الصوفية في نظر الاسلام
الطبعة : الطبعة الرابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   600
تاريخ النشر :   1993




رابعة العدوية

رابعة العدوية، المرأة التي ملأ صيتها دنيا التصوف، وشغل أسماع أتباعه، هل هي شخصية أسطورية من نسيج مخيلات الباحثين، أم أنها على العكس من ذلك كانت إنسانة مثل سائر الناس، وعاشت مثلهم أيضاً في عالم الواقع والحقيقة؟. 
رابعة العدوية
رابعة العدوية، المرأة التي ملأ صيتها دنيا التصوف، وشغل أسماع أتباعه، هل هي شخصية أسطورية من نسيج مخيلات الباحثين، أم أنها على العكس من ذلك كانت إنسانة مثل سائر الناس، وعاشت مثلهم أيضاً في عالم الواقع والحقيقة؟.

هذا ما اختلَفَ فيه الباحثون؛ حتى أنَّ الذين اتفقوا على وجودها اختلفوا في تحديد هويتها وفي سيرة حياتها، ولذلك انصرفت عنايتُهم إلى الجانب الصوفي من حياتها، وهو الجانب الذي قامت عليه شهرتُها حتى كان لها ذلك الصيتُ الذائعُ وما حفل به من مكرمات فتنت عالمَ الصوفية، وألقت بظلالِها عليه حتى يومنا هذا.
وفي اعتقادنا أنه لا دخلَ للأسطورة في حياة رابعة، لأنها كانت إنسانةً، وذات وجود فعلي، آثرتْ بعد أن قطعت مرحلةً هامة من سنيّ الشباب، الانزواء عن الناس، والقيام على نوعٍ معين من العبادة، إلى أن برزت صاحبةَ شخصية صوفية مؤثّرة، فأعجب بها الكثيرون من أتباع المذهب، وحفظ لها التاريخُ تلك الشهرة الواسعة التي تقومُ على كونها واحدة من كبار المتصوّفين الأوائل الذين تركوا بصماتٍ دامغةً على عالم التصوّف واعتُبروا من روّاده ومؤسّسِيْهِ..
ومن هنا فإنَّ دراستنا لرابعة سوف تنصبُّ بصورة أساسية على مذهبها الصوفي المعروف بمذهب الحبّ الإلهي، وما تخلَّلهُ من أفكارٍ طغتْ على رابعةَ وجعلتها تتوهَّمُ أنَّها الطريق التي توصلها إلى الله ـــــــ سبحانه وتعالى..
فمن هي رابعة العدوية ولمن تنتمي في نَسَبِهَا؟
قلنا: إن الآراء لم تتفق على تحديد هوية رابعة؛ فالبعض يرون أنها مولاة لآل عتيك، وآل عتيك بطن من بطون قيس، وأنَّ أباها اسمه إسماعيل. والبعض الآخر يرون أنَّ من آلِ عتيكٍ بني عدوة ولذا تُسمى العدوية. أما كنيتها فأم الخير.. وهكذا ففي حين تذكر بعض المصادر اسم أبيها على أنه إسماعيل فإنَّ مصادر أخرى تغفل اسم هذا الأب، ومن هنا اختلط الأمر على البعض فمزج بين رابعة العدوية البصرية، وهي الصوفية المعروفة، وبين امرأة أخرى اسمها رابعة بنت إسماعيل (أو رايعة)، وقد عاشت في بلاد الشام وتزوجت من أحمد بن أبي الحَواري وكانت وفاتها في سنة 229 هجرية برأس زيتا من بيت المقدس..
وقد قيل: إن اسم «رابعة» يعود إلى أنها ولدت بعد ثلاث بنات لأبيها، فلمَّا كانت الرابعة فقد حملت الاسم.. ومهما كان ذلك الاختلاف بين المؤرخين والباحثين، فهنالك إجماعٌ على أن امرأةً تُدعى رابعة العدوية، عاشت في البصرة خلال القرن الثاني الهجري، وقد عمَّرت حوالي ثمانين عاماً، وتوفيت سنة 135 هجرية (على حدِّ قول البعض)، أو سنة 185 هجرية (على حدّ قول البعض الآخر). وفي نظرنا أنَّ وفاتَها كانت سنة 185 هجرية الموافقة لسنة 752 ميلادية، بدليل عدة شواهد تؤكّد هذا الاتجاه، ومنها:
ـــــــ صداقة رياح بن عمرو القيسي لها، الذي توفي سنة 180 هجرية، وقد كان صوفياً كبيراً عَزَفَ عن الدنيا وأهلها، فهامَ بين المقابر، وقضى الليالي بالسهر، دائب النوح والبكاء والتضرّع.
ـــــــ رفقة سفيان الثوري لها، وقد جاء البصرة بعد سنة 155 هجرية.
ـــــــ خطبة محمد بن سليمان لها، وقد كان واليَ العباسيين على البصرة، وقد توفي سنة 172 هجرية.. وأما عن اجتماعها بالحسن البصري وما قيل في ذلك، فهو محض اختلاق ولا أساس له من الصحة.. ذلك أن الحسن البصري ولد حوالي عام 21 هجرية وتوفي سنة 110 هجرية؛ أي أن وفاته كانت بعد ولادة رابعة بخمس سنين تقريباً، فكيف يعقل أن تجتمع إليه، وأن تتأثر بمنهجيته وهي في تلك السن المبكرة؟.
ونكتفي بهذا القدر من التعريف برابعة العدوية كي لا يُشغلنا عمَّا هو أهم، ألا وهو ما اشتهرتْ به تلك المرأة من آراء صوفية = أو ما أُثِرَ عنها أو ما نُسب إليها في هذا المجال = بحيث كان لها تأثيرها الكبير على جمع من المسلمين اندفع وراءَ تلك الآراء التي شكلَّت مذهبها في العشق الإلهي، وهو المذهب الذي ظهر فسادُهُ لعدم توافقه مع العقيدة الإسلامية، فألقى بمريديه في غياهب الضلال والتضليل، وكان خطرُهُ بإدخاله على حياة المسلمين كمسلمين، لأنَّ مفاهيم دينهم عن حبّ الله = سبحانه = تختلف كثيراً عما جاءَ به ذلك المذهبُ وحَمَلَهُ أتباعُهُ.. بل ويمكن القول إنَّ مذهب رابعة هذا كان باكورةً لمذاهب التصوّف الأخرى التي عرفَها العالم الإسلامي، لأنه لم يكن قبل رابعة وجودٌ لمتصوفين بالمعنى الذي نفهمه اليوم، وجلّ ما كان جماعةٌ من المتقدّمين غلب عليهم طابع التقشف والنُّسْكِ فقط، من غير أن يعيشوا حياةً صوفية بحتة، حتى أن الحسن البصري نفسه، الذي أرادَ المتصوفون أن يحتجّوا به، لم يكن أكثَرَ من فقيه وَرِعٍ بليغٍ، يعظ الناس ويحذّرهم من عقاب الآخرة وجحيم نارها، ويُرغّبهم في ثواب الله وجنة خُلده.. فلما جاءت رابعة وابتدعتْ فكرةَ الحب الإلهي ـــــــ الذي أقامته على نهج الشوق والأنس والوجد في علاقتها مع ربّها ـــــــ أخذت الصوفية تتركّز في بعض الأذهان كفكرة، لتبرز بعد ذلك كظاهرة جديدة لم يعرفها المسلمون من قبلُ..
وإذا كان قد نشأ للصوفيين، من بعد رابعة، تنوعات عديدة في الأفكار والطرق، فإنَّ أيّاً من المتقدمين أو المتأخرين منهم لم يبلغ ما بلغته رابعة في العشق الإلهي، حتى أنّ ابن الفارض (المتوفى سنة 632هـــــــ). الملقب بشيخ العُشَّاق وإمامِ المحبين في عالم الأشواق والمواجيد لم يزد في الحب الإلهي شيئاً عما قالته رابعة العدوية.. ومن قبله ببضعة قرون ذو النون المصري (المتوفى سنة 245هـــــــ) أستاذ من تحدّث عن الحب والمعرفة في التصوف إنّما كان يردد ما ادَّعته رابعة في مواجيدها، وبهذا تقول عنه دائرة المعارف الإسلامية: «والمتأمل فيما أثر عن ذي النون من أقوال منثورة وقصائد منظومة، يلاحظ أنه يصطنع لفظتي الحب والمحبة اصطناعاً صريحاً، سواء في تعبيره عن إقبال الله على العبد، أو إقبال العبد على الله، وأنه باستعماله لفظة الحب بنوع خاص إنما يشارك رابعة العدوية التي تُعَدُّ أول من استعمل هذه اللفظة استعمالاً صريحاً فيما كانت تناجي به ربَّها، أو فيما كانت تتحدّث به عن علاقتها به، وإقبالها عليه، وإيثارها له».
من هنا يتبيّن أن رابعة العدوية هي رائدة العشق الإلهي عند صوفية المسلمين، بالحقيقة والأساس. والمؤرخون لا يؤكِّدون المصدر الذي أخذت عنه رابعةُ فكرةَ الحب الإلهي، وهل إنَّ هذا المصدر كان محضَ شعورٍ نَبَعَ من ذاتها لما عانته في حياتها من فقرٍ وأَسْرٍ وحَيْرةٍ، أم هو عائد إلى كونها من أصلٍ مسيحي، وهم يُعزونَ ذلك إلى أنَّ أهلها كانوا من المسيحيين الذين عاشوا في تلك الأنحاء من بلاد العراق ثم أقبلوا على الإسلام واعتنقوه..
والحقيقة أنه لا شيء ثابت حول ذلك المصدر، وقد يكون مجرَّدَ تكهنات إلاَّ أنها لا تخلو من الصحة.. ذلك أن فكرة الحب الإلهي موجودةٌ فعلاً في الدين المسيحي ولا شيء يمنع أن تكون رابعة قد تأثرت بها من خلال معرفتها بهذا الدين، كما لا شيء يمنع أن تكون تلك الحياة التي عاشت، وما تخلَّلَها من أحداث شخصية قد جعلت تلك الفكرة تتعمَّقُ لديها بحيث جاءَ تصوفها المبني على الحب الإلهي من ذينك المصدرين معاً، ولكنَّ رابعة أعطت لفكرة الحب الإلهي طابعاً خاصاً لم يعرفه أحد من المسلمين قبلها، وهذا مع الانتباه إلى شيء هام والتأكيد عليه، وهو أن فكرة الحب الإلهي غريبة تماماً عن الإسلام، ولا وجودَ لها أصلاً بمفاهيمها المعروفة فيه، في هذا الدِّين القويم..
ويبدو أن رابعة أحيطت بهالةٍ من الإعجاب والتقدير جعلت حياتَها مقرونةً بالمكرمات منذ ولادتها..وهذا ما ذهب إليه المؤرخ الصوفي فريد الدين العطار في «تذكرة الأولياء» عندما يذكر بأنَّ رابعة ولدت في بيتٍ فقير جداً، بل ومعدومٍ من كل ما يَسُدُّ الحاجةَ والرمقَ حتى أنَّ أبويها لم يكن عندهما نقطة من السمن للخلاص، ولا قطعة من القماش لتُلَفَّ بها الوليدة الجديدة.. وقد بكت الأم ساعة ولادتها طويلاً، وألحَّت على الأب كي يخرج طلباً للمساعدة، إلاَّ أنه لم يستمع إليها لأنه كان قد أخذ على نفسه عهداً بأالاَّ يطلب شيئاً من أحدٍ، ولكن عادَ ورضخَ تحت وطأة ذلك الظرف، وذهب يدقُّ أبواب جيرانه إلاَّ أنَّ أحداً لم يفتح له أو يسعفه بشيء، فعادَ إلى بيته مهموماً باكياً، وانكبَّ على الصلاة يُفَرِّجُ بها عن كربه حتى أخذه النعاس، فنام.. وفي تلك الإغفاءة رأى في المنام النبيَّ (ص) يقول له: «لا تحزن يا هذا!.. إنَّ وليدتك سيدة جليلة القدر، وإنَّ سبعين ألفاً من أمتي ليرجون شفاعتها»، ثم أمره بالذهاب في الصباح إلى عيسى زاذان أمير البصرة لكي يخبره بزيارة النبي (ص) له في المنام ويذكر له على رقعة يقدمها إليه عن لسانه (ص)، وفيها يقول له: «إنك كنت تصلّي كل ليلة مئة ركعة، وفي ليلة الجمعة أربعمائة، لكنك في الجمعة الأخيرة نسيت، ألا فلتدفع إلى صاحب هذه الرقعة أربعمائة دينار كفارة عن هذا النسيان»!!.
وذهب والد رابعة في الصباح وأودع رقعته أحدَ حرس الأمير ليقدّمها إليه، فلما قرأها أمر على الفور بإعطائه أربعمائة دينار، وطلب أن يأتوه به ليراه.. ثم راجع نفسه في الحال وقال: لا بَل أنا أذهب إليه بنفسي، وأتمسَّح بلحيتي على أعتابه، وأسعى لأحْصَل على كل ما تشتهيه هذه البنت الجليلة»..
إن رواية العطار هذه، التي يعتمد عليها الصوفية للدلالة على كرامة رابعة منذ ولادتها، لا نراها إلاَّ بداية لظهور الوضع والتزوير والاختراع حول تلك المرأة؛ كما أنَّها أبعدُ ما تكون عن الحقيقة، لأنها محض خيال، وذلك للأسباب التالية:
1 ـــــــ لأنها جاءت متعارضةً مع واقع المجتمع الإسلامي في ذلك العصر؛ ولا يمكن التسليم بتصوير ذلك المجتمع على النحو الذي أورده العطار، بصورة كليّة.. فلو قبلنا معه بأن والد رابعة كان فقيراً جداً إلى ذلك الحد الذي لم يجد معه قطعة قماش في بيته يلف بها المولودة الجديدة؛ فهل يمكن أن نُسلِّمَ بأنَّ جيرانَهُ كانوا كلهم على درجةٍ من البخل أو القساوة (تصل إلى حد الجحود بالمبادىء الإنسانية والكفران بالعقيدة) بحيث لم يفتح له أحدهم باباً، ولم يقدّم له عوناً، والمسلمون يعرفون أن رسول الله (ص) يقول: «والله ما آمن، والله ما آمنَ، والله ما آمنَ».. قالوا: مَن يا رسولَ اللَّه؟ قال (ص): «مَن باتَ شبعاناً وجارُهُ جائعٌ وهو يعلم».. فكيف إذا كان هذا الجار بحاجة إلى معونةٍ بسيطةٍ لخلاص نفسٍ إنسانية؟ هذا فضلاً عن أنَّ سيرةَ الرسول العظيم (ص) المعروفة تبيّن أهمية الجار حتى ولو كان من غير الجماعة الإسلامية، وقصة جاره اليهودي مشهورة، الذي كان يضَعُ القذارة والنفايات في طريقه، فلّما لم يجدها الرسول (ص) في المكان الذي يضَعُها ذلك اليهودي فيه، تصوَّر أنه قد يكون ألمَّ به مرضٌ أو أصابَهُ سوءٌ، فجاءه يعودُهُ، وقد صَدَقَ تصورُهُ إذ جَدَه مريضاً...
2 ـــــــ لأنها تتناقض مع ما أخذ أمير البصرة على نفسِهِ من عهدٍ بأن يسعى لأن يقدم للوليدة الجديدة ما تشتهيه.. والتناقض عند العطار يأتي من روايته بأنَّ رابعة عاشت فيما بعد حياةً ملؤها الفقر.. فلو كانت روايته عن رؤيا والد رابعة صحيحة لبقي اهتمام الأمير بها قائماً طوال حياته، فلا تقع في فقرٍ، ولا في أسرٍ، ولذكر التاريخُ تلك الرعاية وسطَّرها بأحرفٍ من نورٍ.. بل ونذهب إلى أبعدَ من ذلك، فلو أن المسلمين تأكدوا من حصول تلك الرؤيا، لكانوا تقاطروا على بيت رابعةَ يتلمَّسون فيها البركةَ، ويكفلونها هي وذويها من غائلة الجوع والفقر، ما داموا على قيد الحياة.. في حين أن العطار يروي بخلاف ذلك تماماً إذ يقول: «إن أباها توفي وهي تدرج من الطفولة إلى الشباب. ولحقت به أمها فذاقت رابعة مرارة اليتم الكامل أمّاً وأباً، ومرارة الحاجة القاسية. فلم يكن لها أخٌ من الذكور ولم يترك أبواها مالاً، وبذلك أطبق الشقاء على رابعة وحرمت من دفء الحنان ورقة العطف والحب الأبوي. وهي تتفتح للحياة وتمشي إلى شبابها».. فكيف تقع في تلك الحاجة القاسية، ويطبق عليها الشقاء، وقد كانت ولادتُها برعاية النبي (ص) ـــــــ وهي رعاية معجزة تفرّدت بها دون سائر مواليد المسلمين؟
3 ـــــــ لأنَّها جاءت متعارضة مع معنى الشفاعة في القرآن الكريم الذي بيّن لنا أنْ ليس لأحدٍ شفاعةٌ، حتى الأنبياء والمرسلين، إلاَّ بإذن الله تعالى، مصداقاً لقوله عزَّ وعلا: {مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} [البقرة: 255].. فكيف يجوز إذن أن يروي العطار عن لسان النبي (ص)، ولو في المنام، بأنَّه سوف تكون لرابعة شفاعةٌ، وأن سبعين ألفاً من أمة محمد (ص) ليرجون شفاعتها؟.. إلاَّ أن يكون النبي (ص) قد أخذ عهداً من ربّهِ على شفاعة رابعة، وهذا غيرُ معقول لأنه نظرةٌ جديدةٌ في الإسلام، بل ونظرةٌ دخيلةٌ تخالفُ الإسلام نصّاً وروحاً..
مما تقدم يتبيّن لنا أن رواية العطار حول رؤيا المنام لا تستند إلى أي أساسٍ تقوم عليه، ولذلك نعتبرها من خيال المؤلف الذي يريد أن يحيط رابعة بهالةٍ من القداسة تبدأ مع ولادتها وترافقها حتى مماتها!!..
ولا يُعيّن العطارُ المدةَ التي عاشتها رابعة مع أخواتها بعد وفاة أبويها إلى أن أخذ البصرةَ جفافٌ وقحطٌ فوصلت إلى حدِّ المجاعة، فغادرت رابعةُ مع تلك الأخوات كوخهنّ، ورحن يضربن في أزقة البصرة يلتمسن القوت، ثُمَّ فرَّق الدهر بين الشقيقات فغدت رابعة وحيدة متشردة، لا معيل لها ولا نصير، تبحث عن مأوىً فلا تجده إلى أن أوقعها حظُّها العاثر بين يدي تاجر رقيق، فباعها بستة دراهم إلى رجلٍ فظٍّ، غليظ القلب، أخذَها إلى بيته..
ويبدو أن رابعة، كانت في هذه الفترة، قد خَطَتْ إلى سن الصبا، وأصبحت قادرة على القيام بالأعباء التي يطلبها منها سيّدُها، الذي كان يثقلُ عليها العمل، ويسومُها ألواناً من القهر والعذاب.. إلاَّ أنها كانت تحتمل صابرة، فلا تشكو بلواها إلاَّ إلى ربها..
وفي أحد الأيام، وبينما كانت في السوق تقضي حاجةً لسيدها، رآها رجَلٌ غريبٌ ظلَّ يرمقُها بنظره مضمراً لها الشرَّ، فخافت منه وهربت؛ إلاَّ أنها تعثرت وهي تركضُ من أمامه، فسقطت على الأرض، وقد كُسِرَ ذراعها، وغشي عليها؛ فلما استعادت وعيَها، لم تأبه لآلامها، بل رفعت رأسها نحو السماء، تناجي ربَّها قائلة: «إلهي، أنا غريبة يتيمة، أرسف في قيود الرقّ. ولكنَّ غمّي الكبير هو أن أعرف: أراضٍ أنت عني أم غير راضٍ؟».. عندها سمعت صوتاً يقول لها: «لا تحزني! ففي يوم الحساب يتطلّعُ المقربون في السماء إليكِ، ويحسدونكِ على ما ستكونين فيه»..
ويطمئن قلبُ رابعة لذلك الصوتِ الغيبيّ، فتنهض من رقادها على التراب، وتعود إلى بيت سيدها، لتقوم منذ ذلك اليوم على خدمتِهِ بكل تفانٍ وإخلاص، ما دامت لها تلك الساعات من الليل التي تقضيها لوحدها، تصلّي، وتتهجّد، وتأنس بالطاعة والعبادة..
ونتوقف هنا أيضاً عند ما يسوقُهُ العطار حول حادثة السوق وما سمعتْ رابعة من صوتٍ يناديها ويبشرها بأنَّها ستكون من المقربين؛ فكأنما يريد أن يظهر لنا مرافقة الخوارق لرابعة في كل مرحلةٍ من مراحل حياتها، وأنَّ هنالك عنايةً إلهية خاصة تحيطها في حياتها، وترمي إلى تثبيت الإيمان الدفين في قلبها، وهو الإيمان الذي لم تكن معانيه قد توضّحت لديها بَعْدُ.. ولكنْ نسِيَ العطار أنه وقَعَ في خطأٍ فادحٍ، مهما كانت الغاية التي يرمي إليها.. فالصوتُ الغيبي الذي سمِعَتْهُ رابعة يُعتبر نوعاً من الوحي يُقرّر غيباً لا يعلمه إلاَّ الله سبحانه وتعالى، مع أنَّ الوحيَ، أياً كانت أنواعُهُ وأشكالُهُ، قد قُطِعَ عن الأرض بعد وفاة سيدنا محمد (ص).. فتأمل!!.
طبعاً لم يكن بوسع العطار، وهو من أشدّ المعجبين برابعة، إلاَّ أن يستلهم الخيالَ، ويخترع القصص، ليبيّن لنا كيف أن تلك الإنسانة، وهي تعيش في أحضان الظلم والألم والشقاء في دنيا الناس، كانت، في الوقت نفسه، تعدّها العناية الإلهية لولوج أعتاب دنيا أخرى تختلف عن عالم الناس من حولها، بيحث تصير غيرَ عابئةٍ بشيءٍ من أمور هؤلاء الناس، لأنَّ همَّها واهتمامها يكونان منصبّين على الاستغراق في العبادة والمناجاة والتهجّد، وهذا ما سيقودها = فيما بعد = إلى ذلك الحبّ العظيم الذي تنشده.. ولكن حتى تصل إلى هذه المرتبة، كان لا بدّ أن تبرز في نظر المعجبين إنسانةٍ حزينةً، مهمومةً، يلفُّها الكربُ من جميع جوانبه، ولكن مقابل ذلك، تستقر في نفسها جذوةُ الإيمان، وهذا هو الذي كان يشدُّ عزائمها، ويمكّنها في خلوتها من الإفلاتِ من عالم الحسّ، لتعيش في عالم المناجاة حيث ترتشف من رحيق «الحب الإلهي»أو تسمو في مراتب «العشق الإلهي»!..
هذا في رأي المعجبين..
ولكن بخلاف هؤلاء، هنالك فريقٌ من الباحثين يرى بأنَّ رابعة، وإنْ كانت قد ذاقت مرارة الفقر والحرمان، وعانت كثيراً منذ طفولتها، إلاَّ أنها لم تعش تلك الأحوال الإيمانية التي قادتها إلى حياة صوفية كاملة، لأنَّها بعد أن أصبحت في سن الشباب = حسب رأيهم = ولجت في دنيا الملذات، واندفعت في طريق الهوى، وهي تطلب العيش، يُعينها على ذلك جمالٌ باهِرٌ، وفتنةٌ ساحرة، حتى أنَّها ـــــــ في نظر بعضهم ـــــــ راحت تغرفُ، عندما أقبلت عليها الدنيا، من بحر المتعة ما طابَ لها، وتقتاتُ بقوتِ الحواس ما وَسِعَها..
وهنالك من يقف موقفاً وَسَطاً فيما يرى عن حياة رابعة، فيعتبر بأنَّ ظروف الحياة كانت قاسية عليها، إذ إنَّها وهي في الرقّ اشتراها تاجر ثريٌ واتخذها جاريةً له، وراح يُغدق عليها من الحب والمال ما أوقَعَها في حبه، بل والتفاني في هذا الحبّ، حتى باتَ هذا الرجل مُرتجى أحلامِها، وكلَّ شيءٍ في حياتها.. ثم يشاء القدر أن يُقتل.. فتُحِسُّ رابعةُ بفراغ نفسي كبير، ويحصل عندها نوعٌ من ردَّةِ الفعل، فتندفِعُ وراء اللذَّة تعبُّ منها ما تشاء، عند تاجرٍ آخَرَ، آثَرَ هواها، واتخذها خليلةً له.
وبينما كانت رابعةُ تعيش تلك الحياة المادية بدافع اليأس الذي خلَّفَهُ في نفسها موت حبيبها الأول، إذا بأحد الصوفيين الكبار = قيل إنه رياح بن عمرو القيسي = يلتقيها ويوقر في ذهنها بأنَّ ما تركض وراءَهُ من حبٍّ للدنيا ومتعها لن يدوم طويلاً، لأنه سرعان ما يذهب مخلّفاً في نفسها الحسرة والألم؛ أما الحبُّ الصافي، الحبُّ الحقيقي فيجب أن يكون لله تعالى، وهذا الحبُّ وحدَه هو طريق الخلاص من الإثم، وفيه التوبةُ والرجوعُ إلى الله رجاءَ عفوه وغفرانِهِ.. وكان لنُصْحِ ذلك الشيخ تأثيرٌ هامٌ عليها، فكأنَّما كان بمثابة النذير الذي أعادَ إليها رشدها، إذ سرعان ما وَلَجَ إلى أعماقها، وبدَّل مشاعرها، فجعلها تتحوّل عن مجرى حياتها، وتزهد في هذه الدنيا، لتُقبل على العبادة والمناجاة، مخلِّفةً وراءَها، بلا أسفٍ، كلَّ متعِ الحياة وملاذها..
ولاحظ سيدُها هذا التحوّل الكبيرَ الذي طرأ على حياتها، وجعلَها تنصرف عنه، لا تُلبّي رغباتِهِ ونزعاتِهِ، فراحَ يحاولُ أن يُعيدَها إلى ما كانت عليه، فلما لم تستجبْ له، انقلبَ إلى رجلٍ فظّ، غليظ القلب، ينزلُ بها ما شاءَ من القهرِ والعذاب علَّها ترتعد وترتدع وتستسلم إلى مشيئته، إلاَّ أنَّ ذلك كله لم يجدِه نفعاً، لأنَّ رابعةَ كانت تتقوّى على ظلمه بمشاعرها الجديدة، فلم تُرهِبْها فِعالُهُ تلك، مهما كانت قاسيةً في نهارِها، طالما أن الليلَ ينتظرُها وفيه الراحةُ والطمأنينة لقلبها، إذ كانت ما أن يُسدل الليلُ ستارَهُ حتى تأوي إلى زاويةٍ لها، ثم تُقبل على الصلاة، وتنصرفُ للدعاء، مبتهلة إلى الله تعالى أن يعتقها من أسر ذلك السيد لكي تتفرّغ لعبادتِهِ وطاعته.. ولكن كيف تتخلّص من هذا الرق حتى تنصرف بكليتها إلى الغاية التي تنشد؟
وهنا يلجأ العطار مرةً أخرى إلى الخيال القصصي الذي يبتدع المعجزات ويجترح العجائب، فيزعم أنَّ سيدها استيقظ ذاتَ ليلة، ونظر من خوخةٍ أو خَصاصٍ في الباب، فرأى رابعة تصلّي، وتناجي ربَّها وهي تقول: «إلهي! أنت تعلم أنَّ قلبي يتمنَّى طاعتك، ونور عيني في خدمتك، ولو كان الأمر بيدي يا سيدي لما انقطعت لحظةً عن مناجاتك، ولكنك تركتني تحت رحمة هذا المخلوق القاسي من عبادك».. وفتَحَ سيدُها البابَ فشاهد قنديلاً يتدلّى فوق رأسها، يحلّق وهو مربوط بسلسلة غير معلقة، وله ضياء يملأ البيت كلَّهُ.. وراعَهُ ذلك المشهد، فقفل راجعاً ليقضي الليل ساهراً مفكراً حتى طلع النهار. هنالك دعا رابعة إليه وقال لها: «أي رابعة! وهبتك الحرية، فإنْ شئتِ بقيتِ هنا ونحن جميعاً في خدمتك، وإن شئتِ رحلتِ أنَّى رغبتِ»..
وآثرتْ رابعةُ الرحيلَ عن هذا الرجل فارتحلت.. ولكنها كانت تحتاج إلى لقمة العيش، فماذا تفعل؟ يقولُ العطار: إنها اتخذت مهنة العزف على الناي، ولكن لزمنٍ ما، ثم تابت من بعد ذلك وأصلحت، فابتنتْ لنفسها خلوةً انقطعت فيها للعبادة، وهذه توبةٌ ثانية!!
ومن مختلف الروايات التي أُرِّخت لرابعة، يتبيّن أنها لم تتزوج ولم تُولِدْ.. وإن كانت قد خُطِبَتْ عدة مراتٍ، ومن قبل عدة أشخاص، ورفضتهم جميعاً كما فعلت مع عبد الواحد بن زيد الذي ردَّتْ خطبته مع علوّ شأنه، وهجَرته لأيامٍ، فلم تستقبله إلاَّ بعد أن شفع له إخوانٌ عندها؛ فلما دخل عليها قالت له: «يا شهواني! اطلب شهوانية مثلك! أي شيء رأيت فيَّ من آلة الشهوة؟».. ويُذكر أيضاً أن محمد بن سليمان الهاشمي كتب إلى كبراء البصرة، وهو أميرها، في امرأة صالحة يتزوجها، فأجمعوا على رابعة، فكتب إليها يخطبها، فردَّت عليه قائلة: «أما بعد، فإن الزهدَ في الدنيا راحة البدن، والرغبة فيها تورث الهمّ والحزن، فهيّئ زادَك وقدّم لمعادِك، وكنْ وصيَّ نفسِك، ولا تجعل الرجالَ أوصياءك فيقتسموا تركتك. وصُمِ الدهرَ واجعلْ فِطرَك الموتَ، وأما أنا فلو خوَّلني الله أمثالَ ما حُزْتَ وأضعافَهُ لم يسرّني أن أُشْغَلَ عن الله طرفة عينٍ. والسلام»..
تلك هي صورة عن الحياة التي صوّروا أن رابعةَ عاشتها، بلا بيتٍ، بلا مال، ولا زواج. وقد يكون العزف على الناي هو آخِرُ اهتماماتها بشؤون هذه الدنيا، قبل أن تتعرّف إلى حلقات المساجد، وتقيم الصلاتِ مع الرعيل الأول من رجال التصوّف في البصرة، أمثال إبراهيم بن أدهم معاصرها الأكبر، ومالك بن دينار وسفيان الثوري، وشقيق البلخي..
وبخصوص حلقات المساجد والأوراد والأذكار، نشير إلى أنها كانت نوعاً من الهروب آثَرَهُ أصحابُها على الاعتراك في خضمّ شؤون الحياة وشجونها، بعد أن اعتقد الصوفية أنَّ دنيا الأرض ليس فيها إلاَّ الزيف، ومخادعة الأنفس، وإبعاد الإنسان عن ربّه وعن السعادة التي ينشدها.. وهذه لن تكون برأيهم إلاَّ في عيش حياةٍ ملؤها التقشّف، ومغالبة أهواء النفس، والتخلّي عن طيبات الرزق.. من أجل ذلك اتخذوا تلك الحلقات للذكر والوعظ والإرشاد، وعقدوا الخلوات للتسبيح بترانيم المواجيد والأشواق.. وكانوا في ظاهر تصرفاتهم هذه يشدّون السُّذَّج، ويستهوون أصحاب القلوب الطيبة من البسطاء..
ورأت رابعة في تلك المظاهر ما يبعث الطمأنينة في قلبها، والراحةَ في نفسها، فأقبلت عليها، مشدودةً بمواجيدها وترانيمها، وهي تجدُ فيها منهلاً عذباً حتى شعرت بشيء من الإشباع لما يعتلج في نفسها، ولكنه لم يكن الإشباعَ الذي يكفي، لا، ولا الإشباع الذي تبغي، لذلك آثرت الابتعادَ عن تلك الحلقات واتخذت لنفسها خلوةً خاصّةً بها، انقطعت فيها للعبادة، والإقبال على ربّها بكلّيةٍ تامة، حتى صارت تشعر بأن ليس «إلاَّهُ» من يشغلها في آناء الليل وأطراف النهار.. وكان هذا الانشغال هو الطريق الذي قادها إلى «العشق الإلهي»، فنذرت أن تعيش لله ما بقي من حياتها..
وراحت رابعةُ تَنهَلُ من معنى «الحب الإلهي» بقوةٍ وشغف، وتبدِعُ من آثار هذا الحبِّ فِكراً وقولاً حتى وصلت إلى ما وصلت من أستاذية وريادة، فيما عرف، بعد، بمذهب الحب الإلهي.. وإنها بالفعل = وقد اتخذت تلك الخلوة = اصطبغت حياتُها بألوان ذلك الحب الذي أرادته، من وَجْدٍ وأُنس وعشق، وأملُها في ذلك تحقيق الوصل = كما زعمت = بالمحبوب الأعلى..
وعن تلك الفترة من حياتها، روى الشيخ الحُرَيْفيش صاحب (الروض الفائق في المواعظ والرقائق) فقال: «حكي عن رابعة رحمها الله تعالى أنها كانت إذا صلّتِ العشاء، قامت على سطح لها، وشدَّت عليها درعها وخمارها ـــــــ ثم قالت: إلهي! أنارتِ النجومُ، ونامتِ العيونُ، وغلَّقتِ الملوكُ أبوابَهَا، وخلا كلُّ حبيب بحبيبه، وهذا مقامي بين يديك ـــــــ ثم تقبل على صلاتها، فإذا كان وقت الفجر ـــــــ قالت: إلهي! هذا الليل قد أدبرَ، وهذا النهارُ قد أسفرَ، فليت شعري، أَقَبلتَ منّي فأهنأ، أم رددتَها عليَّ فأُعزَّى؟ فوعزّتك هذا دأبي ما أحييتني وأعنتَني وعزَّتِك لو طردتني عن بابك ما برحتُ عنه لما وقع في قلبي من محبتك».. وهذا ما يبيّن بأنَّ رابعةَ عاشتْ طوالَ حياتها الصوفية وهي قائمة على العبادة والمناجاة والتهجّد، غير راغبة في الدنيا وما فيها، ولا شيء يملأ كيانها إلّا حبها لله؛ وقد ظل هذا الحب يتفاعل في ذاتها حتى بلغتِ الثمانين من عمرها، ووافاها الأجل..
تلك بعض الروايات التي حكيت أو أثرت عن رابعة، حول بعض مراحل حياتها، وحول مماتها.. ومنها نستدلُّ على أن البعضَ اعتبرَ رابعة تلك الإنسانة المؤمنة التي رافقتها المكرمات منذ مولدها، والتي غلب عليها إيمانٌ دفين في أعماقها قادها إلى حياة التصوف التي أقامتها على الحب الإلهي.. بينما اعتبرها البعض الآخر شابة فاتنة الجمال، ذات سحر وهيام، دفعها الفقر والتشرد والرقّ لأن تتبع طريق الهوى وترتشف من ملذات الدنيا ومتعها ما وسعها أن ترتشف، حتى كانت لها توبة قوية نصوح أدت بها إلى الاعتكاف في زاويةٍ خاوية إلاَّ من قليل الأشياء، لتقوم على العبادة ومناجاة ربها بحرقة وشوق، وهي تنشد ذلك الحب الذي ملأ كيانها، وحقّقَ لها كشف الحجب ومخاطبة الحضرة الإلهية!!..
وفي نظرنا، وأياً كان الاتجاه الذي اعتمده الرواة أو البحاثة، وأياً كانت دوافعهم، فيما رَوَوْا أو كتبوا، فإنَّ التاريخ يحفظ لنا، ولا شك ذكرى امرأة صوفية، أوجدت في تصوفها مذهباً خاصاً، كانت له آثاره التي راحت تتفاعل مع الزمن حيث بقي إلى وقتنا الحاضر.. وهو المذهب القائم على العشق الإلهي الذي يتنافى مع عقيدتنا الإسلامية ويخالف مخالفة صريحة الكتاب والسنة..
ومع ذلك، وإكمالاً للبحث، نرى لزاماً علينا أن نتصدَّى لأفكار رابعة الصوفية، من خلال ما قالت أو ما نُسب إليها من أقوال؛ ومن خلال ما نظمت أو ما عزي إليها من أشعار، حتى تظهر لنا معالمُ ذلك المذهب بصورة أوضح، وتنجلي الحقيقةُ التي هي هدف كل مؤمن صادق...
ولعلَّ أهمَّ شيءٍ في صوفيّة رابعة ما قام على العبادة، والمناجاة والتهجّد...
وفي الحقيقة إن الدعاء والتهجد في الليل يتوافقان تماماً مع الدِّين الإسلامي، وقد سار عليهما الرسولُ الكريم (ص) والصحابة والتابعون، وذلك امتثالاً لأمره تعالى في آياتٍ بيّناتٍ تحثُ على قيام اللَّيل. ومن هذه الآيات: {وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً} [الفرقان: 64] ـــــــ {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ} [السجدة: 16] ـــــــ {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ} [الزlر: 9] ـــــــ {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً (2) نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً} [المزمل: 1 ـــــــ 4]. {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} [المزمل: 20] ـــــــ {وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً} [الإنسان: 26]، {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً} [الإسراء: 79]..
إذاً، فالرسول الكريم كان يُقيمُ صلاة الليل تلبيةً لأوامر ربه كما حفظها القرآن الكريم؛ وكانت العبادة المخلصة الصادقة بارزةً في حياته الشريفة، كما ظهرت في أفعاله وأقواله.. ومن قول رسول الله (ص) الحديثُ الشريف: «عليكم بقيام اللَّيل فإنه مرضاة لربِّكم، وهو دَأْبُ الصالحين قبلَكُم، وَمَنْهَاةٌ عن الإثم، وَمَلْغَاةٌ لِلْوِزْر، ومُذْهِبٌ كيدَ الشيطان، ومَطْرَدَةٌ للداء عن الجسد».
فيكون التهجُّدُ في اللَّيل شُرعةً سماويةً علويَّةً، وسُنَّةً نبويَّةً شريفة؛ وإنَّ الإنسان مهما تعبَّدَ في صلاة أو صوم، لا يمكن أن يصل إلى حالة من التطرف، إذا ما جاءت صلاته، أو كان صومه، متوافقَين مع الكتاب والسنَّة.. ومن هنا فإننا نبارك لرابعة العدوية ما قامَتْ به آناءَ اللَّيل من دعاءٍ وتهجُّد، كما هو مأثور عنها، بإجماع الباحثين.. ولكنْ ما يمكن اعتباره تطرفاً عند رابعة، هو ما ادَّعت من عشقٍ لله تعالى، ومخاطبتها للعزَّة الإلهية، وكأنَّه، جلَّ وعلا، إنسانٌ يجوز لنا أن نتعامل معه وفقاً لتصوُّراتنا ومشاعرنا.. فهنا خطأ رابعة الذي أوْقعتْ فيه نفسها، وقادَها لأن ترى في الله سبحانه وتعالى معشوقاً = وفق المفهوم البشري = تناجيه بغرام العاشق المشبوب، وتتحدَّث إليه بلهجة الواله الملهوف!.. ونحن فيما نقول، لا نَفْتَئِتُ على رابعة بشيء، وبين أيدينا كثير من الشعر الذي يؤكد ما ادَّعت من ذلك الحب لذات الله، ومن عشقٍ للحضرة الإلهية، حتى قادها ذلك الادِّعاء الواهم إلى ما قادها إليه، وشدَّتها تلك المشاعر الخاطئة إلى ما شدَّتها إليه من ضلالٍ وانحرافٍ عن عقيدة المؤمن الصادق الممعِنِ في إيمانه.. ـــــــ فهَا هي ذي تُنشد من الأعماق ـــــــ كما ورد في (الروض الفائق):
يا سُـروري ومُنْيَتي وعِمــادي وأَنــيســي وعُــــــدَّتي ومُــــــــــرادي
أنت روحُ الفؤادِ، أنت رجائي أنت لي مُؤنِسٌ وشوقُك زادي
أنتَ لولاكَ يا حياتي وأُنْسي! مـــا تَشَتَّــــتُّ فــــي فَسِيـــحِ البلادِ
كم بَدَتْ مِنَّةٌ، وكم لك عندي مِـــنْ عَطَــــاءٍ ونِعْمَـــــةٍ وأيــــــادي
حُبُّــــكَ الآنَ بُغْيَتــــي ونَـــعيمـــي وجــــلاءٌ لعيـــنِ قلبِـــي الصــادي
إنْ تكُـــــنْ راضـــياً علـــيَّ فإنيّ يا مُنى القلب! قد بدا إسعادي
وليس أصدق في توضيح معاني هذه الأبيات، والدوافع إليها، مما قاله الأستاذ عبد الرحمن البدوي في كتابه (رابعة العدوية، شهيدة العشق الإلهي) وهو يفسِّر الحالةَ النفسيةَ، والاختلاطَ الذهنيَّ عند رابعة، في تلك الفترة من حياتها التي كانت تنتقل فيها من شؤون الدنيا إلى التوبة، إذ يقول: «والطابع الحسِّي ظاهر بكل جلاء في هذه الأبيات، ويلوح منها أن الأمر كان لا يزال مختلطاً عليها لأنَّ الخطاب هنا يصلح أن يتجه إلى شخصٍ حيٍّ كما يصلح ـــــــ بصعوبة ـــــــ أن يتجه إلى الله. ماذا أقول! بل هي في هذا الشعر قد تناست أو نسيت أنها تخاطب الله. فتحدثت عن حبيبٍ لها يلوح أنه كان متنقلاً فاضطرت هي ـــــــ تحت ستار الترحل لكسب العيش بالعزف، كما هي الحال بالنسبة إلى الموسيقيين عامة في تجوالهم لإحياء حفلاتٍ في مختلف البلدان ـــــــ أن تلاحقه في الأماكن التي كانت يتنقل بينها، لهذا اضطرت إلى التشتُّت في فسيح البلاد. فلعل ذكرى هذا الحبيب ـــــــ الذي يمكن افتراض أنه كان العلة في إحداث خيبة الأمل عندها في الحب والناس ـــــــ قد اختلطت في ذهنها آنذاك، فعبرت بهذه الكلمات المشبوبة الحسِّية عن تجربتها معه، وإن كان الخطاب موجهاً إلى الله. ذلك أنها لن تستطيع أن تتحدث عن حبها لله إلا إذا صدر ذلك عن تجربة حسِّية عانتها. وتلك كانت تجربتها العنيفة الحية».
ونحن نرى أيضاً بأن مثل تلك المشاعر، التي ظهرت في أبيات رابعة، إنما تدلُّ، وهي تصدر عن إنسانة قد أحبَّت، أنها كانت وفيةً لهذا الحبّ، مأخوذة فيه.. ولكنَّ الفرق هنا أنَّ مثل هذا الحب إنما يكون عادة من الإنسان للإنسان ـــــــ وبالتحديد من الرجل للمرأة، أو من المرأة للرجل ـــــــ ويكون قد عاش معه تجربة الحب والشوق.. ولعلَّ هذا ما يُنبىء بأقرب الأدلة عن حب رابعة لذلك التاجر الذي أقامت عنده ردحاً من الزمن، والذي كان بحكم تجارته، مضطراً لترك البصرة والسفر أو التنقل في البلدان. حتى إذا نُمي إليها مقتَلُ ذلك التاجر الحبيب، حصلت عندها خيبة الأمل، بل والألم والمرارة لفقدانه، وهي لتعلقها به، أو لشدة حبِّها له، راحت تَسيح في البلاد بحالة من اللاشعور تدفعها للبحث عن الحبيب الذي فقدتْه، وهي بالطبع لم تعثر عليه، ممَّا أدَّى إلى دفن حبه في قلبها.. وعندما توجهت إلى حياة التوبة والعبادة، وفي حالة من التنفيس عن ذلك الكبت في نفسها، اختلطت عليها المشاعر بحيث لم تقدر أنْ تفرِّق بين حبٍّ دُنيوي لإنسان أحبَّته، وحبٍّ خالصٍ لله تعالى تريده وتمارسه على غير طريقته التي يتَّبعها المؤمنون العارفون بعظمة الله سبحانه، فكانت منها تلك المخاطبة لله تعالى على أنه هو الحبيب المرتجى، الذي لولاه لما تشتَّتتْ في فسيح البلاد؛ تُقرُّ بما له من نِعَمٍ وأيادٍ بيضاء عليها، حتى صار بغيتها ونعيمها، وجلاءً لقلبها الصادي، ولذلك فهي تطلب رضاه الدائم عليها، لكي تحظى من جرَّاء هذا الرضى بما تحنُّ إليه من شعورٍ بالأنس والسعادة..
والحبُّ الإلهي عند رابعة، ليس مقصوراً على حالةٍ واحدة، بل هو تعبيرٌ عن مختلف حالاتها العاطفية والنفسانية، وهذا ما ظهر في أناشيد أخرى لها، ومنها قولها:
حَـــــــــــــــــبيبي ليس يَعدلهُ حبيـــــــــــــــبُ ولا لِسِواهُ في قلْبي نَصيبُ
حَبيبي غابَ عن بَصري وشخصي ولكن في فؤادي ما يغيب
فبنظرها ليس من حبيبٍ يعدل حبيبَها المعلوم لديها والذي غاب عن بصَرها ـــــــ بالقتل والموت ـــــــ ولكن بقيتْ صورتُه المعلومة عندها محفوظةً في قلبها كما كانت معروفةً لديها قبل غيابه...
ويبرز الجانب العاطفي عند رابعة، أكثر ما يبرز، في هذه الرباعية:
أحـــبـــك حـــبين: حـــــبَّ الــــهوى وحـــــــــبّاً لأنـــــك أهـــــــل لـــــذاكـــــــــا
فــــأما الــــــذي هـــو حــب الهوى فشــــغلي بــــذكرك عـــمَّن سواكا
وأمــــا الـــــــذي أنــــتَ أهـــــــلٌ لــــــه فـــــكشفُــــك للحجب حتى أراكـــا
فلا الحمدُ في ذا ولا ذاك، لي ولكــــن لك الحمـــد في ذا وذاكا
ولقد اختلفت الروايات حول هذه الرباعية المشهورة، فيما إذا كانت رابعة هي التي قالتها، أو أنها نسبت إليها. ولكن يظهر جلياً أنها تتوافق مع ما ذهبت إليه رابعة في الحب الإلهي. ولذلك يمكن أن نعدَّها لها فعلاً.
وفي هذه الأبيات تقول رابعة بأنَّ هنالك نوعَين من الحب: حبُّ الهوى، وهو الحبُّ المتعارف عليه بين الناس وما قد ينجم عنه من العشق أو الهيام الذي يُطاعُ فيه هوى النفسِ وميلُها. وحبٌّ لله ـــــــ سبحانه جلَّ وعلا ـــــــ الذي هو وحدَه أهلٌ له.. وهي تأخذ بالحبَّين معاً. فحب الهوى تأخذ به لأنه يشغلها بذكر الله عن أشجانها التي يحملها قلبُها عمَّن سواه. والحبُّ الثاني هو الذي يملأ كيانها، وهو منتهى مبتغاها، لأنه الحب الذي به يكشف الله تعالى لها الحُجُبَ حتى تراه.. وفي كلا الحبين نعمةٌ وحمدٌ لا دخلِ لها بهما، بل الفضل فيهما إليه تعالى، لأنه هو الذي أفاضَ على قلبها هذَين الحبَّين..
إذن فذاك هو الحبُّ الذي عرفتْه، أو قالت به، رابعة العدوية.. حبٌّ يختلط عليها معناه في البداية بحيث لا تدري إن كانت تعبِّر عن حبِّها لشخصٍ من نوعها، أم أنها تريده حبّاً خالصاً لله تعالى.. ولكنَّ هذا الحبَّ تطور في نفس رابعة، حتى باتَ عشقاً لذات الله. ومن خلاله صار بإمكانها = كما أخبرت عن نفسها = أن ترى الله، وأن تجتمع بالحضرة الإلهية.. أي أن ذلك الحب هو الذي يجعل الحجب تتكشَّفُ لها، وعندها يستوي = بنظرها = المغيَّبُ مع الحاضر، والمجهولُ مع المعلوم، والخالقُ مع المخلوق، فتحصل الرؤية ويحدث الجمع...
فبالله عليك أيها القارىء الكريم، ألا ترى في هذا التصور تجديفاً ما بعده تجديف؟
بل وأيُّ تجديفٍ هو أكبرُ من أن يتوهَّمَ عبدٌ لله، أنه قادر على أن يقيم علاقةً وثيقةً بينه وبين الحضرة الإلهية على أساس حب الهوى.. وأنه ـــــــ وهو غارق في حب الهوى هذا إلى أذنيه ـــــــ يثب إلى اختراق الحجب والوصول إلى الذات القدسية؟!.. ولماذا ذلك كله؟ ألأنَّ لهذا الحبّ قوةً خارقةً لا تتأتّى إلاَّ للصوفيّ «الحبيب» إلى الله سبحانه وتعالى؟!..
وإذا كان هذا هو منحى الحب الذي اتخذته رابعة العدوية، فإنَّ ما نُسبَ إليها في زياراتها للبيت الحرام، أثناء حجّها، لا يقل تجديفاً على العزة الإلهية من ذلك المنحى الوهمي، أو على الأقل، من تلك المشاعر الخاطئة التي شغلتها..
فماذا في هذا المقام؟..
من المعروف أن المسلم يتوق دائماً إلى حجِّ بيت الله الحرام. وهذا الشوق ينبع إمّا من ناحية إيمانية صرفة تدفعه للقيام بهذه الفريضة التي فرضَها الله على عباده المسلمين، وأداء الواجب الشرعي، وإمّا أن ينبع، بالإضافة إلى الناحية الإيمانية، من معرفته بمعاني الحج السامية، ومقاصده النبيلة التي فيها نفع كثير للفرد وللجماعة المسلمة على حدٍّ سواء..
وإن رابعة العدوية وهي المسلمة العابدة، التائبة، لا بدَّ وأن تكون قد حجَّتْ إلى بيت الله الحرام، إن لم يكن لمرةٍ واحدة، فلمراتٍ عديدة كما يروي المؤرخون.. ولكن هل كان حجها مثل حجِّ الآخرين، أم أنه كان حجّاً له طابعه الخاص نظراً لما رافقه من خوارق لم تحدث لأحدٍ غير رابعة؟!..
نبادر إلى القول بأن حجَّ رابعة لم يكن عادياً، بل حجّاً مليئاً بالأحداث الخارقة.. وهذا ليس بجديد على رابعة، فحياتُها كلها كانت مليئة بالخوارق، كما رأينا، في ليلة ولادتها، وفي الصوت الذي ناداها في السوق، وفي القنديل الذي كان يتدلى فوق رأسها بدون رباط ويملأ البيت نوراً.. وإذا كان الأمر كذلك، فما هي خوارقها الجديدة في أيام حجّها؟
من هذه الخوارق ما رواه العطار أيضاً، وهو أن رابعة ارتحلت ذات مرة إلى الكعبة ومعها حمارٌ يحمل متاعها، ولكن ذلك الحمار نفق في الطريق، فتقدّم رفاقها في القافلة يريدون حمل متاعها ولكنّها رفضت ذلك، وقالت لهم: «ما كان اتِّكالي عليكم لمَّا أنْ رحلْتُ، بل ثقتي بالله تعالى»... وذهبت القافلة في طريقها، وبقيت رابعة لوحدها، فنظرت إلى السماء تدعو الله تعالى وهي تقول: «إلهي، أكذا يفعل الملوك بعبيدهم الضعفاء؟.. لقد دعوتني إلى زيارة بيتك، وها أنت تَدَعُ حماري ينفق في الطريق، وتَدَعُني في الفيافي وحيدة؟».. فما أتمَّتْ كلامَها حتى عادت الحياة إلى حمارها، وانتصَبَ أحسنَ مما كانَ، فوضعت عليه أمتعتها وتابعت سفرها، وحيدةً في الطريق إلى مكة المكرّمة حيث الكعبة الشريفة، وبينما هي تُغِذُّ السير شعرت بالوحشة، فصاحت من أعماقها: «إلهي، إن قلبي يضطرب في هذه الوحشة، أنا لَبِنَةٌ والكعبةُ حجرٌ، وما أريده هو أن أشاهِدَ وجهَكَ الكريم».. وعلى الفور ناداها صوتٌ من السماء يقول: «يا رابعة! أتطلبين وحدك ما يقتضي الدنيا بأسرها؟ إنَّ موسى حين رام أن يشاهد وجهنا لم نُلقِ إلاَّ ذرة من نورنا على جبل فخرَّ صَعِقاً»..
إنَّ هذا والله لكثير!. فها هي ذي رابعة في طريقها إلى الحج لا تكاد تناجي ربَّها وتطلب منه أن يحيي حمارَها الميتَ حتى يتحقق رجاؤها وتقع المعجمزة التي لم يكن يؤتيها الله سبحانه وتعالى إلاَّ على يديْ بعض أنبيائه ومرسليه من أجل شيء واحدٍ وأساسيّ وهو إقامة الدليل على أحقيّةِ البعث، وصدق المبعوثين.. فهل إنه كان لرابعةَ درجةٌ أسمى من درجات أولئك النبيين؟!.. وأين منها إذاً عيسى ابن مريم (ع) ولم يمنحه الله تعالى القدرة على إعادة الحياة، وإحياء الموتى (لقوله عزَّ وجلَّ: {وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوتَى بِإِذْنِي}) [المائدة: 110] ـــــــ إلا لتثبيت فكرة بعثه رسولاً، ولنفي صفةِ الألوهية التي ألصقوها به زوراً وبهتاناً فكانت تلك القدرة بإذن الله تعالى.. بل أين منها ذلك الرجل الذي {مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىَ يُحْيِـي هَـَذِهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا}؟ وأرادَ الله سبحانه وتعالى أن يبيّن له ـــــــ كي يكون عبرةً للأولين والآخرين ـــــــ كيف أنه قادرٌ على الإحياء بعد الممات «فأماتَهُ اللَّه مائة عام ثم بَعَثَهُ. قال: كم لبثْتَ؟ قال: لبثتُ يوماً أو بعض يوم. قال: بل لبِثْتَ مائة عام فانظر إلى طعامِك وشرابك لم يَتَسَنَّهْ وانظرْ إلى حمارك، ولنجعلكَ آيةً للناس، وانظر إلى العظام كيف نُنْشِزُها ثم نكسوها لحماً فلمَّا تبيَّنَ له قال: {أَعْلَمُ أَنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 259].
إذن فالغاياتُ من هذه الأحداثِ الربّانية بعيدةٌ وسامية.. وإنْ كانت تصبُّ كلها في التأكيد على ألوهية الله تعالى، وأنَّهُ وحدَه على كل شيء قدير.. ولكن: ما الغاية من خارقةٍ تحدث لرابعة بعد نزول القرآن بزمنٍ طويل، وهي لم تكن تريد إلاَّ نفسها وتأمين مصلحتها؟ اللَّهمَ إلاَّ أن تكون رابعة قد فاقت الأولين والآخرين، وأنافت على مراتب الأنبياء والمرسلين، بل وقفزت قفزةً واحدةً إلى الدلال على رب العالمين. نستغفر الله تعالى ونتوبُ إليه أجمعين...
ثمَّ إنَّ رابعة لا تنشدُ من الذهاب إلى بيت الله الحرام، ومن زيارة الكعبة الشريفة، إقامة الشعائر التي فرضَها الله تعالى على عباده المؤمنين، ما دامت هي تصرّح بذلك وتقول بأنها لا ترغب من ذلك إلاَّ شيئاً واحداً، وهو مشاهدة وجهِ الله تعالى، لأنها ترى نفسها أنها جديرة بهذه المشاهدة... والعجيب هنا أنها لماذا أتعبت نفسها في السفر والانتقال، ولماذا تجشّمت كل تلك المشقات والأتعاب وقد كان بإمكانها أن تسألَ الله ـــــــ سبحانه ـــــــ ذلك وهي قابعة في كوخ تنسّكها، ما دام أنَّ رجاءها مستجابٌ إلى ذلك الحدِّ من جانب الله تعالى؟!.. ثُمَّ لماذا تريدُ رؤية الكعبة، والعطار يروي عنها بأنها، وهي في طريقها إلى الحج، رأت الكعبة قادمةً نحوها عبْر الصحراء، فقالت: «لا أريد الكعبة بل رب الكعبة، أما الكعبة فماذا أفعل بها»، ولم تشأ أن تنظر إليها، كما يقول العطار ويتابعُ هذا المؤرخُ الصوفي تلك الرواية، في محاولة يائسة، لإظهار ما لرابعة من فضلٍ عظيم في المكرمات فيروي بأنَّ إبراهيم بن أدهم أمضى أربعين سنة في حجةٍ واحدة ليبلغ الكعبة، لأنه كان يصلّي في كل خطوةٍ ركعتين، وكان يقول أثناء ذلك: «غيري يسلك هذا الطريق على قدميه أمّا أنا فأسلكه على رأسي».. ولمّا بلغ إبراهيم الكعبة لم يجدها في مكانها، فقال يشكو: «واأسفاه! أَأَظْلَمَ بصري حتى لم أعد أرى الكعبة؟» ولكنه يسمع صوتًا يناديه ويقول له: «يا إبراهيم! لستَ أعمى ولكنَّ الكعبة ذهبت للقاء رابعة».. ويتأثَّر إبراهيم أشدَّ التأثر لما يسمع، إلاَّ أنه لم يلبث أن يرى الكعبة وقد عادت إلى مكانها، وفي الوقت نفسه يشاهد رابعةَ تتقدّم مستندة إلى عصاها، فيقول لها: «أي رابعة! يا لجلال أعمالك، ثُمَّ وما تلك الضّجة التي تُحدثينها في الدنيا، فالكل يقولون: ذهبت الكعبة للقاء رابعة؟!».. فتجيب رابعة: «يا إبراهيم، وما تلك الضجة التي تثيرها أنت في الدنيا بقضائك أربعين عاماً حتى تبلغَ هذا المكان، فالكل يقولون: إن إبراهيم يتوقف في كل خطوة ليصلّي ركعتين؟!».. فقال إبراهيم: «نعم أمضيتُ أربعين عاماً أجتاز هذه الصحراء».. هنا قالت رابعة: «يا إبراهيم! لقد جئت أنت بالصلاة أما أنا فقد جئت بالفقر»؛ ثم ذرَّفت مُرَّ العبرات..
طبعاً إنَّ هذا الحوار مبتدعٌ؛ وأكبر دليل على ابتداعه أنَّ إبراهيم بن أدهم لم يقضِ في الطريق إلى الحج لا سنة، ولا سنتين.. بل أربعين سنةً أي أربعة عشر ألفاً وبضع مئات من الأيام، وهو لا بدَّ كان يحتاج أثناءها إلى طعام وماءٍ على الأقل.. فمن أين؟ لا تعجب.. فهؤلاء الصوفية من غيْر نوعيتنا نحن البشر، لأننا نحن مأمورون بطاعة الله سبحانه وتعالى، وهم يَأمُرون فيؤتى لهم ما يأمرون به!!!.
إنَّ هذه الخوارق التي يرويها العطار ما هي إلاَّ محضُ اختلاق من مُعْجب سخَّر نفسه وضميره، وباعَ دينَهُ، من أجل هوىً طغى عليه.. على أنَّها وإن كانت مجرد رواية فإنَّها تدلُّ على مرماها على ما وصلت إليه أفكار بعض الصوفية، وما بلغته رابعة في نفوس هؤلاء حتى جعلوها في مصاف تعلو على مصاف النساء اللواتي فضّلهنَّ الله تعالى على نساء العالمين أمثال السيدة مريم العذراء (ع) وفاطمة الزهراء (ع) ابنة رسول الله (ص) بل وجعلوها في مصاف تعلو فيها على سائر البشر.. أو لمْ يقولوا: إن رابعة لا تريد رؤية الكعبة، وأنها لا ترى فيها إلاَّ وسيلة لمشاهدة وجه الله تعالى؟ حتى أنَّ هذه الوسيلة لم تعد رابعة تشعر أنها بحاجةٍ لها، طالما أنها لم تميّز بين: أنها هي التي تنتقل إلى الكعبة أم أنَّ الكعبة تنتقل إليها.. ثم ما الكعبة في نظرها (وهنا الخطوة البالغة).. «إنها ليست سوى صنمٍ معبودٍ في الأرض»، كما يروي العطار على لسانها، وما دام الأمر كذلك في نظرها فسيّان إن حجت أو لم تحجَّ إلى هذا الصنم!!..
ألا ترى معي أيها القارىء الكريم أنَّ ذلك كله لا يمكن أن يصدر إلاَّ عن أناس خطرين ومغترين؟ وهل أشدُ خطورةً، وأكثر افتراءً من أن تتصوّر رابعة أن الكعبة ليست سوى مجرد صنم؟ وأنها تعزُفُ عن الكعبة لأنها ليست بحاجة إليها؟!.. وهل إنَّ شيئاً أكثر من هذا مخالفة للعقيدة الإسلامية، وإنكاراً لكعبة المسلمين، التي جعلها الله تعالى قياماً لهم؟ وهل إن شيئاً أكثر تنكراً للقرآن الكريم، وفيه يشير رب العالمين إلى البيت الحرام بقوله: {جَعَلَ اللّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِّلنَّاسِ} [المائدة: 97].
على أن بعضهم رأى أن ذلك المفهوم للحج، وفق التصوّر الذي قالت به رابعة، قد تطور إلى تلك الدرجة التي لم يعد له من معنىً حسّيٍ لديها، بل بات نوعاً من التجريد الذي تتمثل فيه الحضرة الإلهية، وإنَّ غايتها كانت دائماً الوصول إلى الحضرة السنيّة؛ ولذلك فهي اعتقدت بأنها حققت ذلك الوصول عندما حوّلتِ الكعبة إلى ذلك المعنى التجريدي الخالي من كل أنواع الماديات والمحسوسات.. كما أنَّ أولئك البعض فسَّروا تلك المواقف لرابعة من الحج على أنها كانت على وجه «الخُلَّة» بينها وبين الله سبحانه، بحيث تأتي هذه الخُلةُ متوافقةً تماماً مع مذهبها في الحب الإلهي..
ويبدو أن لفظ الخُلَّة استخدم على عهد رابعة من قبل صديقها رياح بن عمرو القيسي.. ويفسّر صاحب (جامع الأصول) الخُلَّة بقوله: «أما الخلة فهي مشتقة من تخلل الشيء في الشيء؛ وسُمّي الخليلُ خليلاً لتخلُّلِ خليلِهِ في قلبِهِ، فوجودُهُ مستهلكٌ في وجودِهِ، فإذا تكلَّمَ تكلَّمَ فيه، وإذا سكتَ فهو نُصْبَ عينيه في كل حال، ولذا يقال: تمازج روحانا، وأنشدوا في ذلك:
قد تَخَلَّلْتَ مَسْلكَ الروح منّي وبه سمّي الخليل خليلا
أنتَ همّي وهمَّتــــي وحديثـــي ورقادي إذا أردتُ مقيلا«
وبالفعل فإنَّ الخُلَّةَ هي المودَّة إما لأنها تتخلَّلُ النفسَ أي تتوسَّطُها، وإما لأنها تُخِلُّ بالنفس فتؤثّر فيها تأثير السهم في الرَّمِيَّة، وإما لفرط الحاجة إليها. ومن هنا يقال: خالَلْتُهُ مُخالَّةً وخِلالاً فهو خليلٌ. والله تعالى يقول: {وَاتَّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً} [النساء: 125]، لافتقارِهِ إلى ربّه الافتقارَ المعْنِيَّ بقوله تعالى على لسان موسى (ع): {رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} [القصص: 24]. وعلى هذا الوجه قيل: اللَّهمَّ اغْنِني بالافتقار إليك ولا تُفْقِرني بالاستغناء عنك...
قال أبو القاسم البلخيُّ: «إنَّ الله يجوزُ أن يحبَّ عبدَهُ فإنَّ المحبةَ منه الثناءُ.. والمحبة إذا استعملت في الله فالمراد بها مجرّد الإحسان من الله إلى العبد، وكذا الخُلَّة، فإنْ جاز في أحد اللفظين جاز في الآخر، فأما أن يُرادَ بالحُبّ حبَّة القلب، وبالخُلّةِ التخلّل، فحاشا الله سبحانَه أن يُرادَ فيه ذلك»...
ولكنَّ رابعة تعاملت مع الله سبحانه وتعالى الخالق، كما تتعامل مع المخلوقين، لا لشيء إلاَّ لأنَّ التصوُّف تخلَّلَ نفسَها، و«الصوفيُّ إذا بلغ مرتبة الخلةِ بينه وبين الله سبحانه، سقطت عنه التكاليفُ، واستباحَ لنفسه ما لا يُبيحُهُ الله تعالى لغيره من الناس، ذلك لأنَّ كل ما في الدنيا هو ملكٌ لله وهذا حقٌّ، وبالنسبة إليه تعالى تنتفي أيضاً معاني الحلال والحرام، فكلٌّ حِلٌ له.. وفي حال الخُلَّة يكون العبدُ الخليل بنظر الصوفيين بمثابة الله، أو على الأقل إنه يستحلُّ لنفسه من أموره ما لا يمكن لغيره أن يستحلَّهُ، فإذا كان كل شيء في الدنيا ملكاً لله، فلخليلِهِ الصوفي هذا أن يستحِلَّ ما يشاءُ من هذا الملك»!!...
نعم إلى هذا الحدّ تصل بها الخلّة، وذلك بأن تسَتَحِلَّ لنفسها = ما دامت هي خليلة الله = ما لا يمكن لغيرها أن يستحلَّهُ لنفسه؛ أي بمعنى استهلاك وجودها في وجود الله ـــــــ سبحانه وتعالى ـــــــ وليس بمعنى افتقارها إليه أو ثنائه هو، سبحانه وتعالى، عليها...
وإنَّ رابعة لتعبّر عن خلتها تلك بالبيتين اللذين ذُكِرا سابقاً، ومطلعهما: «قد تخللتَ مسلكَ الروح مني» كما يقول عن ذلك أبو طالب المكي الذي ينسبهما إليها، وهو الذي يقول أيضاً بأن رابعة «كانت تذكر الأنس في وجدها وترتفع إلى وصف معنى الخلّة في قولها السائر:
إني جعلْتُكَ في الفؤادِ محدِّثي وأَبَحْتُ جسمي من أرادَ جلوسي
فالجسمُ مني للجــليس مؤانِسٌ وحبيـــبُ قلبي في الفؤاد أنيسي«
ونحن رضينا الخلّة التي تحدّث عنها قرآننا الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، في قوله تعالى: {وَاتَّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً}. فهذه الخلّة حق لا ريب فيه، وهي ناشئة عن مشيئة الله تعالى الذي له وحَدَه أن يصطفي من يشاء، ويختار من يشاء، فيتخذه خليلاً.. أما العبد، فإنْ كان له حقُّ اتخاذ خليل من بني جنسه، فإنَّ هذا الحقَ يجب أنْ لا يتجاوزَ نطاقَهُ أو حيّزَهُ الكائن في ذلك الجنس؛ فإنْ حصلَ التجاوز وقعت عليه المسؤولية، فكيف إذا تعدى كلّ حدودٍ حتى يصل إلى الحضرة الإلهية»؟.
ومن خلال تلك الخُلَّة نجد رابعة قد جعلت الله تعالى في فؤادها = وهو الذي لا يحتويه ـــــــ سبحانه ـــــــ مكانٌ ولا يحدُّه حدٌّ = بينما أباحت جسمَها لمن أراد من معاشرها بني البشر!!.. فأيُّ تناقضٍ هذا، وأين الخجل والحياء، بل وأين الخوف ممَّن هو أقرب للمرء من حبل الوريد ويعلم ما توسوس به نفسه؟.
على أنَّه، ومهما ادَّعت رابعة من خلّةٍ لله تعالى، فإننا نراها مشدودةً إلى دنيا الأرض.. ذلك أنَّ من يقدر أن يرتقي في نفسه إلى ملكوت السماء، فإنه لا يعودُ أبداً يعبأ بما في هذه الدنيا، بعد أن تخلص من موبقاتها وأدرانها، ووصل إلى ذلك السموِّ العظيم.. اللَّهُمَّ إلاَّ إذا تصوّر أو تخيل أنه بلَغَ هذا الارتقاء = مع أنه مستحيل البلوغ = بينما هو في الحقيقة ما يزال على طبيعته البشرية، وفي مواصفاتها الناسوتية، تماماً كما كانت حالُ رابعة وهي تطغى عليها فكرة الجسد، وإن كانت تدّعي أنها لا تعبأ به، ولذلك تُبيحه لمن أرادَ الجلوس معها، من أترابٍ أو أصدقاء أو خلاّن!..
ولا بُدَّ هنا أن نكرّر فنقول: أوليس الجسم هو مبعث الشهوة عندنا نحن الآدميين، وأنَّ استباحتَهُ غير مسموحٍ بها على الإطلاق لأنَّ لهذا الجسم حرمته المقدَّسة، وكيانه المحفوظ، عند كل صاحب كرامة، وخاصة لدى المؤمن الذي عليه أن يصونَ جسمه كما يصون نفسه من كل سوء؟.
إذن فاستباحةُ الجسد = فوق أنها تتنافى تماماً مع فكرة الخلّة التي تدعيها رابعة = غيرُ مسموحٍ بِها عند بني البشر، بل ولا يمكن للمرأة أن تسلّم جسَدَها إلاَّ لزوجها = والعكس بالعكس = الذي تربطها به أواصر الشرع والمشاركة والألفة والمحبة، وما إلى ذلك من العوامل التي تربط بين الزوجين.. ومن هنا فإنَّ المرأة العفيفة المخلصة تكون أكثر الناس حرصاً على جسدها ومشاعرها، وهي ترفض رفضاً قاطعاً وباتّاً كل شيءٍ يمكن أن يؤذيَها في ذلك، بل وإنَّ كثيرات يؤثرن الموت على المساس بهنَّ جسداً ونَفْساً..
وإذا كان هذا في علاقاتنا نحن أبناء البشر، فما بالُ رابعة تنسى أنَّها تتغنَّى بحبها لله تعالى، وبخلّتها له، ثُمَّ تُبيحُ جسدَها لمن أرادَ مجالستها، بحيث يتأتَّى عن تلك الاستباحة أن يصبحَ ذلك الجسد مؤانساً للجليس، بينما هي تتربَّعُ على عرش الأنس الربانّي الذي تزعم؟!..
من هنا نقول بأنَّ حيّز الوجود الأرضي هو الذي كان يطغى على رابعة، وإنْ كانت تظنُّ أنها عَرَجَتْ إلى مرتبة الخلّةِ والأنسِ التي ادّعت؛ كما أنَّ مشاعرها الإنسانية لم يكن بمقدورها الإفلات منها، بل على العكس كانت تلك المشاعر هي التي تسيطر عليها إلاَّ أنَّ الأمر اختلط عليها، فلم تعد تميّز بين ما يشّدها إلى الأرض، وما تنشده في السماء..
وليس وحده تصوّر رابعة لحالة الأنس، أو لحالة الخلّة ما يوقعها في التناقض لأننا نجد هذا التناقض في كثيرٍ من أفكارها الصوفية، منها على سبيل المثال حَيْرتها بين الخوف من الله تعالى ومن ناره المحرقة، أو طرحها هذا الخوف وعبادة الله حباً وشوقاً إليه...
فمشاعر الخوف عند رابعة تظهر بصورة جلية وهي تقول:
وزادي قــــليــلٌ مــــا أراه مُــــبَلّغِــي أللّزادِ أبكي، أم لطول مسافتي؟
أتحرقني بالنار يا غايةَ المُنى فأينَ رجائي فيك أينَ مخَافتي؟
إلاَّ أنَّ هذا الخوف من نار الآخرة وإحراقِها نجدهُ يتبدَّدُ ولا يعودُ له من أثرٍ عليها إطلاقاً عندما تدّعي أن إيمانها بالله تعالى لا يقوم على عبادته خوفاً من ناره، ولا طمعاً في جنته، بل إنّها تعبدُ الله سبحانه حباً وشوقاً إليه؛ وهذا ما يثبته جوابُها لسفيان الثوري، حين سَأَلَها مرةً: «ما حقيقة إيمانكِ يا رابعة؟».
فقالت: «ما عبدتُهُ خوفاً من ناره، ولا حُباً في جنته، فأكون كالأجير السوء؛ بل عبدتُهُ حباً وشوقاً إليه»..
كما يروي العطار أن رابعة كانت تناجي ربَّها وتقول: «إلهي! إنْ كنتُ عبدتُك من خوفِ النار فأَحْرِقْني في النار، أو طمعاً في الجنَّة فحَرّمْها عليَّ، وإنْ كنت لا أعبدك إلاَّ من أجلكَ فلا تَحرِمْني مشاهدة وجهك».
ومن هذا القبيل = وأعظم منه = تلك القصة التي رواها الأفلاكي في (مناقب العارفين) بالفارسية، وقد جاءت ترجمتها على الشكل التالي: «ذاتَ يومٍ، رأى جماعةٌ من الأصحاب رابعةَ في إحدى يديها نارٌ، وفي الأخرى ماءٌ، وهي تعدو مسرعةً؛ فسألوها: أيتها السيدة! إلى أينَ أنتِ ذاهبة، وما تبتغين؟ ـــــــ فقالت: أنا ذاهبة إلى السماء كي أُلقِيَ بالنارِ في الجنة، وأصبَّ الماءَ على الجحيم، فلا تبقى هذه ولا تلك، ويظهر المقصود؛ فينظر العبادُ إلى الله دون رجاءٍ، ومن غير خوفٍ، ويعبدونَهُ على هذا النحوِ: بلا طمع في جزاء أو خوف من عقاب، ذلك أنه لو لم يكن ثَمَّةَ رجاءٌ في الجنة وخوفٌ من الجحيم، أفكانوا يعبدون الحق ويطيعونه؟».
إن هذه الرواية، وإنْ كانت بالدليل القطعي محض خرافة لا تمتُّ إلى الواقع بشيء، إلاَّ أنها تعبّر تعبيراً دقيقاً عن تلك التخيلات والأوهام التي ملأت عقلَ رابعةَ وقلبَها حتى تمثّلتْ في نفسها القدرة على التصرّف في الجنة والنار كما تريد، مع أنَّ هذا التصرُّفَ صفةٌ من صفات الألوهية وحدَها.. وحتى خيِّلَ إليها أنها تملك حق إزالة الجنة والنار = فتكون هي المتصرفة بمصائر الناس جميعاً = فلا تكون عبادةُ الله تعالى قائمةً على طمعٍ في جزاء، ولا على خوفٍ من عقاب، بل على حبه والشوق إليه!! فتعْساً للوهم، وقُبْحاً للافتراءِ على نحوِ تلك الرواية، وما يقابلها من اعتقاد!!..
إذن فهنا تبرز نقطة الفصل في إيمان رابعة، وذلك بما اعتقدت عن البعث والحساب.. وهو إيمان يخالفُ شريعةَ الله وسنةَ رسوله، اللذين هما وحَدَهما عمادُ الدّين والدنيا، وقوام الوجود والحياة..
نعم، ليس في الإسلام ما يخوّل المؤمِنَ أن يعبُدَ الله تعالى على هواه، أي بلا خوفٍ من نارِهِ، ولا طمع في جنته، لأنَّ ذلك يؤدّي إلى إفراغِ العبادة من محتواها الذي تقوم عليه، وجوهرُ هذا المحتوى أن يُقرَّ العبدُ بعبوديته لربّهِ وما ينتجُ عن هذا الإقرار من امتثال لأوامرِهِ ونواهيهِ، واعتقادٍ جازمٍ بما أنزَلَ من أحكام، ومنها حكمُ العبادة على أساس الخوف من النار، والطمع في الجنةِ، حتى يتلافَى النارَ المحرقة وسعيرَ جحيمها، وينالَ الجنةَ ونعيمَ خلودِها..
وإنَّ عبادةً لا تقوم على الخوف من نار الله، ولا على الطمعِ في جنتِه، لهي عبادةٌ جوفاءُ، لأنه ينتفي معها الثوابُ والعقابُ، ويتساوى الناسُ جميعاً في مصيرٍ واحد ـــــــ في دار الآخرة ـــــــ بحيث يكون الكافِرُ والمؤمن، الجاني والمجنيُّ عليه، العاصي والتائبُ.. كلهم على نفس الدرجة والمستوى. فأي مخادعة أفدحُ من ذلك وأي ضلال أكبر؟
أولا ترى أيها الإنسانُ أن العبدَ إذا أحبَّ سيِّده كانَ له نِعم المطيع؟
نحن لا ننكر بأن الإنسانَ المخلص هو الذي يحرص على إرضاءِ سيّده أكثر من حرصه على نيل مكافأته. ولكن ذلك لا يعني أنه لا يخشى عقابَهُ ولا يرجو ثوابَهُ.. بل إنه يطمع دائماً أن يكون عند حسن ظنِّ هذا السيد به، يخاف منه بقدر ما يريد أن يُرضيَهُ، ويخشى غضبَهُ بقدر ما يتمنَّى أن ينال إحسانَهُ.. هذا في تعامل الناس مع بعضِهم البعض، وفي علاقاتهم الدنيوية حيث مبدأ الثواب والعقاب مطبق قانوناً وعدالةً وعرفاً منذ أقدم العهود وحتى يومنا هذا، حتى لنجدَ هذا المبدأ بين الأب وابنه، بحيث يكافىءُ هذا الابن على حسن صنيعه ويحرم الابن الآخر على سوء صنعه.. نعم هذه هي الحقيقة والواقع.. والله تعالى عندما خلقنا بشراً سَوِيّاً أنزل على رسله قانون الثواب والعقاب، ودلّتنا عليه آياتُهُ البيّناتُ بوضوح تامٍ، على أساس أنه الخالق العظيم والربُّ القدير، الذي أنشأ الإنسان والكون والحياة، وجعلَ لها القوانين، ومنها قانون الثواب والعقاب، فحريٌّ بالإنسان وهو يتعامل مع إنسان مثله على أساس هذا القانون، أن يعرف قوانينَ الله وسنته في خلقِهِ، وفي طليعتها قانون العدالة والحق القائم على الثواب والعقاب..
إنَّ من شأن المؤمن بالله تعالى، الذي أرهفَ الإيمانُ إحساسَهُ أن يبتغيَ ويعمل دائماً على مبادلة إحسان ربّهِ، = وهو إحسانٌ عميمق ولا ريب = بالكثير من الشكر والاستغفار والطاعة {هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ} [الرحمن: 60].
وإن من شأن المؤمن بالله تعالى أن تكون طاعته مقرونةً دائماً بالخوف من عقاب الله وعذابه، ذلك وعدٌ عليه حقٌّ لا خيرةَ له فيه ما دامت الملائكة في السماء تسبّح من خشية الله وخيفته لقوله تعالى: {وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ} [الرعد: 13].. وهو كذلك عليه فرضٌ دائبٌ لا مَفَرَّ منه، لأنَّ الله سبحانه وتعالى وهو القائل لرسوله الكريم محمد (ص) أن يُعلن للناس جميعاً: {إِنِّيَ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ}... والرسولُ العظيم يقرّرُ حقيقةً ثابتةً فيقول: «إن المؤمن يعيش في هذه الدنيا بين مخافتين: أجلٍ قد مضى ولا يدري ما الله صانعٌ به، وأجل قد بقيَ ولا يدري ما الله قاضٍ فيه».. وهؤلاء أهلُ بيت رسول الله: عليٌّ وفاطمة الزهراء والحسن والحسين (ع) يقول الله تبارك وتعالى بلسانهم في سورة الدهر: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُوراً (9) إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً (10) فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً} [الإنسان: 8 ـــــــ 11].
إذن فرسولُ الله ذاته، وأهل بيته يخافونَ الله، وإنْ أتَوْا الحسنةَ لا يرومون عليها جزاءً ولا شكوراً من الناس، بل يُؤتونَها خالصةً لوجه الله تعالى وذلك لأنهم يخافون من ربِّهم، شرَّ ذلك اليوم الذي هو آتٍ لا ريب فيه، ولا مفرَّ منه، وهو الذي تذهَلُ فيه كل مرضعة عمَّا أرضعت، وتضع كل ذات حَمْلٍ حملها، وترى الناسَ سكارى وما هم بسكارى، ولكنَّ عذاب الله شديد. فهل يمكن بعد هذا ألاَّ نخافَ الله، ولا نخشى عقابَهُ، أو لا نطمع في ثوابهِ، ونحن جميعاً معرضون للخطأ في كل وقت؟!..
وما دام هذا دأب النبيِّ الحبيبِ إلى الله، وأهلِ بيته والمؤمنين الصادقين، والعابدين القانتين فما بالُ تلك المرأة المتصوفة، رابعة تزعم أنها لا تعبُدُ الله خوفاً من عقابِهِ ولا طمعاً في ثوابه، فتخاطبه بكل جرأة وصلافة: «أنا ما عبدتك خوفاً من عقابك، ولا طمعاً في ثوابك، بل وجدتُك أهلاً للحب والشوق فعبدتُك حباً وشوقاً إليك»!!..
أوليسَ في مثل هذه المخاطبة أبسطُ مظاهر التنكّر للطبيعة البشرية التي من مظاهر إحدى غرائزها الخوف من العقاب والطمعُ في الثواب؟
أوليس في مثل ذلك الاعتقاد لتلك المتصوّفة ما يخالفُ كتابَ الله المبينَ الذي يحثُّنا أبداً على الخوف من ربّنا ويحُضُّنا على الخشية من غضبِهِ، ما دامَ يُنبئ = وهو لا يحمل إلّا أصدق الأنباء = أنَّ كل ما في السماوات والأرض من دابّةٍ ـــــــ ونحن مِمَّن يدبون على هذه الأرض = والملائكة أجمعين، إنما يخافون ربَّهم من فوقهم والخوفُ يتكرَّرُ ويتكرَّرُ في آيات كثيرة، مثل قوله تعالى: {وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِن دَآبَّةٍ وَالْمَلآئِكَةُ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ (49) يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [النحل: 49 ـــــــ 50].
وقولُهُ عزَّ وجلَّ: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ} [هود: 103].
وقولُهُ سبحانه: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات: 40 ـــــــ 41].
وقولُهُ سبحانه: {وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [الأنعام: 51]. وقوله عزَّ وعلا: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّـكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (13) وَلَنُسْكِنَنَّـكُمُ الأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ} [إبراهيم: 13 ـــــــ 14].
نعم هذا بعضٌ مما أنزَل الله تعالى في قرآنه المجيد، الذي يَدُلُّ على أنَّهُ فعّالٌ لما يريدُ، وحَدَه فقط يتصرَّفُ في شؤونِ خلائقِه، لأنه هو على كل شيءٍ قدير، بينما هذه الخلائق يجبُ أن ترتعِدَ فرائِصُها خوفاً من غضبه، أو تطمئن لذكره طمعاً في ثوابه، ألا فليتفكّر المؤمنون، وَلْيَعِ العابثون!..
وعلى نهجِ القرآنِ الكريم سارَ الرسولُ الأمينُ، فبيّن لنا حقيقةً أخرى من الحقائق الإسلامية التي لا تقبل الجدَلَ أو النقاش فقال (ص): «مَنْ نَقَلَهُ اللَّه من ذُلِّ المعاصي إلى عِزِّ الطاعة أغناه بلا مالٍ، وأعزَّهُ بلا عشيرة، وآنَسَهُ بلا أنيسٍ. ومن خافَ الله أخافَ الله منه كلَّ شيء، ومنْ لم يَخَفِ الله أَخافَهُ الله من كل شيء».
وها إنَّ رابعة العدوية لا تُريد الجنَّة، والرسول الأعظم يدعو ربَّهُ بتوسّلٍ وضراعة: «اللَّهُمَّ ارزُقْنا من خشيتك ما تَحولُ به بيننا وبين معصيتك، ومِنَ اليقين ما يُهوّنُ علينا مصاعِبَ الدنيا، ومِنْ طاعتِك ما تُبلّغنا بِهِ جنَّتك».
أجل الرسولُ، حبيبُ الله، وسيّدُ المرسلين يرجو طاعةَ الله من أجل بلوغِ الجنَّة، لأنها هدفُ كلّ مؤمنٍ أرضَى الله تعالى، ورضيَ عنه سبحانَهُ، ولا شيء في حياة المؤمن إلاَّ ويرجو به بلوغ الجنّة، وهل يُدخل سبحانَهُ وتعالى جنَّتَهُ أحداً إلاَّ إذا كانَ عنه راضياً؟
وهذا قَبَسٌ نورانيٌ آخرُ نستَقِيهِ من سيرةِ رسولِ الله (ص)، عندما حصلتْ بيعةُ العقبة الثانية، وفيه أبلغُ دليل على أنَّ منتهى الأمل والرجاء، وخالص الثوابِ والرضى من الله إنما هو ببلوغ الجنة.. فكيف ذلك؟
لقد أراد رسولُ الله (ص) أن يُبيّنَ إلى المجتمعين به ليلاً في العقبة الثانية الأسسَ التي تقومُ عليها المبايعة فقال لهم: «تُبايعونني على السَّمْعِ والطاعة في المنشط والمكره، وعلى النَّفَقَةِ في العُسْرِ واليسر، وعلى الأمرِ بالمعروف والنَّهْي عَنِ المنكر؛ وأن تَقُولوا في الله ولا تَخافوا لومةَ لائمٍ؛ وعلى أنْ تَنصُروني فَتَمنعوني إذا قدِمتُ عليكم مما تمنعون بِهِ أنفُسَكُمْ وأزواجَكُمْ وأبناءَكم».
ووافق غاليبة المجتمعين من الأوس والخزرج على تلك الشروط التي وضَعها رسولُ الله (ص)، بعد أن استوضَحَ عَدَدٌ منهم عن بعض مدلولاتها، وهمّوا بالمبايعة لولا أنِ اعترَضَهُم العباسُ بن عبادة بن فضلة يحذّرهم من العواقب والنتائج الخطيرة التي سوف تترّتب على ما يفعلون، فقال يُبَصِّرهم: «يا قوم! أتدرون على ما تُبايعون هذا الرجلَ؟ إنكم تُبايعونه على حرب الأحمر والأسودِ من الناس؛ فإنْ كنتم تَرَوْنَ أنَّكم إذا نُهِكَتْ أموالكم بمصيبة، وأصيب شرفُكم بقتل أَسْلَمْتُوهُ فمِنَ الآنِ فدعُوْهُ؛ فوالله إن فعلتم، خزي الدنيا والآخرة. وإنُ كنتُم تَرَوْنَ أنكم وافُونَ له بما دعوتموهُ إليه على نُهْكَةِ الأموالِ وقَتْلِ الأشراف، فخذوه، فهو والله، خيرُ الدنيا والآخرة».
إنَّ أهمَّ ما في حياة الإِنسان، في هذه الدنيا، بعد رضوان الله، المالُ والبنونَ، والأهلُ، والشَّرفُ، والسلامةُ، وما إلى ذلك من القِيَم والمعاني، المادية والمعنوية، التي يحرص عليها الإنسانُ ويتمنّاها.. فهذه كلها جابَهَ بها العباسُ بن عبادةَ بن فضلة القومَ، وذكَّرهم بأنَّها معرضة للخطر والزوال.. وكأنَّما استفاقَ القومُ، وأدركوا هولَ ما يُقْدِمون عليه، فسألوا رسولَ الله (ص): عمَّا يكسبون أو بما يفوزونَ إنْ هُمْ بايَعوا ووفَوْا؟ فكان جوابُه لهم، كلمةً واحدةً، ولكنها كلمةٌ تعدِلُ كلَّ شيء، إذ قال لهم: «الجنَّة».
ورضيَ القومُ بهذا العطاء الإلهي، فبايَعَ الأوسُ والخزرج، وشهدَ لنا التاريخُ ما كانَ لهم من باعٍ طويلٍ في تثبيت الإسلام، ونصرةٍ لله في نشر دينه..
فهذا هو القرآنُ الكريم، وهذه هي السنةُ النبويةُ الشريفةُ.. وفيهما نجد أن الإسلام يقوم، فيما يقومُ عليه، الخوفُ من الله سبحانَهُ وتعالى، ولكنَّ هذا الخوف يقترنُ دائماً: إما بالإيمان، أو بالتقوى، أو بالامتثال لأوامر الله، أو بعذاب الآخرة، أو بيوم الحشر، أو بالطاعة، أو بالجهاد في سبيل الله، أو بمعرفة مقام العزّةِ الإلهية والخشية من هذا المقام العالي.. وليس في الإسلام ما يُقرِنُ العبادةَ بالحبّ، والشوق، والهيام الغراميّ على طريقة المتصوّفين!!
ومَنْ يتتبَّعُ سيرةَ رابعة العدوية يجد أنها ذهبت إلى أبعدَ من ذلك بكثير، عندما اعتبرت أن شوقَها إلى الجنة إنّما يشكل خطيئةً تقترفُها، كما يروي عنها المناوي فيقول: «دخل جماعةٌ على رابعة يعودونها من مرضٍ ألمَّ بها، فسألوها: ما حالُكِ؟ قالت: والله ما أعرفُ لعلَّتي سبباً، عُرِضتْ عليَّ الجنةُ فَمِلتُ بقلبي لها، فأحسستُ أنَّ مولايَ غارَ عليَّ فعاتبني، فلَهُ العُتبى».. وهذا يعني أنَّها صارت تعُدّ الميلَ بقلبها إلى الجنة بمثابة إثمٍ اقترفَتْهُ، لأنَّ الله تعالى = مولاها وحبيبَها = يَغارُ مِنْ هذا الميل، وقد عاتَبَها عليه، فتابتْ عنه، وقررت ألاَّ تعودَ إليه أبداً!!
ذلكَ ما وصلتْ إليه رابعة في خيالِها وتصوّرها. وليتَ هذا التصوّر وقفَ عند هذا الحد، لكان = ربما= لم يشطط بها إلى شطحٍ أكبر.. أما أن تتجرَّأ على الله سبحانه وتعالى، وتُعاتبُهُ على خلقِهِ النارَ لتأديب العاصين، فهذا، والله، منتهى الشطط والزلل. لنستمع إليها كما يروي المناوي عن لسان مالك بن دينار بأنه أتَى رابعةَ مرةً فسمِعَها تقول: كم من شهوةٍ ذهبتْ لذَّتُها وبقيتْ تَبِعَتُها، يا ربِّ! أما كانَ لك عقوبةٌ ولا أدبٌ غيرُ النار؟
هذه بعضُ نماذج مما حَفَظَ الرواةُ أو ألّفوا عن تفكيرِ رابعة وتصوّرِها في تصوّفها.. ومَنْ يستقرىءُ هذا التفكيرَ يجد أنها كانتِ امرأةً لا تستقرُّ على رأيٍ معيّن، أو تغلّب حالاً على حال من أحوالها، بل تتقلَّبُ في شتى الأحوال (وربما يكون ذلك نتيجة لما طرأ على حياتها من تغيُّرات أو لما أصابَ نفسَها من ضياع في فتراتٍ طويلة) كما أكَّدت ذلك خادمتُها التي لازمتها طوال حياتها، عبدة بنت أبي شوّال، إذ قالت: «كانت لرابعة أحوالٌ شتَّى: فمرَّةً يغلب عليها الحبُّ، ومرة يغلب عليها الأنس، ومرةً يغلب عليها البسط، ومرَّة يغلب عليها الخوف».. ولكنَّ العشقَ الإلهي ـــــــ كما رأينا ـــــــ يبقى طابعَها المميّز. ورائدها في تصوّفها.
فمن إنشادها في العشق الإلهي هذه الأبياتُ:
فليتَكَ تــحلــــو والحــــياةُ مـــريــــرةٌ وليتَكَ تَرضى والأنامُ غِضابُ
وليتَ الذي بيني وبينَكَ عامِرٌ وبيــــني وبيـــن العـــالمين خرابُ
إذا صَحَّ منك الوُدُّ فالكلُّ هيّنٌ وكلُّ الذي فوق التراب تُرابُ
وحين تبلغُ بها نشوةُ الحب حدّاً كبيراً، تجعلها تقول:
كأســـي وخَمــــري والنـــديمُ ثلاثـــةٌ وأنــــا الــمشوقة في المحبة: رابعـــة
كــــأسُ الـــمسرَّةِ والنــــعيم يُديرُهــــا ساقي المدام على المدى متتابعة
فـــإذا نظــــرت فـــــلا أُرى إلاَّ لَـــــهُ وإذا حضـــرتُ فــــــلا أُرى إلاَّ مـعــه
يا عاذلي! إني أحبُّ جـــمالــــــــَهُ تـــاللَّه مــــا أُذْنـــي لِـــعَذْلـِــــكَ سامِــــعَة
كم بِتُّ مِنْ حُرَقي وفرطِ تعلُّقي أُجري عيوناً مِن عيوني الدامِعــــة
لا عبـــرتي ترْقا ولا وَصـــْلي لــــه يبقــــى ولا عينـــي القريـــحة هاجعة
وأخيراً تهجر الدنيا، وتخلو إلى نفسها، وعندما تُسأَل عن وحشتها في خلوتها، تقولُ:
راحتي يا إخوتي في خلوتي وحبيبي دائماً في حضرَتي
لم أجِدْ لي عن هواهُ عِوَضاً وهــــواهُ فــــي البــــرايا مِحْـــنَتي
حيثُـــــما كنـــتُ أشاهِـــدْ حُسْنَهُ فهـــو محـــرابي، إليـــهِ قِبلتــي
إنْ أمُـــتْ وَجْداً وما ثَمَّ رضــا وَاعَنائي في الورى! وَاشَقْوَتي!
يا طبيبَ القلبِ يا كُلَّ المنَى! جُدْ بِوَصْلٍ منكَ يَشفي مُهجتي
يــــا ســــروري وحيــــاتي دائـــمـــــاً نَشْـــأتي مِنــــك وأيــــضاً نشـــوتـــي
قد هجَرتُ الخلْقَ جَمْعاً أرتجي منك وَصْلاً، فَهوَ أقْصَى مُنيَتي
وهكذا يتبيّن مما تقدم، أي من أقوالِ رابعة وأناشيدها، ومما رويَ عنها أو نُسب إليها، أنَّها سارت على طريق التصوّف حتى كانت رائدةً فيه، وقد برزت ريادتُها في مذهب العشق الإلهي، المذهب الذي حاول أتباعُهُ، فيما بَعْدُ، أن ينسبوه للإسلام زوراً وبهتاناً، وأنْ يُفسِدوا به وبغيره من الأباطيل علينا دِينَنا.. ولكن أنَّى لهُمْ ذلك، وهذا الدين متبينٌ، محفوظٌ ومَصُونٌ، حفظَهُ الله تعالى، وصانَهُ في كتابِهِ المقدَّسِ، الذي قالَ فيه عزَّ مِنْ قائلٍ: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9].





Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB