نظام الاسلام
الطبعة : الطبعة الاولى  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   639
تاريخ النشر :   2010




النظام الاجتماعي في الإسْلام

النظام الاجتماعي
هو عَلاقة المَرأة بالرجُل وما ينشأ عن هذِه العَلاقة. وعَلاقة المرأة بالرّجُل في الإسلام لا تقوم على أساس مادّي فقط، كما هو متعارَفٌ عليه اليوم بل تقوم على أساسٍ روحيٍّ أولًا ومن ثم على أساسٍ مادّي.
يقولَ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
"إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْن دِينَهُ وخُلُقَه فَزَوِّجُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَة في الأرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيض".
وقَال صلى الله عليه وآله وسلم:
"إِنَّ المَرْأة تُنْكَحُ على دِيـنِهَا ومَالِها وجَمالِها، فعَلَيْكَ بذاتِ الدِّينِ، تَرِبَتْ يَدَاك".

النظام الاجتماعي



الزواج
تنشأ عن اجتماع النساء والرجال علاقات تتعلق بمصالحهم ومصالح الجماعة التي يعيشون بينها، وهي غير المشاكل التي تنشأ عن هذا الاجتماع في المجتمع كالبيع والإجارة والوكالة ونحوها. وقد يتبادر للذهن أن هذه العلاقات هي الزواج وحده، والحقيقة أن الزواجَ واحدٌ منها، وأنها تشمل غير الزواج. لذلك كان الاجتماع الجنسي ليس هو المظهر الوحيد لغريزة النوع، بل هو واحد من مظاهرها. إذ هناك مظاهر أخرى غير الاجتماع الجنسي: فالأمومة والأبوة، والأخوة، والبنوة، والخؤولة، والعمومة كلها مظاهر لغريزة النوع. ومن هنا كانت العلاقات التي تنشأ عن اجتماع الرجل والنساء تشمل الأمومة والأبوة إلخ، كما تشمل الزواج.
وقد جاء الشرع بأحكام البنوة والأبوة والأمومة كما جاء بأحكام الزواج.
إلا إن الزواجَ هو أصلُ هذه العلاقاتِ وكلها تتفرع عنه، فإذا لم يحصل الزواج لا تحصل أمومة ولا أبوّة ولا بنوّة ولا غيرها. ومن هنا كان الزواج أصلها، وكانت كلها تتفرع عنه من حيث التنظيم، والشعورُ بأي حاجة يندفع طبيعيًّا لإشباعها كما يندفع الشعور بالحاجة الجنسية إلى الاجتماع الجنسي. ولذا كانت الغريزة تتطلب إشباعًا يتحرك بتحريك مظهر الأمومة أو البنوة، كما تتطلب الإشباع بتحرك مظهر الاجتماع الجنسي سواء بسواء. فهذه كلها مظاهر لغريزة النوع، ومشاعرها كلها مشاعر النوع، ويتكون الميل من واقعها مع المفهوم في كل واحد منها كما يتكون الميل الآخر.
والزواج هو تنظيم صلات الذكورة والأنوثة، أي الاجتماع الجنسي بين الرجل والمرأة، بنظام خاص. وهذا النظام الخاص هو الذي يجب أن ينظم صلات الذكورة والأنوثة بشكل معين، وهو الذي يجب أن ينتج التناسل منه وحده، وهو الذي يحصل به التكاثر في النوع الإنساني، وبه توجد الأسرة، وعلى أساسه يجري تنظيم الحياة الخاصة.
وقد حثَّ الإسلامُ على الزواج وأمر به. فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وِجاء" ، وعن قتادة عن الحسن عن سمرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن التبتل، وقرأ قتادة: "ولقد أرسلنا رسلًا من قبلك، وجعلنا لهم أزواجًا وذرية". ومعنى التبتل الانقطاع عن النكاح وما يتبعه من الملاذ إلى العبادة. وعن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "حجوا تستغنوا، وصوموا تصحّوا، وتناكحوا تكثروا، فإني "أُباهي بكم الأمم"، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: "لا رهبانية في الإسلام"، والرهبانية والتبتل الانقطاع عن النساء بقصد. وقد جاء القرآن صريحًا في الأمر بالزواج قال تعالى: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع} (النساء: 3). وقال: {وانكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم} (النور: 32).
وقد حث الإسلام على الزواج بالمرأة البكر،وبالولود، وبذات الدين. عن أنس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يأمر بالباءة وينهى عن التبتل نهيًا شديدًا، ويقول: "تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأنبياء يوم القيامة". فيندب للرجل أن يختار من النساء البكر، والمعروفة أنها ولود من معرفة أُمها وخالاتها وعماتها، وأن يختار ذات الدين، وأن يختارها جميلة لتعفَّ نفسه، وأن تكون ذات حسب ونسب، يعني عريقة في الفضل والتقوى والمجد. ولكن ليس معنى ذلك أنَّ هذا شرطٌ، بل هو استحبابٌ وأفضلية، وإلا فللرجل أن يختارَ الزوجةَ التي يرضاها، وللمرأة أنْ تختارَ الزوجَ الذي ترضاه.
وأما الكفاءة بين الزوج والزوجة فلا أصل لها في الشرع، ولم ترد إلا في الأحاديث المكذوبة. والقرآن الكريم يعارضها، وكذلك الأحاديث الصحيحة. فكل مسلمة كفوءة لأي مسلم، وكل مسلم كفوء لأيّ مسلمة، ولا قيمة للفوارق بين المرأة والرجل في المال، أو الصنعة، أو الحسب، أو غير ذلك. فابن الزبال كفوء لبنت أمير المؤمنين، وبنت الحلاق كفوءة لابن الأمين، وهكذا يكون المسلمون أكفاء بعضهم لبعض. قال الله تعالى: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} (الحجرات: 13). وقد زوَّج النبي صلى الله عليه وآله وسلم بنت خالته زينب بنت جحش التي هي من ذؤابة قريش إلى زيد بن ثابت وهو مولى قد أعتق. وعن عبيد الله بن بريدة عن أبيه قال: "جاءت فتاة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: إن أبي زوجني ابن أخيه ليرفع بي خسيسته. قال: فجعل الأمر إليها. فقالت: قد أجزت ما صنع أبي، ولكن أردت أن أعلم النساء أن ليس إلى الآباء من الأمر شيء". ومعنى قولها: ليرفع بي خسيسته، يعني: ليرفع شأن ابن أخيه بتزويجه مني. وهذا يعني أنه تزوجها على غير رضاها، لا لأنها تراه أهلًا لزواجها، ولا لأنه غير كفء بل لعدم رضاها. وعن أبي حاتم المزني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير. قالوا: يا رسول الله وإن كان فيه؟ قال: "إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه ثلاث مرات". وعن حنظلة بن أبي سفيان الجمحي عن أمه قالت: "رأيت أخت عبد الرحمن بن عوف تحت بلال". فهذه الأدلة كلها صريحة بأن الكفاءة بين الزوجين غير معتبرة ولا قيمة لها، فكل من رضيت رجلًا بعلًا لها فإنها تتزوجه برضاها، وكل من رضي امرأة زوجة له فإنه يتزوجها برضاه، من دون نظر إلى اعتبار الكفاءة. وأما ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "لا تنكحوا النساء إلا من الأكفاء ولا تزوجوهن إلا من الأولياء" فهو قول ضعيف لا أصل له.
وبهذا يتبين أن النصوصَ التي استدلَّ بها من قال بالكفاءة نصوص باطلة، أو لا وجهَ للاستدلال بها. واشتراط الكفاءة يعارض قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: "لا فضلَ لعربي على عجمي إلا بالتقوى"، ويعارض نص القرآن القطعي {إن أكرمكم عند الله أتقاكم}.
وأما اختلاف الدين فليس هو بحث كفاءة بل هو بحث في تزوج المسلمين من غير المسلمين، وهو بحث آخر: وبيانه أن الله سبحانه وتعالى أجاز للمسلم أن يتزوج المرأة الكتابية: يهودية كانت أو نصرانية، لأن الله تعالى يقول: {اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا أتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان} (المائدة: 5). فالآية صريحة في أن المحصنات من الذين أوتوا الكتاب حلال للمسلمين، وأجورهن مهورهن، ويجوز للرجل المسلم أن يتزوج المرأةَ الكتابية، عملًا بهذه الآية، إذْ ذكرت أنَّ المحصنات من الذين أوتوا الكتاب حِلٌّ للمسلمين أي زواجهن حل لكم. وأما تزوج المسلمة من الرجل الكتابي فحرام شرعًا، ولا يجوز مطلقًا، وإذا حصل فهو نكاح باطل لا ينعقد. وتحريم تزوج المسلمة بالرجل الكتابي ثابت بصريح القرآن قال الله تعالى: {يأيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن} (الممتحنة: 10) وهذا نص لا يحتمل إلا معنى واحدًا ليس غير، وهو أن المسلمات لسن حِلًّا للكفار وأنَّ الكفارَ لا يحلون للمسلمات، وأنَّ كُفْرَ الزوجِ لا يجعلُ النكاح ينعقدُ بينه وبين المرأة المسلمة {فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار، لا هن حل لهم، ولا هم يحلون لهن}. وعبّر بكلمة الكفار ولم يعبّر بكلمة المشركين، للتعميم، فكل من لا يؤمن بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم سواء أكان مشركًا أم كتابيًّا فهو كافر.
وأما المشركون وهم غير أهل الكتاب، كالمجوس والصابئة والبوذيين والوثنيين وأمثالهم، فإنه لا يجوز التزويج منهم إطلاقًا: لا يجوز للمسلم أن يتزوج مشركة مطلقًا، ولا يجوز للمسلمة أن تتزوج مشركًا مطلقًا، وهذا وارد في صريح نص القرآن القطعي. قال تعالى: {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم} (البقرة: 221). ولا تحتمل هذه الآية إلا معنى واحدًا هو تحريم نكاح المشركة على المسلم والمشرك على المسلمة تحريمًا قاطعًا، وإذا وقع مثل هذا النكاح يكون باطلًا لا ينعقد. عن الحسن بن محمد قال: "كتب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى مجوس هجر يدعوهم إلى الإسلام فمن أسلم قبل منه ومن لا ضربت عليه الجزية في أن لا تؤكل له ذبيحة ولا تُنكح له امرأة".
وبهذا يكون الشرع لم يكتف بالحثِّ على الزواج والترغيب فيه، بل بين من يجوز للمسلم أن يتزوجها ومن يجوز للمسلمة أن تتزوجه، ومن يحرم عليهما تزوجه، وبين الصفات التي يستحسن لمن يريد الزواج أن يبحث عنها في زوجه. إلا أنه يشترط ألّا تكون المرأة زوجة لغيره، أو معتدة له، لأن شرط الزواج خلو الزوجة من الزواج والعدة.
أما المخطوبة التي لم يجرِ عقد نكاحها بعد، فإنه ينظر فيها، فإن كانت قد أجابت الخاطب إلى خطبته هي أو وليها، أو أذنت لوليها في إجابته أو تزويجه سواء أكان ذلك صراحة أم تعريضًا، فهذه يحرم على غير خاطبها خطبتها، لما روي عن عقبة بن عامر أن رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "المؤمن أخو المؤمن فلا يحل للمؤمن أن يبتاع على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه حتى يذر". اما إذا كانت المخطوبة قد ردت الخاطب أو لم تجبه بعد، أو أخذت تبحث عنه، فإنه يجوز حينئذٍ للرجل أن يخطبها، ولا تُعدّ مخطوبة لأحد، لما روت فاطمة بنت قيس من أنها أتت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فذكرت أن معاوية وأبا جهم خطباها، فقال رسول الله صلى لله عليه وآله وسلم:"أما معاوية فصعلوك لا مال له، وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، انكحي أسامة بن زيد". وقد خطبها النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأسامة بعد إخبارها إياه بخطبة معاوية وأبي جهم لها.
وإذا خطبت المرأة فإن لها وحدها الحق في قبول الزواج أو رفضه، وليس لأحد من أوليائها ولا من غيرهم تزويجها بغير إذنها، ولا منعها من الزواج. فقد روي عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها" أي سكوتها. وعن ابن عباس: "أن جاريةً بكرًا أتت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فذكرت أن أباها زوجها وهي كارهة، فخيرها النبي صلى الله عليه وآله وسلم". وعن خنساء بنت خدام الأنصارية: "أن أباها زوجها وهي ثيب فكرهت ذلك فأتت رسول الله صلى الله وعليه وآله وسلم فردّ نكاحها". فهذه الأحاديث صريحة بأنَّ المرأةَ إذا لم تأذن بزواجها لا يتم الزواج، وإذا رفضت هذا الزواج أو زوجت كرهًا عنها فسخ العقد، إلا إذا عادت ورضيت.
وأما النهيُ عن منعِ المرأة من التزويج إذا جاءها خاطب فهو ثابت بالقرآن. قال تعالى: {فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف} (البقرة: 232). وهو ثابت بالحديث الصحيح عن معقل بن يسار قال: "زوجت أختًا لي من رجل فطلقها، حتى إذا انقضت عدتها جاء يخطبها فقلت له: زوجتك وأفرشتك وأكرمتك فطلقتها، ثم جئت تخطبها، لا والله لا تعود إليك أبدًا. وكان رجلًا لا بأس به، وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه. فأنزل الله تعالى هذه الآية: {ولا تعضلوهن}، فقلت: الآن أفعل يا رسول الله. قال: فزوجتها إياه". وفي رواية قال: "فكفرت عن يميني وأنكحتها إياه". ومعنى العضل منع المرأة من التزويج إذا طلبت ذلك، وهو حرام وفاعله فاسق، فكل من يمنع امرأة من الزواج يفسق بعمله هذا. وقد نص الفقهاء على أن الرجلَ يفسق بالعضل. ومتى خطبت المرأة للزواج أو طلبت الزواج فإنَّ لها وحدها أنْ تتصرف وأن توافق أو ترفض.
ومتى تم الاتفاق بين الرجل والمرأة على الزواج فإن عليهما أن يجريا عقد الزواج فلا يتم الزواج إلا بعقد شرعي. وهذا الزواج لا يكون زواجًا إلا بعقد شرعي قد جرى وفق الأحكام الشرعية حتى يحل لأحدهما التمتع بالآخر، وحتى تترتب عليه الأحكام التي تترتب على الزواج. وما لم يحصل هذا العقد لا يكون الزواج زواجًا ولو تعاشر الرجل والمرأة مدة طويلة. ومن هنا كان اجتماع الخليلين كما يجتمع الزوجان لا يُعدّ زواجًا.
أما الزواج المدني فإنه اتفاقية تعقد بين رجل وامرأة على المعاشرة، وعلى الطلاق، وعلى ما يترتب على ذلك من نفقة وتصرف، وخروج من البيت، وطاعتها له وطاعته لها وما شابه ذلك، ومن بنوة، ولمن يكون الابن ولمن تكون البنت، وما شاكل ذلك من إرث ونسب، وغير ذلك مما يترتب على المعاشرة، أو ترك المعاشرة، بحسب شروط يتفقان عليها ويلتزمان بالتزامها. فالزواج المدني ليس اتفاقية زواج فحسب بل هو اتفاقية شاملة للزواج، وما يترتب على هذا الزواج من نسب ونفقة وإرث، وغير ذلك، وشاملة للحالات التي يجوز فيها لهما أو لأي منهما ترك الآخر، أي شاملة للطلاق. وفضلًا عن ذلك، فهو يطلق لكل رجل أن يتزوج أي امرأة، ولأي امرأة ان تتزوج أي رجل، بحسب الاتفاقية التي يتراضيان عليها في كل شيء يريدانه. ومن هنا كان هذا الزواج المدني غير جائز شرعًا، ولا ينظر إليه بصفته اتفاقية زواج مطلقًا، ولا يُعدّ عقد نكاح لأنه لا قيمة له شرعًا.
وإذا حصل عقد زواج مدني بين مسلم ومسلمة، أو بين مسلم وكتابية، فإنه ينظر إلى الألفاظ التي حصلت بين الرجل والمرأة شفاهًا أو كتابة، فإن وجدت بينها ألفاظ التزويج والإنكاح، ووجد الإيجاب والقبول منهما، واستوفي ما يجب في الإيجاب والقبول شرعًا، ووجد الشاهدان على حصول الزواج، كان زواجًا شرعيًّا بهذه الألفاظ على هذا الوجه، لأنه عقد يستكمل صفات العقد الشرعي وشروطه. فهو زواج بالعقد الشرعي لا بالاتفاق المدني. وإن لم يوجدْ بين هذه الألفاظ جميع ما يجب وجوده في عقد الزواج الشرعي لا يُعدّ زواجًا. وأما الشروط التي تتضمنها اتفاقية الزواج المدني فلا قيمة لها مطلقًا حتى ولو وافقت الشرع. لأن وجوب العمل بالأحكام التي جاء بها الشرع لا يأتي من الاتفاق عليها بين الرجل والمرأة، بل يأتي من عقد الزواج، ومن حكم الشرع الذي بيَّنه. لذلك لا عبرة للشروط التي تتضمنها الاتفاقية المدنية للزواج، وإذا كانت مخالفة للشرع فبطلانها ظاهر. أما إذا كانت هذه الشروط مما أجاز الشرع لأحد الزوجين اشتراطها بأن لم تكن مخالفة للشرع ولا منافية لمقتضى العقد، فتكون قائمة إذا عُدّ عقد الزواج صحيحًا بينهما، وإذا لم يُعدّ ما جرى بينهما عقد زواج فلا قيمة لها مطلقًا. هذا إن حصل عقد الزواج المدني بين مسلم ومسلمة، أو بين مسلم وكتابية. أما إن حصل عقد زواج مدني بين مسلم ومشركة، أو من تعامل معاملة المشركين، أو حصل بين مسلمة وغير مسلم، فإن الزواجَ حينئذٍ يكون باطلًا ولا ينعقد. ومن ذلك يتبين أنه يجب أنْ يتمَّ الزواج بعقدِ نكاحٍ صحيح شرعي مستوفٍ جميع شرائطه الشرعية، فإن لم يتم بذلك لا يكون زواجًا مطلقًا.
وينعقد الزواج بإيجاب وقبول شرعيين. فالإيجاب هو ما صدر ثانيًا من كلام العاقد الآخر، كأن تقول المخطوبة للخاطب: زوجتك نفسي، فيقول الخاطب: قبلت. أو أن يقولا العكس فلا ينعقد. وكما يكون الإيجاب والقبول بين الخاطبين مباشرة يصح أن يكون بين وكيليهما، أو بين أحدهما ووكيل الآخر. ويشترط في الإيجاب أن يكون بلفظ التزويج والإنكاح، ولا يشترط ذلك في القبول، بل الشرط رضا الآخر بهذا الإيجاب، بأي لفظ يشعر بالرضى والقبول بالزواج. ولا بد من أن يكون الإيجاب والقبول بلفظ الماضي، كزوجت وقبلت، أو أحدهما بلفظ الماضي والآخر بلفظ المستقبل، لأن الزواج عقد، فلا بد من أن يستعمل فيه لفظ ينبئ عن الثبوت وهو الماضي. ويشترط لانعقاد الزواج أربعة شروط:
الأول ـــــــ اتحاد مجلس الإيجاب والقبول، بأن يكونَ المجلسُ الذي صدرَ فيه الإيجاب هو بعينهِ المجلس الذي صدر فيه القبول. هذا إذا كان العاقدان حاضرين، فإن كان أحدهما في بلدٍ والآخر في بلد آخر وكتب أحدهما كتابًا للآخر موجبًا الزواج، فقبل المكتوب إليه، انعقد الزواج. ولكن يشترط في هذه الحالة أن تقرأ أو تقرئ الكتاب على الشاهدين، وتسمعهما عبارته، أو أن تقول لهما: فلان بعث إلي يخطبني، وتشهدهما في المجلس أنها زوجت نفسها منه.
والشرط الثاني من شروط الانعقاد أن يسمع كل من العاقدين كلام الآخر، وأن يفهمه، بأن يعلم أنه يريد عقد الزواج بهذه العبارة. فإن لم يعلم ذلك بأن لم يسمع أو لم يفهم، كما إذا لقن رجل امرأة معنى زوّجتك نفسي بالفرنسية مثلًا، وهي لا تفهمها، وقالت اللفظ الذي لقنه لها من دون أن تفهمه وقبل هو، من دون أن تعلم أن الغرض مما تقول عقد الزواج، فإنه لا ينعقد الزواج. وإن كانت تعلم أن الغرض مما تقول عقد الزواج فقد صح.
الشرط الثالث ـــــــ عدم مخالفة القبول للإنجاب سواء أكانت المخالفة في كل الإيجاب أو بعضه.
الشرط الرابع ـــــــ أن يكونَ الشرعُ قد أباحَ أحد العاقدين للآخر، بأن كانت المرأة مسلمة أو كتابية وكان الرجل مسلمًا ليس غير.
فإذا استكمل العقد هذه الشروط الأربعة انعقد الزواج، وإذا لم يستكمل واحدًا منها لم ينعقد الزواج، وكان باطلًا من أساسه. وإذا انعقد الزواج فلا بد لصحة الزواج أن يستكمل شروط صحته، وهي شرطان:
الأول ـــــــ أن تكون المرأة محلًّا لعقد الزواج.
والثاني ـــــــ حضور شاهدين مسلمين بالغين عاقلين سامعين لكلام العاقدين فاهمين أن الغرض من الكلام الذي حصل به الإيجاب والقبول هو عقد الزواج. فإذا استكمل العقد هذين الشرطين كان صحيحًا، وإن نقص واحدًا منهما كان نكاحًا فاسدًا.
ولا يشترط في عقد الزواج أن يكونَ مكتوبًا أو أنْ تُسَجَّلَ به وثيقة، بل مجرد حصول الإيجاب والقبول من الرجل والمرأة شفاهًا أو كتابة مستوفيًا جميع الشروط يجعل عقد الزواج صحيحًا سواء كتب أو لم يكتب.
أما كون الزواج لا يتم إلا بإيجاب وقبول فلأنه عقد بين اثنين، والعقد عادةً لا يتم ولا يصير عقدًا إلا بالإيجاب والقبول.
وأما ما اشترط في الإيجاب من لفظ الزواج والإنكاح فلأن النص ورد في ذلك، قال تعالى: {زوجناكها} (الأحزاب: 37) وقال: {ولا تنكحوا ما نكح أباؤكم من النساء} (النساء: 22) ولأن إجماع الصحابة انعقد على ذلك.
وأما اشتراط اتحاد مجلس الإيجاب والقبول فلأن حكم المجلس حكم حالة العقد، فإن تفرقا قبل القبول بطل الإيجاب، إذْ إنه لا يوجد معنى القبول، وإن الإعراض قد وجد من جهته بالتفريق، فلا يكون قبولًا، وكذلك إن تشاغلا عنه بما يقطعه، لأنه إعراض عن العقد أيضًا بالاشتغال عن قبوله.
وأما شرط سماع أحد العاقدين كلام الآخر، وفهمه له أي علمه بأنه يريد عقد الزواج بهذه العبارة، فلأن ذلك هو الذي يجعل القبول جوابًا للإيجاب، ولأنَّ الإيجابَ خطابٌ من أحد العاقدين لقبول الآخر، فإذا لم يعلمه لم يحصل خطاب له ولم يحصل قبول على الخطاب، فيكون واقعه ليس إيجابًا ولا قبولًا.
وأما عدم مخالفة الإيجاب للقبول فإنه لا يكون القبولُ قبولًا إلا إذا كان دالًّا على التسليم بجميع الإيجاب، فإذا اختلف كان غير مسلم بما ورد في الإيجاب، ولا يُعدّ قبولًا.
وأما كون الشرع لا بد من أن يكونَ قد أباح تزوج أحد العاقدين بالآخر، فلأنه إذا ورد نهي من الشرع عن عقد لم تجز مباشرة ذلك العقد.
هذا بالنسبة إلى انعقاد العقد. أما بالنسبة إلى صحته فإن الشرع إذا لم يرد به نهي عن العقد تم العقد، ولكن إذا ورد نهي عن إجراء العقد على معين فسد العقد عليه، ولم يبطل.
وأما اشتراط كون المرأة محلًّا لعقد الزواج فلأن الشرع قد حرّم زواج بعض النساء وحرّم الجمع بين بعض النساء، فإذا ورد العقد على من حرّم إجراء العقد عليها، لم يصح العقد.
وأما اشتراط وجود شاهدين مسلمين فلأن القرآن قد شرط الشاهدين المسلمين في إرجاع المطلقة طلاقًا رجعيًّا إلى زوجية، قال تعالى: {فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم} (الطلاق: 2). قال الحسن: أي مسلمين. فإذا كانت الرجعة وهي استدامة عقد النكاح يشترط فيها شاهدان مسلمان، فإن إنشاء الزوجية أي إنشاء عقد النكاح أوْلى أن يشترطَ فيه شاهدان، فوقَ كونِ عقد النكاح واستدامة عقد النكاح هما من باب واحد. فهما كالحكم الواحد.
الحياة الزوجية
ليست الزوجة شريكة الحياة للزوج، بل هي صاحبته. فالعشرة بينهما ليست عشرة شركاء، وليسا مجبرين عليها طوال الحياة، بل العشرة بينهما عشرة صحبة، يصحب أحدهما الآخر صحبة تامة، من جميع الوجوه، يطمئن فيها أحداهما إلى الآخر، إذ جعل الله هذه الزوجية محل اطمئنان للزوجين. قال تعالى: {هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها} (الأعراف: 189). وقال تعالى: {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة} (الروم: 21). والسكن هو الاطمئنان، أي ليطمئن الزوج إلى زوجته والزوجة إلى زوجها، ويميل كل منهما إلى الآخر ولا ينفر منه.
فالأصل في الزواج الاطمئنان، والأصل في الحياة الزوجية الطمأنينة، وحتى تكون هذه الصحبة بين الزوجين صحبة هناء وطمأنينة بين الشرع ما للزوجة من حقوق على الزوج، وما للزوج من حقوق على الزوجة. وجاءت الآيات والأحاديث صريحة في هذا الباب. قال الله تعالى: {ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف} (البقرة: 228)، أي النساء من الحقوق الزوجية على الرجال مثل ما للرجال عليهن. ولهذا قال ابن عباس: "إني لأتزين لامرأتي كما تتزين لي وأحب أن تُعطيَني كل حقي الذي لي عليها فتستوجب أن أعطيها كلّ حقها الذي لها عليَّ لأن الله تعالى قال: {ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف} أي زينة من غير إثم". وعن ابن عباس أيضًا: "لهن من حسن الصحبة والعشرة مثل الذي عليهن من الطاعة فيما أوجبه عليهن لأزواجهن".
وقد أوصى الله تعالى بحسن العشرة بين الزوجين. قال تعالى: {وعاشروهن بالمعروف} (النساء: 19)، وقال: {فإمساك بمعروف} (البقرة: 229). والعشرة المخالطة والممازجة... فأمر الله سبحانه وتعالى بحسن صحبة الرجال للنساء إذا عقدوا عليهن لتكون الخِلطة ما بينهم والصحبة مع بعضهم على الكمال، فإنه أهدأ للنفس، وأهنأ للعيش. ومعاشرة الرجال للنساء تكون زيادة على وجوب إيفائها حقها من المهر والنفقة ألّا يعبس في وجهها بغير ذنب، وأن يكون منطلقًا في القول لا فظًّا ولا غليظًا ولا مظهرًا ميلًا إلى غيرها.
وقد وصَّى الرسول الرجال بالنساء. فروى مسلم في صحيحه عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال في خطبته في حجة الوداع: "فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يُوطِئْنَ فرشكم أحدًا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربًا غير مبرح، ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف".
وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي". وروي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان جميل العشرة يداعب أهله ويتلطف بهم، ويضاحك نساءه ويسابقهنّ. قالت السيدة عائشة: {سابقني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فسبقته وذلك قبل أن أحمل اللحم، ثم سابقته بعدما حملتُ اللحمَ فسبقني فقال: هذه بتلك". وكان صلى الله عليه وآله وسلم إذا صلى العشاء يدخل منزله، ويسمر مع أهله قليلًا قبل أن ينام يؤانسهم بذلك. وروى ابن ماجه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "خياركم خياركم لنسائهم".
وهذا كله يدل على أن على الأزواج أن يحسنوا عشرة أزواجهم. ولما كانت الحياة الزوجية قد يحصل فيها ما يعكر صفوها، فقد جعل الله قيادة البيت للزوج على الزوجة فجعله قوامًا عليها قال تعالى: {الرجال قوامون على النساء} (النساء: 34). وقال: {ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة} (البقرة: 228). ووصى الرسول المرأة بطاعة زوجها فقال صلى الله عليه وآله وسلم: "إذا باتت المرأة هاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى ترجع". وقال صلى الله عليه وآله وسلم لامرأة: "أذات زوج أنت؟ قالت: نعم، قال: فإنه جنتك ونارك". وروى البخاري أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "لا يحل لامرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه، وما أنفقت من نفقة من غير إذنه فإنه يرد إليه شطره". وروى ابن بطة في أحكام النساء عن أنس أن رجلًا سافر ومنع زوجته من الخروج. فمرض أبوها، فاستأذنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في عيادة أبيها، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "اتقي الله ولا تخالفي زوجك". فمات أبوها فاستأذنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حضور جنازته فقال لها: "اتقي الله، ولا تخالفي زوجك". فأوحى الله إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "إني قد غفرت لها بطاعة زوجها".
وقد جعل الشرع للزوج الحق في منع زوجته من الخروج من منزله، سواء أرادت أن تخرج للنزهة أو إلى ما ليس لها منه بد. إلا إنه ليس له أن يمنعها من الخروج إلى المساجد. لما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله".
وإذا تمردت المرأة على زوجها فقد جعل الله له حق تأديبها. قال تعالى: {واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا} (النساء: 34). والضرب هنا يجب أن يكونَ ضربًا خفيفًا، أي ضربًا غير مبرح. كما فسر الرسول في خطبته في حجة الوداع حيث قال: "فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربًا غير مبرح".
وإنما أعطي الزوج صلاحية معاقبة الزوجة إذا أذنبت لأنه القوام على إدارة ورعاية شؤون البيت. وما عدا مخالفتها لما أمرها الشرع بالقيام به فلا يجوز للزوج أن يزعجها بشيء مطلقًا. قال تعالى: {فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا} (النساء: 34)، بل يجب أن يكونَ رفيقًا بها، لطيفًا في طلب أي شيء منها، حتى لو أرادها فينبغي عليه أن يحسن اختيار الأوضاع والحالات المناسبة لها. قال صلى الله عليه وآله وسلم: "لا تطرقوا النساء ليلًا حتى تتمشط المشعثة...".
وليس معنى قوامة الزوج على المرأة، وقيادته للبيت أنه المتسلط فيه، الحاكم له بحيث لا يرد له أمر، بل معنى قيادة الزوج للبيت رعاية شؤونه وإدارته، وليس السلطة أو الحكم فيه، ولذلك فإن للمرأةِ أن ترد على زوجها كلامه، وأن تناقشه فيه، وأن تراجعه فيما يقول، لأنهما ليسا أميرًا ومأمورًا، أو حاكمًا ومحكومًا، بل هما صاحبان جعلت القيادة لأحدهما من حيث إدارة بيتهما ورعاية شؤون هذا البيت. وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بيته كذلك صاحبًا لزوجاته، وليس أميرًا متسلطًا عليهن على الرغم من كونه رئيس دولة، وعلى الرغم من كونه نبيًّا.
هذا من ناحية العشرة. وأما من ناحية القيام بأعمال البيت، فإنه يجب على المرأة خدمة زوجها وأولادها، والخبز والطبخ، ومسح الدار وتنظيفها. ويجب عليها أن تسقيه إذا طلب أن يشربَ، وأن تضعَ له الطعامَ ليأكل، وأن تقومَ بخدمته في كل ما يلزمه في البيت. وكذلك عليها القيام بكل ما يلزم مما تستدعيه أمور المعيشة في المنزل من كل شيء من دون تحديد.
ويجب على الزوج أن يحضر لزوجته ما تحتاجه مما هو خارج البيت كالماء والطعام، وكل ما يلزمها لإزالة الوسخ، أو ما تحتاجه للتزين له مما تتزين به أمثالها، وغير ذلك.
والخلاصة أن كلَّ عملٍ يلزمُ القيام به داخل البيت يجب على المرأة أن تقوم به أيًّا كان نوع العمل، وكل عمل يلزم القيام به خارج البيت يجب على الرجل أن يقوم به، فقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قصة علي وفاطمة عليهما السلام: "أنه قضى على ابنته فاطمة بخدمة البيت، وعلى علي بما كان خارجًا عن البيت من عمل". وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يأمر نساءَهُ بخدمته، فقد روي عنه قوله لزوجته عائشة رضي الله عنها: "يا عائشة اسقينا. يا عائشة أطعمينا. يا عائشة هلمي الشفرة واشحذيها بحجر". وقد روي "أن فاطمة الزهراء أتت أباها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تشكو إليه ما تلقى من الرحى، وسألته خادمًا يكفيها ذلك". وهذا كله يدل على أن القيام بخدمة الرجل في البيت، وبخدمة البيت، واجب من واجبات الزوجة عليها أن تقوم به. إلا إن قيامها به إنما يكون بقدر طاقتها، فإذا كانت الأعمال كثيرة بحيث تجلب لها المشقة كان على الزوج أن يساعدها على ذلك أو أن يأتي لها بخادم يكفيها القيام بالأعمال، وكان لها أن تطالبه بذلك. وإن كانت الأعمال غير كثيرة، وكانت هي قادرة على القيام بها، فلا ينبغي له أن يأتي بخادم لها بل عليها أن تقوم هي بالخدمة، بدليل ما قضى به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ابنته فاطمة من خدمة البيت. وهكذا يجب على الزوج أن يعاشر زوجته بالمعروف، ويجب على الزوجة مثل ذلك، حتى تكون الحياة الزوجية حياة طمأنينة يتحقق فيها قوله تعالى: {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة} (الروم: 21).
الحياة الخاصة
طبيعةُ حياةِ الإنسانِ تجعلُ له حياة عامة يعيش فيها بين أفراد المجتمع، في الحي، أو القرية، أو المدينة، وتجعل له حياة خاصة يعيش فيها في بيته وبين أفراد أُسرته. وقد جاء الإسلامُ لهذه الحياة الخاصة بأحكامٍ معينةٍ، تعالج المشاكل التي تعترض الإنسان رجلًا كان أو امرأة. ومن أبرز هذه الأحكام حرمة المنزل، فلا يجوز لأحد أن يدخل بيت أحد غيره من الناس إلا بإذنه. قال تعالى: {يأيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها} (النور: 27) فنهى الله تعالى الناس عن دخول البيوت إلا بإذن أهلها، وعُدّ عدم الإذن استيحاشًا، والإذن استئناسًا فقال: {حتى تستأنسوا} وهي كناية عن طلب الإذن لأنه لا يحصل الاستئناس إلا به. أي حتى تستأذنوا أهلها. وأخرج الطبراني أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "من أدخلَ عينهُ في بيتٍ من غير إذن أهله فقد دمره". وأخرج أبو داود: "أن رجلًا سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم أأستأذن على أمي؟ قال: نعم. قال: إنه ليس لها خادم غيري، أأستأذن عليها كلما دخلت؟ قال: أتحب أن تراها عريانة؟ قال الرجل: لا. قال: فاستأذن". فمنع بذلك دخول أي إنسان بيتًا غير بيته إلا بإذن أهل البيت. ولا فرق في ذلك بين أن يكون المدخول عليه مسلمًا أو غير مسلم، لأن الخطاب موجه للمؤمنين، وهم الذين يراعون أوضاع الناس طبقًا لأوامر الله تعالى ونواهيه، فلا يؤذون مسلمًا أو غير مسلمٍ من دون وجه حق، لأن اقتحام البيوت من غير إذنٍ هو انتهاك لحرمتها، أي أذًى لها ولأصحابها. لذلك جاء النص على البيوت مطلقًا، وعامًّا من غير تخصيص: "بيوتًا"، فشمل ذلك كل بيت. فإن لم يجد المستأذن أحدًا في البيت فلا يدخل حتى يؤذن له، وإنْ قال له أحد أن يرجع فيجب أن يرجع ولا يجوز له أن يدخل. قال تعالى: {فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا} (النور: 28)، أي لا يجوز لكم أن تلحوا في طلب الإذن، ولا أن تلحوا في تسهيل الحجاب، ولا أن تقفوا على الأبواب منتظرين. إلا إذا كانت هناك ضرورة تستوجبها المصلحة العامة مثل تفتيش منزل وقعت الشبهة عليه للبحث عن أدلة لإثبات جريمة، فتُستأذن السلطة العامة وفقًا للقواعد القانونية المطبّقة من أجل الدخول إلى هذا المنزل والبحث عن الأدلة أو عن الجاني. وهذا كله متعلق في البيوت المسكونة.
أما البيوت غير المسكونة فإنه ينظر فيها، فإن كان للذي يريد أن يدخل متاع فيها، فإنه يجوز له أن يدخلها من دون استئذان. وهي مستثناة من البيوت التي يجب الاستئذان على داخلها. قال الله تعالى: {ليس عليكم جناح ان تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم} (النور: 29) فيكون الاستثناء خاصًّا بالبيوت غير المسكونة التي فيها متاع للذي يريد الدخول. وكل ما عدا هذا الاستثناء يُعدّ مخالفة لأمر المنع بالدخول من غير استئذان. وبأحكام الاستئذان هذه تحفظ الحياة الخاصة من إزعاج الطارقين ويطمئن من فيها من كل من هو خارجها.
هذا في خارج المنزل. وأما في داخله فإنَّ هنالك حرمة أيضًا لساكني هذا المنزل أنفسهم إذ يمنع على أهل البيت الواحد الدخول بعضهم على بعض من غير استئذان، في أوقات معينة. وجاء هذا المنع مطلقًا ليتناول، في أوقات معينة، الإماء والخدم والأطفال الذين لم يبلغوا الحلم أي سن الرشد. والأوقات التي يقتضي فيها الاستئذان هي: قبل صلاة الفجر، وعند الظهر، وبعد صلاة العشاء. فإنه يجب عليهم أن يستأذنوا في هذه الحالات الثلاث، لأنها حالات عورة، فيها يُغَيِّرُ المرءُ ثِيَابَهُ للنوم، أو للاستيقاظ من النوم. أما قبيل صلاة الفجر فإنه وقت الاستيقاظ من النوم، وفيه يغير المرء ثياب النوم بثياب غيرها. وعند الظهيرة هو وقت القيلولة والنوم، يجري فيه كذلك تغيير الثياب. وبعد صلاة العشاء هو وقت النوم وفيه يغير المرء ثياب اليقظة ويلبس ثياب النوم. فهذه الأوقات عورات يجب أن يستأذن فيها للدخول حتى من الخدم، ومن الأطفال الذين لم يبلغوا الحلم. أما في غير هذه الأوقات فإن لأهل البيت الواحد الدخول بعضهم على بعض في أي وقت يشاؤون من دون استئذان، حتى إذا بلغ الأطفالُ الحلمَ سقط حقُّهم في الدخول، وصار عليهم أن يستأذنوا كسائر الناس. قال تعالى: {يأيها الذين آمنوا ليستئذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء ثلاث عورات لكم ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون عليكم بعضكم على بعض كذلك يبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم} (النور: 58).
هذه هي الأحكام لحفظ الحياة الخاصة في البيت، والتي تمنع الدخول على أهله من غير رضاهم، لا فرق في ذلك بين أجنبي ومحرم، قريب أو نسيب. أما الأحكام المتعلقة بحياة المرأة الخاصة أي داخل البيت فإن المرأة تعيش فيها مع النساء، أو مع محارمها الذين يجوز لها أن تبدي لهم محل زينتها من أعضائها. وما عدا النساء ومحارمها لا يجوز أن تعيش المرأة مع أحد لأنه لا يجوز لها أن تبدي لأجنبي محل زينتها من أعضائها، مما يبدو من المرأة في أثناء قيامها بأعمالها في البيت من غير الوجه والكفين. فالحياة الخاصة للمرأة مقتصرة على النساء والمحارم، ولا فرق في النساء بين المسلمات وغير المسلمات. فكون المرأة منهية عن إبداء زينتها للأجانب وغير منهية عن إبدائها للمحارم، دليل واضح على اقتصار الحياة الخاصة على المحارم وحدهم قال تعالى: {ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو أبائهن أو أباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء} (النور: 31). وقد ألحق بالمحارم الأرقاء الذين يملكونهم، وكذلك الذين لا توجد عندهم شهوة النساء من الرجال الشيوخ الطاعنين بالسن، أو الأبله، أو الخصي، أو المجبوب، أو ما شاكل ذلك ممن لا توجد لديه الإربة (وهي الحاجة إلى النساء) فإن هؤلاء يجوز أن يكونوا في الحياة الخاصة، وما عداهم لا يجوز مطلقًا.
النظر إلى المرأة
من أراد أن يتزوج امرأةً فله أن ينظرَ إليها من غير أن يخلو بها، فقد روى جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم "إذا خطبَ أحدُكُم المرأةَ فإن استطاع أن ينظرَ إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل". ولا بأس بالنظر إليها بإذنها وبغير إذنها، لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمرنا بالنظر المطلق. إلا إنه لا تجوز الخلوة بها لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يخلون بامرأة ليس معها ذو محرم منها فإن ثالثهما الشيطان". وهذا عام وليس منه استثناء للخاطب الذي يجوز له رؤية المرأة التي يريد الزواج منها والنظر إليها على أن ينظر إلى الوجه والكفين وإلى غير الوجه والكفين، لأن النظر إلى الوجه والكفين عام يشمل الخاطب وغيره، فلا معنى لوجود استثناء الخاطب منه، فدل على أن الاستثناء منصب على غير الوجه والكفين، ولأن الرسول قال: "أن ينظر إليها" وهو عامٌّ يشملُ النظرَ إلى الوجهِ والكفين، وإلى غيرهما، مما يلزم لمعرفتها بغية خطبتها.
هذا وإن الله قد أمر المؤمنين بغضّ البصر، وغضّ البصر يقتضي عدم تصويبه من الرجل للمرأة ولا من المرأة للرجل. وجاء حديث جابر يبيح للخاطب أن يصوب نظره إلى المرأة فيكون مستثنى من غضّ البصر. أي يجب على المؤمنين أن يغضوا من أبصارهم إلا الخاطبين فإن لهم عدم غض البصر لينظروا إلى من يريدون خطبتها من النساء.
وزينة المرأة، هي ما خفي من أعضاء جسدها، ما عدا الوجه والكفين، وهي تشمل سائر الأعضاء الأخرى إلَّا ما بين السرة والركبة فيحرم إبداؤه لغير الأزواج. وهذا ما يثبته إطلاق النص، قال تعالى: {ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو أبائهن أو أباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء} (النور: 31). فهؤلاء جميعًا يجوز أن ينظروا من المرأة شعرها، ورقبتها، ومكان دملجها، ومكان خلخالها، ومكان عقدها، وغير ذلك من الأعضاء التي يصدق عليها أنها محل زينة، إلَّا ما بين السرّة والركبة، فهو ليس محل زينة بل هو عورة، وكذلك صدر المرأة فهو يُعدّ عورةً، ولا يجوز إبداؤه أو إظهاره لغير الزوج وقد روي أن أبا سفيان دخل على ابنته أُم حبيبة زوجة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين قدم المدينة ليجدد عهد الحديبية، فطوت فراش رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لئلا يجلس عليه، ولم تحتجب منه، وذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأقرها، ولم يأمرها أن تحتجب منه، مع أنه مشرك، لأنه من محارمها.
وقد تستدعي الحاجة أن ينظر الرجل، غير الزوج وغير المحرم، إلى المرأة، او أن يكشف عليها، أو أن تنظر المرأة إلى رجل أو تكشف عليه، ففي هذه الحالة يباح النظر أو الكشف على العضو الذي تستدعي الحاجة النظر إليه فحسب، ولا ينظر إلى غيره ما عدا الوجه والكفين. وهؤلاء الذين تستدعي الحاجة أن ينظروا إلى العضو والذين أباح لهم الشرع النظر هم: الطبيب، والممرضة، والمحقق، ومن شاكلهم ممن تستدعي الحاجة أن ينظروا إليه من العورة وغيرها. فقد روي "أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما حكم سعدًا في بني قريظة كان يكشف عن مؤتزرهم". وعن عثمان أنه أتي بغلام قد سرق فقال: "انظروا إلى مؤتزره" فوجدوه لم ينبت الشعر فلم يقطعه. وقد كان عمل عثمان هذا على مرأى ومسمع من الصحابة فلم ينكر عليه أحد.
أما إذا لم تكن هنالك حاجة، فالمباح هو النظر إلى وجه المرأة وكفيها فقط، ويحرم النظر إلى ما عداهما. فقد روت عائشة أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ثياب رقاق، فأعرض عنها وقال: "يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا" وأشار إلى وجهه وكفيه. وقد استثنى الله في القرآن الوجه والكفين من النهي عن إبداء ما هو محل زينة من أعضاء المرأة. قال تعالى: {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها}. قال ابن عباس: "الوجه والكفين". فالنهي عن إبداء الزينة من قبل المرأة نهي عن كل ما يحط من كرامتها بتعريض جسدها للتبذل أو الامتهان. فالمرأة كلها عورة إن بدت بمفاتنها أو أظهرت ما يُفتن به الرجل. لذلك كان النهي عن إبداء الزينة أي مظَنَّة الفتنة. ونهي المرأة عن إبداء زينتها يدل بطريق الالتزام على النهي عن النظر إلى ما نهيت المرأة عن إبدائه. أي إن النهي للمرأة بعدم إبداء زينتها هو نهي للرجل بعدم النظر إلى ما نهيت المرأة عنه، وهو زينتها أو مفاتنها، فيكون ما أجيز للمرأة أن تظهره من الوجه والكفين مجازًا للرجل النظر إليه. فللرجل أن ينظر إلى وجه المرأة وكفيها، نظرة تمكنه من أن يعرفها بعينها، ليشهد عليها إن لزمت الشهادة، وليرجع عليها إذا عاملها في بيع أو إجارة، وليتأكد من هويتها إذا داينها أو وفاها دينًا، أو اشتبه بها بامرأة أخرى أو غير ذلك.
وكذلك للمرأة أن تنظر إلى ما ليس بعورة من الرجل، لما روي عن السيدة عائشة قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد". ويوم فرغ النبي صلى الله عليه وآله وسلم من خطبة العيد "مضى إلى النساء فذكرهن ومعه بلال فأمرهن بالصدقة". فهذا صريح في إقرار الرسول النساء أن ينظرنَ إلى الرجال.
وأما كون النظر إلى ما ليس بعورة فإن نظر السيدة عائشة إلى الأحباش وهم يلعبون يدل على أنها كانت تنظر إلى جميع ما يبدو منهم ما عدا العورة، فلم يتقيد النظر بل كان مطلقًا. وقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إذا زوج أحدكم خادمه أو أجيره فلا ينظر إلى ما دون السرة وفوق الركبة فإنه عورة". ومفهومه إباحة النظر إلى ما عداه، والإباحة مطلقة تشملُ الرجلَ والمرأةَ. وروي عن جرير بن عبد الله أنه قال: "سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن نظر الفجاءة فأمرني أن أصرف بصري" وروي عن علي عليه السلام قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لا تتبع النظرة النظرة فإنما لك الأولى وليس لك الآخرة". والمراد من ذلك النهي عن التكرار الذي يسبب الشهوة وليس النهي عن مجرد النظر الفجائي.
وأما قوله تعالى: {وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن} (النور: 30) فإن المراد منه خفض البصر عما يحرم والاقتصار به على ما يحل، وليس غض البصر مطلقًا بدليل أن الشارع قد بيَّن أن المحارم لا بأس بالنظر إلى شعورهن وصدورهن وثُدِيِّهِن وأعضائهن وسوقهن وأقدامهن، والأجنبية ينظر إلى وجهها وكفيها.
فيتبينُ من هذا جوازُ أنْ ينظرَ كلٌّ من الرجلِ والمرأةِ من الآخر ما ليس بعورةٍ عن عدم قصدِ اللذة والاشتهاء. وعورة الرجل ما بين سرته وركبته، وعورة المرأة جميع بدنها ما عدا وجهها وكفيها. إلا إن هذا كله في غير العجوز الطاعنة في السن. أما العجوز التي لا يشتهى مثلها فيباح النظر منها إلى ما يظهر غالبًا لقول الله تعالى: {والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة وأن يستعففن خير لهن} (النور: 60). أي إن النساء اللواتي قعدن عن الحيض والولد لكبرهن، ولا يطمعن في نكاح، فلا جناح عليهن في أن يضعن عنهن الثياب الظاهرة كالملحفة والجلباب، غير متبرجات، لكن الاستعفاف عن وضع الثياب خير لهن. فكون الله أباحَ لهن وضع الثياب وإظهار ما يبدو عادة دليل على جواز نظر الرجال إلى ذلك، لأنَّ ما حرّم كشفه حرّم النظر إليه، وما أُبيح كشفه أُبيح النظر إليه.
بقيت مسألتان من مسائل نظر المرأة للرجل والرجل للمرأة. إحداهما مسألة وجود الرجال الأجانب في البيوت بإذن أهلها، ونظرهم إلى النساء في ثياب التبذل، وإبصارهم من أعضاء المرأة ما يزيد على الوجه والكفين. والثانية مسألة وجود النساء غير المسلمات وحتى بعض المسلمات في شوارع المدن وطرقاتها، وهن يبدين من أعضائهن أكثر من الوجه والكفين. وهاتان المسألتان واقعتان، وواقع بلاؤهما على جميع المسلمين، فلا بد من بيان حكم الله فيهما.
أما المسألة الأولى فهي أنَّ هناك أخوة أو أقارب يسكنون مع بعضهم في منزل واحد، وتظهر نساء كل منهم للآخرين في ثياب التبذل، فيبدو شعرها، ورقبتها، وذراعاها، وساقاها، وما شاكل ذلك مما تظهره ثياب الراحة أو الاسترخاء داخل المنزل. فينظر إليها إخوة زوجها أو أقاربه غير المحارم كما ينظر إليها أخوها وأبوها وغيرهما من المحارم، مع أن أخا زوجها أجنبي عنها كأي أجنبي. وكذلك قد يزور الأقارب بعضهم، كأولاد العم وأولاد الخال ومن شاكلهم من الأرحام غير المحارم، أو من غير الأرحام، فيسلمون على النساء، ويجلسون معهن، وهن في ثياب التبذل. ويبدو منهن أكثر من الوجه والكفين، من شعر، ورقبة، وذراع، وساق، وغير ذلك، فيعاملون معاملة المحارم. وهذه المسألة شائعة وقد بلي بها أكثر المسلمين ولا سيما في المدن، فيظن الكثيرون أن ذلك مباح. والحقيقة أن المباحَ من ذلك إنما هو النظر من قبلِ المحارم وغير أولي الإربة، أما ما عدا هؤلاء فيحرم على النساء أن يكشفن سوى الوجه والكفين، ويحرم عليهم النظر إلى النساء ما عدا الوجه والكفين. والحكم الشرعي في هذا أن تؤمر النساء حين قدوم أجنبي إلى البيت، والإذن له بالدخول، أن يسترن عورتهن جميعها، وألّا يكشفن سوى الوجه والكفين، عملًا بقوله تعالى: {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها}. سواء أكان هؤلاء الأجانب أقارب من الأرحام غير المحارم، أم كانوا غير أقارب. فإن الشارع لم يفرق بينهم، والآية حصرت الأقارب في من استثني من النظر في قوله: {ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن} الآية. وأما الزائرون للبيوت وهم لا يملكون إجبار هؤلاء النسوة في بيوتهن على ستر عورتهن عنهم إذا ظهرن بثياب التبذل، فإن على الرجال أن يغضُّوا البصر عملًا بقوله تعالى: {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم} وما عليهم بعد غض البصر من إثم ولو اشتركوا في الحديث لأن المطلوب هو غض الطرف.
وأما المسألة الثانية فهي أنه منذ غزتنا المدنية الغربية، وحكمت بلاد المسلمين بأنظمة الفسق صارت النساءُ غير المسلمات يخرجن شبه عاريات: مكشوفات الصدور والظهور، والشعر، والأذرع والسيقان. وصار بعض نساء المسلمين يقلدهن فيخرجن إلى السوق على هذا الوجه، حتى أصبح المرء لا يستطيع أن يميزَ المرأة المسلمة من غير المسلمة وهي ماشية في السوق، أو واقفة في حانوت تساوم على ثمن حاجة. والرجال المسلمون الذين يعيشون في هذه المدن لا يملكون بمفردهم الآن أن يزيلوا هذا المنكر، ولا يستطيعون العيش في هذه المدن من دون أن يروا هذه العورات، لأن طبيعةَ الحياةِ التي يعيشونها، وشكل الأبنيةِ التي يسكنونها، تحتم وقوع الرؤية من قبل الرجل لعورة المرأة، ولا يمكن أن يحترز أي رجل من رؤية عورات النساء، من أذرعهن، وصدورهن وظهورهن، وسيقانهن، وشعرهن، مهما حاول عدم النظر، إلا في حال جلوسه في بيته وعدم خروجه منه، وهذا لا يتأتى له مطلقًا، إذ هو في حاجة إلى إقامة علاقات مع الناس في البيع والشراء، والإجارة والعمل، وغير ذلك مما هو ضروري لحياته. ولا يستطيع أن يقوم بذلك في حرز عن النظر إلى هذه العورات. وتحريم النظر إليها صريح في الكتاب والسنّة فماذا يفعل؟ إن الخروج من هذه المشكلة إنما يكون في وضعين:
أحدهما نظر الفجاءة وهو ما يشاهده في الطريق. وهذا يعفى فيه عن النظرة الأولى وعليه ألّا يكرر النظرة الثانية.
وأما الوضع الثاني وهو التحدث إلى المرأة الكاشفة لرأسها وذراعيها وما جرت عادتها من كشفه، فهذه يجب تحويل البصر عنها، وغضُّه عن النظر إليها، لما رواه أبو داود: "كان الفضل بن العباس رديف النبي صلى الله عليه وآله وسلم فجاءته الخثعمية تستفتيه فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه فصرف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجهه عنها". وقال الله تعالى: {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم} (النور: 30)، والمراد بغضّ البصر خفضه. فعلاج هذه المشكلة هو غض البصر من قبل الرجل، مع مداومته لعمله الذي يقوم به من حديث ضروري معها، أو ركوب في سيارة واحدة بصحبتها، أو جلوس وإياها على شرفة لشدة الحر، أو ما شاكل ذلك. إنَّ هذه الحاجاتِ من ضرورات الحياة العامة للرجل، ولا يستغني عنها، ولا يملك دفع هذا البلاء من كشف العورات، فعليه غض البصر عملًا بنص الآية، ولا يحل له غير ذلك مطلقًا.
ولا يقال هنا: إن هذا مما عمت به البلوى، ويصعب الاحتراز منه، فإن هذه القاعدةَ مناقضةٌ للشرعِ، إذ إن الحرام لا يصبحُ مباحًا إذا عمت به البلوى. ولا يقال هؤلاء نساء غير مسلمات فيعاملن معاملة الإماء، فعورتهن عورة الأمة، لا يقال ذلك لأن الحديث عام بالمرأةِ، ولم يقل المرأة المسلمة، قال صلى الله عليه وآله وسلم: "يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يُرى منها إلا هذا وهذا" وأشار إلى وجهه وكفيه، وهو صحيح في حرمة النظر إلى المرأة، مسلمة كانت أو غير مسلمة، وهو عام في جميع الحالات، ومنها هذه الحالة. ولا تقاس المرأة غير المسلمة على الأمة لأنه لا وجه للقياس.
وعليه يجب على من يزورون بيوتًا غير بيوتهم وفيها نساء غير محارم عليهم، أن يغضوا أبصارهم عن النظر إلى ما يزيد على الوجه والكفين، ويجب على من يعيشون في المدن، ويضطرون للتحرك في المجتمع أو معاملة النساء غير المسلمات الكاشفات لعوراتهن بالشراء منهن، أو الحديث معهن، أو الاستئجار منهن، أو تأجيرهن، أو بيعهن، أو غير ذلك، أن يغضوا أبصارهم في أثناء ذلك، وأن يقتصروا على القدر الذي يحتاجونه مما يضطرون إليه.
المرأة المسلمة والحجاب
القول بأن الحجاب مفروض على النساء في الإسلام يسترن به وجوههن ما عدا أعينهن هو رأي إسلامي قاله بعض الأئمة المجتهدين من أصحاب المذاهب. والقول بأن الحجاب غير مفروض على النساء في الإسلام، فلا يجب على المرأة المسلمة أن تستر وجهها مطلقًا لأنه ليس بعورة، هو أيضًا رأي إسلامي، قاله بعض الأئمة المجتهدين من أصحاب المذاهب. وبما أن هذه المشكلة هي من المشاكل الاجتماعية المهمة، وتبني أي رأي من هذين الرأيين يؤثر في طراز الحياة الإسلامية، لذلك كان لا بد من عرض شامل للأدلة الشرعية في هذه المشكلة، بدراستها، وتتبعها، وتطبيقها على المشكلة، حتى يتبنى المسلمون الرأي الأقوى دليلًا، وحتى تتبنى الدولة الإسلامية الرأي الأرجح برجحان الدليل.
نعم قامت منذ أكثر من نصف قرن تقريبًا مناقشات حول المرأة، أثارها العملاء المنافقون في نفوس المفتونين بالغرب، المأخوذين بثقافته، ووجهة نظره في الحياة. فحاولوا أن يدسّوا على الإسلام آراء غير إسلامية، وحاولوا أن يفسدوا وجهة نظر المسلمين، وابتدعوا فكرة الحجاب والسفور، ولم يتصدّ لهم العلماء المفكرون بل تصدى لهم كتّاب، وأدباء، ومتعلمون جامدون، مما مكن لآراء هؤلاء المفتونين من جعل أفكارهم محل بحث ومناقشة، مع أنها أفكار غربية، جاءت لغزو الإسلام وإفساد المسلمين، وتشكيكهم في دينهم. نعم قامت هذه المناقشات ولا تزال بقاياها وآثارها ماثلة، لكنها لا تستأهل البحث، ولا ترقى إلى درجة الأبحاث التشريعية والاجتماعية، لأن البحث إنما هو في أحكام شرعية استنبطها مجتهدون واستندوا فيها إلى دليل أو إلى شبهة دليل، وليس البحث في آراء كتّاب مأجورين أو سفسطات أشخاص مخدوعين. فما يقوله المجتهدون مستنبطين إياه من الأدلة الشرعية هو الذي يوضع موضع بحث، ويناقش مناقشة تشريعية. وكذلك يلتحق بأقوال المجتهدين مما يوضع موضع البحث أقوال بعض الفقهاء المتعصبين للحجاب فتبحث لإزالة الشبهة من نفوسهم. ولهذا سنعرض لأقوال المجتهدين ولأدلتهم، حتى يتبين القول الراجح، فيلزم كل من يراه راجحًا بالعمل به، والعمل لتطبيقه.
لقد ذهب الذين قالوا بالحجاب إلى أن عورة المرأة جميع بدنها (ما عدا وجهها وكفّيها)، في الصلاة فحسب، أما في خارج الصلاة فقالوا إن جميع بدنها عورة، بما في ذلك وجهها وكفّاها، واستندوا في قولهم هذا إلى الكتاب والسنّة.
أما الكتاب فإن الله تعالى يقول: {وإذا سألتموهن متاعا فسئلوهن من وراء حجاب} (الأحزاب: 53) وهو صريح في ضرب الحجاب عليهن. ويقول الله تعالى: {يأيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين} (الأحزاب: 59) ومعنى يدنين عليهن من جلابيبهن يرخينها عليهن ويغطين بها وجوههن وأعطافهن. ويرون أن النساء كن في أول الإسلام على عادتهن في الجاهلية متبذلات تبرز المرأة في درع وخمار، لا فرق بين الحرة والأمة. وكان الفتيان من أهل الشطارة يتعرضون للإماء إذا خرجن في الليل لقضاء حوائجهن في النخيل والغيطان، وربما تعرضوا للحرة بعلّة الأمة، يقولون حسبناها أمة، فأمرن أن يخالفن بزيهن عن زي الإماء بلبس الأردية والملاحف، وستر الرؤوس والوجوه، ليحتشمن ويهبن، فلا يطمع فيهن طامع. وهذا أجرد وأولى أن يعرفن فلا يتعرضن لهن، ولا يلقين ما يكرهن. ومنهم من يقول بأن في الآية "ذلك أدنى أن يُعْرَفْنَ" هنالك "لا" محذوفة، أي ذلك أجدر أن يعرفن جميلات أو غير جميلاتٍ فلا يؤذين. ويقول الله تعالى: {وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى} فأمر الله للنساء أن يقرن في بيوتهن دليل على الحجاب.
وأما السنّة فقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "المرأة عورة". وعن جرير بن عبد الله قال: "سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن نظر الفجاءة فأمرني ان أصرف بصري". وعن علي رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لا تتبع النظرة النظرة فإنما لك الأولى وليست لك الآخرة".
هذه هي أدلة القائلين بالحجاب، والقائلين إن جميعَ بدنِ المرأةِ عورة. وهي أدلة لا تنطبق على المشكلة المستدل عليها بها، لأنها جميعها ليست في هذا الموضوع. أما آية الحجاب، وآية {وقرن في بيوتكن} فلا علاقة لنساء المسلمين بهما مطلقًا، وهما خاصتان بنساء الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بصريح الآية إذا تليت جميعها، وهي آية واحدة مرتبطة ببعضها لفظًا ومعنى. فإن نص الآية هو: {يأيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إِناه ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستئنسين لحديث إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحي منكم والله لا يستحي من الحق وإذا سألتموهن متاعا فسئلوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله عظيما} (الأحزاب: 53) فالآية نص في نساء النبي وخاصة بهن، ولا علاقة لها بنساء المسلمين، ولا علاقة لأيّ نساء غير نساء رسول الله بهذه الآية.
وأما آية {وقرن في بيوتكن} فهي أيضًا خاصة بنساء الرسول صلى الله عليه وآله وسلم. ونص الآية كاملًا هو: {يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا، وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة وأتين الزكاة وأطعن الله ورسوله} (الأحزاب: 32 ـــــــ 33). فصدر الآية صريح بأنها نزلت في نساء النبي وهي خاصة بهن، لأنَّ الخطابَ لنساءِ النبي، ولأنه تخصيصٌ بهن {يا نساء النبي لستن كأحد من النساء}، ولا يوجد أبلغ ولا أدل من هذا النص على أن هذه الآية نزلت بنساء الرسول وأنها خاصة بهن. وقد أكد ذلك أيضًا في الآية التي بعدها مباشرة، فقال تعالى: {واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة إن الله كان لطيفا خبير} (الأحزاب: 34). فذكرهن بأن بيوتهن مهابط الوحي، وأمرهن ألّا ينسين ما يتلى فيها من القرآن.
فهاتان الآيتان صريحتان بأنهما لنساء الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وأنهما خاصتان بنساء الرسول، فلا دلالة في أي منهما على حكم للنساء المسلمات غير نساء الرسول صلى الله عليه وآله وسلم. على أن هنالك آيات أخرى خاصة بنساء الرسول مثل قوله تعالى: {ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده} فلا يجوز لنساء الرسول أن يتزوجن بعده، بخلاف النساء المسلمات فإنهن يتزوجن بعد أزواجهن. وآيتا الحجاب هاتان خاصتان بنساء النبي عليه السلام كآية تحريم زواجهن بعده.
ولا يقال هنا إنَّ العبرةَ بعمومِ اللفظِ لا بخصوص السبب، وإنَّ سببَ نزول الآيات هو نساءُ الرسولِ وهي عامة فيهن "وفي غيرهن"، لا يقال ذلك لأنَّ سببَ النزولِ هو حادثة وقعت، وإنما هو نص معين جاء بحق أشخاص معينين، فقد نص على شخصهن، فقال: {يا نساء النبي لستن كأحد من النساء} وقال: {وإذا سألتموهن} والضمير لنساء الرسول، ومعين بهن ليس غير، وعقب ذلك بقوله: {وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله} مما يشعر بعلة حجابهن، وكل ذلك يعين أن الآيتين نص جاء بحق نساء الرسول، فلا تنطبق عليهما قاعدة: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
وكذلك لا يقال إن خطابَ نساءِ الرسولِ خطابٌ للنساءِ المسلماتِ، لأنَّ كونَ الخطاب المعين لشخص معين خطابًا للمؤمنين إنما هو خاصٌ بالرسولِ محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولا يشمل خطاب نسائه، فخطاب الرسول خطاب للمؤمنين، أما خطاب نسائه فهو خاص بهن، لأن الرسولَ هو محل القدوة في كل خطاب أو فعل أو سكوت ما لم يكن من خصوصياته صلى الله عليه وآله وسلم. أما نساء الرسول فلسن محل القدوة، لأنَّ الله تعالى يقول: {لكم في رسول الله أسوة حسنة} (الأحزاب: 21) ما لم يكن من خصوصياته صلى الله عليه وآله وسلم. أما نساء الرسول فلسن محل القدوة ولا يصح أن تكون نساء الرسول قدوة، بمعنى أن يفعل الفعل لأنهن يفعلنه أو يتصف بالصفة لأنهن يتصفن بها، بل هو خاص بالرسول لأنه لا يتبع إلا الوحي.
وكذلك لا يقال إنه إذا كانت نساءُ الرسولِ، وَهُنَّ الطاهرات اللواتي يتلى الوحي في بيوتهن، يطلب منهن الحجاب، فإن غيرهن من النساء المسلمات أولى أن يطلب منهن ذلك. لا يقال هذا لسببين:
أحدهما أن هذا ليس من قبيل الأوْلى، لأنَّ الأَوْلى هو أنْ ينهى الله عن الصغيرِ، فيكون نهيًا عن الكبيرِ من باب أولى، كقوله تعالى: {فلا تقل لهما أف} (الإسراء: 23) فمن باب أولى أن لا يضربهما. والأولى يفهم من سياق الكلام كقوله تعالى: {من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك} (آل عمران: 75) فأداء ما دون القنطار من باب أولى وعدم أداء ما فوق الدينار من باب أولى. وآية الحجاب ليست من هذا القبيل لأن سياق الآية لا يدل إلّا على نساء النبي ولا يدل على مفهوم آخر. ولفظ نساء النبي ليس وصفًا مفهمًا حتى يقال غير نساء النبي من باب أولى. بل هو اسمٌ جامدٌ فلا يتأتى أن يكونَ له مفهوم، فيكون الكلام خاصًّا بالشيء الذي جاء النص عليه ولا يتعداه إلى غيره ولامفهوم له. ولا يتأتى في الآية موضوع من باب أوْلى مطلقًا لا من ألفاظ الآية ولا من سياقها.
والثاني أن هاتين الآيتين أمر لأشخاص مخصوصين قد نص عليهم بعينهم للاتّصاف بصفات معينة، فلا يكون أمرًا لغيرهم مطلقًا، لا لمن هو أعلى منهن ولا لمن هو أدنى منهن، لأنه وصف معين، وهو مختص بأشخاص معينين. فهو أمر لنساء الرسول بوصفهن نساء الرسول لأنهن لسن كأحد من النساء ولأن هذا العمل يؤذي الرسول.
وإذا انتفى انطباق قاعدة "العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب" وانتفى الاقتداء بنساء الرسول، وانتفى كون غيرهن من باب أولى، وثبت أن النص قطعي في كونه لنساء الرسول، فقد ثبت أن هاتين الآيتين خاصتان بنساء الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ولا تشمل النساء المسلمات مطلقًا ولا بوجه من الوجوه. فيثبت بذلك أن الحجاب خاص بنساء الرسول، والمكث بالبيوت خاص بنساء الرسول. وانتفى الاستدلال بهما على كون الحجاب قد شرّع للنساء المسلمات.
وأما الآية الثانية وهي قوله تعالى: {يدنين عليهن من جلابيبهن} فإنها لا تدل على تغطية الوجه بحال من الأحوال، لا منطوقًا ولا مفهومًا، ولا يوجد فيها أي لفظ يدل على ذلك، لا مفردًا، ولا من وجوده في الجملة، على فرض صحة سبب النزول. فالآية تقول: {يدنين عليهن من جلابيبهن} ومعناها يرخين عليهن من جلابيبهن، و"من" هنا ليست للتبعيض وإنما هي للبيان أي يرخين عليهن جلابيبهن. ومعنى أدنى الستر: أرخاه، وأدنى الثوب أرخاه، ومعنى يدنين يرخين. والجلباب هو الملحفة، وكل ما يستر به من كساء وغيره، أو هو الثوب الذي يغطي جميع الجسم. وقد ورد في الحديث الجلباب بمعنى الملاءة التي تلتحف بها المرأة فوق ثيابها. فعن أم عطية رضي الله عنها قالت: "أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن نخرجهن في الفطر والأضحى، العواتق والحيض وذوات الخدور. فأما الحيض فيعتزلن الصلاة ويشهدن الخير، ودعوة المسلمين. قلت يا رسول الله: إحدانا لا يكون لها جلباب، قال: "لتلبسها أختها من جلبابها" ومعناه ليس لها ثوب تلبسه فوق ثيابها لتخرج فيه، فأمر بأن تعيرها أختها من ثيابها التي تلبس فوق الثياب، فيكون معنى الآية هو: أن الله طلبَ من الرسولِ أنْ يقول لأزواجه وبناته ونساء المؤمنين أن يرخين عليهن ثيابهن التي تلبس فوق الثياب إلى أسفل، بدليل ما روي عن ابن عباس أنه قال: الجلباب الرداء يستر من فوق إلى أسفل. فالآية تدل على إرخاء الجلباب ـــــــ وهو الثوب الواسع ـــــــ إلى أسفل، ولا تدل على غير ذلك. فمن أين يمكن أن يفهم أن معنى يدنين عليهن من جلابيبهن أن يجعلن ثوبهن على وجوههن مهما فسرت كلمة يدنين ومهما فسرت كلمة جلباب، في حدود المعنى اللغوي والمعنى الشرعي؟ بل الآية نص في إرخاء الثياب، وإرخاؤها إنما هو إلى أسفل، وليس رفعها إلى أعلى. وعلى ذلك فليس في هذه الآية أي دليل على حجاب، بل ولا شبهة الدليل لا من قريب ولا من بعيد. والقرآن تفسر ألفاظه وجمله بمعناها اللغوي والشرعي، ولا يجوز أن تفسر في غيرهما. والمعنى اللغوي واضح بأنه أمر للنساء بأن يرخين عليهن جلابيبهن، أي ينزلن ويسدلن ثيابهن التي يلبسنها فوق الثياب إلى أسفل حتى تغطي القدمين. وقد ورد هذا المعنى في إرخاء الثور إلى أسفل في الحديث الشريف. فعن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من جرَّ ثوبَهُ خُيَلَاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة. فقالت أُم سلمة: فكيف يصنع النساء بذيولهن؟ قال: يرخين شبرًا. قالت: إذن ينكشف أقدامهن. قال: فيرخينه ذراعًا لا يزدن عليه".
هذا بالنسبة إلى الآيات التي يستدل بها من يدعون أن الحجاب للنساء المسلمات قد شرعه الله. أما بالنسبة إلى الأحاديث التي استدل بها على الحجاب، ولا تدل عليه، فإنَّ حديثَ المكاتب إذا ملك ما يؤدي إلى عتقه يحتجب عنه خاص بنساء الرسول. ويؤيد ذلك حديث آخر، فعن أبي قلابة قال: "كان أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يحتجبن من مكاتب ما بقي عليه دينار" فلا دلالة في الحديث على أن المرأة المسلمة تحتجب.
وبهذا يتبين أنه لا يوجد دليل يدل على أن الله شرّع الحجاب للمسلمات، أو يدل على أن الوجه والكفين عورة، لا في الصلاة ولا خارج الصلاة. والأدلة التي استدلوا بها لا يوجد فيها وجه قوي للاستدلال على ذلك فهي ضعيفة الزاوية ضعيفة الاستدلال.
وأما كون الوجه والكفين ليسا بعورة، وكون المرأة يجوز لها أن تخرج إلى السوق والطريق في كل مكان كاشفة وجهها وكفيها فذلك ثابت في القرآن والحديث.
أما القرآن فقد قال الله تعالى: {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن} فالله تعالى نهى المؤمنات أن يبدين زينتهن، أي نهاهن أن يظهرن محل زينتهن لأنه هو المراد بالنهي. واستثنى من محل الزينة ما ظهر منها، وهو استثناء صريح، وهو يعني أن هناك محل زينة في المرأة يظهر لا يشمله النهي عن إظهار محال الزينة في المرأة. وهذا لا يحتاج إلى أدنى كلام، فالله ينهى المؤمنات أن يبدين محل زينتهن إلا ما هو ظاهر منها. أما ما هي الأعضاء التي يعنيها قوله {إلا ما ظهر منها} فذلك يرجع تفسيره إلى أمرين: أولهما إلى التفسير المنقول، والثاني إلى ما يفهم من كلمة {ما ظهر منها} حين تطبيقها على ما كان يظهر من النساء المسلمات أمام النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وفي عصره، عصر نزول هذه الآية.
وأما النقل فقد روي عن ابن عباس في تفسير هذه الآية أن "ما ظهر منها" تعني "الوجه والكفين" وجرى على ذلك المفسرون. قال الإمام ابن جرير الطبري: "وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: "عنى بذلك الوجه والكفين". وقال القرطبي: "لما كان الغالب من الوجه والكفين ظهورهما عادة وعبادة وذلك في الحج والصلاة فيصلح أن يكون الاستثناء راجعًا إليهما". وقال الإمام الزمخشري: "فإن المرأة لا تجد بدًّا من مزاولة الأشياء بيديها ومن الحاجة إلى كشف وجهها خصوصًا في الشهادة والمحاكمة والنكاح وتضطر إلى المشي في الطرقات وظهور قدميها وخصوصًا الفقيرات منهن وهذا معنى قوله: {إلا ما ظهر منها}.
وأما ما يفهم من آية "ما ظهر منها" فإنه يتبين أن ما كان يظهر عند نزول هذه الآية هو الوجه والكفان. فقد كانت النساء يكشفن وجوههن وأيديهن بحضرته صلى الله عليه وآله وسلم وهو لا ينكر ذلك عليهن، وكن يكشفن وجوههن وأيديهن في السوق والطريق، وفي جميع الأمكنة العامة.
بقيت مسألة يقول فيها بعض المجتهدين وهي أن الحجابَ يشرعُ للمرأة خوفَ الفتنةِ، فيقولون تمنع المرأة من كشف وجهها بين الرجال لا لأنه عورة بل لخوف الفتنة، وهذا القول باطل من عدة وجوه.
أحدها: أنه لم يرد بتحريم كشف الوجه لخوف الفتنة نص شرعي، لا من الكتاب، ولا من السنّة، ولا من إجماع الصحابة، ولا من علة شرعية يقاس عليها، فلا قيمة له شرعًا ولا يُعدّ حكمًا شرعيًّا. لأن الحكم الشرعي هو خطاب الشارع، وتحريم كشف الوجه لخوف الفتنة لم يأت في خطاب الشارع. وإذا علم أن الأدلةَ الشرعية جاءت على النقيض منه تمامًا، وأباحت الآيات والأحاديث كشف الوجه واليدين إباحة مطلقة لم تقيد بشيء ولم تخصص في حالة من الحالات، فيكون القول بتحريم كشف الوجه وإيجاب ستره تحريمًا لما أحله الله وإيجابًا لما لم يوجبه رب العالمين. فهو فوق عدم اعتباره حكمًا شرعيًّا مبطل لأحكام شرعية ثابتة بصريح النص.
ثانيها: أن جَعْلَ خوفِ الفتنة عِلَّةٌ لتحريمِ كشفِ الوجهِ وإيجاب ستره لم يرد فيه أي نصٍّ شرعي لا صراحةً ولا دلالة ولا استنباطًا ولا قياسًا، فلا يكون علة شرعية مطلقًا، بل هو علة عقلية، والعلة العقلية لا اعتبار لها في أحكام الشرع، إذْ إنَّ المعتبر هو العلة الشرعية ليس غير. وعليه فلا يقام أي وزن لخوف الفتنة في تشريع تحريم كشف الوجه وإيجاب ستره لأنه لم يرد في الشرع.
ثالثها: أن قاعدة: الوسيلة إلى الحرام محرمة، لا تنطبق على تحريم كشف الوجه لخوف الفتنة. وذلك لأن هذه القاعدة تقتضي أن يتوافر فيها أمران: أحدهما أن تكون الوسيلة موصلة إلى الحرام قطعًا، وكانت سببًا للحرام بحيث ينتج المسبب حتمًا ولا يتخلف عنه. والثاني أن يكونَ ما تؤول إليه قد ورد النص بتحريمه وليس مما يحرمه العقل. وهذا غير موجود في كشف الوجه لخوف الفتنة. إذ قالوا بستر الوجه لخوف الفتنة على قاعدة تحريم ما يكون سببًا لما هو حرام على فرض أن الفتنة تحرم شرعًا على من يفتتن به، لأنه ليس مما يؤول إليه قطعًا. على أن خوف الفتنة لم يرد نص يجعله حرامًا بل لم يجعل الشرع الفتنة حرامًا على من يفتتن به الناس، بل حرّم على الناظر نظرة افتتان أن ينظر، ولم يحرم ذلك على المنظور، كما ورد في الحديث الذي رواه أبو داود عن الفضل بن العباس والخثعمية، ومنه تبين أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم صرف وجه الفضل عن الخثعمية ولم يأمر الخثعمية بستر وجهها وكانت كاشفة له، فلو كانت الفتنة حرامًا على من يفتتن به لأمر الرسول الخثعمية بستر وجهها بعد أن تحققَ من نظرة الفضل إليها نظرة افتتان. لكنه لم يأمرها بل لوى عنق الفضل مما يدل على أن التحريم على الناظر لا على المنظور. وعلى ذلك فإن تحريم افتتان الناس بالمرأة على المرأة التي يفتتن بها لم يرد به نص، بل ورد النص بعدم تحريمه عليها، فلا يكون ما يؤدي إليه حرامًا حتى لو كان يؤدي إليه حتمًا.
وفي مطلق الأحوال إن اللباس، سواء كان للرجل أو للمرأة، يجب أن يهدف إلى أمرين: منع العري، وفرض الحشمة والحياء، وذلك حماية للكرامة الشخصية، وللظهور بمظهر اللياقة والاحترام بين الناس. وهذان الأمران قد أجمعت عليهما الإنسانية المتحضرة في مختلف أدوار حياتها، لأنهما مما يميز الإنسان من الحيوان في مظاهر حياته. وخصوصًا أن اللباس كان أول مرحلة انتقل بها الإنسان العاري إلى طور التحضُّر تمييزًا لنفسه الإنسانية من الحياة الحيوانية. وقد أقر الإسلام هذه المفاهيم الحضارية فجاء النص في القرآن الكريم: {يا بني أدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير} (الأعراف: 26). وعلى هذا فالإسلام يأمر بالتجمل في اللباس من غير إسراف على أساس من الحشمة والحياء، ولعلَّ ذلك أولى للمرأة من الرجل، حتى تبقى في حشمتها وحيائها موضعًا للاحترام والتقدير.
الإسلام وإباحة تعدد الزوجات
لا بد قبل بيان الغايات البعيدة من إباحة تعدد الزوجات في التشريع الإسلامي من الإشارة إلى أمر مهمّ وأساسي، ألا وهو أن تعدد الزوجات قد عرفته جميع النظم الاجتماعية، وأقرته جميع الشرائع السابقة لدى الغرب والشرق، بما في ذلك الديانة اليهودية التي هي في أصل الديانة النصرانية. فتعدد الزوجات كان مشروعًا في الأصل لدى الشرائع السماوية والأرضية ولم يكن محددًا بعدد معين، فإذا وجدت نصوص لدى اليهود أو لدى النصارى تمنع التعدد أو تحرّمه، فلا نخال تلك النصوص إلَّا مخالفة للشريعة التي أنزلت على موسى عليه السلام وعلى عيسى عليه السلام. وهذا الأمر لا يعني المسلمين من الناحية الشرعية، ولكن من واجبهم أن يلفتوا نظر العالم إليه، لأن الشرع الإسلامي عندما أباح تعدد الزوجات إنما كان بأمر من الله تعالى، وليس من صنع المسلمين أو من تفسير الفقهاء أو استنباط المجتهدين. وما أحلَّه الله تعالى في عليائه لا يمكن لبشري أن يحرّمه على الأرض، حتى لا يخالف أمر الله تعالى ويقع في المعصية.
إذًا فالشرائع السماوية قد أباحت جميعها، ومنذ عهد أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام وحتى خاتم النبيّين محمدٍ صلى الله عليه وآله وسلم، تعدد الزوجات. وجديد الإسلام أنه لم يترك هذا التعدد مطلقًا بل جاء يحدّده، ويضع له الضوابط والأصول بما يتوافق وحياة الإنسان في أهم وأنبل مشاعره، ونعني به الحياة الزوجية التي أرادها الإسلام أن تكون حياة نظيفة، صافية، ونقية طاهرة، بعيدة من الغش والفسق، ومن كل ما يسيء إلى كرامة الزوجين، وكرامة عائلتيهما وأبنائهما. كما أرادها أن تكون صادقة، خالية من التعقيد والحسرة، ومن التزمُّت القاتل في الحفاظ على عرى الزوجية على الرغم من وجود مشاكل كثيرة قد تعتور هذه الحياة، وتحيل حياة الزوجين إلى نكدٍ وتعاسة دائمين...
ومن هذه المنطلقات يُعدّ الزواج الصلة الشرعية بين الرجل والمرأة، وهو أفضل نظام تعاقدي منحه الله تعالى للجنس البشري من أجل الحفاظ على النوع، وتنظيم علاقة الرجل بالمرأة، وتنظيم العلاقات في المجتمع من حيث صلات المرأة بالرجل داخل بيتها وخارجه. ويُعدّ التشريع الإسلامي أفضل التشريعات على الإطلاق لأنه أحاط بنظام الزواج إحاطة تامة من جميع جوانبه، بما في ذلك إباحته لتعدد الزوجات من أجل غايات إنسانية، وغايات مجتمعية على حد سواء...
فالإسلام قبل كل شيء قد حضَّ على الزواج، ولم يَدْعُ إلى رهبانيةٍ أو إلى تبتُّلٍ لا نفع فيه للجنس البشري. وهذا رسول الإسلام محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم يسنُّ القاعدة التي تربط الزواج بأقدس شيء في حياة الإنسان، أي في معتقده الديني، قال صلى الله عليه وآله وسلم: "من تزوج فقد أكمل نصف دينه"... ومع ذلك فالإسلام لم ينشئ هو تعدد الزوجات كما قلنا، ولم يوجب هذا التعدد أو يفرضه فرضًا، لكنه أباحه إباحةً، وقرنه بالعدل والكفاية، فليس البحث إذًا عن تعدد الزوجات وهل هو واجب أو غير واجب، وهل هو من العلاقات المثالية، أو هو بعيد من كل مثالية، لا، ليس هذا ما يجب التركيز فيه، بل يجب فهم تعدد الزوجات على أنه حل لضرورات قد تواجه الإنسان في حياته، وبهذا المفهوم يتوافق تعدد الزوجات مع الشرائع التي لا تفرض من أجل العلاقات المثالية، وإنما تفرض لأحوال الضرورة، كما تفرض لأحوال الاختيار، بحيث يحسب فيها حسابُ ما يُقبل على الرضى، وما يُقبل على الكره، ولذلك يُسنُّ الحكم الشرعي حتى يتبين للإنسان المجال الذي يمكنه سلوكهُ أو اختياره، من أجل حياة أفضل.
بعد ذلك لنا أن نتساءل: كيف يبدو حكم الشريعة الإسلامية في تعدد الزوجات؟ قال الله تعالى في محكم كتابه العزيز: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا} (النساء: 3).
هذه الآية الكريمة نزلت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في السنة الثامنة للهجرة، وكان نزولها لتحديد عدد الزوجات بأربع كحد أقصى، وقد كان إلى حين نزولها لا حدَّ له. ومن تلاوتها وتفهمها نتبين أنها تعني أنَّ لكم أن تتزوجوا ما لذَّ لكم من النساء عن طريق الحلال (لأن الزواج هو عمل مشروع وحلال)، ويمكن لكم أن تتزوجوا اثنتين من النساء، أو ثلاثًا من النساء، أو أربعًا من النساء، ولكن لا يجوز أن يزيد هذا العدد على أربع نساء في حال الجمع.
هنا الإباحة واضحة في تعدد الزوجات، لكنها مشروطة بألَّا يزيد عدد النساء على أربع لدى الرجل، أي ليس مسموحًا له ولا مباحًا أن يجمع بين أكثر من أربع زوجات، وبهذا يكون الإسلام قد أقدم على معالجة أوضاع سابقة عندما حرَّم ما فوق الأربع زوجات، وأغلق بهذا التحديد ذلك الباب المفتوح سابقًا من غير تحديد.
والأمر الثاني في الآية الكريمة {فإن خفتم ألَّا تعدلوا فواحدة} هو العدل. أي إنكم إن خفتم، أي إن شعرتم وعلمتم، بأنه ليس لكم القدرة على العدل بين أربع زوجات، أو بين ثلاثٍ، أو بين اثنتين، فانكحوا واحدة فقط، وذروا الجمع أو الزواج من أكثر من امرأة واحدة. فالعدل بين الزوجات هو أمر أساسي، والأمر في تعدد الزوجات يدور كله مع هذا العدل، فإن قدرتم على هذا العدل فلا بأس من تعدد زوجاتكم إلى الأربع، وإلَّا فواحدة فقط، وذلك أقرب لعدم الجور، لأن العول هو الجور، وقد روت عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم "ألَّا تعولوا" أي "ألَّا تجوروا".
وهكذا يتكامل الحكم الشرعي في تعدد الزوجات، ليكون نظامًا مثاليًّا عندما يبيح هذا التعدد، ثم يحصره بأربع. إلَّا إنه ينهى عن هذا التعدد إن لم يرافقه العدل، إذ يرغب في هذه الحالة بالاقتصار على زوجة واحدة لأن الزواج من امرأة واحدة في حالة الخوف من عدم العدل هو نهي عن الجور، وعدم الجور هو ما يجب أن يتصف به المسلم.
والعدل ليس شرطًا في إباحة تعدد الزوجات، بل هو حكم شرعي آخر. ففي الآية الكريمة أولًا إباحة بتعدد الزوجات بأربع. هذا هو الحكم الأول. ثم جاء الحكم الثاني وهو أن الاقتصار على واحدة أولى وأفضل إذا كان الزواج بأكثر من واحدة يؤدي إلى عدم العدل أي إلى الجور.
ولكن ما العدل المطلوب بين الزوجات؟ هل هو العدل المطلق في كل شيء؟
الحقيقة أنه لا، وإنما هو العدل الذي يدخل في وُسعِ الرجل، كبشر، أن يتحمله أو يقوم به، لأن الله تعالى لا يكلف الإنسان بأكثر من طاقته واحتماله وذلك بقوله تعالى: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها}. وحتى لا يلتبس هذا الأمر على الناس فقد نزلت آية ثانية تفسّر معنى العدل بين النساء، وذلك قوله تعالى: {ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة} (النساء: 129). فالعدل المقصود في الآية الأولى هو العدل في الأمور والأشياء المادية، أي أن يسوّي الرجل بين زوجاته فيما يقدم لهن من السكنى، والكسوة، والطعام، والحلى، بحيث لا يخصُّ واحدة منهن بأكثر من أخرى في جميع الأمور المادية والحياتية... أما عدم الاستطاعة على العدل بين النساء، ولو حرص عليه الرجل وأراده، كما تدلُّ عليه الآية الثانية، فهو ما يتعلق بالأمور المعنوية مثل المحبة. فالله تعالى يبيّن لنا بأننا لا نقدر أن نؤمن هذا العدل، أي بأن نحب نساءنا جميعهن بالمحبة ذاتها والمقدار ذاته، فذلك خارج عن إرادتنا وعن استطاعتنا لأن الإنسان لا يقدر أن يتحكَّم في عواطفه، وبذلك فهو لا يستطيع أن يعدل في محبته بين نسائه. ويؤيد هذا المعنى ما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: {كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يُقَسِّمُ فيعدل، يقول: اللهم إن هذا قسمي في ما أملك، فلا تلمني في ما تملك ولا أملك" يعني قلبه. وروي عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله تعالى: {ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء} أنّ معناه عدم الاستطاعة في الحب والجماع، لأن الجماع يتأتَّى غالبًا من الميل أو من الحب، فعندما لا يملك الإنسان المساواة في الحب بين نسائه، فإنه لا يملك أمر مجامعتهن بالتساوي. إلَّا إن الله سبحانه وتعالى أمرنا بعدم الميل، كل الميل، إلى الزوجة التي نحب أكثر من غيرها، أي أنه سبحانه أباح للزوج الميل لامرأة من نسائه من دون الأخريات، لكنه نهاه أن يكون هذا الميل كليًّا بحيث يشمل كل شيء ماديًّا ومعنويًّا، فهو ميل متأتٍ عما يكنّه القلب أو النفس فقط، وما عداه يصبح داخلًا في دائرة الجور، أي بتفضيل إحدى النساء على الأخريات بطريقة طوعية وإرادية. فإن فعل الرجل ذلك، أي مال إلى واحدة من نسائه كل الميل أو ميلًا تامًّا في غير العاطفة، فإن من شأن ذلك أن يجعل المرأة كالمعلقة بحيث تكون كأنها ليست ذات بعل وليست مطلقة، أي المقصود إهمال المرأة إهمالًا كليًّا يجعلها متزوجة من رجل لا يقربها بشيء، وهذا ظلم لها. لذلك جاء النص القرآني بعدم الاستطاعة على العدل بين النساء ولو كان هنالك حرص من قبل الرجل لإيجاد مثل هذا العدل.
وعلى هذا يكون العدل الواجب على الزوج هو المساواة بين زوجاته فيما يقدر عليه. وأما ما يخرج عن إرادته وطوقه، وهو الميل أي الحب والاشتهاء، فإنه لا يجب العدل فيه. ويكون الإسلام قد جعل من تعدد الزوجات عبئًا ثقيلًا على الرجل بفرضه عليه العدل بينهن، فإن انتفى هذا العدل، بل إن خاف الرجل ألَّا يعدل فواحدة. ويكون الإسلام بذلك قد حرَّم التعدد مع عدم العدل، مع التأكيد على أن العدل المقصود هو العدل المادي، الذي لا علاقة له بالعواطف والأحاسيس القلبية والنفسية.
ويمكن لسائل أن يسأل: ما دام القرآن قد أباح تعدد الزوجات حتى أربع، فلماذا تزوج الرسولُ صلى الله عليه وآله وسلم بأكثر من هذا العدد.
هنالك عدة أمور توضح هذا الأمر، وتنفي هذا التساؤل، وهي:
1 ـــــــ إن تعدد زوجات الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بأكثر من أربع إنما كان قبل نزول التشريع الإلهي وتحديد العدد.
2 ـــــــ إن زواج الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من معظم زوجاته كان لأسباب تتعلق بالدعوة الإسلامية، إما لتأليف قلوب بعض السادة من العرب، أو للإصهار إلى بعض القبائل حتى يتعرفوا الإسلام ويدخلوا فيه، وإما البر بالمرأة التي فقدت زوجها وهو يقاتل المشركين، وإما رعاية لأطفال المسلم الذي استشهد في المعارك ورأفة بهم.
3 ـــــــ لم يطلق الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من زوجاته ما زاد على الأربع، بعد نزول التشريع الإلهي لأن ذلك بأمر من الله تعالى إذ حرَّم سبحانه على المسلمين أن ينكحوا أزواجه من بعده. لذلك ما كان للرسول صلى الله عليه وآله وسلم أن يطلّق ما زاد على الأربع حتى لا يكون هنالك من سبيل للزواج منهن من بعده. وقد جاء التنزيل في الآية 53 من سورة الأحزاب: {ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا}. وفي المقابل فإن الله تعالى فرض على رسوله الكريم عدم الزواج بعد نزول التشريع وتحديده بأربع من غير نسائه. ولا أن يتبدل بهن زوجات أُخر ولو أعجبه حسنهن، وذلك بقوله تعالى في الآية 52 من سورة الأحزاب: {لا يحل لك النساء من بعد، ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن}.
هذا هو تعدد الزوجات كما وردت به النصوص الشرعية. ومن دراسة هذه النصوص، والوقوف عند حد معانيها اللغوية والشرعية، وما تدل عليه، وما يستنبط منها، يتبين أن الله تعالى أباح تعدد الزوجات إباحة عامة، لكنه قيده بأربع في حال الجمع، كما قيده بالعدل، ثم نفى عن الإنسان استطاعة هذا العدل، وجعل الاقتصار على الواحدة أفضل من التعدد.
هذا من حيث النص الشرعي.
أما من حيث الواقع، فإن تعدد الزوجات يعالج الكثير من المشاكل التي تحصل في الجماعة البشرية بصفتها جماعة إنسانية. وهذه بعض الأمثلة من تلك المشاكل:
1 ـــــــ قد يكون الرجل ذا طبيعة غير عادية وعنده نهم جنسي بحيث يؤدي ذلك إلى إرهاق زوجته والإضرار بها، أو البحث عن نساء أخريات غيرها، فأيهما أفضل أن يكون مباحًا له الزواج أم تعاطي الجنس بصورة غير شرعية، مع ما في هذه الحالة من شيوع للفاحشة بين الناس، وإثارة الظنون والشكوك في أعضاء الأسرة؟ إن التفكير السليم يقود إلى اعتماد الحل الأول أي إباحة الزواج لهذا الرجل وأمثاله وذلك عن طريق الحلال الذي شرعه الله تعالى بدلًا من ارتكاب الزنى وإشاعة الفاحشة.
ورب لسائل أن يسأل: ولكن ما حكم المرأة التي تكون ذات طبيعة غير عادية ولديها نهم جنسي، وهي لا تستطيع الزواج من أكثر من رجل واحد في وقت واحد؟
والرد على هذا التساؤل هو أن جميع الشرائع والديانات تحرّم زواج المرأة من أكثر من رجل في آنٍ ، فيكون على هذه المرأة التعفف، وصيانة عرضها ومقاومة الشهوة لديها، وفي ذلك أجر كبير لها عند الله تعالى، واهب الطباع، ومكوّن الإنسان. أما أن تأتي الفاحشة وترتكب الزنى لإرواء شهوتها الجنسية فهذا فضلًا عن أنه حرام، يؤدي إلى اختلاط النسب بحيث لا يعرف الجنين الذي تحمله لأي رجل يعود...
ثم إننا لا نخال أي رجلٍ في العالم، وإلى أي ديانة انتمى، يقبل بأن يشاركه في زوجته رجل آخر، إلَّا إذا فقد الحمية والشرف، وفقد إيمانه الديني... وقد يبلغ به الأمر أن يقدم على قتل عشيق زوجته أو على قتلها هي، أو أن يطلقها أو يهجرها، وفي جميع الأحوال يكون في ذلك هدر لكرامة المرأة، وهدم للأسرة. من هنا كانت الحلول التي أوجدها الإسلام هي العلاج الشافي لأمراض المجتمع. فالتعفف هو خير علاج للمرأة ذات النهم الجنسي حتى لا تقع في الزنى، والزواج من امرأة ثانية أو ثالثة أو رابعة هو خير علاج للرجل حتى يروي غليله الجنسي...
2 ـــــــ قد تكون المرأة عاقرًا لا تلد، وهي تحب زوجها، وزوجها يحبها، ويسود حياتهما الانسجام والتوافق، ولكن قد يبقى في نفس الزوج حب الأولاد والرغبة في النسل، وهذا هو الميل الطبيعي لدى الإنسان، فبقاء هذا الزوج بلا أولاد قد ينغّص عليه حياته ويفقد البيت الهناءة الزوجية مع الأيام. كما أنه ليس من العدل أن توصد السبل في وجهه إذا كان هنالك من علاج لقهره النفسي... وهذا العلاج إما أن يكون بتطليق المرأة العاقر مع ما في ذلك من قضاء على الحب والهناءة الزوجية، وإما بإفساح المجال له للزواج من امرأة أخرى حتى تنجب له الأولاد، مع الإبقاء على زوجته الأولى، والحفاظ على كل ما كانا عليه من طيب عيش وسعادة. ولعلَّ هذا الحلّ الثاني هو الأقرب إلى العدالة وإلى معالجة المشكلة بدلًا من الإبقاء عليها. ولعلَّ في حياة أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام ما يدل على هذا الحل، إذ إن زوجته سارة كانت عاقرًا، وهي التي طلبت منه أن يتزوج من خادمتها هاجر حتى ينجب ولدًا تقرّ به عيناه، ويهنأ به خاطره. كما أن الواقع يثبت أن كثيرًا من الأزواج كانوا محرومين من الأولاد بسبب عقم زوجاتهم، وقد رزقهم الله تعالى المواليد بالزواج من نساء أخريات مع الاحتفاظ بزوجاتهم الأُوَل. وعاشت عائلات كثيرة، في مثل هذا الوضع، عيشة راضية بعد ولادة البنين. بل غالبًا ما تعتني المرأة العاقر بأولاد زوجها من الزوجة الأخرى، لأنها تحقق فيهم الأمومة التي كانت محرومة منها، مع ما تحمل هذه الأمومة من مشاعر إنسانية وعواطف نبيلة لا تعرفها إلَّا تلك النساء العاقرات.
3 ـــــــ قد تكون الزوجة مريضة مرضًا يتعذر معه الاجتماع الجنسي أو يتعذر عليها القيام بواجباتها البيتية، فتتعطل الحياة الزوجية بمقاصدها الحقيقية. وليس من المفروض في هذه الحالة إهمال المرأة أو الإقدام على طلاقها، كما أنه ليس من المفروض أن يعيش الزوج في حالة نكدٍ ويأس دائمين، فهل من غضاضةٍ لو فُتِحَ أمامه المجالُ فسيحًا كي يتزوج من امرأة أخرى حتى تستقيم حياة الرجل ويعود للبيت رونقه، ويحافظ على الزوجة المريضة والاعتناء بها؟ أم نهمل ذلك كله ونفرض على الزوج والزوجة حياة مليئة بالشقاء والتعاسة بحيث يفقد الزواج كل معنًى له؟
4 ـــــــ قد تحصل حروب أو أحداث تبيد الكثير من الرجال، وأحيانًا الملايين منهم، كما حصل في الحربين العالميتين الأولى والثانية، فيختل التوازن بين عدد الرجال والنساء، وتبقى كثير من النساء بلا أزواج، ولا بد من أن يؤدي ذلك إلى وقوع النساء في الرذيلة، وقد يلدن أطفالًا غير شرعيين. ولا سبيل للنساء إلَّا سلوك هذا المسلك إذا كانت القوانين تحرّم على الرجل الزواج بأكثر من امرأة. فإذا كان الحل لهذه المخاطر الاجتماعية بتعدد الزوجات فلمَ لا نسكله ونتبنّاه؟
5 ـــــــ قد يتفوق عدد النساء على الرجال بسبب سرعة البلوغ والنضوج المبكر عند الإناث وتأخره عند الذكور، بحيث لا يصل الرجال إلى مرحلة الزواج إلا وقد بلغ النساء أضعافهم أو زِدْنَ عليهم بنسبة كبيرة. وهذه الظاهرة موجودة في كثير من الشعوب والأمم، وحتى لا يؤدي ذلك إلى الإخلال وعدم التوازن في أوضاع المجتمع فإن أفضل السبل هو في إباحة تعدد الزوجات.
6 ـــــــ والظاهرة العامة أيضًا في حياة الجنس البشري أن المرأة لا تكاد تبلغ الخمسين من العمر حتى تتوقف عن الإنجاب، في حين تبقى للرجل قابلية التوليد مهما بلغ من العمر. وهذا يعني أن منع الرجال من الزواج بأكثر من امرأة لا بد من أن يُذهب هدرًا كثيرًا من الصلاحيات الممكنة للرجال، وكثيرًا من الطاقات التي كان يمكن توافرها عن طريق التوالد.
هذه أمثلة عن بعض المشاكل الواقعية التي تواجهها الشعوب والأمم. فإذا منع تعدد الزوجات بقيت هذه المشاكل من دون علاج، لأنه لا علاج لها ـــــــ في الأصل ـــــــ إلا بتعدد الزوجات. ومن هنا وجب أن يكون تعدد الزوجات مباحًا كما جاء به الإسلام، لأن هذا الدين القويم قد أباح مثل ذلك التعدد ولم يأتِ بوجوبه.
على أنه مهما كانت المشاكل فهي ليست علةً لتعدد الزوجات ولا شرطًا في جواز التعدد. فالأمر يتعلق بتشريع إلهي سواء حصلت مشاكل تحتاج إلى التعدد أم لم تحصل، ويكون النص القرآني {وانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع} قد جاء عامًّا من دون قيد أو شرط. أما الاقتصار على واحدة فقد رغب الشرع فيه في حالة واحدة وهي حالة الخوف من عدم العدل. ولعلَّ هذه الحالة تكفي بذاتها لتكون الأساس المتين ليس في العلاقة الزوجية فحسب، بل وفي جميع العلاقات بين الناس، كما يريدها الإسلام علاقات وثيقة قوامها العدل الإلهي.
ومع أن تعدد الزوجات هو حكم شرعي، وقد ورد النص عليه في القرآن الكريم، ومع أن الإسلام جعله أمرًا مباحًا وليس أمرًا واجبًا، فإن الغرب ما زال يقف ضد تعدد الزوجات ويحرّم في قوانينه هذا التعدد، بل يصوره تصويرًا بشعًا، لا لشيء إلَّا للنيل من الإسلام والدسّ على أحكامه الكاملة... هذا في الوقت الذي نجد الرجل في الغرب يتخذ له عدة خليلات، ويمارس معهن العلاقات الجنسية بطريق الحرام، تحت ستار الحفاظ على الحرية الشخصية للمرأة الغربية، والحفاظ على الحقوق والحريات العامة... فأي فارق شاسع بين الإسلام الذي يبني العلاقات الاجتماعية بين الرجل والمرأة على الصدق والأمانة، وعلى الحلال الذي شرعه رب العالمين، والغرب الذي لا يكترث لعلاقات الفسق والخيانة الزوجية، فيترك للرجل أن يتخذ من الخليلات ما شاء، ويترك للمرأة أن تعاشر من الرجال مَنْ تشاء!!... إن نظامنا الإسلامي هو الأسلم، وهو الأكثر عدلًا، والأكثر حفظًا للعلاقة بين الرجل والمرأة. بل هو الأشد للحفاظ على الكرامة الشخصية للمرأة حتى لا تكون مبتذلة، شأنها شأن السلعة الرخيصة التي تعرض في سوق العرض والطلب.
نعم إن نظامنا الإسلامي هو نظام إلهي، وأنَّى لأنظمة الأرض أن تداني نظامًا هو من عند الله تعالى، أو أن تسنَّ نظامًا يمكن أن يكون أفضل منه؟ لقد عاد الغرب إلى شيء من نظامنا في الطلاق عندما أقرَّ الزواج المدني، وأقرَّ حق الزوجين في الطلاق بمقتضى هذا النظام، وهو لا بد من أن يعود إلى نظامنا في تعدد الزوجات إن أراد تقويمًا للأخلاق، وذودًا عن العرض والشرف... وإلى أن يتحقق للغرب ذلك فليقلع أصحاب النوايا الخبيثة عن دسهم على الإسلام، وليوقفوا دعاياتهم المشوّهة لأعدل نظام وأشرفه في الحياة الزوجية، وليعلموا أن أفضل الشرائع طرًّا هي شرائع الله تعالى.
إن الإسلام كشرع، قد نصَّ على اتباع الحسن ونهى عن القبح، فما أباحه هو من الحسن وما حرَّمه هو من القبيح. وتعدد الزوجات سواء أكان له أثر ملموسٌ حسنٌ أم لم يكن، وسواء أعالج مشاكل تقع أم لم يعالج، فإن الشرع عندنا قد أباحَهُ، وقد نص عليه القرآن فصار فعلًا حسنًا، ومنع التعدد هو القبيح، وهو ما يتبع خارج نطاق شرع الإسلام.
وأخيرًا وبكل صراحةٍ ووضوحٍ نقول إذا شقي بعض الأفراد في المجتمع نتيجة زواجهم بأكثر من واحدة لأنهم لم يعدلوا، فذلك أفضل بكثير من أن يشقى المجتمع برمّته من عدم الزواج بأكثر من واحدة لأن أي مجتمع لا يباح فيه تعدد الزوجات تكثر فيه الخليلات، وعندها يعم الشقاء لكثرة اللقطاء الحاقدين على المجتمع.
المرأة والعمل
قد يبدو لبعضهم أن يسأل: كيف يتأتى للمرأة أن تقوم بأعمالها التي أباحها لها الشرع، مثل كونها موظفة في الدولة، وقاضيًا لفصل الخصومات، وعضوًا في مجلس الشورى تناقش الحكام وتحاسبهم، مع هذه القيود التي وضعها عليها من عدم الخلوة، وعدم التبرج، ومن عيشها في حياة خاصة مع النساء والمحارم؟
وقد يبدو لبعضهم الآخر أن يسأل كيف يُصان الخلق، ويُحافَظ على الفضيلة، إذا أُبيح للمرأة أن تغشى الأسواق، وأن تناقشَ الرجالَ، وتقوم بالأعمال في الحياة العامة وفي المجتمع؟
هذان السؤالان وأمثالهما من الأسئلة التشكيكية التي كثيرًا ما تبدو لأولئك وهؤلاء حين تعرض عليهم أحكام الشرع في النظام الاجتماعي، لأنهم يرون واقع الحياة التي يعيشونها في ظل حكم النظام الرأسمالي، وفي ظل راية الفسق فيصعب عليهم تصور تطبيق الإسلام.
والجواب عن هذه الأسئلة هو: أنَّ النظام الاجتماعي في الإسلام أحكامٌ شرعيةٌ متعددة، آخذٌ بعضها برقابِ بعض، ولا يعني طلب التقيد في حكم منها ترك التقيد في غيره. فلا بد من تقيد المسلم والمسلمة بأحكام الشرع جميعها، حتى لا يحصل التناقض في الشخص الواحد، فيبدو التناقض في الأحكام. فالإسلام لا يعني في إباحة الأعمال للمرأة أنْ تذهبَ إلى دائرة الدولة التي تعمل فيها موظفة أو إلى المستشفى حيث تعمل ممرضة، بعد أن تكون قد أخذت زينتها، وأعدَّت نفسها كأنها ستُزف في عرس، ثم تبرز مفاتنها للرجال بهذه الزينة المغرية كأنها تهتف بهم أن تهفو شهواتهم نحوها، ولا يعني أن تذهب إلى المتجر في مثل هذه الزينة تباشر البيع في حال من التطرّي والإغراء، وبأسلوبٍ من الحديث يغري المشتري أن يتمتع بمساقطتها الحديث في أثناء هذه المساومة، في سبيل أن تغلي عليه ثمن السلعة أو أن تغريه بالشراء، ولا يعني الإسلام أن تشتغل كاتبة عند محام، أو سكرتيرة لصاحب أعمال، وتترك تختلي به كلما احتاج العمل إلى الخلوة، وتلبس له من الثياب ما يكشف شعرها وصدرها، وظهرها، وذراعيها، وساقيها، وتبدي له ما يشتهي من جسمها العاري.
كلا لا يعني الإسلام شيئًا من ذلك، ولا أمثاله مما يحصل في هذه الجماعة التي تعيش في مجتمع غير إسلامي، تسيطر عليه طريقة الغرب في الحياة. بل يعني الإسلام أن يطبّق المسلم أحكام الإسلام كلها على نفسه. فحين أباح الإسلام للمرأة أن تباشر البيع والشراء في السوق منعها من أن تخرج إليه مبرجة، وأمرها أن تأخذ بالحكمين معًا. فالاعتقاد بالإسلام يحتم على المسلم تطبيق جميع أحكامه على نفسه. وقد شرع الإسلام أحكامًا كثيرة تشتمل على القيام بأعمال إيجابية، وأعمال سلبية، وكلّها تحفظ المسلم، رجلًا كان أو امرأة، من الخروج عن جادة الفضيلة، وتشكّل وقاية له من الانزلاق إلى الإثم حين يكون في الجماعة.
فمن الأحكام التي تشتمل على القيام بأعمال إيجابية ما يلي:
1 ـــــــ أمر الإسلام كُلًّا من الرجلِ والمرأة أن يغضوا من أبصارهم وأن يحفظوا فروجهم، فقال تعالى: {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون، وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن} (النور: 30 ـــــــ 31). وغضّ البصر من كل من الرجل والمرأة هو الحصانة الحقيقية لكل منهما. تلك الحصانة الذاتية التي تحول بينه وبين الوقوع في المحرمات، لأن البصر هو الوسيلة الفاعلة الموصلة لذلك. ومتى غضّ البصر فقد منع المنكر.
2 ـــــــ أمر الإسلام الرجلَ والمرأةَ بتقوى الله. قال تعالى: {يأيها الذين أمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا} (الأحزاب: 70). وقال: {واتقين الله إن الله كان على كل شيء شهيدا} (الأحزاب: 55). وقال {والعاقبة للتقوى} (طه: 132). ومتى اتصف المسلم بتقوى الله، فخاف عذابه، أو طمع في جنته ونوال رضوانه، فإن هذه التقوى تصرفه عن المنكر، وتصده عن معصية الله. وهذا هو الرادع الذاتي الذي ما بعده رادع. وإذا اتصف المسلم بتقوى الله فقد اتصف بأعلى صفات الكمال.
3 ـــــــ أمر الإسلام الرجلَ والمرأةَ أنْ يبتعدا عن مواطن الشّبهاتِ، وأن يحتاطا من ذلك حتى لا يقعا في معصية الله، وألّا يغشيا أي مكان، ولا يأتيا أي عمل، ولا يتلبسا بأي حالة فيها شبهة حتى لا يقعا في الحرام. قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إنَّ الحلالَ بيّنٌ والحرامَ بيّن، وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثيرٌ من الناس. فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه. ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه. ألا وإن لكل مُلْكٍ حمى، ألا وإن حمى الله محارمه".
والشبهة هنا تقع على ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يشتبه الشخص في الشيء هل هو حرام أم مباح؟ أو في الفعل هل هو فرض أم حرام أم مكروه أم مندوب أم مباح؟ ووجود هذه الشبهة في وصف الشيء، أو في حكم الفعل، لا يجيز له أن يقدم عليه حتى يتبين حكم الله فيه، فيقدم مطمئنًا إلى ما غلب على ظنه أنه حكم الله فيه، سواء أكان ذلك بعد اجتهاد له، أم بعد معرفته حكم الله فيه: إما من مجتهد، أو من عالم بالحكم، ولو كان مقلدًا أو عاميًّا، ما دام واثقًا بتقواه وعلمه في الحكم ذاته لا علمه مطلقًا.
والثاني: أن يشتبه عليه أن يقع بالحرام من فعله المباح، لمجاورة هذا الفعل للحرام، ولكونه مظنة أن يؤدي إليه، كبيعه عنبًا لتاجر يملك معامل خمر.
والثالث: هو اشتباه الناس بعمل مباح أنه عملٌ ممنوع، فيبتعد عن العمل المباح خشية أن يظن به الناس الظنون. وذلك كمن يمر من مكان مشبوه بالفساد، فيظن الناس به أنه فاسد، فخشية أن يقول الناس عنه ذلك يبتعد عن المباح. وكمن يتشدد في أن تستر زوجته أو محارمه وجوههن، وهو يرى أن الوجه ليس بعورة لكنه يتشدد خشية أن يقول الناس إن زوجة فلان أو أخته سافرة. وهذا المعنى فيه ناحيتان:
إحداهما: أن يكون الشيء الذي يشتبه الناس به أنه حرام أو مكروه هو بالفعل غير حرام أو مكروه شرعًا. ومن قيام الشخص بالعمل المباح يفهم الناس أنه قام بالعمل الممنوع. ففي هذه الحال يتقي الشخص العمل المباح خشية أن يظن الناس به، أو أنّ عليه أن يفسره لهم. "عن علي بن الحسين عليهما السلام أن صفية بنت حُيَيٍّ زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخبرته أنها جاءت رسول الله تزوره وهو معتكف في المسجد في العشر الغوابر من رمضان. فتحدثت عنده ساعة من العشاء ثم قامت تنقلب فقام معها النبي يقلبها، حتى إذا بلغت باب المسجد الذي عند مسكن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم مرّ بهما رجلان من الأنصار فسلّما على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم نفذا، فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: على رسلكما إنما هي صفية بنت حُيَيّ. قالا: سبحان الله يا رسول الله، وكبر عليهما ما قال: قال: إن الشيطان يجري من ابن آدم مبلغ الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما". ومعنى تنقلب (ترجع). ومعنى يقلبها (يرجعها). ويفهم من هذا الحديث أن الرسول دفع الشبهة التي قد توجد عند صاحبيه مع أنه صلى الله عليه وآله وسلم فوق الشبهات.
ثانيها: أن يكون الشيء الذي يشتبه الناس به أنه ممنوع هو في الحقيقة غير ممنوع، لكن الشخص خشية أنْ يقول الناسُ عنه أنه فعل الممنوع، يبتعد عنه لقول الناس لا لأنه ممنوع. ومثل هذا النوع من الشبهة لا يجوز الابتعاد عنه، بل على الشخص أن يقوم به على الوجه الذي أمر به الشرع، من دون أن يحسب حسابًا للناس. وقد عاتب الله الرسولَ على ذلك فقال تعالى: {وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه} مما يدل على أن المسلم إذا رأى أن الشرع لا يمنع الشيء فليفعله ولو قال الناس جميعًا إنه ممنوع.
هذه الشبهات التي نهى الشرع عنها إذا اتقاها الرجل والمرأة صانتهما من المعصية وجعلتهما يتصفان بالفضيلة.
4 ـــــــ حث الإسلام على التبكير في الزواج، حتى يحتاط في حصر هذه الشهوة الجنسية منذ بدء فوران الغريزة الجنسية. قال عليه الصلاة والسلام: "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج". وقد سهل أمر الزواج تسهيلًا كليًّا بأن حض على تقليل المهور. قال عليه الصلاة والسلام: "أقلكن صداقًا أكثركن بركة".
5 ـــــــ أمر الإسلام أولئك الذين لم تمكنهم ظروف خاصة من الزواج أن يتصفوا بالعفة ومنع النفس. قال تعالى: {وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله} (النور: 33). وأمرهم أن يصوموا علاجًا لغريزة الجنس حتى يستعان بعبادة الصوم على التغلب عليها، وإشغال النفس فيها هو أسمى وأرفع، وهو تقوية صلة الإنسان بالله بالطاعات. قال صلى الله عليه وآله وسلم: "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغضُّ للبصر، وأحْصَنُ للفرج. ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء". وليس الصوم لكبت الغريزة الجنسية، بل هو لإيجاد مفاهيم تتعلق بغريزة التدين يشغل بها الإنسان عن مفاهيم غريزة النوع، فلا تثور حتى لا تزعجه وتؤلمه. وليس المراد من الصوم إضعاف الجسم لأنَّ الأكلَ في الليل وأخذ الكمية المغذية تغني عن الأكل في النهار، فالإضعاف في الصوم غير محقق، لكن المحقق هو وجود المفاهيم الروحية من صوم التطوع.
6 ـــــــ أمر الإسلام النساء بالحشمة وبارتداء اللباس الكامل في الحياة العامة، وجعل الحياة الخاصة مقصورة على النساء وعلى المحارم. ولا شك في أن ظهور المرأة محتشمة جدية، يحول بينها وبين النظرات المريبة ممن لا يتقون الله.
وقد وصف القرآن هذا اللباس وصفًا دقيقًا كاملًا شاملًا، فقال بالنسبة إلى لباس النساء من الأعلى: {وليضربن بخمرهن على جيوبهن} (النور: 31). ومعنى هذه الآية هو: ليلوين أغطية رؤوسهن على أعناقهن وصدورهن، ليخفين ما يظهر من طوق القميص وطوق الثوب من العنق والصدر. وقال بالنسبة للباس النساء من الأسفل: {يدنين عليهن من جلابيبهن}. ومعنى الآية: يرخين عليهن أثوابهن التي يلبسنها فوق الثياب للخروج، من ملاءة وغيرها، يرخينها إلى أسفل. والمرأة حين تلبس هذا اللباس الكامل فتضرب بخمارها على جيبها أي تلوي غطاء رأسها على عنقها وصدرها، وحين تدني عليها، جلبابها أي ترخي ملاءتها إلى أسفل كي تستر جميع جسمها حتى قدميها، تكون قد لبست اللباس الكامل، وظهرت فيه حشمتها.
وقد بيَّن الله هذا التفصيل من لباس المرأة الكامل في هاتين الآيتين. ثم بيّن هذا المعنى نفسه في آية أخرى بنهي المرأة أن تبدي جسمها، إلا ما لم يذكر في هاتين الآيتين، وهو الوجه الذي يظهر من كون الخمار يلوى على العنق والصدر لا على الوجه، ثم الكفّان، لأنه لم يرد في تغطيتهما نص. نعم بيَّن هذا المعنى فقال: {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها} أي لا يظهرن من أعضائهن التي هي محل الزينة إلا الوجه والكفين، لأنها هي التي كانت تظهر أمام الرسول، وكانت تظهر في الحياة العامة في عصر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم. وبهذا البيان للباس المرأة يمكن أن يدرك ما هو لباس المرأة المسلمة الذي أمرها الله تعالى أن تظهر فيه بين الجماعة، وهذا هو اللباس الكامل الذي يمكنها من مباشرة أعمالها، مع منتهى الحشمة والوقار.
هذه هي الأحكام الشرعية التي تشتمل على القيام بأعمال إيجابية.
أما الأحكام الشرعية التي تشتمل على أعمال سلبية فمنها ما يلي:
1 ـــــــ منع الإسلام كلًّا من الرجل والمرأة من الخلوة أحدهما بالآخر، والخلوة هي أن يجتمع الرجل والمرأة في مكان لا يمكِّن أحدًا من الدخول عليهما إلا بإذنهما، كاجتماعهما في بيت أو في خلاء بعيدين عن الطريق والناس. فالخلوة هي الاجتماع بين اثنين على انفراد يأمنان فيه وجود غيرهما معهما. وهذه الخلوة هي الفساد بعينه. لذلك منع الإسلامُ منعًا باتًّا كلَّ خلوةٍ بين رجلٍ وامرأة غير محرمين مهما كان هذان الشخصان، ومهما كانت هذه الخلوة. قال صلى الله عليه وآله وسلم: "لا يخلونَّ رجل بامرأة فإنَّ ثالثهما الشيطان". وبمنع الخلوة اتخذ الشرعُ الوقاية بين الرجل والمرأة. وواقع الخلوة أنها هي التي تجعل الرجل لا يعرف في المرأة غير الأنثى، وهي التي تجعل المرأة لا تعرف في الرجل غير الذكر. وبمنع هذه الخلوة تحسم أسباب الفساد، لأن الخلوة من الوسائل المباشرة للفساد.
2 ـــــــ منع الإسلام المرأة من التبرج حيث نهى عنه. قال تعالى: {والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة} (النور: 60) فنهى القواعد من النساء عن التبرج حين شرط عليهن في وضع الثياب التي سمح بوضعها أي بخلعها عنهن أن يكون ذلك من غير تبرج. ومفهومه نهي عن التبرج. وإذا كانت القواعد قد نهيت عن التبرج فإن غيرهن من النساء منهيّات عنه من باب أولى. وقال تعالى: {ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن} (النور: 31) فإن مثل هذا يُعدّ تبرجًا. والتبرج هو إظهار الزينة والمحاسن للأجانب. يقال تبرجت المرأة: إذا أظهرت زينتها ومحاسنها للأجانب.
وواقع التبرج أنه يدعو إلى إذكاءِ العواطف وإثارة غريزة النوع للاجتماع الجنسي عند الرجل والمرأة على السواء. وهو يدعو إلى تحرش الرجال بالنساء تحرشًا يجعل التقريب بينهما على أساس الذكورة والأنوثة. ويجعل الصلة بينهما صلة جنسية، ويفسد التعاون بينهما إفسادًا يجعله تعاونًا على هدم كيان الجماعة لا على بنائها. ويحول هذا التبرج بين التقريب الحقيقي الذي أساسه الطهارة والتقوى. وهذا التبرج يملأ فراغ الحياة بالعواطف المشبوبة وبغريزة النوع المثارة، وما يكون للحياة أن تملأ إلّا بالتبعات الجسام، والأمور العظام، والهموم الكبار، لا أن تصرف إلى إشباع جوعات الجسد بما يثيره التبرج من هذه الجوعات، ويحول بها بين المسلم، رجلًا كان أو امرأة، وأداء رسالتهِ في الحياة، وهي حمل الدعوة الإسلامية والجهاد في سبيل إعلاء كلمة الله. ولهذا كان لا بد من تقدير خطر التبرج على الجماعة الإسلامية، وتقدير ما في التبرج، عندما تتبدى فيه الأنثى للذكر تهيجه وتهتف به، من خطر على الجماعة وعلى صلاتها. هذا هو التبرج الذي حرمه الإسلام، وهذا هو واقعه وما فيه من خطر على الجماعة الإسلامية. أما إظهار المحاسن والزينة في البيت وفي الحياة الخاصة فلا يُعدّ تبرجًا ولا ينطبق عليه لفظ التبرج.
3 ـــــــ منع الإسلام كلًّا من الرجل والمرأة من مباشرة أي عمل فيه خطر على الأخلاق، أو فساد للجماعة. فتمنع المرأة من الاشتغال في كل عمل يقصد منه استغلال أنوثتها. فعن رافع بن رفاعة قال: "نهانا صلى الله عليه وآله وسلم عن كسب الأمة إلا ما عملت بيديها. وقال: "هكذا" مشيرًا بأصابعه نحو الخبز والغزل والنقش" فتمنع المرأة من الاشتغال في المتاجر لجلب الزبائن، والاشتغال بالسفارات والقنصليات وغيرها بقصد الاستعانة بأنوثتها على الوصول إلى أهداف سياسية، وتمنع من أن تشتغل مضيفة في طائرة، وما شاكل ذلك من الأعمال التي تعمل فيها المرأة بقصد استخدام أنوثتها.
4 ـــــــ نهى الإسلام عن قذف المحصنات أي عن رميهن بالزنى. قال تعالى: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون} (النور: 4). وقال: {إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم} (النور: 23). وقال رسول الله صلى عليه وسلم: "اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: وما هن يا رسول الله؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرّم الله، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات". والمراد من المحصنات هنا العفائف فكل عفيفة يحرّم قذفها. وفي هذا النهي عن رمي المحصنات يُسكت الشرع الألسن التي تعودت أن تتحرك بالسوء، وأن تلغ في أعراض الناس، حتى لا تشيع قالة السوء في الجماعة الإسلامية ولا يشيع الاتهام بالباطل. وفي هذا صيانة للجماعة الإسلامية.
فهذه الأحكام الشرعية التي تشتمل على القيام بأعمال سلبيةٍ تجعلُ الجماعةَ الإسلامية، مهما حصل بينها من تعاون، سائرة في هذا التعاون في حدود الطهارة والتقوى.
وبهذا كله يمكن أن يتصورَ الإنسانُ الجماعةَ الإسلاميةَ ما هي، ويمكن أن يدركَ المرأةَ المسلمةَ ما هي، ويمكنه أن يرى أن قيامَ المرأة في الحياة العامة بالأعمالِ التي أباحها الشرعُ لا ينجم عنه أي فساد، ولا يؤدي إلى أي ضرر، بل هو ضروري للحياة العامة ولرقي الجماعة. ولهذا كان لا بد للمسلمين من أن يتقيدوا بأحكام الشرع سواء كانوا في دار إسلام أم في دار كفر، في بلاد إسلامية أو في بلاد غير إسلامية، بين جماعة المسلمين أو غيرهم، وأن يقدموا على الأعمال التي أباح الشرع للمرأة أن تقوم بها، ولا يخشون من ذلك بأسًا، فإنَّ في العمل بأحكام الشرع صيانة للمرأة، وترقية للجماعة، وإطاعة لأوامرِ الله ونواهيه. فالشرعُ أعلم بما يصلح الإنسان، فردًا أو جماعة، في الحياة الخاصة والعامة.
هذه خلاصةُ النظامِ الذي عالج به الإسلامُ الاجتماعَ الذي تنشأ عنه مشاكل وهو اجتماع الرجال بالنساء. ومن هذا النظام يتبين أن الأحكام الشرعية التي جاء بها كفيلة في منع الفساد الذي قد ينشأ من هذا الاجتماع، وفي جلب الصلاح الذي تتوافر فيه الطهارة والتقوى والجد والعمل. وهو يضمن حياة خاصة يسكن إليها الإنسان وتهدأ بها نفسه ويرتاح فكره من العناء، ويضمن حياة عامةً تكون جدية منتجة موفرة للجماعة ما تحتاجه في حياتها من سعادة ورفاهية. وهذه الأحكام هي الجزء الأهم من النظام الاجتماعي، لأنها تنظم الاجتماع بين الرجل والمرأة.
أما ما ينشأ عن هذا الاجتماع من علاقات، وما يتفرع عنه من مشاكل، فإن ذلك جزء آخر من النظام الاجتماعي، وهو كالرضاعة والنفقة وما شاكلها تجدون أبحاثها في كتب الفقه.
وأخيرًا نلخص ما تقدم ذكره من النظام الاجتماعي في الإسلام بالأمور التالية:
1 ـــــــ الأصلُ في المرأة أنها أم وربة بيت، وهي عرض يجب أن يصان.
2 ـــــــ الأصل أن يَنْفَصِلَ الرجالُ عن النساء في المجتمع الإسلامي، ولا يجتمعون إلا لحاجة يقرها الشرع ويقر الاجتماع من أجلها.
3 ـــــــ (أ) للمرأة الحق في أن تُزَاوِلَ التجارةَ والصناعةَ والزراعةَ، وأن تتولى العقودَ والمعاملات، وأن تملكَ كل أنواع الملك، وأن تنمي أموالها، وأن تباشر شؤونها في الحياة بنفسها.
(ب) يجوز للمرأة أن تُعَينَ في وظائف الدولة، وفي مناصب القضاء، وأن تَنْتَخِبَ وتُنْتَخَبَ في مجلس الشورى، وأن تَشْتَرِكَ في انتخاب الخليفة ومبايعته.
(ج) لا يجوزُ أن تتولى المرأة الحكم، فلا تكون خليفةَ ولا قاضيًا في محكمةِ المظالم ولا واليًا ولا عاملًا ولا تباشرُ أيّ عملٍ يُعدّ من الحكم.
4 ـــــــ تُمنعُ الخلوةُ بغير محرم، ويُمنعُ التبرجُ أمام غير محرم، ويُمنعُ الاختلاط.
5 ـــــــ يمنع كل من الرجل والمرأة من مباشرة أي عمل فيه خطر على الأخلاق أو فساد المجتمع.
سياسة التعليم
الأساس الذي يقوم عليه منهج التعليم في الإسلام يجب أن يكون مبنيًّا على أساس العقيدة الإسلامية. والغاية منه تكوين الشخصية الإسلامية وتزويدها بالعلوم والمعارف المتعلقة بشؤون الحياة. وعلى الدولة أن تُوجِبَ تعليم الثقافة الإسلامية في جميع مراحل التعليم. أما الثقافة غير الإسلامية فيدرس منها في مرحلة الدراسة الثانوية ما لا يتناقض مع الإسلام.
وأما العلم فَيُدْرَسُ بحَسَبَ الحاجة، ولا يُقَيّدُ بأيّ مرحلة من مراحل التعليم.
وأما الفنون والصناعات فتدخل في العلم، كالتجارة والملاحة والزراعة، فتؤخذ من دون قيد أو شرط، وقد تدخلُ في الثقافة، كالتصوير والنحت والموسيقى، فلا تؤخذ إذا تناقضت مع وجهة نظر الإسلام.
وينبغي أن يكونَ برنامج التعليم واحدًا، ولا يُسْمَح بوجود برامج تختلف عن برامج الدولة. كما ينبغي أن تكون جميع المدارس للدولة، ولا يسمح بوجود مدرسة أجنبية أو طائفية أو أهلية. والتعليمُ إجبَاريّ ومجانيّ للجميع في المرحلتين الابتدائية والثانوية، ويفسح مجال التعليم العالي مجانًا للجميع، والدولة تعمل على مكافحة الأمية وتثقيف من فاتتهم الثقافة في سن التعليم.
والدولة تُعدّ التعليم كالتطبيب فكما أنها لا تسمحُ بالمتاجرةِ بالأرواح، فإنها أيضًا لا تسمحُ بالمتاجرةِ بالعقول، أي بإيجاد مستشفيات خاصة ومدارس خاصة.

الخَاتمة
هذا هو التصوُّرُ الكاملُ لِنظام الحكم في الإسلام كما طُبِّقَ في عصر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وخُلَفَائِهِ الراشدين والذي يجب أن يطبّق اليوم في العالم الإسلامي.
بقي أنْ نَلفِتَ أنظارَ الدُّعاةِ والحكَّام المسلمين إلى قضيّةٍ مهمة جدًّا تُمَارَسُ وَتُطَبَّق حاليًّا في بعض البلاد الإسلامية، وهذه القضية تتناول مسألة عدم التميز بين الدستور والقانون، أي مسألة عدم التفريق بين الأحكام العامّة والأحكام الجزئية، وكيفية تطبيق الأحكام الإسلامية.
ونحن نوضح هاتين المسألتين وفقًا للمفهوم الإسلاميّ فيما يلي:
الدستور والقانون وعلاقة كل منهما بالآخر.
من المعروف أنَّ كلَّ دُول العالم اليوم، تُحكمُ بموجب دساتيرَ وقوانينَ مكتوبة أو عرفية سواء كانت من الدول الغربية أو من الدول الشرقية، أو كانت من الدول التي تُسَمَّى بالعالم الثالث الذي منه العالمُ الإسلاميّ. فما واقعُ هذه الدساتير والقوانين؟ وما علاقة بعضها ببعض؟
اصطلح الناسُ على تسمية الأسس أو القواعد العامَّة للتشريع ـــــــ سواءٌ تناولت أمورًا سياسةً أو اجتماعيةً أو اقتصادية ـــــــ المتعلقةِ بحقوق الأفراد وواجباتهم، والتي تحدِّد شكل الدولة، وتنظِّم السلطاتِ العامةَ وتعيِّن اختصاصاتها، والتي يُبنى عليها تنظيمُ المجتمع بأسره... اصطلحوا على تسمية تلك القواعدِ العامّةِ بالدستور أو القانون الأساسيّ. أما التشريعاتُ والأنظمةُ التفصيليةُ التي يجري بموجبها تطبيقُ أحكام الدستور (مثل حق الانتخاب والترشيح، وقوانين الملكية الخاصة والعامة، وتنظيم الإدارات العامة، والمؤسسات العامة، وسياسة العمالة والأجور، وقوانين النقد، وقوانين الجرائم والعقوبات إلخ...) فهي ما يعرف باسم القوانين. وهذه القوانين يجب أن تكون متوافقةً مع أحكام الدستور، وغيرَ مناقِضةٍ أو مخالفةٍ له بشيء، وإلّا عُدت قوانينَ غيرَ دستوريّة، وكانت عرضةً للإبطال في كل وقت، ولا سيما في الدول التي تطبّق نظام الرقابة الدستوريَّة على القوانين.
لذا نرى أن القوانين إنما تنتج من الدساتير، وهي تكمِّل أحكامها العامة، وذلك من خلال القواعد التطبيقية أو التنفيذية لتلك الأحكام. وعلى هذا الأساس فإن القوانينَ الإسلاميةَ يجب أن تكون منبثقةً عن الدستور الإسلاميّ المجسَّد في أحكام القرآن الكريم، والقوانين الديموقراطية يجب أن تنبثقَ عن الدساتير الديموقراطية، سواء كانت هذه الدساتير ناتجةً من الفكر التحرريّ الغربيّ، أو من الفكر الماركسيّ.
وما دام الأمر كذلك فلا يعقل أن تطبّقَ الولاياتُ المتحدةُ الأميركيةُ قوانينَ ماركسيّةً (أو شيوعيّةً) لأنها ذاتُ دستورٍ ديموقراطيٍّ تحرريٍّ، وكذلك لا يمكن أن يُطبّقَ الاتحادُ السوفياتيُّ قوانينَ إسلاميّةً لكون دستوره اشتراكيًّا شيوعيًّا.
والأمر هو نفسه بالنسبة إلى الدولة الإسلامية، فلا يجوز لها أن تسنَّ قوانينَ ديموقراطية تحرريّةً كانت أو ماركسيةً، وتقولَ بأنَّ تلك القوانينَ منبثقةٌ عن دستورها الإسلاميّ، كما لا يعقلُ أن تدّعيَ بأنها تطبّق قوانينَ إسلاميّةً ناتجةً من دستورٍ ديموقراطيٍّ، أو في ظلِّ نظامٍ للحكم ديموقراطيٍّ، ثم تتصور بعد ذلك أنها دولةٌ إسلاميّةٌ تطبّقُ شرعَ الله تعالى!
أمَّا لماذا كان ذلك غيرَ معقول؟
فذاك لأن الدستورَ، كما تبيَّن من واقعه، هو القانونُ الأساسيُّ، أي هو الأصلُ الذي تَتفرَّع عنه أو تبنى عليه سائرُ القوانين الأخرى، من أجل أن تكون مهمّةُ هذه القوانين تسييرَ علاقات الدولة والمجتمع، وتأمينَ النظام العام، ودائمًا طبقًا لأحكام الدستور. فكان حتميًّا أن تتجانسَ القوانينِ التفصيلية أو التنظيمية مع الدستور، وتنتجَ منه، ثم تعملَ على مراعاة وحفظ قواعده، حتى لا يقعَ التناقض، وتحدثَ الفوضى في علاقات الدولة والمجتمع. فإذا ما أرادت دولة من الدول ـــــــ في العالم الإسلاميّ ـــــــ أن تطبقَ بعض القوانين المأخوذةِ عن الشرع الإسلاميّ، وكان دستورُها، أو قانُونها الأساسيّ، ديموقراطيًّا رأسماليًّا أو ماركسيًّا، فإن مثلَ هذا التطبيق سوف يُحدث تناقضًا وخللًا في تسيير علاقات المجتمع، وسوف تجد الحكومة نفسها عاجزةً فعلًا عن إيجاد الحلول الناجحة للمشكلات التي يتخبّط بها المجتمع... وما ذلك إلَّا لأن القوانينَ التي تسنُّها سوف تحمل في مضامينها أحكامًا متناقضةً مع الأصل الذي يجب أن تنبثق عنه أي الكتاب والسنّة، وسوف يقع في النهاية على عاتق هذه القوانين أعباءُ المشاكل الناجمة في الأساس عن علاقاتٍ غيرِ إسلامية، ولا يُفترضُ وجودُها في مجتمعٍ إسلاميٍّ، لأن هذا المجتمع يجب أن يطبِّقَ الدستور الإسلاميّ، الذي تنبثقُ عنه وحده القوانينُ الشرعيّة.
إذًا فَسَنُّ القوانين الشرعيّةِ في ظلِّ نُظُمٍ تحكمها دساتيرُ ديموقراطيّةٌ رأسمالية، هو تطبيقٌ خاطئٌ، ما دام هنالك تناقضٌ في الأساس بين الأصل وفروعه. وهذا ما يجعل القوانينَ الشرعيّةَ، في مثل هكذا تطبيقٍ، تبدو عاجزةً عن مواجعة مشاكل العصر، ولا تتّسمُ بطابع المصداقية التي يعوّل عليها.
ولنأخذْ بعض الأمثلة على ذلك:
المثال الأول: من المفروض أن الأحكام أو القوانين الشرعيّة يجب أن تطبق على الجميع حُكَّامًا ومحكومين من دون أدنى تمييز. أي إنَّ ما يُطبّق على الحاكم يُطبّق على سائر الرعية، فلا يأخذ أحدٌ شيئًا من بيت المال، حاكمًا أو محكومًا، أكثر من نصيبه الشرعيّ. فإذا كان الدستور المعمول به في البلاد ديموقراطيًّا، يكون بمقتضاه لبعض أصحاب المناصب، مثل أعضاء رئاسة الدولة، أو الوزراء، أو النواب، حصانةٌ دستوريةٌ تحميهم في حالات معيَّنة، وتكرّس لهم معاملةً خاصة، تختلف عمًّا يُعاملُ به سائرُ الرعية... وهنا تظهر القوانين الشرعيّة وكأنها تتسم بالمحاباة والتميُّز، وعدم العدالة والمساواة، في حين أنها بعيدة كل البعد من هذه الأمور، التي أجازها دستورٌ ديموقراطي، يتناقض في وجوده مع القوانين الإسلامية، التي أريد لها أن تُطبق في ظل هذا الدستور.
المثال الثاني: يُعدّ العرفُ في الدساتير الديموقراطيّة أحدَ مصادر التشريع. فما يتعارف عليه الناس في وقت من الأوقات، يُصبح بمنزلة قاعدةٍ دستورية، أو قانونٍ غير مكتوب. فإذا اعتمدنا هذا المنطق التشريعيّ، بات من غير الجائز التعرضُ لما تعارف عليه الناس في أيامنا هذه من تبرج النساء في الطرقات، واختلاط الجنسين، وما يدخل في مفهوم الحرية الشخصية، وحرية الرأي، والفن والثقافة، وما تبثُّه وسائلُ الإعلام المرئيةُ وغيرُ المرئية، مما يشكل في كثير منه إثارةً جنسيّةً ويؤدّي إلى تفشِّي الزنى في المجتمع... وبمثل هذه الأعراف، ومثل هذه العلاقات المجتمعية، ماذا يستطيع الحكم الشرعيّ أن يفعل؟ فإذا عاقب الحكم الشرعي الزانيَ، ثم ترك من دون عقاب كلّ مَنْ يقومون بالأفعال المنافية للحياء والمخلة بالآداب العامة، فسوف يظهر الحكم الشرعيّ عاجزًا عن معالجة هذه المشكلة أو غيرها من المشاكل الأخرى، في حين أن القوانين لم توضع في الأصل لمعالجة المشاكل، بل للتصدي لآثار تلك المشاكل ونتائجها.
ومثال ثالث: إن النظامَ الاقتصاديَّ الحرَّ يُعدّ أن الثمن هو الذي ينظِّم توزيعَ الثروة في البلاد بين المواطنين. وهذا يعني أن المواطن الفرد الذي يكون عاجزًا، حكمًا أو فعلًا، عن الحصول على الثمن، لا يستطيع أن يحصلَ على ما يحتاجه من هذه الثروة لتأمين حاجاته الضرورية وحاجات من يعول من أفراد أسرته، وقد تضطره الحاجة إلى الاختلاس أو الرشوة أو السرقة أو تحصيل قُوتِهِ كإنسانٍ ـــــــ من مصادرَ غير مشروعة. ففي هذه الحال، وعند تطبيق الأحكام الشرعية في ظل النظام الاقتصادي الحر، يجب أن يعاقبَ هذا المواطن وفقًا للقانون الإسلامي، في حين أنه في الشرع الإسلامي يجب معالجةُ مشكلته أولًا والسعيُ لتأمين ما يكفيه هو وَمَنْ يعوله من بيت المال، فإذا اختلس بعد ذلك كان عقابه عدلًا.
هذه مجرَّد أمثلة للتناقض أو العجز الذي ستظهر به القوانين الإسلامية إذا طبّقت في ظل دستور ديموقراطي. ولو فرضنا جدلًا أن القوانينَ الشرعيةَ استطاعت أن تُخفيَ آثارَ بعض المشاكل في ظل الدستور الديموقراطيّ، كاختفاء السكارى من الطرقات، أو انزجار المجرمين خوفًا من العقوبة الرادعة، فهذا قد يصرف الأنظار عن إلغاء الدستور الديموقراطي المطبّق لاستبداله بالدستور الإسلاميّ، ما دامت الأمور تصير إلى أفضل... أما إذا ازدادت الأمور تعقيدًا، وتفاقمت المشاكل، وهذا هو الأمر الحتميّ، فإنَّ سخْط الناس سينصبّ على القوانين الشرعية، لأن الناس يرَون أنها هي التي تباشر رعايةَ شؤونهم اليوميةِ ومعالجةَ مشاكلهم، من دون أن يُدركوا أن السببَ الحقيقيَّ الذي جعل القوانين الشرعية عاجزةً ومتناقضةً هو كونُها تُطبَّق في ظل دستورٍ ديموقراطيٍّ ينافي الشرع الإسلاميّ.
نعم إن مثل هذا الوضع يؤدّي إلى إساءة تطبيق أحكام الشرع وإلى تشويهها، وسوف ينجم عن ذلك الشعور بالإحباط بين الناس، والنفورِ من تلك الأحكام، اتجاه عام قد يصل إلى حد المطالبة بإلغاء القوانين الشرعيّة أو السكوت عمَّن يعمل على إلغائها، كما حَدث بعد تطبيق بعض الأحكام الشرعية الإسلامية في السودان، وفي بعض البلاد الإسلامية... وهذا بالذات ما تَسعى إليه أكثرُ القيادات الإسلاميّة بخبثٍ ودهاءٍ، لأن هذه القياداتِ لا تريد حقيقةً إجازة الدستور الإسلامي، بل هي مدفوعةٌ لتطبيق الشريعة الإسلامية دفعًا من قبل قواعدها الشعبية المسلمة، هذه القواعد التي تزداد إصرارًا كل يوم على تطبيق شرع الله تعالى كاملًا ومن دون تجزئة، لأنها في وعيها، وضميرها، تعرف بأن الإسلام لا يسمح بالتطبيق الجزئيّ، أو بما يسمّى أيضًا بالتدرج، لأن مثل هذا التطبيق هو عبارة عن ترقيع للأثواب المهلهلة، فتلك الأحكام يكون عليها في ظاهرها مسحة إسلامية، في حين أنها في أعماقها بعيدةٌ كلّ البعد من الإسلام. وإن أيَّ حكم من هذا القبيل إنما يصحُّ فيه قول الشاعر:
نُرَقَّعُ دُنيانا بِتَمْزيقِ دِينِنا فلا دِينُنا يَبقى ولا ما نُرَقِّعُ
هذا فيما يتعلق بالدستور والقوانين، فماذا عن التدرج في تطبيق أحكام الشرع؟
لا يجوز التدرج في تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية، والأحكام في الشريعة الإسلامية نوعان:
نوع منوط تنفيذه بالحاكم مثل إقامة الحدود، وقيادة الجيوش، والإشراف على علاقات الدولة بغيرها من الدول، والرعاية الإلزامية لشؤون الأمة في الداخل والخارج إلخ... ونوع منوط تطبيقه بالأفراد كالمعتقدات والعبادات والمطعومات والملبوسات والمعاملات والأخلاق وغيرها.
وهذا النوع الثاني من الأحكام مفروضٌ على المسلمين أن يلتزموا به سواءٌ كانوا يعيشون في دارِ إسلامٍ أم في دارٍ غير إسلاميّة، وسواءٌ كانت هناك دولةٌ إسلاميّة أو لم تكن. فالمسلم الذي يعيش في فرنسا مثلًا، يجب عليه أن يلتزم بجميع أحكام الإسلام كالمسلم الذي يعيش في ظل دولة الخلافة، وكالمسلم الذي يعيش الآن في لبنان أو في مصر أو في تركيا أو في إيران أو في أي بلد في العالم، فإذا وجد المسلم تضييقًا عليه يمنعه من ممارسة الأحكام الإسلامية المفروضة عليه شرعًا، وجب عليه أن يهاجر إلى مكانٍ آخرَ يستطيع أن يؤدِّيَ فيه ما أوجبه الله تعالى عليه، وقد قال تعالى: {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمى أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا، إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا، فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا} (النساء: 97 ـــــــ 99).
فهذه الآيات الكريمة عامةٌ، وهي تُخَاطِبُ مَن أقام بين ظهراني المشركين، أو بين ظهراني مَن يَحولون بينه وبين الالتزام بأحكام دينه، وهو قادر على الهجرة. فهذا المسلم الذي لا يتمكن من إقامة الدِّين هو ظالم لنفسه إن لم يهاجر إلى أرض أخرى. والرخصة الوحيدة بموجب هذه الآيات الكريمة هي فقط لمن يعجز عجزًا حقيقيًّا عن الهجرة.
فإذا كان الأمر كذلك بالنسبة إلى مسلم يعيش في دارٍ غير إسلامية، وهو ملزم بتطبيق الأحكام الإسلامية كاملة، فكيف الحال بغيره من الذي يريدون أن يتنصَّلوا من هذه الأحكام بذريعة تطبيقها بالتدرج. كما هي الحال ـــــــ مع الأسف ـــــــ عندما نسمع بأن هناك من يُفتي شارب الخمرة بتركها تدريجًا إن وجد صعوبة في تركها دفعة واحدة؛ أو عندما نرى مَن يُفتي المتعامِلَ بالربا بأنه يجوز له أن يأخذ الفوائد المستحقة على أمواله في البنوك ويوزّعَها على المحتاجين أو في سبيل عملٍ يعتقده خيرًا؛ أو من يُفتي تارك الصلاة بالذهاب إلى المسجد ولو يوم الجمعة لأداء صلاة الجماعة، أو أن يصلّيَ، على الأقلِ، في شهر رمضان لأنه شهر العبادة، وكل ذلك بحجة أن هذا التطبيقَ الجزئيَّ، أو التخفيفَ في أداء الواجبات من شأنه أن يُرَغَّبَ فيه بهذه الوسائل!... حالَ كونِ مثلِ هذه الفتاوى ليست من الدِّين في شيء، سواء أُعطيت عن سوء نيَّةٍ أو عن حُسن نيَّة.
أما النوع الأول من الأحكام، وهو ما نِيط تنفيذُه بالحاكم، فالمفروض على الحاكم أن يلتزم بالأحكام الشرعية كما نزلت من عند الله تعالى التزامًا صارمًا. وهذا الالتزام الصارم بالأحكام الشرعية كانت قد وقعت عليه البيعة بين المسلمين والخليفة، إذ كانوا يبايعونه ويبايعهم على الحكم بكتاب الله تعالى وسنَّة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم.
وهنا أيضًا، وفيما يتعلق بهذا النوع من الأحكام، هناك من يقول بأنه يجوز للحاكم المسلم أن يتدرّجَ في تطبيق أحكام الإسلام، ويجوز له أن يطبِّقَ ما تيسَّر منها، ويؤجِّلَ تطبيق ما فيه صعوبةٌ حتى تصبح الظروفُ مناسبةً. وهناك بعض المسؤولين يعملون الآن بهذه النظرية (أي نظرية التدرّج)، كما أن بعض الحركات الإسلامية في العالم الإسلاميّ تدعو لهذه النظرية، وذلك بسَنِّ قوانينَ ديموقراطيةٍ مطعَّمةٍ ببعض أحكام الشريعة الإسلامية!... وقد نسي هؤلاء وهؤلاء أن الدِّين الإسلاميَّ كلٌّ لا يتجزأ، وأنَّ حَلال محمد صلى الله وعليه وآله وسلم حلالٌ إلى يوم القيامة، وأنَّ حَرامه حرامٌ إلى يوم القيامة.
فالقول بالتدرج مخالفٌ للإسلام، وهو تخبُّط ما أنزل الله به من سلطان، سواء كان في الأحكام الفردية التي يجب أن يطبّقها الأفراد، أو في الأحكام العامة التي من المفروض على الحاكم تنفيذها على سائر الناس. ويتضح ذلك من عمل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإنه لم يقبل أن يُعفيَ قبيلةَ ثقيفٍ من بعض الأحكام (ومنها الصلاة) ولم يقبل أن يؤجلَ هدم صنمهم "اللَّات" شهرًا واحدًا، بل رفض ذلك بشكل حاسم.
على أن الحجة التي يتذرَّع بها أصحاب نظرية التدريج هي دعواهم بأن الله تعالى لم يحرِّم الخمرة دفعةً واحدةً بل حرَّمها بالتدريج. والحقيقة هي على خلاف ذلك تمامًا، ذلك أن الخمرة حُرِّمت لمجرَّد نُزول الأمر الإلهيِّ باجتنابها، فأَمْرُهُ ذاكَ كان أمرًا وُجوبيًّا لأنها رجسٌ من عمل الشيطان، والرجسُ وعملُ الشيطان لا ينزل أمرُه سبحانه بتركهما تدريجًا، ولذلك جعلَ عليها حدًّا يُقام على شاربها كما جعل الحدَّ على الزاني والزانية وغيرهما، {ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه} (الطلاق: 1)... فَوِجْهَةُ النظر التي تقول بأن الآياتِ المتعلقةَ بالخمر إنما نزلت بتحريمٍ تدريجيٍّ لها، هي وجهة خاطئةٌ من دون أدنى ريب، وهي تقوم على تفسيرٍ خاطئٍ لما تضمنته الآيات القرآنية الكريمة. ففي الآية 67 من سورة "النحل" بيانٌ للرزق الحسن والرزق السيّئ، جاء تدليلًا على قدرة الله تعالى بأنه خلق للناس ثمرةً يمكن أنْ يصنع منها الإنسان رزقًا سيئًا (سَكَرًا) أو رزقًا حسنًا (فائدة الثمرة)، فلم يعرض سبحانه للتحريم هنا، وكانت الآية الكريمة حكاية حالِ تلك الثمرة. والآية 219 من سورة البقرة جاءت بتفصيلٍ شاملٍ عن الخمر والميسر، وبيانِ ما في الخمر والميسر من أضرارٍ أو منافعَ للناس، ولكن مع تأكيد على أن ضررَهما أكبرُ من نفعهما... أمّا في الآية 43 من سورة النساء فقد ورد الزجر عن أداء الصلاة عند فقدان الوعي والإدراك الكاملين لما للصلاة من قدسيَّةٍ بالغةٍ عند رب العالمين، إذِ الصلاة هي الصلة المباشرة بين العبد وربِّه، وعليه أن يكون في أثنائها على أتم استعداد، وأقصى تأهب، لأنه يقف في حضرة البارئ عزَّ وجل. فالنهي عن اقتراب الصلاة يكون واقعًا في كل حالةٍ لا يكون فيها العبد بكامل وعيه وإدراكه مهما كان السبب الذي يبعده عن هذا الوعي وذلك الإدراك، سواء كان السُّكر أو غيره، وهنا أيضًا لا نجد أمرًا بتحريمٍ للخمر، بل نجد بيانًا للحالة التي ينبغي أن يكون عليها المصلِّي.
فتحريم الخمر قد نزل في السنة الرابعة للهجرة، وبعد غزوة بني النضير، وذلك في قوله تعالى: {يأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان، فاجتنبوه لعلكم تفلحون إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون} (المائدة: 90 ـــــــ 91).
وقبل نزول هاتين الآيتين المباركَتين، كانت الخمرةُ لا تزال متداولةً بين السملمين. ولو كان فيها تحريمٌ جزئيٌّ من قبلُ لَكان الرَّسول الأعظم نهى عنها فورًا، لأن الحرامَ حرامٌ لا يقبل التجزئة، والحلالَ حلالٌ لا يقبل التجزئة. ولن يُقبل من مسلمٍ قولٌ بأن تحريم الخمر إنما نزل على دفعات لأن في ذلك تعدِّيًا على حقيقة الحكم الشرعيّ، وطعنًا له في الصميم... وإن أيَّ حُكمٍ شرعيٍّ إنما هو منزَّه وبمنأى عن الطعن، لأنه حكم من رب العالمين، فكيف إذا كان هذا الحكم يتعلق به حدٌّ من حدود الله؟ {وتلك حدود الله فلا تقربوها}!... فالخمرة حرامٌ بِحُكْمٍ مُنزلٍ من الله في الشرع الإسلامي، وتحريمها كان بِحُكْمٍ شرعيٍّ لا تجزئة فيه ولا تدريج، وعندما نزل هذا التحريم من الله عزَّ وعلا اندفع المسلمون إلى زقاق الخمر يكسرونها، ويريقون ما فيها لأنها رجسٌ من عمل الشيطان... وهذا تأكيدٌ جديدٌ أيضًا على تحريم الخمرة دفعة واحدة. فهي رجس من الشيطان اللعين، عدوِّ الله، وعدوِّ المؤمنين... فهل يمكن القولُ بتجزئة الرجس؟. أم يمكن محاربةُ الشيطان بالتدريج؟!... فَلْيعقلِ المؤمنون إذًا ما في هذا الادِّعاء من خبثٍ على الإسلام، وعلى المسلمين، وَلْيَعلموا أن حُكمَ الله تعالى يبقى كما نزل من عنده، ولا مهادنةَ، ولا تجزئة، ولا تدريج فيه!...
وقد يدَّعي القائلون بالتدريج بحُكم الضرورة وبصعوبة الظروف... ونحن نقول لهم: هناك فرق بين الاضطرار والظروف الصعبة، إذ قد وردت رخصة في حالة الاضطرار، وفي حالة الإكراه، ولم ترد رخصة في حالة الظروف الصعبة.
أما الاضطرار فقد وضع الأئمة قاعدته: "الضرورات تبيح المحظورات". وهذه القاعدة مأخوذة من الآيات التي تحدثت عن المطعومات، مثل قوله تعالى: {فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم} (المائدة: 3). أو قوله تعالى: {فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم} (النحل: 115). وقد وردت خمسُ آيات في القرآن الكريم بهذا المعنى، وجاءت كلها توكيدًا لتحريم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أُهلَّ به لغير الله. فهذه القاعدة لا بد من تقييدها بالطعام، ومن الخطأ إطلاقُها في كل شيء.
أما الاضطرار بمعنى الإكراه فإن واقعَهُ مختلفٌ وله أدلة أخرى. أما واقعُه فهو واقعُ الإكراه الملجِئ، أي أن يصبح المكرَهُ في وضع من العذاب النفسيّ أو التعذيب الجسديّ، أو التهديد الذي يتوقع أن يهلكَ أو يُصابَ بأذًى بليغ ـــــــ كشللٍ دائم أو قطع يدٍ أو رِجْل، أو إطفاء البصر، أو إذهاب السمع ـــــــ وسواء وقع هذا الإكراه على الشخص نفسه، أو على أحد أفراد عائلته أو أحد أعزائه.
فهذا الإكراه المعنوي أو المادي يشكل رخصة. كما حصل مع عمار بن ياسر رضي الله عنه ونزل في حقه قوله تعالى: {إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان} (النحل: 106). وكما ورد في الحديث الشريف: "رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأْ والنِّسْيَانُ وَمَا اسْتُكْرِهوا عَلَيْهِ". وأما الظروف الصعبة فإنها لا تشكِّل رخصةً شرعيةً ـــــــ لا للحاكم ولا للفرد ـــــــ تُمَكِّنُه من أن يرتكبَ الحرام لا في تدريج ولا في غير تدريج، فإن الظروفَ الصعبة دواؤها الصبر. وقد قال تعالى يمتدح المؤمنين: {والصابرين في البأساء والضراء، وحين البأس} (البقرة: 177) وقال عزَّ وجلَّ: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب} (البقرة: 214). وجاء في الحديث الصحيح عن خباب بن الأرث، "قال: قلنا يا رسول الله: ألا تستنصر الله لنا، ألا تدعو الله لنا؟... فقال: إن مَن كان قبلكم كان أحدُهم يوضَعُ المنشارُ على مفرق رأسه فَيَخْلُصُ إلى قدمَيهِ لا يصرفه ذلك عن دِينه، ويُمَشَّط بأمشاط الحديد ما بين لحمه وعظمهِ لا يَرفه ذلك عن دِينه".
ومع أن الرخصةَ حاصلةٌ في الحالات التي ذكرها الحديث (لأنها كلَّها تشكل إكراهًا فيه القضاء على الحياة) فإنَّ الرَّسولَ صلى الله عليه وآله وسلم فضَّل الصبرَ والأخذ بالعزيمة...
مما تَقَدَّمَ يتبيَّن أنه وردت علينا ـــــــ نحن معشرَ المسلمين ـــــــ أفكارٌ يرفضها دِينُنَا، ومنها فكرةُ التدرُّج في تطبيق الأحكام الشرعية بدلًا من تطبيقها الكليِّ والفوريِّ، ومنها الإصلاح الترقيعيّ بدل التعبير الانقلابيّ، ومنها التقارب والاتحاد بين المسلمين بدل الاندماج والوحدة التامة بينهم، ومنها مسايرة الواقع الفاسد بدل الثورة عليه... فلا يجوز أن نأخذ بهذه الأفكار الدخيلة على عقيدتنا، وعلى حياتنا الإسلامية، بل يجب التمسكُ بكتاب الله تعالى وسنَّة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وبعد ذلك فلن نضلَّ أبدًا.
وهكذا، وبالأحكام الإسلاميَّة التي تُحَدِّدُ نظامَ الحكم، والاقتصادَ، والاجتماعَ، واستنادًا إلى العلاقات القائمة في العالم الإسلاميّ، والعالم الديموقراطيّ الرأسماليّ، والعالم الماركسيّ الاشتراكيّ، نجد أن النظام الإسلاميَّ الشاملَ للحكم والاقتصاد والاجتماع غيرُ مطبّقٍ في الوقت الحاضر تطبيقًا كاملًا، بل نجده غير واضحٍ وغير محدَّدٍ في المجال العلميّ للحياة.
ولذا، قَدَّمت في هذا الكتاب أحكامًا محدَّدةً واضحةً، مستمدَّةً من كتاب الله تعالى وسنَّة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وإجماع الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، حتى يتمكنَ المسلمُ وغيرُه من تمييزِ واختيارِ الأحكام التي يقيم عليها علاقاته في المجتمع الذي يعيش فيه... وأرجو الله سبحانه وتعالى أن أكون قد وُفِّقت في عملي هذا، هو ـــــــ وحده ـــــــ وليُّ التوفيق.



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB