الصوفية في نظر الاسلام
الطبعة : الطبعة الرابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   600
تاريخ النشر :   1993




أبو يزيد طيفور البسطامي

وهذه شخصية أخرى من شخصيات «العشق الإلهي» الذين قبعت في أعماقهم عقيدة المجوسيّة، وساروا على طريق الزهد والتقشف الهنديين، وهم يتظاهرون بلباس التقوى حتى يخفوا الخرافات التي طغت على عقولهم، ويختبئون وراءَ الدين حتى يسترو الأوهام التي عششت في أذهانهم وهذه الشخصية هي أبو يزيد طيفور البسطامي



أبو يزيد طيفور البسطامي
وهذه شخصية أخرى من شخصيات «العشق الإلهي» الذين قبعت في أعماقهم عقيدة المجوسية، وساروا على طريق الزهد والتقشف الهنديين، وهم يتظاهرون بلباس التَّقوى حتى يخُفوا الخرافاتِ التي طغت على عقولهم، ويختبئون وراء الدين حتى يستروا الأوهامَ التي عششت في أذهانهم.. وهذه الشخصية هي أبو يزيد طيفور البسطامي.
ولد طيفور البسطامي بمدينة بسطام من أعمال فارس فنُسبَ إليها. وكان جدُّهُ مجوسياً، ثم اعتنقَ الإسلامَ، مما كان له أثرُهُ الكبير على حفيده طيفور الذي راحَ يتقلّب بين المجوسية والإسلام منذ إدراكه وحتى وفاته التي كانت سنة 261 هجرية (874 ميلادية) بعد أن عاشَ حوالي سبعين عاماً..
ويُعَدُّ البسطاميُّ من كبار الصوفيين في بغداد إبّانَ القرن الثالث الهجري.. وهو القرن الذي بدأ بمذهب «الحب الإلهي» على نسقٍ جديدٍ، وانتهى بمذهبَيْ «الاتحاد» و«وحدة الأديان»، على يد الحلاّج من متصوفة هذا القرن.
وهذا التطور في المذاهب كان لا بدَّ أن يمرَّ بسلسلة متتابعة الحلقات تُفضي كل واحدةٍ منها إلى الأخرى. ذلك أنَّ متصوفة القرن الثاني كانوا يُعَدُّونَ أقربَ إلى الزاهدين منهم إلى المتصوفين لما كان يغلب عليهم من طابع الرضى، والتسليم، والتقبّل لكل ما يُفضي إلى الله حتى يكون منعُهُ وعطاؤه عند عبده سواء.. بيد أنَّ هذا الطابعَ الزهدي عادَ وانقلب عندهم إلى تجربة عاطفيةٍ نفسية تقوم على انجذاب الروح إلى المحبوب، والاتصال به والتمتع بمشاهدة جماله وجلاله.. وهي حالةٌ، يقول المتصوفون عنها، بأنها لا تُدرك إلاَّ بالذوق، ولا تُنالُ إلاَّ بالرياضات وبذل المجهود المتصل من أصحاب الاستعدادات.
وهكذا تكون عناية الصوفية قد توجهت إلى الحب الإلهي، حتى بلغت في القرن الثالث شأواً بعيداً، وصارَ لهذا الحب مفهومٌ جديدٌ يختلف عمَّا كان عليه من قبلُ. وتبرز هذه العناية عند المحاسبيّ المتوفى سنة 243 هجرية، الذي وضعَ فصلاً خاصاً بها، هو أشبه ما يكون برسالةٍ تحدَّث فيها عن أصل حبِّ العبد للربِّ، معتبراً أنَّ هذا الحبَّ مِنَّةٌ إلهية أودعها الله بذرةً في قلوب محبيه؛ كما تحدَّث فيها عن اتحاد المحبّ بالمحبوب وما يؤدي إليه هذا الاتحادُ من كشفٍ لأسرار الوجود..
ولكنْ، ومنذ أواسط هذا القرن، بدأ الكلام عن فناء المحب بالمحبوب وبقائه فيه، وهو الموضوع الذي أولاه عنايتَهُ الخاصَّة أبو سعيد الخّراز الذي توفي سنة 286 هجرية، والذي قيل: «إنه أول من تكلَّمَ عن الفناء والبقاء».
ويبرز هذا الفناءُ في أول أمره فناءً عن الحواس أثناءَ مشاهدة الحق؛ بمعنى أنَّ الصوفي الذي يكون في حالة تأمل يفقد أثناء تأمله الإحساس بكل ما يحيط به من محسوسات وذلك نتيجة استغراقه في هذا التأمل.. ومن هنا قال السراج في تعريفه: «وهو ذهاب القلب عن حسِّ المحسوسات بمشاهدة ما شاهَدَ، ثم يذهبُ عن ذهابه، والذهابُ عن الذهاب إلى ما لا نهاية له»..
وهذا الفناء عن الحواس لم يلبث أن تطور عند الصوفية إلى حالةٍ أخرى، وهي الحالة التي يفقد فيها الصوفيُّ وعيَهُ فقداناً تاماً، ويستهلك وجوده في وجود الحق، كما عبَّر عن ذلك القشيري عندما قال «بالاستهلاك في وجود الحق» وهو يقصد فناء الصوفي عن فكره وإرادته عن طريق التأمّل في وجود الحق، واستهلاكه في ذلك استهلاكاً لا وَعْيَ فيه، أي ما يسميه الصوفية «الفناء المطلق».
على أن لهذا «الفناء المطلق» شروطاً قاسية من شأنها إنْ تحققت، أن تقطعَ الفانيَ عن كل شيءٍ سوى الله، فيتّحد به ويصير وإيّاه شيئاً واحداً، فيصحُّ أن يدّعي بعدَهُ أن وجوده قد احتوى كل وجود، وأنه اتحد بكل شيء وأصبحَ والوجودَ كلَّه شيئاً واحداً، وبهذا يستوي عنده كل شيء في الوجود..
وهذا الشبلي ـــــــ أحد كبار الصوفية ـــــــ يبدأ تجربة اتحاده بأن يرى السويَّةَ في كل شيء: فاللاّوراء هو الوراء، واللانهاية هي النهاية.. وكل شيء، مهما كان صغيراً أو كبيراً هو جزء من اللانهاية (وبما أنه هو اللانهاية، فكل شيء منه).. ويفصح عما يعني حينما يرى «أن كلَّ شيء هو الله، أي أن الله هو الكلُّ في الكلِّ».. وفي هذا نجدُ أن الفناء في ذات الله هو الذي يشكل وحدة الوجود بشكل واضح. وقد لُخِّصت صفات الفناء الصوفي في نقاط أربع:
1 ـــــــ تعطُّل الحياة الشعورية = أي حالة الوعي العادية = تعطُّلاً يترتّب عليه فقدانُ الشعور بالموجودات والنفس أيضاً.
2 ـــــــ عدم الدوام، فإن الفناء قد لا يدوم أكثر من ساعتين.
3 ـــــــ في خلال هذه المدة يتم نوع من الاتصال الإدراكي بموضوع التأمل في صورة لحظات خاطفة سريعة يعبَّر عنه «بالكشف».
4 ـــــــ الشعور = في بعض الأحيان، وعند بعض الصوفية = بالاتِّحاد مع موضوع التأمل. وقد يتسع الشعور بالوحدة فيشمل المتأمل وموضوع التأمل والوجود عامة.
والواقع أن فكرة «الفناء المطلق» الذي يؤدي إلى «وحدة الوجود» قد تسرَّبت إلى الصوفية من تعاليم هندية، بل هي عقيدة من عقائد البراهمة التي تقوم على أُلوهية براهما.. وقد ظهرت البرهمية في الكتب الهندية التي دوَّنها كُهَّان هذه العقيدة منذ عصور قديمة، ثم غمرَها الزمن بعض الشيء إلى أن قام بعض الكهَّان المجدِّدين، بتوضيحها وتفسيرها وفق التعاليم القديمة، ومن ثَمَّ تولوا نشرها بِحُلَّةٍ جديدة تجعلها أقرب إلى الفهم. وأبرز أولئك المجددين من الكهان الفلاسفة، كان الكاهن المتصوف «شنكارا» الذي استطاع أن يفسر البرهمية وأن يعيد لها المكانة التي فقدتها مع ظهور البوذية في الهند. والمعاصرون الذين كتبوا عن «شنكارا» يرون بأنه عاش في القرن الثامن الميلادي، وهم يلخصون آراءه لدين «براهما» على النحو التالي:
1 ـــــــ ليس المنطق هو الذي يُعْوِزُنا إنما هي البصيرة النافذة.. وبهذه البصيرة نَعْرف ما هو أبديٌّ دائمٌ وما هو زمنيٌّ عابر، وبها نستخرج الكل من الجزء.
2 ـــــــ الإقبال على البحث والتفكير عن طواعية واختيار طلباً للمعرفة.
3 ـــــــ الصبر والهدوء والترفع للتحرر من الجهل مع القضاء على الحاسة الفردية لبلوغ «الاندماج السعيد في براهما» الذي هو المعرفة الكاملة والاتحاد اللانهائي.
4 ـــــــ «اللَّه هو الوجود، والكون الحقيقي كلّه والله شيء واحد»..
وإن «براهما» الذي يمثِّل الله ـــــــ سبحانه وتعالى ـــــــ في عقيدة البرهمية يتَّصف بسائر الصفات ويوجد في كل الأشياء، ولكنه يسمو على الشَّبَه، ويترفَّعُ عن الفوارق. وكلُّ أوجه الاختلاف بين الأشياء والخصائص والصفات، وكل الشهوات والغايات، فإنَّ «براهما» هو سببُها ومسبِّبُها معاً.. و«براهما» هو جوهر العالم الخفي الذي لا تحدُّهُ قيودُ الزمان..
وهكذا نجدُ في البرهمية فكرة «الاندماج السعيد في براهما» وهو ما يعبّر عنه الصوفية «بالفناء المطلق» الذي به تتحقق وحدة الوجود.. وهذه الفكرة التي ترجع بأصلها إلى عقائد الهند القديمة عرفها الصوفية من أولئك الذين أسلموا في بلاد فارس، وبلاد السند، وبلاد ما بين النهرين، بصورة عامة وذلك إثر الفتوحات الإسلامية السريعة. أما دخولها إلى العالم الإسلامي وظهورها فيه فقد كان في القرن الثالث الهجري عندما اعتنقَها البسطامي والحلاج والجنيد، إلى أن تركّزت بشكل عقيدة صوفية ثابتة على أيدي ابن عربي وابن سبعين وأمثالهما.
ومثل فكرة وحدة الوجود تسرّبت أيضاً في أواسط القرن الثالث الهجري إلى العالم الإسلامي عقيدة «الحلول» فاعتنقَها أبو يزيد البسطامي، وأبو حمزة الخراساني، والحسين بن منصور الحلاج وغيرهم..
ويشرح الحلاج عقيدة الحلول هذه، فيقول: «من هذَّب في الطاعة جسمه، وملك نفسه ارتقى به إلى مقام المقربين.. فإذا لم يبقَ فيه من البشرية نصيبٌ، حلَّ فيه روحُ الله الذي كان منه عيسى ابن مريم.. وإنَّ فِعْلَهُ حينئذٍ فعلُ الله»!.
ويشرح إخوان الصفاء في رسائلهم فكرة الحلول، في معرض كلامهم عن صفات الله تعالى، فيقولون: «هو الفائض منه وجود الموجودات، وهو المُظهر صورَ الكائنات في الهيولى، المبدعُ جميعَ الكيفيّات بلا زمان ولا مكان بل قال: كُنْ فكانَ.. وهو موجود في كل شيء من غير المخالطة، ومع كل شيء من غير الممازجةِ كوجود الواحد في كل عدد»..
ومما لا ريبَ فيه أن «وحدة الوجود» أو «الحلول» هما من النزعات التي يختلط فيها الوهمُ على أصحابها، حتى يَظنّون أنَّ لهم القدرة على الوصول = في حالات معيّنة كمثل حالة الفناء المطلق = إلى العزّة الإلهية؛ وأن يصيروا و«الذات الحق» ذاتاً واحدة.. أو أنَّ الله ـــــــ سبحانه وتعالى ـــــــ يختارهم عن سائر الكائنات حتى يحِلَّ فيهم عن طريق الفيض..
ولقد عبّر عن هذه النزعة الصوفية، المغايرةِ للإسلام، والمشوهةِ للأديان المستشرق جولد تسيهر في كتابه «الشريعة والعقيدة في الإسلام» بقوله: «ولقد ارتفعت بعض الأصوات من المتصوفة تنادي بأنَّ العلم بوحدانية الله يشتمل على عنصر من عناصر الاتحاد والإخاء بين البشر، بينما الشرائع والأديان تسعى لإثارة التفرقة والانقسام فيما بينهم»..
وفي تقديرنا أنَّ كل مستشرق بحث في التصوّف والصوفية إنما كانت غايتُه مدحَ هذا المعتقد وأهلَهُ، لأنه يرمي من وراء ذلك إلى تقريب التصوف من أفهام الناس وتحبيبه إليهم كي تبرز في الإسلام أفكارٌ متناقضة فتشوّهه وتُبعدُهُ عن حقيقته؛ ولكنَّ جولد تسيهر هنا، من حيث يدري أو لا يدري، وفي معرض تفريقه بين معتقد الصوفية ومعتقدات الأديان السماوية، جاءَ يفضحُ الصوفية، وكأنَّ الله سبحانه وتعالى أرادَ كشفَهم على لسانه حتى يحصحص الحقُّ ويزهقَ الباطل..
هذه المعتقدات لكونها غريبة عن الإسلام، كانت وراء كثير من أحوال الصوفية، وهي الأحوال التي يطَّلعون أثناءها على عالَمٍ يختلف تماماً عن عالَمِنا الحسّي؛ عالَمٍ ـــــــ كما يتخيلون ـــــــ كلُّه جمال وجلال ونورانية، لا تحدُّه حدود ولا تقيِّده قيود؛ فهم يزعمون أنهم يشهدون في هذه الحالة جلال الله سبحانه، ويشعرون بالصلة الوصيلة بينهم وبينه، صلةً تبلغ بهم مرتبة «الاتحاد» به.. بل يشعرون أن الحق سبحانه في وحدةٍ مع الأشياء والموجودات؛ وأن الحق والخلق وجهان لحقيقة واحدة، فيهتف أحدهم: «أنا الحق»... ومثل هذه الكلمات الجريئة هي ما عبَّر عنه الصوفية باسم «الشطحات»، والتي كان لأبي يزيد ـــــــ كما سنرى ـــــــ الجرأة على إذاعتها والجهر بها. وقد قيل عنه: إنه كان ذا تأثير كبير على تطوُّر التصوف نحو مذهب وحدة الوجود..
ومن تلك الأحوال، التي يباشرها الصوفية أثناء فنائهم في الله ما يسمّونه حالة الكشف، وهي حالةٌ من المعرفة، أو هي الطريق الصحيح إلى المعرفة، وهم لذلك يعوِّلون تعويلاً كبيراً على القلب لمعرفة الله تعالى، بينما يطرحون في هذا المضمار العقل بمقدماته المنطقية الخالية من الذوق الذي من شأنه عدم الخضوع للصّيَغ المنطقية؛ فهم يعرفون الله لأن الله عرَّفهم ذاتَه هبةً منهُ وتكرُّماً، لا لأنهم فكَّروا وقدَّموا المقدِّمات ورتَّبوا عليها نتائجها، فهم يعرفون الله بالله، أما غيرهم فيحاول معرفة الله بعقله..
وقد تكون حيرتهم في الله معرفة، في حين لا يعترف العقل بأن الحيرة معرفة. يقول ذو النون المصري: «عرفت ربِّي بربِّي، لولا ربِّي ما عرفت ربِّي».. ويقول: «أعرَفُ الناسِ بالله تعالى أشدُّهم تحيُّراً فيه».. ويقول: «معاشرةُ العارف كمعاشرة الله تعالى، يحتملك ويحلم عنك، تخلُّقاً بأخلاق الله عزَّ وجلّ».. والمعرفة بالله عند صوفية القرن الثالث جعلتهم يتكلمون في ذاته وصفاته وأسمائه. ولهم في ذلك كلام أشبهُ ما يكون بتقسيمات «المتكلِّمين».. فقد عرّفوا التوحيد، وخاضوا في الأسماء، والصفات، والنبوَّة والرسالة، والولاية والعرش، والجنة والنار، كما تكلَّموا في الإرادة، والقدرة وغير ذلك من المسائل الكلامية..
ولأبي يزيد البسطامي كلام طويل في الذات والاسم والصفة، مما يدل على أن هذا القرن شهد البذور الأولى لكل النزعات والآراء الصوفية التي جدّت فيما بعد.
وهكذا فإنَّ النصف الثاني من القرن الثالث كان خصباً نشيطاً، بالنسبة لأفكار الصوفية إذ تبلورت فيه كل تلك المذاهب والآراء، بينما ظلَّ النصف الأول يسبح في «وهج الحب الإلهي»..
وَرَدَّ جماعةٌ على أبي يزيد البسطامي فقالوا: «يا أبا يزيد: كنا نسمع كلام ذي النون وأبي سليمان، وننتفع به، ومنذ سمعنا كلامك تُبَشِّرُنا تركنا كلامهما».. فقال: «نعم القوم تكلَّموا من بحر صفاء الأحوال، وأنا أتكلم من بحر صفاء المنَّة، فتكلَّموا ممزوجاً، وأتكلم صِرْفاً، كم هو الفارق بعيد بين من يقول: أنا وأنت، وبين من يقول: أنت، أنت؟».. ولم يزل البسطامي يتكلم من بحر صفاء المنَّة ـــــــ كما قال ـــــــ حتى جاء الجنيد فأَرسَى القواعد لمذاهب التصوف وشرحها، وتكلم فيها كلام المتمكِّن، ومهَّدها تمْهيداً ميسوراً لتلاميذه ومريديه.. فقد «تطورت المذاهب الصوفية ونظمت على يدي الجنيد» الذي توفي في أواخر القرن، ولذلك استحق أن يطلق عليه لقب «سيد الطائفة».. على أنه وإن كانت المذاهب الصوفية في القرن الثالث تدين للجنيد بالتنظيم فإنها تدين للحلاج بما هو أكثر من التنظيم، إذ استطاعَ بشخصيَّتِهِ القويّة، ومنطقِهِ الجريءِ وكلماتِهِ الصريحةِ ـــــــ كما سنرى ـــــــ أن يوسِّع من هذه المذاهب، وأن يعدد من مسائلها، وأن يربط بين هذه المسائل ربطاً واضحاً بدأ به طوراً جديداً في التصوف، وهو طور سمَّاه البعض «فلسفة التصوف»..
وهكذا انتشرت تلك الآراء في أوساط الصوفية انتشاراً واسعاً، فاعتنقها أبو يزيد البسطامي، وراح يسلك في سبيلها شتَّى طُرق الرياضات والمجاهدات، حتى أفنى عمره في قهر نفسه وتعذيبها.. ويروي القُشيري في ترجمته للبسطامي، أنَّ أهون ما أخذ به نفسه من الرياضات والمجاهدات كان امتناعُهُ عن الماء عاماً كاملاً.. وهذا الكلام ـــــــ إذا صحَّ ـــــــ فإنما يعني أن البسطامي قد أخذ على نفسه العهد بالابتعاد عن الاغتسال والنظافة طيلة عام بكامله لا الامتناع عن تناول الماء، ما دام أنَّ الإنسان، لا يستطيع العيش بلا شرب ماء ـــــــ كما أكده العلم ـــــــ وحتى ابتعاد أبي يزيد عن الاغتسال فإنه غير مشفوع له لأنه يجافي طبيعة الإسلام.. وما فريضة الوضوء التي تتقدَّمُ الصلاةَ خمسَ مرات في اليوم على الأقل، إلاَّ مما شَرَعَهُ الدينُ القويمُ في حضّه على الطهارة.. فأين إذنْ البسطامي ورياضاته الصوفية من طبيعة إسلامنا العظيم؟! والحقُّ، أنَّ تلك الرياضات نوعٌ من الهوس طغى على فؤاد إنسانٍ فجعله يتصوف، ولكنَّ تصوّفه كان كمثل تصرّف مخبولٍ انطفأت أنوار الحقيقة عنده، فقادَهُ عمى البصيرة إلى مجاهدة النفس وتعذيب البدن.. وهذا كله على خلاف ما يتطلبه الإسلام من الإنسان في تعامله مع الدِّين والدنيا على حدٍّ سواء.. {يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185].
ونحن لا نتجنَّى على الرجل، فها هو يُمعن في مجاهداته حتى تسْلُب منه العقلَ، فيعبد نفسه مدَّعياً الألوهية، فيقول: «أنا هو، وهو أنا، وهو هو».. ويقول: «سبحاني ما أعظم شأني».. ومثل هذه الكلمات الجريئة ـــــــ المتأتِّية عن الاتحاد أو عن حالة الجمع ـــــــ أطلق عليها الصوفية اسم «الشطحات». والشطح كما يقول الجرجاني كلمة عليها رائحة رعونة ودعوى كما نجدُ في قول البسطامي (سبحاني)؛ وقولِ الحلاج (أنا الحق).. فقد قيل للجنيد: إن أبا يزيد (البسطامي) يسرف في الكلام!.. فقال: وما بلغكُم من إسرافه في كلامه؟ قالوا: سمعناه يقول: «سبحاني، سبحاني أنا ربِّي الأعلى».. فقال الجنيد: «إن الرجل مستهلكٌ في شهود الإجلال، فنطق بما استهلكه لذهوله عن رؤيته إيَّاه، فلم يشهد إلّا الحق تعالى فَنَعَتَهُ فَنَطَقَ به.. وليست هي المرة الوحيدة التي دافع فيها الجنيد عن البسطامي، فقد قيل: إنَّ أبا يزيد كان أول من أدخل بسلوكِهِ الرياضاتِ العنيفة «الفناءَ الهنديَّ» في التصوف، فلمَّا وجد الجنيدُ أن الناس يحاربونه، أخذ يُفلسف فكرة الفناء، ويلتمس لها من طرق التأويل ما يربطها بالدين، ولذلك ـــــــ سمَّى الفناءَ «الميثاق» ووصفه بأنه طريقُ الوصول إلى الله، وسبيلُ القرب منه، ولكن ذلك بقِي بالقدَر الذي أُعمي على بعض الناس فقط، وسمح لهم بقبول الفكرة، بينما لم تَخْفَ حقيقةُ الفكرة على الغالبية منهم..
وكما اعتنقَ البسطامي فكرةَ «وحدة الوجود» في مثل تلك الشطحات التي رأينا، فقد أخذ أيضاً بالحلول.. وها هو كما يتبيّن من كتاب «الإنسان الكامل» يشرح كيفية حلول الله فيه فيقول: «رَفَعَنِي (أي الله سبحانَهُ وتعالى) مرةً فأقامني بين يديه، فقال لي: يا أبا يزيد! إن خَلْقي يُحبون أن يروك. قلت: يا عزيزي وأنا أحب أن يروني. فقال: يا أبا يزيد، إني أريد أن أُريكَهُمْ.. فقلتُ: يا عزيزي إن كانوا يحبون أن يَروني وأنت تُريدُ ذلك، وأنا لا أقدرُ على مخالفتك، فَزَيِّني بوحدانيتك، وألبسني أنانيتك، وارفعني إلى أحديَّتك حتى إذا رآني خلقُك قالوا: رأيناك.. فيكون أنت ذاك، ولا أكون أنا هناك.. ففعلَ بي ذلك»!! وقد كان ابن سالم بالبصرة، كما يقول السراج يكفِّر البسطاميَّ لقوله: «سبحاني، سبحاني»..
وتختلط فكرة الحلول عند البسطامي بالعشق الإلهي، فيحار أيهما يريد، وأيهما يرغب بأن تستقرَّ حالُه عليها، ويبدو هذا الاختلاط في قوله: «خَرَجْتُ من بايا زيديَّتي كما تخرج الحيةُ من جلدتها، ونظرت فإذا العاشقُ والمعشوقُ والعشق واحدٌ، لأن الكل واحد في عالم التوحيد».. ومن قبيل ذلك، ما ورد أيضاً في «تذكرة الأولياء» من أن البسطامي كان عندما يتكلم عن الحق، يمتص شفتيه ويقول: «أنا الشارب والشراب والساقي».. وللبسطامي في الحب الإلهي شطحات واسعة وإشارات مجمِلة كثيرة، فمن ذلك شعورهُ بالاتحاد بين المحب والمحبوب كما في قوله:
بُـــــعْدُكَ مِنّـــي هــــــو قــُـــــربــــاكَ أَخَــــذْتَنـــــي عَنْــــكَ بِمَـــعْنـــــاكَ
لا تَفْرُقُ الأوصافُ ما بَيْنَنا إنْ قيل لي: يا! كنتُ إيّاكَ
فَسبحانَ مَن يُمهل ولا يُهمل.. يصبر على العاصي حتى كأنه لا ذنْبَ له!!
والبسطامي يصف الحب بأنه شراب إلهي، فقد كتب إليه يحيى بن معاذ قائلاً:
»سكرتُ من كثرة ما شربتُ من كأس المحبة».
فكتب إليه أبو يزيد يقول: غيرك شرب بحار السماوات والأرض وما روي بعد، لسانُه خارجٌ على صدره وهو يصيح: العطش، العطش.. وأنشد في ذلك:
عجبت لمن يقولُ ذكرتُ ربي وهل أنسى فأذكُرُ ما نَسيتُ
شربتُ الحبَّ كأساً بعــد كأسٍ فما نَفِدَ الشــرابُ ومـــــا رَوِيْتُ
ويعتقد البسطامي بأن الله ـــــــ سبحانه ـــــــ قد اختار لمحبته طائفة من خلقه أحبَّهم قبل أن يُحبّوه، فقال في ذلك: «غلطت في ابتدائي في أربعة أشياء: توهمتُ أني أذكره، وأعرفه، وأحبه، وأطلبه.. فلما انتهيت رأيت: ذكرُهُ سَبَقَ ذكري، ومعرفتُه سبقتْ معرفتي، ومحبتُه أقدمُ من محبتي، وطلبُه لي أولاً حتى طلبته».. ادّعاء باطل، وبهتان فاضح.. فمتى كان الله تعالى غيرَ غنيٍّ بذاته وبصفاته عن الخلائق والعالمين، ومتى كان سبحانه يفتقر إلى غيره؟!!..
ثم يذهب البسطامي في ادّعاءاته حتى يظنَّ بأن «الله (سبحانه) اطّلع على قلوب أوليائه فمنهم من لم يكن يصلح لحمل المعرفة صِرفاً فشغلهم في العبادة».. فأين نجد مثل هذا التصوّر والوهم إلّا عند هذا الصوفي المتعنت حتى يفتري على الله، سبحانه وتعالى، ويتقوّل بما ليس له فيه حق؟ وأين من افترائه هذا والله تعالى يقول في محكم كتابه العزيز: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]..
ويسخرُ البسطاميُّ = بعد ادّعائه بمعرفةِ ما أرادَهُ الله تعالى من أوليائِهِ = من علماء الشريعة، وتقوده هذه السخريةُ إلى حدِّ التّعَالي عليهم، فيتصورهم مجموعةً من الناس البسطاء، الذين يدّعون العلم والتعلّم، فيخاطبهم قائلاً: «أخذتم علمكم ميتاً عن ميّت وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت».. وقصده أن علماء الشريعة يأخذون علمهم عن النبيين والمرسلين وهؤلاء قد ماتوا جميعاً، بينما الصوفية لا يقلبون بما حَمَلَهُ المبعوثون من الله عز وجلَّ إلى أهل الأرض، بل يتجاوزونَهُ حتى يتلقَّوْا علمهم عن الله تعالى مباشرةً، ولِمَ؟ لأنهم يزعمون أنهم وحدهم أصحاب العلم اللّدني، وأولياءَ الله المخلصين، الذين خصَّهم الله تعالى بهذه الميزة على كل من عداهم من الخلق!!..
ثم مَن هم علماء الشريعة عند البسطامي وهو الذي يشطح به الخيالُ حتى يجعله يتوهَّمُ بأن علم الصوفية لا حُدود له، فهو فوق كل العلوم، بل وفوق علم النبيين أنفسهم، فيقول: «لقد خضنا بحراً وقف الأنبياء بساحله»..
إذن الصوفية فوق الأنبياء والمرسلين!!.. أليس في هذا كذبٌ فاضح.. وصدَقَ الله العظيمُ، عندما يخاطبُ رسولَهُ الكريمَ (ص) بقوله تعالى: {فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ} [الأنعامِ 33].. إنَّ البسطامي يدّعي لنفسه ولجماعته الصوفية علماً فوق علم الأنبياء وتكاليف أبعدَ من تكاليفهم، لأن للأنبياء، على حَد زعمِهِ، رسالات محدودة، تقف عند ساحل البحر الصوفي ولا تتعدّاه، بينما الصوفية يخوضون غمار هذا البحر بما لهم من «ميزات خارقة»، و«مقامات عالية»، وما إلى ذلك من مهاترات، وترهات، وسخافات!!..
فما هذا الكفر الذي سمعه المسلمون في حينه، والذي ما زالوا يتناقلونه حتى اليوم؟!.. إن المسلمين ومِنْ ورائهم حكامَهُمْ الذين تغاضَوْا عن ذلك، هم المسؤولون عن جريرة ما ارتكب البسطامي وأمثالُه.. لقد حاسَبَ أولئك الحكامُ المتعدّي على سلطانهم ونسوا مَنْ تطاولَ على سلطانِ الله تعالى، وسلطانِ رسلِهِ وأنبيائه. {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى اللَّهِ} [الزمر: 32]، {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِباً أُوْلَـئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَـؤُلاء الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} [هود: 18]؛ {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ} [الزمر: 60].. ألا إنَّ لأبي يزيد وأمثاله موقفاً، أيَّ موقفٍ، هناك!!..
لأنَّ أيَّ تصوّرٍ مغالطٍ لحقيقة النبيين والمرسلين ليس إلاَّ حماقة وجهلاً..
ولأنَّ أي ادعاء بعلم يعلو على علم هؤلاء ـــــــ عليهم جميعاً الصلاة والسلام ـــــــ محضُ كذبٍ وافتراء..
فإنْ قالَ الصوفيةُ بأنَّ علمَهم فوقَ علم الذين بعَثَهُمُ الله بالحق وأوكل إليهم حمل رسالاته، فمَعْنى ذلك أنَّ أولئك الصوفية لا يحفلون بكتاب الله وسنة رسوله، وإلاَّ كيف أمكن لأحد شيوخهم القدامى، المسمّى بالبسطامي، أنَّ يدّعي بأنهم يتلقون علمهم من الله مباشرةً، أي خارج نطاق كتاب الله المبين الذي أنزله الله تعالى على قلب رسوله محمد (ص)، وختَمَ به رسالاته إلى الأرض؟!..
قد يأخذنا العجب من هكذا حماقات، ولكنَّ الدهشة الأَدْهى تكون عندما نَعلَمُ أن البسطاميَّ وهو يدعي أنه على دينِ محمدٍ (ص) الذي أُنزلَ عليه القرآن الكريم من ربه يخالفُ هذا الدّينَ عندما يدّعي لنفسه شفاعة فوق شفاعة رسول الله (ص) ومعراجاً كمعراجه، فيقول في شفاعته تلك الواهمة الخادعة: «محمد يشفع في أمته وأنا أشفع في جميع الخلائق».. أما عن معراجه فلا يحدثنا شيئاً، وكان عليه حتى تكمل معه صورة الافتراء أن يعلن بأنَّ «سورة المعراج» في القرآن الكريم تعنيه هو، وليس سيِّدَ المرسلين محمَّدَ بن عبد الله، عليه وعلى آله أفضل الصلاة والسلام!!.
وإنَّ جوابنا الأوحد على كل هذه الادعاءات والضلالات قولُ الله تعالى: {سَيَعْلَمُونَ غَداً مَّنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ} [القمر: 26]. ويتجاوز البسطاميُّ علماءَ الشريعةِ إلى النبيين والمرسلين، ثم يتجاوزُ هؤلاءِ جميعاً حتى يصلَ إلى الله تعالى، وتذهبُ به تخيلاتُه الصوفيةُ حتى يتعدَّى على حرماته القدسية، فيدّعي لنفسه بطشاً أشدَّ من بطش الله ـــــــ جلَّ وعلا ـــــــ وذلك حينما سمع قارئاً يقرأ القرآن، ويتلو الآية الكريمة: {إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ} [البروج: 12]، فيقول: «إنَّ بطشي أشدُّ من بطشه»!!..
لو أدركَ البسطاميّ وعَقَلَ، لَعَرَفَ قصة الذبابة التي خرقت أُذُنَ «النمروذ» الطاغية، صاحب الغطرسة والبطش، واضْطَرَّتْ حرَّاسهُ، بتوسُّلٍ منه، أن ينهالوا بالضرب على رأسه بحذاء علَّ طنينها يَخِفُّ، فيرتاح قليلاً، ولكنَّ ذلك لَم يُجْدِهِ نفعاً، وقتَلُه طنينُ الذبابة.. لو تذكر البسطامي في تلك اللحظة التي نطق بها كفراً، وجَعاً كان قد ألمَّ به لعرَف مقدَار وهنِهِ، وقلة حيلته في عالم الدعةِ، وليس في عالم البطش..
ويتمادى البسطاميُّ في الغيّ والضلال، حتى تحلَّ به أطوارٌ غريبةٌ من التصوّر تقرُبُ من فقدان الوعي، فإنْ هو رأى ناراً، استذكر أنَّ في الآخرة ناراً، ولكن بغير مدلولها القرآني، ومعناها العقابيّ لكل كافر، مخادع، ظالم، متكبّر، مدعٍ.. فلنستمع إليه يقول: «ما النار! اجْعَلْني من أهلها وإلاَّ أطفأتُها.. ما الجنةُ إلاَّ لُعب صبيان.. هَبْ هؤلاء اليهود، ما هؤلاء حتى تعذبهم؟».. ويقول أيضاً: «وَدَدْتُ أنْ قد قامتِ القيامة حتى أنصُبَ خيمتي على جهنم» فلما سأله أحدهم: ولِمَ ذلك يا أبا يزيد؟ أجاب: «لأني أعلم أن جهنَّم إذا رأتني تخمدُ وأكون رحمةً للخلق»..
ما بال هذا البسطامي ينسى ما قاله الله تعالى عن جهنم في محكم كتابه الكريم: {إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ} [المرسلات: 32] فكيف يتلقى هذا القزم شرها؟ ألم يعلم أن جهنم سوف تكون له ولأمثاله {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً} [النساء: 56]. أم كيف يثبت أمامها عند رؤيتها وهي {إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً} [الفرقان: 12].
هذه بعض ملامح جهنّم التي يتمنَّى البسطامي أن تقومَ القيامةُ حتى ينصب خيمته عليها ليطفىء نارها المتلظّيَة تغيُّظاً وزفيراً.. هل كان يتحمل البسطامي أن يضع إصبعَهُ في نارٍ أوقدها؟ قطعاً لا! إذن فكيف به على احتمال نار جهنم؟! وما هي تلك القدرة التي يحوز حتى يكون بمقدوره أن يطفيء جهنَّم = التي لا يعلم مدى اتساعها إلاَّ الله = بخيمة حقيرة، معدومة، لا تقوى على حرّ الشمس ولا تصمد أمام الريح؟!.. ثم هو يهزأ بالجنة، ويعتبرها لعِبَ صبيان، في حين أنَّ الله سبحانه وتعالى، وصفَ جنّة خلدِهِ بأن عرضها السماوات والأرض، يتمنّاها كل مؤمنٍ صادق، وعدٌ من الله حق، لقوله تعالى: {جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاء وَمَصِيراً} [الفرقان: 15]. وقولُه تعالى: {مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَآئِمٌ وِظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ} [الرعد: 35].
فهلاَّ كنتَ قرأت القرآن يا أبا يزيد حتى تعرف ما الجنة، وما النارُ؟
أما كان أحسنَ عُقبى لك أن تكون مِنَ المتقين؟ فتتَّقي الله تعالى في نفسك وتبتعد عن ضلالك؟ ولكن كيف يكون من المتّقين يا أبا يزيد، من سوّلت له نفسه ادعاءً أنه بات لا يرى مع نفسه، في كل الوجود، إلاَّ ذاتَهُ، وذلك عندما يقول، وهو قولك: «حججتُ مرةً فرأيت البيت (أي الكعبة) وحججتُ ثانيةً فرأيت صاحبَ البيت (أي الله سبحانه وتعالى). وحججت الثالثة فلم أرَ البيت ولا صاحب البيت».. أي أنَّه اتحدت به الكعبة الشريفة، واتَّحدَ به الله عزَّ وعلا، فلم يَعُدْ يرى ـــــــ في وحدة الوجود ـــــــ إلاَّ نفسه.. وهذا لعمري منتهى الإنكار، والبهتان، والضلال!!
ثم يُوغِلُ البسطاميُ في حماقاتِه وترهاته إلى أبعد من ذلك بكثير، عندما تجده يحكي عن نفسه. من أنه زهد في الدنيا وما فيها، ثم زهد في الآخرة وما فيها، ولم يبقَ أمامَهُ سوى الله (تعالى)، فهمّتْ نفسه لولا أن سمِعَ هاتفاً يقول له: يا أبا يزيد، إنك لا تقوى معنا!!
تأمَّلْ.. عبدٌ مسكين، تائهٌ، ضعيف يعيشُ على تعذيب نفسه، وقد لا يقوى على ردّ بعوضةٍ تقرصُ جسمَهُ، هذا العبدُ يأخذُهُ الغرور، ويتلبَّسُهُ الشيطان، حتى يكونَ له ذلك التخيّل الذي يوحي لنفسه الشريرة العاصية بما تكادُ مَعَهُ أن تَهُمَّ بالله العليّ، العظيم، المقتدر، الجبّار؟!
نستغفر الله ونعوذ به من كل شيطانٍ رجيمٍ، ومن كل مارق لعين!.
لقد كانت لإبليس معصيةٌ عندما اعتبر أن خلقَه من نارٍ أفضلُ من خلقِ آدم من طين، ولكنَّهُ عندما ارتكب تلك المعصية ظلَّ على اتّزانه في معرفة حدودِهِ فلم يتخطَّها، ولذلك دَعَا ربَّهُ ملهوفاً، وقال: {أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ}.. وهذا طلبٌ فيه رجاءٌ بأن يَدَعَهُ الله تعالى حيّاً إلى يوم الدين، حتى يغويَ الناسَ، أصحاب الإرادة الضعيفة، هؤلاء يكون في نفوسهم قابليّة الإغواءِ، إلاَّ عبادَ الله المخلصين، لأنه لا يقدر عليهم..
هذا ما كان عليه حالُ إبليس في المعصية التي ارتكب، أما البسطامي، وبما ادَّعى، فهو أكبرُ من عاصٍ، بل وفاقَ إبليس كثيراً في معصيته، ذلك أن عصيان إبليس كان بعدم السجود لآدم، وبإظهار المجادلة لله تعالى، في حين أنَّ البسطاميَّ خرقَ كلَّ النواميس ليتطاوَلَ على العزّة الإلهية، وكان من قبلِ هذا التطاول قد استخفَّ بالمرسلين، بعد أن هزأ من رجال الدين، فهل يمكن أن نسمي هذا معصيةً، أم كفراً، أم زندقة، أم نفاقاً؟ أم أنه لا يمكن أن نطلق على ذلك التطاول أية تسمية؟!..
ويذهب البسطاميُّ في الشطح حتى لا يعود أمامَهُ إلاَّ أن يدّعي الألوهية، فيدّعيها بكل صفاقة ويقول: «سبحاني ما أعظم شأني»!!..
وتظهر حقيقة البسطامي: جنوناً وخبلاً يلفّان كل إدراك لديه، ولكنَّ إخوانه الصوفية، وفي مراوغةٍ فاضحة، يحاولون أن يخففوا من غلواء ادعاء صاحبهم، فيقولون: إنه صاحب شطحات!!
فأي شطحاتٍ هذه؟
هل التعدّي على قدسية الله تعالى، وإافراغُ الألوهية من كل معانيها، شطحات؟ ثم ما هذا التعبيرُ الغريبُ عن ديننا، إنه اختراعٌ من الصوفية، للدفاع ليس فقط عن البسطامي وكل صاحب «شطحات» وحسب، بل دفاعٌ عن وجودهم بأسره حتى لا يهبَّ الناسُ للقضاء عليهم إنْ أدركوا حقيقة ما يرمون إليه، ولذلك كان منهم ذلك الاختراع الذي انطلى على الناس باسم الشطحات فظلوا منساقين وراء ترهاتهم وأباطيلهم..
إنَّ البسطامي = وحاله كما نرى = لا يعدو كونه أحد أولئك الذين قال الله تعالى فيهم، وهو يخاطب رسولَهُ الكريم: {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} [الفرقان: 43].. وهو خطاب من الباري عز وجل ليواسي به قلب رسوله الحبيب (ص) بعدما عانى كثيراً من كيد المشركين، ومن جموح أهوائهم، واستهزائهم بما يدعو إليه. لأنه لم تنفعهم دعوة، ولم تقنعهم حجة، بل ظلوا يكابرون وعليه يتطاولون، وبه يكيدون... وكان السبب في هذا الموقف للمشركين، تلك العلّة الكامنة في نفوسهم التي تأبى الإيمانَ، وتريد السيرَ وراء الأهواء، حتى باتت أهواؤهم بمثابة الآلهة التي يعبدون.. ومَنِ اتّخذَ هواه إلهاً لا يمكن أن يعبد الله تعالى إلهاً واحداً أحداً لا يشرك به شيئاً، ما دام ذلك الهوى قد استحكم في نفسه وأعماها عن الهداية والحق..
وإنّا لنجد في واقع حياة الإنسان، أنَّ النفس التي يَغلُبُ عليها الهوى، هي النفس التي تحلَّلَتْ من كل مكرمةٍ، وجعلَها هواها تنفلتُ من كل المعايير والمقاييس، وتتحلَّلُ من كل الموازين والقواعد؛ فلا تعود تخضع إلاَّ لرغباتها، ولا تتحكَّمُ بها إلاَّ شهواتُها، ولا تتعبَّدُ إلاَّ لذاتها، حتى يصبح بالتالي هواها الطاغي هو معبودها الذي تتّخذه إلهاً تطيعه وتأتمرُ بأوامره المضلّلة الذميمة.. وهذا ما أَبَانَهُ القرآنُ الكريم بقوله تعالى: {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً (43)‏ أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً} [الفرقان: 43 ـــــــ 44].
والبسطامي على حقيقته، ليس أكثَرَ من ذاك الصوفي الذي اتخذ إلههُ هواهُ يعبده، ويتمرّغ بين أحضانه الفاسقة كُفْراً وإلحاداً، بعدما رأينا من تطاوله: على العزّة الإلهية =وهذه وحدها تكفي = وعلى رسول الله (ص)، وعلى كافة النبيين والمرسلين، وعلى علماء الدين، الشيء الكثير.. بل وكان تطاولُهُ أبعَدَ من أيِّ مدى يمكن أن يصل إليه هوى مغرورٍ، ملحدٍ، مُمعنٍ في إلحادِهِ..
ورغم كل ذاك الذي قال به البسطاميُّ واعتقَدَهُ، فقد فتن به بعض كبار الصوفية، واتخذه بسطاؤهم إماماً وقدوة، ولذلك راحوا يدافعون عنه ويسمون ادّعاءاته بالشطحات والإشارات المجملة؛ ولقد كان الجنيد أحد مشايخ الصوفية وكبرائهم الذين تطوعوا للدفاع عن البسطاميّ، عندما راح يلتمس له المعاذير، ويؤوِّلُ أقوالَهُ بما لا يتفق أبداً مع واقعها ومفهومها، معتبراً أنَّ تلك الأقاويل الجريئة، الوقحة، والضّالة المضلّة مجرد ادعاءاتٍ وشطحات.. كما أنَّ ابن الجوزي ينقل عن الغزالي ما يُفيدُ بأنَّ أبا تُراب التخشيبي قال لأحد مريديه: «ولو رأيت أبا يزيد البسطامي مرة واحدة كان أنفع لك من رؤية الله سبعين مرةً»..
ما هذا النوع من الدجل المتفق عليه من أفراد تلك العصبة الدسّاسة، التي اتخذت الصوفية عقيدةً لها ومذهباً؟!.. ومن هو البسطامي حتى تكون رؤيتُهُ تغني عن رؤية الله عزَّ وجلَّ؟!
فأولاً: إنه سبحانه وتعالى مستحيل الرؤية، فهو {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} مما تصوِّرُه الأوهام وتتخيّلُهُ المخيِّلات، فيكون الصوفية بقولهم ذاك، يريدون أن يزرعوا في النفوس فكرة التجسيد والصنمية والوثنية..
وثانياً: ماذا كان في وجه البسطاميّ من الهيبة والصفاء والبهاء؟ وما النشوة التي تُحدثُها رؤيته لمن وقعت عليه عيناه؟ وما هو النفعُ الدنيويُّ أو الأخرويُّ الذي يجتنيه الرائي حين ينظر إلى البسطامي؟ قيل: «إن النظر إلى وجه رسول الله (ص) عبادة» وهذا حقٌّ باعتباره الرسولَ الأعظم، وخاتم النبيين، الذي حَمَلَ أسمى رسالات الله إلى عباده كافة، وهداهم إلى الصراط المستقيم.. أما أن ينظر المرءُ في وجه رجل جدّف على الإسلام، فهذه دعايةٌ من الصوفية الذين قبلوا أن يكونوا الأداة لتنفيذ المؤامرة على الإسلام من أولئك الذين راموا اجتثاث العقيدة الإسلامية من القلوب، وهدفوا إلى غرس تلك الافتراءات مكانها، في محاولةٍ يائسةٍ، لبعث الإلحاد بعد أن توارى عن الديار الإسلامية..
ولعلَّ أغرب دفاع عن البسطامي ما احتوته «الرسالة القشيرية» حيثُ يدّعي صاحبها بأن البسطامي كان شديد التمسك بالكتاب والسنة، وذلك عندما ينسب إلى القول: «لو نظرتم إلى رجل أعطي من الكرامات حتى يرقى في الهواء فلا تَغْتّروا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي، وحفظ الحدود وأداء الشرائع»!...
ونحن نتساءل. ولكن هل يمكن أن يصدر هذا القول عَمَّن كان عنده ادّعاء بالألوهية، أو مِمَّن كان يُسبِّح نفسَهُ، أو مَن كان لا يتحرَّجُ عن الإعلان على الملأ قائلاً: «أنا هو، وهو أنا»؟!..
هل هذا المدّعي يحتاج إلى أمرٍ أو نَهْيٍ؟ وهل تكون لديه حدود، أو يقرُّ أو يعترفُ بحدود؟ أم هل يقبلُ أن يقَعَ عليه تكليفٌ أو أن يؤديَ فرائض، أو أن يعتنقَ شريعة؟!
أم أنها المغالطة التاريخية التي يرتكبها عادةً أناسٌ لا يريدون إلاَّ تزوير الحقائق، فيُلبِسونَ من أجل ذلك الباطلَ بثوبِ الحق، ويلفقونَ الشرَّ بالخير؟!
هكذا اعتمدَ الصوفيةُ الذين هم على شاكلة البسطامي، تلك المغالطة التاريخية، عندما ادّعوا زوراً وبهتاناً أنهم من المسلمين، بينما هم في الحقيقة أبعد ما يكونون عن الدين الإسلامي، كما نعرفه، وكما يعرفه العالمُ، من خلال كتاب الله المبين، وسنة رسوله الكريم..
ولا نخالُ البسطاميَّ إلاَّ المجوسيّ أو الوثنيّ الذي كفر بوحدانية الله عزَّ وجلَّ، مختبئاً وراءَ ثوبه الصوفي، ومظهراً الإسلام، لتحقيق أغراضه الدنيئة التي كان يطمع في الوصول إليها.. وليس هذا الذي نقوله عنه إلاَّ عدل بعدما رأينا، ما رأينا، من كفره، وزندقته، ونفاقه، وما سوَّلت له نفسُهُ من ارتكاب المعاصي التي يحاربها الإسلام، بل والتي ما أنزلَهُ الله تعالى إلاَّ من أجل محاربتها حتى تقومَ من بعدها الحقائق المطلقة التي توصِلُ في النهاية إلى حقيقة معرفة وجود الله، وسناء عظمته..
والأصل المجوسي لتصوّف البسطامي يُقِرُّ به زعيمُ المستشرقين في التصوف نيكلسون، وذلك عندما أرجَعَ مذهَبَ البسطامي الصوفي إلى الأصل المجوسي.. وإن كانَ قد صادَمَ فيما أقرَّ، ومن غير أن يدري، آراءه المصطنعة في قيام التصوّف ـــــــ كما يزعم ـــــــ على قواعد إسلامية.
ذلك هو أبو يزيد طيفور البسطامي، صاحب الشهرة الواسعة في عالم التصوّف، الذي مزج في آرائه ما بين العشق الإلهي والحلول، واعتنق مذهبَ «وحدة الوجود» حتى انتهى به الحال إلى وثنيةٍ لا يعبُدُ بها إلاَّ نفسَهُ التي استبدَّت بها الأهواءُ والنزعات، حتى بات أقوالُهُ أشرَّ من الوثنيات القديمة التي عَبَدَ أتباعُها أصناماً لا تنفع ولا تضر. ولا تغني عن الحق شيئاً..



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB