها إلى الأمور، والظروف التي عملت فيها...
وإيماناً منَّا بأن بعض المتصوفة من المسلمين لم يحيدوا في تفكيرهم ومنهج عملهم عن الكتاب والسنَّة، بل كانوا دعاة مخلصين للإسلام، ومن الذابِّين عنه قولاً وفعلاً، فقد رأينا أنه كان من الواجب علينا أن نبيّن أهمَّ الطرق الصوفية التي عرفها العالم الإسلامي، وما كان لها من أثر إيجابي أو سلبي على المسلمين، خاصة وأن كثيراً من تلك الطرق قد ساهمت في نشر الإسلام، وفي مقاومة حركات التبشير الغربية التي رافقت هجمة النفوذ الأجنبي على بلاد المسلمين أواخر القرن التاسع عشر ميلادي، بينما ـــــــ بالمقابل ـــــــ كانت بعض الطرق الأخرى قد لعبت دوراً مضادّاً ومشبوهاً في معاونة الأجنبي عند غزوه لبلاد المسلمين فساعَدَ على تحقيق مآربه وأطماعه... وإيماناً منا بأن الاتجاهات الجديدة عند الصوفية قد رفضت الفلسفات القديمة التي نادى بها بعض الصوفيين المتطرفين، فكان لا بدّ أن تبين هذه الاتجاهات عند صوفية القرن العشرين الذي نعيش في خضم مشاكله التي تحيط بنا من كل جانب، حتى تستوي الأمور صحيحة عند المسلمين جميعاً، فتتكاتف الجهود على نبذ التفرقة، والقضاء على التعصب والجُمود في الأذهان، ثم يثبت الأفضل والأحسن عند جمعهم، فترجع ديارهم وبلادهم ديارَ وبلادَ إسلام بحول اللَّه تعالى وفضله...
وانطلاقاً من هذا الإيمان الصادق، كان لا بدّ من إبراز ما كان للصوفية من مساهمةٍ في الدعوة إلى الإسلام ونشر رايته في كثير من الأمصار، وخاصة في بلاد الهند وإفريقيا. وفي ذلك يقول المستشرق ماسينيون: «إن الإسلام لم ينشر في الهند بواسطة الحروب (وكأنه يريد أن يُظهر للعالم بأن انتشار الاسلام ما كان إلاَّ عن طريق الحرب والسيف كما هو سائد في نظر الغرب) بل انتشر بفضل الطرق الصوفية. ومن أشهر الذين اتبعوا هذه الطرق: معين حبشي (توفي سنة 634هـــــــ) في أجمير، وقطب كاكي في دلهي؛ وجلال التبريزي (توفي سنة 642هـــــــ) في البنغال؛ وفريد شكركنجي (توفي سنة 664هـــــــ) في باكبتن وهو جد السادة الكيلانية؛ وجلال سرخيوش (توفي سنة 690هـــــــ) في اوتش بهوليور؛ ومحمد جيسدارز في بلكوم؛ وأبو علي القلندري (توفي سنة 725هـــــــ) في بنيت؛ وشاه جلال يماني في سيهلت بأسام (توفي سنة 786هـــــــ)، وعلي الهمذاني في كشمير (توفي سنة 791هـــــــ)، وعبداللَّه الشطاوي الذي توفي سنة 818 هجرية».
أما في إفريقيا فيوجد بلدان لم يدخلها الإسلام بجيوشه بل دخلها الدعاة بأفكارهم وتعاطيهم في تعاملهم مع أهلها. وقد كان بعض أولئك الدعاة من أتباع الطرق الصوفية، وخاصة الشاذلية والقادرية، التي ساهمت مساهمة فعّالة في نشر الإسلام في كل من السنغال ومالي والنيجر وغينيا وغانا ونيجيريا وتشاد...
ويعزو الباحثون النجاح الذي حققته الطرق الصوفية، وإدخالها الملايين من الوثنيين في الإسلام، وبصورة خاصة في إفريقيا، إلى اختلاط أصحابها والعاملين فيها بالطبقات الشعبية، والعيش مع العامة والظهور بمظاهر التقوى والصلاح، أو كما يقول كوبولاين: «إن هؤلاء (الصوفية) تارة في هيئة تجار وتارة في هيئة مبشرين، كانوا يهدون إلى الإسلام، ويبنون زوايا جديدة في تلك الأقطار الواسعة المنتشرة من شمال إفريقيا إلى أقصى أقاصي السودان». هذا ونشير إلى أن الطرق الصوفية قد بدأ ظهورها، كما يقول الأستاذ جمال بدوي، منذ القرن السادس الهجري، وارتبط هذا الظهور بحدثين من أهم الأحداث التي تعرض لها العالم الإسلامي، وهما:
ـــــــ سقوط الأندلس.
ـــــــ اندلاع الحروب الصليبية.
ثم يضيف بدوي موضحاً: «ففي الوقت الذي انهار فيه الحكم الإسلامي في الأندلس. كانت أولى الحملات الصليبية تحط رحالها على الساحل السوري مفتتحة ملحمة الصراع الحربي التي دامت قرنين. وكما يحدث دائماً في أعقاب الكوارث والنكسات، تساءل المسلمون عن سرّ هزيمتهم وانحدارهم. ورأى البعض أن السرَّ يكمن في بُعدهم عن اللَّه والإقبال على المعاصي. ورأوا أن الخلاص في الرجوع إليه والمحافظة على حدوده والابتعاد عن نواهيه. وكان هذا التفكير يتفق تماماً مع النزعة الصوفية التي تجعل من الطاعة والمعصية محوراً للنجاح والفشل. وفي وسط هذه الغمة الكاسحة اشتدَّ تيار التصوف وارتبط ارتباطاً شديداً بروح الجهاد التي فرضتها الأحداث، وبصورة أشدّ في المغرب». ويتابع الأستاذ بدوي قائلاً: «ويعلل الدكتور سعيد عاشور ذلك بأن المغرب كان قريباً من مركز الهجوم الأوروبي على الأندلس، مما جعل أهل المغرب أكثر إحساساً بالخطر، وبالتالي أكثر حماسة ورغبة في العودة إلى اللَّه... فقامت دولة المرابطين التي تحمَّلت عبء المواجهة العسكرية ثم أصبحت خط الدفاع الثاني بعد انهيار الأندلس. وكان اسمها يدل عليها، فالرباط اصطلاح قرآني مشتق من الآية الكريمة: {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ} [الأنفال: 60[، فكان المرابطون ينتظمون في فِرَقٍ تجمع بين الجهاد والتصوف. ولكن بمرور الزمن فقدت طبيعتها الحربية وبقيت لها طبيعتها الروحية ممثلةً في (الطرق الصوفية) التي كان يشرف عليها علماء متصوفون. ومع اشتداد تيار الهجرة إلى مصر وفد إليها جماعة من هؤلاء الأعلام في طليعتهم عبد الرحيم القنائي وأبو الحسن الشاذلي وأبو العباس المرسي وابن عطاء اللَّه السكندري وأحمد البدوي وغيرهم... فشرعوا في جمع المريدين وإنشاء الطرق على النسق الذي كان قائماً في المغرب. وعلى النهج نفسه التربوي الذي يركِّز على الجانب الخلقي العملي ويهمل الجانب الفلسفي النظري».
وهؤلاء الشيوخ ـــــــ وفي البحث عن مسرحٍ لنشاطهم الديني والروحي، كما يقول الأستاذ بدوي ـــــــ «حرصوا على الابتعاد عن القاهرة واتجهوا إلى المدن الأخرى. فالشاذلي والمرسي وابن عطاء اللَّه ذهبوا إلى الاسكندرية، والقنائي اتجه إلى قنا، والبدوي اختار طنطا، وأبو الفتح الواسطي (شيخ الرفاعية في العراق) أقام بالاسكندرية، فضلاً عن إبراهيم الدسوقي الذي جعل من موطنه دسوق مركزاً لدعوته».
ويعلِّل الأستاذ بدوي اختيار شيوخ الصوفية للمناطق بعيداً عن العاصمة للقيام بنشاطهم بالقول: «وكان حرص أولئك الصوفية على تجنب القاهرة دليلاً على ذكائهم وفهمهم لمناطق النفوذ الروحي في مصر. فالقاهرة هي مركز نفوذ أهل بيت النبيِّ صلّى اللَّه عليه وآله وسلَّم، وفيها مسجد الحسين عليه السلام أبي الشهداء وسيد شباب أهل الجنة. وفيها السيدة زينب سلام اللَّه عليها عقيلة بني هاشم، وفيها السيدة نفيسة حفيدة الحسن بن علي كما أن فيها غيرهم من أبناء العترة النبويَّة الذين اختاروا مصر موطناً ومقاماً، فأحاطت بهم القلوب، وانشغلت بهم الأفئدة. وباتت أضرحتهم مزارات تنجذب إليها نفوس المقيمين والوافدين على مَرِّ الأيام. فكيف يتسنَّى لهؤلاء الصوفية الباحثين عن الزعامة الروحية أن يجدوا مبتغاهم إلى جانب هؤلاء العمالقة الذين ينتسبون إلى أكرم شجرة؟! إذن كان عليهم أن ينقلوا مسرح نشاطهم إلى المواقع البعيدة حتى تخف المنافسة، وتتوافر لهم فُرَصُ الزعامة والنفوذ. ولعلَّ هذا التصوف الذكي من جانب أرباب الطرق الصوفية يوضح قلة الأولياء المرموقين في القاهرة التي بقيت على ولائها لأهل البيت».
ويتابع الأستاذ بدوي، فيقول: «وشهدت قنا أول بيت للصوفية في مصر على يد الشيخ عبد الرحيم الذي ولد في المغرب الأقصى عام 521هـــــــ ثم عاش في قنا ومات بها سنة 592. وفي العصر الأيوبي حرص السلطان صلاح الدين على تدعيم الحركة الصوفية لِمَا كانت تمثله من نزعة روحية وتربوية، فاقام أول تنظيم رئاسي للطرق الصوفية في مصر، وهي (الخانقاه) التي أطلق عليها اسم «سعيد السعداء» ولا يزال اسمها مرسوماً على إحدى المدارس بحي الجمالية. والخانقاه كلمة فارسية معناها البيت ثم تحولت إلى (الخانكة) وقد وقف عليها صلاح الدين أوقافاً ليعيش الصوفية من ريعها. وكان المقيمون فيها من الصوفية ـــــــ كما يقول المقريزي ـــــــ يعرفون بالعلم والصلاح والتقوى وفي العصر المملوكي اتسعت تنظيمات الصوفية في الخانقاوات، وفي المدارس المنتشرة في ذلك العصر، وتبارى سلاطين المماليك في إنشاء هذه البيوت. واتخذت تنظيمات الصوفية أشكالاً أقرب إلى العسكرية من حيث الرتب والدرجات. فتبدأ بالمريد وتنتهي بالقطب (رأس العارفين) حتى إذا كان العصر العثماني، انحرفت الطرق الصوفية عن غايتها وأصبحت وكراً للخارجين على النظام والقانون والدين. وانصرفت عناية أصحاب الطرق إلى الأشكال والرسوم والزينات والمواكب والموالد. وانكبوا على جمع الأموال وممارسة المحرَّمات والرذائل»...
وهكذا يتبيّن أن الطرق الصوفية نشأت في غالبها، في بلاد المغرب العربي، ومنه انتقلت إلى مصر أو غيرها من البلاد الإسلامية على يد المشايخ الصوفية... وبعض تلك الطرق قد توقفت ولم يعد لها من وجود كالطريقة السبعينية مثلاً التي أسسها ابن سبعين، بينما استمرَّ بعضها الآخر يحمل الاسم نفسه، أو يحمل أسماء جديدة انبثقت عن الطرق القديمة على ما نشهد في العصر الحاضر.
ولعلَّ أهم الطرق الصوفية القديمة التي نشأت، خاصة في بلاد تونس، ومنها انتشرت إلى عالم البلدان الإسلامية هي التالية:
القادرية: نسبة للشيخ عبد القادر الجيلاني الحسني (470 ـــــــ 561 هجرية) واعظ وصوفي، ألف عدة كتب فيها أحزاب سماها الصلوات الصغرى والوسطى والكبرى. اجتمع به في مكة الشيخ أبو مدين وأخذ عليه الطريق ولبس من يده الخرقة.
ولم يكن للقادرية (كما في رياض البساتين) زاوية في تونس إلى أن ظهر الشيخ أبو الحسن علي ابن عمر الشايب في أول القرن الثاني عشر للهجرة، وكان قد تلقى الطريقة القادرية في الحجاز على يد الشيخ محمد بن عبد الكريم السمان، فشرع في بناء زاوية في تونس إلاَّ أنه توفي قبل إتمامها، فأخذ أمرها على عاتقه، من بعده الأمير حمودة باشا المتولي (1196 ـــــــ 1229 هجرية) وانتصب للمشيخة فيها تلميذه الأكبر المعروف بالإمام المنزلي. وقد صدر أمر من الأمير برعايتها وحضانتها حتى لا يتعقب أحد مسؤولاً دخلها.
وقد عاد محمد الميزوني المغربي فأسس زاوية ثانية للطريقة القادرية بالكاف في تونس، إلاَّ أن هذه الزاوية كان مشكوكاً في إخلاصها للطريقة إذ قيل بأن صاحبها أسسها لتنفيذ أغراض سياسية وعسكرية ظهرت مع هجوم الجيش الفرنسي على تونس عام 1881م!.
وقد قيل: إنه كان وراء تأسيسها جاسوس فرنسي يدعى (روا) كان يعمل في الكاف قبل الاحتلال ثم صار بعدها «الكاتب العام للحكومة التونسية المحمية»؛ وظلت علاقاته متبادلة طيلة حياته مع شيوخ الزاوية القادرية بالكاف!.
الطريقة الشاذلية: وهي من أشهر الطرق الصوفية المعروفة في العالم الإسلامي، وفي بلاد مصر بصورة خاصة. أسس هذه الطريقة علي بن عبداللَّه بن الجبار (593 ـــــــ 656 هجرية = 1196 ـــــــ 1258 ميلادية) أصله من غمارة في ريف المغرب الأقصى وكان معروفاً بالشاذلي نسبة إلى شاذلة وهي قرية قرب مدينة تونس، يعود في نسبه، كما يخبر عن نفسه، إلى الأدارسة من أشراف وملوك البلاد المغربية؛ إلاَّ أن شمس الدين الذهبي في كتابه (نكت الهميان) يعتبر أنه مجهول النسب، إذ يقول: «وهذا نسب مجهول لا يصح ولا يثبت، وكان الأولى به تركه وترك الكثير ممَّا قاله في تآليفه عن الحقيقة».
خرج الشاذلي من بلده غمارة في حدود عام 620 هجرية، قاصداً الحج، ثم عاد إلى بغداد، واجتمع بالصوفية يسألهم عن القطب! فقال له أحدهم، وهو أبو الفتح الواسطي: القطب في بلادك فارجع إليه تجده...
وعاد الشاذلي إلى بلاده غمارة حيث راح يسأل عن القطب، فقيل له: إنه يسكن برابطة في رأس جبل (العلم) فذهب إليه، فإذا هو أبو محمد عبد السلام بن مشيش الشريف الحسني الداني»، فالتحق به ولازمه مدة طويلة.
وأشار عليه القطب، بعد تلك الملازمة أن ينتقل إلى إفريقية وأن يسكن في بلد تسمى شاذلة، فأذعن لأمره، وذهب إلى تونس حيث التقى في مصلَّى العيدين، بالشيخ علي الحطاب من شاذلة، وهو الذي حملَهُ إليها حيث تعرَّف هناك أول ما تعرَّف على أبي محمد عبداللَّه الحبيبي والشيخ أبي حفص الجسوسي وكان من علماء الظاهر والباطن.
وأقام أبو الحسن الشاذلي في شاذلة، ولكنه كان يتردد على تونس وأطرافها للالتقاء بمشايخها، وفي ذلك يقول عن نفسه: «ولما دخلت تونس قصدت إلى من فيها من المشايخ، ولم أجد فيها من عرَّفني بما أنا كنت في حيرة منه، إلّا الشيخ الصالح أبا سعيد الباجي فإنه أخبرني بحالي قبل أن أبديه! وتكلم عن سري فعلمت أنه ولي اللَّه ولازمته وانتفعت به كثيراً».
تأثّر الشاذلي بأبي سعيد الباجي أشدَّ التأثر لَمِا كان له من علم الولاية (وهو من أصحاب أبي مدين الغوث، ومعه من الإخوان: الشيخ عبد العزيز المهدوي، والشيخ أبو علي النفطي، والشيخ أبو يوسف الدهماني، وكلهم أخذوا عن أبي مدين) فلما توفي الباجي سنة 628هـــــــ تفرغ الشاذلي لتربية المريدين فالتفَّ حوله عدد كبير منهم، وهذا ما جعل أنظار رجال الدولة تتوجَّهُ إليه خوفاً من نفوذه، وكان على رأسهم العلامة أبو القاسم محمد بن البراء المهدوي الذي تصدَّى له، منكراً عليه معتقداته، حتى أمكن له جرُّه إلى المحاكمة في مجلس الملك أبي زكريا الحفصي، وانتهى به الأمر إلى السجن؛ فلما جاء أخو الملك أبو زكريا، وهو أبو عبداللَّه محمد اللحياني الذي كانت له عقيدة في الشاذلي، ذهب إلى أخيه واستشفع به فخلّصه من السجن، إلاَّ أن هذه الحادثة جعلته يبيع مسكنه ويحمل عائلته مرتحلاً إلى الشرق بصحبة عدد من الأتباع من بينهم الشاب أبو العباس المرسي الذي تولَّى بعده القطبية في مصر.
أقام أبو الحسن الشاذلي في مصر، ولكنَّ الفقهاء تصدَّوا له وعلى رأسهم العزُّ بن عبد السلام وابن دقيق العيد، ويبدو أن اعتدال طريقة الشاذلي خفَّف عنه تلك المقاومة من الفقهاء، وشفع له عند ذوي الشأن، فخلَّوا بينه وبين الناس، فأقبلوا عليه إقبالاً شديداً.
ولم يقطع الشاذلي ـــــــ أثناء أقامته في مصر ـــــــ علاقته بأصحابه في تونس، بل ظلَّ يكاتبهم وهم يكاتبونه. ورجع أبو الحسن إلى تونس بعد موت الملك أبي زكريا الحفصي سنة 647هـــــــ. ومبايعة ابنه المستنصر الذي لم يكن يتجاوز الثانية والعشرين من عمره وقتئذٍ، مما جعل الأمور تؤول إلى أن يدِعمه محمد اللحياني، صاحب الشاذلي ومخلِّصه من السجن... إلاَّ أن ثورة نشبت في تونس بين جند المستنصر وأنصار ابن عمه اللحياني سنة 648هـــــــ. قتل فيها الجند محمد اللحياني وابنه، مما دفع بالشاذلي إلى ترك البلاد ثانية والرجوع إلى الاسكندرية ومعه أتباعه، ثم استقرَّ نهائياً بمصر وظلَّ فيها حتى توفاه اللَّه وهو في طريقه إلى الحج سنة 656 هجرية بصحراء عيذاب، وقبره بقرية حميثراء بصعيد مصر. وكان في آخر حياته قد فقد بصره، وقد أوصى بالولاية من بعده إلى تلميذه أبي العباس المرسي. وقد وصف ماضي بن سلطان الشاذلي فقال: «كان آدم اللون، نحيف الجسم، طويل القامة، خفيف العارضين، وطويل أصابع اليدين كأنه حجازي فصيح اللسان عذب الكلام، يقول إذا استغرق في الكلام: ألا رجل من الأخيار يعقل عنا هذه الأسرار؟ هلمُّوا إلى رجل صيَّرَهُ اللَّه بحرَ الأنوار».
ويُعتبر الدكتور محمد مكين (أحد كبار الباحثين في سيلان، ورئيس الجمعية الاسمية بجامعة لندن) ممَّن تعمقوا في دراسة التصوف في العالم الإسلامي والطرق الصوفية. وقد قدَّم إلى جامعة لندن رسالة عن الطريقة الشاذلية وأثرها في تطوير المجتمع الإسلامي، ومكانتها بين القيادات الإسلامية التي كافحت الاستعمار في الشمال الأفريقي، حيث يقول فيها عن الشاذلية: «ولقد لعبت الطريقة الشاذلية دوراً إيجابياً حاسماً في تاريخ الشمال الأفريقي، فشكَّلت عاداته وأخلاقه، وشؤون حياته. ولعبت دورها الكبير أيضاً في الانتفاضات القومية ضد الغزو الفكري والحربي لهذه المنطقة، لهذا قصدت أن أدرس البيئة الصوفية، وأن أؤرخ لهذه الشعوب العربية عن طريق دراستي للطريقة الشاذلية».
أما عن انتشار الإسلام في سيلان فيقول الدكتور «مكين»: «لقد انتشر الإسلام في آسيا عن طريق التصوف، ولهذا انطبعت الحياة العامة في تلك البلاد بطابعه، ففي سيلان مثلاً كل مسلم لا بدّ وأن ينتسب إلى طريق صوفي، وفي كل بلد من سيلان، زاوية صوفية، وهناك في العاصمة زاوية تسمى «أم الزوايا» من خمسة طوابق وهي مركز القيادة الروحية الصوفية. والأولاد هناك يتربون تربية صوفية فيذهبون إلى الزوايا كل صباح. وفي سيلان طرق صوفية متعددة أشهرها الشاذلية والقادرية والعلوية... ويضيف إلى ذلك: إن المسلمين في سيلان ينتسبون إلى أصلين كبيرين: أصل عربي وقد قدموا من حضرموت واليمن وتكتب لغتهم بالعربية. وفريقٌ ثان وفد إليها من الملايو.
والمسلمون في سيلان جميعاً شافعية، ولهم مكانتهم الكبرى في حياة البلاد ونهضتها، وهم جميعاً يتطلعون إلى العالم العربي عامة وجمهورية مصر العربية خاصة كمركز لقيادتهم «الروحية والفكرية».
أما طريقة أبي الحسن الشاذلي فيحددها بنفسه قائلاً: «لن يصل العبد إلى اللَّه تعالى ومعه شهوة من شهواته أو مشيئة من مشيئاته. ولن يقتل هوى نفسه حتى يأخذها بالقوة وشدة المجاهدة إلى أن يذللها تذليلاً ويروضها على نسيان ذاتها فيقف عند حدِّ الذل إلى اللَّه تعالى».
وفي كيفية التدرج في السلوك إلى اللَّه تعالى يقول الشاذلي: «أول منزل يطؤه المحب للترقي منه إلى العلاء هو النفس. فإذا اشتغل بسياستها ورياضتها إلى أن انتهى إلى معرفتها وتحققها أشرقت عليه أنوار المنزل الثاني وهو القلب. فإذا اشتغل بسياسته حتى عرفه ولم يبق عليه منه شيء أشرقت عليه أنوار المنزل الثالث وهو الروح... فإذا اشتغل بسياسته وتمت له المعرفة هبَّت عليه أنوار اليقين شيئاً فشيئاً إلى تمام نهاياته وهذه طريق العامة، وأما طريق الخاصة فهي طريق مسلوك تضمحل العقول في أقل القليل من شرحها...»!.
ويحذِّر الشاذلي في كتابه (المناقب) من النساء ومن الدنيا، فيقول: «أسبق الرجال جرياً أهل العلم والعرفان، ولقد رأيت النساء والدنيا تأخذ بعقولهم فيلعب بهم الشيطان. فاحذر النساء والدنيا والتزم الصدق والتقوى، واهجر مواطن السوء تحظ بالدرجات العلى».
وعن التدبير يقول الشاذلي: «دع التدبير حتى في اللقمة التي تأكلها وفي الشربة التي تشربها وفي الكلمة التي تقولها أو تتركها. أين أنت من المدبر العليم»؟.
ويقول أيضاً في ذلك: «رأيت الناس وما هم فيه من الضنك والضيق فخطر لي أن أدعو اللَّه لهم فأخذتني سنة من النوم فسمعت قائلاً يقول لي: دع تدبيرك إلى تدبير اللَّه وارضَ باللَّه كفيلاً، فإن الناس قد ملُّوا النِّعم وأَمِنُوا النِّقَم، ونُزعت منهم الرحمة، واللَّه يحكم بما يريد. فرجعت عن الدعاء». وعن نزول آدم إلى الأرض يقول: «ما أنزل اللَّه آدم من الجنة إلى الأرض لينقصه ولكن نزل به إلى الأرض ليكمله فنزوله نزول كرامة لا نزول مهانة».
وقد ألف الشاذلي اثنين وعشرين حزباً في التَّوسل والتلطف والتحصن والاستغفار والتجلي وما إلى ذلك وقد أُنكرت عليه أشياء كثيرة بسبب بعض ما ورد في أحزابه.
يقول عنه الصفدي في كتابه (نكت الهميان): «كان أبو الحسن الشاذلي كثير الكلام عالي المقام له نظم ونثر فيه متشابهات وعبارات يتكلف له في الاعتذار عنها، ثم أضاف: ورأيت شيخنا عماد الدين قد فتر عنه في الآخر وبقي واقفاً في هذه العبارات حائراً في الرجل لأنه كان قد تصوف على طريقته... ثم قال: وللشيخ تقي الدين ابن تيمية مصنف في الرد على ما قاله الشاذلي في أحزابه»...
القلندرية: وهي تنسب إلى «قلندرة يوسف» عربي أندلسي، عاصر الحاج بكتاش مؤسس الطريقة البكتاشية.
ظهرت الطريقة القلندرية لأول مرة في دمشق سنة 610 للهجرة. وكان أتباعها يحلقون لحاهم وحواجبهم، فمنعهم من ذلك السلطان الناصر حسن (حفيد قلاوون). وكان زيُّهم مزيجاً من الزي الفارسي والمزدكي؛ أما أخلاقهم فكانت في منتهى الانحلال، بحيث إنهم لا يتقيدون بشعائر الدين، ولا يأخذون أنفسهم بمقومات الأخلاق، مما جعل الناس يمقتونهم ويحاربونهم، ولذلك لم يكتب لهذه الطريقة الانتشار، والتأثير في مجال العمل الصوفي.
البكتاشية: أسسها الحاج بكتاش الصوفي. ولد بنيسابور، ودرس في خراسان، وأخذ عن الشيخ لقمان الصوفي، ثم هاجر إلى الأناضول وتوفي فيها سنة 738 للهجرة. وكان لهذه الطريقة صلة قوية بالانكشارية، حتى قيل إن عدداً كبيراً من هؤلاء اعتنق الإسلام على يد الحاج بكتاش في عهد أورخان. وتقوم عقيدة أصحاب هذه الطريقة على مزيج من تعاليم الإسلام والمسيحية، ولذا كان عندهم الاعتراف بخطاياهم لشيوخهم على طريقة الاعتراف لرجال الكهنوت النصارى، وهم لا يحرِّمون الخمر، ويؤمنون بتناسخ الأرواح. هذا فضلاً عن اعتقادهم الخاطىء بألوهية «علي» مثل غيرهم من الغلاة الذين أعمى بصائرهم الجهلُ، ونخر الوسواس الشيطاني برؤوسهم فزيّن لهم هذا الاعتقاد الكافر...
وقد انتشرت البكتاشية بين صفوف الجند الانكشاري، الذين كانت لهم ثكنة في تونس يجتمعون فيها. والظاهر أن هذه الطريقة انقرضت من تونس بانقراض الانكشارية أي منذ قرابة ما يزيد على مئة عام.
العيساوية: وهي الطريقة التي أسسها الشيخ محمد بن عيسى (872 ـــــــ 933 هجرية). ارتحل به والده إلى مدينة فاس ليتعلم القرآن الكريم، فاختلط بالشيوخ وعاشرهم وتلقى علومهم، ثم قصد قبيلة سفيان حيث التقى الشيخ أبا العباس أحمد بن عمر الحارثي المكناسي صاحب الشيخ القطب محمد بن سليمان الجزولي، وأخذ عنه الطريقة بالعهد والصحبة، وتربى على يده بالطريقة الجزولية المحمدية.
وبعد وفاة شيخه انتقل إلى مدينة مراكش حيث التقى الشيخ عبد العزيز التباع خليفة القطب الجزولي فلازمه وأكمل تربيته على يديه... وراح بعد ذلك يجمع من حوله المريدين حتى صار من الشيوخ الكبار، وقد اشتهر بالكرامات إلى أن توفي سنة 933 للهجرة وينتقد عبد الرحمن بن زيدان في كتابه (أعلام الناس) أتباع الطريقة العيساوية لما يأتونه من البدع والمنكرات، وما كانوا عليه من وحشية الطباع ومخالفتهم لأصول الشريعة والطريقة معاً. بحيث كانوا يأتون في قلب الزاوية بأعمال مزرية للغاية.
وللطريقة العيساوية زاوية كبيرة في مدينة تونس تدعى زاوية شيحة باسم شيخها علي شيحة الذي كان الوزير مصطفى خزندار من أتباعه، وهو الذي أسس له الزاوية وأنفق عليها أموالاً طائلة حتى صارت من أوسع وأفخم الزوايا زخرفة وتأثيثاً...
وتعتبر الطريقة العيساوية من فروع الطريقة الرفاعية التي أسسها الشيخ أحمد الرفاعي المتوفى سنة 578 للهجرة. وقد قيل بأن أتباعها يضربون أنفسهم بالمدى في حالة الغيبوبة، ويأكلون الزجاج ويقبضون على الحديد الْمُحمى، ويزدردون الأفاعي!...
الطريقة الشابية: صاحب هذه الطريقة الشيخ أحمد بن مخلوف، نشأ في بلدة الشابة، ثم انتقل إلى مدينة تونس طلباً للعلم، فقضى فيها أعواماً.
ويذكر أن الشيخ أحمد كان يتردد على الولي أحمد بن عروس، وقد جاء مرة لزيارته فوجد في مجلسه رجالاً ونساءً في وضع لم يعجبه، فأنكره... ويبدو أن الولي ابن عروس أزعجه إنكار ابن مخلوف ذاك، حتى إذا اعتدى على أحد أعوان السلطان وجدها فرصةً سانحة كي يمنعه من المجيء إليه، فخرج ابن مخلوف إلى الساحل والتحق بشيخ آخر من الصوفية هو الشيخ علي المحجوب، وكان صاحب بستان وأغراس، فاستخدمه عنده حتى أثمر غرسه، فصار يدَّعي ظهور الكرامات... عندها طلب إليه شيخه أن يذهب إلى القيروان بعد أن أذن له بالعهد، فأقام في جامع الدواز فقيراً، مؤدباً حتى تزوج وأولد.
وقيل له يوماً: الناس يسبونك، قال: على أي شيء؟ فما زدت شيئاً أُسَبُّ من أجله، فالكتاب كتاب اللَّه والسنَّة سنَّة رسول اللَّه، والطريق للجنيد، والواهب سيدي عبد الوهاب الهندي، والمصافحة لسيدي علي المحجوب، وحزب البحر للشاذلي، والوظيفة ليحيى بن عقيبة. ألا أعوذ بكلمات اللَّه التامات. وقد توفي سنة 803 للهجرة، فخلفه على المشيخة ابنه محمد الكبير، إلاَّ أنه توفي بعد أبيه بثلاث سنوات، فخلفه من بعده أخوه الشيخ عرفة. ويظهر أن الشيخ عرفة قد اشتغل بالسياسة، وأراد الاستيلاء على الحكم لتأسيس دولة على غرار دولة المرابطين أو الموحِّدين إلاَّ أن عدم استقرار الأوضاع في البلاد قد وقف ضدَّه، إذ كانت دولة بني حفص في انحلال، والهجوم العثماني كان قد بدأ لطرد الاسبان المحتلِّين من البلاد. وتوفي الشيخ عرفة سنة 949 للهجرة وهو على عداوة مع سكان مدينة القيروان، فلما أراد أخوه أبو الطيب محمد المسعود استلام مقاليد الزعامة استنجد أهلُ القيروان بالقائد التركي دارغوث باشا، فقتله، وفرَّق أشياعه. وظلت جنود الأتراك تطارد الشابيين حتى تفرقوا في عدة بلدان. ثم عادوا واستقرُّوا بضاحية خاصة من مدينة توزر حيث اشتهر كثيرون منهم بالعلم والأدب، وخاصة الشاعر المعروف أبو القاسم الشابي، صاحب النفحة الحماسية الوطنية في قصيدته الشهيرة التي يبدأ مطلعها:
إذا الشعب يوماً أرادَ الحياة فلا بُــــــــــــدَّ أن يستجيب القــــــــــــــــــــدر
التيجانية: وهي تعود إلى الشيخ أبي العباس أحمد بن محمد الشريف الحسني التيجاني العلواني الذي ولد سنة 1150 للهجرة، فتلقى العلوم وانخرط في سلك الصوفية، حتى إذا توفي والده سافر إلى الحج في سنة 1186 جرية حيث التقى في مكة بالشيخ أحمد بن عبداللَّه الهندي، واجتمع في المدينة بالشيخ محمد بن عبد الكريم السمان فأخذ عنهما كثيراً من الأسرار.
ثم ذهب التيجاني إلى مصر فالتقى بالشيخ محمود الكردي، وبعد فترة من تلاقيهما، قال له الشيخ الكردي: أنت محبوب من اللَّه، فما هو مطلبك؟ قال التيجاني: القطبانية العظمى.
فقال له: لك أكثر من ذلك!
ورجع التيجاني إلى بلده ينتظر الفتح، فلم يتحقق له على يد شيخ من الشيوخ. عندها خرج إلى قرية تدعى قصر أبي صمغون بالصحراء الشرقية، وهنالك كان له الفتح حيث قال: إنه رأى الرسول (ص) «يقظة لا مناماً ـــــــ كما يقول مَن ترجم له ـــــــ وعين له الوِرْدَ مئة من الاستغفار، ومئة من الصلاة عليه (ص) وأمره بتلقينه إلى كل من طلبه من المسلمين والمسلمات، ثم قال له: لا مِنَّة لمخلوق عليك من مشايخ الطرق فأنا واسطتُك وممدُّك على التحقيق فاترك عنك جميع ما أخذت من الطرق».
وفي سنة 1200 للهجرة أكمل له الرسولُ الأعظم (ص) الورد بمئة من الهيللة (وهي لا إله إلاَّ اللَّه، أو اللَّه اللَّه، أو هما معاً، يذكرهما الذاكرون يوم الجمعة بعد صلاة العصر ـــــــ كما ورد في الفتح الرباني). ثم طلب التيجاني من الرسول (ص) وقال: إن كنت أنا باباً لنجاة كل عاصٍ تعلق بي فَنِعم، وإلاَّ فأيُّ فضلٍ لي؟ فأجابه الرسول (ص): أنت باب لنجاة كل عاصٍ تعلَّق بك»...
ومن يومها أخذ التيجاني يدعو الناس إلى طريقه في الصحراء. ولكنَّ دعوته تلك أثارت عليه حفيظة الترك فالتجأ إلى فاس وبعث بكتاب إلى السلطان المولى سليمان يعلمه فيه بأنه هاجر إليه من جور الترك وظلمهم، وهو يستجير منهم بأهل البيت الكريم، فبعث إليه السلطان بالمجيء إليه، وبعد إقامته في مجلسه واستماعه إليه صار من أصحاب طريقته فأعطاه دارةً من دوره كان أنفق في عمارتها نحواً من عشرين ألف مثقال، ورتَّب له ما يكفيه...
وقد اشتهر بفاس والمغرب، فأقبل عليه الخلق؛ فعاش في فاس حتى كانت وفاته سنة 1230 هجرية. فانتقل أولاده إلى عين ماضي بجهة الأغواط، بينما انتقلت المشيخة التيجانية إلى صاحبه الشيخ الحاج علي التماسيني.
وحول الطريقة التيجانية وأسرارها وآدابها وأذكارها وصلواتها يوجد كتاب من تأليف التيجاني نفسه وتدوين الحاج علي حرازم بن العربي برادة سمّاه (جواهر المعاني وبلوغ الأماني في فيض أبي العباس التجاني)... وتبرز صوفية التيجانية في هذا الكتاب منبثقة عن صوفية محيي الدين بن عربي في كتابه (فصوص الحكم) ومن صوفية عبد الكريم الجيلي في كتابه (الإنسان الكامل). أي أنها تقوم على فكرة وحدة الوجود، والاعتقاد بالحقيقة المحمَّدية وأن الشيخ التيجاني يتلقى من الحقيقة المحمَّدية ما تلقاه من الأسرار «يقظة لا مناماً»!. وأذكار الطريقة التيجانية وأورادها متنوعة، فمنها ما هو لازم، ومنها ما يختص به الخواص دون العوام، وأعظمها شأناً عندهم «جوهرة الكمال»... وهي ما تلقاه الشيخ التيجاني إملاء مباشراً من الرسول الأعظم (ص). ولقراءتها وضعية خاصة وشروط مقرَّرة كالانصهار الكامل واستقبال القبلة، ونشر الإزار؛فإذا توفَّرت هذه الشروط ففي القراءة السابعة يتم حضور النبيِّ(ص) مع أصحابه الأربعة والشيخ التيجاني. وهم لا يفارقون ذاكرها ما دام يذكرها بعد ذلك!!.
ومن تعاليم هذه الطريقة كما تروي المصادر:
1) للطريقة أسرار، يقول عنها الشيخ التيجاني: وهي من المكتوم الذي لا ينبغي أن يذكر للعامة.
2) يجب على المريد أن لا يزور وليّاً من الأولياء سواء من الأحياء أو الأموات.
3) يجب على المريد أن يعتقد بأن أحمد التيجاني هو خاتم الأولياء، وسيد العارفين، ومعدُّ الأقطاب والأغواث.
4) يقول التيجاني: «من أراد أن يشاورني وبيني وبينه بعدٌ بعادٌ، فليصلِّ على النبيِّ(ص) مئة مرة ثم يذكر حاجته وهو مشخص لنفسه بين يديَّ، فالجواب ما يقع في قلبه»، وهذا المفعول يبقى بعد وفاة الشيخ التيجاني...
5) ينصح التيجاني بالاعتدال وذلك في معرض سؤال له من أحد التجار الأغنياء بمدينة فاس عن المتسولين الذين يضايقونه في طلب الحاجة ولا طاقة له على ردِّهم، فكانت نصيحة الشيخ له أن يتصدق باعتدال ولا يسرف فيه ولا يبذر وأن يعتني بتحصين ماله من التلف لأن المال يصون الإيمان ومن أتلف ماله أتلف إيمانه، ذلك أن للشيطان مكراً خفيّاً بصاحب المال، إذا رآه تقيّاً فإنه يسوق الناس إليه لطلب العطاء للَّه ولخوفه من منعه لهم، فإذا انخدع للشيطان ذهب ماله ووقع في حيرة الاحتياج وشغل عن العبادة...
ومن شيوخ التيجانية المشهورين الشيخ العلاّمة إبراهيم الرياحي (1181 ـــــــ 1266 هجرية) الذي التقى الشيخ علي حرازم بن العربي برادة الذي دوّن كتاب (جواهر المعاني) في مدينة تونس، فراح يسأله عن تعاليم التيجانية حتى اقتنع بها؛ ولمَّا كان الشيخ إبراهيم منخرطاً في سلك الطريقة الرحمانية فإنه لم يشأ الخروج منها وسلوك الطريقة التيجانية إلاَّ بشروط ضمنها له الشيخ علي حرازم. ومن هذه الشروط «ضمان النجاح للشيخ إبراهيم بحصول الجاه والكسب وصلاح الذرية في الدنيا، والفوز بسعادة الآخرة كما أظهر ذلك الشيخ السنوسي في كتابه (مسامرات الطريف)...
وفي سنة 1218 سافر الشيخ إبراهيم الرياحي إلى المغرب حيث اجتمع بالشيخ التيجاني نفسه في داره، فكان يقول عنه: «فرحت كثيراً برؤية السلف الصالح».
وفي سنة 1238هـــــــ أدى الشيخ إبراهيم الرياحي زيارة (للقطب) الشيخ الحاج علي التماسيني الذي تولى مشيخة الطريقة بعد وفاة الشيخ أحمد التيجاني.
وكان الشيخ إبراهيم يعتبر نفسه وريث الطريقة لأنه كان صاحب علم واسع، وجاهٍ ونفوذٍ كبيرين، وقد استخدم نفوذه في كثير من المواقف مع الأمير أحمد باشا باي لتخفيف وطأة المظالم عن كاهل الشعب التونسي.
وللشيخ إبراهيم رسالة سمّاها «مبرد الصوارم والأسنَّة في الرد على من أخرج سيدي أحمد التيجاني من دائرة أهل السُّنَّة»... ومن أقواله في محاسن الطريقة التيجانية: «تلذذ بذكر جوهرة الكمال والياقوتة الفريدة»...
ويعتبر السيد عمر العيد شيخ شيوخ الطريقة التيجانية بتماسين؛ وله قصة شهيرة مع الثائر علي بن غذاهم في البلاد التونسية. وقد علَّق على هذه الحادثة الشيخ عمر القروي على نسخة من تاريخ ابن أبي ضياف؛ ومفاد التعليق أن السيد عمر العيد كتب إلى علي بن غذاهم يعده بالشفاعة والأمان باسم القطب الرباني والهيكل الصمداني سيدي أحمد التيجاني. فلما جاء إليه، أمره بنزع سلاحه بحجة أن من يطلب شفاعة يجب أن يأتي طائعاً لا متقلِّداً سلاحه. وبعد أن حجزه عنده بعث إلى الوزير التركي يعلمه بذلك دون أن يذكر شيئاً عن الشفاعة، فبعث الوزير وأخذه، وكان ما كان، ونال الشيخ محمد العيد جائزة على ذلك!!.
الطريقة الرحمانية: هي فرع من فروع الطريقة الخلوتية المشرقية.
أسسها الشيخ محمد بن عبد الرحمن «بوقبرين» كانت ولادته سنة 1128هـــــــ عند البعض، أو سنة 1141هـــــــ عند البعض الآخر. وتوفي سنة 1208 هجرية. ولهذه الطريقة منظومة تدعى المنظومة الرحمانية ومطلعها:
يا من تريد الشفـــــاء واتِّباع المصطفــى
أدخل طريق الوفاء طريـــــــق الخلوتـــــــيّا
يقول الشيخ مصطفى باش تارزي في شرحه للمنظومة المسماة بـــــــ «المنح الربانية»: إنه «لم يكن لهذه الطريقة ذكر بالأرض المغربية وإنما جاء بها الشيخ الإمام خاتم المربين وواسطة عقد الأئمة العارفين أبو عبد اللَّه سيدي محمد بن عبد الرحمن القجطولي الزواوي الأزهري مجاورةً، حين رحل من وطنه إلى مصر قاصداً تحصيل علم الشريعة والحقيقة. فجاور بالجامع الأزهر مستقراً برواق المغاربة. فلازم علامة زمانه أبا عبد اللَّه سيدي محمد بن سالم الحفناوي فلقَّنه الأسماء السبعة فسلك على يده ثم وجهه إلى ناحية السودان لنشر الأوراد ونفع العباد. وبعد مدة أمره بالرجوع إلى مصر فرجع وألبسه الخرقة وأمره أن يرجع إلى وطنه فامتثل فذهب إلى وطنه واستقر بحبل جرجرة بناحية الجزائر في وطن يسمى قجطولة من أرض زواوة، وأذن له في التربية وتعليم خلق اللَّه بما هم مطالبون به من أمور الدين، فأخذ عنه جم غفير وسلك على يده خلق كثير واشتهر في الأقطار ذكره وكثر أتباعه وعظم حزبه».
وللطريقة زوايا كثيرة في الجزائر وتونس وكان من أبرزها في الجزائر الزاوية المركزية وشيخها الحاج البشير المغري الذي كان صديقاً مخلصاً للأمير عبد القادر الجزائري، وقد التحق به، بعد أن خلّف الزاوية للسيدة خديجة أرملة الشيخ علي بن عيسى، ومنها أيضاً الزاوية التي أسسها الشيخ محمد البشير(توفي سنة 1242)، وقد ترجم له الشيخ ابن أبي ضياف في تاريخه، ونسبه يتصل بالشيخ عبد السلام بن مشيش المغربي شيخ أبي الحسن الشاذلي. تعلَّم الشيخ محمد البشير الحديث والفقه، ثم سلك طريق القوم، ولازم خلوته متجرداً للعبادة، فظهرت عليه الكرامات، كما يقولون، حتى عظم في قلوب العامة والخاصة، فكانوا يتبرَّكون بثيابه وسُبْحَتِه. وللشاعر التونسي محمود قبادو منظومة مدح بها الشيخ محمد البشير سماها: «فريدة عقد الآل في التوسل للنبيِّ بالآل»... أما في تونس فللرحمانية زوايا كثيرة أيضاً منها زاوية عين الصابون أسسها الشيخ محمد الصالح العمراني، وزاوية الشيخ بن عيسى بمدينة الكاف، وزاوية بن عزوز بنفطة أسسها الشيخ مصطفى بن عزوز وقد ترجم له ابن أبي الضياف في تاريخه.
هذا ولا بدّ من التوقف هنا ـــــــ انسجاماً مع بحثنا عن الطرق الصوفية وصوفية القرن العشرين ـــــــ لإبراز رأي الأستاذ الدكتور أبي الوفا الغنيمي التفتازاني بوصفه شيخ الطريقة الغنيمية الخلوتية وشيخ مشايخ الطرق الصوفية في مصر. وهو يعود بنسبه ـــــــ كما يقول إلى الإمام إسماعيل الغنيمي المالكي الذي كان من صوفية القرن الخامس الهجري، والذي كانت تربطه بالسيد أحمد الرفاعي صلة مصاهرة. وطريقته إحدى فروع الطرق الخلوتية وينتسب إليها كل السادة الغنيمية في مصر.
وآراء الأستاذ الدكتور الغنيمي التفتازاني صريحة وواضحة في نزعته الإصلاحية للتصوف. فهو يعتبر ـــــــ كما يعبّر عن ذلك الأستاذ جمال بدوي ـــــــ أن للتصوف المصري ملامح خاصة تميِّزه عن غيره من أشكال «التصوف الإسلامي»!... وأهم هذه الخصائص أنه بعيد عن التطرف والمغالاة... والشطح... بحيث لا يوجد بين مشايخ الطرق الصوفية في مصر نماذج متطرفة كالحلاج والبسطامي وابن عربي والسهروردي، أولئك الذين مزجوا الفلسفة بالتصوف، وتأثروا تأثراً عميقاً بالتيارات الفلسفية فشطحوا بنظريات وحدة الوجود والحلول والفناء التي استهجنها أهل زمانهم وعارضوها بشدة...
ويتابع قائلاً: «أما أرباب التصوف المصري فقد سلكوا منهجاً مغايراً لمنهج فلاسفة التصوف. وكان نهجهم عمليّاً أخلاقيّاً يقوم على جمع المريدين والتلاميذ في بيوت تعليمية. ورعايتهم تربويّاً ودينيّاً في فرقٍ اتخذت مع الأيام اسم (الطرق الصوفية) منسوبة إلى أسماء مؤسسيها العظام: الشاذلي والبدوي والدسوقي والقنائي... الخ... بينما لا يوجد ذكر ولا جمهور لفلاسفة التصوف... اللّهم إلاَّ في دوائر البحث الأكاديمي...» ولذلك فإن الأستاذ الدكتور الغنيمي يعتبر التصوف ـــــــ حقيقة ـــــــ ليس نظريات فلسفية، بقدر ما هو (طريقة) في الحياة ورياضة عملية تمارَسُ من أجل هدف معيَّن هو تحقيق الكمال الأخلاقي الذي دعا إليه الإسلام.
وعن تنظيم الطرق الصوفية يقول: «منذ مطلع القرن التاسع عشر أصبح للطرق الصوفية مشيخة عامة لصاحبها التكلم عن جميع الطرق. وأصبح لكل طريقة شيخ. ولكل شيخ خلفاء في القرى. ونواب في المراكز والمديريات. ولكل خليفة مريدون. وكان رئيس الصوفية في ذلك الوقت من بيت البكري الذين ينتسبون إلى أبي بكر الصديق. فلما ولي المشيخة السيد محمد توفيق البكري عام 1892 استصدر لائحة سنة 1905 جعلت شيخ مشايخ الطرق الصوفية يدير شؤون الصوفية بواسطة مجلس صوفي يختص بشؤون الطرق... وقد نصت هذه اللائحة على بعض الإجراءات الإصلاحية منها: أَلاَّ يعيَّن أحدٌ شيخاً لطريقة إلّا إذا كان من أهل العرفان والكمال. وكذلك بالنسبة للخلفاء والنواب. كما تضمَّنت بعض المبادىء بهدف النهوض عقائديّاً، كإبعاد كل من اتّصف بعقائد مخالفة للشرع الإسلامي كالقول بالحلول والاتحاد أو سقوط التكاليف الشرعية عن بعض الناس. وكذلك يُبعد عن الطرق الصوفية من يقوم بأعمال مناقضة للأعمال الشرعية من افتعال الخوارق... كما بيَّنت اللائحة بأن الذِّكر الصوفي عبارة عن ذكر اللَّه وتمجيده، صريحاً، قياماً وقعوداً، أو قعوداً مع الخشوع والوقار بحضور أحد الخلفاء المجازين من شيوخهم»...
وعن موروثات العصور المتأخرة، وما إذا كانت الطرق الصوفية قد تخلصت منها، أبدى الدكتور التفتازاني أن كثيراً من رجال الصوفية في العصر الحاضر لا يزال متمسكاً بها، كاستعمال الزي الخاص، والشارات المعيَّنة، ولباس الرأس الملون... وكذلك استخدام البيارق والأعلام في المواكب والموالد... أما عن الاعتقاد بالكرامات، فيرى بأنه لا يزال بين عوام المنتسبين إلى الطرق الصوفية اعتقاد مفرط في الأولياء وكراماتهم يخرج أحياناً عن حدّ المعقول... ولكن ـــــــ على الرغم مما يشوب الطرق الصوفية من بعض الشوائب ـــــــ فإن رأيه أنها لا تزال تؤدي دوراً هامّاً في مجال الحفاظ على التراث الديني والقيم الروحية على المستوى الشعبي... خصوصاً في الريف.
هذه بعض ملامح الخلوتية التي تفرعت عنها الرحمانية. وهي تبدو في العصر الحاضر طريقة متجددة مع شيخ مشايخ الطرق الصوفية في مصر، بحيث تنكر المعتقدات الصوفية الجامحة، وتطمح إلى تصوّف عملي أخلاقي يتوافق مع ما يدعو إليه الإسلام...
الطريقة السنوسية: زعيم هذه الطريقة ومؤسسها محمد بن علي السنوسي الخطبي الحسيني الإدريسي 1202 ـــــــ 1272هـــــــ = 1787 ـــــــ 1855م). ولد في مستغانم في الجزائر، وتلقى علومه العالية في فاس، وتصوف على يد الشيخ عبد الوهاب التارزي. طاف في صحراء جنوب الجزائر يعظ الناس ويلقنِّهم الآداب الإسلامية؛ ثم زار تونس وطرابلس وبرقة ومصر والحجاز، فحجَّ وأقام في مكة للتصوف فابتنى له زاوية في جبل (أبي قبيس) ثم رجع إلى برقة في سنة 1255هـــــــ وأقام في الجبل الأخضر وبنى «زاوية البيضاء» فكثر تلاميذه وانتشرت طريقته بسرعة، مما جعل الحكومة العثمانية التركية ترتاب بأمره، فلما أحسَّ بذلك انتقل إلى واحة جغبوب حيث بقي فيها حتى وفاته. وقد ألَّف نحو أربعين كتاباً ورسالة. منها (الدرر السنية في أخبار السلالة الإدريسية). وتولى بعده مشيخة الزوايا السنوسية ابنُه محمد المهدي (1260 ـــــــ 1320هـــــــ = 1844 ـــــــ 1902م) الذي قاوم الجيش الفرنسي قبل سنة من وفاته وفي ضواحي كانم وتشاد...
وتولى المشيخة بعده حفيده أحمد الريف بن محمد الشريف الذي كانت له مع عمه محمد إدريس السنوسي (المولود سنة 1307هـــــــ 1889م)، جولات في مقاومة الاحتلال الإيطالي.
قام بكفالة الإخوان بعد وفاة أحمد الشريف أخوه «الرضا» بينما انتقل محمد إدريس إلى مصر...
فلما دارت الحرب بين الانجليز والطليان في طرابلس كان السنوسيون مناصرين للجيش الانجليزي؛ فعندما تمت هزيمة الإيطاليين والألمان، طالب السنوسيون الانجليز الوفاء بوعدهم في استقلال البلاد فكان لهم ذلك عام 1943م، فعيِّن الشيخ محمد إدريس ملكاً للقطر الليبي مقيداً بدستور ومجالس ديموقراطية...
العلاوية: هي طريقة للتصوف أسسها الشيخ أحمد بن مصطفى العلاوي (1291 ـــــــ 1353هـــــــ = 1873 ـــــــ 1934م). ولد وتوفي في مستغانم القريبة من مدينة وهران في الجزائر.
وكان الشيخ العلاوي فقيهاً ومتصوفاً؛ وقد انتشرت طريقته في الجزائر وتونس والمغرب، ولكنَّ أكثر أتباعه كانوا متفرقين في البلاد التونسية؛ وقد أيّدت فرنسا في هذه الأقطار الثلاثة أتباع العلاوية ومدَّتهم بكل وسائل العون نظير ما كانوا يقدِّمون لها من الخدمات!! فظهروا يمتازون بالإضافة إلى هذا التأييد بإطلاق اللحى، وإظهار الحزم والركوب على العجلات!!.
وقد ظهرت تعاليم العلاوية في الرسالة المسمَّاة (القول المعروف في الرد على من أنكر التصوف)، «وهي مذيلة بتقريظ من الشيخ محمد عبد الحي الكتاني حاول من خلاله أن يثبت بأن للتصوف مرجعاً دينيّاً في الإسلام»!.
وكانت تلك الرسالة التي ألَّفها الشيخ أحمد العلاوي ردّاً على كتاب ألفه الشيخ عثمان بن المكي التونسي أسماه «المرآة لإظهار الضلالات» انتقد فيه الطريقة العلاوية انتقاداً فاضحاً...
وهكذا يتبيّن أن معظم الطرق الصوفية كانت لديها نزعة لمحاربة الاستعمار والنفوذ الأجنبي، وقد لعبت أكثر تلك الطرق دوراً بارزاً في إشعال الثورات ضد الغربيين المحتلِّين مثل السنوسية والمهدية والنقشبندية... فالسنوسية، كما تبيَّن لنا، عملت على مواجهة تحدِّي الغزو الفرنسي للجزائر على يد أحمد المهدي، وقام الملك محمد إدريس يناهض الاحتلال الإيطالي لليبيا وإن كان عادَ وارتبط بعجلة المستعمر الإنجليزي...
والنقشبندية، التي نشأت في أواسط آسيا وامتدَّت شرقاً حتى بلغت الصين، كانت عاملاً هامّاً أيضاً في ثورة المسلمين الكبرى في تركستان الصينية، وهي التي أوقدت نار الثورة ضد الاستعمار الأجنبي في جزر الهند الشرقية.
وفي قلب إفريقيا ظهر «مهدي الصومال» الذي كان حرباً شواء على المستعمرين طوال سنوات عديدة... ويسجل المؤرخون ظاهرة انتعاش التصوف خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين من خلال نشاط حركة أتباعه. فقد شهدت هذه الحقبة ولادة الطرق الصوفية التي أخذت على عاتقها توسيع رقع امتداد الطرق القديمة أو تأسيس طرق وفرق جديدة...
وتحتل المجموعة العربية البربرية في افريقية الغربية ـــــــ التي كان لها شأن كبير في الحركة الصوفية خلال القرون الوسطى ـــــــ مكاناً بارزاً في التوسع الحديث لحركة التصوف. وقد تأسس عدد من الطوائف الحديثة إبان القرن الثامن عشر الميلادي في كل من الجزائر ومراكش وتونس، كما رأينا، وقامت تلك الطوائف بنشاطات واسعة ليس في مواطنها وحسب، بل وفي الصحارى وفي افريقيا الغربية.
ولكن، بمقابل ذلك النشاط الديني والوطني الذي قامت به الطرق الصوفية، كانت هنالك طرق صوفية أخرى تساعد النفوذ الأجنبي، أو تَمْرُق من الدين باتِّباع تعاليم لا تمتُّ إلى الإسلام بشيء، مثل أتباع زاوية الميزوني في القادرية التي كانت موضع شكوك في إخلاصها الوطني، أو الطريقة القلندرية التي اشتهر أتباعها بالانحلال الخلقي؛ أو الطريقة العيساوية التي عرف أتباعها بالمخالفة لأصول الشريعة والطريقة معاً، أو البكتاشية التي أخذت من التعاليم المسيحية فقالت بتحليل الخمرة، كما آمنت بتناسخ الأرواح خلافاً لما يقرُّهُ القرآن الكريم عن البعث والنشور... وما إلى ذلك من بدعٍ وأساليب أساءت كثيراً لتعاليم الإسلام الصحيحة الصافية، كما أساءَت للمسلمين في تضليلهم وتعمية أفكارهم عن دينهم الحق، أو فيما أدَّت إليه من تعاون مع الأجنبي ضد مصالح الدين والأمة، ممَّا كان له أبعد الأثر في تثبيت دعائم الاستعمار بشتى أشكاله في بلاد المسلمين... هذا بالإضافة إلى بعض التصوفات المشينة التي كان يقوم بها أفراد كثيرون ينتسبون إلى هذه الطريقة أو تلك، أو يأمر بها هذا الشيخ الصوفي أو ذاك وأبسط مثالٍ على ذلك ما ورد عن أبي الغيث القشاش التونسي (959 ـــــــ 1031هـــــــ)... الذي ـــــــ رغم اهتمامه بإصلاح المساجد والزوايا والمدارس، أو مهادنته لرجال الدولة التركية بتونس، حفاظاً على أبناء شعبه من التعسف والظلم ـــــــ كان يأمر المريدين بالخروج في مظاهر تقشعرُّ منها الأبدان، كما ورد في الفصل الثالث من كتاب (المناقب) لصاحبه شيخ زاوية القشاش بقفصة، إذ يروي بأن بعض المريدين خرجوا ذات يوم من الزاوية بإذن من الشيخ أبي الغيث القشاش إلى الأسواق وعوراتهم مكشوفة، مما جعل الناس يهبُّون مستنكرين، ويذهبون للباشا، الحاكم التركي، يقولون له: «إن أبا الغيث القشاش عامل فقراء زنادقة يخرجون عراة إلى السوق»؛ فأمر الباشا أعوانه فاقتادوهم إلى المحاكمة حيث جرى تأديبهم... وكان الشيخ يقول: «ما أمرتهم إلاَّ ليكونوا عراةً من الذنوب»!!...
وهكذا تتبيّن لنا ملامح الصوفية عبر شتى المراحل التي مرَّت بها تقريباً، والتي يمكن أن نستخلص منها أن التصوّف ظهر في البدء على شكل «عقيدة» تقوم على رياضة نفسانية معيَّنة، يتدرج فيها المريد من حال إلى حال، ومن درجة إلى درجة حتى يصل إلى الحالة القصوى وهي الفناء في ذات اللَّه القدسية، بعد فنائه عن ذاته الخاصة!! وهو يعتمد في ذلك على التوكل وترك الأسباب، بحيث يتخلَّى عن كل ما في هذه الدنيا من مشاغل واهتمامات، حتى يعيش في دنياه، كما كان بعضهم يقول: «عيش الكلاب على المزابل»!!...
ومع الزمن، وما تعرضت له الصوفية من محن وأزمات، بدأت «العقيدة» تفقد مفهومها، وتتحول شيئاً فشيئاً إلى طقوس وعادات وتقاليد، ثم انقلب أصحابها إلى طوائف وجماعات متفرِّعة، تستقلُّ كل طائفة بتعاليم، وبأنظمة تضعها لنفسها، حتى كثرت التعاليم، وتعدَّدت الأنظمة، وامتلأت مفاهيم التصوُّف بشتى المتناقضات، فظهرت فيها عقائد الكفر كالحلول والاتحاد وسقوط التكاليف إلى جانب الإيمان والتقوى والعمل الخالص لوجه اللَّه دينيّاً ودنيويّاً!!.
فأين موقع الصوفية اليوم من ذلك كله؟.
ليس جديداً القول بأننا نعيش في عصرٍ كثرت فيه الاكتشافات العلمية والاختراعات في شتى الميادين حتى بات يصعب على أي فردٍ مهما كان نابهاً أو حاذقاً، أو على أي جماعة مهما ادَّعت واستعلت، اجتذاب أنظار الناس أو شدَّها، إلاَّ نتيجة قناعاتهم، والسير مع مصالحهم، وبصورة أدق مع ما يتوافق مع أفكارهم ومشاهداتهم الحسية، في الحكم على الأشياء... ومن قبيل ذلك أنه بات من العسير جدّاً أن تقدم للناس في أواخر القرن العشرين براهين على حصول كرامات أو على حدوث خوارق، وخاصةً إذا عزيت إلى إنسان مثلهم أتاها بنفسه لأنَّ ما يوجد بين أيدي الناس، وما يقرأون عنه أو يشاهدونه بأم العين هو مما يحيِّر العقل ويدهش البصر حتى لكأنه خوارق بنفسه، إذا قيس بما كان عليه السابقون...
وفي عصر العلم والتكنولوجيا، سقط كل رهان عند الإنسان على المعجزات والخوارق، وحتى على الكرامات، إلاَّ على القرآن الكريم، فهو يبقى بنظرنا، المعجزة الخارقة، المحسوسة الملموسة، التي يمكن من خلالها أن يدعو الإنسان أخاه الإنسان إلى معرفة حقيقة وجود اللَّه، وأن يقنعه بأن هذه المعرفة هي الطريق الحق لكل المعارف وما ينتج أو يتحقق عنها من قيم معنوية ومادية...
ونزيد في القول، أنه لما تيقَّن الغرب بأن القرآن الكريم بدأ يفعل فعله، وأن الإسلام هو مطلب المسلمين حقّاً، بل هو ما يبحث عنه الإنسان لحلِّ مشاكله، وأن نظرته المادية إلى الأمور باتت لا تستطيع الوقوف في وجه هذا النور الساطع، وأنه أعجز من أن يقف أو أن يتصدَّى لهذا التيار الجارف إذا تركه يتدفَّق في سيره، نعم عندما وعى الغربُ ذلك سارع يشدُّ عزيمته كي يحوِّل المسلمين جميعاً عن الإسلام، الذي أرادَهُ اللَّه سبحانه وتعالى لعباده نوراً يهدي لِّلتي هي أَقْوَمُ، معتمداً في ذلك على وسائل وأساليب شتى منها: أن يعيد المسلمين فِرَقاً مختلفةً متنابذةً متقاتلةً، بحيث نرى كيف يُثير هو وعملاؤه النعرات المذهبية بين السنَّة والشيعة حتى يشغلهم عن دينهم، ويبعدهم عن حقيقة إسلامهم التي هي سرُّ نهضتهم، وأساس تقدمهم، ومنها: أنه يبارك كل جماعة منحرفةٍ عن العقائد الإسلامية وأركان الإسلام، داعية إلى التحرر من أواصر الدين واتِّباع الغرب في إلحاده وبُعده عن الدين، ومنها: إقناع المسلمين بأن الصوفية القديمة هي قمَّة الإسلام وأن الصوفيين أمثال الحلاَّج والبسطامي والجنيد وأمثالهم هُمُ الصفوة الخالصة التي اصطفاها اللَّه سبحانه وتعالى لنشر دينه وحمل دعوته.
كما أن منها التركيز على استثارة كلِّ حساسية وتحريك كلِّ ذوي عقيدةٍ وكلِّ ذوي عنصريّة، للتكتُّل والمطالبة بالأرض الخاصة، والوطن الخاص، والقومية الخاصة... ممَّا نشر الفتن والاضطرابات في سائر أرجاء المعمورة، وأثار الحروب في كثير من أجزاء العالم، واستثار روح التعصب والبغضاء بين الناس بشكل يخجل العلم والحضارة الحديثة التي يتبجَّح بها ويتغَّنى بها المتغنُّون، في حين أنَّ حضارته ظهرت حضارة سخيفةً تدوس كرامة الإنسان، وتدفع حَمَلَتها بالنِّفاق على أنفسهم وعلى غيرهم حين يدَّعون المدنيَّة ويمارسون الوحشية اللئيمة، بُغية تحقيق استعمار الأنام، وتمزيق الإسلام، لأنه هو المقصود الأولُ والأخيرُ بالذات والصفات، ودون أية عقيدةٍ أخرى.
فالغرب الذي تتعامل معه أكثر البقاع الإسلامية، بل أكثر الدول العربية المسلمة، عدوٌّ للإسلام قبلَ وبعدَ كلِّ هدفٍ له، ولعلَّه أكثر عداوةً له وصليبيَّةً من الشرق الملحد الكافر الذي يكيد ويزيد في تغذية روح الإلحاد، لأن هذا وذاك يعرفان أن الإسلام ـــــــ وحده ـــــــ هو الذي يجمعنا على كلمة التوحيد ويؤلِّف بين قلوبنا ويجعلنا إخواناً ذوي قوة تعمل لخير الإنسان ـــــــ أيِّ إنسان ـــــــ ويعيدنا كما كُنّا {خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} يوم رفرف عَلَمُ دينها الحقِّ على مشارف أقاصي المعمورة عندما كانت تحمل الدين بقلوبها وسوط التحذير بيمينها، وكتاب اللَّه بين يديها، قائلةً للناس جمعاء: {هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ}، «فيه تبيان كل شيءٍ» وفيه النِّظام الكامل للمعاش والمعاد {لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا}... ويومها كنَّا فاتحين ومعلِّمين وهادين ومرشدين، ومنظِّمين عادلين، قد صَفَعْنا «بهدي كتابنا الكريم» الظُّلمَ والظالمين، وكنَّا رحمةً ونوراً للعالمين على أيدي سلَفنا الصالح من الذين كانوا هُمُ الصفوة الممتازة التي اصطفاها اللَّه سبحانه وتعالى للقيام بنشر هذا الدين العظيم...
وما اهتمام المستشرقين بالتصوف القديم إلاَّ أصدق الأنباء عن هذا الاهتمام الخبيث الزاحف علينا من الغرب، إذ قد كان ما كان، ودخل على التصوّف ما دخل عليه من الفلسفات الإلحادية، والعقائد المناهضة للإسلام، والطرق وأساليب العمل التي تُظهر المسلمين في حالةٍ من التخلف الشديد، والانحطاط الفكري الرهيب، وما إلى ذلك من مخططات عدائية فتكت بالمسلمين فتكاً ذريعاً... ثم رفع الغرب بالإضافة إلى دعوته الباطنية من خلال التصوف القديم شعاره المقدّس «فرّق تسد»... وفرَّقنا فعلاً، وسادَ فعلاً، وتنبَّه الآن إلى أن سيادته أوشكت أن تتوارى فوقف وقوف المسعور يعمل بكل طاقاته ويوزع الأسلحة والموت والدمار هنا وهناك...
من أجل ذلك كله نطرح على أنفسنا السؤال الهام: أين تقع الصوفية في القرن العشرين من مشكلات هذا العصر، وما يتخبط به المسلمون، حتى تظهر الحقيقة، وينجلي للغرب بأنَّ ما فعله في السابق، وعبر حقباتٍ تاريخية مظلمة، لم يعد مقبولاً اليوم، عند جميع المسلمين، مهما كانت مذاهبهم، ومهما تعددت طوائفهم أو جماعاتهم...
المهم أن نبيِّن أولاً أننا جميعاً عُدنا لنكون مع إسلامنا الصحيح من خلال الكتاب والسنَّة... ثم أن نبرز دعاةً للعودة إلى حظيرة الإسلام الصحيح، لأنه وحَدَه طريقنا إلى الخلاص من كل الشوائب والأدران، ومن كل عوامل الضعف والتخلُّف...
ونحن في دراستنا هذه، قد حاولنا السير مع أعلام المتصوفين عبر التاريخ سيراً وئيداً جعلنا نبحث آراءهم ومعتقداتهم، وأن نركِّز على سلوكياتهم تركيزاً دقيقاً، وحلَّلنا ما قرأنا ودرسنا، وما سمعنا وشاهدنا، من خلال ما استطعنا أن نحصل عليه من مؤلفاتٍ أو نشرات مؤيدة أو مخالفة لعقائدهم، تحليلاً يهدف إلى التقصِّي عن حكم الكتاب والسنَّة، لأنه هو الحكم الذي يجب أن يقوم وأن يسودَ... ولذلك كان لا بدَّ من الوقوف على آراء أهل التصوُّف في أواخر القرن العشرين، وإبراز نظرتهم إلى أهمّ المعتقدات الصوفية، وليس جميعها، وكذلك نظرتهم إلى الأساليب التي ما تزال متبعة عند معظم الصوفيين كالذِّكر والموالد والشعارات وغيرها... وقد تبيَّن لنا من خلال ما كتبه الأستاذ جمال بدوي، وما ردَّ عليه شيخ مشايخ الطرق الصوفية في مجلة (آخر ساعة) بعضٌ من آراء الصوفية المعاصرة، التي تتوافق مع الإسلام، وترفض البدع والأساليب الموروثة، التي كانت أهمَّ عوامل الانحطاط الفكري والخلقي عند بعض الجماعات الإسلامية...
وها نحن الآن نكمل الشوط، مع بعض روَّاد الصوفية في مصر الحبيبة، ملتزمين بخطنا الإسلامي في تصحيح المفاهيم إرضاءً للَّه تعالى ولرسوله الكريم...
يسأل الأستاذ محمد زكي إبراهيم، رائد العشيرة المحمديَّة، وعضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، وشيخ الطريقة المحمدية الشاذلية عن معنى التصوُّف، ومَن هو الصوفي، ويجيب بقوله:
»المقصود بالتصوف الإسلامي (وكنا نفضل أن يقول: التصوَّف في العالم الإسلامي، لأنه ليس في الإسلام تصوُّف في نظرنا) التخلي عن كل دنيٍّ، والتحليّ بكل سَنِيٍّ، سلوكاً إلى مراتب القرب والوصول. فهو إعادة بناء الإنسان، وربطه بمولاه، في كل فكر وقول وعمل ونيَّة، وفي كل موقع من مواقع الإنسانية في الحياة العامة»، ثم يضيف قائلاً: «ويمكن تلخيص هذا التعريف في كلمة واحدة هي (التقوى) في أرقى مستوياتها الحسية، والمعنوية. فالتقوى عقيدة، وخُلُق، فهي معاملة اللَّه بحسن العبادة، ومعاملة العباد بحسن الخلق، وهذا الاعتبار هو ما نزل به الوحيُ على كل نبيًّ، وعليه تدور حقوق الإنسانية الرفيعة في الإسلام. وروح التقوى هو (التزكي) {قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى} [الأعلى: 14[، {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا} [الشمس: 9[.
ثم يزيد على ذلك قائلاً: «هذا هو التصوف الذي نعرفه، فإن كان هناك تصوف يخالف ذلك، فلا شأن لنا به، ووزره على أهله، ونحن لا نسأل عنهم (فكل امرىءٍ بما كسب رهين) والتصوف شيء، والصوفي شيء آخر»...
وعن الاختلاف في تعريف التصوف، يرجع الأستاذ بنظره إلى منازل الرجال في معارج السلوك، إذ ترجم كل واحد منهم إحساسه في مقامه... أما الاختلاف في تحديد مصادر التصوف، فيراه دسيسة من دسائس أعداء اللَّه. فما دام التصوف ربيب الإسلام، فهو عبادة وخلق، ودعوة، واحتياط، وأخذ بالعزائم واعتصام بالقيم الرفيعة. وهذه المعاني هي من صميم الإسلام. ومن قال بخلاف ذلك فقد غلط، إذ نظر إلى هذا الركام الدخيل على التصوف من المذاهب الشاذة، أو الضالة، ولم ينظر إلى حقيقة التصوف. والحكم على الشيء بالدخيل عليه غلط أو مغالطة، والحكم على المجموع بتصرف أفرادٍ انتسبوا إليه صدقاً أو كذباً ظلمٌ مبين... إذ ليس من المعقول أن يترك المسلمون إسلامهم لشذوذ طائفةٍ منهم تشرب الخمر، أو تمارس الخنا، أو تحلِّل ما حرَّم اللَّه!!...
أما عن الصوفي فيقول شيخ الطريقة المحمدية الشاذلية بأنه «المسلم النموذجي، لأن كافة أئمة التصوف أجمعوا على أن التصوُّف هو الكتاب والسنّة في نقاء وسماحة واحتياط، وشَرَطه أئمة التصوف في مريدهم أخذاً من قوله تعالى: {وَلَـكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ} [آل عمران: 79]. وفي التفريق بين الصوفي، والمسلم، والمؤمن، والتقيِّ، يعتبر أن الإسلام شرع لنا تعريف الناس بخصائصهم وذكرهم بما يميِّزهم عن غيرهم. فقد ذكر اللَّه تعالى في القرآن الكريم المهاجرين والأنصار، وذكر من المسلمين الخاشعين، والقانتين، والتائبين، والمتصدِّقين، والعابدين، والسائحين، وغيرهم... كما أن النبيَّ(ص) ميَّز بلالاً الحبشيَّ، وصهيباً الروميَّ، وسلمان الفارسيَّ، بألقابهم... ولهذا فإنَّ ذكر إنسان بخصيصةٍ عُرف بها عند الناس سنَّةٌ قرآنيةٌ ونبويَّة؛ وما دامت الصوفية قد عرفت باسمها لسبب أو لآخر، فليس بدعاً أن تدعى بهذا الاسم...
ويرى الدكتور محمد سعاد جلال: «أن التصوف الحقيقي الذي كان عليه سلف الأمة خصوصاً في أواخر القرن الأول والثاني، قبل أن تدخل عليه المخالطات الهندية، والشوائب المجوسية والمسيحية التي دخلت على أفكار المسلمين مع دخول الفلسفات الأجنبية إليهم، كاليونانية وغيرها... إن هذا التصوف الحقيقي الذي خلا من هذه الأوضار، كان محض العمل بكتاب اللَّه وسنَّة رسوله مع الأخذ بمزيد من الزهد في الدنيا، والإعراض عن شهواتها، وفزع النفس من الخضوع لِلَذَّاتها، وتطهيرها من الرعونات البشرية. كان هذا السلوك المثالي في العلاقة مع اللَّه هو ما يسمى (التصوف)».. ويضيف الدكتور جلال قائلاً: «ثم ابتدعت بعد ذلك أنماط خبيثة من العقيدة والعمل، سُميت بالتصوف، كوحدة الوجود التي قال بها بعضهم، واقترنت بها عمليات الطبل والزمر، وكل ذلك باطل وبدعة وإلحاد، وخروج عن منهج الإسلام... وما يرى الآن من الطبل والزمر، وخلط ذلك بالمدائح النبويَّة، فهو امتداد لتلك الضلالات والجرائم، التي ظهرت في القرن الثالث، وتعاظمت في القرن السادس، فهي حرام قطعاً، ويجب العمل على إزالتها واللَّه المستعان».
والصوفي كما يقول الشيخ محمد متولي شعراوي «هو الذي يتقرَّبُ إلى اللَّه تعالى بفروض اللَّه، ثم يزيدها بسنة الرسول عليه الصلاة والسلام من جنس ما فرض اللَّه تعالى، وأن يكون عنده صفاء في استقبال أقضية العبادة، فيكون صافياً للَّه والصفاء هو كونك تصافي اللَّه فيصافيك»...
ويعتبر الشيخ محمد متولي شعراوي أن «التصوف رياضة روحية لأنها تستلزم الإنسان بمنهج تعبُّديٍّ للَّه، فوق ما فرضه... وهذه خطوة نحو الود مع اللَّه»...
ثم يوضح هذا الرأي بقوله: «واللَّه سبحانه وتعالى يقول في الحديث القدسي: من أتاني يمشي أتيته هرولة ولم يقل سبحانه جئته أمشي، ولو قالها لكان المشي بالنسبة له شيئاً كبيراً، فما بالك بهرولة منسوبة للَّه...
ومن هنا يدخل الإنسان في مقام الود مع اللَّه، ومعنى أن يودَّه اللَّه، أن يصافيه الرياضة والمقامات»... ويضيف أيضاً: «وهكذا يمنُّ اللَّه على هؤلاء المتصوِّفين ببعض العطاءات التي تثبت لهم أنهم على الطريق الصحيح، وكلما زاد العبد في عبادته كلَّما زاده اللَّه في ودِّه، ولا نستطيع أن نقول: إن هذه الزيادات تصل إلى حدٍّ ما، لأن عطاء اللَّه ليس له حدود»... وعن رأيه عن التمايل في الذكر يقول فضيلة الشيخ متولي الشعراوي: «لا مانع من التمايل أثناء الذكر، إذا كان هذا التمايل نتيجة لغلبة الوجد عليه، أما إذا كان هذا التمايل مفتعلاً فهذا لا يليق»...
ويتابع قائلاً: «والذكر جائز على أي حال {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ} [آل عمران: 190 ـــــــ 191].
ثم يضيف: «ولا ريب أن في الذكر راحةً نفسيةً، وهدوءاً للأعصاب. وعلى كل حال فالذاكرون وإن تمايلوا، فهم خير من الذين يتمايلون في حانات الرقص!! ونحوها!!»...
وعن مصادر التصوف وإرجاع أصوله الأولى إلى البوذية، والمجوسية، والرهبانية وغير ذلك تجُمع الآراء الحديثة تقريباً على نفيها:
فالأستاذ محمد زكي إبراهيم يقول: «لا أعرف أن الكتاب والسنّة قد نقلا عن المجوسية، والبوذية، والرهبانية شيئاً أبداً، أما إذا كان المراد تلك الفلسفات الأجنبية عن العقيدة والشريعة، فهذه لا علاقة لها بتصوف أهل القبلة... على أن الذين اشتهروا بهذا الجانب الفلسفي ممن يُنسبون إلى التصوف عدد محدود، قد لا يجاوز العشرة، وسواء قبلت فلسفتهم التأويل والتوجه ـــــــ ولو من وجه ضعيف ـــــــ أو لم تقبل، فهؤلاء قد انتهى أمرهم نهائيّاً، وليس لفلسفتهم اليوم معتقِدٌ ولا دارس، وقد أصبحت كتُبهم بما فيها من الأفكار أشبه بنواويس الموتى، تُعْرَضُ ـــــــ إذا عرضت ـــــــ للزينة أو التاريخ والعبرة، فليس بين صوفية عصرنا من يرى رأيهم، أو يذهب مذهبهم، سواء على ظاهره، أو مع تأويله... هؤلاء كانت مذاهبهم شخصية، لا تجد طريقها إلى الجماهير لحاجتها إلى استعدادات وقابليات ومدارك، ومنطق لا يتوفر لدى الكافة»!!...
وهكذا فإن الأستاذ إبراهيم يعتبر أن الحلاج وابن عربي والجيلي، ومن حذا حذوهم، ممَّن نقلوا التصوف من العمل إلى المنطق والتنظير، هؤلاء ليسوا هم كلُّ الصوفية، فهم لم يزيدوا عن عدد الأصابع عند التسليم بأنهم شطحوا، أو تطرفوا، أو تغالوا، أو انحرفوا. فَهُمْ بشرٌ اجتهدوا، وما كتبوه قابل للتأويل... ولذلك لا يقبل الاحتجاج بأمثالهم ومن ثم نسيان غيرهم أمثال الجنيد، والقشيري، والسلمي وابن زورق، وابن عطاء اللَّه، وأبو طالب، والهروي، والسهروردي، والغزالي، والسيوطي والسنوسي، والدردير، وأمثالهم سلفاً وخلفاً...
على أننا بالمقابل نرى بعض المحدثين يشيدون بالحلاج وبابن عربي وأمثالهما، ويمتدحون بصورة خاصة عقيدة وحدة الوجود. ومن قبيل ذلك ما نجد في كتاب (المستشرقون والإسلام) الذي نقل صاحبه كلمة عن التصوف والصوفية لسفير أفغانستان الأستاذ صلاح الدين السلجوقي، نُشرت في مجلة الإسلام والتصوف بعددها الرابع عام 1960 يقول فيها: «وفي الإسلام بعد ما نرى بنص الآية القرآنية: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [النور: 35] ، وبنص الحديث النبوي: إنَّ اللَّه خَلَقَ آدمَ على صورته، نرى في أول مرة أن طفلاً ينطق في مهده عن التصوف، وله من تأملات القديسة «رابعة العدوية» النابغة التي هي فخر الإسلام وذخرٌ للتصوف، والتي ترقد محجوبة عن الناس بجوار سيدي عقبة في منطقة الإمام الليثي بالقاهرة قريبة من زميلها المعروف «ذي النون» المصري، قدَّس اللَّه سره الغزير. وبعد ذلك نرى تلك الفكرة مبوبة ومفصلة في آثار الشيخ محيي الدين بن عربي.
ولكن التصوف الذي وصل إلى ذلك الحدّ، كان التصوف الأصلي، أعني وحدة الوجود الذي يقول بأن الوجود واحد والوجود الحقيقي هو وجود اللَّه، وباقي أنواع وأصناف وأفراد الوجود (Pontheism) ظلاً ومظهراً انعكاسٌ له.
فالصوفي في «وحدة الوجود» يقول: «الكل هو» أو كما يقول «مكنزي»: «هو الكلُّ، هو اللَّه في السماوات والأرض».
هذا ما يذهب إليه الأستاذ السلجوقي، ثم يضيف إلى ذلك قوله: «ولكن بعد زوال الفاطميين، وبعد مخالفة بعض العلماء أمثال العلامة ابن تيمية، حدث تدهور في التصوف وبدأ العلماء والمتصوفة إنشاء مكاتب أقرب إلى قبول الفقهاء، وكثرت تلك المكاتب وتعددت المسالك والمشارب ودخلت فيه أشياء كثيرة، وقامت في كل بلد وحي حلقات، لكل حلقة ميزاتها».
ويتابع قائلاً: «وأما التصوف بمعنى الكلمة فعبارة عن «وحدة الوجود» الذي انقرض حاليّاً من الغرب، وتسرَّب إلى المسلمين غير العرب وبخاصة في الشرق الأوسط، وفي الهند. وأكثر العلماء والكتّاب والشعراء في تركيا وإيران وبخارى ولا سيما أفغانستان والهند اعتنقوا هذه الفكرة. وحتى أبو علي ابن سينا في آخر إشاراته، والإمام الغزالي في آخر حياته، مالاً كثيراً إلى تلك الفكرة. وفي القرن السادس للهجرة عمَّت هذه النظرية جميع الشرق الإسلامي، ونرى آلافاً أمثال مولانا «جلال الدين الرومي» والشيخ شبستري وفريد الدين العطار والجامي والسادات والحافظ والعراقي وبيدل، يعتنقون هذه الفكرة، وحتى بعض الفلاسفة (أمثال القاضي مبارك وغيره) صبغوا أفكارهم الفلسفية بهذه الصبغة.
فالقاضي مبارك يشبه الوجود المطلق بالكلي الطبيعي، ويشير إليه الخاقاني الشاعر الكبير في القرن الخامس للهجرة أي قبل القاضي مبارك بخمسة قرون، وتسربت هذه الفكرة إلى أوروبا في أغلب الظن من العرب، ولا سيما في الأندلس موطن الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي، فسبينوزا الصوفي الكبير، بل أكبر الصوفية بين فلاسفة الغرب، كان من أصل أندلسي، واعتنق تلك الفكرة بأجمل صورة وأعمق نظرة، فآثاره كانت الملهمة للشعراء أمثال «جوته، وهيتي» الألمانيَّين و«رود زورت» الانجليزي، كما كانت الملهمة لمثالية الألمان.
ويتابع أيضاً: «يقول بعض الفقهاء: إن هذه الفكرة حلولية وتناسخية، ولكن وحدة الوجود بريئة من الحلول والتناسخ اللَّذين في كل منهما تفاوتٌ وانتقال. في حال أن وحدة الوجود إشعاع وتجلٍّ وانعكاس، فالمنشأ القدسي والنوراني لا يزال يتقد ويشعشع والكائنات الحية وغير الحية تقتبس نور الحياة وحفظ التركيب على حسب استعداداتها من ذلك المركز المشع الفعال الأقدس السرمدي بوحدة في الوجود واقتران في الشؤون والتعيينات...
فالوجود الحقيقي هو مركز الإذاعة، إذاعة الحياة والشعور، في حال أن جميع الوحدات الآخذة من الكائنات لا تزال تستمد الإشعاع والإذاعة من المركز مع وحدة الروح والإشعاع ولوازمها في الآخذ والمأخوذ منه.
وبعبارة أخرى: إن الوجود الحقيقي هو كالشمس، المنبع الأصلي للنور والإشعاع، وإننا كالذبذبات الإشعاعية المنبعثة من الشمس».
ويفرّق بين وحدة الوجود وبين الوجودية بقوله: «ووحدة الوجود تختلف تماماً عن الوجودية التي تنكر الضوء وتقر بالظل، وتُحلُّ اليقين والتشخيص محل الذات، وفرقٌ آخر هو أن الصوفي «أناني» بنفسه العليا التي هي متَّحدةٌ معنويّاً مع اللَّه «ومحبة للغير» باتحاده مع الكون، ولكن الوجوديَّ بأنانيته الفردية والغرائزية بعيدٌ كل البعد عن الأصل والكون والمجتمع»...
إلى أن يقول أخيراً: «فوحدة الوجود فكرة قديمة، وحتى في اليونان توجد آثارها في ميداشي الهندية ولا سيما في Upedidh ابني شاذر وفي أفيستا، ولكن الشكل الحقيقي والطبيعي لهذه العقيدة وجد أولاً بصورة ابتدائية في اليونان، وبعناية أجمل في الاسكندرية عند ديونيوس، ولكن الإسلام عمَّدها بماء أصفى، ونفض عنها غبار المادية ووشحها بجواهر كريمة من الحب القدسي والسماوي والعطف الإلهي نحو الكون من العلم العلوي إلى السفلي»!!...
ومن هنا تضاربت الآراء حول أهم عقائد الصوفية، التي نعتبرها المحور الذي يدور حولَهُ إيمان المسلم بعقيدة التوحيد القائمة على الشهادتين: لا إله إلاَّ اللَّه محمد رسول اللَّه... فإن كان التصوُّف يدعو إلى «وحدة الوجود» أو إلى ما يسمى بالحلول والاتحاد، فهذا ليس من الإسلام في شيء، بل هو ضد الإسلام ودخيل عليه يهدف إلى هدمه من قِبَل أعدائه... وهذا ما يقرُّه الأستاذ محمد زكي إبراهيم بقوله: «أما أن التصوف يدعو إلى عقائد الحلول والاتحاد والوحدة، فليس هذا هو تصوف المسلمين، وإنما هو تصوف أجنبيٌ أعجميٌّ مدسوس، والمهتمون به نفرٌ معدود محدود انتهى أمرهم وليس لهم اليوم تابع ولا وارث... ويضيف قائلاً: وإنما يقول الصوفية بنوع من الفناء فصله الشيخ ابن تيمية في (رسائله) بشيء من الإنصاف، وأشار إليه الشيخ ابن القيم في شرحه على كتاب الهروي، وشتان ما بين هذا والقول الفاجر بالحلول، والاتحاد، والوحدة المنكرة»...
إذن فالصوفية المحدثون (العشيرة المحمديَّة في مصر مثلاً) يقولون بنوع من الفناء، الذي يعبِّر عنه المهندس زكريا هاشم زكريا في كتابه (المستشرقون والإسلام) بالفناء عن النفس الذي يتحقق في المسلم الواصل إلى اللَّه تعالى. وذلك بعد أن يقسم الصوفية السالكين إلى اللَّه تعالى إلى قسمَين: قسم سالك إلى اللَّه تعالى مهتدٍ إليه بنور طاعته، والقسم الثاني هم الواصلون إليه سبحانه وتعالى، فَهُمْ ـــــــ عنده ـــــــ قد واجههم الحق تبارك اسمه وجل شأنه بأنواره بعد أن سلكوا السبيل إليه فجذبتهم أنوار مشاهدته إلى عين التوحيد ففنوا عن أنفسهم وكانوا للَّه لا لشيء دونه!!...
وهنا قولٌ يجعلنا نتوقف متسائلين: إذا كنا ننفي الاعتقاد بوحدة الوجود فماذا يعني هذا الفناء كما ظهر التعبير عنه؟... وعندما يرى باحثٌ محدَث بأن السالك إلى اللَّه تجذبه «أنوار مشاهدته إلى عين التوحيد» حتى يفنى عن نفسه، فهل هذا يختلف كثيراً عن معنى «وحدة الوجود»؟!.
ثم يتبلور هذا الاتجاه المحدث عندما يجري الحديث عن المحبة أي «محبة الحق لعبده التي يرجع معناها إلى مسارعة الحق تبارك وتعالى إلى كشف الحجاب الحائل بينه وبين عبده لينعم المحب بمشاهدته وقربه» كما يعبِّر عن ذلك المهندس زكريا، ثم يتساءل متحيّراً بين أن يستقر على عدم الرؤية، أو على المشاهدة الكاملة، فيقول: «ولكن هل يشهده المحب أو يراه بنفسه؟ وأنّى للحادث أن يرى القديم؟ هذا محال ـــــــ إذن ـــــــ فلا بدّ أن يراه به حال تحققه بمقام»... وهنا يستشهد (للتدليل على فناء العبد في إرادة سيده) بما رواه البخاري من حديث قدسي: «وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيء أحب إليَّ من أداء ما افترضته عليه، وما زال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، ومتى أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها»...
ويعقّب على ذلك بعد أن يستند إلى الحديث القدسي بقوله: «نعم يشهد الحق بالحق في حال فنائه عن نفسه بربه إذ لا يشهد اللَّه إلا اللَّه، وقد عبّر عن ذلك أحد العارفين بقوله:
إذا رأيـــــــــت حبيبي بأي عين أراه بعينه لا بعيني، فلا يراه سواه
وقال آخر:
يا شاهد الذات منك الذات باديةٌ منها لها، فلأنت الجزءُ والكلُّ«
ويضيف المهندس الأستاذ زكريا قائلاً: «ومتى تم ذلك للعبد تبَّن له أن ما كان مضافاً إليه من قبل من سمع وبصر وقوة وإدراك في حال حجابه إنما هو اللَّه من حيث تنزُّله وظهوره، وللعبد إضافة وإسناد. وكان الظهور فيه بحكم القابل منه ويخرج من حكم القيد البشري إلى حظيرة الإطلاق الصفائي للَّه فيدرك الأشياء على ما هي عليه في نفس الأمر الواقع ولا أقول: إنه يعلم كل ما يعلمه الحق أو يدرك كل ما امتد إليه بصره إذ إن ذلك محال ومتوقف على مدى استعداده وصحة فنائه في اللَّه».
ويعطي مثالاً على ذلك بقوله: «وقد تحقق بذلك بعض الصفوة من الأمة المحمدية وظهر أثره فيما كان من أمر «عمر» رضي اللَّه عنه وسارية، إذ يناديه عمر من على منبره بالمدينة ويسمعه سارية وهو بمصر. فإن لم يكن ذلك عن رؤية من عمر لم تحجبه فيها الكشافات الحسية والبعد الشاسع ين المكانين فكيف تكون إذن؟»!...
ويعطي مثالاً آخر عن صحابي جليل آخر فيقول: «وما كان من أمر عثمان رضي اللَّه عنه إذ دخل عليه رجل وكان قد نظر إلى امرأة في الطريق غير مَحْرَم فشاهد أثر المخالفة الشرعية على عينيه فقال عثمان: أيدخل علي أحدكم وأثر الزنا في عينيه؟ فيقول الرجل: أوحيٌ بعد رسول اللَّه؟ فيقول: لا، ولكنها بصيرة وبرهان وفراسة صادقة. فهو ينظر بنور اللَّه فيه ولو لم يكن ناظراً إليه بنفسه ـــــــ وإذن ـــــــ ففي الأمر قوة أخرى غير قوة البشر المحدودة التي لا ترى إلّا إلى حدّ ولا تبصر إلّا ما كشفته الكشافات»!!.
ألا ترى معي أيها القارىء الكريم أن الذي صرَّح به الأستاذ، هو الفناءُ الحقيقيُّ بذاته!... وأنه هو الحلولُ بعينه!... إذ لا فرق بالتحديد بين ما قاله به هو وما قال السلفُّيون من الصوفيين الذين أقمنا عليهم النكير...
أمَّا أن اللَّه تبارك وتعالى يكون سمع المطيع وبصره الَّلذين يسمع ويبصر بهما، ويكون يده التي يبطش بها، وأما أن المؤمن ينظر بنور اللَّه، وأما أمثال ذلك من قوله جلَّ وعلا: يا عبدي أطعنْي تكنْ مثلي تقول للشيء كنْ فيكون، أما ذلك كله فقد انحرف به الأستاذ عن تفسيره الصحيح، وأَمالَه إلى ناحية عَضْدِ رأيه والتدليل على صدق تفسيره، ولم يلتفت إلى أن ذلك العبد المطيع للَّه، الذي لا يتحرَّك ولا يتنفَّس، ولا يتكلَّم إلاَّ بما يرضَى اللَّه سبحانه وتعالى، يكون سمعهُ وبصرُه ويدُه، وجميعُ جوارحه وسائرُ ما يدور في فَلَك تفكيره، يكون عاملاً في دائرة ما أمر اللَّه تعالى به وما نهى عنه، أي أنه إذا رأى، مهما رأى، ونظر أي شيءٍ نظر، فإنما تكون أوامر اللَّه وحدها هي المسيطرة على نظره تَصرِفُه عن الآثام، وتشدُّه إلى الطاعات، وتقرِّبه ممَّا يُرضي ربَّه، وتُبعده عمَّا يُسخطه، إذ إن حواسه كلَّها تسير وفق موازين مقَّررةٍ من عند ربِّه عزَّ اسمهُ لا يخرج فيها عن مقاييس الرضا والسُّخط قيد أنملة، لأن اللَّه ـــــــ بأوامره ونواهيه ـــــــ ملأ بصره ـــــــ وملأ سمعه، وقيَّد يده، وألجَم لسانه، فصارت جوارحه كلُّها تعمل وفق منهجية عقائدية ملء قلبه وملء فكره، فتشغل كامل كيانه، وتسدُّ على هوى نفسه منافذ البروز والتحرّك، وصار اللَّه تعالى مهيمناً عليه بأوامره ونواهيه يصرف بصره عن الفسوق، ويسدُّ سمعه عن سماع الْهُجر واللهو، ويكمُّ فاه ويعقل لسانه عن قول ما لا يرضيه ويكبِّل يدَيه عن أن تضربا بغير حق، أو أن تدفعا غير باطل...
فعجباً من ضربه مثلاً بقول عمر(رض) لسارية وكأنه رأى عبر الأبعاد وما وراء المسافات الشاسعة وخلف الآفاق والتلال والوهاد، ونسي الحدس والفراسة والنظر البعيد، ثم صوَّر خليفة رسول اللَّه عليه وآله الثاني (رض) يعلم الغيب الذي ما ادعاه أحدٌ من الرُّسل والأوصياء، ونسي الفراسة وصدق الإلهام، وبعد ذلك قام يفسِّر هذين الفعلين تفسيراً ساذجاً مختلفاً متبايناً، لا يقبله إلا الْبُسطاء من الذين ينظرون إلى الدين نظرهم إلى العقيدة التي تقوم على المعاجز وطواهر التخريف، في حين أن تفسير مثل هذه الظواهر ما عجز عنها العلم القديم، فضلاً عن العلم الحديث الذي فلسفَ أمثالها في عناوينه النفسية والعقلية وبحوثه العلمية التعليلية والتحليلية، حتى كاد أن يبلغ بها وبغيرها تفسير ما استعصى على الأفهام عبر الأيام...
فينبغي لنا أن لا نسهو عن شيءٍ ممَّا يخصُّ الخلفاء الراشدين امتثالاً لقوله تعالى: {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (7) فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [الحجرات: 7 ـــــــ 8[، ورسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله يقول: «اتَّقوا فراسة المؤمن» فإنه ما أشار إليه الخليفة عثمان (رض) حين قال: «ولكنها بصيرة وبرهان وفراسة صادقة»...
فهذه العقيدة بالفناء التي هي طريق الوصول إلى اللَّه تعالى، هي نفسها عند بعض قدامى الصوفية وعند بعض المحدَثين كما يثبت للباحث، ولم نجد لها تفسيراً حديثاً مميَّزاً يختلف عن الاتجاه الذي قال به المهندس زكريا هاشم زكريا في كتاب (المستشرقون والإسلام)، وهو الاتجاه الذي يؤدي إلى نوعٍ من وحدة الوجود، التي أنكرها، وينكرها المسلمون الصادقون...
ولن ننسى قضيةً هامةً في التصوف، وهي ما يتعلق بالولاية، لأنها كانت مدار بحث وتركيز عند غالبية العلماء الصوفيين، حتى أنه لم يخلُ مؤلَّف عن التصوف إلاَّ وكان للولاية والأولياء فيه نصيب كبير... ونحن لن نسترجع هنا مجمل الآراء حول هذه القضية التي يتضمن هذا الكتاب بحثاً خاصّاً بها، ولكن ما تشير إليه أن الاتجاه الصوفي الحديث ـــــــ كما يعبّر عنه الأستاذ محمد زكي إبراهيم ـــــــ يعتبر أن الأولياء هم عباد اللَّه الصالحون، وعلى رأسهم الأنبياء، ثم يأتي بعد هؤلاء الأئمة من أمة محمد (ص) ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، و«الشرط في الولي ـــــــ وفق المفهوم الذي يقول به ـــــــ الإيمان، والتقوى كما جاء في الآية {الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ} [يونس: 63] ، ثم (الصلاحية) للنيابة عن حضرة المصطفى (ص) (واللَّه يتولّى الصَّالحِينَ) فالصلاح المقصود بمعنى الصلاحية التي تستوجب كفاية معيَّنة في الجوانب الثقافية والروحية، والذاتية والتعبدية، حتى يكون العبد أهلاً للتبليغ ووراثة النبوَّة وسيادة البشرية {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} [الأنبياء: 105].
هذا مع ما يشير إليه من أن للولاية معانٍ شتى في القرآن الكريم، وفي الحديث الشريف وهي تدور حول أولياء الرحمن، وأولياء الشيطان...
وعلى هذا فإن الأستاذ محمد زكي إبراهيم يقول: «والصوفية يعتقدون بحق أن الولي في الدنيا وليٌّ بخصائصه الروحية، ومواهبه الربانية، والخصائص والمواهب من متعلقات الأرواح، ولا ارتباط لها بالأجسام البتة، فالولي حين يموت ترتفع خصائصه ومواهبه مع روحه إلى برزخه، ولروحه علاقة كاملة بقبره، بدليل ما صحَّ عن رسول اللَّه (ص) من أحاديث ردِّ الميت السلامَ على الزائر ومعرفته... وبتشريع السلام على الميت عند قبره، ومحادثته (ص) لموتى القليب يوم بدر، كما وردت في عدة أحاديث ثابتة» ومن هنا يعتقد أنه جاء تكريم السادة الصالحين من أصحاب القبور عند الصوفية، بدليل أن النبيَّ(ص) وضع حجراً على قبر عثمان بن مظعون (رض) وقال: «أتعرَّف به قبر أخي» وبدليل حديث عليٍّ عليه السلام بتسوية القبور المشرفة، مما يستدل به على جواز اتِّخاذ ما يدل على القبر وعلى فضل صاحب القبر بلا إغراق ولا مبالغة، رجاء استمرار زيارته، والدعاء له، والقدوة به، والصدقة عليه وحفظ أثره. ومن هنا يقولون: «جاز نقل الميت من مكان إلى مكان أفضل، كما صحَّ في حديث جابر وغيره»...
ثم يضيف إلى ذلك: «وهذا ما يختلف عن البدع في زيارة الأضرحة ومنكراتها، لأن كلَّ بدعة هي نوع من الشرك والمسلمون عندما قال بعضهم بالمنع من زيارة القبور فإنما كان مخافة العودة إلى الشرك، ولكن أثبت التاريخ والحقيقة أن أيّاً من الأضرحة ما عُبد من دون اللَّه، ولا صلّى مسلمٌ لوليٍّ ركعة، فتكون زيارة القبور إذن تذكيراً بالصالحين للقدوة والاعتبار»...
ومن الأمور العملية في التصوف أيضاً الاحتفال بالموالد، وما يسمى بحلقات الذكر التي يحصل فيها الرقص والطبل والزمر والغناء... فإقامة الموالد معناها إحياء ذكرى المولد النبوي الشريف بشروطه وينطبق عليها حكم مشروعية إحياء ذكريات موالد أولياء اللَّه جميعاً بشروطها المقررة أيضاً.
ويفسر الأستاذ محمد زكي إبراهيم هذا الاتجاه بقوله: «ولقد كان الملك المظفر (طغرل) ملك (اربل) بالعراق أول من احتفل بذكرى المولد النبوي بموافقة الإمام أبي شامة والعلماء، ثم أخذ الفاطميون هذا الأمر وزادوا عليه حتى صار على ما هو عليه اليوم فيه المقبول والمرفوض... والدليل الشرعي هو ما وجده العلماء من أن اللَّه تعالى كرَّم يوم الولادة، ويوم الموت والبعث مرتين، مرة بلسان القرآن، وأخرى حكاية عن لسان عيسى(ع)، ثم إن رسول اللَّه(ص) كان يصوم يوم الاثنين من كل أسبوع فلما سئل عن ذلك أجاب بأنه يوم مولده، ويوم أُنزل عليه الوحي... أي أن رسول اللَّه(ص) كان يُحيي ذكرى مولده الشريف شكراً للَّه تعالى بالصوم، وربما بما تيسَّر له من خير...
فإحياء الموالد سنَّةٌ نبويةٌ شريفة، وفيها تلاوة للقرآن، ومناسبة للوعظ والإرشاد، كما أنها تؤدي إلى قيام علاقات التعارف والتعاون على البر والتقوى، وعلى النفع والخير، فضلاً عن أن إحياء مولد رسول اللَّه (ص) إنما هو فرحٌ برحمة اللَّه الذي أرسل رسوله رحمة للعالمين، كما أنَّ ما جاء به الرسول العظيم هو النعمة العظمى فإحياء ذكرى مولده بشروطه نوع من شكر النعمة، وهو واجب قرآني صريح... وفيما عدا ذلك مما اندسَّ في هذه التجمعات من المفاسد الخلقية والدينية والاجتماعية وغيرها فالحكومة والصوفية الرسمية، والجمهور هم المسؤولون جميعاً عنها في الدنيا والآخرة. وهو شيء عم وطم، وأورث الهمّ والغمّ».
أما فيما يعود إلى حلقات الذكر وما يُستخدم فيها من الرقص، والطبل والزمر، فهي ليست من دين اللَّه أبداً، وإنما هي دخيلة عليه بل هي من الدسيس الذي تسلسل إلى التصوف فأفسده، وأساء إليه. ويستشهد رائد (العشيرة المحمدية) في مصر بما ينقل الشيخ (ابن الحاج) في (مدخل الشرع الشريف): «قلنا: وقد عاب اللَّه نحو ذلك على المشركين من قبل فقال: {وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاء وَتَصْدِيَةً} [الأنفال: 35]، لأنهم كانوا يطوفون ويتعبَّدون تصفيراً وتصفيقاً!! وهما من لوازم الطبل والزمر!! والرقص!!».
ويضيف قائلًا: «إن الرقص، والطبل، والزمر، لا شك هو لهوٌ ولعب، فإذا اتَّخذناه ديناً كان افتراءً على اللَّه، وهو تعالى يقول: {وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً} أو {لَهْواً وَلَعِباً} كما هي في آيتي (الأنعام والأعراف) واللَّه لا يأمر بترك شيء هو قربة إليه، فإذا كرر الأمر كان معنى هذا أنه شيء نغضب له غضباً مضاعفاً لما فيه من تعدٍّ عن حدوده تعالى، وعلى حدوده، يقول شاعر الصوفية:
يا عصبةً ما ضرَّ أمة أحمدٍ وسعى على إفسادها إلاَّ هي
طار، ومزمار ونغمة شــــادنٍ أتكـــــون قَطٌّ عبادةٌ بملاهي؟!
ويتابع قائلًا: ولوجه اللَّه، وللحق في ذاته ـــــــ ورغم ما أصابنا ولا يزال في سبيل التجديد والإصلاح الصوفي ـــــــ نقرر أن مشيخة الطرق الصوفية المعاصرة أصدرت عدة منشورات تنهى فيها عن هذا العبث، ولكن هناك أهواء، وخلفيَّات، ومواريث ومصالح ونوعاً من الجهلوت المستحكم والاقتدار بل الإصرار على المخالفة، كل ذلك يقف دون التنفيذ الواقعي لهذه المنشورات، حتى كأنها لم تكن، ولكن لا بدّ لهذا الليل من آخر»...
ويقول شاعر صوفي آخر ينكر هذه الأعمال على جماعته:
أقـــــــالَ اللَّه: صَــــفِّقْ لــــــي وغــــــــــــــــــــــــنِّ وقُلْ هُجرا وسَمِّ الْهُجر ذكرا؟
ليس التصوف لُبسَ الصوف تخلعه ولا بكاؤك إنْ غنَّى المغنُّونــــا
كما نضيف هنا أيضاً بأن الدول الاستعمارية العدوة للإسلام تريد من المسلمين أن يعقدوا حلقاتٍ للذكر تقوم على الرقص والتمايل، وعلى الطبل والزمر، عوضاً من أن يعقدوا حلقات للدراسة، وحلقات للبحث في أمورهم وشؤونهم، من أجل إيجاد السبل الكفيلة بوضع أسس لعمل إسلامي جادٍّ تنهض به الأمة، وتحقِّق به إعلاء كلمة اللَّه... فهل عقل المسلمون ذلك، وتركوا تلك المظاهر الباطلة لينكبوا على حلقات التدريس والتدارس، والتثقيف بمنهجية الإسلام فكراً وعملاً؟!...
ثم إن الغربيين وجميع أعداء الإسلام يريدون أن يظلَّ المسلمون منكبِّين على مثل هذه التوافه، ليصوِّروهم وهم في نشوة حلقات الذكر، ولينقلوا صورهم إلى شعوبهم كي يُظْهروا على شاشة التلفزيون سخف المسلمين، ومدى تخلفهم التي تشمئز منها النفوس وتنفر منها الطبائع إذ يظنُّون أنَّ هذا هو الإسلام، وأنَّ هذه هي أجلى مظاهره وأعلى مراتب طقوسه التعبُّدية، إلى جانب أنهم ينسون ـــــــ بذلك ـــــــ شعوبهم أن الإسلام دين ونظام حياةٍ وطريق معاش ومعاد، ثم يُضلُّون الشعوب المسلمة عن حقيقة الدين بتشجيع أمثال هذا اللهو الباطل الذي يسيء إلى الدين والمتدينين... فهل آن لنا أن نستوعب ركضهم وراء حلقاتنا ليصوِّروها تصوير من يحبِّذها ويشجعها كسياسة إلهاءٍ عن روح الإسلام وما جاء به لصلاح الإنسان والنظام؟؟.
بقي أن نشير إلى التدرج في التصوف، كما لا يزال قائماً ومعروفاً عند الصوفية، فهم يعتبرون كما يورد ذلك صاحب كتاب (المستشرقون والإسلام):
1 ـــــــ «إن اللَّه تعالى إذا أنار بصيرة العبد، شوَّقه إلى الدخول في طريق الصوفية، وهذه هي الدرجة الأولى من درجات التصوف، ويسمى العبد فيها «مريداً».
2 ـــــــ «وإذا اندمج العبد سامعاً مطيعاً وترسَّم خطى الطريق سُمِّي في هذه الحالة «سالكاً».
3 ـــــــ «وإذا جدَّ العبد واشتغل بالعبادة، وراض نفسه، وأقبل على اللَّه تعالى إقبالاً شديداً سمِّي في هذه المرحلة «عاشقاً»...
4 ـــــــ «وإذا وضع العبد هواه تحت قدميه، وطرد من باطنه كافة الأماني والرغبات الدنيوية سمِّي في هذه الحالة «زاهداً».
5 ـــــــ فإذا صفت نفس العبد ورق شعوره، وحصلت له أذواق وجدانية يفهم منها ما لا يصل إليه العقل من الأسرار، وصل في هذه الدرجة إلى مقام «المعرفة».
6 ـــــــ وإذا استمر على هذه الحالة وواظب عليها تواردت على قلبه النفحات، فتزداد معرفته بصفات الذات العليَّة فيصل في هذه الحالة إلى مقام «الحقيقة».
7 ـــــــ «وإذا استمر وواظب على الحالة السابقة وصل إلى مقام «الغناء»، ومعناه فناء العبد عن نفسه في اللَّه تعالى فتمحى كل الموجودات أمامه فلا يرى إلاَّ اللَّه»...
8 ـــــــ «وبعد هذه الدرجة يصل العبد إلى مقام «اللقاء» ويسمونه مقام «الوصول»... ثم يتابع قائلاً: «فهذه هي درجات التصوف، كما تشير إليه تعبيرات القوم رضي اللَّه عنهم ورضوا عنه. وأنت ترى أنها مبنيَّة على سلوك العبد واجتهاده في تخليص نفسه من ذل الخضوع للأهواء وإلحاقها بالمقام الأسنى والعز الأسمى»!...
هذه هي بنظرنا الموضوعات التي حاولنا إبراز رأي المحدثين من أهل التصوف فيها؛ وقد ظهر جلّياً أن نظرتهم تتوافق مع كتاب اللَّه وسنَّة رسوله في غالبية المواضيع... وهذه إيجابيات هامة جدّاً، لأنَّ التصوّف ـــــــ منذ وجد ـــــــ ما كان فيه إيجابية إلاَّ ومردُّ الإيجابية فيه إلى الإسلام، لأنَّه توخَّى في الأصل خدمة الإسلام وأهله؛ وها هي اليوم آراء روَّادهم، ومشايخ طرقهم، تدلُّ بما لا يقبل الجدل على مدى تعلقهم بمفاهيم الإسلام وحرصهم على هذه المفاهيم بعيدةً عن الشوائب والمغالطات، ولا سيما عن فلسفات بعض الصوفيين القدامى التي تقول بالحلول والاتحاد والوحدة وما إلى ذلك...
من هنا نخلص إلى أن التصوف على يد هؤلاء المجددين هو تصوف أقرب إلى الكتاب والسنَّة لأنه لم يعد ذلك التصوُّف الذي يقوم على الجوع وقهر النفس والحرمان، ولا على التواكل والتخاذل والانصراف فقط إلى العبادة المضنية وترك الأهل والديار، والتنقل في البراري والقفار، ومعاشرة الوحوش والهوام، وكل ما كانوا يطلقون عليه في القديم اسم المجاهدات والرياضات النفسية التي تتوخى عذاب النفس والجسد في آن معاً... كما أنَّ التصوف بات خالياً من «الشطحات» المهولة التي أدت بأصحابها إلى الكفر فعلاً، لأنَّ من يقول عن نفسه بأنَّه هو اللَّه هو كافر بلا ريب!...
هذا وإن معظم أهل التصوف المدركين يرفضون الأساليب الشاذة مثل الرقص، والطبل، والزمر، بل يعتبرون أنَّ هنالك مفاسد ترافق بعض الاحتفالات التي تقام بمناسبة أو بأخرى من المناسبات الدينية؛ وهم ينظرون إلى زيارة الأضرحة بقبول شرط أن تكون الزيارة ضمن الحدود الشرعية وفقاً لما أُثر عن رسول اللَّه(ص) بعيداً عن كل ما جاء عند غلاة الصوفية وأتباعهم...
على أن هذه النظرة الجديدة ما تزال غير متوافقة مع الإسلام في بعض الأمور. فمثلاً مفهوم الفناء المطلق الذي يتدرج فيه العبد للوصول إلى اللَّه تعالى، والفناء في ذات اللَّه. فإن هذا المفهوم للفناء ليس من الإسلام في شيء، والإسلام لا يرضاه لأصحابه أو القائلين به، ونحن نطالب كل مدرك ومنصف الرجوع عنه حتى يبقى للتصوُّف وجهه المتجدِّد، فيكون إحدى السبل الإسلامية الهادفة إلى خير المسلمين جميعاً...
فيا أيها المسلمون:
ألستُم خيرَ أمةٍ أخرجت للناس، بشهادةٍ من رب العالمين نطق بها كتابُهُ المبين؟ أفاستحققتم هذا الشرف الرفيع، وتبوّأتم هذه المكانة العالية، لو لم يسبق في علم اللَّه تعالى أنكم مؤهلون لحمل الإسلام، والدعوة إليه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من خلال قرآنكم المجيد، وعلى هدى رسولكم الكريم؟.
فما بالكم طويتم تراثكم التليد، وتداعيتم على الدنيا وزخرفها، وتماديتم في الإخلاد إلى الدَّعة وحبِّ العيش، حتى ضعفتم وشمت بكم عدّوكم، وأسلمتم بالتالي أقدس الواجبات وأحقها إلى عالم النسيان والإهمال؟.
ها أنتم اليوم وقد غدت مصائركم عرضة للأخطار، تتقاذفها الأنواء من كل جانب... فإلامَ ذلك، وإلى متى تبقون على هذه الحالة؟.
ألم يأنِ أن تهبّوا من رقاد الغفلة، وتنفضوا عن بصائركم غشاوة الوهم حتى تعود أنوار الإيمان لألاءَة في قلوبكم، وتشرق شموس الصفاء في سمائكم؟.
أيها المسلمون:
أنتم اليوم بالنسبة لبقية الأمم ما زلتم خير أمةٍ بوأها اللَّه تعالى تلك المكانة السامية، ومنحها ذلك الوسام الرفيع بما تعرفون من كتاب اللَّه وسنَّة رسوله، فما بالُكم تغيرَّت بكم الحال فصرتم لا تأبهون إلا للدنيا وزينتها والاهتمام بمتاعها الزائل، وتقاعستم عن واجبكم المقدس من حمل رسالة دينكم القويم كما حملها أسلافكم الأبرار إلى أقاصي الديار ومختلف الأمصار.
فمتى تصحون من كبوتكم، وتنظرون إلى ما صرتم إليه وكيف غدوتم من الأمم الضعيفة المستضعفة، المهزومة فكريّاً ونفسيّاً، الراضية بأوضاع لا يقبلها دينُكم القويم أبداً؟!... أيجوز لكم أن تصلوا إلى هذه الحال وبين ظهرانيكم كتاب اللَّه، قرآنٌ كريم مبينٌ، يفصِّل الآيات لقوم يعقلون؟.
عودوا إلى كتاب ربِّكم، وتمسكوا به وتدبَّروه، فهو خير هادٍ، وخير مرشدٍ وناصح... وسيروا على خطى نبيِّكم، واقتدوا به، وخذوا عنه غير متجاوزين ولا عادين، وكونوا دائماً قوَّامين بالقسط ولو على أنفسكم، ولا تنازَعوا أمركم بينكم فتفشلوا وتذهب ريحكم، ولا تتَّبعوا السُّبل فتتفرَّق بكم عن سبيله...
أيها المسلمون:
إن الدعوة إلى دين اللَّه واجبٌ ملقى على عاتق الفرد المسلم، والجماعة المسلمة، فحتى نكون دعاة مخلصين، وقادرين على تلبية أوامر اللَّه تعالى علينا أن نثقِّف أنفسنا، وأن نعرف إسلامنا، وأن ندرك ما فيه من قيمٍ ومثل عليا، وما فيه من منهج للحياة يؤدي إلى أفضل العيش، فليعمل كلٌّ منَّا على أن يدرك الإسلام إدراكاً تاماً، ثم يلقِّنه غيرهَ صحيحاً صافياً سليماً، حتى يعمّ هذا الدين أرجاء المعمورة فترتاح مما تتخبَّط فيه من المشاكل والاضطرابات...
إن دعوة المسلم الهادفة هي لإعلاء كلمة اللَّه، ولا تتوخَّى في نهاية المطاف إلاَّ رضوانه سبحانه وتعالى، لأن نيل رضاه عزَّ وجلَّ هو الغاية الكبرى بل غاية الغايات، والمثل الأعلى، ومنتهى الأمل والرجاء.
ولقد ركَّزنا بحثنا في هذا الكتاب على أن الأمل والرجاء هو في تصحيح المفاهيم الإسلامية تصحيحاً يتوافق مع حقيقة عقيدتنا التوحيدية، التي إن شاء الإنسان أو أبى تبقى العقيدة الحقة، لأنها هي وحدها العقيدة التي جاءت من عند اللَّه تعالى...
ونحمد اللَّه سبحانه وتعالى أن هدى فريقاً كبيراً من أبناء هذه الأمة إلى الحق في هذا الزمن الذي استعجم فيه عن الحق كل شيء، ورضي لهم أن يعتصموا بعروته الوثقى وأن يستظهروا على الناس بحكمه سبحانه، وهم يستهلون دعوتهم مجتمعين على ما هداهم اللَّه إليه واضعين باسم اللَّه في أرضه الواسعة الرحبة، بعد قرون من الظلام والضلال، أولَ نواة صالحة يتجدد بها غرس المفاهيم الإسلامية الخالدة، وتزدهر لها ثمرة الدعوة الإسلامية الجديدة الرشيدة بإذن اللَّه الوهاب الكريم.

واللَّه ولي التوفيق

ciloxan notice ciloxan tropfen ciloxan alkohol



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB