الصوفية في نظر الاسلام
الطبعة : الطبعة الرابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   600
تاريخ النشر :   1993




ابن سبعين

مَن هوَ ابنُ سبعين؟
ومَا هي طريقَته؟
وَلمَاذا اشتهر بهذا الاسم؟


ابن سبعين
612 ـــــــ 669 هجرية
1215 ـــــــ 1270 ميلادية
مَن هو ابن سبعين، ولماذا اشتهر بهذا الاسم؟.
هو عبد الحق بن إبراهيم بن محمد بن نصر بن محمد. كان يكنى «أبا محمد»، ويلقب «قطب الدين» أحد الألقاب المشرقية. اشتهر بـــــــ «ابن سبعين» كما عرف بـــــــ «ابن دارة». والدارة تعني الحلقة أو هالة القمر. وهي تنطوي أيضاً على معنى الفروسية كما وَرَدَ في (القاموس المحيط): أن «ابن دارة» يعني أحد الفرسان... وربما تكون تسمية ابن سبعين بابن دارة هذه لما كان له من صفات الفروسية ـــــــ كما يقول المحققون ـــــــ.
وابن سبعين نفسه كان إذا كتب اسمه يكتب (عبد الحق) ويضع أمامه دائرة هكذا: (عبد الحق 5) ولا تعني هذه الدائرةُ الصغيرةُ الدارة (التي هي الحلقة) وحسب بل تعني أيضاً الرقم (70) والذي كان يعبَّر عنه في الكتابة العربية القديمة ـــــــ كما يقول بعض الباحثين، بحرف الـــــــ(ع) أو برمز دائرة (5)...
ولعلَّ معرفة ابن سبعين بعلم الحروف أو السيمياء، والنزعة منه في ابتكار الأحاجي والألغاز هي التي أوحت إليه بتسمية نفسه «ابن سبعين» لأن أول حرف من أحرف اسمه يبدأ بالعين، والعين في حساب الْجُمَلْ (أي حساب الحروف) (الأبجدية) تساوي (70) ولذا أطلق على نفسه لقب ابن سبعين...
وأياً كانت الوسيلة، أو المصدر الذي استقى ابن سبعين منه اسمهُ، فإننا نجد أنه عاش في (مرسية) من أعمال الأندلس، في بيتٍ كريمٍ، تحفُّ به مظاهر الجاه والنعمة، وتبرز منه صفات الكرم والمروءة... فعاش في هذا الجو العائلي المشبع بالخصال الطيّبة، ونشأ عزيزَ النفس، قليلَ التصنُّع، بادي الإيثار والجود، ممَّا انعكس إيجابيّاً على ذهنيته فلمع بذكائه ونباهته، واندفع يعبُّ من معين الفلسفة حتى اشتهر بعلمه الواسع لفلسفة الإغريقيين، كما تدلُ على ذلك أجوبتُه ـــــــ عندما كان في (سبته) على الرسالة المعروفة بـــــــ (الأجوبة على المسائل الصقلِّية).
ثم ترك بلاد الأندلس مرتحلاً إلى المغرب العربي، فأقام في العدوة، وسكنَ (بجاية) ثم انتقل إلى تونس حيث طالت إقامته، وفيها ظهرت نزعته الصوفية بشكل بارز، كما انتشرت عقيدته بـــــــ «الوحدة المطلقة» التي أثارت عليه حفيظة فقهاء المغرب وتونس وخاصة منهم السكوني، مما جعله لا يطيق البقاء في تلك الديار، فارتحل إلى المشرق.
وتشير بعض المصادر إلى أنه ذهب إلى مصر، فلمّا عرف فقهاء تونس بوجوده في تلك البلاد أرسلوا وراءه رسولاً يحذِّر أهاليها منه، بدعوى أنه رجلٌ ملحدٌ، يقول بوحدة الخالق والمخلوق، ولا يتورَّع عن الإعلان بقوله: «أنا هو، وهو أنا»، على طريقة البسطامي؛ فكان ذلك سبباً في نقمة فقهاء مصر عليه وخصومتهم له، وقد تزعَّم هذه الخصومة وقادها الشيخ قطب الدين القسطلاني (المتوفى سنة 686 هجرية) إذ هاجَمَهُ هجوماً عنيفاً وضيّق الخناق عليه، حتى اضطر لأن يترك مصر ويذهب إلى مكة المكرمة...
ولا تشير المصادرُ إلى الأوضاع التي كان يتقلَّب فيها ابن سبعين.. إلاَّ أن ابن كثير ـــــــ وهو من خصومه ـــــــ يذكُرُ بأنَّ الرجل استطاع بعد إقامته في مكة أن يستحوذ على عقل الوالي أبي نُمى، وأنه كان يجاور أحياناً في غار حراء وهو يرتجي أن يؤتيَهُ وحيٌ كما أتى النبيَّ(ص) وذلك لما كان يحمله من العقيدة الفاسدة وهي أن النبوّة مكتسبة، وأنها فيض يفيض على العقل إذا صفا، فما حصل له إلاَّ الخزيُ في الدنيا والآخرة... ويَنسب ابن كثير له أنه «كان إذا رأى الطائفين حول البيت ـــــــ يقول عنهم: كأنهم الحميرُ حولَ البداء... وأنهم لو طافوا به هو (أي بابن سبعين) لكان أفضل لهم من الطواف بالبيت»!!... هذا ويذكر بعض خصومه أنه كان يخاف الذهابَ إلى المدينة المنوَّرة لعداوته مع أميرها مما جعلَ «الحملَ يعظم عليه وتقبح الأحدوثة عنه»...
هذه هي الصورة التي يعطيها خصومُه له أثناء إقامته في مكة؛ وهي تظهره رجلاً يدَّعي النبوَّة، ويستهزىء بالحجّ ومناسكه، أو كما يقول بعضهم: «جباناً، رعديداً، مطروداً من رحمة اللَّه ورسوله، ممُخرِقاً مموّهاً».
ولكن، بالمقابل، نجد أن أصحابه يعطوننا صورة مغايرة له. فهم يعتبرون تلك الروايات عنه من قبيل تشنيع خصومه عليه بسبب ما كانوا يكنُّون له من حقدٍ نظراً لما يتميَّز به عنهم من علم واسعٍ، وجاه وحظوةٍ عند الكثيرين... وأما قصدهم (ويقصدون أعداءه) من وراء ما روَّجوه عنه في عدم ذهابه إلى المدينة لئلاّ يلقى الذمَّ، ويمُنع من الاقتراب من المسجد النبوي الشريف، وما نسبوه إليه من خوارق السيمياء، فهذه كلها عارية عن الصحة ولا تهدف إلاَّ للحط من شأنه؛ ثم هم يدافعون عنه فيرَون أن عدم زيارته للمدينة ـــــــ أو زيارته لها مستخفياً كما يقول أنصارُهُ في مكة ـــــــ إنما كان لأسبابٍ سياسية، مفادُها أنَّه ربما كان ثمَّةَ خلاف بين حاكم المدينة وحاكم مكة، ولما كان ابنُ سبعين يحظى باهتمام الأخير فقد آثَرَ عدم زيارة المدينة إرضاءً له... بل هم يذهبون إلى القول بأنَّ ثمةَ خلافاً يمكن أن يكون بين ابن سبعين ذاته وحاكم المدينة الأمرُ الذي حال بينه وبين الذهاب إليها أو الإقامة فيها لفترةٍ من الزمن!... فالمهم في الأمر أنَّه كان أثناء إقامته في مكة على علاقة طيبة بحاكمها أبي نُمى، وقد أنشأ علاقة مماثلة مع ملك اليمن، المظفر شمس الدين يونس الأول الذي كان يعتقد بصحة آرائه على خلاف وزيره الأول الذي كان يكنُّ له كل حقدٍ وكراهية...
ويشير ابن تيمية في معرض هجومه على ابن سبعين ـــــــ إلى المكانة التي كانت له عند أمير مكة، فيقول: «فإن قول الاتحادية، ومنهم ابن سبعين، تجمع كلَّ شرْكٍ في العالم، وهم لا يوحِّدون اللَّه سبحانه وتعالى، بل يوحِّدون القدَر المشترك بينه وبين المخلوقات؛ لذلك فإنه سعى (ابن سبعين) سعياً حثيثاً لدى حاكم مكة أبي نُمى لكي يعترف بسلطة السلطان محمد المستنصر باللَّه ابن السلطان أبي زكريَّا بن عبد الوليد من بني حفص؛ إذ تولَّى ابن سبعين إنشاء البيعة التي بايع بها حاكمُ مكة وأهلُها هذا السلطانَ المغربي، وربما كان ابن سبعين يمهّد بذلك لنيل رضاه».
ويبدو أن الفقهاءَ في مكة قد ثارت ثائرتهم عليه في السنتين الأخيرتين من عمره، إذ بدأوا هجوماً عنيفاً عليه في السنة 667 هجرية ـــــــ كما يقول الفاسيُّ. فلما شعر بالضيق الشديد فكَّر في ترك مكة والهجرة إلى بلاد الهند، ولكن المنية وافته، سنة 669 هجرية وله من العمر حوالي ثمان وخمسين سنة.
هذا ما يمكن استخلاصه عن حياة ابن سبعين، كما ذكر خصومه وأصحابه باختصار... ومنه يتبيَّن أن الرجل عاش في بلاده الأندلس، ثم خرج إلى بلاد المغرب العربي، ومنها ارتحل إلى بلاد المشرق، ولكنَّ النقمة كانت تلاحقه من الفقهاء؛ بسبب معتقداته الصوفية، حتى استقرَّ به المقام عند حاكم مكة في الحجاز، ولم يمتدَّ به العمر طويلاً، إذ مات ولمّا يبلغ الستين من عمره؛ ورغم ذلك فقد ترك مؤلفات كثيرة، تظهر منها آراؤه الصوفية التي اعتنقها ونادى بها، والتي كانت سبيلاً لانتقاده واتهامه بالكفر والإلحاد من قبل البعض، أو سبيلاً للإعجاب به من قبل البعض الآخر، مِمَّنْ ساروا على طريق التصوّف واعتنقوه مذهباً وديناً!!...
= تحلُّل ابن سبعين من الشريعة =
أول ما نُسب إلى ابن سبعين تحلُّله من الشريعة، وقولُه بسقوطِ التكاليف الشرعية عن كلِّ من بلغَ درجةَ العلماء، يَعني علماء الصوفية... وهذا ما ذهبَ إليه الفاسيُّ عندما يذكُر بأنه سَمِع من قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة وكان قد حضر مجلساً لابن سبعين، قولَهُ: «ولا شك أنَّ الذي ظهر به ابنُ سبعين هو مسروق من عقيدة ابن المرأة وابن أَحلى وأتباعه، إذ كانوا كلهم بمرسية»... ويشرح الفاسي، ما ذهب إليه القاضي بدر الدين حول ذينك الرجلَين اللَّذين أخذ عنهما ابن سبعين اعتقاده بسقوط التكاليف الشرعية، فيقول: «ولنذكر شيئاً عن انحلال هذَين الرجلَين لنفهم منه انحلالهما، وانحلالَ ابن سبعين من الشريعة: فأما ابنُ أحلى فهو ـــــــ على ما وجدت بخط أبي حيَّان نقلاً عن الأستاذ أبي جعفر بن الزبير ـــــــ أبو عبداللَّه محمد بن علي بن أحلى اللوزقي؛ كان لزمَ بمرسية ابنَ المرأة ـــــــ وهو أبو اسحاق بن يوسف بن محمد بن دهاق الأوسي المالقي، شارح الإرشاد لإمام الحرمين ـــــــ ونقل عنه مذهبَ ابتداعٍ لم يُسبَق إليه... فمن ذلك قولهم: بتحليل الخمر؛ وتحليل نكاح أكثر من أربعة؛ وأن المكلف إذا بلغ درجة العلماء عندهم سقطتْ عنه التكاليفُ الشرعيةُ من الصلاةِ والصيام وما إلى ذلك؛ وقد استبان بهذا الشيء من حال ابن أحلى وابن المرأة، لأن ابن سبعين أخذ عنه»...
على أنَّ هذا الذي نُسب إليه فيما أخذ عن أستاذه ابن دهاق، يخالفه ما جاء في رسالة بعثَ بها ابنُ سبعين إلى تلاميذِهِ، وفيها نجدُ أنه يحثُّهم على التمسّك بالشريعة، وتقديمها على الحقيقة، مع الوقوف على حدود الحلال والحرام، إذ يقول: «حفظكم اللَّه، حافظوا على الصلوات، وجاهدوا النفسَ في اجتناب الشهوات، وكونوا أوَّابين توَّابين؛ واستعينوا على الخيرات بمكارم الأخلاق؛ واعملوا على نيل الدرجات العليّة، ولا تغفلوا عن الأعمال السنية؛ وخلصوا مخصص الأعمال الإلهية ومهملها؛ وذوقوا مفصّلَ اللذاتِ الروحانية ومجملَها، ولازموا المودة في اللَّه بينكم؛ وعليكم بالاستقامة على الطريق، وقدِّموا فرض الشريعة على الحقيقة ولا تفرِّقوا بينهما لأنهما من الأسماء المترادفة. واكفروا بالحقيقة في زمانكم هذا، وقولوا عليها وعلى أهلها: لعنة اللَّه، لأنها حقيقةً كما سُمي اللديغ سليماً، وأهلها مهملون حدّ الحلال والحرام، مستخفُّون بشهر الصوم والحج وعاشوراء والإحرام، قاتَلَهُمُ اللَّه أنَّى يؤفكون»...
ويبدو واضحاً ممَّا ورد في هذه الرسالة أنه يتناقض تماماً مع ما نُسب إليه في تحلُّله من الشريعة...
فأين هي الحقيقة إذن؟.
وهل إنَّه كان من القائلين بسقوط التكاليف الشرعية ومتحلِّلاً بالتالي من أحكام الشريعة؟.
للإجابة على هذا السؤال، يقتضي الوقوف على الجهة التي تأثَّر بها في اعتناقه التصوّف، وهذه الجهة تبرز فيما ظهر في الأندلس من اتجاهات صوفية قبله، وهي الاتجاهات التي اعتبرت امتداداً لما قالت به مدرسة ابن مسرَّة (269 ـــــــ 381 هجرية) الصوفي الأندلسي الذي أثرت تعاليمه في جميع الصوفية في الأندلس فراحوا يمزجون بين التصوّف والفلسفة، كما بدا واضحاً في اتجاه المدرسة الشوذيَّة التي قالت بهذا المزج وبالوحدة، والتي يعتبر ابنُ سبعين أحدَ تلاميذِها ومن أشدّ المتأثرين بتعاليم ابن مسرَّة...
وعلى هذا، فإنَّه لو صحَّ ما كتبه في تلك الرسالة التي وجهها إلى تلاميذه، فإمَّا أن يكون قد كتبه قبل اعتناقِهِ التصوّفَ مذهباً وعقيدة، أي قبل ظهوره في تونس، وإمَّا أن يكون قد أرادَ الظهور بمظهر التمسك بالشريعة وأصولها بينما هو في الحقيقة يُبطنُ خلاف ذلك نظراً لخوفه من خصومه، والفقهاء منهم خاصة الذين كانوا يحاربون الصوفية إجمالاً ويُشنّعون تفصيلاً على معتقداتهم...
وحيالَ ذلك قد نجد الدليلَ على معتقد ابن سبعين في موقفِهِ من الغزالي ومصنّفاته... فالغزالي كان قد عرف في الأندلس أيام عصر المرابطين (أواخر القرن الخامس وأوائل القرن السادس للهجرة) ولكنَّ موقف الفقهاء منه حالَ دون انتشار تعاليمه الصوفية في تلك البلاد، بل أدَّى إلى إحراق كتبه في قرطبة... وقد ظلَّ هذا الاتجاه ضدَّ الغزالي قائماً في إسبانيا حتى انتهى عصر المرابطين وجاء المهدي مؤسس دولة الموحِّدين، الذي عُرِف عنه بأنه من أنصار الغزالي ومؤيدي آرائه...
فابن سبعين، بعد اطّلاعه على مصنفات الغزالي، انتقَدهُ في البداية نقداً عنيفاً. ولكنْ بتسلم المهدي مقاليد السلطة، انتقل من موقفه الهجومي على الغزالي إلى موقف الدفاع عنه، وعن كتبه، ونَدْبِ الناس إلى قراءتها حتى «صارت قراءتُها شرعاً وديناً بعد أن كانت كفراً وزندقة» على حدّ تعبير ابن طلموس في (المدخل إلى صناعة المنطق)... وهذا دليلٌ للتأمُّل كيف أنَّ أهواءَ الناس تنتقل وفقاً لأهواء الحكام، كما انتقَلَ أهلُ الأندلس من مندِّدين بالغزالي وناقمين عليه إلى مناصرين له ومحبِّين... وكان ابن سبعين من أشَدِّ المبدِّلين، لا لشيء إلاَّ لإرضاء الحاكم على ما يبدو؛ فأين العلمُ وأين صاحب العلم؟!.
يُضاف إلى هذا الموقف المتبدِّل الغريب عند ابن سبعين، ما تحصّلَ له من معرفة بالمذاهب والديانات غير الإسلامية التي تدعو للتصوف، أو تقرُّهُ بشكل أو بآخر... فقد كان، كما يتبيَّن من الرسائل التي كتب، على معرفة بالنصرانية وأخبار رهبانها وعلى اطّلاع تام على الإنجيل، وإلمام بتجميع تفاصيله، وعلى علمٍ بما ينبغي أن يكون عليه البابا بوصفه رأس الكنيسة الكاثوليكية في العالم... كما كانت لديه إحاطة بمذاهب اليهود وأخبار أنبيائهم وكتبهم؛ وبمذاهب الهنود القدامى كالبراهمة وأهل التناسخ والهرامسة، وبالمجوسية وما عندها من أذكار وعبادات متنوعة، فضلاً عن معرفته بالفلسفة وخاصة فلسفة أفلاطون... هذا إلى جانب ما قال في ارتباط الذِّكر بالسحر، كما تشير إلى ذلك (الرسالة النورية)...
من ذلك كله يتبيَّن أن ابن سبعين كان صوفيّاً عن قناعة، وأنَّ ما ادَّعاه من حضٍّ على الشريعة وتظاهر بالتمسك بالكتاب والسنّة، لم يكن إلاَّ إخفاءً لنزعته الصوفية، ولذلك فنحن نميل إلى الرأي القائل بأنه من دعاة سقوطِ التكاليف الشرعية عن العالم الصوفي حين يبلغ درجةً معينةً في علوم التصوُّف، التي تعتبر في حقيقتها علوماً مخالفةً للعقيدة: أصلاً وفرعاً...


= أهم آراء ابن سعبين =
لعلَّ أبرز ما تميّز به ابن سبعين من آراء صوفية قوله بالوحدة المطلقة التي هي عنده موضوع علمٍ خاصٍّ يسميه بعلم التحقيق، وعنه نشأت نظريته في المحقق أي الفرد الإنساني الكامل المتحقق بالوحدة المطلقة.
1 ـــــــ مذهب ابن سبعين في الوحدة المطلقة
لقد ألَّف ابن سبعين (رسالة الإحاطة) التي ضمنها مذهبَهُ في الوحدة المطلقة حتى كانت عنده: «الغاية القصوى فيما قرره من هذا المذهب» كما يقول الفاسي...
وهو يبدأ رسالته هذه بقوله: «بسم اللَّه الرحمن الرحيم، وصلّى اللَّه على سيدنا محمد وعلى آله وسلم. كلامُ مشيرٍ بوجهِ ما يشبُه كلامَ البشر، وإشارةُ ناصحٍ من كل الوجود يعقلُ قدر الأثر، قلت: إن كان تحصيلُ الكمال الإنساني، والمقصدُ الأقصى، والشيءُ الذي هو من قبيل الشيء الذي يُنال بعد نيل الشيء الذي يشترط فيه سرّ المسجد الأقصى، ويخطف بعد عجز النهي، ويقطف من شجرةِ {وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى}، لا من شجرة طوبى وسدرة المنتهى...» إلخ.
هكذا يبدأ ابن سبعين رسالة الإحاطة بكلامٍ قد لا يعرف مقصد معانيه إلاَّ صاحبُهُ، حتى يصل إلى تقرير مذهبه في الوحدة المطلقة، فيقول: «رب مالك وعبد هالك، ووهمٍ حالك، وحق سالك، وأنتم ذلك! اختلط في الإحاطة الزوج مع الفرد، واتحد فيه النحو مع الورد.. وبالجملة السبت هو يوم الأحد، والموحد هو عين الأحد، ويوم الفرض هو يوم العرض، والذاهب من الزمان هو الحاضر، والأول في العيان هو الآخر، والباطن في الجنان هو الظاهر، والمؤمن في الجنان هو الكافر، والغبي هو الولي، والفقير هو الغني، وهذه وحدات حكمية لا أحداث وهمية»...
ثم يؤيد هذا المذهب في بعض شعره، فيقول:
من كان يبصر شأن اللَّه في الصورِ فإنه شاخص في أنقص الصـــــــــــورِ
بـــــــــل شأنه كونُه، بـــــــــــل كونه كنهـــــــه فإنه جمـــــــــلة مـــــن بعضها وطَــــــــري
إيـــــــــــهِ فابصـــــــــــــــرَني، إيــــــــــــهِ فأبصــــره فلا تقلْ لي: إنَّ النفع في الضررِ؟
والفكرة التي يدور حولها مذهبه في الوحدة المطلقة، هي أن الوجود واحد وهو وجود اللَّه فقط، أما سائر الموجودات الأخرى، فوجودها عين وجود الواحد، فهي زائدة عليه بوجه من الوجوه، والوجود بذلك ـــــــ في حقيقته ـــــــ قضية واحدة ثابتة...
وهذه الوحدة المطلقة، أو الوحدة الخالصة أو الإحاطة «تكاد تعرى عن الوحدة لإفراد أفرادها ولكونها أنكرت كل النِّسب والإضافات والأسماء» على حدّ تعبير ابن سبعين نفسه؛ فهي بذلك وحدة منزهة عن كل المفهومات الإنسانية التي يمكن أن تُخلع عليها...
ويفرِّق ابن سبعين في الوجود بين ما يسميه «الهوية» وهي الكل، وبين ما يسميه «الماهية» وهي الجزء؛ والهوية عنده هي الرُّبوبية، والماهية هي الْعُبودية... وفي الحق لا هوية بدون ماهية، ولا ماهية بدون هوية، فهما يتحدان اتحاد الكل بالجزء، والفرع بالأصل، ولا تفرقة بينهما على التحقيق، بل هنالك وحدة مطلقة، والكثرة من وهم الجهال والعوام... وفي هذا يقول ابن سبعين: «والوجود إمَّا واجب الوجود وهو الكل والهوية، وإما ممكن الوجود وهو الجزء والماهية. فالرُّبوبية هي الهوية التي هي الكل، والعبودية هي الماهية التي هي الجزء... فما من حقيقة منسوبة إلى الهوية بالأصالة إلاَّ واسمها كل، وما من حقيقة منسوبة إلى الماهية بالأصالة إلاَّ واسمها جزء... ولا وجود لكل إلاَّ في الجزء ولا وجود لجزء إلا في الكلّ، فاتحَّد الكلُّ بالجزء فارتبطا بالأصل وهو الوجود، وافترقا وانفصلا بالفرع. فالعامة والجهال غلب عليهم العارض وهو الكثرة والتعدُّد، والخاصة العلماء غلب عليهم الأصل وهو وحدة الوجود»...
وعن اللَّه سبحانه وتعالى، يذهب ابن سبعين في تَفَلسُفِهِ فيقول: «هو عينُ كل ظاهر فحق له أن يَتَسَمَّى بالظاهر... ومعنى كل معنى فحق له أن يَتَسمّى بالباطن... وله القَبْلِيّة الوجودية بالفعل فحق له أن يتسمّى بالأول... وإليه يرجع الأمر كله فحق له أن يتسمّى بالآخر... واللَّه تعالى له الإحاطةُ، وبعين ما هو به محيطٌ هو به عالمٌ، وهو بكل شيء عليم... والأبدُ قضايا، والقضايا أزلٌ على مشارٍ، والمشارُ على ذاتٍ، والذاتُ واحدةٌ، اللَّه فقط، لا شَك في ذلك»!!...
إذن فاللّه ـــــــ سبحانه وتعالى ـــــــ في مذهب ابن سبعين هو الأول والآخر والظاهر والباطن، والأزل والأبد، ولا فرق بينها من حيث الحقيقة الوجودية... فاللَّه هو الجامعُ لكلِّ شيءٍ في نفسِهِ والحاوي لكلِّ وجودٍ، «ومُنْظِرُ الضدّ لضدّه فيه بعين الملاءمة والتودُّد» على حدّ تعبير ابن سبعين نفسه...
ولئن كان ابن سبعين في تفسيره لفكرة الوحدة المطلقة كما يراها، يلجأ أحياناً إلى استعمال بعض الألفاظ من كتاب اللَّه العزيز، أو من الأحاديث النبوية الشريفة، إلاَّ أنه لا يترك هذه الألفاظ تسبح في أجوائها النورانية، وتعطي مدلولاتها الصحيحة الحقة، بل إنه يُخرجها عن معانيها الأصلية إلى معانٍ أخرى تتوافق ومذهبَهُ؛ أو أنه يؤَوِّلُها كما يشاء، ويحمِّلُ معانيهَا أكثَر ممَّا تحمل، ليُظهر بالنتيجة أنَّ ما يدعو إليه من علم التحقيق ليس خارجاً عن الكتاب والسنَّة!. وهذا لعمري منتهى الحذق ولكنه لم يَغِبْ عن أهل العلم من عباد اللَّه الصالحين الذين يعرفون كتابَ اللَّه حق المعرفة، كما يعرفون سنة رسول اللَّه معرفةً وثيقة. وعلى ذلك فهم يتعجبون من تأويل هذا الرجل، وممَّا يزيّنه له خيالُهُ الصوفي، حتى يَتَفَلْسَفَ على تلك الشاكلة التي قادته إلى الوحدة المطلقة، متوهماً أنه ابتكر جديداً عمّا قالَهُ غيرُهُ من الصوفية، وهم يذهبون في تفرعات مذاهبهم بين حلول أو اتحاد، إلى شيء واحد، هو الكفر لا محالة، لأنَّ اللَّه تعالى منزَّهٌ عن كل ما يصفون، وهو غني عن هؤلاء العباد الجاحدين الذين لا يراعون حرمة القداسة الإلهية، ولا ينزِّهون العزَّة السنيَّة، طبقاً للصفات التي تضمنها القرآن الكريم، وللدعوة الحقة في التوحيد التي حملها الرسول العظيم، والتي لا يمكن أن تخرج عن قول اللَّه تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ} [الإخلاص: 1 ـــــــ 4]...
هذه باختصار فكرة «الوحدة المطلقة» التي أنشأها ابن سبعين مذهباً له والتي تقوم على وحدة وجود اللَّه تعالى بينما تكون سائر الموجودات الأخرى عين وجود الواحد.
2 ـــــــ نظرية ابن سبعين في المحقق
يعتبر ابن سبعين أن «الوحدة المطلقة» هي نظرية أو «حقيقة» لم يُسَمْع مثلُها في عصرٍ، ولا ظهر في دهرٍ، ولا دُوِّنَ في بلدٍ أو مصر... وهذه الوحدة المطلقة عنده موضوع علم خاصٍّ يسميه علم التحقيق، لأن المتحقِّق بها أو المقرَّبَ، هو أكمل أفراد الإنسان، ويكون حاوياً كلَّ الكمالاتِ الوجودية والعرفانية، متميِّزاً عن كل منْ سَبقَهُ، لأنَّه يتحقق بالوحدة المطلقة التي يفوز بها في نهاية طريقه الشاق بحيث يكون حالُهُ أكملَ حالٍ وأعلاهُ، كما يشير ابن سبعين إلى ذلك في (يد العارف) بقوله: «... المحقِّقُ إذا ظفر بحقيقة الوصول كان حاله أعلى وأجلَّ مِنَ الذي يظنُّهُ الفيلسوفُ أنه خاصٌ بالعقل الكلّي» إذ المقرَّب بنظر ابن سبعين الذي هو المحقق لا يقنع إلّا بالوجود المطلق. ولا يصل هذا المحقق أو المقرب إلى تلك الدرجة المطلقة إلّا بعد سلوكِ طريقٍ طويلٍ شاقٍّ يسميه ابنُ سبعين بالسفر.
وهو يرى أنَّ لكلٍ من الرجال الخمسة (وهم: الفقيهُ والأشعريُّ والفيلسوفُ والصوفي والمحققُ) كمالاً خاصّاً بالنسبة له. وللوصول إلى هذا الكمال الخاص أسبابٌ وآلاتٌ معيَّنةٌ ولكنَّ أكملَهُم على الإطلاق هو المحقِّق... أي أنه يحصر الكمال الإنساني في المحقِّق وحده دون غيره من بني الإنسان؛ وعلى هذا الأساس من حصر الكمال الإنساني في المحقِّق، يكون قد حمل حملةً شعواء على الفقهاء والأشعرية والفلاسفة والصوفية...
أمَّا عن الفقيه فيقول: «بأنه صالح الأصل (أي الشريعة التي يستند إليها لأنها صالحة بذاتها) فاسد الفرع (أي الفتاوى التي يصدرها من نفسه وتكون مغايرة للشريعة وأحكامها) صادق الجنس، كاذب النوع، يتكلم من عند نفسه، ويعيش اليوم بأمسِهِ، ويُفتي السائلَ ويتركُ نفسه في رتبة المسؤول)...
وأمَّا عن الأشعرية فيقول: «وعلم الأشعرية فاسد الأصل، قبيح الفرع، لا نتيجة له من حيث (هو) وإنما نتيجته من أجل ما وضع ولماذا وضع؟... ولما كان المراد بمذهبه من حيث قطع، المخالف للشريعة، والشريعة حق، قيل له صاحبُ حق في العرض وهو في استدلاله وبرهانه مثلَ من يقول: الثلاثةُ أقلُ من العشرة بدليل أن الملك يموت غداً، قيل له: الذي قلت حق ومَثَلُكَ باطلٌ. وكذلك الأشعري لا حقيقة لمذهبه من حيثُ هو ولو صَمَتَ لكانَ أخلصُ له، والتوبةُ أليقُ به»...
وعن الفيلسوف يقول: «وأما الفيلسوف فكثيرُ السلاح قليلُ النطاح، طويلُ العُدّة، قصيرُ المدّة والنّجْدة؛ فيتعَبُ بحولِهِ وقوته، ويَشْقَى بنفسه وهمّتِهِ، ويشتغِلُ بـــــــ «لَمْ» و«لَما» ويطلب الحقَّ بـــــــ «أو» و«أمَّا»؛ ويعجز عن خُبز بغير ملح، ولا مالاً بدنياه ظَفِر، ولا لآخرته اعتبر، حرمانُه أظهرُ من شمسِ النهارِ والمصباح، وخُذلانُهُ أشهرُ من الرعد والرياح، يعلّل الحقَّ وينصُرُ ضدَّه، ويحفظُ الباطلَ ويَبذلُ فيه جهده، مرةً يُسَفْسِطُ بالطبيعة وما بَعدَها، وأخرى بالتعاليم ومقاصدها، ويطنطن بعد ذلك بالمعاني المنطقية، ويموِّه على المؤمن المقتصر بالألفاظ الوحشية. ولم يعلم أن النظر في قوّة النفوس؛ ولو أنَّ النفوس تمشي نحو الصواب وكان يوافق كلام الناس أفعالهم بالاستقامة العقلية وإيثار الحق والانقياد له ورجوعهم لأنفسهم لأغناهم ذلك عن المنطق»...
ثم يوجه ابن سبعين طعنة إلى أكبر فلاسفة اليونان وهو أرسطو، معتبراً أن حكمته التي أُعجب بها الناسُ، ما عادت عندهم إلاَّ أزمةً، ورحمته نقمةً، وحسناته سيئةً، وكلامه هذياناً حتى يخلص إلى القول فيه: «وهو (أرسطو) بالجملة في الذي يقوله ويفعله نشوان»... ثم يذهب إلى حدِّ اعتبار أرسطو «خَديمَ المقرّب»؛ ويقول: إنه قَرَنَهُ «بالخديم» لعظمةِ أرسطو عند الناس فتعظم عندهم بذلك منزلةُ اللمقرب إذ بالمثل المشهور يقنع الخصم وتسكن نفسه!...
ولا يقتصر هذا التشنيع على أرسطو، بل إنَّ حملته عليه تتعدَّاه إلى أتباعه من فلاسفة اليونان «لأن علومهم وصنائعهم دون علم التحقيق»؛ ثمَّ تمتدّ تلك الحملة لتطال أيضاً أتباعَهُ من فلاسفة المسلمين كالفارابي وابن سينا وابن باجه، وابن رشد، وفي ذلك يقول: «أعوذ من توقف أرسطو وتشتيت مسائله الإلهية خاصة، ومن شكوك المشَّائين، وحيرة أبي نصر الفارابي وتمويه ابن سينا في بعض الأمور، وتردُّد ابن الصائغ (ابن باجه)، وتنويع ابن رشد...»...
وبعد الفقهاء والأشعرية والفلاسفة يأتي دور أصحابه الصوفية، فيرى بأنهم هم أيضاً لم يتوصلوا إلى الحق لأنَّ هؤلاء كما يقول: «وصولهم لا كالوصول، وإدراكهم لا كالإدراك، وبلغوا حيث لا يصح أن يُبْلَغ ولا هو صحيح... فافهم ما يقوله المقرَّب ويصح عندك أنَّ حسنات الصوفية سيئات المقربين»... ويذهب في استهزائه من الصوفية حتى يسميهم «بالصُّمّ» ويعني منهم بالتخصيص أولئك الصوفية المذكورين في (الرسالة القشيرية) الذين يستعيذ من شطحات بعضهم، لأنهم في رأيه جاوزوا المقدار بأقوالهم وأحوالهم بوجه ما يُسَلّمُ به بعضُ الناس ويُنْكِرهُ الأكثرُ!!...
هذه لمحةٌ خاطفةٌ عمَّا ذهب إليه ابن سبعين في انتقاده أصحاب الرأي، ولم تسلم من هذا الانتقاد جماعته الصوفية ذاتها، فاعتبر أن كلَّ ما ذهبوا إليه في نظرياتهم وأفكارهم هو دون علم التحقيق، بل هو باطل ولا فائدة منه، لأنَّ أيّاً منهم لم يبلغ مرتبة المتحقِّق في «وحدته المطلقة»... وهذا «المتحقق» هو بالطبع ابن سبعين نفسه الذي لا يُدانيه أحدٌ، بل الكلُّ مقصّرٌ عن مجاراته، وعمَّا بلغ من علمٍ ومكانة.
وهذا الادِّعاء الذي يصل به إلى حدِّ الغرور، إنما يدلُّ على ما ذهبَ إليه الرجل من معتقدات صوفية باطلة، ومذاهبَ فلسفية فاسدة، قادته إلى اختراع فكرة «المحقِّق» التي أرادَ من خلالها أن يمُجّدَ نفسه بوصفه «المحققُ الكاملُ وعينُ الخير الذي يحتوي كل الوجود، وكلَّ الكون ومالك كل لون... فالعوالم كلها حسِّية ومعنوية متدرجة في حقيقته على الرغم من كونها جملة متجانسةً، ووحدة خالصة»...
وبهذا يكون شأنُه شأنَ أي صوفي آخر، يحمله الطيش والاستخفاف بالبسطاء من الناس، فيقوم ليخترع لقباً من الألقاب يميِّز به نفسَهُ عن الآخرين، ويجعل له تسميةً خاصةً عن بقية الألقاب، بعد أن يحيطه بهالةٍ من القداسة الكاذبة!!.
ونظريةُ ابن سبعين في المحقق، وإن توَهَّمَ أنها شيء جديدٌ من ابتكاره، فإنها لا تحمل من الجديد إلاَّ اسمها، لأنها تعود في جذورها إلى نظريات عديدةٍ سابقةٍ كفكرة «زندافستا» أو الولي، أو الصفيّ، أو الكلمة الذكية عند الزرادشتية القديمة، أو كفكرة «العقل الأول» عند أفلوطين، أو نظرية «القطب» عند ابن الفارض، أو نظرية «الإنسان الكامل» التي قال بها كلٌّ من ابن عربي والجيلي... وما إلى ذلك من النظريات التي قال بها الفلاسفة والمتصوِّفون في بحثهم عن الحقيقة أو عن معرفة كُنْهِ العزّة الإلهية، في حين أنَّ الإسلام كان السبَّاق إلى هداية الإنسان وتعريفه على حقيقة وجود اللَّه سبحانه وتعالى، من خلال تفكُّره ومشاهدته اليومية لآياته العُظمى المبثوثة في الكون والإنسان والحياة، والتي لا تحتاج إلى فلسفات وتنظيرات معقَّدة بل إلى تأمُّل وتبصر كما يبيِّن لنا القرآن الكريم بقوله تعالى: {إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ (3) وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَابَّةٍ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ (4) وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (5) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ} [الجاثية: 3 ـــــــ 6]؟.
أجل... إنَّ في ذلك كله لآيات دالةً عليه سبحانه وتعالى، ولا حاجة بعدها للبحث في معرفة كنهه الذي هو فوق مقدور العقول، قد تعالى عن المثل والتشبيه.
طريقة ابن سبعين وأسلوبه الرمزي
من البديهيات التي لا تقبل الجدَلَ أن معظم الصوفية في العالم الإسلامي، هُم من المسلمين بلا ريب في ذلك، ولا شك أن المسلمين يؤمنون بالإسلام ومعظمهم ممن كان يقوم بتعاليمه، وإن هُمْ أخطأوا أو أصابوا فيما أنشأوا من أفكار، أو أسَّسوا من مذاهب وطُرق، أو بما قاموا به من أفعال وتصرفات، لأنَّ هذه أمور أخرى قد تأتي متوافقة مع إسلامهم أو قد تكون مخالفة له... ولكن مع ذلك أليس على المسلم، في كل زمان ومكان، واجبات أساسية لا يمكنه التفلَّت منها ولا العمل بخلافها؟ فالمسلم الحقُّ، من أولى واجباته تلك أن يدعو إلى اللَّه على بصيرة فيكون عالماً بالغاية والهدف والفكرة والطريقة والخطة والوسيلة والأسلوب... ولكي يكون عالماً بها يجب عليه أن يفهمها فهماً سليماً...
1 ـــــــ الغاية: فأمَّا غاية المسلم فهي أن يحمل الدعوة الإسلامية ويبذل التضحيات في سبيل نشرها لنيل رضوان اللَّه سبحانه وتعالى بحيث تكون هذه الغاية أسمى الغايات، وغاية الغايات.
2 ـــــــ الهدف: وبناء على تلك الغاية يكون الهدف الذي يسعى إليه، ويصبو إلى بلوغه، إعلاء كلمة اللَّه تعالى وجعلها هي العليا.
3 ـــــــ الفكرة: وأما الفكرة التي ينبغي له أن يحملها ويعمل على نشرها، فهي عقيدة التوحيد وفقاً للكتاب والسنَّة. فالقرآن الكريم والسنَّة النبويَّة الشريفة يجمعان فكرة واضحة تامَّةً، شاملةً عن الكون والإنسان والحياة بل وعن الوجود كله، من قبل ومن بعد، ويعرِّفان الإنسان ما يجب أن يقوم به في هذه الحياة.
4 ـــــــ الطريقة: أمَّا الطريقة لتنفيذ هذه الفكرة، فهي الطريقة العملية التي طبقها رسولُ اللَّه(ص) وسار عليها سواء في مكة أو في المدينة امتثالاً لقوله تعالى: {قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي} [يوسف: 108].
5 ـــــــ الخطة: وأما الخطة فهي طوعٌ لوضْع الداعية ولا تُفرض عليه خطةٌ معيَّنة. وتكون بتحديد كيفية التحرك الذي يجب عليه أن يسير بموجبه، ولذا وجَبَ أن تكون الخطة مَرِنَة قابلةً للتعديل، تتكيَّف مع الظرف الذي يواجه، بحيث تشتمل على عدة خيارات في آنٍ معاً، كي يُستعمل منها الخيارُ الذي يتلاءم مع غاية الخطة وهدفها، وبذلك فهي تحتاج إلى وسائل وأساليب لتنفيذها...
6 ـــــــ الوسيلة: الوسائل في الواقع هي جميع الأشياء الموجودة والمتاحة فالقلم وسيلة، والرغيف وسيلة، والسيارة وسيلة، وكذا كل شيء يمكن الحصول عليه بطريقة مادِّية أو معنوية من أجل تنفيذ الخطة، فهو وسيلةٌ تُعتبر من متممات الخطة.
7 ـــــــ الأسلوب: أما الأساليب، فهي الأعمال التي تجري على الوسائل، فمثلاً الذهب وسيلة وما يجري عليه من صياغة واستعمال فهو أسلوب؛ وأحرف الكلام هي وسائل وكيفية نسجها وسبكها أو كتابتها وإلقائها أساليب...
وعلى هذا نجد أن الرسولَ الأعظم حَمَلَ الإسلام في مكة فكرةً، وسلك طريقتَهُ لنشرها ورسم خططاً لتطبيقها واستعمل أساليب ووسائل لتنفيذ تلك الخطط، وكان هدفُهُ من ذلك كله إعلاء كلمة اللَّه سبحانه وتعالى وجعلها هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى. ولم يكن له (ص) غاية يحققها سوى رضوان اللَّه تعالى، فكان رضوان اللَّه عزَّ وجلَّ غاية غايات محمد (ص) إذ عُرض عليه من قبل قريش السلطانُ والمالُ على أن يتخلى عن غايته الكبرى فأبى ورفض ورفع صوته مُقْسماً: واللَّه لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركتُه، أو أموت دونه!! وأصَرَّ على الاستمرار في الدعوة مستهيناً بجميع المصاعب ومتحملاً شتى أنواع العذاب، ومستخفاً بجميع التهديدات والمخاطر إلى أن حقق اللَّه تعالى على يدَيه إقامة دولة الإسلام...
وهكذا يتبيَّن لنا أن للمسلم غايةً بعيدة، وعنده الفكرة والطريقة، ثم هو يملك الخطط والأساليب والوسائل التي يتخيَّر منها ما يشاء لممارسة تحرُّكه وقيامه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
فالغاية باتت واضحة، والفكرة والطريقة ليستا من صنعنا ولا من اجتهادنا، بل هما من القرآن الكريم والسنَّة النبويّة الشريفة. ويبقى الأسلوب الذي هو من إنشاء الإنسان، ولذا فإنَّ له أهميته البالغة، لأن على نجاحه يتوقَّف بلوغ الغاية وتحقيق الهدف...
والأسلوب يقرِّره عادةً نوعُ العمل، فهو إذن يختلف باختلاف الأعمال، وقد يصحُّ أن تتشابَهَ الأساليب فينفع الأسلوب الواحد في عدة أعمال ولكن التفكير بالأسلوب يجب أن يكون قد سبقه التفكير في نوع العمل الذي يراد استخدامه من أجله. وعلى هذا يقوم الأسلوب على كيفية الصياغة، أو كيفية الاستعمال أو كيفية ممارسة القيام بالعمل؛ التي هي كيفية غير دائمة بعكس الطريقة التي تكون كيفيةً دائمة، ولذلك فهي لا تختلف مطلقاً، ولا تتغيَّر، ولا تحتاج إلى عقليَّة مبدعة، لأنها إما أن تكون هي يقينيَّة أو أن يكون أصلُها يقينيّاً؛ وعلى عكسها الأسلوب الذي قد يخفق عند الاستعمال، وقد يتغيَّر، ولذلك كان يحتاج إلى عقليَّة مُبدعة لابتكاره والعمل بموجبه.
ومن هنا يتفاوت الناس في حلِّ مشاكلهم، لأنهم يحلونها بمقتضى الأساليب... فقد يحاول شخص ما حلَّ مشكلةٍ تعترضه ولكنها تستعصي عليه، فإما أن يهرب منها أو أنه يعلن عجزه عن حلها... ولكنه إذا كان يمتلك عقليةَ حلِّ المشاكل، فإنه لا يعلن أبداً عجزه عن حلِّها، بل يلجأ إلى تغيير الأسلوب الذي اتبعه من قبل، ويمارس أساليب أخرى عديدة ومتنوعة، وقد يستغرق معه ذلك وقتاً طويلاً، إلاَّ أنه في النهاية يصل إلى حل المشكلة التي تواجهه. وعلى هذا فإن من لديه عقلية حلِّ المشاكل، لا يعترف بوجود مشكلة لا حلَّ لها، لأنه يعتمد دائماً على قدرته في إيجاد الأساليب التي تؤدي إلى حلِّ أية مشكلةٍ مهما كانت مستعصية... ومن هنا كان التفكير بالأساليب من مميِّزات العقول المُبدعة أو العبقرية، وكان حل المشاكل متوقفاً على التفكير بالأساليب دون غيرها.
أمَّا التفكير بالوسائل ـــــــ أي بالأدوات المادية ـــــــ التي تستعمل للقيام بالأعمال، فهو صنو التفكير بالأساليب، فيتحتَّم على المفكِّر بالأساليب أن يفكِّر أيضاً بالوسائل، وإلاَّ فإن جميع الأساليب لا يمكن أن تُنتج إذا استعملت فيها وسائل لا تقوى على استيعابها، فرسمُ خطة لقتال العدوّ ـــــــ مثلاً ـــــــ تستتبع في الوقت نفسه إعداد الأساليب والوسائل التي يمكن بواسطتها مواجهة هذا العدوّ. فإن نحن أعددنا الخطة واعتمدنا الأسلوب الَّلذين نعتقد أنَّ بهما يتحقق النصر، ولكن من غير أن نُهيئ السلاح اللازم والكافي، ومن غير أن ندرب المحاربين على استعمال هذا السلاح تدريباً سليماً، فإنَّ ذلك سوف يؤدي إلى إخفاق الخطة وإلى عدم جدوى الأسلوب ولو كان الرجال الذين يحاربون العدوّ أقوى من رجاله أو أكثر منهم عدداً... فالخطة الموضوعة للحرب أسلوب، والرجال والأسلحة وسائل لتنفيذ هذا الأسلوب، وما لم يكن هنالك توافق، أو تكافؤ بين الأساليب التي رسمت، والوسائل التي أعدت، فإنه لا قيمة للأساليب، ولا للوسائل. يضاف إلى ذلك ضرورة إجراء التجربة على الوسائل لتقرير صحتها أو عدم صحتها، وصلاحها لنوع الأسلوب أو عدم صلاحها...
وبناءً عليه فإنَّ الوسائل قد تخفى وقد يُضل عنها إذا جرى التفكير بها بمعزل عن التفكير بالأسلوب الذي يجب أن تستخدم لتنفيذه. وقد تخفى أيضاً أو يُضل عنها إذا لم تجرِ تجربتُها... فكان لا بدَّ إذن من التفكير بالوسائل، وأن يكون قد سبقَهُ تفكير بالأساليب، ولا بدَّ من أن تجري تجربةُ الوسائل حتى يمكن ضمان نجاحها، ويتوقف بالتالي على ذلك كله تحقيق الهدف الذي نسعى إليه كي نبلغ بعدَهُ الغاية المنشودة.
وهكذا فإننا بعدما عرفنا معنى الهدف والطريقة والفكرة والأسلوب والوسيلة، صار من حقنا أن نتساءل عن الطريقة التي اتبعها ابن سبعين والأسلوب الذي اعتمده، والوسائل التي أعدَّها، وبالتالي هل كان هدفه من ذلك كله إعلاء كلمة اللَّه، وغايته تحقيق رضوان اللَّه أم أنه عمل على خلاف ذلك وكانت له أغراضٌ خاصة ليس فيها شيء من حمل الدعوة ونشرها؟.
لن نبحث في غاية ابن سبعين ولا الهدف الذي كان يسعى إلى تحقيقه، بل سوف نبحث فيما اعتمَدَ من طريقة وما أنشأ من أساليب، وهما كفيلان بأن يُظهرا لنا معتقده ومدى توافقه مع كتاب اللَّه تعالى وسنّة رسوله (ص).
فابن سبعين، وقد توهم أنه ابتَكَر جديداً في «الوحدة المطلقة» و«نظرية المحقق»، أرادَ أن يدلّل على آرائه باتِّباع طريقة تختلف عن الطرق الصوفية الأخرى التي عرفت من قبله، فعَمدَ إلى تأسيس الطريقة التي سمَّاها باسمه «الطريقة السبعينية» وهي التي أوْرَدَ إسنادَها تلميذُهُ الششتري في قصيدة مِنْ سبعينَ بيتاً، كان مطلعها:
أرى طالباً منا الزيادة والحُسْنى بفِكرٍ رَمَى سَهْماً، فَعَدّى بِهِ عدْنا
والحقيقة أنَّ طريقته ليست جديدة تماماً بمعنى الجديد، بل هي تقوم على الجمع بين مختلف الآراء والنزعات التي وقف عليها، أو التي أرادَ الأخْذَ منها، حتى جاءَ بناءُ مذهبهِ الصوفي وكأنه نوعٌ من التوفيق بين شتى النظريات التي تعالج المواضيع الصوفية دونما تفريق بين أصحابها سواء كانوا من الأقدمين أو المحدثين، أو من المسلمين أو من غير المسلمين، بحيث تظهر الطريقة السبعينية وهي ترجع في أصولها إلى طرق مشاهير عديد من الفلاسفة والشيوخ الصوفية، بل وبعض القادة العسكريين ـــــــ كما وجدَها ابن الخطيب في (رسالة الإحاطة) والتي عدَّدَ من شيوخها:
من الأعلام الأجانب: هرمس، وسقراط، وأفلاطون، وأرسطو، والاسكندر الكبير...
ومن الفلاسفة العرب: ابن سينا، والغزالي، وابن طفيل وابن رشد...
ومن الصوفية في العالم الإسلامي: الحلاج، والشبلي، والنقري، والحبشي، وقضيب البان، والشوذي، والسهروردي (المقتول) وابن الفارض، وابن قسيّ، وابن مسرّة، وابن عربي...
ولكنَّ ما اختلَف فيه ابن سبعين عن مشايخ الصوفية هو أنَّ هؤلاء كانوا ينسبون طرقهم بترتيب الإسناد ترتيباً زمنيّاً إلى رسول اللَّه(ص) في حين أنه هو لا يُراعي أيَّ ترتيب زمني للرجوع إليه(ص) بل يأخذ عن أيِّ شخصٍ أيًّا كان الزمن الذي يعيش فيه، ثم يمزج ويخلط جميعَ ما أخَذَ حتى يُظهر طريقته التوفيقية بين شتى النظريات والآراء في بناء مذهبه...
وتحكي بعضُ المصادر أنَّ ابنَ سبعين كان يأمُرُ تلاميذَهُ باتباع طريقته، ويفرضها عليهم فرضاً، ومن هؤلاء تلميذه الششتري عندما اشترط عليه الخروج عن الأسباب ومجاهدة النفس بإذلالها كما يروي حكايته ابن عجيبة فيقول: «... وكذلك قصة الششتري رضي اللَّه عنه مع شيخه ابن سبعين. لأنَّ الششتري كان وزيراً وعالماً، وأبوه كان أميراً، فلما أراد الدخول في طريق القوم (أي الصوفيين) قال له شيخُهُ ابن سبعين: لا تنالُ منها شيئاً حتى تبيع متاعك وتلبس قشبانية وتأخذ بنديراً وتدخل السوق... ففعل الششتري جميع ذلك، وجاء فقال لابن سبيعن: ما نقولُ في السوق؟ ـــــــ فقالَ له: ابدأ بذكر الحبيب... فدخل الششتري السوقَ يضربُ بنديرَهُ وينادي بذكر الحبيب، وقد بقيَ ثلاثَةَ أيام وهو يغني في الأسواق:
شويخٌ من أرض مكناسِ في وَسَطِ الأسواقِ يُغنّي
أَوشى علـــــيَّ مــــــــن الناسِ واشٍ على الناس منيّ!.
وتذكر مصادرُ أخرى أن الششتري كان في ابتداء أمره من أتباع طريقة أبي مدين الغوث التلمساني (الذي توفي سنة 592 هجرية). وحدث ذات يومٍ أن التقى في (بجاية) بابن سبعين، فلما تحادثا معاً عرف ابن سبعين منه أنه ذاهب إلى أصحاب أبي مدين، فصرخ فيه قائلاً: إن كنتَ تُريدُ الجنة فَسِرْ إلى أبي مدين وإنْ كنتَ تريدُ ربَّ الجنة فهلُمَّ إليَّ»!.
ويقول الدكتور علي النشار: إنه «كان لهذا التوجيه أثرُهُ البالغ على الششتري، فصار طوع إشارة ابن سبعين، حتى أنه عبَّر عن هذا: بأنَّ ابن سبعين امتلكه امتلاكاً تامّاً، وذلك في موشحةٍ بعثها إليه وهو في مكة، يبثُه فيها لواعجه قائلاً:
قُل للَّــــــــذي قد ملكنـــــي ملكــــــــــــــــه وغبـــــــــطَ الجسم بالسقـــــــــــــــــــامِ
لولا استوى قربي منك وبُعـــــــــدي قد كان متُّ منك مِنَ الغرام
يا مَنْ سرى سرُّهُ في طباعــــــــــــي أنــــــــت القــــــــــريبُ مني البعيدُ
ومِنْ أعجبِ الأشياءِ وأنتَ معي وعشقي فيك كلَّ يوم يزيــــــــــدُ
وأنــــــــــــــا بتهتــــــــــــــكي وانطباعـــــــــــي غــــرامي فيك دائم جديد»...
ويضيف الدكتور النشار قائلاً: «وكان الششتري يدعو ابن سبعين بكعبة الحُسن، وكنز حياته وشمسها وبدرها، ومحيي الرسم، وممدّ الذات، وذات الخير، وكمية السعادة، وأكسير الذرات، ومغناطيس النفوس»!...
ويظهر أنَّ الششتري قد فرَّع عن طريقة أستاذه طريقة خاصةً به، وذلك إبَّان إقامته في مصر، وقد عرفت بالطريقة الششترية، وفيها يظهر الششتري أنه أقرب إلى التصوف المبني على التوحيد منه إلى تصوُّف الوحدة التي نادى بها أستاذه ابن سبعين.
وإنَّ طريقة ابن سبعين، لتبدو طريقة فلسفية أكثرَ منها طريقة صوفية، أي أنها تُعنى بالمذاهب الفلسفية الدخيلة على الإسلام أكثر من عنايتها بتربية المريدين تربيةً صوفية عملية، ولذا لم يكتب لها البقاءُ طويلاً، إذ لم تدم في مصر أكثر من تسع وخمسين سنة تقريباً بعد وفاة مؤسسها، حيث كانت بداية نهايتها عندما ألَّف ابن تيمية (الذي توفي سنة 728 هجرية) رسالةً سمَّاها (كتاب المسائل الاسكندرية في الردّ على الملاحدة الاتحادية السبعينية) وفيها حمل على أتباع الطريقة السبعينية حملةً شعواء كان من نتيجتها أن اضمحلَّ شأنُ هذه الطريقة ثم اختفت من مصر ومن العالم الإسلامي برمته. وفي هذا يقول ابن كثير: «وجاءَ كتابٌ من أخيه (ويعني أخا ابن تيمية) يقول فيه: إن الأخ الكريم قد نزل بالثغر المحروس على نية الرباط... واتفق أنه وجَدَ بالاسكندرية إبليس قد باضَ فيها وأفرخَ وأضلَّ فيها فرقَ السبعينية، والعربية يعني «أتباع ابن عربي»، فمزق اللَّه تعالى بقدومه عليهم شملَهُم، وشتَّتَ جموعَهم شَذَرَ مَذَر، وهتَكَ أستارَهم وفَضَحَهُمْ، واسْتَتَابَ جماعةً كثيرةً منهم، وتوَّبَ رئيساً من رؤسائهم»...
تلك هي الطريقة السبعينية التي احتوت آراء ابن سبعين ومعتقداته. فكيف كان الأسلوبُ الذي عالج به طريقة تفكيره أو أظهَرَ فيه مذهبَهُ الصوفيّ؟.
قلنا إنَّ ابن سبعين قد ظهر في مرحلة من مراحل حياته متخفيِّاً لعقيدته الصوفية خوفاً من نقمة الفقهاء وكراهية الناس، ولذلك اعتمَدَ أسلوباً غايةً في الغموض والإبهام يقوم على الرموز والحروف والإشارات التي لا يفهمها إلاَّ من وقَفَ على أسرارها واعتنقَ بواطنَها، وقد غلب عليه هذا الأسلوب حتى صار طابعَهُ المميز في كافة مصنّفاتِهِ بوجهٍ عام...
على أنَّ هذا الأسلوب ليس جديداً عنده، فالصوفية إجمالاً كانوا يستخدمون الرموز والإشارات والألفاظ الاصطلاحية الخاصة بهم، لإخفاء أذواقهم، والتستُّر بمعتقداتهم بحيث يكون لعباراتهم في الغالب معنيان: أحدُهما يستفاد من ظاهر الألفاظ، والآخر لا يمكن الوقوف عليه إلاَّ من خلال التحليل والتعمُّق فيما ذهبوا إليه. بل ربما كان يستغلق هذا المعنى الباطني على كل من ليس بصوفي كما يشير إلى ذلك الطوسي صاحب (اللمع) عندما يقول: «الرمز معنى باطن، مخزون تحت كلام ظاهر، لا يظفر به إلاَّ أهله»...
كما أنَّ الرمز عند الصوفية، كما يذهب إليه الشيخ أحمد زورق في كتاب (قواعد التصوّف) يعني: «دمجَ معانٍ كثيرة في ألفاظ قليلة، غيرةً عليه واتّقاءً لحاسدٍ أو جاحِدٍ لمعانيه ومبانيه، أو مراعاة حقّ الحكمةِ في الوضع لأهل الفن دونَ غيرهم».
اعتَمَد ابنُ سبعين إذن الأسلوبَ الرمزي، مستعملاً فيه الأحاجيَ، ومصطنعاً الألغاز حتى جاءت مصنفاتُهُ غامضةً، مغلقةً على الفهم بشكل فظيع، كما دلَّلَ على ذلك بعض العلماء، بل وبعض الصوفية أنفسهم... فقد ذكر الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد أنه «جلس مع ابن سبعين من صحوة إلى قريب الظهر، وابن سبعين يسرد كلاماً تُعقلُ مفرداتُه ولا تُعقل مركَّباته»... ويذكر الصوفي الأندلسي ابن عباد الرندي أنه حاول أن يفهم كتبه فاستعصى عليه الفهم، رغم ما بذل من جهد لذلك حتى عادَ منها بخفي حنين كما يقول لأحد تلامذته: «واللَّه ما بخلتُ عليكَ بسرٍّ، ولا هذا لي بتَوْق، وما زال قلبي سبعين في منزل ابن سبعين لا لإنكارٍ عليه، ولا لاعتقاد شيء مما نسبه أهل الجهل المركب إليه؛ ولكنيِّ رأيت كلامه كثيراً ما يعذِّب، ويُعنِّي القلب ويُتعب، وحينئذٍ لا يحصل لي منه شيء يشفي صدري ولا يثلج به خاطري وسرِّي. كيف وهو الذي قال في ذلك الكلام الأخير: ـــــــ وكلٌّ غيرُ قاطعِ، وكلُّ قاطعٍ معذَّبٌ ناقص... وهذا ينعكس لا محالة إلى قولنا: كلُّ معذب ناقصٍ قاطعٌ، وكلُّ قاطعٍ غيرٌ، والأغيارُ، لا حاجةٍ بنا إليها»... وبعد أن يستفيض الرنديُ في شرح ما يُريدُهُ ابن سبعين يصل إلى النتيجة التالية: «فبينما أنا في كلامه أطلع وأهبط، وأخبط وأخلط، وأستنزل معاني كلامه بلطائف الحيل، وأكابد النظر فيه بالقلب والعين إذ انقلبتُ عنه صفر اليدين بخفي حنين، ولا يُكلِّفُ اللَّه نَفْساً إلاَّ وُسْعَهَا»!.
هذه شهادة عالمٍ صوفي تُبيِّن لنا الإبهامَ والغموض في أسلوب ابن سبعين، بحيث لا يمكن معه فهمُ الرجل من خاصَّة الصوفية، فكيف بغيرهم من أصحاب الفكر والرأي؟!...
ولم يقتصر أسلوبُه على الرمز والاصطلاح الوضعي، بل تعمَّد أن يقرنَهُ بعلمٍ يمكن أن يحتوي الأسرارَ الصوفية في معرفة كُنْه الكون، وتصرُّف النفوس الربانية في العوالم، فاهتدى إلى علم الحروف الذي أتقنَهُ وألَّف فيه حتى اكتسب من ورائه شهرة واسعة.
ويعرِّف ابن خلدون علمَ الحروف أو السيمياء ويبيّن أغراضه على أنه «علم أسرار الحروف، وهو المسمى لهذا العهد بالسيميا، نقلَهُ المتصوفة لإصلاح أهل التصوُّف فاستُعمل استعمال العام في الخاص. وحدث هذا العلم في الملَّةِ بعدَ صَدٍّ منها وظهور لغلاة من المتصوفة وجنوحهم إلى كشف حجاب الحسِّ، وظهور الخوارق على أيديهم والتصرفات في عالم العناصر، وتدوين الكتب والاصطلاحات، ومزاعمهم في تَنَزُّل الوجود عن الواحد وترتيبه؛ وزعموا أن الكمال الأسمائيَّ مظاهرُه أرواحُ الأفلاك والكواكب، وأن طبائع الحروف وأسرارها ساريةٌ في الأسماء ولذا فهي سارية في الأكوان على هذا النظام، والأكوان من لدن الإبداع الأول تنتقل في أطواره وتُعرب عن أسراره، فحدث لذلك علم أسرار الحروف، وهو من تفاريع علم السيمياء وحاصلُهُ عندهم (المشتغلين به) وثمرتُهُ: تصوُّف النفوس الربانية في عالم الطبيعة بالأسماء الحسنى والكلمات الإلهية الناشئة عن الحروف المحيطة بالأسرار السارية في الأكوان»... وينقل ابن خلدون عن البوني، أستاذ ابن سبعين، أن علم الحروف لا يتوصل إليه بالقياس العقلي وإنما بطريق المشاهدة والتوفيق الإلهي...
فقد اشتغل ابن سبعين في علم الحروف والأسماء فظهرَ له باعٌ طويلٌ، وبرعَ فيه أشدَّ البراعة، فألَّف كتابه (الحروف الوضعية في الصور الفلكية) ثم كتابَهُ الآخر (شرح كتاب إدريس عليه السلام) حيث يقول في مقدمة هذا الكتاب عن علم الحروف: «اعلم أن الحروف خزانة اللَّه، وفيها أسراره وأسماؤه وعلمُهُ وأمرُهُ وصفاتهُ وقدرتُه ومرادُه؛ فإذا اطَّلعت على شيء منها فأنت من خَزَنَةِ اللَّه فلا تُخبر أحداً بما فيها من المستودعات، فَمَنْ هَتَك الأستارَ عُذِّب بالنار»... وبيّن ابن سبعين المصدر الذي أخذ عنه هذا العلم بقوله: «واعلم أن علم الحروف علمٌ شريفٌ وسرٌّ لطيفٌ من تأليف إدريس عليه السلام، حلَّ رموزها وفكَّ معانيها أرسطاطاليس اليوناني لأجل الاسكندر ذي القرنين»...
ونحن لا نعلم شيئاً عن هذا العلم... فإن كان القصدُ منه الحروفُ التي تبدأ بها سُوَرُ القرآن الكريم فإنَّ هذه الحروف لا يعلَمُ سرَّها إلاَّ اللَّه تعالى وإن كان بعض أهل العلم من المسلمين قد قالوا بأنَّها الحروف التي يتكوَّن منها كلام القرآن، وهي الحروف التي يستعملها العربُ في لغتهم وتخاطبهم وكتابتهم وقد أنزل القرآن الكريمُ بها إعجازاً لأصحاب اللغة نفسها التي يؤلفون منها كلاماً لا يمكن أن يكون مثل كلام القرآن، فكانت المعجزة التي استوى أمامها العربُ وغير العرب في عدم قدرتها على تأليف مثل القرآن... هذا ما ذهب إليه بعضُ المفسِّرين، بل والراسخون في العلم، فإنْ رأى ابن سبعين غيرَ ذلك، أو أنَّهُ اكتشف من علم الحروف والأسماء «تلك الأسرار السارية في الأكوان» فقد كان خليقاً به أن يبيِّن هذه الأسرار، في حين أنه يضن بها على الناس، ويبخل على العلماء بمعرفتها، فيوصي بعدم الإخبار عنها لما فيها من المستودعات!.
ولئن كان في اعتقادنا الجازم بأن ابن سبعين لم يتوصَّلْ إلى معرفة حقيقة الحروف التي تبدأ بها سور القرآن الكريم، فإنَّ مجرَّد ادِّعائه بمعرفتها، وكتمان أسرارها يعتبر خطأً يُضاف إلى أخطائِهِ الأخرى في ما اعتقَدَ وفيما ذَهَبَ إليه في صوفيته، لأنَّ من رام الخيرَ لأمتِهِ أطلعها على علمه حتى تستفيدَ منه وتُفيد!...
وهكذا يتبيَّن لنا أن ما اعتمدَه ابن سبعين من طريقة خاصة به، وما اتَّبعه من أسلوب رمزي غامض (يصل إلى حدِّ الأحاجي والمصطلحات الخاصة التي لا يفهمها إلاَّ بعض الصوفية،وقد لا يفهمونها على الإطلاق كما حصل مع ابن عباد الرندي) لم تكن خدمةً للإسلام في شيء، بعدما صرَّح ابن سبعين نفسه بأنَّ على الصوفي ألا يخُبر أحداً برموزهم، وعلم حروفهم، لأنَّ فيها كثيراً من المستودعات، هي في ضميره مستودعات الصوفية، التي لا يجوز الاطِّلاع عليها أو معرفتها خوف الحاسدين والجاحدين، ومراعاةً لحق حكمتهم في معرفة الأسرار الإلهية التي اختصوا بها دون غيرهم من سائر البشر!!...
لا، ليس في الدين الإسلامي كما، أنزلَهُ اللَّه تعالى على قلب سيدنا محمد(ص)، وكما دعا إليه الرسولُ الأعظمُ، أي ليس أو غموض، بل ولا أثرَ فيه للرموز والأحاجي فلماذا لا يحب هذا الصوفي إلا الغموض والإبهام، ولا يستعمل إلا وسائل الألغاز، وأساليب الأحاجي، لا، فإن الدين الإسلامي دينٌ قويمٌ متين فيه تبيان لكل شيء، وعلى المسلمين أن يعرفوا حقيقته، وأن يسيروا على هديه، حتى ينالوا رضوانَ اللَّه تعالى... وهذا ما لم يفعله ابن سبعين عندما اعتنق عقيدة الوحدة المطلقة واخترع فكرة المتحقق بالوحدة، مستعيناً على معتقده هذا بالأسلوب الرمزي، وباستعمال الألغاز والأحاجي وسائل تخدم الغاية التي سعى إليها وتحقق الغرض الذي هدف إليه، فكان من جراء ذلك موضع تقديرٍ ممن فُتِنَ بالصوفية ومبتدعاتها، بينما عابَ عليه المخلصون للَّه ولدينِهِ ما ذَهبَ إليه وانتقدوه عليه انتقاداً شديداً.
أمَّا الذين أيَّدوا ابن سبعين، فإنَّ منهم الشيخ نصر المنبجي ـــــــ أحد صوفية مصر البارزين في أوائل القرن الثامن الهجري ـــــــ الذي هو أحد أنصاره والمعجبين بآرائه، وقد هاجمه ابنُ تيمية منكراً عليه تلك النصرة، كما يستفادُ من رواية السلامي صاحب (غاية الأماني) التي أورد فيها: «ثم بعد ذلك بمدة طويلة ظهر الشيخ نصر المنبجي واستولى على أرباب الدولة في القاهرة، وشاع أمره وانتشر، وقيل لابن تيمية بأنه ينصر ابن عربي وابن سبعين، فكتب إليه نحو ثلاثمئة سطر يُنكر عليه»...
ومن المعجبين بابن سبعين أيضاً الشيخ عبد الوهاب الشعراني (الذي توفي سنة 923 هجرية) وقد وصفه بأنه «كان من المشايخ الأكابر». وكذلك أبو العباس أحمد المقرّي (الذي توفي سنة 1041 هجرية) وقد مدح ابن سبعين بقوله: «وطار صيتُهُ وعظم أمرُهُ وكثر أتباعُهُ حتى أنَّهُ تتلمذ له أمير مكة فبلغ من التعظيم الغاية»...
وأما الذين أنكروا على ابن سبعين آراءه الصوفية فكانوا أيضاً كثيرين، يذكر منهم المؤرخ المعروف ابن خلدون (الذي توفي سنة 808 هجرية)، فقد حمل على الرجل وانتقد قوله بالوحدة، وأخْذَهُ عن مذاهب القرامطة والباطنية، إذ يقول: «ثم إنَّ هؤلاء المتأخرين من المتصوفة المتكلمين في الكشف وفيما وراء الحس توغلوا في ذلك فذهب الكثير منهم إلى الحلول والوحدة. وملأوا الصحف منه مثل الهروي في كتاب المقامات وغيره، وتبعهم ابن عربي وابن سبعين، وتلميذهما ابن العفيف وابن الفارض، والنجم الإسرائيلي في قصائدهم». وعن ابن سبعين بالذات يقول: «وكان أبو محمد بن سبعين الصوفي نزيلاً بمكة بعد أن رحل من بلده مرسية إلى تونس، وكان حافظاً للعلوم الشرعية والعقلية، وسالكاً مرتاضاً بزعمه على طريقة الصوفية ويتكلم بمذاهب غريبة منها، ويقول برأي الوحدة، كما ذكرناه في ذكر الصوفية الغلاة، ويزعم بالتصوف في الأكوان على الجملة، فأرهق في عقده ورمي بالكفر والفسوق».
ولعل أشد خصوم ابن سبعين شأناً، وأعنفهم في الحملة على مذهبه الشيخ تقي الدين بن تيمية فقد هاجمه في عديد من مصنفاته مثل (رسالة الفرقان بين الحق والباطل) و(رسالة العبودية) و(الرسالة السبعينية) وهي المعروفة أيضاً باسم (بغية المرتاد في الرد على المتفلسفة والقرامطة والباطنية) و(مناهج السنة النبوية) و(إبطال وحدة الوجود والرد على القائلين بها)، وفي كثير غيرها من رسائله وفتاويه...
كما أن المؤرخ ابن عبد الملك يصف مصنفات ابن سبعين بأنها «لا يخرج أحد منها بطائل، وهي إلى وساوس المخبولين، وهذيان الممرورين أقرب منها إلى منازع أهل العلم»...
ووصف العبريني أسلوب ابن سبعين في مصنفاته بقوله: «وله موضوعات كثيرة موجودة بأيدي الناس، وله فيها ألغاز وإشارات بحروف أبجدية، وله تسميات مخصوصات في كتبه هي نوع من الرموز وله تسميات ظاهرة كالأسامي المعهودة»... ومهما يكن من أمر، فإن شأن ابن سبعين هو شأن غيره من الصوفية المتفلسفين، الذين وإن كان بعض المعجبين بهم يؤوّلون أقوالهم تأويلات مُرضيةً. فإننا نرى أن مثل هذا التأويل أو أي دفاعٍ عن أصحاب «الوحدة» و«الحلول» وغيرهما من معتقدات الصوفية الفاسدة، المنكرة لوجود اللَّه الواحد الأحد، الغني عن كل وجود، هو دفاع باطل، وغير مقبول عندنا، لأن هذا الدين الإسلامي هو للَّه تعالى ولا يحق لأحدٍ من البشر أن يَنسِبَ إليه ما ليس فيه، ولا يجوز لأحد أن يُدخل عليه ما لا يأتلف مع مضامينه وجوهره، ولا نظنُ آراء ابن سبعين في الوحدة المطلقة، والمتحقق، إلاَّ أنها لغوٌ بلغو وباطلٌ بباطل، لأنها تخالف القرآن نصّاً وروحاً، وهي في آنٍ معاً تخالف السُّنة النبويَّة الشريفة لأنها لا تتفق مع حقيقة الوحي، ولا تسير على طريقة الرسول العظيم في العيش الكريم، وهذا ما يخالف قول اللَّه تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} [الحشر: 7]، {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّأُوْلِي النُّهَى} [طه: 54[.




Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB