الصوفية في نظر الاسلام
الطبعة : الطبعة الرابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   600
تاريخ النشر :   1993




إبراهيم بن أدهم والمجاهدات الجسدية والنفسية عند الصوفية

إبراهيم بن أدهم
والمجاهدات الجسدية والنفسية عند الصوفية
إن المجتمعات التي لم تعشْ في ظل راية الأديان السماوية، هي مجتمعات جاهلية لأنها تبقى بلا ريبٍ أسيرة للأوهام، مقيدةً بأقوال المنجِّمين والكهَّان، مغلولةً بالأساطير والخرافات، غارقةً بالأعراف والتقاليد، وجميعها لم تخاطب الإنسان يوماً، بما يقنع عقله، ويطمئن قلبه، ويرضي وجدانه.. بل كانت أنواعاً من الظلم والاستبعاد والاستغلال، تمارسها فئات حاكمة طاغية، همُّها نيل التقديس والاحترام، والحصول على المكاسب والمغانم، بحيث لا تتورع عن ابتداع الأباطيل والمزاعم، وعن استعباد الناس وتجويعهم، فتسوقهم كالأغنام، ويكون لها ما تشاء.. وكل ذلك كان باسم المعتقد الديني الذي اخترعوه، وعبادة الآلهة التي صنعوها.. والأحكام التي سنّوها لمعالجة مشاكلهم، والقصص التي حاكوها حول معتقداتهم وآلهتهم. والقصة تفعل الأعاجيب في نفوس الشعوب البدائية.
ومن هنا نجد أن القصص الديني كان أكثر القصص أثراً في النفوس، وأشدها انطباعاً في الأذهان يتوارثها الأبناء عن الآباء أجيالاً بعد أجيال، حتى يمكن القول بأن هذه القصص هي أهم ما تحفظه الشعوب المتأخرة عقليّاً وذهنيّاً، حتى يضحى بمثابة تراث لها، تحافظ عليه ولا تريد التخلِّي عنه ما لم تهزَّها أحداث جسيمة، أو تجبهها أفكار جديدة يكون لها وقع في النفوس يغلب على ما سيطر عليها من قبل.. ولكن تلك الغلبة للأفكار الجديدة ولأحداثها، قد لا يكون لها الاستقرار التام، فتختلط بها الأفكار القديمة أو القصص المنسوجة في الأخيلة والقلوب، بما يبعد الجديد عن حقيقتها..
وعلى هذا فإنه لما جاء الأنبياء بالقصص الصحيح سرعان ما اجتمعت عليه الصور القديمة في القصص الوثنية، فأضافت إليه ما ليس منه، وغيرَّت فيه بشكلٍ جعل القصص الصحيح يخرج عن حقيقته.. وإنا لنجد المثال على ذلك بما صوَّرت به بعض الكتب الدينية، النبيَّ داود (ع) على أنه ملك من ملوك الدنيا، تسود قصره النزاعات بين الزوجات والجواري، ويحيك الدسائس لقتل الأشخاص حتى يحظى بزوجاتهم، مع أنه نبيٌّ منزَّهٌ عن كل ما يشين سمعة الإنسان وعن كل ما يكون فيه يدٌ للشيطان، تعالى رُسُل اللَّه عن ذلك علواً كبيراً... وطبعاً لم تكن الغاية من تلك الصور إلاَّ دفع الناس للتعلُّق بالحياة، والتهافت على الملاذِّ والمسرَّات، وهذا في العادة أيسر الطرق لإخضاع الجماعات للفكرة الاستغلالية في الدين!.
فلم تسلم قصص القرآن الكريم من هذا العبث بالحقائق، فاندست حولها تفسيرات مليئة بالخرافات والأساطير التي اصطلح على تسميتها بالإسرائيليات، مثل أخبار كعب، ووهب بن منبه، وغيرهما من يهود المسلمين، التي حملت هذا الطابع الإسرائيلي بوضوح، والتي كانت الغاية منها إفساد عقول المسلمين، وثَنْيَهُمْ عن عقيدتهم، وبالتالي النيل من الإسلام الذي من أهدافه القضاء على كل ما يُفسد العقل، وما يسوء النفس، ويقهر الجسد، وبالإجمال كل ما يبعد الإنسان عن مكنون تكوينه، وعظمة هذا التكوين بما هو عليه من روح ونفس وجسد..
وهكذا فإنه لما نجح الإسلام في بسط سلطانه على الشعوب التي كانت الوثنيات تسود عقولها، ورأت طائفة من أصحاب النفوذ والمنتفعين أن مكاسبهم قد قُضي عليها، وأنه لا كيان لهم بوجود نظام شامل، وعدالة مستقرَّة، استنفروا جهودهم لبذر جراثيم الفساد التي قد ينالون بواسطتها من الإسلام وعظمته، فلم يجدوا أفضلَ وسيلةً لذلك من الزهد والتقشُّف، وما يحملان من دعوة لتحقير الدنيا ونعيمها، واعتزال الناس، ومحاربة الجسد بتحريم الطيبات، فوقر أصحاب تلك الدعوات في أذهان فقراء الناس وبسطائهم أنَّ الدين يدعوهم أول ما يدعوهم إلى التقرب إلى الله، وأنَّ هذه القربة لا تكون إلاَّ بتعذيب النفوس بالجوع والصيام، وبقهر الجسد وحرمانه.
وهكذا فإن جرثومة التصوف الهندي التي كانت قد لقيت في العقلية الفارسية مرتعاً خصباً، والتي جعلت فارس تحمل التصوف الهندي بحرمانه وأخيلته قروناً عديدة، عادت للظهور أيام ضعف الدولة الإسلامية في حكم بني العباس، ونجاح المتآمرين الأعاجم في الاستيلاء على الحكم، فقام شيوخ «خراسان» و«بلخ» ينادون بالتصوف على أنه من صميم الدين، وأنه مذهب الصفوة المختارين؛ متأثرين في ذلك بما كانوا عليه من العادات والطباع أجيالاً طويلة؛ واختلطت التعاليم الإسلامية بالتقاليد الفارسية والهندية، فضاع الناسُ، ولم يعودوا يعرفون أين هي الحقيقة، فأدى بهم هذا الضياع إلى النفور من الدنيا، وتحريم أطايبها، ومن ثَمَّ الركض وراء الحرمان والقهر والفقر، والجوع، والعذاب... معتمدين لذلك طرقاً عديدة ملتوية عرفت بالرياضات والمجاهدات، أو بالعبادات والخلوات.
ولقد زعم دعاة تلك المجاهدات بأنها تؤمِّن الاتصال بالله، وتتيح فرصة مشاهدته بأم العين؛ وبها يمكن تلقِّي العلم عن الله مباشرةً، بما أسموه «العلم اللَّدُني».. ومن أجل هذا اندفع الزاهدون (كما كانوا يدعون بينما هم في الحقيقة غلاة صوفيون) وراء مجاهدة النفس وتعذيبها بالجوع والسهر والخلوة، ولبس المرقعات والمواظبة على الأوراد والصلوات، كما أشاعوا في صفوفهم ضرورة ترك الغنى وكل وسائل الفرح والبهجة، فراح عديدٌ منهم يسوح في البراري والفلوات، ويعاشر الوحوش والبهائم ـــــــ كما تروي كتب التصوف وغير ذلك من الأساليب والطرق التي ظنوا فيها تحقيق أهدافهم الصوفية، وأغراضهم «الدينية»!..
ولكي يمكن الوقوف على حقيقة المجاهدة وما يعنون بها، فإننا نأخذ ما نقله القشيري عن إبراهيم بن أدهم في ذلك والذي يعتبر تحديداً لأغراض التصوف وأساليبه في المجاهدة؛ قال إبراهيم بن أدهم:
»اعلم أنك لا تنال درجة الصالحين حتى تجوز ست عقبات:
الأولى: أن تغلق باب النعمة وتفتح باب الشدة!
والثانية: أن تغلق باب العز وتفتح باب الذل!
والثالثة: أن تغلق باب الراحة وتفتح باب الجهد!
والرابعة: أن تغلق باب النوم وتفتح باب السهر!
والخامسة: أن تغلق باب الغنى وتفتح باب الفقر!
والسادسة: أن تغلق باب الأمل وتفتح باب الاستعداد للموت»!..
إذن فعند إبراهيم بن أدهم تقوم المجاهدة على ترك النعمة واعتماد الشدّة، والتخلي عن العز واتباع الذل، وهجر الراحة إلى الجهد والنوم إلى السهر، ورذل الغنى والركض وراء الفقر، ونبذ الأمل والاستعداد للموت!.. وهي حالات لو اعتمدها الإنسان فعلاً لأذهبت بصيرته، وخذلت نفسه، وطمست على عقله، فلا يألف عيشاً سويّاً، ولا يعرف حياة طبيعية..
وبعد إبراهيم بن أدهم بثلاثة قرون أبرز الغزالي رأيه في المجاهدة في كتابه (إحياء علوم الدين)، وهو الكتاب الذي يعتبره الصوفية بحر التصوف، ويتهافت عليه العاجزون والمحرومون من صغار الشباب، تهافت الفراشات على الضوء القاتل، ليجعلوا منه قناعاً لعجزهم وحرمانهم، وذلك عندما قال: «المجاهدة تكون بلزوم زاوية ينفرد بها العبد، ويوكل به من يقوم له بقدر يسير من الرزق «الحلال»! ويلقنه ذكراً من الأذكار؛ ومن المجاهدة: دفع الوساوس التي تترتب على وجود المرء في الخلوة، وقفل باب الفكر، والتجرد للذكر مع ملازمة هذه الحال. ومن المجاهدة تأديب النفس بتثقيل الأوراد والوظائف وإجهادها بالأذكار والصلوات، والسهر وقلة الطعام»!! أما العزلة في زاوية انفراد العبد، فيقول عنها الغزالي: «إنها لا تكون إلا بالانقطاع عن علائق الدنيا بالكلية، وتفريغ القلب منها، وقطع المهمة عن الأهل والمال والولد، والوطن، وعن العلم، والولاية، والجاه، حتى يصير الشخص في حالة يستوي فيها وجود كل شيء وعدمه، ثم يخلو بنفسه في زاوية، مع الاقتصار على الفرائض، ويجلس فارغ القلب، مجتمع الهمّ، لا يشغل فكره بقراءة القرآن، أو تأمل في تفسير، أو كتابة حديث أو نحو ذلك»: ثم يقول هذا الشيخ الفيلسوف في «الخلوة»: «إنها لا تكون إلّا في بيت مظلم، فمن لم يكن له بيت مظلم فليلفَّ رأسه في جيبه! أو يتدثر بكساء أو إزار. ففي مثل هذه الحالة يسمع نداء الحق! ويشاهد جلال الحضرة الإلهية»..
إذن فالغاية عند أبي حامد من «العزلة»، و«الخلوة» ـــــــ وقوامهما المجاهدة هي في نهاية المطاف ـــــــ سماعُ نداء الحق، ومشاهدةُ جلال الحضرة الإلهية.. أو ليست هذه الغاية ضرباً من المحال حقّاً؟ بل أليست ضرباً من الجنون، لا يمكن لمؤمن بالله، وبقدرته، وعظمته، وسناء جلاله، أن يقبل بها؟!.. ويكفي أن يكون في هذه الدعوة للمجاهدة التخلي عن كل شيء، عن الأهل والولد، وعن المال والوطن، وعن العلم، وحتى عن قراءة القرآن والتفكر في تفسيره... وإذا كان الأمر كذلك فماذا بقي للإنسان في دنياه؟! ولماذا كانت هذه الحياة؟ ولِمَ كان خلق الإنسان في الأصل؟!.
على أنه وإن كانت هذه أغراض المجاهدة الجسدية، ومجاهدة النفس عند إبراهيم بن أدهم، وعند الشيخ الأكبر أبي حامد الغزالي، فإن الجوع والسهر وإرهاق البدن، والاعتزال، والانفراد، والاختلاء، لم تكن كافية لكبح جماح النفس عند الصوفية، ولذلك نجدهم يفرُّون إلى التكايا والزوايا بعيداً عن الناس، بقصد التوثب على حرب النفس، ومغالبتها باسم المجاهدة كما يزعمون... أما الجهاد بالنفس والمال لمناصرة الدِّين والحق أو دفاعاً عن الوطن والعرض، وغير ذلك من المقاصد السامية التي يُعتبر الموت في سبيلها علامة على الصدق والانطلاق في الحياة بحسب الشرع الإسلامي الصحيح، فهذا ما لا تسمو إليه همم الصوفية في صميم العقيدة، ولا تتعلق به إرادتهم العاجزة. فالصوفية مع تحقيرهم الدنيا، وترك كل ما فيها، والتخلي عن مقاصدها، ومع ادعائهم كراهية هذه الحياة، وسخطهم على ما فيها، نجدهم أحرص الناس على الحياة ـــــــ وإن كانوا يقضونها غرقى في بحران الوهم والخيال ـــــــ ولذلك تراهم عند المصيبة، أو الغارة عليهم مثلاً، أشد الناس هلعاً وجزعاً، ولكن ماذا يفعلون حيال ذلك؟ إنهم يهرعون إلى قبور أشياخهم يلتمسون منها الغوث ودفع المكروه، أو يقيمون ويقبعون فيها علهم يجتمعون بساكنيها، ويتربصون ـــــــ من غير جدوى ـــــــ أن تنزل بالغزاة أو المغيرين عليهم قارعة من السماء، أو أن تنخسف بهم الأرض، أو ينزل بهم الوباء من دونهم... أما أن يبرزوا لعدوِّهم، أو يخرجوا لملاقاته، فليس هذا من شأنهم! كيف لا وقد علمهم أشياخهم أن يلجأوا إليهم ـــــــ أحياءً وأمواتاً ـــــــ لكشف الكرب، والشفاء من الأمراض، وغير ذلك من الخزعبلات والأضاليل؟ ولعلَّ المثال البارز على ذلك، كيف هرع صوفية بنغازي ـــــــ وهم كثرة غالبة ـــــــ عندما دهمتهم جيوش العدوِّ، تستعمر أرضهم وتستبيح ديارهم، وتستحل أعراضهم، إلى قبور أشياخهم، يستعطفون أجداثها أن تجيرهم، وهم لا يفتأون يرفعون أصواتهم مبتهلين إلى شيخهم الأكبر، مرددين هذه المنظومة التوسلية:
يا حسيباً، إنا عليــــــــــــــــــــــــك حسبنــــــــــا ودخلنا في كهفك المـــــــــــــــحميِّ!
وبظــــــــــل الجنـــــــــــــــــاب منـــــــــــك اتَّقينــــــــا من عدوٍّ ومن مُغيرٍ قـــــــــــــــــــــــويِّ!
فهل حماهم ذلك الحسيب المحسوب فعلاً، وهل وقاهم شَرَّ العدوّ؟
طبعاً لا، بل إن مَدافع المغير القويِّ قد حصدتهم، ولم تبقِ منهم أحداً، وحلَّت الكارثة بالبلاد، وعمَّ البلاء!..
وشبيه بذلك، ما تذكر كتب التصوف من حكايات غريبة التصوُّر، ومنها هذه الحكاية الفريدة عن خروج بعض الصوفية للقتال، فتقول بأن اثنين من صوفية خراسان، وهما حاتم الأصمّ، وشقيق البلخي، خرجا ذات يوم ليشهدا حرباً مع المسلمين، وما أن حمي وطيس المعركة، واشتدَّ الكرب بالناس، حتى نظر شقيق إلى حاتم وقال له: «هل ترى نفسك اليوم كما كنت ليلة زفافك؟!».. فأجابه حاتم: «لا..». فقال شقيق: «إني لأجد نفسي في هذا اليوم مثل ما كنت عليه في تلك الليلة»؛ ثم نام إبَّان المعركة، والقتال دائرٌ على أشدِّه، حتى سُمِع غطيطه!..
ومن الغريب أن الأشياخ يسوقون هذه القصة في معرض الشجاعة النادرة، وحسن التوكل على الله، ويفسِّرون عملية النوم عند اشتداد القتال بأنها (الإيمان الكامل والتصديق بموعود الله في قوله تعالى: {قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا} [التوبة: 51]... فأيُّ توكل هذا الذي يدَّعون، وأي إيمان هذا الذي يعتقدون؟ ومتى كانت آيات الله ـــــــ سبحانه وتعالى ـــــــ لا تحضُّ المسلم على قتال عدوّه وعدوّ الله، ومتى كان الإسلام ديناً للهزل في معرض الجد، ودعوةً للتقاعس والذل قبالة الخطر والشدَّة؟!.. بل وأية شجاعة هذه التي تطرح واجب الجهاد المقدس جانباً، وترتمي في أحضان الدعة والإخلاد إلى النوم؟!.. فلو كان هذا شأن الإسلام، ولو كان كذلك توكل المسلمين، لمَا خاضوا معركة، ولما نزلوا إلى ملاقاة عدوّ، في حين أن التاريخ يشهد لهم بأنهم كانوا أبطالاً عظاماً في معركة بدر، والخندق، ومؤتة، بل وفي سائر الفتوحات الإسلامية التي جعلت راية الإسلام خفَّافةً على مشارف بقاع عديدة من بقاع الأرض... وعندما غفل بعض المسلمين في معركة أُحد عن الأعداء واتَّبعوا هوى النفس، جرُّوا على المسلمين جميعاً المصائب والمتاعب والويلات، مع أنهم كانوا في حمى الرسول الأعظم (ص)..
لنعد إلى المجاهدات لنراها وقد ملأت بطون كتب التصوف وهذه طائفة من أخبار تلك المجاهدات، نسوقها أمثلة على ما وصل إليه أولئك الناس، من أوهام سيطرت على عقولهم، حتى لم يعودوا يروا في الدنيا إلاَّ الألم والعذاب...
يحكي الغزالي، في باب معاقبة النفس أن أبا مسلم الخولاني قد علق سوطاً في جدار بيته يخوّف به نفسه، فإذا كلَّت نفسه تناول سوطه وضرب به ساقه! ويقول: أنت أولى بالضرب من دابتي! ثم يقول: أيظن أصحاب «محمد» أن يستأثروا به دوننا؟ كلا والله لَنزاحمنَّهم عليه زحاماً، حتى يعلموا أنهم خلَّفوا وراءهم رجالاً! ثم يستأنف ضرب نفسه!!.
ويحكي الغزالي أيضاً في نفس الباب، أن صفوان بن سليم كان قد تعقدت ساقاه من طول القيام، وكان إذا جاء الشتاء اضطجع على السطح ليضربه البرد! وإذا جاء الصيف اضطجع داخل البيت ليجد الحر فلا ينام!!
وأبو حامد يحكي مثل هذه الحكايات ويحبِّذها ويدعو إليها..
ومن أساطير الصوفية في المجاهدة ما جاء في الرسالة القشيرية من أن أبا تراب التخشبي، أحد أقطاب الصوفية، نظر إلى صوفي من تلامذته قد مدَّ يده إلى قشر بطيخ وكان له ثلاثة أيام طاوياً لم يأكل شيئاً، فقال له أبو تراب: تمد يدك إلى قشر البطيخ؟ أنت لا يصلح لك التصوف الزم السوق، وطردَه من بين تلامذته.
وكان عبد الله التستري لا يأكل الطعام إلا في كل خمسة عشر يوماً مرةً واحدة ـــــــ كما يزعمون ـــــــ وإذا دخل شهر رمضان، دخل بيته وقال لامرأته: طيني على الباب والقي إليَّ من الكوَّة كلَّ ليلة رغيفاً، فإذا كان يوم العيد فتح الباب ودخلت امرأته البيت، وإذا بثلاثين رغيفاً في زاوية البيت لم يأكل منها شيئاً... (فكيف كان يمكن للتستري أن يحيا وهو صائم بدون طعام لمدة شهر كامل؟ أليس ذلك من باب الأساطير والكذب والأباطيل؟....
ويروي ابن الجوزي أن بعضهم ادَّعى بأن سهل بن عبد الله التستري كان يقتات ورق شجر النبق لمدة طويلة من الزمن وبقي ثلاث سنين يأكل دقائق التبن، واشترى بثلاثة دراهم طعاماً كان يعتاش عليه لمدة ثلاث سنوات... فتأمَّل هذا الكذب المفترى، وتفكَّر بما نسجوه من الأساطير حول قادتهم وسادتهم في نشر الضلالات.
وكان أبو علي الروذباري، وهو من الصوفية المشهورين في زمانه، يخرق أكمام قميصه ويخرق الثوب الثمين فيرتدي بنصفه ويأتزر بالنصف الآخر. ودخل الحمام يوماً فرأى جماعة من أصحابه ليس معهم ما يأتزرون به، فقطع أزره على عددهم، وطلب منهم أن يدفعوا عند خروجهم بخرقهم إلى صاحب الحمام...
وجاء في اللمع للسراج أن أستاذه الجنيد أصابته جنابة في ليلة من الليالي الباردة، وكانت عليه مرقعة من صوف غليظة يبلغ وزنها ثلاثة عشر رطلاً، فذهب إلى الشط، وخاف من الدخول في الماء لشدة البرد، إلاَّ أنه عاد وطرح نفسه في الماء وهو في المرقعة، فلما خرج قال: إني عزمت أن لا أنزعها عن بدني حتى تجف عليَّ، فلم تجف عليه شهراً كاملاً... فصدِّقْ إن كنت بلا عقل...
وهكذا تظاهر الصوفية بالمجاهدات والرياضات، كما ترى، بحجة جهاد النفس وتجريدها عن المادة، فجاءت مجاهداتهم محاربة للعقل والحاجات العضوية والغرائز التي أوجدها الله تعالى في الإنسان، وخلافاً لما يهدف إليه الإسلام من حشد جميع الطاقات والقوى للعمل لخير الإنسان ورفعة شأنه، وتساميه في وجوده، ولبناء المجتمع الإسلامي بناءً سليماً يرتكز على العمل الصالح، والحرص على المصلحة الخاصة والعامة، وتثبيت أسس العدالة الدائمة، كيما تتوفر الفرص المؤاتية، والحياة الفاضلة الكريمة لجميع الناس، وهذا عكس ما أوصى به بعض الصوفية في وصيته لأحد مريديه: «لتكن خربتك الخلوة، وطعامك الجوع، وحديثك المناجاة، فإما أن تموت وإما أن تصل إلى الله».. ولا بدَّ أنه سيموت أسوأ ميتة.. وكذلك قال يحيى بن معاذ، أحد مشاهير الصوفية: «لو أن الجوع يباع في السوق لمَا كان لطلاب الآخرة إذا دخلوا السوق أن يشتروا غيره»،وهي أقوال لا تختلف في شيء، عما قاله الغزالي، ومن قبله إبراهيم بن أدهم في تحديد معنى المجاهدة الصوفية.
إبراهيم بن أدهم
وإذا كان إبراهيم بن أدهم هو أول من جدَّد قواعد هذه المجاهدة، فإنه، كما تحكي عنه كتب التصوف، قد طبقها على نفسه، فاعتبر فكره، ومن ثم سلوكه، بداية لعهد جديد في انتقال التصوف من مصادره الأولى إلى العواصم الإسلامية العربية، وصياغته بثوب إسلامي.
وعلى هذا فإن حياته، كما روي، تعتبر أشبه شيء بحياة (بوذا) مؤسس الديانة البوذية. وقد نقلت الروايات عن بداية تصوفه أنه كان أبوه من أهل بلخ ومن ملوك خراسان، وقد علّمه حبَّ الصيد وفنون، فخرج يوماً على فرسه ومعه كلبه إلى صيدٍ فثارت أمامه إحدى الطرائد (ثعلب أو أرنب)، فحرّك فرسه واندفع في أثره، فبينما هو كذلك إذ سمع نداءً يهتف به: «يا إبراهيم ليس لذا خلقت ولا بذا أمرت».. فوقف يلتفت يمنة ويسرة، فلم يرَ أحداً، فقال: لعن الله إبليس، ثم حرك فرسه من جديد في طلب الطريدة، فإذا به يسمع النداء أعلى من قبل قائلاً له: يا إبراهيم ليس لذا خلقت ولا بذا أمرت.. وعاد يقف ويلعن إبليس، ثم يمضي مسرعًا نحو غايته، فإذا بالصوت يعاوده، وهو أقرب ما يكون إليه، ويقول له: يا إبراهيم ما لهذا خلقت ولا بذا أمرت، ما هذا العبث، {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} [المؤمنون: 115] عند ذلك وقف وقال: «قد نبهت وبلغت إن كنت نذيراً من رب العالمين، والله لا عصيت الله بعد يومي هذا ما عصمني ربي، ورجعت إلى أهلي، وخليت عن فرسي، ثم جئت إلى رعاة لأبي فأخذت من أحدهم جبة ودثاراً وألقيت له ثيابي ثم أقبلت على العراق»... وتذهب هذه الرواية إلى أنه بعد أن عمل في العراق بضعة أيام ولم يصف له منها شيء من الحلال، سأل بعض المشايخ عن الحلال، فقال له: إنه ببلاد الشام، فذهب إليها ودخل مدينة المصيصة، ولم يجد الحلال، فسأل عنه من جديد، فقيل له إنه بطرطوس، فعمل في بستان حتى جاءه يوماً جماعة وطلبوا إليه أن يأتيهم بأطيب رمان وأكبره، فظهر له بعدها أن أصحاب البستان كانوا يعرفون عن زهده واستقامته، ولكنهم لا يعرفونه شخصياً، فلما عرفوه، جاؤوا ليعتذروا إليه، فاختفى عنهم..
ويروى السلمي في طبقات الصوفية عنه أنه قال: «بعد أن هتف بي الهاتف وتأكدت أن النداء كان من الله صادفت راعياً لأبي، فنزلت عن فرسي وأخذت جبة الصوف التي كان يلبسها الراعي وسلَّمته الفرس وما كان معي، وتوجَّهت إلى مكة المكرمة فبينما أنا أسير في البادية على قدمي وإذا برجل يسير وليس معه زاد ولا ماء، فلما أمسى وصلَّى المغرب حرك شفتيه بكلام لم أفهمه فإذا أنا بإناء فيه طعام، وإناء في شراب، فأكلت وشربت وبقيت معه أياماً على هذه الحال، ثم علَّمني اسم الله الأعظم وغاب عني، فبقيت أسير وحدي، فبينما أنا ذات يوم مستوحش من الوحدة دعوت الله بالاسم الأعظم أن يجمعني به. وقبل أن أفرغ من الدعاء وإذا بشخص قد استوقفني وقال: «سلْ تُعطَ»، فراعني قوله؛ فقال لي: لا روع عليك أنا أخوك الخضر (ع)، إن أخي داود علَّمك اسم الله الأعظم فلا تدعُ على أحد بينك وبينه شحناء فتهلكه في الدنيا والآخرة، ولكن ادعُ الله أن يشجع به جُبنك، ويقوي به ضعفك، ويؤنس به وحشتك، ويجدد به في كل ساعة رغبتك، ثم انصرف وتركني»!!.
وإن رحلته الأولى من بلخ واجتماعه بالخضر (ع) وما رافق هذه الرحلة من الكرامات، قد لفت أنظار بعض المستشرقين من ناحية الشبه بينها وبين أسطورة (جوثامابوذا) واعتبروها من جملة الأساطير، فقال (ماسينيون) في كتابه «بحث في نشأة المصطلح الفني للتصوف»: «لقد نسبت إليه في عهد متأخر لمحة من أسطورة بوذا الأمير الشحاذ» ثم أضاف: «إن ابن أدهم فرَّ من بلخ في سنة 132هـــــــ. وهي السنة التي قام فيها أبو مسلم الخراساني بثورته، ولحق بأخته وهي في الكوفة، وكان لها ولد شاعر هو محمد بن كناسة الأسدي، وقد قتل ابن أدهم في الساحل السوري، ودفن في جبلة، وباسمه أنشئت طريقة صوفية في القرن الرابع عشر ميلادي تدعى الأدهمية كانت لها زوايا في أهم المدن العثمانية، وبقيت زاوية الأدهمية في بيت المقدس إلى سنة 1911»..
«ويروي المؤرخ الصوفي فريد الدين العطار في (تذكرة الأولياء) أن ابن أدهم رحل من بلخ إلى مدينة مَرو، ومن ثم إلى نيسابور فسكن فيها تسع سنين، ثم قطع البوادي أربع عشرة سنة بالصلاة والخضوع والخشوع إلى أن وصل إلى قريب من مكة. وفي مكة صحب سفيان الثوري، والفضيل بن عياض، والتقى في بغداد بأبي حنيفة»..
وقد اختلفت الروايات حول تنقلاته وأسفاره، والبلدان التي قصدها؛ ومثل ذلك اختلفت الروايات حول مكان دفنه، فقيل إنه «دفن في بيزنطية، وفي صور، كما قيل بأن له قبوراً في عسقلان وبغداد ودمشق»..
وجاء في رواية فارس النجار عنه أنه قال: «رأيت جبرائيل (ع) في المنام وقد نزل إلى الأرض، فقلت له: لِمَ نزلت إلى الأرض؟ فقال: لأكتب المحبين، فقلت له: ومن هم: فقال: مالك بن دينار وثابت البناني، وأيوب السختياني، وعدَّ جماعة من الصوفية، فقلت له: وأنا منهم؟ فقال: لا؛ فقلت له: إذا كتبتهم فاكتبني تحتهم محب المحبين، فنزل الوحي عليه: اكتبه في أولهم»!!
وروي عنه أنه كان يقول: «اللَّهم إنك تعلم أن الجنة عندي لا تزن جناح بعوضة، إذا أنت آنستني بذكرك ورزقتني حبك، فاعطِ الجنَّة لمن شئت».
وقد روي عنه أيضاً، في مجاهداته، أنه كان يأكل التراب إذا لم يجد طعاماً، وقد مكث شهراً كاملاً يأكل الطين ويقول: لولا إني أخاف أن أعين على نفسي ما كان لي طعام غير الطين.
وقد نعت بعض الباحثين تلك الروايات عن إبراهيم بن أدهم بأنها من الأساطير؛ ونحن نجزم بأن ما روي عن اجتماعه بداود، وبالخضر، وبجبرائيل (ع) هي محض اختلاق من أفانين الصوفية، إلاَّ أن دلالتها تبقى واضحة، وهي ما أخذ به كثير من الصوفية أنفسهم بالعذاب، والجوع، وبطلب الفقر والحرمان، وما إلى ذلك من التصرفات التي ترمي إلى بيان معنى المجاهدة الجسدية والنفسية في التصوف، كما قالت بها الطبقة الأولى من الصوفية...
ومن هؤلاء الصوفية المتقدمين يذكر شقيق بن إبراهيم البلخي، من صوفية القرن الثاني، ويذكر السلمي في طبقاته بأنه من مشايخ خراسان، وأنه أول من تكلم في علم الأحوال بكور خراسان، وقد صحب إبراهيم بن أدهم وأخذ عنه طريقة التصوف. وهنالك عدة روايات حول توبته، ومنها ما أورده القشيري، إذ جاء في رسالته بأن شقيقاً كان من أولاد الأغنياء، وقد خرج في تجارة إلى أرض الترك فدخل بيتاً للأصنام، ورأى خادمها قد حلق رأسه ولحيته ولبس ثياباً أرجوانية شديدة الحمرة، فقال له شقيق: إن لك صانعاً حيًّا عالماً قادراً فاعبده ولا تعبد هذه الأصنام التي لا تضر ولا تنفع، فقال له الخادم: إن كان كما تقول فهو قادر على أن يرزقك ببلدك فلِمَ أنت تجشمت مشقة كبيرة إلى هاهنا للتجارة؟ فانتبه شقيق ولزم طريق الزهد..
ونتوقف قليلاً عند هذه الرواية لأنَّ فيها أكثر من ضلالة: فهي من ناحية تُظهر وكأنَّ لا فرق بين عبادة الأصنام وعبادة الإله الحق من ناحية اجتلاب الرزق، ما دام أن خادم الأصنام يعتمد عليها في تحصيل رزقه دون اعتماده على القادر الرزاق... وهي تُظهر أن شقيقاً البلخي الذي يدَّعي بأنَّ الله تعالى هو الصانع الحيُّ العالم، قد أقنعه عابد للصنم بترك العمل وهداه إلى طريق الزهد بأبسط حُجة.. وهي تنافي حقيقة الإسلام الذي يدعو إلى العمل والكسب، وبذل الجهد لمحاربة الفقر والعوز والحاجة التي تحط من كرامة الإنسان. وهي بالتالي تدعو إلى التوكل على قوة غيبية، دون إعداد العدّة، ودون أي فهم لحقيقة التوكل، بما يحيد أيضاً عن حقيقة الدين الحق ويؤدي إلى التهاون في فهم مقاصده في تربية الإنسان وإعداده لمواجهة الحياة...
ونعود إلى السبب في توبة شقيق البلخي، إذ يورد القشيري رواية أخرى في ذلك فيقول: وقيل في توبته: إنه رأى مملوكاً يلعب ويمرح في زمان قحط، والناس مهتمون فيه، فقال له شقيق: ما هذا النشاط الذي فيك؟ أما ترى ما فيه للناس من الجدب والقحط؟ فقال المملوك: وما عليَّ من ذلك ولمولاي قرية خالصة يدخل عليه منها ما نحتاج إليه؟ فانتبه شقيق البلخي وقال: إذا كان لمولاه قرية، ومولاه مخلوق فقير، وهو لا يهتم برزقه، فكيف يسوغ للمسلم أن يهتم برزقه ومولاه غني يعطي ويمنع ما يشاء؛ فترك الدنيا والتجارة وسلك طريق التصوف..
فلنتأمل في هذا التأويل الصوفي، لندرك مدى ما ذهب إليه أصحابه من ابتداع الأسباب لترك أسباب العمل، والركض وراء الفقر، ومن ثَمَّ العيش بطريقة اتِّكالية، جوفاء، تجرُّ المجتمع إلى التأخر والانحطاط، وتورث فيه الكسل والهرب من الحياة!!..
وبمقتضى هذه النظرة كان شقيق البلخي «يرى، كما جاء عنه، أن تفكير الإنسان بمؤونة غده والعمل في سبيلها يتنافى مع التوكل والثقة بالله، ويقول لمن في مجلسه: أرأيتم إن أماتكم الله اليوم هل يطالبكم بصلاة غد؟ فيقولون له: يوم لا نعيش فيه كيف يطالبنا بصلاته؟ فيقول لهم: فإن كان لا يطالبكم بصلاة غدكم فكيف تطالبونه أنتم برزق غدٍ، وعسى أن لا تصيروا إليه؟»..
»وكان بالإضافة إلى ذلك يزيِّن للناس حب الفقر واختياره على الغنى، وكانوا يسألونه: بأي شيء يعرف العبد بأن نفسه قد اختارت الفقر على الغنى؟ فيقول: إذا صار يخاف من حصول الغنى كما يخاف من حصول الفقر، فعند ذلك يكون ممن يختار الفقر على الغنى، وعلامة صدق الزاهد أن يفرح بكل شيء فاته في الدنيا ويغتمَّ لكل شيء حصل له منها».
ومن هؤلاء الذين اشتهروا بالمجاهدة بشر بن الحارث الحافي، وهو فارسي الأصل، ومن أهالي مروٍ سكن أخيراً في بغداد ومات فيها سنة 227 هجرية. ويعزو القشيري توبته إلى أنه عثر يوماً في طريقه على ورقة كتب عليها اسم الله، وقد وطأتها الأقدام، فأخذها ووضع عليها العطر وطيَّبها ثم جعلها في شق حائط، فرأى في المنام هاتفاً يقول له: يا بشر طيبت اسمي لأطيبنَّ اسمك في الدنيا والآخرة. ونسب إليه الشعراني في طبقاته أنه روى عن نفسه دخوله داره يوماً، فوجد رجلاً عنده، فسأله عن سبب دخوله إلى بيته بدون إذن منه، فقال له بأنه أخوه الخضر (ع) عندها قال له: ادع الله لي. فقال: هون الله عليك طاعته. فقال له: زدني. فقال: وسترها عليك..
ويروي عنه أيضاً أنه رأى الخضر (ع) مرة ثانية في منزله وهو قائم يصلي، فارتاب أول الأمر ثم لما عرفه اطمأن وجلس معه يتحادثان..
وجاء في الرسالة القشيرية أن أحمد بن الهيثم المتطيب كان يقول: قال لي بشر الحافي: قل لمعروف الكرخي إذا صليتَ جئتك فأديت الرسالة..
ويُفهم مما جاءَ بعد ذلك أنهما انتظراه لصلاة الظهر فلم يأتِ، ثم صلَّيا العصر والمغرب، وبعدهما العشاء، وهما في انتظاره، إلى أن زال من الليل شطره، فرأياه قادماً وعلى رأسه سجادة، وهو يسير على ماء الفرات.. وقد طلب أن يُستر عليه ذلك، فلم يُتكلم عنه إلاَّ بعد مماته.. ويقول بعض المؤلفين في التصوف أن بشراً قد ترهبن، ولم يتزوج طيلة حياته؛ فلما سأله أحد أصحابه عن سبب امتناعه عن الزواج أجاب: بأنه مشغول بمجاهدة نفسه وتصفيتها من الأخلاق الرديئة، وعن النساء والملذات..
إن هؤلاء الصوفية الذين ادَّعوا الزهد أو المجاهدة، وغيرهم مثلهم كثيرون، ممن تخلوا عن الزواج قد خالفوا سنّة الله في خلقه، كما خالفوا كتاب الله وسنة رسوله، لأن من المعروف أنه لا رهبانية في الإسلام. وقد نزل قول الله تعالى: {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا} [الحديد: 27]. وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيراً مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ} [التوبة: 34]، هذا بالإضافة إلى أنه لو امتنعَ جميع الناس عن الزواج والإنجاب ـــــــ في سبيل أنفسهم وخلاصها كما هو الحال عند الصوفية ـــــــ فإلى ماذا كانت تؤول الحياة، وهل يستمر وجود الإنسان على سطح الأرض؟!..
أما أولئك الذين غلبت عليهم مجاهدة النفس وكانوا متزوجين، فإنا نسأل: ما مصير عيالهم ما داموا لا يعملون ويؤثرون الفقر على الغنى والحاجة على الفقر، ويفرحون بكل شيء يفوتهم في الدنيا؟ إلى من يكِلون العيال والأولاد، وكيف يعيش هؤلاء حتى يكونوا أعضاء صالحين في المجتمع، نافعين للأمة؟!.. وبعد، وعلى افتراض أنهم أخذوا على أنفسهم رعاية الأبناء وتربيتهم، فكيف يكون هؤلاء الآباء، وكيف يتربَّى الأبناء في كنفهم؟ ومن ثَمَّ كيف تكون تربيتهم لمريديهم وأتباعهم وهم يدعون أن أساس دعوتهم تهذيب أخلاق هؤلاء المريدين، وتصفية نفوس أولئك الأتباع؟.
إن الصوفية ومن منطلق المجاهدة التي يفرضونها على أنفسهم، إنما يعنون بالتربية كل ضروب الجوع والسهر والحرمان التي يجب أن يطبقها الأبناء والمريدون والأتباع، وكل مراسم الطاعة والخضوع التي يبذلونها هم لشيوخهم.. أما العناية بالتربية الصحيحة، التي تُعنى بالكمال الجسمي والعقلي والخلقي عند الإنسان، فهذه لا سبيل لها عندهم، لأن الصوفية هم أشد الناس إهمالاً للحياة المحيطة بهم، وأكثرهم تواكلاً فيها، وأشدُّهم ابتعاداً عن الواجب نحوها، وذلك لاشتغالهم بالتوافه، وانقطاعهم بطقوسهم وحفلاتهمِ، وتشردهم في البلاد، كما دلت على ذلك حياة عاشها كثيرون منهم.. ومَن كانت هذه أحوالهم كيف لهم أن يضعوا لأبنائهم وأبناء مريديهم وأتباعهم ما يلزمهم من قواعد الصحة، ومناهج الثقافة، وأسباب العمل، وتقاليد الكفاح والنضال؟! إنهم لا يفكرون بهذه الأمور أبداً، لا بل إن للصوفية في معاملة أبنائهم تقاليدَ بُنيت في الأصل على إذلال المريدين وإخضاعهم لأغراض شيوخهم.. فهم قد أوجبوا على أولئك المريدين الطاعة المطلقة والانقياد الأعمى؛ فلا يجوز لمريد أن يعترض على شيء مما يفعله شيخه ولو كان ظاهره حراماً؛ ولا أن يقول لشيخه «لا» فإن من قال لشيخه «لا» لم يفلح أبداً! ومن وصاياهم في ذلك للمريد: «كن مع شيخك كما يكون الميت بين يدي الغاسل». هذا فوق تقبيل يدي الشيخ، والوقوف له، والانحناء أمامه، والسير خلفه، وحمل نعليه، ورفع ذيل ثوبه، وبالتالي تقديمه على نفسه وولده (كما لا نزال نرى عند الكثير من عامة الناس حيال رجال الدين في بلاد الشرق قاطبة، أو كما هو الحال عند جميع الناس، وفي العالم كله، تجاه أصحاب النفوذ والحكام وذوي الشأن، وإن كانت هذه المظاهر تدلُّ اليوم على احترام رجال الدين وأصحاب المكانة، أو طمعاً في نيل رضاهم، أكثر مما هي انقياد وطوع لإراداتهم، أو الامتثال لكل ما يصدر عنهم، كما هي عند الصوفية). وليست هذه المعاملات التي يسلكها الصوفيون مع أتباعهم ـــــــ ومن ثَمَّ مع أولادهم ـــــــ إلاَّ من مظاهر إلغاء الشخصية، ومستلزمات التبعية الذليلة المهينة..
وبالإضافة إلى ذلك فإن معظم الصوفية يسلكون مع أتباعهم سياسة الإسراف في التخويف، فلا تخلو تعاليمهم وكتاباتهم من الإرهاب بذكر الموت، وتهويل ما يعانيه الناس من بشاعته، وهي تستفيض أيضاً في وصف ظُلمات القبر ووحشته، حتى أورثوا الناس كراهة الموت، ولو كان فيه دفاع عن العرض والنفس، أو ذودٌ عن الحياض والكرامة، أو إعلاءٌ لكلمة الله رب العالمين.. وليس ذكر الموت فحسب مما يفزع الصوفي، فهو يرتعد فزعاً لمشهد رجل الشرطة بجوار منزله، وينخلع قلبه لقادم يطرق بابه ليلاً، ويوجس خيفة لوصول رسالة البرق أو البريد المسجل، ويتعثر لسقوط حجر بجانبه على حين غفلة منه، ويصعق عند سماع الصيحة، ويهذي عند انشغاله بهمٍّ؛ أي أن الصوفي، إجمالاً، يتصور شبح الموت وكأنه يلاحقه في كل نازلة.. والعجيب من أمرهم، أنَّهم مع هذا الخوف الذي يدل على تشبثهم بالحياة بصورة مزرية، وفزعهم من الخلاص منها، فإنهم يدَّعون الزهادة في الدنيا والإعراض عما فيها..
ولقد تأصلت كل تلك المراسم والتقاليد في نفوس الآباء الصوفيين، فالتزموها مع فلذات أكبادهم، وذلك لجهلهم بأساليب التربية الإسلامية الصحيحة، غير مبالين لما تُحدثه في نفس الطفل من قتل لعبقريته، وسحق لشخصيته.. ولذا نجدهم يخضعون أطفالهم لإرادتهم، ويحملونهم على الطاعة العمياء لهم، بالقهر والضرب الشديد كما يستعملون معهم شتى أنواع القمع والتوبيخ.. وهذا ما يميت عند الأطفال جذوة الغضب، والانتصار للكرامة، والحفاظ على الحق، كما يقتل كل انفعالات الأطفال ويحوّل ما كان يجب لهم من الصراحة والإقبال على الحياة إلى كبت وحقد على الدنيا ولؤم في معاملة الناس؛ فضلاً عن تقييد ميل الطفل عادة إلى الحركة والنشاط، بعدما يجُبر، بالعنف والضرب، على الاستكانة والتزام الهدوء.. وكلها أساليب تؤدي لإفساد استعداد الطفل الطبيعي، فيشب مسلوب الإرادة، ضعيف الثقة بنفسه، لا يدري له وجوداً مستقلاً، ولا يعرف لوجوده سبباً.
وليس أضرّ بالطفل من سيطرة الخوف على مشاعره، لما يسببه الإفراط في الخوف من ضعف الصحة، واضطراب الأعصاب، وجمود الفكر، كما انتهى إليه من طريق التجربة رأي رجال التربية الحديثة، بعد أن حققه العرب من طريق الطبع، منذ فجر نشأتهم، وهو ما اقتضته حكمة الإسلام في طريقته الثابتة للتربية وعندما يرث الطفل هذا الخوف في صغره، فإنه يحمله معه في كبره، ولذا نرى أن أكثر مخاوف الكبار هي أثر من آثار أوهام الطفولة، وما يظهر على الوالدَين من مخاوف وانفعالات يتأثَّر به الطفل تأثراً شديداً، ولكنَّ الذي هو أدهى من ذلك، هي تلك التهديدات التي يستعملها الآباء للتغلب على عناد أطفالهم، كتوعد الطفل بالحبس في مكان مظلم كظلمة القبر، وحرقه بالنار، وإنذاره بالموت، وتهديده بالمارد والعفريت، وإيذاء الشيوخ كل ذلك يزيد من وطأة الخوف والهواجس في نفسه، ويقضي على إنماء قواه الجسمية والعقلية، ويبعث فيه من القلق والجبن والتردد ما يعجزه من التماسك المعنوي لمجابهة معترك الحياة.
وهكذا يبتعد الطريق الصوفي عن الواقع في معالجة تربية الطفل البدنية والفكرية، إذ إنه فوق الحماقات التي توارثها الآباء الصوفيون والتي يطبقونها على أولادهم جهلاً وحماقة، فإنَّهم لا يقيمون اعتباراً للطفل وتربيته، ما داموا يكلون حل الأمور للمصادفة ومرور الزمن، أو يعتمدون على خرافة القوى «الروحية» التي يمتلكها الشيوخ أحياءً وأمواتاً، وتستحوذ على عقولهم ونفوسهم إلى حدٍّ تجعلهم يفزعون إلى قبور الأولياء عند الضيق والمرض، يطلبون عندها كشف الكرب وإزالة البلوى، أما أعمال الفكر واستشارة أهل الرأي، والاستعانة بتجارب العلماء فهذا ما لا يخطر لهم على بال.. وكذلك ترى الأمهات المتأثِّرات بهذه التعاليم يسارعن بأولادهن عند المرض إلى الأطباء الروحانيين من الصوفية، حيث يأمر هذا الطبيب الروحاني المرأة الجاهلة بذبح حيوان أو طائر، يشترط له شكلاً وحجماً، ثم تطلي بدمائه القذرة مكان المرض من طفلها المسكين، أو تجرعة شيئاً منها، إلى غير ذلك من شعوذاتهم الكثيرة.
وعلى هذا الشكل يتدرج الطفل منذ حداثته، حتى إذا ما شبَّ ولاحظ أبوَيه وهما على هذه الحالة من الفزع إلى قبور الموتى عند الشدة، ومعالجة الأمراض بالشعوذة الفارغة، كبر، وفي نفسه من هذه الضلالات شيء كثير بقدرتها على تذليل الصعاب وإجابة الرجاء. ونلمس ذلك في ذهابه قبيل الامتحان إلى تملُّق الشيوخ للدعاء كما كان يفعل والداه، وكذلك يفعل عند السفَر والمرض ومنغِّصات الحياة إذ لا يجد مثابةً سواهم فيتعطل فيه التفكير السليم، ويصاب عقله بالعجز، فلا يقدر على حل مشاكله بالطرق الممكنة، وتتلاشى في نفسه عقيدة الوحدانية الصحيحة فتنعدم بانعدامها عناصر الخير فيه..
وعلى هذا الأساس يعتمد الصوفية على تربية خاصة بهم هي «التربية الروحية» التي تعني عندهم كل ما يقوي الروح من الرياضات كالصوم، ومداومة الجوع، حرمان النفس مما تشتهيه مع الاستعانة بالأذكار والأدعية؛ ولهذا فالصوفية لا يعنيهم من الدين سوى المناسك، وهم لا يعتبرون بقية الفرائض إلا خطوة مؤقتة في سبيل غايتهم، وهي «الوصول» إلى الله خلال الأحوال والمقامات. ولذلك تسقط عنهم هذه الفرائض جملة إذا أدرك الصوفي غايته، كما روى ابن حزم في الملل والنحل حيث قال: «إن طائفة من الصوفية يدعون بأن من بلغ الغاية القصوى من الولاية سقطت عنه الشرائع كلُّها من الصلاة والصيام والزكاة وحلَّت له المحرمات كلُّها من الزنا والخمر وغير ذلك»..
هذه بعض تعاليم الصوفية ومجاهداتهم في الجسد والنفس، وفي تربية الأتباع والأبناء. أما فهم الإسلام على أنه عقيدة توحيد، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتأخذ الإنسان باللِّين والعطف، وتعلِّمه العمل والاستقامة؛ وعلى أن الدِّين نظام متكامل، وأساس صحيح للنهضة والسيادة والعدل لا يدانيه في ذلك نظام من النظم، فهذا ما لا تتسع له أفهامهم، وليس مما يجول بخواطرهم...
ويصف القشيري في مقدمة رسالته، كيف ينظرون إلى الشريعة فيقول: «فَعَدُّوا قلة المبالاة بالدين أوثق ذريعة، ورفضوا التمييز بين الحلال والحرام، ودانوا بترك الاحترام وطرح الاحتشام، واستخفوا بأداء العبادات، واستهانوا بالصوم والصلاة، وركضوا في ميدان الشهوات، وركنوا إلى اتباع المنكرات، وقلة المبالاة بتعاطي المخدرات، والاكتفاء بما يأخذونه من السوقة والنسوان وأصحاب السلطان...» إلى آخر ما قال في وصف صوفية زمانه!!
ولا بدّ من الإشارة هنا إلى أنه في حين يدَّعي بعض الصوفية مجاهدة النفس، ومغالبة متطلبات الجسد، ومن ثم الاستغناء عن مقومات الدنيا وخيراتها، فإننا نجد لوعة الحرمان باديةً في ألفاظهم سخطاً على الأغنياء، وسخيمة على أولي النعمة؛ ونجد أعمالهم الغريبة وأحوالهم الشاذة تتناقض مع ادِّعاءاتهم الكثيرة التي لا آخر لها؛ فهم يتلقَّفون ما يتصدَّق به عليهم المتصدِّقون، ويتملَّقون الحكام والسلاطين، وفي الوقت نفسه يزهون بذيوع الصيت وحب الشهرة! وإنَّ أحدهم ليحرص على قذارة مظهره استبقاء للسمعة السحرية التي يسيطر بها على عقول العوام، والتي من ورائها يحصل على المال والطعام، فلو أنك دعوته إلى تنظيف ثوبه ورتقِه، أو تسريح لحيته وإصلاح عمامته، لأَجابك بأنه في شغل عن هذا... فبأي أمر جليل هو مشغول؟!
أما تأثير ما ذهب إليه الصوفية في المجاهدة، وما يعني ذلك من ذل النفس، وعار الكسل، وفقر العيش، وضياع البلاد، فإنه يظهر جليًّا في انزوائهم جماعات جماعات، وعكوفهم في زواياهم وفي تكاياهم يردِّدون أدعيتهم ويمارسون طقوسهم ومواجدهم، وبالتالي في ما يؤدي إليه من سوء الحال في البلاد، تنقلب معه الأوضاع، وتضطرب المقاييس، حتى يصبح لهذا الحال في بلادنا عدوى كعدوى الفن في بلاد غيرنا، ولكن مع فارق كبير، وهو أن إصابة سوء التصوف عندنا تظهر في الجماعات جملة فتقضي على نشاطها، وتدمِّر عقلها ووعيها، بينما تنحصر إصابة الفن هناك في أفراد لا يعطلون منتوج الأمة على القواعد التي رسمتها لنفسها، ورضيت بها على أساس اعتقادها.. ومن هنا وجدنا أكثرية الأمم التي انتشر فيها المتصوفون، وعاث فيها «الزهاد والمجاهدون» استحلَّت الرضا بالتوافه، وحرمت التطلع إلى عظائم الأمور، وهجرت من العقيدة صلب الحياة والحركة فيها، وغرست أوتادها حول أوارد الشيوخ وأذكارهم، واشتغلت بالتفريعات الفقهية، والافتراضات والمستحيلات العقلية في مسائل يستحي العقلاء من الاختلاف عليها؛ وغفلت بذلك عن حقوق الله التي تتمثل كاملة برعاية مصالح الأمة..
لقد نسي المتصوفون أنَّ في حياتهم ووجودهم كياناً إسلاميًّا عريقاً يتقوَّض، ومجتمعاً صالحاً طيباً يغوص في لجة الظلام، ومثلهم المسلمون الآخرون الذين اتَّبعوا نهجاً يغاير الإسلام، ولا يوافق طرق حقائقه الخالدة، فتاهوا عن جادة الصواب جميعاً حتى حلَّ بنا هذا الضعف، واستفحلت حولنا الشرور، وبتنا ننتظر مساعدة الآخرين وعونهم، في حين أنه فينا كتاب الله وسنَّة رسوله، وهما أجلُّ وأعظم ما أرادَه الله تعالى للمسلمين، وللناس أجمعين، فهل نعود إليهما، ونطرح عن عقولنا الضلالات والأوهام، ونهجر الطرق الملتوية، ونقضي على العادات الفاسدة، حتى تصلح أحوالنا، ويكون لنا دورنا الذي وعدنا الله تعالى به، فيرضى سبحانه عنا، ويرضى رسوله (ص)، فنكون من الفائزين؟!
cetirizin netdoktor cetirizin yan etkileri cetirizin hund dosis
amantadin cena amantadin biverkningar amantadin nedir



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB