نظام الاسلام
الطبعة : الطبعة الاولى  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   639
تاريخ النشر :   2010




النّظَام الاقتصَادي في الإسْلَام

يقوم النظام الاقتصادي في الإسلام على أربع قواعد:
1 ـــــــ المال لله. قال تعالى: {وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} (النور: 33).
2 ـــــــ الجماعة مستخلفة فيه. قال تعالى: {وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} (الحديد: 7).
3 ـــــــ كنزه حرام. قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} (التوبة: 34).
4 ـــــــ تداوله واجب. قال تعالى: {كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ} (الحشر: 7) أي كي لا يقتصر تداوله على الأغنياء فقط.
ويميز النظام الإسلامي من النظام الديمقراطي الرأسمالي ومن النظام الاشتراكي الشيوعي أن ملكية المال في الإسلام محددة بالكيف وغير محددة بالكم.
وفي النظام الاشتراكي الشيوعي هي محددة بالكم وغير محددة بالكيف.
وهي في النظام الديمقراطي الرأسمالي غير محددة بالكيف وغير محددة بالكم.

النظام الاقتصَاديْ
كلمة الاقتصاد مشتقة من لفظ إغريقي قديم، معناه "تدبير أمور البيت" بحيثُ يشتركُ أفراده القادرون في إنتاج الطيبات، والقيام بالخدمات، ويشترك جميعُ أفرادهِ في التمتع بما يحوزونه. ثم تَوَسّعَ الناسُ في مدلول البيت، حتى أطلق على الجماعة التي تحكمها دولةٌ واحدة. وعليه فلم يعد المقصود من كلمة "اقتصاد" المعنى اللغوي وهو التوفير، ولا معنى المال، وإنما المقصودُ هو المعنى الاصطلاحي لمسمّى معين، وهو تدبيرُ شؤون المال: إما بتكثيره وتأمين إيجاده، ويبحث فيه علم الاقتصاد، وإما بكيفية جبايته، وكيفية توزيعه، ويبحث فيه النظام الاقتصادي.
وإذا كان علم الاقتصاد والنظامُ الاقتصادي يبحثانِ في الاقتصادِ، فإنهما شيئان مختلفان متغايران، ومفهوم أحدهما يختلف عن مفهوم الآخر. فالنظام الاقتصادي لا يتأثر بكثرةِ الثروة ولا بقلتِها، بل لا يتأثر بها مطلقًا. وكثرةُ الثروةِ وقلتها لا يؤثرُ فيها شكل النظام الاقتصادي بوجهٍ من الوجوه. وعليه كان من الخطأ الفادح جعل الاقتصاد موضوعًا واحدًا يبحث كونه شيئًا واحدًا. لأن تدبيرَ أمور الجماعة، من حيث توفير المال أي إيجاده، شيء، وتدبير أمور الجماعة، من حيث توزيع المال المدبر، شيء آخر، ولذلك يجب أن يُفْصَلَ بحث تدبير المال عن بحث تدبير توزيعه، إذ الأول يتعلقُ بالوسائل، والثاني يتعلق بالفكر، وعدم الفصل بينهما يؤدي إما إلى الخطأ في إدراك المشاكل الاقتصادية المراد معالجتها، وإما إلى سوء فهم العوامل التي تُوفر الثروةَ أي توجِدُها في البلاد.
ولهذا يجب بحث النظام الاقتصادي كونه فكرًا يؤثر في وجهة النظر في الحياة ويتأثر بها، وبحث علم الاقتصاد كونه علمًا، ولا علاقة له بوجهة النظر في الحياة. والبحث الأهم هو النظام الاقتصادي لأن المشكلة الاقتصادية تدورُ حول حاجات الإنسان، ووسائل إشباعها والانتفاع بهذه الوسائل. وبما أن الوسائلَ موجودة في الكون فإن إنتاجها لا يسببُ مشكلةً أساسية في إشباعِ الحاجاتِ، بل إن إشباعَها يدفعُ الإنسانَ إلى إنتاج هذه الوسائل أو إيجادها. وإنما المشكلة الموجودة في علاقات الناس ناشئة عن تمكين الناس من الانتفاع بهذه الوسائل، أو عدم تمكينهم. أي في موضوع حيازة الناس لهذه الوسائل. فيكون ذلك أساس المشكلة الاقتصادية وهو الذي يحتاج إلى علاج. وبناء عليه، فالمشكلةُ الاقتصادية آتية من موضوع حيازة المنفعة لا من إنتاج الوسائل التي تُعطي هذه المنفعة.
أساس النظام الاقتصادي
المنفعةُ صلاحيةُ الشيء لإشباع حاجة الإنسان. وتَتَكَوّن من أمرين:
1 ـــــــ أحدهما: مبلغ ما يشعر به الإنسان من الرغبة في الحصول على شيء معين.
2 ـــــــ الثاني: المزايا الكامنة في الشيء ذاته، وصلاحيتها لإشباع حاجة الإنسان، لا حاجة فرد معين. وهذه المنفعة يمكن أن تكون ناجمة عن جهد الإنسان أو عن المال أو عنهما معًا. وبما أن المال هو الذي يشبع حاجات الإنسان، وأن الجهد الإنساني وسيلة للحصول على المال عينًا ومنفعة، لذلك كان المال أساس المنفعة، وأما جهد الإنسان فهو من الوسائل التي تُمَكّنُ من الحصول عليه.
ومن هنا كان الإنسانُ، بفطرته، يسعى جهده للحصولِ على المال ليحوزه، وعليه فإنّ جهد الإنسان، والمال، هما الوسيلتان اللتان تستخدمان لإشباع حاجات الإنسان، وجمع الثروة التي يسعى للحصول عليها. وحيازة الأفراد للثروة تتأنى إما من أفراد آخرين وإما من غير الأفراد، وتكون إما حيازة للعين استهلاكًا وانتفاعًا، وإما حيازة لمنفعة العين، وإما حيازة للمنفعة الناجمة عن جهد الإنسان. وهذه الحيازة بجميع ما تصدق عليه إما أن تكون بعضو كالبيع وإجارة المال وإجارة الأجير، وإما بغير عوض كالهبة والإرث والعارية.
وعلى ذلك فالمشكلةُ الاقتصاديةُ لا تتعدى حيازة الثروة وليست في إيجاد الثروة. وهي تأتي من النظرة إلى الحيازة أي الملكية، ومن سوء التصرف في هذه الملكية أي من سوء توزيع الثروة بين الناس. ولا تأتي من غير ذلك مطلقًا.
ولهذا كانت معالجة هذه الناحية أساس النظام الاقتصادي.
وعلى ذلك فالأساس الذي يقومُ عليه النظامُ الاقتصادي مبني على ثلاث قواعد هي:
1 ـــــــ الملكية، أو الكيفية التي يجب على الإنسان أن يحوز بها المنفعة الناجمة عن الخدمات أو السلع.
2 ـــــــ التصرف في الملكية، أو الكيفية التي يجب أن يتصرف بها الإنسان بهذه الخدمات أو السلع.
3 ـــــــ توزيع الثروة بين الناس، أو توزيعُ الخدماتِ والسلع على الناس.
الملكية من حيثُ هي: هي ملكية لله كونه مالك الملك من جهة، وكونه قد نص على أن المال له. قال تعالى: {وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} (النور: 33). وهكذا نجد أن الله سبحانه حين يبينُ أصل الملكية يضيفُ المال إليه فيقول {مَّالِ اللَّهِ}، وحين يبين انتقال الملكية إلى الناس يضيف الملكية إليهم فيقول: {فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} (النساء: 6)، {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ} (التوبة: 103)، {فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ} (البقرة: 279)، {وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا} (التوبة: 24). غير أن حقّ الملكية هذا جاء بالاستخلاف قال تعالى: {وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ} (الحديد: 7). وقد جاء الاستخلاف عامًّا لجميع بني الإنسان فلهم حق الملكية لا الملكية الفعلية، وهم مستخلفون في حق التملك. أما الملكية الفعلية للفرد المعين فقد شرط الإسلام فيها الإذن من الله تعالى للفرد المعين بالتملك. ولهذا فإن المال إنما يملكه بالفعل من أذن له الشارع بتملكه، ويكون هذا الإذن دلالة خاصة على أن هذا الفرد قد أصبح له حق الملكية للمال.
وقد بين الشرع أن هناك ملكية فردية، ولكل فرد أن يتملك المال بسبب من أسباب التملك.
وهناك ملكية عامة للأمة كلها. قال عليه الصلاة والسلام: "الناس شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار".
وهناك ملكية الدولة، فإن كل من مات من المسلمين ولا وارث له فماله لبيت المال أي ملك للدولة.
وأما التصرف بملكية الدولة وملكية الفرد فواضح في أحكام بيت المال وأحكام المعاملات من بيع أو رهن أو غير ذلك. وقد أجاز الشارعُ للدولة وللفرد التصرف بملكيتهما بالمبادلة والصلة وغير ذلك بحسب الأحكام التي بيّنها الشرع.
أما توزيع الثروة بين الناس فإنه يجري في أسباب التملك وفي العقود طبيعيًّا. غير أن تفاوت الناس في القوة وفي الحاجة إلى الإشباع يؤدي إلى تفاوت توزيع الثروة بين الناس. ويجعل احتمال الإساءة في هذا التوزيع موجودًا، فيترتب على هذه الإساءة في التوزيع تجمع المال بين يدي فئة وانحساره عن فئةٍ أخرى، كما يترتب عليها كنز أداة التبادل الثابتة وهي الذهب والفضة. ولذلك جاءَ الشرع يمنع تداول الثروة بين الأغنياء فقط ويوجب تداولها بين جميع الناس، وجاء يمنع كنز الذهب والفضة ولو أخرجت زكاتهما.
وهنالك فرق بين أسباب تملُّك المال وتنمية المال. فالعقود من بيع وإجارة من الأحكام المتعلقة بتنمية الملك أي بتنمية المال، والعمل من صيد في البر والبحر من الأحكام المتعلقة بتملك المال. فأسباب التملك هي أسباب حيازة الأصل، وأسباب تنمية الملك هي أسباب تكثير أصل المال.
وأما معنى الملكية: فهو أن يكون للفرد سلطان على ما يملك للتصرف فيه.
نظرة الإسلام إلى الاقتصاد
تختلف نظرةُ الإسلام إلى مادّةِ الثروة عن نظرته إلى الانتفاع بها، وعندَه أن الوسائلَ التي تُعطي المنفعة شيء، وأن حيازةَ المنفعة شيءٌ آخر. فالمال وجهد الإنسان هما أداة الثروة، وهما الوسيلتان اللتان توجدان المنفعة. ووضعهما في نظر الإسلام من حيث وجودهما في الحياة الدنيا، ومن حيث إنتاجهما، يختلف عن وضع الانتفاع بهما، وعن كيفية حيازة هذه المنفعة. فالإسلام حَرّمَ الانتفاع ببعض الأموال كالخمر والميتة، كما حرّمَ الانتفاع ببعض جهود الإنسان كالرقص والبغاء. وحرم بيعَ ما حرّمَ أكله من الأموال، وحرّم إجارة ما حرّم القيام به من الأعمال.
هذا من حيث الانتفاع بالمال والجهد. وأما من حيث كيفية حيازة الثروة، فقد شَرّعَ أحكامًا متعددة لحيازتها كأحكام الصيد، وإحياء الموات، وأحكام الإجارة والإرث والهبة والوصية. هذا بالنسبة إلى الانتفاع بالثروة وكيفية حيازتها، أما بالنسبة إلى مادة الثروة من حيث وجودها، ومن حيث إنتاجها فإن الإسلام لم يتدخل فيها مطلقًا، فالمال موجود في الحياة الدنيا وجودًا طبيعيًّا، وخلقه الله سبحانه وتعالى مسخرًا للإنسان. قال تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً} (البقرة: 29)، وقال: {وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ} (الجاثية: 13)، وقال: {وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} (الحديد: 25). فبيّن في هذه الآيات وأشباهها أنه خلق المال وخلق جهد الإنسان، ولم يتعرض لشيء آخر يتعلق به، مما يدل على أنه لم يتدخل في مادة المال وجهد الإنسان لكنه بيّن أنه خلقهما لينتفع بهما الناس.
وكذلك لم يتدخل في إنتاج الثروة، فلا يوجد نَصّ شرعي يَدُلّ على أن الإسلام تدخل في إنتاج الثروة. بل على العكس من ذلك فإن النصوصَ الشرعية تدل على أن الشرع ترك الأمر للناس في استخراج المال، وفي تحسين جهد الإنسان. روي أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قال في موضوع تأبير النخل: "أنتم أدرى بأمور دنياكم"، وروي أنه أرسل اثنين من المسلمين إلى اليمن ليتعلّما صناعة الأسلحة. وهذا يدل على أن الشرعَ ترك أمر إنتاج المال إلى الناس، ينتجونه بحسب خبرتهم ومعرفتهم.

المَال
لا ريبَ في أن المالَ هو عصبُ الحياةِ، كما يقال، وهو ذو أثر مهم في حياة الناس، لأن علاقاتهم لا تقوم على الروابط الروحية فحسب، بل كذلك على تأمين مصالحهم المادية. وهذا الأثر ينطبق على حياة الفرد، كما ينطبق على حياة الجماعة... وإذا كانت هنالكَ أنظمة متعددة، وطرق شتى لتحصيل المال وإنمائه، وكيفية إنفاقه، فلا بد من معالجة هذه النواحي وفقًا للمفاهيم الإسلامية، على اعتبار أن الإسلامَ كما هو دين، فهو أيضًا نظام للحياة، ورسالة ذات نهج وهدف لتنظيم العلاقات والمالح بين الناس على أسس وقواعد، تكفل في حال تطبيقها أفضل السبل وأصلحها على الإطلاق. وهذا لن يكون إلا من خلال دولة إسلامية، وقد جعلها الإسلام ذاته "دولة خلافة" ذات شكل مميز وطراز فريد، تختلف عن أشكال جميع الدول الأخرى بعناصرها، وأجهزتها، ودستورها، وقوانينها التي تقوم على تطبيق أحكام كتاب الله تعالى، والعمل بسنّة رسول الله، تلك الأحكام التي يجب على الخليفة بل على الأمة الإسلامية جمعاء، الالتزام بها، وتنفيذها لأنها من شرع الله تعالى وليست من تشريع البشر.
وقد أناط الإسلام بدولة الخلافة القيام برعاية شؤون الأمة، ومن هذه الشؤون إدارة أموالها إن من حيث التحصيل أو من حيث الإنفاق. وقد بيّنت الأدلة الشرعية مصادر موارد الدولة المالية، وأنواع هذه الموارد، وكيفية تحصيلها وطرق إنفاقها. كما بيّنت سُبُلَ تملُّك المال من قبل الأفراد، ومعنى الملكية الفردية، والملكية العامة، وكيفية إنماء المال، وكل ما يتعلق بالأموال الخاصة والعامة.
وإنه لمن الضروري جدًّا أن يعرف الناس نظرة الإسلام إلى المال من أجل خيرهم جميعًا. صحيح أن المال هو العصب الحساس في الحياة، وهو يحرك الأمم والشعوب، ويقيمها ويقعدها، كما أنه يفجر الحروب، ويدكّ العروش، تمامًا كما ينشئ المدنيات وينشر الحضارات ويفتح الآفاق أمام الناس، إلَّا إنه على الرغم من ذلك كله يجب أن يأخذ حجمه الطبيعي في التقييم، فلا يلهث الإنسان وراءه، ويفني العمر في اجتنائه من دون أن يذوق طعم الراحة والهناء... لذلك فإن أول حقيقة يجب أن يؤمن بها الإنسان هي أن المالَ في دنيا الأرض مهما كان نوعه، ومهما كان مقداره، هو في حقيقته مال الله تعالى، لكنه استخلف به الإنسان على الأرض، فوجب أن يكون وسيلة لا غاية لذاته، ووجب أن يستخدمه الإنسان بما يرضي الله تعالى مالك الملك، أي بأن يحقق المال الخيرَ العامَّ والخيرَ الخاصَّ، في دنيا الناس أجمعين...
هذا ما جاءَ به الإسلام وما أرادَه. وهو بذلك يُعدّ أعظم شريعة في مقابل الشرائع الأخرى التي نجدها محكومة بمادّية جائرة، ومسخّرة لأهواء المستغلين ومطامعهم بالدرجة الأولى، أي لفئة قليلة من البشر على حساب الآخرين جميعًا، في حين أن الإسلام سخَّر كل مُسخَّر، من مالٍ وغيره، لخير البشرية كلها، وذلك من أجل أن يرفع شأن الإنسان، ويعلي قيمته، ولكي يمكّنه من تحقيق إنسانيته، فلا يكون عبدًا للمال، ولا لطواغيت المال من المحتكرين والمستغلين بل هو عبدٌ لله رب العالمين... وما أعظمَ الإنسانَ عندما يتصل بربه اتصال معرفة وعبودية، حيث الاستقرار والرفاهية، وحيث الاطمئنان والسعادة، وحيث يحظى برضوان الله تعالى في الدارين الأولى والآخرة.
وعلى هذا الأساس سوف نبحث في ماهية المال، وحاجة الإنسان إليه، لنحدد بعد ذلك معنى الملكية الفردية، وأسباب التملك، ومن ثم نتعرف الطرق التي تجري بوساطتها تنمية المال، وكيف تتكوَّن الملكية العامة، والنظام المالي الذي يجب أن يسود العالم، ويسير عليه الناس، للتخلص من المشاكل الاقتصادية والمالية التي يعاني منها الأفراد وتعاني منها معظم الدول في الوقت الحاضر.
المال والملكية الفردية
من فطرة الإنسان أن يندفع لإشباع حاجاته، ولذلك كان من فطره أن يحوز المال لإشباع هذه الحاجات، وأن يسعى لهذه الحيازة ما دام هذا الإشباع أمرًا حتميًّا لا يمكن القعود عنه. ومن هنا كانت حيازة الإنسان للثروة، فضلًا عن كونها أمرًا فطريًّا، أمرًا لا بدَّ منه. ولذلك كانت كل محاولة لمنع الإنسان من حيازة الثروة مخالفة للفطرة، وكانت كل محاولة لتحديد حيازته بمقدار معين أمرًا مخالفًا للفطرة كذلك.
وإنه من الطبيعي ألّا يحال بين الإنسان وحيازة الثروة ولا بينه وبين السعي لهذه الحيازة. إلا إن هذه الحيازة لا يجوز أن تترك للإنسان ينالها كيف يشاء، لأن ذلك يؤدي إلى الفوضى والاضطراب ويسبِّب الشر والفساد. فالبشر يتفاوتون في قوة حاجاتهم إلى الإشباع، فإن تركوا وشأنهم حاز الثروة الأقوياءُ وحُرم منها الضعفاء، وهلك المرضى والقاصرون، وأُتخم بها المفرطون في الشهوات. وإن تمكّن الناس من حيازة الثروة ومن السعي لها يجب أن يكون على وجه يضمن إشباع الحاجات الأساسية لجميع الناس، كما يضمن تمكينهم من الوصول إلى إشباع الحاجات غير الأساسية. فكان لا بد من تحديد هذه الحيازة بكيفية معيَّنة تتحقق فيها البساطة بحيث تكون في متناول الناس جميعًا، على تفاوت قواهم وحاجاتهم. وكان لا بد من الملكية المحددة في الكيف، ومحاربة منع الملكية لأن هذا المنع يتناقض مع الفطرة، وكذلك محاربة تحديد الملكية بالكمّ لأن هذا التحديد إنما يحدُّ من سعي الإنسان لحيازة المال، كما لا بد من محاربة حرية التملك التي تؤدي إلى فوضى العلاقات بين الناس وتسبب الشر والفساد. وقد جاء الإسلام فأباح الملكية الفردية وحددها بالكيف لا بالكمّ، فوافق بذلك الفطرة، ونظم العلاقات بين الناس، وأتاح للإنسان إشباع حاجاته كلها.
تعريف الملكية الفردية
الملكية الفردية هي حكم شرعي مقدر بالعين أو المنفعة يقضي بتمكين صاحبها المضاف إليه هذا الحكم من انتفاعه بالشيء وأخذ العوض عنه. وذلك كملكية الإنسان للرغيف والدار، فإنه يمكنه بملكيته للرغيف أن يأكله وأن يَبيعَهُ ويأخذ ثمنه، ويمكنه بملكيته للدار أن يسكنها وأن يبيعها ويأخذ ثمنها. فالرغيف والدار كل منهما عين، والحكم الشرعي المقدر فيهما هو إذنُ الشارع لإنسان بالانتفاع بهما استهلاكًا ومنفعة ومبادلة. وهذا الإذن بالانتفاع يستوجب أن يتمكن المالك، وهو من أضيف إليه الإذن، من أكل الرغيف وسكنى الدار، كما يتمكن من بيعهما. فبالنسبة إلى الرغيف، الحكم الشرعي مقدر بالعين وهو الإذن باستهلاكها. وبالنسبة إلى الدار، الحكم الشرعي مقدر بالمنفعة وهو الإذن بسكناها. وعلى هذا تكون الملكية هي إذن الشارع أو المشترع بالانتفاع بالعين، ولا تثبت هذه الملكية إلا بإثبات الشارع لها وتقريره لأسبابها. والحق في ملكية العين ليس ناشئًا عن العين نفسها وعن طبيعتها أي عن كونها نافعة أو غير نافعة، بل هو ناشئ عن إذن الشارع، وعن جعله السبب الذي يبيح الملك للعين منتجًا المسبب الذي هو تملّكها شرعًا. ولهذا أذن الشارعُ في تملّك بعض الأعيان وَمنَعَ من تملّك بعضها، وأَذِنَ في بعض العقود وَمَنَعَ بعضها، فمنع تملّك الخمر والخنزير للمسلم، كما منع تملّك مال الربا ومال القمار لأي واحد من رعية الدولة الإسلامية، وأَذِنَ في البيع فأحلّه ومنع الربا فحرّمه، وأذِنَ في شركة العنان، ومنع الجمعيات التعاونية، وشركات المساهمة، والتأمين...
والتملك المشروع له شروط، كما أن على التصرف في المـُـــلك قيودًا بحيث لا تخرج الملكية عن مصلحة الجماعة ومصلحة الفرد كونه جزءًا من الجماعة لا فردًا منفصلًا عنها، وكونه إنسانًا في مجتمع معين. والانتفاع بالعين المملوكة إنما حصل بسلطان من الشارع أي أن أصل الملكية للشارع وهو أعطاها للفرد بترتيب منه على السبب الشرعي، فهي تمليك الشارع لفرد في الجماعة شيئًا خاصًّا لم يكن ليحقّ له تملّكه لولا إذْن الشارع.
على أن الملكية للعين هي ملكية لذات العين وملكية لمنفعتها، وليست هي ملكية للمنفعة فقط، وإن كان المقصود الحقيقي من الملكية هو الانتفاع بالعين انتفاعًا معينًا بيَّنه الشرع.
وفي ضوء هذا التعريف للملكية الفردية تكون هنالك أسباب مشروعة للتملك، وأحوال معينة للتصرف بهذه الملكية، وكيفية معينة للانتفاع بها. وما خلا ذلك يُعدّ اعتداء على حق الملكية الفردية، بمعنى أن هذا التعريف يمكّن من فهم المعنى الحقيقي للحيازة التي أباحها الشارع، ومعنى السعي لهذه الحيازة والانتفاع بها. وبعبارة أخرى يدل التعريف على المعنى الحقيقي للملكية.
معنى الملكية للمال
حق الملكية الفردية حق شرعي للفرد، يخوّله أن يتملك أموالًا منقولة وغير منقولة. وهذا الحق مصون ومحدود بالتشريع والتوجيه. وينجم عن هذا الحق سلطان للفرد بالتصرف في ما يملك، كما أنّ له سلطانًا على أعماله الاختيارية، على أن يبقى تحديد حق الملكية ضمن حدود أوامر الله ونواهيه.
وقد ظهر هذا التحديد في أسباب التملك المشروعة أي التي بها يتقرر حق الملكية، وفي الأحوال التي تترتب عليها العقوبات، والأحوال التي لا تترتب عليها عقوبات، مثل تعريف السرقة ومتى تسمّى سرقة، وتعريف السلب، وتعريف الغصب إلخ... كما ظهر هذا التحديد أيضًا في حق التصرف في الملكية والأحوال التي يباح فيها هذا التصرف، والأحوال التي يُمْــنَعُ فيها هذا التصرف، وفي تعريف تلك الأحوال وبيان حوادثها. والإسلام حين يحدد الملكية لا يُحَدِّدها بالكمية، بل يحددها بالكيفية. ويظهر هذا التحديد بالكيفية بارزًا في الأمور الآتية:
1 ـــــــ بتحديدها من حيث أسباب التملك وتنمية الملك لا في كمية المال المملوك.
2 ـــــــ بتحديد كيفية التصرف.
3 ـــــــ بكون رقبة الأرض الخراجية ملكًا للدولة لا للأفراد.
4 ـــــــ بصيرورة الملكية الفردية ملكًا عامًّا جبرًا في أحوال معينة.
5 ـــــــ بإعطاء من قصرت به الوسائل عن الحصول على حاجته ما يفي بتلك الحاجة في حدودها.
وبهذا يظهر أن معنى الملكية الفردية هو إيجاد سلطان للفرد على ما يملك، على كيفية معينة محددة جعلت الملكية حقًّا شرعيًّا للفرد. وقد جعل التشريع صيانة حق الملكية للفرد واجبًا على الدولة، وجعل احترامها وحفظها وعدم الاعتداء عليها أمرًا حتميًّا. ولذلك وضعت العقوبات الزاجرة لكل من يعبث بهذا الحق سواء بالسرقة أو بالسلب أو بأي طريقة من الطرق غير المشروعة. فقد وضع التشريع له عقوبة زاجرة، ووضعت التوجيهات التهذيبية لكف النفوس عن التطلع إلى ما ليس لها فيه حق من حقوق الملكية، وما هو داخل في ملك الآخرين. فالمال الحلال هو الذي ينطبق عليه معنى الملكية، والمال الحرام ليس ملكًا ولا ينطبق عليه معنى الملكية.
أسباب تملُّك المال
المال هو كل ما يُتمول به مهما كانت عينه. والمقصود بسبب التملك السبب الذي ينشئ حق ملكية المال للشخص بعد أن كان غير مملوكٍ له. وأما المبادلة بجميع أنواعها فليست من أسباب تملُّك المال، بل هي من أسباب تملُّك الأعيان، إذْ هي تملُّك عين معينة من المال بعين غيرها من المال، فالمال مملوك أصلًا وإنما جرى تبادل أعيانه. وكذلك لا تدخل تنمية المال كربح التجارة وأجرة الدار وغلة الزرع وما شابهها في أسباب تملُّك المال. فإنها وإن كان قد نشأ عنها بعض المال، لكنّ هذا المال الجديد نشأ عن مال آخر، فهي من أسباب نماء المال وليست من أسباب تملُّك المال. والموضوع هو تملُّك المال إنشاءً، وبعبارة أخرى هو الحصول على المال ابتداءً. والفرق بين أسباب التملك وأسباب تنمية الملك أن التملك هو الحصول على المال ابتداء أي الحصول على أصل المال، وتنمية الملك هي تكثير المال الذي امتُلِك، فالمال موجود، وإنما نُمِّيَ وكُثِّرَ.
وقد جاء الشرع لكل من الملك وتنمية الملك بأحكام تتعلق به. فالعقود من بيع وإجارة من الأحكام المتعلقة بتنمية المال، والعمل من صيد ومضاربة من الأحكام المتعلقة بالملك. فأسباب الملك هي أسباب حيازة الأصل، وأسباب تنمية الملك هي أسباب تكثير أصل المال الذي سبق أن حزناه بسبب من أسباب التملك.
ولتملّك المال أسباب شرعية حصرها الشارعُ وعيّنها فلا يجوز تعدِّيها، فيكون سبب ملكية المال محصورًا بما بيَّنه الشرع. وتعريف الملكية السابق من أنها حكم شرعي مقدر بالعين أو المنفعة يوجب بأن يكون هنالك إذنٌ من الشارع حتى يحصل التملك. وإذًا فلا بد من أسباب يأذن بها الشارع ليحصل الملك، فإذا وجد السبب الشرعي وجد الملك للمال، وإذا لم يوجد السبب الشرعي لا يوجد ملك للمال، ولو حازه المالك فعلًا، لأن الملكية هي حيازة المال بسبب شرعي أَذِنَ به الشارع.
وقد حدد الشرع أسباب التملك بأحوال معينة بيَّنها في عدد معين ولم يُطْلِقْها، وجعلها خطوطًا عريضة واضحة تندرجٌ تحتها أجزاء متعددة هي فروع منها ومسائل من أحكامها. ولم يعللها بعلل كلية معينة فلا تقاس عليها كليّات أخرى. وذلك لأن المتجدِّد من الحاجات إنما هو في الأموال الحادثة وليس في المعاملات، أي ليس في نظام العلاقة بل هو في موضوعها، فكان لا بد من حصر المعاملات في أحوال معينة تنطبق على الحاجات المتجدِّدة والمتعدّدة، وعلى المال من حيث هو مال، وعلى الجهد من حيث هو جهد. وفي هذا تحديد للملكية الفردية على الوجه الذي يتفق مع الفطرة وينظم هذه الملكية حتى يُحمى المجتمع من الأخطار المترتبة على إطلاقها. فإنَّ الملكية الفردية مظهرٌ من مظاهر غريزة البقاء كما أن الزواج مظهر من مظاهر غريزة النوع، وكما أن العبادات مظهر من مظاهر غريزة التدين. فإذا أطلقت هذه المظاهر في إشباع ما تطلب إشباعه أدى ذلك إلى الفوضى والاضطراب، وإلى الإشباع الشاذ، أو الإشباع الخاطئ. ولذلك لا بد من تحديد الكيفية التي يحصل فيها الإنسان على المال حتى لا يتحكم أفراد قلائل في الأمة عن طريق المال، ويحرم بذلك الكثيرون من إشباع بعض حاجاتهم، وحتى لا يكون السعي للمال من أجل المال فيفقد الإنسان طعم الحياة الهنيئة، وحتى لا يمتنع على الناس الحصول على المال فيختفي في الخزائن والمخازن. ولهذا كان لا بد من تحديد أسباب التملك.
وباستقراء الأحكام الشرعية التي تحكم ملكية الشخص للمال يتبين أن أسباب التملك محصورة في خمسة هي:
1 ـــــــ العمل.
2 ـــــــ الإرث.
3 ـــــــ الحاجة إلى المال لأجل الحياة.
4 ـــــــ إعطاء الدولة من أموالها للرعية.
5 ـــــــ صلة الأفراد بعضهم لبعض، أي الأموال التي يأخذها الأفراد من بعضهم دون مقابل مالٍ أو جُهدٍ.
السبب الأول من أسباب التملك للمال العمل
يتبين من إمْعَانِ النظر في أيّ عين من أعيان المال سواء كانت مما تنتج الأرض كالمزروعات، أو مما ينتج البحر كالأسماك والإسفنج، أو مما ينتج عن فعل الإنسان كالرغيف والثوب والقطار والسيارة، فإن الحصول عليها يحتاج إلى عمل.
ولما كانت كلمة العمل واسعة الدلالة وكان العمل متعدد الأنواع ومختلف الأشكال ومتنوع النتائج فإن الشارع لم يترك كلمة العمل على إطلاقها، ولم ينص على العمل بشكل عام، بل نص على أعمال معينة محددة تصلح لأن تكون سببًا من أسباب التملك. ومن استقراء الأحكام الشرعية التي نصت على الأعمال يتبين أن أنواع العمل التي تصلح لأن تكون سببًا من أسباب التملك المشروع هي الأعمال الآتية:
1 ـــــــ إحياء الموات.
2 ـــــــ استخراج ما في باطن الأرض.
3 ـــــــ الصيد في البر والبحر.
4 ـــــــ السمسرة والدلالة.
5 ـــــــ العمل للآخرين بأجر.
وهذه لمحة عن كُلٍّ من هذه الأعمال.
(أ) إحياء الموات:
المواتُ هو الأرضُ التي لا مالك لها، ولا ينتفع بها أحد. وإحياؤها هو زراعتها أو تشجيرها أو البناء عليها، وبعبارة أخرى هو استعمالها في أي نوع من أنواع الاستعمال الذي يفيد الإحياء. وإحياء الشخص الأرض يجعلها ملكًا له، قال عليه الصلاة والسلام: "من أحيا أرضًا مواتًا فهي له". وقال: "من أحاط حائطًا على أرض فهي له". وقال: "من أحاط حائطًا على شيء فهو له". وقال: "من سبق إلى ما لم يسبق إليه مُسْلم فهو أحق به".
ولا فرق في ذلك بين المسلم والذمي، لإطلاق الأحاديث، ولأن ما يأخذه الذمي من بطون الأودية والآجام ورؤوس الجبال ملكه ولا يجوز انتزاعه منه، فالأرض الموات أولى أن تكون ملكه. وهذا عامٌّ في كل أرض سواء كانت دار حرب، أو كانت أرضًا عشرية أو خراجية. إلا إن شرط التملك أن يستثمر الأرض من وضع يده عليها خلال مدة ثلاث سنوات، وأن يستمر هذا الأحياء باستغلالها. فإذا لم يستثمرها خلال مدة ثلاث سنوات من تاريخ وضع يده عليها، أو أهملها بعد ذلك مدة ثلاث سنوات متتالية، سقط حق ملكيته لها. قال عليه الصلاة والسلام: "عاديّ الأرض لله ولرسوله ثم لكم من بعد. فمن أحيا أرضًا ميتة فهي له، وليس لمحتجز حق بعد ثلاث سنوات".
(ب) استخراج ما في باطن الأرض:
ومن أنواع العمل استخراج ما في الأرض، مما ليس من ضرورات الجماعة، ويطلق عليه "الركاز" . والركاز هو المال المدفون في الأرض، فضة كان أو ذهبًا أو لآلئ أو سلاحًا أو غيرها، أي كل كنز أو مالٍ مدفون في الأرض لأقوام سابقين. وهو بذلك يختلف عن المعدن الذي أوجده الله تعالى في الأرض سواء كان معدنًا ثمينًا كالذهب والفضة والألماس أو معدنًا عاديًّا كالرصاص والحديد والنحاس... فالأول وهو الركاز هو الأموال المدفونة من فعل البشر، في حين أن الثاني أي المعدن هو الأموال الموجودة في الطبيعة من خلق الله تعالى.
وقد روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سئل عن المال الذي يوجد في الخرب، فقال: "فيه وفي الركاز الخمس". كما روي عن علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال: "وفي السيوبِ الخمس. قال: والسيوب عروق الذهب والفضة التي تحت الأرض". وعلى ذلك فإن كل مالٍ مدفون في الأرض، مهما كان نوعه، وحيثما وجد في المدافن، أو في مدن الأمم السابقة، أو في الأرض الميتة، أو في أي مكان آخر، يكون ملكًا لواجده ويؤدي عنه الخمس لبيت المال.
وكذلك فإن كل معدن سواء كان عروقًا أم تبرًا وجد في أرض ميتة غير مملوكة لأحد فهو ملك لواجده ويؤدي عنه الخمس لبيت المال.
والخمس الذي يؤخذ من واجد الركاز أو من واجد المعدن يكون بمنزلة الفيء، يوضع في بيت المال، ويصرف مصرف الفيء والخراج بأمرٍ من الخليفة الذي ينفقه على رعاية شؤون الأمة وقضاء مصالحها بحسب رأيه واجتهاده بما فيه الخير والصلاح.
عن مجالد الشعبي: "أن رجلًا وجد ألف دينار مدفونة خارجًا من المدينة، فأتى بها عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأخذ منها الخمس أي مئتي دينار ودفع إلى الرجل بقيتها، وجعل عمر رضي الله عنه يقسّم المئتين بين المسلمين المحتاجين، إلى أن بقي منها فضلة، فقال عمر: أين واجد الدنانير؟ فقام إليه، فقال له عمر: خذ هذه الدنانير فهي لك".
وعن الحارث بن أبي الحارث الأزدي: "أن أباه كان من أعلم الناس بالمعادن، وقد اشترى من رجلٍ معدنًا استخرجه بمئة شاة، فأخذ المعدن فأذابه، فاستخرج منه ما يوازي ألف شاة. فلما عرف البائع ذلك جاء يقول له: ردَّ عليَّ البيع فرفض. فقال له: لآتينَّ عليَّ بن أبي طالب فلأشينَّ عليك. فأتى عليًّا وقال له: إن أبا الحارث أصاب معدنًا. فأتاه عليّ وقال له: أين الركاز الذي أصبت يا أبا الحارث؟ فقال: ما أصبت ركازًا، إنما أصابه فلان فاشتريته منه بمئة شاة. فقال عليّ للبائع: ما أرى الخمس إلا عليك. قال: فخمَّس المئة شاة".
ومن حديث الشعبي وحديث الحارث يتبين أن مقدار ما يؤخذ من الركاز أو من المعدن المستخرج هو الخمس. في حين أن الأربعة الأخماس الباقية تبقى لواجد الركاز أو لواجد المعدن. ويؤخذ الخمس من الركاز أو من المعدن المستخرج سواء كان الواجد رجلًا أو امرأة، راشدًا أو قاصرًا، عاقلًا أو مجنونًا، مسلمًا أو ذميًّا. ويؤخذ الخمس من أي مقدار وجد، قليلًا كان أو كثيرًا.
ويكون الركاز أو المعدن ملكًا لمن يجده في ملكه من أرض أو بناء، سواء أورث ذلك أم اشتراه من الغير. أما من وَجَد في أرض أو بناء لغيره ركازًا أو معدنًا فإنه ليس له، بل يعود لصاحب الأرض أو البناء، وليس للواجد.
ومن وجد ركازًا أو معدنًا في دار الحرب كان ملكه ويتوجب عليه الخمس لأنه فيءـ، مثله مثل ما يجده في الأرض الميتة والخرب القديمة في دار الإسلام. ويجب الخمس لمجرد وجود المال، ولا يجوز تأخير دفعه لبيت المال.
والمعدن الذي يملكه واجده هو المعدن القليل. أما المعدن الكثير فلا تعود ملكيته لواجده، لأنه من الملكيات العامة التي لا يجوز أن يملكها الأفراد، بل هي ملك لعامة المسلمين.
وهكذا فإن الحكم الشرعي في المال الذي يستخرج من باطن الأرض أنْ يملك المستخرج أربعة أخماس ويكون الخمس الأخير زكاةً له. أما إن كان المستخرج من ضروريات الجماعة أي كان حقًّا لعامة المسلمين فإنه يدخل في الملكية العامة. وعلة ذلك أن ما كان مركوزًا في الأرض بفعل الإنسان، أو ما كان محدود المقدار، فلا يبلغ أن يكون للجماعة فيه حاجة فهو ركاز. وما كان أصليًّا، أي من خلق الله تعالى، وللجماعة فيه حاجة، لم يكن ركازًا بل هو ملك عام. وأما ما كان أصليًّا ولم يكن للجماعة فيه حاجة كالمحاجر التي تستخرج منها حجارة البناء، أو غيرها، فلا يكون ركازًا، ولا ملكًا عامًّا، بل هو داخل في الملكية الفردية.
وملكية الركاز وإخراج الخمس منه ثابتة بالحديث الشريف، فقد رَوَى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: "سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن اللقطة فقال: ما كان في طريق مأتيٍّ أو في قرية عامرة فعرفها سنة ، فإن جاء صاحبها وإلا فلكَ، وما لم يكن في طريق مأتيٍّ ولا في قرية عامرة ففيه وفي الركاز الخمس".
والحكم الذي ينطبق على ما يستخرج من باطن الأرض، ينطبق أيضًا على ما يستخرج من الهواء كالأوكسجين أو الأيدروجين أو الطاقة الحرارية. وكذلك الأمر في استخراج كل شيء أباحه الشرع مما خلقه الله تعالى وأطلق الانتفاع به.
(ج) الصيد:
ومن أنواع العمل الصيد. فصيد السمك واللآلئ والمرجان والإسفنج وما إليها من صيد البحر يملكها من يصيدها كما هي الحال في صيد الطير والحيوان وما إليها من صيد البر فإنها ملك لمن يصيدها كذلك. قال تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً} (المائدة: 96). وقال: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ} (المائدة: 2). وقال: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللّهُ فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُواْ اسْمَ اللّهِ عَلَيْهِ} (المائدة: 4). وروى أبو ثعلبة الخشني قال: "أتيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقلت: يا رسول الله إنا بأرض صيد، أصيد بقوسي، وأصيد بكلبي المعلم، وأصيد بكلبي الذي ليس بمعلم، فأخبرني ماذا يصلح لي؟ قال أما ما ذكرت أنكم بأرض صيد فما صدت بقوسك وذكرت اسم الله عليه فكل، وما صدت بكلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل، وما صدت بكلبك الذي ليس بمعلم فأدركت ذكاتَهُ فكل".
السَّمْسرةُ
قالَ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "دعُوا النّاسَ يرزق الله بعضَهم من بعضٍ فإذا استنصحَ الرجلُ أخاه فَلْينصح له". وباستعراض التجارةِ وأحوال البيعِ والشّراء نجدُ النّاس فيهَا يرزقُهُم الله تعالى بعضَهُمْ من بعضٍ، فكثيرًا ما نجدُ تجارًا كبارًا يقومونَ بشراءِ بضائعَ لصغارِ التجّارِ على أن يأخذُوا نسبةً مئويةً من الرّبحِ على ما يشترونَهُ لهم، كواحدٍ في المئة مثلًا. وغالبًا ما يكونُ هؤلاءِ من تجارِ الجملةِ ويسمّون ذلكَ "كومسيونًا" ويجري هذا في البضائع كافّةً، كالأقمشةِ والحلوياتِ والورقِ والماكناتِ وما شابَهَ ذلكَ.
ويجري أيضًا بينَ الشركاتِ الكبيرةِ وبينَ بائعي الجملةِ ويسمّوْنَ متعهدينَ أو وكلاءَ بيعٍ. فيتعهّدُ هؤلاءِ ببيعِ ما تُنتجهُ الشركاتُ ويأخدونَ منها ربحًا معلومًا هو نسبةٌ معيّنةٌ في المئة على ما يبيعونَ.
وتجري بيوعٌ بوساطةِ أشخاصٍ يعملون عند التّاجر أو المصنعِ، فهؤلاءِ يعرضونَ البضاعة على النّاسِ ويبيعونها، على أن يكون لهمْ منَ التاجرِ أو المصنع الذي يعملونَ عنده أجرةٌ معيّنةٌ على عمليةِ عرضِ البضاعةِ سواءٌ باعُوا أم لم يبيعُوا، ولهمْ أُجرةٌ معينةٌ على كلِّ صفقةِ بيعٍ يبيعونَها هي نسبةٌ مئويةٌ معيّنةٌ من الثمنِ الذي يبيعونَ به. وهكذا تجري وساطةٌ بينَ البائعِ والمشتري في المصانعِ والشركاتِ ولدى التجّارِ والزبائنِ في كلِّ شيءٍ، وتجري في الخضارِ والفواكهِ، كما تجري في القماشِ والحلوياتِ وغيرها. ففي سوقِ الخضرة مثلًا يبيعُ التاجرُ الخضرةَ لحسابِ الفلاحِ لقاءَ عمولةٍ يأخذُها من الفلّاحِ.
وهذهِ الأعمالُ كلُّها سمسرةٌ والقائمونَ بها سماسرةٌ، لأنّ السمسارَ هو القيّمُ بالأمرِ والحافظُ لهُ. ثم استعملَ في الشخصِ الذي يتولى البيعَ والشراءَ. وقد عرّفَ الفقهاءُ السمسارَ بأنّهُ اسم لمن يعمل للغيرِ بأجرٍ بيعًا وشراءَ. وهو يصدُقُ على الدلّال، فإنّهُ يعملُ للغيرِ بأجرٍ بيعًا وشراءً.
والسمسرةُ والدلالةُ حلالٌ شرعًا، وتُعدّ من الأعمالِ التجاريةِ. فقد روى قيسُ بنُ أبي غرزةَ الكنانيُّ قال: كنا نبتاعُ الأوساقَ في المدينةِ ونسمّي أنفسَنا سماسرةً، فخرجَ علينا رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم فسمّانا باسمٍ هو أحسنُ من اسمنا قالَ: "يا معشرَ التّجارِ، إن البيعَ يحضرُهُ اللغو والحلفُ فشوبوه بالصدقةِ". ومعناهُ أنّه قد يبالغُ في وصفِ سلعتهِ حتى يتكلمَ بما هو لغوٌ أي زيادة عما يجبُ من القولِ، وقد يجازفُ في الحلفِ لترويجِ سلعتهِ فيندبُ إلى الصدقةِ ليمحوَ ذلكَ. هذا دليلٌ على أنّ السمسرةَ حلالٌ شرعًا. إلا إنه لا بد من أن يكونَ العملُ الذي استؤجرَ عليه للبيعِ والشراءِ معلومًا، إما بالسلعةِ وإما بالمدةِ، وأن يكونَ الربحُ أو العمولةُ أو الأجرةُ. وعلى ذلك فالسمسرةُ بمعناها المعروف بين التجار وبينَ الناسِ منذ عهدِ الرسولِ صلى الله عليه وآله وسلم حتى اليومِ يُعدّ كسبُ أصحابها من الكسبِ الحلالِ.
الإِجَارة
الإجارةُ: عقدٌ على المنفعةِ بعوضٍ، ويدخلُ تحتها ثلاثةُ أنواعٍ:
1 ـــــــ عقدٌ على منفعةِ العينِ.
2 ــــــ عقدٌ على منفعةِ العملِ.
3 ــــــ عقدٌ على منفعةِ الشخصِ.
والإجارةُ بأنواعها الثلاثةِ جائزةٌ شرعًا. قال الله تعالى: {وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً}(الزخرف: 32). وقال تعالى: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} (الطلاق: 6).
وقالَ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: "من استأجرَ أجيرًا فَلْيعلِمْهُ أجرَهُ". وقالَ: "أَعطُوا الأجيرَ أجرَهُ منْ قبلِ أنْ يجفَّ عرقُهُ".
الأَجيرُ
عقدُ الإجارةِ الذي يرد على منفعةِ العملِ وعلى منفعةِ الشخصِ هو الذي يتعلّقُ بالأجير، والأجيرُ هو الذي أجّرَ جُهدَه لغيره. وقد أجازَ الشرعُ إجارةَ الشَّخص لمنفعةٍ تحصلُ منه، كالخدمةِ في المنازلِ والمكاتبِ والحقولِ ونحوها، أو لمنفعةٍ تحصلُ من عملهِ كالهندسةِ ونحوها. وحتى تنعقدَ الإجارةُ فإنَهُ يُشترطُ لانعقادها أهليةُ العاقدَيْنِ بأن يكون كلٌّ منهما عاقلًا مميزًا. فلا تنعقدُ أجارةُ المجنونِ ولا إجارة الصبيّ غيرِ المميِّز. ولو انعقدتِ الإِجارةُ فإنّهُ يُشترطُ لصحتها رضا العاقدين، وكونُ المعقودِ عليهِ ـــــــ وهو المنفعةُ ـــــــ معلومًا على وجهٍ يمنعُ المنازعةَ. وهذا العلمُ بالمنفعةِ بالنسبةِ إلى الأجيرِ تارةً يكون ببيانِ المدةِ، وتارةً يكونُ بتحديدِ المنفعةِ أو وصف العملِ المطلوبِ وصفًا تفصيليًّا، وتعيينِ ما يعمله الأجيرُ أو تعيينِ كيفيةِ عملِهِ، وعلى ذلك لا تصحّ أجارة المكرهِ ولا تصحُّ إجارةُ المنفعةِ المجهولةِ.


الأجرةُ
يُشترطُ أن يكونَ مالُ الإجارة معلومًا بالمشاهدةِ أو الوصفِ الرافعِ للجهالةِ. قال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: "من كانَ يؤمنُ بالله واليومِ الآخرِ فلا يستعملنَّ أجيرًا حتى يُعلِمَهُ أجرَهُ". إلا إنه لا تُشترطُ القيمةُ في الأجرةِ كما لا تُشترطُ القيمةُ في ثمن المبيعِ. والفرقُ بين القيمةِ والثمنِ أنَّ القيمةَ هيَ ما يوافقُ مقدارَ ماليةِ الشيءِ ويعادلُهُ بحسبِ تقويمِ المقوّمين. وأما الثمنُ فهو ما يقعُ بهِ التراضي وفقَ القيمةِ أو أزيدَ أو أنقصَ. ولا يُشترطُ أن تكون أجرةُ الأجيرِ قيمةَ العملِ، لأنّ القيمةَ لا تكونُ بدلًا في الإجارةِ فيجوزُ أن تكونَ الأجرةُ أكثرَ من قيمةِ العملِ، ويجوزُ أن تكونَ أقلّ من قيمتِهِ. فلو استأجرَ شخصٌ أجيرًا بأجرةٍ معلومةٍ ليصوغَ له قطعةَ ذهبٍ أو فضةٍ صياغةً معلومةً فهو جائزٌ، لأنهُ استؤجر لعملٍ معلومٍ فلا تُشترطُ المساواةُ بين الأجرةِ وما يعملُ فيه من الفضةِ أو الذهبِ، لأن ما يُشترطُ له من الأجرةِ هو مقابلُ العملِ فقط. وما صلحَ لأن يكونَ بدلًا في البيعِ كالنقودِ ونحوها صلحَ لأن يكونَ بدلًا في الإجارة، أي ما صلحَ لأن يكون ثمنًا صلحَ لأن يكونَ أجرةً. وأمّا ما لا يصلح أن يكونَ ثمنًا في البيع ويجوزُ أن يكونَ بدلًا في الأجارةَ، فمثله كمن يبيع دابةً بسكنى دارٍ سنةً مثلًا فهذا لا يصح، ولكن يصحُّ أن يستأجرَ بستانًا بسكنى دارٍ. لأنَّ البيعَ وهو مبادلةُ مالٍ بمالٍ، فمبادلة المال بالمنفعةِ لا تُعدّ بيعًا، بخلافِ الإجارة فهي عقدٌ على المنفعةِ بعوضٍ، وهذا العوضُ لا ضرورةَ لأن يكونَ مالًا بل قد يكونُ منفعة.


تقديرُ الأجرةِ
عُرّفتِ الإجارةُ بأنها عقدٌ على المنفعةِ بعوضٍ. وهذا العقدُ يَرِدُ على ثلاثةِ أنواعٍ كما ذكرنا سابقًا، أحدها نوعٌ يرِدُ على منافعِ الأعيانِ كاستئجارِ الدّورِ والدّوابِّ والسياراتِ وما أشبهَ ذلكَ، فالمعقودُ عليه هو منفعةُ العين.
وثانيها نَوعٌ يردُ على منافعِ الأعمالِ كالخياطةِ والهندسةِ وما أشبهَ ذلكَ، فالمعقودُ عليهِ هو منفعةُ العملِ.
وثالثها نوعٌ يَردُ على منافعِ الأشخاصِ كالخادمِ والحصَّادِ وما أشبهَ ذلك، فالمعقودُ عليهِ هو الانتفاعُ بجهدِ الشخصِ. هذه الأنواعُ الثلاثةُ كانَ المعقودُ عليهِ فيها هو المنفعةُ التي هي في كلِّ واحدٍ منها، فيكونُ الشيءُ الذي جرَى عليه العقدُ هو المنفعةُ، والمالُ المسمّى هو مقابلُ هذه المنفعةِ. وعليهِ فإنّ الأساسَ الذي يُبنى عليهِ تقديرُ الأجرةِ هو المنفعةُ التي تُعطيها تلكَ العينُ أو يعطيها ذلكَ العملُ أو ذاك الشخصُ، وليست هي بالنسبةِ إلى العملِ قيمةَ الشّيءِ الذي يعملُ فيه ولا ثمنَهُ، وليستْ هيَ بالنسبةِ إلى الأجير إنتاجَهُ كما أنها ليست سدادَ حاجةِ الأجيرِ. ولا دخلَ لارتفاعِ مستوى المعيشةِ وانخفاضها في تقديرِ الأجرةِ وإنما يرجعُ تقديرُها لشيءٍ واحدٍ فقط هو المنفعةُ، لأنها عقدٌ على المنفعةِ بعوضٍ.
وتُقدَّرُ الأجرةُ بالاتفاق المسبق بين الأجير وصاحب العمل، ولا سلطة لأحد في فرض حد معين من الأجور على الناس. ويجوزُ تقديرُ الأجرةِ مؤقتةً بوقتٍ معينٍ كالسّاعةِ واليومِ والشهرِ والسنةِ، كما يصح أن تكون على وحدة العمل كالأمتار المربعة أو المكعبة، او العدد أو الوزن إلخ...
مقدارُ الأجرةِ
أجرُ الأجيرِ يكونُ أجرًا مسمّى، ويكونُ أجرَ المثلِ. أمّا الأجرُ المسمّى فهو الأجرةُ التي ذُكرتْ وتعيّنتْ وقتَ العقدِ. ويُعدّ من الأجرِ المسمّى أجرةُ العَمَلةِ الذين عُرفتْ أجرةُ كلٍّ منهم كالموظفينَ في درجةٍ معينةٍ أو كالعمال في مصنعٍ معيّنٍ معروفةٍ أجرةُ العاملِ فيه. ولذلك إذا استخدمتَ عمالًا أو موظفين وسمّيتَ لهم أجرتَهُمْ فيكونُ المسمّى هو أجرَهُم. وإن لم تسمِّ أجرتهُم يُنظرُ إن كانت معلومةً فتُعطى لهم وتُعدّ أجرًا مسمّى، وإن لم تكنِ الأجرةُ معلومةً فيُعطى لهم أجرُ المِثلِ. وأجرُ المِثلِ هو أجرُ مثلِ العملِ ومثلِ العاملِ، أو أجرُ مثلِ العاملِ فقط. ويلزمُ تقديرُ أجرِ المثلِ منْ قبلِ ذوي الخبرةِ، ويُلزمُ أهلُ الخبرةِ بتعيينِ الأجرةِ بالنظر إلى شخصِ الأجيرِ. وعندَ تقديرِ أجرِ المثل ينبغي أن يُنظَرَ إلى ثلاثةِ أمورٍ:
الأول: أن يُنظرَ إلى الشّيءِ الذي تساوي منفعتُهُ منفعةَ المأجورِ إذا كانت الإجارةُ واردةً على المنفعة.
الثاني: أن يُنظرَ إلى الشخصِ المماثلِ للأجيرِ بذلكَ العملِ إذا كانتِ الإجارةُ واردةً على العملِ.
الثالث: أن يُنظرَ إلى زمانِ الإيجارِ ومكانِهِ، لأنّ الأجرةَ تتفاوتُ بتفاوتِ المنفعةِ والعملِ والزمانِ والمكانِ.
وأجرُ المثلِ تتوقفُ معرفتُهُ على أهلِ الخبرةِ، فلا تجوزُ إقامةُ البيّنةِ عليهِ من المدّعي، بل يجبُ أن يقدّرَهُ أهلُ الخبرةِ غيرُ المتحيّزينَ: ينتخبهم الخصمانِ بالاتفاقِ، وإن لم يتّفقا ينتخبهم الحاكمُ.
دفعُ الأجرةِ
يجوزُ تعجيلٌ الأجرةِ ويجوزُ تأجيلُها. فإذا اشترطَ العاقدانِ تعجيلَ الأجرة أو تأجيلَها يراعَى شرطُهما. قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم "المسلمونَ عندَ شروطِهِمْ". فَيُعدّ ويراعَى كلّ ما اشْترَطَ العاقدانِ. وأمّا إنْ لمْ يشترطا شيئًا في تعجيلِ الأجرةِ أو تأجيلها ينظرُ، فإذا كانتِ الأجرَةُ مؤقتةً بوقتٍ معيّنٍ كالأجرة الشهريةِ والسنوية، يلزمُ إيفاؤها عند انقضاءِ ذلكَ الوقتِ: إن كانت مشاهرةً تُؤدى عندَ نهايةِ الشهر، وإنْ كانتْ مسانهةً أي سنوية ففي ختامِ السنة. أمّا إذا كانت الإجارةُ على عملٍ، مثل خياطةِ ثوبٍ أو تصليح سيّارةٍ أو صنع خزانةٍ أو ما شاكلَ ذلكَ، فإنه يلزمُ إيفاؤها عندَ الانتهاء من العملِ، لقول رسولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم "أعطوا الأجيرَ أجرَهُ قبلَ أن يجفَّ عرقُهُ" ومعناهُ بعد أن ينتهي من عملِهِ مباشرةً.
ويجب إعطاءُ الأجرةِ على موجبِ الصورةِ التي تَظهرُ فعلًا. فمثلًا لو قيلَ للنجار: إن صنعتَ حفرًا فلكَ كذا أو صنعتَ خزانةً من دون حفرٍ فلكَ كذا، فأيَّ الصورتين صنعَ فلهُ أجرَتُهَا.
أنواعُ الأجرةِ
ينقسمُ الأجيرُ إلى خاص ومشتركٍ.
فالأجيرُ الخاصُّ هو الذي يعملُ لواحدٍ معيّنٍ، أو أكثرَ، عملًا مؤقتًا مع التّخصيصِ، أي هو الذي يختصُّ بالمؤجِّر وحدهُ ويُمنعُ منْ أنْ يعملَ لغيرِهِ طوالَ مدةِ الإجارةِ. فلو استأجرَ شخصٌ أو أكثرُ طاهيًا ليطبخَ لهم خصوصًا مع تعيينِ المدةِ كانَ ذلكَ الطاهي أجيرًا خاصًّا.
والأجيرُ المشتركُ هو الذي يعملُ لواحدٍ عملًا غيرَ مؤقتٍ أو عملًا مؤقتًا بلا اشتراطِ التّخصيصِ عليه: أي هو الذي لا يختصُّ بصاحبِ العملِ، بل يجوز لهُ أن يعملَ عندَ غيرهِ. فلو استأجرتَ دهّانًا غيرَ مشترطٍ عليهِ أن يدهنَ لسواكَ، فهو أجيرٌ مشتركٌ...
والأجيرُ الخاصُّ يستحقُّ الأجرةَ بتسليم نفسهِ في المدة لتأديةِ ما كُلِّفَ بهِ مع تمكنهِ من العملِ، سواءٌ قام بالعملِ أو لم يقمْ، فاستحقاقُهُ للأجرِ يكونُ بحسبِ المدةِ لا بحسبِ العملِ. ولذا لا يجوزُ لهُ أن يعملَ في مدةِ الإجارةِ عملًا لغيرِ مستأجرهِ، فإن عملَ لغيرهِ نقصَ من الأجرِ بقدرِ ما عملهُ.
والأجيرُ المشترك يستحقُ الأجرةَ على العملِ نفسه كالدّهانِ والنجارِ والخياطِ إلخ، فاستحقاقُهُ للأجر يكونُ بحسبِ العمل لا بحسبِ المدةِ.
والفرقُ بينَ الأجيرِ الخاصِّ والأجيرِ المشتركِ منْ حيثُ الضمانُ، هو أنّ الأجيرَ الخاصَّ أمينٌ فإن هلكَ الشيءُ في يدهِ من دونِ تعمدٍ ومن دونِ تقصيرٍ وإهمالٍ فلا ضمانَ عليه.والأجيرٌ المشتركُ إما أن يهلكَ الشيءُ بفعلِهِ أو لا. فإن هلكَ الشيءٌ بفعلِهِ ضمنهُ سواءٌ أكان هلاكهُ بالتَعدي أم لم يكن. وإن هلكَ الشيءُ بغير فعلِهِ ينظرُ، فإن كانَ مما لا يُمكنُ الاحترازُ عنهُ لا يضمنُ، أما إنْ كان يمكن الاحترازُ عنه ولم يحترزْ يضمنُ. وذلك لأنَّ الشيء الذي يعملُ فيهِ الأجيرُ الخاصّ، وإن كان تحتَ يدهِ، فإنهُ بتصرفِ المستأجر لا بتصرّفِ الأجير. ومن هنا كانت يدُهُ يدَ أمانةٍ، بخلافِ الأجيرِ العامِّ فإنّ الشيءَ الذي يعملُ فيهِ هو بتصرّفه لا بتصرف المستأجرِ، ولذلكَ لم تكنْ يدُهُ يدَ أمانةٍ بل كانتْ يدَ متصرّفٍ.
والفرقُ بينهما من حيثُ استحقاقُ الأجرةِ أنَّ الأجيرَ الخاصَّ يستحقُّ الأجرةَ إذا كان في مدةِ الأجارةِ حاضرًا للعملِ ولا يشترطُ عملُهُ بالعملِ، والأجيرُ المشتركُ لا يستحقُّ الأجرةَ إلا بالعملِ.
ومدةُ الإجارةِ للأجيرِ الخاصِّ إمّا أن تكونَ معينةً في العقدِ أو غيرَ معينةٍ، فإنْ كانتْ غيرَ معينةٍ فسدَ العقدُ لجهالتِها، فلكلٍّ من العاقدَيْنِ فسخُها في أيّ وقتٍ أرادَ، وللأجيرِ أجرةُ مِثلهِ مدةَ خدمتِهِ. وإن كانتْ معينةً في العقدِ وفسخَ المستأجرُ الأجارةَ قبلَ انقضاءِ المدةِ بلا عذرٍ ولا عيبٍ في الأجيرِ يوجبُ الفسخَ كمرضِهِ أو عجزهِ عن العملِ، فإنّهُ يجبٌ على المستأجر أن يؤدّي إلى الأجيرِ الأجرةَ إلى تمامِ المدةِ سواءٌ أكانَ الأجيرُ خادمًا أم مزارعًا أم غير ذلك. أمّا إنْ فسخَ الإجارةَ لعذرٍ أو عيبٍ ظهرَ في الأجيرِ يوجبُ الفسخَ فإنّهُ ليسَ عليهِ أن يؤدّيَ الأجرةَ إلّا إلى الوقتِ الذي فُسِخَتْ فيهِ الإجارةُ.
تنمية الملك عن طريق البيع
إنّ الله سبحانه وتعالى جعلَ المالَ سببًا لإقامة مصالح العباد في الدنيا، وشرع طريق التجارة لاكتساب تلك المصالح. لأن ما يحتاج إليه كل فرد لا يوجد ميسورًا في كل موضع، ولأن أخذه عن طريق القوة والتغالب فساد، فلا بد من أن يكون هنالك نظام يمكّن كل واحد من أخذ ما يحتاج إليه عن غير طريق القوة والتغالب، فكانت التجارة، وكانت أحكام البيع. قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ} (النساء: 29).
والتجارة نوعان: حلالٌ يسمّى في الشرع بيعًا، وحرامٌ يُسمّى ربا، كل واحد منهما تجارة. فإنَّ الله تعالى أخبر عن الكفرة إنكارهم الفرق بين البيع والربا عقلًا فقال عز وجل: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا} (البقرة: 275)، ثم فرق بينهما في الحل والحرمة بقوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} (البقرة: 275). فعرفنا أن كل واحد منهما تجارة، وأن الحلال الجائز منهما شرعًا هو البيع.
وانعقاد هذا البيع يكون بلفظين أحدهما يدل على الإيجاب والآخر يدل على القبول، وهما بعتُ واشتريتُ، وما في معناهما قولًا وعملًا. ويجوز أن يتولى صاحب السلعة البيع وأن ينيب عنه وكيلًا أو رسولًا ليقوم بالبيع عنه. ويجوز أن يستأجر أجيرًا ليقوم بالبيع عنه على أن يكون أجره معلومًا، فإن استأجره على جزء من الربح كان شريكًا مضاربًا وانطبق عليه حكم المضارب لا حكم الأجير. وكذلك يجوز أن يشتري المال بنفسه أو بوساطة وكيله أو رسوله أو أن يستأجر من يشتري له ولحسابه.
الاستصناع
هو أن يستصنع الرجل عند آخر آنية أو خزفة، أو سيارة أو أي شيء يدخل في الصناعة. والاستصناع جائز وثابت بالسنّة. فقد استصنع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خاتمًا، واستصنع المنبر. وقد كان الناس يستصنعون في أيام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسكت عنهم، فسكوته تقرير لهم على الاستصناع. وتقرير الرسول وعمله كقوله دليل شرعي. والمعقود عليه هو المستصنع فيه أي الخاتم والمنبر والخزانة والسيارة وغير ذلك. وهو على هذا الوجه من قبيل البيع وليس من قبيل الإجارة. أما لو أحضر الشخص للصانع المادة الخام وطلب منه أن يصنعها له شيئًا معينًا فإنه يكون حينئذٍ من قبيل الإجارة.

الشركَة في الإسلام
الشركة في اللغة خلط النصيبين بحيث لا يتميز الواحد عن الآخر. والشركة شرعًا هي عقد بين اثنين فأكثر يتفقان فيه على القيام بعمل مالي بقصد الربح. وعقد الشركة يقتضي وجود الإيجاب والقبول فيه معًا كسائر العقود. والإيجاب أن يقول أحدهما للآخر: شاركتك في كذا، ويقول الآخر: قبلت. إلا إنه ليس اللفظ المذكور بلازم بل المعنى، أي لا بد من أن يتحقق في الإيجاب والقبول معنى يفيد أن أحدهما خاطبَ الآخر مشافهةً أو كتابةً بالشركةِ على شيء والآخر قَبِل ذلك. فالاتفاق على مجرد الاشتراك لا يُعدّ عقدًا، والاتفاق على دفع المال للاشتراك لا يُعدّ عقدًا، بل لا بد من أن يتضمن العقد معنى المشاركة على شيء. وشرط صحة عقد الشركة أن يكون المعقود عليه تصرفًا، وأن يكون هذا التصرف المعقود عليه عقد الشركة قابلًا للوكالة ليكون ما يستفاد بالتصرف مشتركًا بينهما.
والشركة جائزة لأنه صلى الله عليه وآله وسلم بُعِثَ والناسُ يتعاملون بها، فأقرهم الرسول عليها، وكان إقراره صلى الله عليه وآله وسلم لتعامل الناس بها دليلًا شرعيًّا على جوازها. وروي أن البراء بن عازب وزيد بن أرقم كانا شريكين فاشتريا فضة بنقد ونسيئة، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأمرهما "أن ما كان بنقد فأجيزوه وما كان نسيئة فردّوه". وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "يد الله على الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه، فإذا خان أحدهما صاحبه رفعها عنهما".
وتجوز الشركة بين المسلمين بعضهم البعض، وبين الذميين مع بعضهم من بعض، وبين المسلمين والذميين. فيصح أن يشارك المسلمُ النصراني والمجوسي وغيرهم من الذميين. وقد عامل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أهل خيبر ـــــــ وهم يهود ـــــــ بنصف ما يخرج من الأرض على أن يعملوا فيها بأموالهم وأنفسهم. وقد ابتاع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم طعامًا من يهودي بالمدينة ورهنه درعه، وأرسل إلى اليهودي يطلب منه ثوبين إلى الميسرة. ولهذا فإن شراكة اليهود والنصارى وغيرهم من الذميين جائزة لأن معاملتهم جائزة. إلا إن الذميين لا يجوز لهم بيع الخمر والخنزير وهم في شركة مع المسلم، أما ما باعوه من الخمر والخنزير قبل مشاركتهم للمسلم فثمنه حلال في الشركة. ولا تصح الشركة إلا من جائز التصرُّفِ لأنها عقدٌ على التصرف في المال. ولذلك لا تجوز شركة المحجور عليه ولا شركة كل من لا يجوز له التصرف.
وتكون الشركة إما شركة أملاك أو شركة عقود... فشركة الأملاك هي شركة العين كالشركة في عين يرثها رجلان أو يشتريانها أو يهبها لهما أحد أو ما شاكل ذلك.
وتُعدّ شركة العقود هي موضع البحث في تنمية الملك. ويتبين من استقراء شركات العقود في الإسلام وتتبعها وتتبع الأحكام الشرعية المتعلقة بها والأدلة الشرعية الواردة في شأنها أن شركات العقود تندرج تحت خمسة أنواع هي: شركة العنان، وشركة الأبدان، وشركة المضاربة، وشركة الوجوه، وشركة المفاوضة. وهذه هي مجمل أحكامها:
شركة العنان
وهي أن يشتركَ بدنانِ بماليهما أي أن يشترك شخصان بماليهما على أن يعملا فيه بأبدانهما ويقتسما الربح بينهما. وسميّت شركة عنان لأن الشريكين يتساويان بالتصرف كالفارسين إذا سويا بين فرسيهما وتساويا في السير فإن عنَانَيْهِمَا يكونان سواء. وهذه الشركة جائزة بالسنّة وإجماع الصحابة، والناس يشتركون بها منذ أيام النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأيام الصحابة.
وهذا النوع من الشركة يجعل فيه رأس المال نقودًا، لأن النقود هي قيم الأموال وأثمان المبيعات. أما العروض فلا تجوز الشركة عليها إلا إذا قوّمت وقت العقد وجعلت قيمتها رأس المال.
ويشترط أن يكون رأس المال معلومًا يمكن التصرف به في الحال. فلا تجوز الشركة على رأس مال مجهول، ولا تجوز بمال غائب، أو بدين، لأنه لا بد من الرجوع برأس المال عند المفاصلة، ولأن الدين لا يمكن التصرف به في الحال، وهو مقصود الشركة.
ولا يشترط تساوي مال الشريكين في القدر ولا أن يكون المالان من نوع واحد، إلا إنه يجب أن يقوّما بقيمة واحدة حتى يصبح المالان مالًا واحدًا. فيصح أن يشتركا بنقود مصرية وسورية ولكن يجب أن يُقَوَّمَا بقيمةٍ واحدة تقويمًا يذهب انفصالهما ويجعلهما شيئًا واحدًا. لأنه يشترط أن يكون رأس مال الشركة مالًا واحدًا شائعًا للجميع لا يعرف أحد الشريكين ماله من مال الآخر. ويشترط أن تكون أيدي الشريكين على المال. وشركة العنان مبنية على الوكالة والأمانة لأن كل واحد منهما يكون بدفعه المال إلى صاحبه قد أمنه، وبإذنه له في التصرف قد وكله.
ومتى تمَّت الشركة صارت شيئًا واحدًا، وصار واجبًا على الشركاء أن يباشروا العمل بأنفسهم لأنَّ الشركةَ وقعت على أبدانهم. فلا يجوز لأحدهم أن يوكل عنه من يقوم ببدنه مقامه في الشركة في التصرف. بل الشركة كلها تؤجر من تشاء وتستخدم بدن من تشاء أجيرًا عندها لا عند أحد الشركاء.
ويجوز لكل واحد من الشريكين أو الشركاء أن يبيع ويشتري على الوجه الذي يراه مصلحة للشركة. وله أن يقبض الثمن والمبيع ويخاصم في الدين ويطالب به، وأن يحيل ويحال عليه، ويرد بالعيب. وله أن يستأجر من رأس مال الشركة ويؤجر، لأن المنافع أجريت مجرى الأعيان. فله أن يبيع السلعة، كالسيارة مثلًا، وله أن يؤجرها كونها سلعة للبيع، وصارت منفعتها في الشركة كالعين نفسها وأُجريت مجراها.
ولا يشترط تساوي الشريكين في المال، ويصح أن يتساويا، والربح يكون على ما شرطا. فيصح أن يشترطا التساوي في الربح ويصح أن يشترطا التفاضل فيه لقوله صلى الله عليه وآله وسلم "الربح على ما شرط العاقدان".
أما الخسارة في شركة العنن فإنها تكون على قدر المال فقط، فإن كان مالهما متساويًا في القدر فالخسارة بينهما مناصفة، وإن كان أثلاثًا فالخسارة تكون أثلاثًا. وإذا شرطا غير ذلك فلا قيمة لشرطهما وينفذ حكم الخسارة من دون شرطهما، وهو أن توزع الخسارة على نسبة المال. لأنَّ البدنَ لا يخسرُ مالًا، بل يخسر ما بذله من جهد فقط، فتبقى الخسارة على المال وتوزع عليه بنسبة حصص الشركاء، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم "الربْحُ على ما شرط العاقدان والوضيعة على قدر المال".
شركة الأبدان
وهي أن يشترك اثنان أو أكثر بأبدانهما فقط من دون مالهما أي فيما يكتسبانه بأيديهما أي بجهدهما من عمل معين، سواء أكان فكريًّا أو جسديًّا. وذلك كالصناع يشتركون على أن يعملوا في صناعاتهم، فما يربحونه فهو بينهم. وكالمهندسين والأطباء والصيادين والحمالين والنجارين وسائقي السيارات وأمثالهم. ولا يشترط اتفاق الصنائع بين الشركاء ولا أن يكونوا جميعًا صناعًا. فلو اشترك صناع مختلفة صنائعهم جاز ذلك، لأنهم اشتركوا في مكسب مباح، كما لو اتفقت الصنائع بينهم. ولو اشتركوا في عمل معين على أن يدير أحدهم الشركة، والآخر يقبض المال، والثالث يعمل بيده، صحت الشركة وعلى ذلك يجوز أن يشترك عمال في مصنع، سواء أكانوا كلهم يعرفون الصناعة، أو بعضهم يعرف وبعضهم الآخر لا يعرف، وصحّ أن يشتركوا صنّاعًا وعمالًا وكتابًا وحراسًا، وبذلك يكونون جميعًا شركاء في المصنع. إلا إنه يشترط أن يكون العمل الذي اشتركوا في القيام به بقصد الربح عملًا مباحًا، أما إذا كان العمل محرمًا فلا تجوز الشركة فيه.
والربح في شركة الأبدان يكون بحسب ما اتفقوا عليه من مساواة أو تفاضل. لأن العمل يستحق به الربح، وكما يجوز تفاضل الشريكين في العمل يجوز تفاضلهما في الربح الحاصل به. ولكل واحد منهما المطالبة بالأجرة كلها ممن استأجرهما، وبثمن البضاعة التي صنعاها ممن يشتريها. وللمستأجر لهما أو المشتري منهما ما صنعا من بضاعة دفع الأجرة جميعها أو دفع ثمن البضاعة جميعه إلى أي واحد منهما، وإلى أيهما دفع فذمته برئت.
وإن عمل أحد الشركاء من دون شركائه فالكسب بينهم جميعًا لأن العمل مضمون عليهم معًا، وبهذا الضمان وجبت الأجرة، فيكون الكسب لهم، كما كان الضمان عليهم.
وليس لأحدهم أن يوكل عنه غيره شريكًا ببدنه، كما أنه ليس لأحدهم أن يستأجر أجيرًا عنه شريكًا ببدنه، لأن العقد وقع على ذاته فيجب أن يكون هو المباشر للعمل إذْ إنَّ الشريكَ بدنه هو، وهو المتعين في الشركة. ولكن يجوز أن يستأجر أحدهم أجراء، والاستئجار حينئذٍ يكون من الشركة وللشركة، ولو باشره واحد من الشركاء فلا يكون نيابة ولا وكالة ولا أجيرًا عنه، ويكون تصرف كل شريك تصرفًا عن الشركة، ويُلزم كل واحد منهم ما يقوم به شريكه من أعمال في نطاق الشركة.
وهذه الشركة جائزة، لما روى أبو داود والأثرم بإسنادهما عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه: "اشتركت أنا وعمار بن ياسر وسعد بن أبي وقاص فيما نُصيبُ يوم بدر. فجاء سعد بأسيرين ولم أجئ أنا وعمار بشيء" وقد أقرهما الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على ذلك. وقال أحمد بن حنبل: أشرك بينهم النبي صلى الله وعليه وآله وسلم. فهذا الحديث صحيح. وهو صريح في اشتراك جماعة من الصحابة في أبدانهم في عمل يقومون به، وهو قتال الأعداء، ويقسمون ما ينالون من غنائم إنْ ربحوا المعركة.
أما ما يقال من أنَّ حكم الغنائمِ يخالفُ هذه الشركةَ، فإنه غير وارد على هذا الحديث، لأن حكم الغنائم نزل بعد معركة بدر هذه، فحين حصلت هذه الشركة بأبدانهم لم يكن حكم الغنائم موجودًا. وحكم الغنائم الذي نزل في ما بعد لا ينسخ الشركة التي حصلت بل يبين نصيب الغانمين. ويبقى حكم شركة الأبدان ثابتًا بهذا الحديث ما دام الحديث قد ثبتت صحته.
شركة المضاربة
وتسمّى المقارضة وهي أن يشترك بدن ومال. وتكون بأن يدفع رجلٌ مالَهُ إلى آخر يتجر له فيه، على أن يقتسما ما حصل من الربح بينهما بحسبما يشترطانه. إلا إن الخسارة في المضاربة لا تخضع لاتفاق الشريكين، بل لما ورد في الشرع. والخسارة في المضاربة تكون شرعًا على المال خصوصًا وليس على المضارب منها شيء. حتى لو اتفق صاحبٌ المال والمضارب على أن الربح بينهما والخسارة عليهما، كان الربح بينهما والخسارة على المال، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: "الربح على ما شرط العاقدان والوضيعة على قدر المال". والبدن لا يخسر مالًا بل يخسر ما بذله من جهد فقط فتبقى الخسارة على المال.
ولا تصح المضاربة حتى يسلَّم المال إلى العامل ويخلى بينه وبينه، إذ هي لا تنعقد حتى يتمّ تسليم المال إلى المضارب. ويجب في المضاربة تقدير نصيب العامل، وأن يكون المال الذي تجري المضاربة عليه مقدّرًا معلومًا.
ولا يصح أن يعمل صاحبُ المال مع المضارب ولو شرط عليه، لأنه لا يملك التصرف بالمال الذي صار للشركة، ولا يملك صاحب المال التصرف بالشركة مطلقًا، بل المضارب هو الذي يتصرف، وهو الذي يعمل وهو صاحب اليد على المال. وذلك لأن عقد الشركة حصل على بدن المضارب ومال صاحب المال، ولم يقع العقد على بدن صاحب المال، فصار كالأجنبي عن الشركة لا يملك أن يتصرَّف فيها بشيء.
إلا إن المضارب مقيّد بما أذِنَ له صاحبٌ المال من تصرف، ولا يجوز له أن يخالفه لأنه متصرف بالإذن. فإذا أذِنَ له أنْ يتاجرَ بالصوف فقط، أو منعه من أن يشحن البضاعة في البحر، فعليه أن يتقيد بذلك. ولكن ليس معنى هذا أن صاحب المال متصرّف بالشركة، بل معناه أن المضارب مقيد في حدود ما أذن له صاحب المال. فالتصرف بالشركة محصور بالعامل فقط وليس لصاحب المال أيّ صلاحية في التصرف.
ومن المضاربة أن يشترك مالان وبدن أحدهما. فلو كان بين رجلين ثلاثة آلاف لأحدهما ألف وللآخر ألفان، فأَذِنَ صاحبُ الألفين لصاحب الألف أن يتصرف فيهما على أن يكون الربح بينهما نصفين صحت الشركة، ويكون العامل صاحب الألف مضاربًا عند صاحب الألفين وشريكًا له.
وكذلك من المضاربة أن يشترك مالان وبدن غيرهما وهذه كلها تدخل في باب المضاربة.
والمضاربة جائزة شرعًا، لما روي أن العباس بن عبد المطلب كان يدفع مال المضاربة ويشترطُ على المضارب شروطًا معينة، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم فاستحسنه، وانعقد إجماع الصحابة على جواز المضاربة. وقد روي عن حميد بن عبد الله عن أبيه عن جده: "أن عمر بن الخطاب أعطاه مال يتيم مضاربة يعمل به في العراق". وعن مالك عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن جده: "أن عثمان قارضه". وعن ابن مسعود وحكيم بن حزام: "أنهما قارضا". وقد كان ذلك على مرأى من الصحابة، ولم يرو مخالف له، ولم ينكر أحد ذلك، فكان ذلك إجماعًا منهم على جواز المضاربة.
شركة الوجوه
وهي أنْ يشتركَ بدنانِ بمالِ غيرهما. أي أن يدفع واحد ماله إلى اثنين فأكثر مضاربة، ويكون المضاربان شريكين في الربح بمال غيرهما. فقد يتفقان على قسمة الربح أثلاثًا لكل واحد منهما الثلث وللمال الثلث، وقد يتفقان على قسمته أرباعًا للمال الربع ولأحدهما الربع وللآخر النصف، وقد يتفقان على غير ذلك من الشروط. وبهذه الشروط يمكن أن يحصل تفاضل بين العاملين في الربح، ويكون اشتراكهما مع تفاضل حصصهما مبنيًّا على وجاهة أحدهما أو وجاهتهما، إما من ناحية المهارة في العمل، وإما من ناحية حسن التصرف في الإدارة، مع أن التصرف الشرعي الذي يملكانه في المال واحد. ومن أجل ذلك تُعدّ هذه الشركة من نوع آخر غير شركة المضاربة مع أنها في حقيقتها ترجع إلى المضاربة.
ومن شركة الوجوه أن يشترك اثنان فأكثر فيما يشتريانه بثقة التجار بهما وجاههما المبني على هذه الثقة من غير أن يكون لهما رأس المال. ويشترطان على أن يكون ملكهما في ما يشتريانه نصفين أو أثلاثًا أو أرباعًا أو نحو ذلك بحسبما يتفقان عليه، لا بحسبما يملكان في البضاعة. أما الخسارة فتكون على قدر ملكيهما في المشتريات لأنه بمقام مالهما، لا بحسبما يشترطان من خسارة ولا بحسب الربح سواء أكان الربح بينهما بقدرَ مشترياتهما أو مختلفًا عنها، وذلك لقوله عليه الصلاة والسلام "الربحُ على ما شرط العاقدان والوضيعة على قدر المال".
وشركة الوجوه بقسميها جائزة. لأنهما إذا اشتركا بمال غيرهما كانت من قبيل شركة المضاربة الثابتة بالسنّة والإجماع، وإن اشتركا فيما يأخذانه من مال غيرهما، أي فيما يشتريانه بجاههما وثقة التجار بهما فهي من قبيل شركة الأبدان الثابتة بالسنّة. وعلى هذا تكون شركة الوجوه ثابتة بالسنّة والإجماع.
إلا إنه ينبغي أن يعلما أن المراد بالثقة هنا الثقة المالية وهي الثقة بالسداد لا بالجاه والوجاهة. لأن الثقة إذا أطلقت في موضوع التجارة والشركة ونحو ذلك فإنما يقصد منها الثقة بالسداد، وهي الثقة المالية. وعلى ذلك قد يكون الشخص وجيهًا لكنه غير موثوق بالسداد، فلا توجد فيه ثقة مالية ولا يُحسب أن لديه ثقة تُعدّ في موضوع التجارة والشراكة. قد يكون هذا الشخص وزيرًا أو غنيًّا أو تاجرًا كبيرًا ولكن لا توجد فيه ثقة بالسداد ولا يؤمن على شيء فلا تكون فيه ثقة مالية، وعلى ذلك فإنه لا يستطيع أن يشتري من السوق أيّ بضاعة من دون أن يدفع ثمنها. وقد يكون شخصًا فقيرًا لكن التجار يثقون بسداده ما عليه من المال، فإنه يستطيع أن يشتري بضاعة من دون أن يدفع ثمنها. وعلى هذا فشركة الوجوه تتركز فيها الثقة بالسداد لا بالوجاهة. وإن ما يحصل في بعض الشركات من إدخال وزير عضوًا في شركةٍ وتخصيصه بنصيب معين من الربح من دون أن يدفع أي مال أو يشترك بأي جهد، بل أشرك لمنزلته في المجتمع حتى يسهّل للشركة معاملاتها، فهذا ليس من قبيل شركة الوجوه ولا ينطبق عليه تعريف الشركة في الإسلام. هذا النوع من الاشتراك غير جائز شرعًا، وعليه فلا يُعدّ هذا الشخص شريكًا ولا يحلُّ له أن يأخذَ شيئًا من هذه الشركة.
ومثل هذا ما يحصل في بعض البلدان التي لا يسمح فيها لغير المواطن بالحصول على رخصة للتجارة أو للعمل. أمام هذا الواقع القانوني يضطر الأجنبي الذي يجد فرص العمل متاحة أمام رأس ماله أن يُدخِلَ أحد المواطنين شريكًا معه وأن يجعل له حصة من الربح من دون أن يدفع هذا المواطن أي مال، ومن دون أن تعقد الشركة على بدنه، بل عُدّ شريكًا من أجل أنَّ الرخصة أُخِذت باسمه وجعلت له حصة من الربح مقابل ذلك. هذه أيضًا ليست من شركات الوجوه ولا هي من الشركات الجائزة شرعًا. ولذلك لا يُعدّ هذا المواطن شريكًا، ولا يحلّ له أن يأخذ شيئًا من هذه الشركة لأنه لا تنطبق عليه الشروط التي أوجب الشرعُ أن تتوافر في الشريك حتى يكون شريكًا شرعًا، وهي الاشتراك بالمال أو البدن أو الثقة التجارية بالسداد، وأن يباشر هو العمل بما أخذ من بضاعة بهذه الثقة.
شركة المفاوضة
وهي أن يشترك الشريكان في جميع أنواع الشركات المار ذكرها مثل أن يجمعها بين شركة العنان والأبدان والمضاربة والوجوه، وذلك كأن يدفع شخصٌ مالًا على سبيل المضاربة لمهندسَيْنِ شريكين ليضمّاه إلى مالهما ويوسعا عملهما في إقامة الأبنية والتجارة فيها، ثم اتفقا على أن يشتغلا بأكثر مما بين أيديهما من مال، وصارا يأخذان بضاعة من غير دفع ثمنها حالًا بناء على ثقة التجار بهما. فاشتراك المهندسين معًا ببدنهما يعدّ شركة أبدان بكون صناعتهما، ودفعهما مالًا منهما يشتغلان به معًا يُعدّ شركة عنان، وأخذهما مالًا من غيرهما مضاربة يُعدّ شركة مضاربة، واشتراكهما في البضاعة التي يشتريانها بناء على ثقة التجار بهما يُعدّ شركة وجوه. فهذه الشركة التي أقاماها جمعت كل أنواع الشركات في الإسلام. وذلك جائز شرعًا لأن كل نوع منها صحيح على انفراده فيصح مع غيره. والربح على ما اصطلحا عليه، فيجوز أن يجعل الربح على قدر المالين، ويجوز أن يتساويا مع تفاضلهما في المال، وأن يتفاضلا مع تساويهما في المال.
هذا النوع من شركة المفاوضة جائز لورود النص به. أما ما ذكره بعض الفقهاء من أنواع شركة المفاوضة الأخرى، وهي أن يشترك الرجلان فيتساويان في ماليهما وتصرفهما وَدَيْنهما، وأن يفوض كل واحد منهما إلى صاحبه على الإطلاق، فلا تجوز مطلقًا لأنه لم يرد نص شرعي يدلّ عليها، ولأن الحديثين اللَّذَيْنِ يستشهدون بهما وهما "إذا تفاوضتم فأحسنوا المفاوضة" أو "فاوضوا فإنه أعظم للبركة" لم يصح شيء منهما ولا في معناهما على فرض صحة دلالتهما، ولأن هذه الشركة شركة على مال مجهول وعمل مجهول وهذا وحده كاف لعدم صحة هذه الشركة، ولأن الشركة تتضمن معنى الوكالة، والوكالة بمجهول الجنس لا تجوز. كل هذه الأدلة تجزم بعدم صحة هذا النوع من شركة المفاوضة.
فسخ الشركة
والشركة من العقود الجائزة شرعًا، وتبطل بموت أحد الشريكين أو جنونه أو الحجر عليه لسفه، أو بالفسخ من أحدهما، لأنها عقد جائز وتبطل بذلك كله كالوكالة.
وإنْ مات أحد الشريكين وله وارثٌ رشيدٌ فلهذا الوارث أنْ يقيمَ على الشركة وعلى الشريك أن يأذن له في التصرف، كما أن للوارث المطالبة بالقسمة. وإذا طلب أحد الشريكين الفسخ وجب على الشريك الآخر إجابة طلبه. وإذا كانوا شركاء كثرًا وطلب أحدهم فسخ الشراكة ورضي الباقون ببقائها فسخت الشركة التي كانت قائمة وجددت بين الباقين. إلا إنه يفرّق في الفسخ بين شركة المضاربة وغيرها، ففي شركة المضاربة إذا طلب العاملُ البيع وطلب المضارب القسمة أجيب طلب العامل لأن حقه محصور في الربح ولا يظهر الربح إلا في البيع. أما في باقي أنواع الشركة فإذا طلب أحد الشريكين القسمة وطلب الآخر البيع أجيب طلب القسمة من دون طلب البيع.
الطرق التي تمنع تنمية المال
جعل الشرع الإسلامي تنمية المــُلك مقيدة في حدود لا يجوز تعدِّيها، فمنع الفرد من تنمية المــُلك بطرق معينة، منها:
القمار
منع الشرع القمار منعًا باتًّا، واعتبر المال الذي يؤخذ بسببه غير مملوك. قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ} (المائدة: 90 ـــــــ 91). أكد سبحانه تحريم الخمر والميسر بوجوهٍ من التأكيد: منها تصدير الجملة بإنـما، ومنها أنه قرنهما بعبادة الأصنام، ومنها أنه جعلهما رجسًا، ومنها أنه جعلهما من عمل الشيطان، والشيطان لا يأتي منه إلا الشر البحت، ومنها أنه أمر بالاجتناب، ومنها أنه جعل الاجتناب من الفلاح، وإذا كان الاجتناب طاعةً وفلاحًا كان الارتكاب معصية وخيبة، ومنها أنَّ القمار والخمر ينجم عنهما التعادي والتباغض، ومنها أنهما يصدان عن ذكر الله وعن مراعاة أوقات الصلاة. ثم ختم الآية الكريمة بقوله: {فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ} وهي صيغة استفهامية من أبلغ ما ينهي به، فكأنه قيل: قد تلي عليكم ما في الخمر والميسر من أنواع الصوارف والموانع فهل أنتم بعد علمكم بهذه الصوارف والموانع منتهون؟
ومن القمار أوراق اليانصيب مهما كان نوعها ومهما كان السبب الذي وضعت له، ومن القمار الرهان في سباق الخيل. ومال القمار حرام لا يجوز تملكه ولا يجوز تنمية المال به.
الربا
منع الشرع الربا منعًا باتًّا مهما كانت نسبته سواء أكانت كثيرة أم قليلة. ومال الربا حرام قطعًا، ولا حق لأحدٍ في ملكيته، ويرد لأهله إن كانوا معروفين. قال الله تعالى: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (البقرة: 275). وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (278) فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ} (البقرة: 278 ـــــــ 279).
والوصف الواقع للربا هو أن هذه الفائدة التي يأخذها المرابي استغلال لجهد الناس، وهي جزاء من غير بذل جهد. والمال الذي يؤخذ عليه ربا مضمون الفائدة غير معرض للخسارة، وهذا يخالف قاعدة "الغرم بالغنم". لذلك كان استغلال المال بالشركة والمضاربة والمساقاة بشروطها جائزًا لأن الجماعة تنتفع به ولا يستغل جهد آخرين، بل يكون وسيلة تمكنهم من الانتفاع بجهد أنفسهم. وهو معرضٌ للخسارة كما هو معرض للربح، وهذا بخلاف الربا.
على أن تحريم الربا إنما كان بالنص ولم يعلَّل هذا النص بعلَّة، وقد جاءت السنّة مبينة الأموال الربوية. غير أنه قد يتبادر للذهن أن صاحب المال قد يحتفظ بماله فلا يسخو بإقراض المحتاج من دون بدلٍ لقضاء حاجته، وهذه الحاجة قد تلح على صاحبها فتضطره لأخذ المال بالربا إذ لا سبيل أمامه غير ذلك. كما قد يتبادر إلى الذهن أيضًا أن الحاجةَ اليوم تعددت وتنوعت وصار الربا قوام التجارة والزراعة والصناعة، ولذلك وجدت المصارف (البنوك) للتعامل بالربا، ولا وسيلة غيرها كما لا وسيلة بغير المرابين لسدِّ الحاجات.
والجواب عن ذلك أننا نتحدث عن تحريم الربا في المجتمع الذي يطبق فيه الإسلام في جميع نواحي الحياة ومنها الناحية الاقتصادية، لا عن المجتمع بوضعه الحاضر. لأن هذا المجتمع بوضعه الحاضر يعيش على النظام الرأسمالي، ولذلك برز فيه كون المصرف (البنك) من ضرورات الحياة. فصاحب المال الذي يرى نفسه حرًّا في ملكه، والذي يرى أن له حرية الاستغلال بالغش والاحتكار والقمار والربا وغير ذلك من دون رقابة من دولة أو تقيد بقانون، لا شك في أنه يرى أنَّ الربا والمصرف الذي يقوم عليه ضرورة من ضرورات الحياة.
لذلك وجب أن يغير النظام الاقتصادي الحالي برمّته وأن يقوم مكانه النظام الاقتصادي الإسلامي. فإذا أُزيل النظام الحالي وطُــبِّق النظام الإسلامي ظهر للناس أن المجتمع الذي يطبّق الإسلام لا تظهر فيه الضرورة إلى الربا، لأن المحتاج إلى قرضٍ إما أنْ يحتاجه لأجل العيش أو لأجل العمل. أما الحاجة الأولى فقد سدها الإسلام بضمان العيش لكل فرد من أفراد الرعية. وأما الحاجة الثانية فقد سدّها الإسلام بإقراض المحتاج من دون ربا. قال عليه وعلى آله الصلاة والسلام: "ما من مسلم يقرض مسلمًا قرضًا مرتين إلا كان كصدقة مرة". وإقراض المحتاج مندوب، ولا يكره الاستقراض بل يندب أيضًا، لأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كان يستقرض. وما دام الاستقراض موجودًا وهو مندوب للمقرض والمستقرض فقد برز للناس أن الربا ضرر من أشد الأضرار على الحياة الاقتصادية، بل برز للعيان أن الضرورة تقضي باستبعاد الربا وإيجاد الحوائل الكثيفة بينه وبين المجتمع بالتشريع والتوجيه وفق نظام الإسلام.
وإذا عُدِمَ الربا لم تبقَ حاجةٌ للمصارف (البنوك) الموجودة الآن والقائمة على الربا، كما أنه لا مانع أن تقوم الدولة الإسلامية بإنشاء بنك لتصريف أعمال الناس وأن يكون له فروع في جميع أنحاء البلاد، وأن يبقى بيت المال وحده يقوم بإقراض المال بلا فائدة بعد التحقق من إمكانية الانتفاع بالمال. وقد أعطى عمر بن الخطاب رضي الله عنه من بيت المال للفلاحين في العراق أموالًا لاستغلال أرضهم. والحكم الشرعي أن يعطى الفلاحون من بيت المال ما يتمكنون به من استغلال راضيهم إلى أن تخرج الغلال. وعن الإمام أبي يوسف: "ويعطى للعاجز كفايته من بيت المال قرضًا ليعمل فيها" أي الأرض. وكما يقرض بيت المال الفلاحين للزراعة يقرض من هم مثلهم ممن يقومون بالأعمال الفردية التي يحتاجون إليها لكفاية أنفسهم. وإنما أعطى عمرُ الفلاحينَ لأنهم في حاجة إلى كفاية أنفسهم في العيش، ولذلك لا يعطى الفلاحون الأغنياء من بيت المال شيئًا لزيادة إنتاجهم. ويقاس على الفلاحين من هم مثلهم في ما هم في حاجة إليه لكفاية أنفسهم في العيش، فقد أعطى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم رجلًا فأسًا وحبلًا ليحتطبَ من أجل أن يأكل.
على أن ترك الربا لا يتوقف على وجود المجتمع الإسلامي أو وجود الدولة الإسلامية أو وجود من يقرض المال، بل الربا حرام ويجب تركه سواء وجدت دولة إسلامية أم لم توجد، ووجد مجتمع إسلامي أم لم يوجد، ووجد من يقرض المال أم لم يوجد، لأن الربا حرام في القرآن نصًّا، وهذا وحده كافٍ لإبعاد أي تضليل أو تأويل.

الغبن الفاحش
الغبن في اللغة الخداع. يقال غبنه في البيع والشراء أي خدعه وغلبه، وغبن فلانًا أي نقصه في الثمن وغيره فهو غابن وذاك مغبون. والغبن هو بيع الشيء بأكثر مما يساوي أو بأقل مما يساوي. والغبن الفاحش حرام شرعًا لأنه ثبت في الحديث الصحيح طلب ترك الغبن طلبًا جازمًا. فقد روي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رجلًا ذكر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه يخدع في البيوع فقال: "إذا بايعت فقل لا خلابة" . وعن أنس: "أنَّ رجلًا على عهد رسول الله صلى الله وعليه وآله وسلم كان يبتاع وكان في عقدته يعني في عقله ضعف فأتى أهله النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا: يا رسول الله أحجر على فلان فإنه يبتاع وفي عقله ضعف. فدعاه ونهاه، فقال: يا نبي الله إني لا أصبر عن البيع. فقال: إن كنت غير تارك للبيع فقل: ها وها ولا خلابة". والخلابة ـــــــ بكسر الخاء ـــــــ الخديعة. فهذه الأحاديث قد طُلِبَ فيها تركُ الخلابة وتأكد هذا الطلب بقول الرسول: "ولا خلابة"، فدل ذلك على أن طلب ترك الخديعة كان طلبًا جازمًا، ومن هنا كان الغبن حرامًا. إلا إن الغبن الحرام هو الغبن الفاحش لأن علة تحريم الغبن هو كونه خديعة في الثمن، ولا يسمّى خديعة إذا كان يسيرًا، لأنه يكون مهارة في المساومة، بل يكون الغبن خديعة إذا كان فاحشًا.
وإذا ثبت الغبن فإن للمغبون الخيار إن شاء فسخ البيع وإن شاء أمضاه، أي إذا ظهرت خديعة في البيع جاز للمخدوع أن يرد الثمن ويأخذ السلعة إذا كان بائعًا، وأن يرد المبيع ويأخذ الثمن إذا كان مشتريًا، وليس له أخذ الأرش أي ليس له أن يأخذ الفرق بين ثمن السلعة الحقيقي والثمن الذي بيعت له، لأن الرسول جعل له الخيار بين أن يفسخ البيع أو يرفضه فقط ولم يجعل له غير ذلك. قال عليه الصلاة والسلام "إذا أنت بايعت فقل لا خلابة. ثم أنت في كل سلعة ابتعتها بالخيار ثلاث ليال، إن رضيت فأمسك وإن سخطت فارددها على صاحبها". وهذا يدل على أن المغبون يثبت له الخيار. إلا أن هذا الخيار يثبت بشرطين: أحدهما عدم العلم وقت العقد، والثاني الزيادة أو النقصان الفاحش الذي لا يتغابن الناس بمثلهما وقت العقد. والغبن الفاحش هو ما اصطلح التجار على كونه غبنًا فاحشًا. ولا يقدر ذلك بثلث ولا ربع بل يترك لاصطلاح التجار في البلد وقت إجراء العقد، لأن ذلك يختلف باختلاف السلع والأسواق.
التدليس في البيع
الأصل في عقد البيع اللزوم والتنفيذ. فمتى تم العقد بالإيجاب والقبول بين البائع والمشتري وانتهى مجلس البيع فقد صحّ عقد البيع ووجب نفاذه على المتابعين. إلا إنه لما كان عقد المعاملة يجب أن يتم على وجه يرفع المنازعات بين الناس، فقد حرَّم الشرع على الناس التدليس في البيع، وجعله إثمًا سواء حصل من البائع أو المشتري في السلعة أو العملة، فكله حرام. والتدليس قد يحصل من البائع وقد يحصل من المشتري. ويكون التدليس من البائع بأن يكتم العيب في السلعة عن المشتري مع علمه به، أو يغطي هذا العيب عنه بما يوهم المشتري عدمه، أو يغطي السلعة بما يظهرها كلها حسنة. ويكون التدليس من المشتري بأن يزيف العملة التي يدفع بها الثمن أو يكتم ما فيها من زيف مع علمه به. وقد يختلف الثمن باختلاف المبيع بسبب التدليس، كما قد يرغب المشتري في السلعة بسبب التدليس. فهذا التدليس بجميع أنواعه حرام، لما روى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "من ابتاع محفَلة فهو بالخيار ثلاثة أيام، إن ردها رد معها مثل أو مثلي لبنها قمحًا"، والمراد رد ثمن لبنها الذي حلبه. ولما روى ابن ماجه في سننه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "بيع المحفلات خِلابة ولا تحل الخِلابة لمسلم". فهذه الأحاديث صريحة في النهي عن تصرية الإبل والغنم، وفي النهي عن بيع المحفلات وهي التي لم تحلب حتى يظهر ضرعها كبيرًا فيتوهم المشتري أنها حلوب، وصريحة في كون بيع المحفلات خديعة وأن ذلك حرام.
ومثل ذلك كل عمل يغطي العيب أو يكتم العيب فهو تدليس يحرم فعله سواء أكان ذلك في السلعة أم العملة لأنه غبن. ولا يجوز للمسلم أن يغش في السلعة أو العملة بل يجب عليه أن يبيِّن ما في السلعة من عيب، وعليه أن يوضح ما في العملة من زيف، وألّا يغش السلعة من أجل أن تروّج أو تباع بثمن أغلى، وأن لا يغش العملة من أجل أن تُقبل ثمنًا للسلعة، لأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن ذلك نهيًا جازمًا. فقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "المسلم أخو المسلم لا يحل لمسلم باع من أخيه بيعًا إلا بيَّنة له". وقال: "من باع عيبًا لم يبيِّنه لم يزل في مقت الله ولم تزل الملائكة تلعنه". وقال: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا فإن تفرقا وبيَّنا بورك لهما في بيعهما وإن كتما وكذبا مُحِقَتْ بركةُ بيعهما" وقال: "ليس منا من غشَّ". ومن حاز شيئًا بالتدليس فهو لا يملكه، التدليس ليس من وسائل التملك، بل هو من الوسائل المنهي عنها، وهو مال حرام ومال سحت . قال عليه الصلاة والسلام: "لا يدخل الجنة لحم نبت من السحت، وكل لحم نبت من السحت كانت النار أولى به".
وإذا حصل التدليس سواء أكان بالسلعة أم بالعملة صار للمدلس عليه الخيار، إما أن يفسخ العقد أو يمضي، وليس له غير ذلك. فإذا أراد المشتري إمساك السلعة المعيبة أو المدلّسة وأخذ الأرش، أي الفرق بين ثمنها من غير عيب وثمنها بالعيب، فليس له ذلك، لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يجعل له أرشًا بل خيره في شيئين: "إن شاء أمسكها وإن شاء ردها".
ولا يشترط أن يكون البائع عالماً بالتدليس أو العيب حتى يثبت الخيار، بل يثبت الخيار للمدلس عليه بمجرد حصول التدليس، سواء أكان البائع عالماً أم غير عالم، لأن الأحاديث عامة، ولأن واقع البيع يكون قد حصل على ما نهي عنه. وهذا بخلاف الغبن فإنه يشترط فيه العلم بالغبن من قبل الغابن، لأنه إن لم يكن عالماً بذلك لم يكن هناك غبن وبالتالي لا يكون هناك حق للمغبون. كأن ينزل سعر سلعةٍ ما في السوق ويكون البائع غير عالم بذلك فيبيعهما بسعر مرتفع فإن ذلك لا يُعدّ غبنًا ولا يخير فيه المشتري، لأن البائع غير عالم بنزول السعر ولا يصدق عليه أنه غابن.
الاحتكار
يمنع الاحتكار مطلقًا، وهو حرامٌ شرعًا لورود النهي الجازم عنه في صريح الحديث. فقد روي في صحيح مسلم عن سعيد بن المسيب عن معمر بن عبد الله العدوي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "لا يحتكر إلا خاطئ" وروي عن الأثرم عن أبي أمامة قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يحتكر الطعام". وروي أيضًا بإسناده عن سعيد ابن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "من احتكر فهو خاطئ". فالنهي في الحديث يفيد طلب الترك وذم المحتكر بوصفه أنه خاطئ ـــــــ والخاطئ: المذنب العاصي ـــــــ قرينة تدل على أن هذا الطلبَ للترك يفيدُ الجزم، ومن هنا دلَّت الأحاديث على حرمة الاحتكار.
والمحتكر هو من يجمع السلع ويحبسها عن الناس انتظارًا لغلائها حتى يبيعها بأسعارِ عاليةٍ بحيثُ يضيق على أهل البلد شراؤها. ومعنى كلمة حكر في اللغة استبد، ومنه الاستبداد بحبس البضاعة كي تباع بالكثير. واحتكر الشيء في اللغة جمعه واحتبسه انتظارًا لغلائه فيبيعه بالكثير. وعلى هذا فليس شرط الاحتكار أنْ يشتري المحتكر السلعة، بل إن مجرد جمعها انتظارًا للغلاء حتى تباع بالكثير يُعدّ احتكارًا، سواء جمعها بالشراء أو جمعها من غلة أراضيه لانفراده بهذا النوع من الغلّة أو لندرة زراعتها، أو جمعها من مصانعه لانفراده بهذه الصناعة أو لندرة هذه الصناعة كما هي الحال في الاحتكارات الرأسمالية. فإنهم ـــــــ أي الرأسماليين ـــــــ يحتكرون صناعة سلعةٍ ما بقتل جميع المصانع التي تنتجها إلا مصانعهم لكي يتحكموا في السوق. فالاحتكار إذًا هو حصر السلعة أو السلع وحبسها عن البيع من الناس انتظارًا لغلائها ثم بيعها بالكثير.
والاحتكار حرام في جميع الأشياء من غير فرق بين قوت الآدمي أو قوت الدواب وغيره، ومن غير فرق بين الطعام وغيره، ومن غير فرق بين ما هو من ضروريات الناس أو من كمالياتهم، وذلك لأن معنى احتكر في اللغة جمع الشيء مطلقًا ولم تأت بمعنى جمع الطعام أو القوت أو ضروريات الناس، فلا يصح أن تخصص بغير معناها اللغوي، ولأن ظاهر الأحاديث التي وردت في الاحتكار يدل على تحريم الاحتكار في كل شيء، وذلك لأن الأحاديث جاءت مطلقة من غير قيد، وعامة من غير تخصيص، فتبقى على إطلاقها وعمومها. وأما ما ورد في بعض الروايات من تسليط الاحتكار على الطعام كحديث "نهى رسول الله أن يحتكر الطعام"، وغير ذلك من الروايات، فإن ذكر الطعام في الحديث لا يجعل الاحتكار خاصًّا به، بل هو من قبيل المثال للنهي عن الاحتكار، فيشمل هذا النهي كل شيء مطلقًا. وواقع المحتكر أنه يتحكم في السوق ويفرض على الناس ما يشاء من أسعار باحتكاره السلعة، فيضطر الناس لشرائها منه بالثمن الغالي لعدم وجودها عند غيره. فالمحتكر في حقيقته يريد أن يغلي السعر على المسلمين وهذا حرام، لما روي عن معقل بن يسار قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من دخل في شيء من أسعار المسلمين ليغليه عليهم كان حقًّا على الله أن يقعده بِعُظْم من النار يوم القيامة".
"التسعير"
جعل الله لكل شخص أن يبيع سلعته بالسعر الذي يرضاه. قال صلى الله عليه وآله وسلم: "إنما البيع عن تراض". ولكن لما كانت الدولةُ مَظِنَّةَ التسعيرِ على الناس، أي موضع التسعير للناس، فقد حرم الله عليها أن تضع أسعارًا معينةً للسلع تجبرُ الناسَ على البيع والشراءِ بحسبها، ولذلك جاء النهي عن التسعير.
والتسعير هو أن يأمر السلطانُ، أو نوابه أو كل من ولي من أمور المسلمين أمرًا، أهل السوق ألّا يبيعوا السلع إلا بسعر معين يُحدَّدُ لهم، ثم يمنعون من الزيادة عليه حتى لا يغلوا الأسعار، أو النقصان عنه حتى لا يضاربوا غيرهم، أي يمنعون من الزيادة أو النقص عن السعر المقرر لمصلحة الناس. فالتسعير يقضي إذًا بأن تتدخل الدولةُ في الأسعارِ وتضع للسلع أو لبعضها أسعارًا معينة وتمنع كل واحد من أن يبيع بأكثر من السعر الذي عينته أو بأقل منه لما ترى في ذلك من مصلحة المجموع. وقد حرّم الإسلام التسعير مطلقًا لما روي عن أنس قال: "غلا السعر على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا: يا رسول الله لو سعَّرت. فقال: إن الله هو القابضُ الباسطُ الرازقُ المسعِّرُ وإني لأرجو أن ألقى الله عز وجل ولا يطلبني أحد بمظلمة ظلمتها إياه في دم ولا مال". ولما روي عن أبي هريرة قال: "جاء رجل فقال: يا رسول الله، سعر، فقال: بل أدعو الله. ثم جاء آخر فقال: يا رسول الله سعّر، فقال: بل الله يخفض ويرفع". وهذه الأحاديث تدل على تحريم التسعير، وأنه مظلمة من المظالم التي ترفع الشكوى على الحاكم لإزالتها، وإذا فعلها الحاكم أثم عند الله لأنه فعل حرامًا. وكان لكل شخص من رعيته أن يرفع الشكوى إلى محكمة المظالم على هذا الحاكم الذي سعّر، سواء أكان واليًا أم خليفة، يشكو لها هذه المظلمة لتحكم عليه وتقوم بإزالتها.
وتحريم التسعير عام لجميع السلع، لا فرق في ذلك بين ما كان قوتًا وما لم يكن كذلك، لأن الأحاديث تنهى عن التسعير مطلقًا، فهي عامة ولا يوجد ما يخصصه بالقوت أو بغيره، فكانت حرمة التسعير عامة تشمل تسعير كل شيء.
وواقع التسعير أنه ضرر من أشد الأضرار على الأمة في جميع الظروف، سواء أكان ذلك في حالة الحرب أم في حالة السلم، لأنه يفتح سوقًا خفية يبيع الناس فيها بيعًا مستورًا عن الدولة بعيدًا من مراقبتها، وهي ما يسمونها السوق السوداء. فترتفع الأسعار ويحوز السلعة الأغنياء من دون الفقراء، ولأن تحديد الثمن يؤثر في الاستهلاك، فيؤثر في الإنتاج وربما سبب أزمة اقتصادية. وفضلًا عن ذلك فإن الناس مسلطون على أموالهم لأن معنى ملكيتهم لها أن يكون لهم سلطان عليها، والتسعير حجر عليهم وهو لا يجوز إلا بنص شرعي، ولم يرد نص بذلك، فلا يجوز الحجر على الناس بوضع ثمن معين لسلعهم، ومنعهم من الزيادة عليه أو النقص عنه. أما ما يحصل من غلاء الأسعار في أيام الحروب، أو الأزمات السياسية، فإنه ناجم عن عدم توفر السلع في السوق بسبب احتكارها، أو بسبب ندرتها. فإن كان عدم وجودها ناجمًا عن الاحتكار فقد حرمه الله، وإن كان ناجمًا عن ندرتها، فإن الخليفة مأمور برعاية مصالح الناس، وعليه أن يسعى لتوفيرها في السوق بجلبها من أمكنة وجودها، وبهذا يكون قد منع الغلاء. ففي عام المجاعة (وقد سمّي عام الرمادة) التي حصلت في الحجاز لندرة الطعام، غلت أسعاره من جراء ندرته، فإن الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه لم يضع أسعارًا معينة للطعام بل عمل على جلبه من مصر وبلاد الشام إلى الحجاز، فرخص السعر من دون حاجة إلى التسعير.
حق التصرف بالإنفاق صلةً ونفقة
ومن حق التصرف الإنفاق. وإنفاق المال هو بذله بلا عوض، أما بذله بعوض فلا يسمّى إنفاقًا. قال تعالى: {وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ} (البقرة: 195). وقال: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} (البقرة: 3). وقال: {لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ} (الطلاق: 7). وقد جرى الإسلام على طريقته فحدد طرق الإنفاق، ووضع لها ضوابط، ولم يترك صاحب المال مطلق التصرف ينفق المال كما يشاء، بل حدد كيفية التصرف بماله في حياته وبعد مماته.
وتصرف الفرد بماله يكون بنقل ملكيته لغيره بلا عوض إما بإعطائه للناس، وإما بإنفاقه على نفسه وعلى من تجب عليه نفقته. ونفاذ هذا الإنفاق إما أنْ يكونَ حالَ حياته كالهبة والهدية والصدقة والنفقة، وإما أن يكون بعد وفاتهِ كالوصية. وقد تدخل الإسلام في هذا التصرف فمنع الفرد من أن يهبَ أو يهديَ للعدو في حالة الحرب ما يتقوى به على المسلمين، ومنعه من أن يتصدَّق عليه في هذه الحالة. ومنع الفرد من أن يهب أو يهدي أو يتصدق إلا فيما أبقى له ولعياله غنى، فإن أعطى مالًا لا يبقى لنفسه وعياله بعده غنى فُسِخ العطاء كلُّه. قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى وابدأ بمن تعول". وعن جابر بن عبد الله: "أن رجلًا أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمثل البيضة من الذهب فقال: يا رسول الله هذه صدقة ما تركت لي مالًا غيرها. فحذفه بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلو أصابه لأوجعه، ثم قال: ينطلق أحدكم فينخلع من ماله ثم يصير عِيَالًا على الناس". والغنى الذي يبقيه الإنسان له ولعياله هو إبقاء ما يكفيه من الحاجات الضرورية كالمأكل والملبس والمسكن، والحاجات الكمالية التي تُعدّ من لوازم مثله بحسب معيشته العادية أي ما يكفيه بالمعروف بين الناس. ويقدر ذلك بحسب حاجته المعتادة مع المحافظة على مستوى معيشته، التي يعيش عليها هو وعياله ويعيش عليها أمثاله من الناس. وأما قوله تعالى: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} (الحشر: 9) فليس معناه ولو كان بهم فقر كما يُتوهم، بل معناه ولو كان بهم حاجة أكثر إلى ما يسد حاجاتهم الأساسية، بدليل أن الذين فيهم فقر أعطاهم الرسول ولم يمنع إلا الذين ليس بهم فقر إلى المال. وخصاصة هنا معناها خلَّة أي حاجة وأصلها خصاص البيت وهي فروجه. فالآية كلها {وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} (الحشر: 9) تشير إلى أن الأنصار لم تَهْفُ نفوسهم ما أعطي المهاجرون، ولم تطمح إلى شيء يحتاجون إليه ولو كانت لديهم حاجة إلى المال لإنفاقه في شؤونهم لا لسد فقرهم وعوزهم. والمراد من النهي عن الصدقة في قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى" وقوله: "ينطلق أحدكم فينخلع من ماله ثم يصير عيالًا على الناس" هو أن الفقير الذي لم يشبع حاجاته الأساسية لا يجوز له أن يتصدق بما هو ضروري له لسد حاجاته الأساسية. لأن الصدقة إنما تكون عن ظهر غنى أي عن ظهر استغناء عن الناس في إشباع الحاجات الأساسية. أما الذي لديه مال يزيد على حاجاته الأساسية، وبعد أنْ أشبع حاجاته الأساسية هذه، رأى أن ينصرف لإشباع حاجات كمالية، فيندب لهذا أن يفضِّل الفقراءَ على نفسه: أي يؤثر الفقراءَ على نفسهِ ولو كان في حاجةٍ إلى ماله ليشبع حاجاته الكمالية.
وكذلك منع الإسلامُ الفردَ من أن يهب أو يهدي أو يوصي وهو في مرض الموت، وإذا وهب أو أهدى أو أوصى وهو في مرض الموت لا تنفذ وصيته إلا في ثلث ما وهب أو أوصى أو أهدى. قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إن الله تصدق عليكم عند وفاتكم بثلث أموالكم زيادة لكم في أعمالكم".
هذا كله في تصرف الفرد بإعطائه للناس، أما تصرفه بإنفاقه على نفسه وعلى من تجب عليه نفقته فقد تدخل الإسلام في هذه النفقة ورسم لها سبيلًا سويًّا. وقد منع الفرد من أمور منها:
(أ) منع الفرد من الإسراف في الإنفاق، وعدَّه سفهًا يوجب منع السفيه من التصرف بأمواله بالحجر عليه، وإقامة غيره وصيًّا عليه ليتولى عنه التصرف بأمواله لمصلحته. قال تعالى: {وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَاماً وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ} (النساء: 5). فنهى عز وجل عن إيتاء السفهاء المال، ولم يجعل لهم نصيبًا فيه إلا أن يرزقوا منه ما يكفيهم من الأكل والكسوة. وقال تعالى: {فَإن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ} (البقرة: 282). فأوجب الولاية على السفيه. وعن المغيرة بن شعبة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم "نهى عن إضاعة المال".
والإسراف والتبذير كلمتان لهما معنى لغوي، ومعنى شرعي، وقد غلب على الناس المعنى اللغوي وبعدوا عن المعنى الشرعي فصاروا يفسرونهما بغير ما أراد الشرعُ منهما. فالسَّرف والإسراف معناهُ تجاوز الحدّ والاعتدال، وهو ضد القصد. والتبذير من بذَّر المالَ تبذيرًا: فرقه إسرافًا وبدده. هذا هو معناهما اللغوي. أما معناهما الشرعي فإن الإسراف أو التبذير هو إنفاق المال فيما نهى الله عنه. فكل نفقة أباحها الله تعالى وأمر بها، كثرتْ أم قلَّت، ليست إسرافًا ولا تبذيرًا. وكل نفقة نهى الله عنها، قلت أم كثرت، فهي الإسراف والتبذير. وقد روي عن الزهري أنه كان يقول في قوله تعالى: {وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ} (الإسراء: 29): لا تمنعه من حق ولا تنفقه في باطل. وقد وردت كلمة الإسراف في القرآن الكريم في عدة آيات منها: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً} (الفرقان: 67). فالإسراف هنا إنما هو الإنفاق في المعاصي، أما التَّقرب إلى الله تعالى بالنفقة فلا إسراف فيه. ومعنى الآية: لا تنفقوا أموالكم في المعاصي، ولا تبخلوا بها حتى عن المباحات، بل أنفقوها في ما هو أكثر من المباحات، أي على الطاعات. فالإنفاق على غير المباحات مذموم، والبخل عن المباحات مذموم، والممدوح هو الإنفاق على المباحات والطاعات. قال تعالى: {وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} (الأعراف: 31) وهذا ذم من الله للإسراف وهو الإنفاق في المعاصي. وقد وردت كلمة المسرفين بمعنى المعرضين عن ذكر الله، قال تعالى: {فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} (يونس: 12) أي زين الشيطان بوسوسته ما كان يعمله المسرفون من الإعراض عن الذكر واتباع الشهوات، فسمّى المعرضين عن ذكر الله مسرفين. ووردت كلمة المسرفين بمعنى الذين غلب شرهم على خيرهم، قال تعالى: {لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ} عن قتادة: أن المراد بالمسرفين هنا هم المشركون. وعن مجاهد: المسرفون هم السفاكون للدماء بغير حلها. وقيل: الذين غلب شرُّهم خيرَهم هم المسرفون. وقد وردت كلمة مسرفين بمعنى المفسدين. قال تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (150) وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (151) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ} (الشعراء: 150 ـــــــ 152). فهذه الآيات كلها ليس المراد من الإسراف فيها المعنى اللغوي مطلقًا بل المراد معاني شرعية. وهي حين تذكر بجانب الإنفاق يراد منها إنفاقُ المال في المعاصي، فتفسيرها بالمعنى اللغوي لا يجوز، لأن الله تعالى أراد بها معنى شرعيًا معينًا.
وأما التبذيرُ فمعناه الشرعي أيضًا هو إنفاق المال في المحرمات. قال تعالى: {وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً (26) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ} (الإسراء: 26 ـــــــ 27) أي أمثالهم في الشر وهي غاية المذمة، لأنه لا يوجد أكثر شرَّا من الشيطان. والتبذير هنا تفريق المال في ما لا ينبغي. عن عبد الله: إن التبذير هو إنفاق المال في غير حقه. وعن مجاهد: لو أنفق مدًا في باطل كان تبذيرًا. وروي عن ابن عباس أنه قال في المبذر: هو الذي ينفق في غير حق. وعن ابن مسعود في قوله تعالى: {وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً} (الإسراء: 26) قال: الإنفاق في غير حقه. فهذا كله يدل على أن المراد بالإسراف والتبذير هو الإنفاق على ما حرّم الله. فكل إنفاق فيما حرمه الشرع يُعدّ إنفاقًا بغير حق يجب الحجر على فاعله. ومن يحجر عليه لا ينفذ له صدقة ولا بيع ولا هبة ولا نكاح. وكل ما أخذه قرضًا لا يلزمه أداؤه مقرضه. ولا يقضى عليه به. أما ما فعله قبل أن يحجر عليه ففعله نافذ غير محدود إلى أن يحجر عليه القاضي.
وأما قوله تعالى: {وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَّحْسُوراً} (الإسراء: 29) فإن النهي منصبّ فيه على كل البسط لا على البسط، فبسط اليد لم ينهَ عنه الله وهو الإنفاق الكثير في الحلال، وأما المنهيُّ عنه فهو كل البسط. فعدم النهي عن البسط ـــــــ ومعروف أنه إنفاق المال بكثرة ـــــــ دليل على أنه الإنفاقُ في الحلالِ، وانصبابُ النهي على كل البسط دليل على أن النهي منصبّ على ما زاد على البسط الذي أباحه الله سبحانه وتعالى.
هذا من ناحية الدليل. أما من ناحية واقع الإنفاق، فإنّ تقديره لدى المنفق يكون بالقياس لمستوى المعيشة في بلده. فهناك بلاد لا يُشْبعُ فيها الفردُ حاجاتِهِ الأساسية إشباعًا كليًّا فيُعدّ إنفاقه على إشباع الحاجات الكمالية تبذيرًا وإسرافًا، كما هي الحال في كثير من البلدان الإسلامية. وهناك بلاد يشبع الفرد فيها حاجاته الأساسية إشباعًا كليًّا، ويشبع أيضًا حاجاته الكمالية التي أصبحت مع تقدم المدنية حاجات ضرورية بالنسبة إليه كالبراد والغسالة والسيارة ونحو ذلك، فلا يُعدّ إنفاقه على هذه الحاجات الكمالية تبذيرًا وإسرافًا.
وإذا عدَّ الإسراف والتبذير كما يدل عليهما معناهما اللغوي فإن ذلك يعني أن الحكم الشرعي يحرِّم كل إنفاق يزيد على إشباع الحاجات الأساسية، وعلى هذا يكون شراء البراد والغسالة والسيارة حرامًا لأنها تزيد على الحاجات الأساسية، أو يعني أن الحكم الشرعي يرى أنَّ الإنفاقَ على هذه الحاجات حرامٌ في بلدان أو على أُناسٍ، وحلالٌ في بلدانٍ أُخرى أو على أناس آخرين. وبذلك يكون الحكم الشرعي اختلف في الشيء الواحد من دون علة، وهذا لا يجوز، لأن الحكم الشرعي في المسألة الواحدة هو هو لا يتغير. وفضلًا عن ذلك فإن إباحة الله الأشياء في استعمالها واستهلاكها كان مطلقًا ولم يقيد بالإنفاق الكثير أو القليل، فكيف يُعدّ الإنفاق الكثير حرامًا؟ وَلو أن الله عز وجل حرّم الإنفاق الكثير على الأشياء الحلال، وأحل هذه الأشياء، لكان معناه أنه أحل الشيء وحرّمه في آن: كأن يحل سبحانه استعمال الطائرة الخصوصية، ويحرّمها إذا كان شراؤها يُعدّ إنفاقًا كثيرًا، وهو تناقض لا يجوز. وعليه فإن تفسير الإسراف والتبذير بمعناهما اللغوي لا يجوز بل يجب أن يفسرا بمعناهما الشرعي الوارد في نصوص الآيات وفي الوارد من أقوال بعض الصحابة وبعض العلماء الموثوق بأقوالهم.
(ب) منع الإسلامُ الفردَ من الترف وعدّه إثمًا، وأوعد المترفين بالعذاب. قال تعالى: {وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (41) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (42) وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ (43) لَّا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ (44) إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ} (الواقعة: 41 ـــــــ 45) أي كانوا بطرين يفعلون ما يشاؤون. وقال تعالى: {حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِم بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ} (المؤمنون: 64) ومترفوهم هنا جبابرتهم البطرين. وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ} (سبأ: 34). أي: إلا قال المتكبرون على المؤمنين. وقال تعالى: {وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ} (هود: 116) والمراد هنا من قوله ما أترفوا فيه هو الانصراف إلى شهواتهم أي اتبعوا شهواتهم. وقال تعالى: {وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها} (الإسراء: 16) ومترفوها هنا جبابرتها المتنعمون. وقال تعالى: {وأترفناهم في الحياة الدنيا} (المؤمنون: 33) أي جعلناهم يصرون على البغي من بطرهم، أي جعلناهم بطرين.
والترف في اللغة: البطر والغطرسة من التنعم. يقال: ترفه وأترفه المال أي أبطره وأفسده. أترف الرجل أصر على البغي، استترف: بغى، تغطرس. وعلى ذلك يتبين أن التّرفَ الذي ذمَّهُ القرآنُ وحرَّمَهُ الله وجعله إثمًا هو الترف الذي ورد معناه في اللغة وهو البطر من التنعم، والغطرسة من التنعم، وليس هو التنعم فقط. ولذلك كان من الخطأ أن يفسّر الترف بأنه هو التمتع بالمال والتنعم بما رزق الله، لأن هذا التنعم أو التمتع بما رزق الله لم يذمه الشرع. قال تعالى: {قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق} (الأعراف: 32). وقال صلى الله عليه وآله وسلم: "إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده" أي يحب من عبده أن يتنعم بنعمة الله، ويتمتع بالطيبات التي رزقه إياها رب العالمين. لكن الله يكره البَطر من التنعم، والغطرسة من التنعم، والبغي من التنعم، أي يكره التنعم إذا نجم عنه بطر وبغي وغطرسة وتجبر. ولما كان التنعم بالمال قد ينتج عند بعض الناس تكبرًا وتجبرًا وبطرًا، أي قد يحدث عنده ترفًا، منع الإسلامُ هذا الترفَ وحرَّمه، أي منع الفساد إذا نجم عن كثرة الأموال والأولاد، فجعل الشخص بطرًا متغطرسًا متجبرًا، وحرّم ذلك أشد التحريم. فحين يقال إنَّ الترفَ حرام لا يعني أن التَّنعُّمَ حرامٌ، بل يعني أن البطرَ الذي ينجم عن التنعم بالمال حرام كما هو معنى الترف لغة، وكما يفهم من آيات القرآن.
(جـــــــ) منع الفرد من التقتير على نفسه، ومن حرمانها المتاع المشروع، وأحل التمتع بالطيبات من الرزق، وأخذ الزينة اللائقة. قال الله تعالى: {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا} (الإسراء: 29). وقال الله تعالى: {والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما} (الفرقان: 67). وقال: {قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق} (الأعراف: 32). وقال عليه الصلاة والسلام: "إن الله يحبُّ أن يرى أثر نِعْمَتِهِ على عبده". وقال: "إذا آتاك الله مالًا فلير أثر نعمته وكرامته عليك". فإذا كان للفرد مال وبخل به على نفسه فإنه يكون آثمًا عند الله تعالى. أما إذا بخل به على من تجب عليه نفقتهم فإنه فوق إثمه على ذلك عند الله تعالى لا بد من إجباره من قبل الدولة على الإنفاق على أهله ممن تجب عليه نفقتهم، وأن يضمن أن يكون هذا الإنفاق عن سعة حتى يتوافر لهم المستوى الطيب من العيش. قال الله تعالى: {لينفق ذو سعة من سعته} (الطلاق: 7). وقال: {اسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن} (الطلاق: 6). وإذا بخل على من تجب عليه نفقتهم كان لهؤلاء أن يأخذوا من المال قدر كفايتهم بالمعروف. جاءت هند إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: "يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس يعطيني من النفقة ما يكفيني وولدي. فقال: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف". فجعل لها الحق أن تأخذ النفقة بنفسها من غير علمه إن لم يعطها، لأنها فرض عليه. وعلى القاضي أن يفرض لها هذه النفقة.
وكما يجب على من فُرضت عليه النفقة أداؤها، كذلك يجب على من يأخذ النفقة أن ينفقها فيما فرضت له. فإذا فرض القاضي نفقة للأولاد، وأمر بدفعها إلى من يحضنهم من أم أو جدة أو غيرهما فإنه يجب عليها إنفاقها، فإذا لم تنفعها فعلى القاضي أن يجبرها على إنفاقها.
والتقتير على النفس غير الفقر. فالفقر هو الحاجة أو الضعف في الرزق والمورد، ويصبح الفقر بؤسًا في حال اشتداده، أي في حال الاحتياج. ونحن نرى أنهم في النظام الاقتصادي الرأسمالي يجعلون الفقر شيئًا نسبيًّا، وليس هو مسمى لشيء معين ثابت لا يتغير، فيقولون: إن الفقرَ هو عدمُ القدرةِ على إشباع الحاجات من سلع وخدمات. وبما أن الحاجاتِ تنمو وتتجدد كلما تقدمت المدنية لذلك كان إشباعها يختلف باختلاف الأشخاص والأمم. فالأمم المتخلفة تكون حاجات أفرادها محدودة ويمكن إشباعها بالسلع والخدمات الضرورية، لكنَّ الأُممَ الراقية المتمدنة المتقدمة ماديًّا تكون حاجاتها كثيرة، ولذلك يحتاج إشباعها إلى سلع وخدمات أكثر، ويكون الفقر فيها غير الفقر في البلدان المتأخرة، فمثلًا يُعدّ عدم إشباع الحاجة من الكماليات في أوروبا وأميركا فقرًا، في حين أن ذلك في مصر والعراق لا يُعدّ فقرًا. وهذا الاعتبار في النظام الاقتصادي الرأسمالي خطأ لأنه يجعل معنى الأشياء اعتباريًّا وليس حقيقيًّا، وهو خطأ أيضًا لأن الشيء له واقع حقيقي فيعرف بواقعه، وليس هو شيئًا اعتباريًّا لا واقع له، ولأن التشريع الموضوع للإنسان لا يجعل النظام مختلفًا باختلاف الأفراد، ما دام قد جاء للإنسانِ بصفته إنسانًا لا إلى الفقر فردًا. فلو كانت الدولة تحكم أهل بلدٍ معين، كما تحكم أهل بلدٍ آخر فلا يصحُّ أن تختلف نظرتها إلى الفقر في بلد عنها في الآخر لأنَّ أهل هذين البلدين هم من الناس وقد وضع العلاج لمشاكلهم.
وقد نظر الإسلام إلى الفقر بمنظار واحد للإنسان في أي بلد وفي أي جيل. فالفقر في نظر الإسلام هو عدم إشباع الحاجات الأساسية للإنسان إشباعًا كاملًا. وقد حدَّدَ الشرعُ هذه الحاجات الأساسية بثلاثة أشياء هي المأكل والملبس والمسكن. قال تعالى: {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف} (البقرة: 233). وقال: {أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم} (الطلاق: 6). وقال عليه الصلاة والسلام: "إلا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن". كل ذلك يدل على أن الحاجات الأساسية التي يُعدّ عدم إشباعها فقرًا هي الطعام والكسوة والمسكن، أما ما عدا ذلك فيُعدّ من الحاجات الكمالية، ولا يكون من لم يشبع الحاجات الكمالية مع إشباعه الحاجات الأساسية فقيرًا. والفقر بالمعنى الإسلامي: هو فقدان ما يشبع الحاجات الأساسية، من الأمور التي تكون سببًا لانحطاط الأمة وهلاكها. وقد جعله الإسلام من وعد الشيطان، قال الله تعالى: {الشيطان يعدكم الفقر} (البقرة: 268). وعَدّ الإسلام الفقر ضعفًا وأمر بالعطف على الفقراء قال تعالى: {إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم} (البقرة: 271). وقال: {وأطعموا البائس الفقير} (الحج: 28). وقد جعل الإسلام إشباع هذه الحاجات الأساسية وتوفيرها لمن لم يجدها فرضًا. فإذا وفرها الفرد لنفسه كان به، وإذا لم يوفرها لنفسه لعدم وجود مال كاف بين يديه أو لعدم إمكانه تحصيل المال الكافي، جعل الشرع إعانته على غيره حتى يتوافر له ما يشبع هذه الحاجات الأساسية. وقد فصل الشرع كيفية إعانة الفرد في هذه الأشياء. فأوجبها على الأقارب الذين يكونون رحمًا محرّمًا له قال تعالى: {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك} (البقرة: 233). أي على الوارث مثل المولود له من حيث الرزق والكسوة. وليس المراد بالوارث أن يكون وارثًا بالفعل بل أن يكون ممن يستحق الميراث. فإن لم يكن له أقارب ممن أوجب الله عليهم نفقة قريبهم وجبت نفقته على بيت المال في باب الزكاة. قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من ترك كلًّا فإلينا ومن ترك مالًا فلورثته". والكلّ الضعيف الذي لا ولد له ولا والد: اليتيم. وقال تعالى: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين} الآية: فإن لم يَفِ قسم الزكاة من بيت المال بحاجات الفقراء والمساكين كان واجبًا على الدولة أن تنفق عليهم من أبواب أخرى من بيت المال. فإن لم يوجد في بيت المال مال وجب على الدولة أن تفرضَ ضريبةً على أموالِ الأغنياءِ وتحصلها لتنفقَ على الفقراء والمساكين منها، لأن النفقة فرض على الأقارب القادرين، فإن لم يوجدوا فعلى واردات الزكاة، فإن لم يوجد منها واردات ففرض على بيت المال، فإن لم يوجد فيه مال كانت فرضًا على المسلمين كافة. قال عليه الصلاة والسلام: "أيما أهل عرصة أصبح فيهم امرؤ جائعًا فقد برئت منهم ذمة الله تبارك وتعالى". وقال صلى الله عليه وآله وسلم فيما يرويه عن ربه: "ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع وهو يعلم" وقال تعالى: {وفي أموالهم حق للسائل والمحروم} (الذاريات: 19). هذا وإن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قد ألزم الأنصار بإعالة المهاجرين الفقراء، مما يدل على أنه فرض على المسلمين كافة حتى يكفوهم، وما كان فرضًا على المسلمين كافة كان على الخليفة بما عليه من واجب رعاية شؤون الأمة أن يحصل المال من المسلمين ليقوم بما هو فرض عليهم. فينتقل حينئذٍ الفرض منه على المسلمين إلى أن يصبح فرضًا على بيت المال فيقوم بأدائه بإطعام الفقير والمسكين.
هذا من ناحية من تجب له النفقة من الفقراء والمساكين ويجبر هو بتحصيلها، فإن لم يستطع فيجبر قريبه بالإنفاق عليه إذا كان رحمًا محرّمًا أي في درجة من القرابة التي ذكرها القرآن لوجوب النفقة. فإن لم يستطع القريب أو لم توجد القرابة، فعلى باب الزكاة من بيت المال، ثم على بيت المال، ثم على المسلمين كافة حتى تحصل الكفاية للفقراء والمساكين.
هذا وإن النفقة للفقير والمسكين من الأقارب لا تجب إلا على من كان من أقاربهم في غناء، أي من استغنى عن غيره. ويُعدّ الشخص في غناء إذا كان ممن تطلب منه الصدقة، أما من نهي عن الصدقة فلا. عن سعيد بن المسيب أنه سمع أنَّ رسول الله صلى الله وعليه وآله وسلم قال: "خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى" والغنى هنا ما يستغني به الإنسان مما هو قدر كفايته لإشباع حاجاته. ويقول الفقهاء: والغنى هو ما يقوم بقوت المرء وأهله على الشبع من قوت مثله وبسكوتهم كذلك وسكناهم، وبمثل حاله من مَرْكَبٍ وَزِيٍّ. فهذا يقع عليه في اللغة اسم غنى لاستغنائه عن الناس. ويقال في اللغة أغنى غَنَاءً الرجل: أجزأه وكفاه. وعلى هذا لا تجب النفقة للفقير والمسكين إلا على من كان مستغنيًا عن غيره أي من كان في سعة. قال تعالى: {لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما أتاه الله} (الطلاق: 7). وروى جابر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "إذا كان أحدكم فقيرًا فليبدأ بنفسه فإن فضل فعلى عياله فإن كان فضل فعلى قرابته" وفي لفط: "ابدأ بنفسك ثم بمن تعول". ونفقة الإنسان على نفسه هي سده لكفاية حاجاته التي تتطلب إشباعًا وليست كفاية حاجاته الأساسية فحسب، وذلك لأن الشرعَ أوجب عليه نفقة زوجته بالمعروف، وقد فسر بأنها بحسب حالها وأمثالها. قال تعالى: {رزقهن وكسوتهن بالمعروف} فتكون نفقته على نفسه أيضًا بالمعروف، وليس الكفاية. وقال عليه الصلاة والسلام لهند امرأة أبي سفيان: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" ولم يقل: "ما يكفيك" فقط، بل زاد كلمة "بالمعروف". وهذا يدل على أن المراد ما يكفيها بحسب المتعارف عليه من كفايتها وكفاية ولدها بالنسبة إلى حالهما وأمثالهما. فلا يقدر إذًا غناؤه الذي لا بد من توافره حتى تجب عليه النفقة بما يكفي حاجاته الأساسية فحسب، بل بما يكفي حاجاته الأساسية وبما يكفي حاجاته الأخرى التي يعرف بين الناس أنها من حاجاته، وذلك لا يقدر بمقدار بل يترك للشخص ومستوى المعيشة الذي يعيش عليه. وقد قدر بعض الفقهاء الحاجات التي يُعدّ ما زاد عليها غنى بخمسة أشياء هي: المأكل والملبس والمسكن والزواج وما يركبه لقضاء حاجاته البعيدة. غير أن ذلك لم يرد به نص صريح بل حسب قياسًا على ما كان يُعدّ أنه بالمعروف. لذلك يقدر الغنى بما يفضل عن إشباع حاجات الشخص بالمعروف.

الملكية
الملكية العامة
الملكية العامة هي إذن الشارع للجماعة بالاشتراك في الانتفاع بالعين. والأعيان التي تتحقق فيها الملكية العامة هي الأعيان التي نص الشارع على أنها للجماعة مشتركة بينهم، ومنع من أن يحوزها الفرد وحده. وهذه تتحقق في ثلاثة أنواع هي:
1 ـــــــ ما هو من مرافق الجماعة بحيث إذا لم يتوافر لبلدة أو جماعة تفرقوا في طلبه.
2 ـــــــ المعادن التي لا تنقطع.
3 ـــــــ الأشياء التي تمنع طبيعة تكوينها اختصاص الفرد بحيازتها.
أما ما هو من مرافق الجماعة فكل شيء يُعدّ من مرافق الناس عمومًا. وقد بيّن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم هذه المرافق في الحديث من حيثُ صفتها لا من حيث عددها. فعن أبي خراش عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "المسلمونَ شركاءُ في ثلاثٍ: في الماء والكلأ والنار". ورواه أنس من حديث ابن عباس وزاد فيه "وثمنه حرام". وفي هذا دليل على أن الناس شركة في الماء والكلأ والنار، وأنَّ الفردَ يمنع من ملكيتها. إلَّا إنَّ الملاحظَ أنَّ الحديثَ ذكرها ثلاثًا وهي أسماء جامدة ولم ترد علة للحديث. فالحديث لم يتضمن علة، وهذا يوهم أن هذه الأشياء الثلاثة هي التي تكون ملكية عامة، لا وصفها من حيثُ الاحتياج إليها. لكن المدقق يجد أنَّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أباح الماء في الطائف وخيبر للأفراد أن يمتلكوه، وامتلكوه بالفعل لسقي زروعهم وبساتينهم فلو كانت الشركة للماء من حيثُ هو، لا من حيث صفة الاحتياج إليه، لما سمح للأفراد أن يمتلكوه. فمن قول الرسول "المسلمون شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار"، ومن إباحته صلى الله عليه وآله وسلم للأفراد أن يمتلكوا الماءَ، تستنبط عِلّة الشراكة في الماء والكلأ والنار، وهي كونها من مرافق الجماعة التي لا تستغني عنها. فيكون الحديث ذكر الثلاث لكنها معللة لكونها من مرافق الجماعة. وعلى ذلك فإن هذه العلةَ تدورُ مع المعلوم وجودًا وعدمًا. فكل شيء يتحقق فيه كونه من مرافق الجماعة يُعدّ ملكًا أما سواء أكان الماء والكلأ والنار أم غيرها، أي ما ذكر في الحديث وما لم يذكر. وإذا فقد كونه من مرافق الجماعة، ولو كان قد ذكر في الحديث كالماء، فإنه لا يكون ملكًا عامًّا بل يكون من الأعيان التي تملك ملكًا فرديًّا. ويُعدّ من مرافق الجماعة كل شيء إذا لم يتوافر لهذه الجماعة قرية أو مدينة أو دولة، تفرقت في طلبه: كمنابع المياه وأحراج الاحتطاب ومراعي الماشية وما شابه ذلك.
أما المعادن فهي قسمان: قسم محدود المقدار بكمية لا تُعدّ كبيرة بالنسبة إلى الفرد، وقسم غير محدود المقدار. أما القسم المحدودة مقداره فإنه من الملكية الفردية، ويملك ملكًا فرديًّا، ويعامل معاملة الركاز وفيه الخمس. فعن عمرو بن شعيب: "أن المزني سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن اللُّقطَة توجد في الطريق العامر أو قال: المِيثاء (أي طريق مسلوكة يأتيها الناس) فقال: عُرْفها سنة، فإن جاء صاحبها وإلا فهي لك. قال: يا رسول الله فما يوجد في الخراب العادي قال: فيه وفي الركاز الخمس".
وأما القسم غير المحدود مقداره الذي لا يمكن أن ينفد فإنه ملكية عامة، ولا يجوز أن يملك فرديًّا، لما روي عن أبيض بن حمال أنه استقطع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الملح بمأرب، فلما ولي قيل: يا رسول الله أتدري ما أقطعته له؟ إنما أقطعت له المال العِد . قال فرجعه منه". وفي رواية عن عمرو بن قيس المأربي قال: "استقطعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم معدن الملح بمأرب فأقطعنيه، فقيل يا رسول الله إنه بمنزلة الماءِ العِدّ ـــــــ يعني أنه لا ينقطع ــــــ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: فلا، إذًا": (والماء العد الذي لا ينقطع. شبه الملح بالماء العِدّ لعدم انقطاعه)... فهذا الحديث يدل على أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أقطع ملح الجبل لأبيض بن حمال مما يدل على أنه يجوز إقطاع معدن الملح، فلما علم أنه من المعدن الدائم الذي لا ينقطع رجع عن إقطاعه وأرجعه ومنه ملكية الفرد له، لأنه ملكية الجماعة. وليس المراد هنا الملح، بل المراد المعدن بدليل أنه منعه لمّا علم أنه لا ينقطع، مع أنه يعلم أنه ملح وأقطعه أول الأمر، فالمنع حصل لكونه معدنًا لا ينقطع. قال أبو عبيد: "وأما إقطاعه صلى الله عليه وآله وسلم أبيض بن حمال المأربي الملح الذي بمأرب ثم ارتجاعه منه، فإنما أقطعه وهو عنده أرض موات يحييها أبيض ويعمرها، فلما تبين للنبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه عِدّ ـــــــ وهو الذي له مادة لا تنقطع مثل ماء العيون والآبار ـــــــ ارتجعه منه لأنّ سنّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الكلأ والنار والماء أن الناس جميعًا فيه شركاء فكره أن يجعله لرجل يحوزه من دون الناس". ولما كان الملح من المعادن فإن إرجاع الرسول عن إقطاعه لأبيض يُعدّ علة لعدم ملكية الفرد، وذلك لكونه معدنًا لا ينقطع وليس لكونه ملحًا لا ينقطع. ومن هذا الحديث يتبين أن على المنع في عدم إقطاع معدن الملح كونه عِدًّا، أي لا ينقطع. ويتبين من رواية عمرو بن قيس أن الملح هنا معدن حيث قال "معدن الملح". ويتبين من استقراء كلام الفقهاء أنهم جعلوا الملح من المعادن، فيكون الحديث متعلقًا بالمعادن، لا بالملح خصوصًا.
وأما ما روي من أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أقطع لبلال بن الحارث معادن القبلية، وما روي عن أبي عكرمة أنه قال: "أقطع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بلالًا أرض كذا من مكان كذا وما فيها من جبل ومعدن" فإنه لا يعارض حديث أبيض، بل يحمل على أن هذه المعادن التي أقطعها الرسول لبلال كانت محدودةً فجاز إقطاعها، كما أقطع الرسولُ أبيضَ معدن الملح أولًا. ولا يصح أن يحمل على إقطاع المعادن مطلقًا، لأنه حينئذٍ يتعارض مع إرجاع الرسول المعدن الذي أقطعه حين تبين له أنه عِدٌّ لا ينقطع. فيتعين حمل المعادن التي أقطعها الرسول على كونها محدودة تنقطع وتنفد.
وهذا الحكم، وهو كون المعدن الذي لا ينقطع ملكًا عامًّا، يشمل المعادن كلها سواء المعادن الظاهرة التي يوصل إليها من غير مؤونة كالملح والكحل والياقوت وما شابهها، أو المعادن الباطنة التي لا يوصل إليها إلا بالعمل والمؤونة كمعادن الذهب والفضة والحديد والنحاس والرصاص وما شاكلها. وسواء أكانت معادن جامدة كالبلور أم سائلة كالنفط، فإنها كلها تدخل تحت الحديث.
أما الأشياءُ التي طبيعةُ تكوينها تمنعُ اختصاص الفردِ بحيازتها، فهي الأعيان التي تشتمل على المنافع العامة. وهي وإن كانت تدخل في القسم الأول لأنها من مرافق الجماعة، لكنها تختلف عن القسم الأول من حيثُ طبيعتها إذ لا يتأتى فيها أنْ يملكها الفردُ، بخلاف القسم الأول فإنه يتأتى أن يملكه الفرد. فعين الماء يمكن أن يملكها الفرد، لكنه يمنع من ملكيتها إذا كانت الجماعة لا تستغني عنها، بخلاف الطريق فإنه لا يمكن أن يملكها الفرد. ولهذا فإن هذا القسم وإن كان دليله انطباق العلة الشرعية عليه، وهي كونه من مرافق الجماعة، فإن حقيقة واقعة تدل على أنه ملكية عامة. وهذا يشمل الطرق والأنهار والبحار والبحيرات والأقنية العامة والخلجان والمضايق ونحوها، كما يشمل المساجد ومدارس الدولة ومستشفياتها والملاعب والملاجئ ونحوها.

ملكية الدولة
هناك أموال لا تدخل في الملكية العامة بل هي داخلة في الملكية الفردية لأنها أعيان تقبل الملك الفردي كالأرض والأشياء المنقولة، فإذا تعلق فيها حق لعامة المسلمين خرجت من الملكية الفردية، وبما أنها في الأصل لا تدخل في الملكية العامة، فتُعدّ حينئذٍ ملكًا للدولة، لأن ما كان الحق فيه لعامة المسلمين فالتدبير فيه للخليفة. ومعنى تدبيره هذا هو أنْ يكون له سلطان عليه يتصرف فيه، وهذه هي الملكية، ومعنى الملكية أن يكون للفرد سلطان على ما يملك. وعلى ذلك فكل مال مصرفه موقوف على رأي الخليفة واجتهاده يعتبر ملكًا للدولة. وقد جعل الشارع أموالًا معينة ملكًا للدولة، وترك للخليفة أن يصرفها بحسب رأيه واجتهاده، مثل الفيء والخراج والجزية وما شابهها لأن الشرع لم يعين الجهة التي تصرف فيها. أما إذا عيّن الشرع الجهة التي تصرف فيها ولم يتركها لرأي الخليفة واجتهاده فلا تكون ملكًا للدولة بل تكون ملكًا للجهة التي عيّنها الشرع. لذلك لا تُعدّ الزكاة ملكًا للدولة، بل هي ملك للأصناف الثمانية الذين عيّنهم الشرع، وبيت المال إنما هو محل إحرازها من أجل صرفها على جهاتها.
وإنه وإن كانت الدولة هي التي تقوم بتدبير الملكية العامة وتقوم بتدبير ملكية الدولة إلا إن هنالك فرقًا بينهما، وهو أنَّ ما كان داخلًا في الملكية العامة فلا يجوز للدولة أن تعطي أصله لأحدٍ، وإن كان لها أن تبيح للناس أن يأخذوا منه بناء على تدبير يمكنهم جميعًا من الانتفاع به، بخلاف ما كان داخلًا في ملكية الدولة فإن للدولة أن تعطيه كله لأفراد معينين ولا تعطي الآخرين، ولها أن تمنعه عن الأفراد، إذا رأت في ذلك رعاية لشؤونهم من ناحية أخرى. فالماء والملح والمراعي وساحات البلدة لا يجوز أن تعطيها لأفرادٍ مطلقًا، وإن كان يجوزُ للجميع الانتفاع بها بحيث يكون النفع بها عامًّا من دون تخصيص أحد. والخراج يجوز أن تتصرف به فيما ترى أنه مصلحة للرعية: فلها ألّا تعطي أحدًا منه شيئًا، ولها أن تنفقه على الزراع من دون غيرهم لمعالجة شؤون الزراعة، ولها أن تنفقه على شراء السلاح، وغير ذلك من وجوه التصرف.

التأميم ليس من الملكية العامة
ولا من ملكية الدولة
التأميمُ هو من ترقيعاتِ النظام الرأسمالي، وهو تحويل الملكية الفردية إلى ملكية الدولة إذا رأت أنَّ هناك مصلحة عامة تقتضي ملكية هذا المال المملوك فرديًّا. وليست الدولة مجبرة على التأميم بل هي مخيرة إن شاءت أممت وإن شاءت تركت المال من دون تأميم. فينظر إلى واقع المال فإن كان في المال حق لعامة المسلمين كان ملكًا للدولة يجب أن تملكه، وإن لم يكن فيه حق لعامة المسلمين كان ملكًا للأفراد فلا يصح أن تملكه الدولة.وإن كان المال من مرافق الجماعة أو من المعادن أو كان من طبيعته ألّا يملك فرديًّا عُدَّ ملكًا عامًّا طبيعيًّا، ولا تستطيع الدولة إبقاءه ملكًا فرديًّا. وإن لم يكن هذا المال من نوع الملكية العامة يُعدّ ملكًا فرديًّا ولا تستطيع الدولة أن تؤممه ولا أن تملكه جبرًا عن صاحبه مطلقًا، إلا إذا رضي صاحبه أن يبيعه لأي فرد، فتشتريه كما يشتريه سائر الأفراد. ولهذا لا تستطيع الدولة أن تمتلك ملك الأفراد جبرًا بحجة المصلحة العامة كلما بدا لها ذلك ولو دفعت الثمن، لأن أملاك الأفراد محترمة ومصونة لا يجوز أن يتعدى أحد عليها حتى ولا الدولة، ويُعدّ التعدي عليها مظلمة يشتكي على الحاكم إذا فعلها إلى محكمة المظالم لترفعها، إذ ليس للخليفة أن يخرج شيئًا من يد أحد إلا بحق ثابت معروف. وكذلك لا تستطيع الدولة أن تبقي مالًا مما هو داخل في الملكية العامة أو ملكية الدولة في يد فرد بحجة المصلحة، لأن المصلحة في هذه الأموال قد قدرها الشرع في بيانه ما الملكية العامة وما ملكية الدولة وما الملكية الفردية؟
وبذلك يظهر أن التأميم ليس من الملكية العامة، ولا من ملكية الدولة، ولا هو من الأحكام الشرعية، بل هو من ترقيعات النظام الرأسمالي.
الحمى في المنافع العامة
لجميع الناس حق الانتفاع بالمنافع العامة على الوجه الذي وجدت من أجله، ولا يجوز استعمالها إلا بما وجدت من أجله. فلا يجوز الانتفاع بالطريق للوقوف بقصد الاستراحة أو الوقوف لإجراء معاملات البيع والشراء أو لغير ذلك مما لم توجد الطريق لأجله. لأن الطريق وجدت للاستطراق، إلا أن يكون استعمالها يسيرًا بحيث لا يؤثر في الاستطراق. ويقدر ذلك بالقدر الذي لا يحصل فيه الإِضرار والتضييق على المارة. وكذلك لا يجوز استعمال الأنهار إلا بما وجدت من أجله، فإن وُجِدَ النهرُ للسقي كالنهرِ الصغيرِ، فلا يستعمل للملاحة، وإن وجد للإثنين كالنيل ودجلة والفرات فيستعمل لهما.
وكذلك ليس لأحد أن يختص بحمى شيء مما هو من المنافع العامة كالمراعي والمساجد والبحار. قال عليه الصلاة والسلام: "لا حمى إلا لله ولرسوله". وأصل الحمى عند العرب أن الرئيس منهم كان إذا نزل مكانًا مخصبًا استعوى كلبًا على مرتفع عال، ثم اقتطع لنفسه من أرض ذلك المكان إلى المدى الذي وصل إليه صوت الكلب من كل جانب، وجعله حمى له لا يرعى فيه غيره. أما ما بقي من الأرض فيرعى فيه مع الآخرين. والحمى هو المكان المحمي وهو خلاف المباح. ولما جاء الإسلامُ منع الأفراد من أن يحموا أي شيء من الأشياء العامة حتى لا يصبح لهم وحدهم من دون غيرهم. ومعنى الحديث أنه ليس لأحد أن يحمي ما هو لعموم المسلمين، إلا الله ورسوله، فإن لهما أن يحميا أي شيء يرياه. وقد فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذلك فحمى بعض الأمكنة. عن ابن عمر "أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم حمى النقيع للخيل، خيل المسلمين" أي إن الرسولَ صلى الله عليه وآله وسلم حمى مكانًا يقال له النقيع وهو موضع يَيستنقع فيه الماء فيكثر فيه الخصب وكان على بعد عشرين فرسخًا من المدينة. وقد منع الناس من الإحياء في ذلك الموات ليتوافر فيه الكلأ وترعاه مواش مخصوصة ويمنع غيرها. والمراد هنا أنه حمى ذلك المكان للخيل الغازية في سبيل الله. وقد كان خلفاء النبي من بعده يحمون بعض الأمكنة فإن عمر وعثمان حميا بعض الأموالِ العامة، واشتهر ذلك في الصحابة فلم ينكر الأمر عليهما منكر. والحمى المنهي عنه في الحديث يشتمل على أمرين: الأول الأرض الميتة التي لكل واحد من الناس أن يحييها ويأخذ منها، والثاني أن تُحمى الأشياء التي جعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الناس فيها شركاء، مثل الماء والكلأ والنار فلا يجوز لأحد أن يختص نفسه بقناة الماء فيسقي زرعه ثم يمنعها عن غيره حتى لا يسقي زرعه. عن هشام عن الحسن: قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من منع فضل الماء ليمنع به فضل الكلأ منعه الله فضله يوم القيامة". وبذلك يتبين أنه يجوز للدولة أن تحمي من الأرض الموات وما هو داخل في الملكية العامة، لأيّ مصلحة تراها من مصالح المسلمين، شرط أن يكون ذلك على وجهٍ لا يلحقُ الضررَ بأحد.

بيت المَال
بيتُ المال هو الجهة التي تختصّ بكل ما يرد إلى الدولة، أو يخرج منها مما يستحِقُّهُ المسلمون من مال. فكلّ مال، أرضًا كان أو بناءً، أو معدنًا، أو نقدًا، أو عروضًا، استحقَّهُ المسلمون وفق الأحكام الشرعية، ولم يتعيَّن شخصُ مالكه، فهو لبيت مال المسلمين، سواء أدخل في حِرْزِه أو لم يدخل. لأن بيت المال عبارة عن الجهة لا عن المكان. وكل مال وَجَبَ صرفُه في مصالح المسلمين فهو حق على بيت المال سواء صرف بالفعل أو لم يصرف. لأن ما صار إلى ولاة المسلمين وعمالهم أو خرج من أيديهم فحكم بيت المال جار عليه في دخوله وخروجه. ويُطلقُ بيتُ المال أيضًا على المكان الذي توضع فيه الواردات التي تأتي عنها الأموال وتصرف منه واردات الدولة. وقد تعيّن لبيت المال جهة، أي من حيث المصدر، بعد نزول الآية الكريمة: {يسئلونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين} (الأنفال: 1). وهذه الآية نزلت بعد معركة بدر، فتكون غنائم بدر هي الأموال التي بَيَّنَ الله تعالى حكم توزيعها، وجعلها مستحقَّةً للمسلمين، وأعطى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم صلاحية التصرف فيها وفق ما يراه في مصلحة المسلمين، فكانت حقًّا لبيت المال يتصرف بها وليُّ أمرهم بما يراه محققًا لمصلحتهم.
أما بيت المالُ بمعنى المكان فلم يكن موجودًا في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأنه كان يوزع الأموال التي ترد على المسلمين فلا يبقى منها شيء، وهي لم تكن بعد كثيرة. عن الحسن بن محمد: "أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن فورًا يُقيلُ مالًا عنده ولا يُبيِّته" فإنْ جاءَهُ غدوةً لم ينتصف النهار حتى يقسّمه، وإن جاءَهُ عشيّة لم يبيّته. لذا لم يكن هناك مقتضٍ في المال يحتاج إلى مكان. وقد أنشأ أبو بكر رضي الله عنه نواةً لبيت المال في السنة الثانية من توليه الخلافة، حيث خصص مكانًا في داره لما يرد إلى المدينة من مال، وكان ينفق جميع ما فيه على المسلمين ومصالحهم.
ولما كثرت الفتوحات أيام عمر رضي الله عنه، وانهالت على المدينة الأموال، خَصَّصَ لها عمر رضي الله عنه بيتًا، وأقام لها الدواوين، وعيَّن الكتّاب، وفرض منها الأعطيات، وجنّد الجند. وكان يضع ما يرده من أخماس الغنائم في المسجد، ويُقَسِّمُها من دون تأخير. وبذلك يكون بيت المال الذي أنشأه عمر رضي الله عنه أول بيت جرى تنظيمه لجمع الأموال مما يستحقه المسلمون.
واردات بيت المال
واردات بيت المال الدائمة هي الفيء كله، والجزية، والخراج، وخمس الركاز، والزكاة، وريع الأملاك الخاصة بالدولة. إلا إن الزكاة وخمس الركاز توضع في حرز خاص بها من بيت المال، ولا تصرف إلا للأصناف الثمانية الذين ذكروا في القرآن، ولا يجوز أن يصرف منها شيء لغير الأصناف الثمانية، سواء أكان من شؤون الدولة أو من شؤون الأمة. إلا إنه يجوز للإمام صرفها على رأيه واجتهاده لمن يشاء من الأصناف الثمانية. فله أن يعطيها لصنفٍ منهم أو أكثر، وله أن يعطيها لهم جميعًا. أما باقي الأموال التي تُعَدُّ من حقوق بيت المال فيه الأموال الأخرى. وتوضع في بيت المال مع بعضها وينفق منها على شؤون الدولة والأمة وعلى الأصناف الثمانية وعلى كل شيء تراه الدولة. فإن وَفَتْ هذه الأموال بحاجاتِ الرعيَّةِ كان به، وإلا فإن الدولةَ تفرضُ ضرائبَ على المسلمين لتقول بقضاءِ ما يطلب منها من رعاية الشؤون. أما كيفية فرض هذه الضرائب فإنها تكون بحسبما فرضه الشرع على المسلمين. فإن ما كان فرضًا على المسلمين القيام به من الأعمال واحتاج إلى نفقات حتى تقوم به الدولة، فإن للدولةِ أن تفرض على المسلمين ضرائب لتقوم بأعبائه، وما لم يكن واجبًا على المسلمين كسداد دين الميت، فإنه لا يجوز للدولة أن تفرض ضرائب للقيام به، فإن كان لديها في بيت المال مال قامت به وإلا فيسقط القيام به عن الدولة. وعلى هذا فللدولة أن تحصّل الضرائب في هذه الحال وعليها أن تسير على الوجه التالي:
1 ـــــــ لسد النفقات الواجبة على بيت المال للفقراء والمساكين وابن السبيل وللقيام بفرض الجهاد.
2 ـــــــ لسد النفقات الواجبة على بيت المال على سبيل البدل كنفقات الموظفين وأرزاق الجند وما شاكل ذلك.
3 ـــــــ لسد النفقات الواجبة على بيت المال على وجه المصلحة والإنفاق من دون بدل كإنشاء الطرقات واستخراج المياه وبناء المساجد والمدارس والمستشفيات وغير ذلك من الأمور التي يُعدّ إيجادها من الضروريات وينال الأمة ضررٌ من عدم وجودها.
4 ـــــــ لسدِّ النفقات الواجبة على بيت المال على وجه الضرورة كحادث طرأ على المسلمين من مجاعة أو طوفان أو زلزال أو هجوم عدو أو ما شاكل ذلك.
5 ـــــــ أن تفرض ضرائب لتسديد ديون اقترضتها الدولة للقيام بما هو واجب على المسلمين كافة من كل ما هو داخل في أيّ حالة من الحالات الأربع، أو ما تفرَّعَ عنها، أو أيّ حالةٍ أوجبها الشرع على المسلمين.
ومن الواردات التي توضع في بيت المال وتنفق على مصالح الرعية ما يأخذه العاشر من الحربيين والمعاهدين، والأموال الناتجة مما هو من الملكية العامة أو من ملكية الدولة، والأموال الموروثة عمن لا وارث له. وإذا فضلت حقوق بيت المال على مصرفها بأن زادت الأموال التي في بيت المال عن النفقات المطلوبة منه ينظر، فإن كان الزائد آتيًا من الفيء صرف للناس في أعطيات، وإن كان الزائد من الجزية والخراج أُبقي لما ينوب المسلمين من حوادث، لأن الحكم الشرعي أن تفرض الجزية عن يَدٍ وأن يفرض الخراج على الأرض بقدر احتمالها، وإن كان الزائدُ من الزكاة والركاز حفظ في بيت المال حتى يوجد من الأصناف الثمانية من يُصرف له فيُصرف له حينئذٍ، وإن كان الزائد مما هو مفروض على المسلمين حُطَّ عنهم وأُعفوا من دفعه.
نفقات بيت المال
وضعت نفقات بيت المال على ست قواعد:
1 ـــــــ فإن كان مالُ الزكاةِ موجودًا كان صرفه للأصناف الثمانية مستحقًّا، وعدم وجود مال الزكاة مسقط لاستحقاقه، أي إن لم يكن مال الزكاة موجودًا في بيت المال فلا يصرف لأي واحد من الأصناف الثمانية، ولا يستدان على الزكاة حتى تتم جبايتها.
2 ـــــــ الإنفاق على الفقراء والمساكين وابن السبيل، والإنفاق على الجهاد. حق الإنفاق على هذه الأمور يُعدّ من الحقوق اللازمة مع الوجود والعدم، أي سواء أكان المال موجودًا في بيت المال أم لم يكن. فإن كان المال موجودًا وجب صرفه في الحال، وإن لم يكن موجودًا وخشيت الدولة مفسدة من تأخير الصرف على الفقراء والمساكين وعلى الجهاد اقترضت المال لصرفه في الحال حتى تجمعه من المسلمين ثم تسدده، وإن لم تخش مفسدة يؤخر يجمع المال ثم حتى يعطى لمستحقيه.
3 ـــــــ أن يكون المالُ مستحقًّا لأشخاص أدّوا خدمةً فاستحقوا بدل خدماتهم مالًا، وذلك كأرزاق الجند ورواتب الموظفين والقضاة والمعلمين وما شاكل ذلك. فاستحقاق الصرف لهذه الأمور من الحقوق اللازمة، وعلى الدولة أن تقترضه لصرفه في الحال حتى تجمعه من المسلمين ثم تسدده.
4 ـــــــ الأمور التي يُعدّ إيجادها ضرورة من الضرورات وينال الأمة ضرر من عدم وجودها، كشق الطرقات وإيصال المياه وبناء المدارس والمساجد والمستشفيات وما شاكل ذلك. فإن وجد مال في بيت المال وجب صرفه لهذه الأشياء، وإن لم يوجد انتقل وجوبه على الأمة فيجمع منه قدر الكفاية لسد النفقات اللازمة ثم يجري الصرف عليها.
5 ـــــــ الأشياء الثانوية أي الأشياء التي لا ينال الأمة ضرر من عدم وجودها وذلك كفتح طريق ثانية أقرب مسافة مع وجود غيرها أبعد مسافة، أو فتح مدرسة مع وجود غيرها يمكن الاكتفاء بها، أو ما شاكل ذلك. فإن وجد مال في بيت المال وجب صرفه لهذه الأشياء وإن لم يوجد سقط وجوبه عن بيت المال.
6 ـــــــ الأحداثُ التي تطرأ على المسلمين كالمجاعةِ أو الطوفان أو الزلزال أو هجوم عدو. يجب صرف المال على هذه الأمور في الحال، وإن كان المال غير موجود فيجب أن يجمع من المسلمين في الحال، وإن خيف الضرر من تأخير الصرف إلى الانتهاء من الجمع وجب على الدولة أن تقترض المالَ اللازمَ وتصرفه في الحال على وجه استحقاقه ثم تسدد هذا الدين مما تجمعه من المسلمين.

موازنة الدولة
الدولُ الديمقراطية تضعُ موازنةً عامةً للدولةِ كل سنة. وواقع الموازنة للدولة الديمقراطية هو أن الموازنة تصدر في قانون اسمه قانون الموازنة العامة لسنة كذا، يصدقه البرلمان ويسنّه قانونًا بعد مناقشته. وهذه المناقشة تشمل فصول الموازنة فصلًا فصلًا والمبالغ التي يتضمنها كل فصل. ويُعدّ كل فصل كلًّا لا يتجزأ يجري التصويت عليه ككل لا على كل جزء منه على حدة فيقبل جملة أو يرفض جملة، وللبرلمان أن يناقش كل جزء من أجزائه، وكل مبلغ من المبالغ التي يشتمل عليها. وقانون الموازنة يكون مؤلفًا من بضع مواد. فتوضع مادة لتبين المبلغ الذي يرصد لنفقات الدولة خلال السنة المالية التي وضعت لها الموازنة. وتوضع مادة لتبين المبلغ الذي تخمن إيرادات الدولة به خلال السنة المالية التي وضعت لها الموازنة. وتوضع مواد لرصد مصروفات لبعض المؤسسات كما توضع مواد لتخمين واردات بعض المؤسسات. وتوضع مواد لإعطاء وزير المالية بعض الصلاحيات. وتوضع في كل مادة إشارة إلى جدول يتضمن أبواب الموازنة، لما تتضمنه المادة سواء أكانت للواردات أم المصروفات، ثم توضع في كل جدول مفرداته، أي الفصول التي يتضمنها الباب، ثم يوضع في كل فصل المبالغ الإجمالية لمفردات الفصل جميعها. وعلى هذا الأساس توضع الموازنة كل سنة مع بعض اختلافات فرعية في بعض السنين بحسب الوقائع المختلفة، أو مع بعض اختلافات فرعية بين الدول بحسب الوقائع المختلفة.
أما الدولة الإسلامية فلا توضع لها موازنة سنوية يحتاج الأمر سنويًّا إلى سنّ قانون بها. ولا تعرض على مجلس الشورى، ولا يؤخذ فيها رأي منه. وذلك لأن الموازنة في النظام الديمقراطي تصدر بقانون لسنةٍ واحدةٍ. والقانون يسنهُ البرلمانُ، ولذلك يحتاج الأمر إلى عرضها على مجلس البرلمان. وهذا كله لا تحتاج إليه الدولة الإسلامية لأن واردات بيت المال تحصّل بحسب الأحكام الشرعية المنصوص عليها، وتصرف بحسب أحكام شرعية منصوص عليها. وهي كلها أحكام شرعية لها صفة الديمومة. فلا مجال للرأي في أبواب الواردات، ولا في أبواب النفقات مطلقًا، بل هي أبواب دائمة قررتها أحكام شرعية دائمة. هذا من ناحية أبواب الموازنة. أما من ناحية فصول الموازنة، والمبالغ التي يتضمنها كل فصل، والأمور التي تخصص لها هذه المبالغ في كل فصل فإن ذلك كله موكول لرأي الخليفة واجتهاده لأنه من رعاية الشؤون التي تركها الشرع للخليفة يقرر فيها ما يراه، وأمره واجب التنفيذ.
وعلى هذا لا يوجد أي مجال في الإسلام لوضع موازنة سنوية للدولة كما هي الحال في النظام الديمقراطي، لا بالنسبة إلى أبوابها ولا إلى فصولها ولا إلى مفردات الفصول، ولا بالنسبة إلى المبالغ التي تحتاجها تلك المفردات أو الفصول. ومن هنا لا توضع موازنة سنوية للدولة الإسلامية، وإنما لها موازنة دائمة حدَّدَ الشرعُ أبوابها بالنسبة إلى الواردات والنفقات، وجعل للخليفة أمر تقرير الفصول ومفرداتها، والمبالغ اللازمة لها، حين تدعو المصلحة من دون النظر إلى مدة معينة.
الزكاة
يُعدّ مال الزكاة أحد أنواع الأموال التي توضع في بيت المال، لكنها تختلف عن باقي الأنواع من الأموال من ناحية جبايتها، ومن ناحية المقدار الذي يجبى، ومن ناحية إنفاقها. فهي من حيث الجباية لا تجبى إلا من أموال المسلمين ولا تجبى من غيرهم. وهي ليست ضريبة عامة، بل هي عبادة من العبادات، وتُعدّ ركنًا من أركان الإسلام. وهي مع كونها مالًا فإن دفعها يحقق قيمة روحية كالصلاة والصيام والحج. وأداؤها فرض عين على المسلم. ولا تُعدّ جبايتها مسايرة لاحتياجات الدولة بحسب مصلحة الجماعة كباقي الأموال التي تجبى من الأمة، بل هي نوع خاص من المال يجب أن يدفع لبيت المال، سواء أكانت هناك حاجة أم لم تكن، ولا تسقط عن المسلم متى وجبت في ماله. وتجب على المسلم المالك للنصاب فاضلًا عن ديونه وحاجته. ولا تجب على غير المسلم. وتجب على الصبي والمجنون لما رُوي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "من ولي يتيمًا فليتجر له ولا يتركه حتى تأكله الصدقة" أي لا يتركه حتى يذهب ماله كله من دفع الزكاة عليه. والزكاة تجبُ على المال المملوك للشخص، فهي عبادة مالية لا عبادة جسدية.
وأما من حيثُ المقدار الذي يجبى فإنه مقدار معين لا يزيد ولا ينقص، وقدر بربع العشر في الذهب والفضة وعروض التجارة. ويؤخذ من مقدار معين من المال هو النصاب فما فوقه. وقدر النصاب مئتا درهم فضة وعشرون مثقالًا من الذهب. والمثقال من الذهب يساوي دينارًا شرعيًّا ووزنه عشرون قيراطًا. فإذا نقص المقدار عن النصاب فلا يؤخذ منه شيء. وأما الركاز ففيه الخمس. وأما الحبوب كالقمح ونحوه، والمواشي كالإبل والبقر والغنم، فقد بين الفقهاء مقدار نصابها وما يؤخذ منها مفصلًا.
هذا وإن مصارف الزكاة ووجوه إنفاقها محددة بحد معروف فلا تصرف إلا للأصناف الثمانية الذين ذكرهم الله في القرآن الكريم في سورة التوبة: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل} (التوبة: 60). أما الفقراء فهم الذين قد تكون لديهم واردات وقد يملكون أموالًا لكن نفقاتهم أكثر مما يحصّلون أو يملكون. والمساكين هم الذين لا يملكون أموالًا وليست لهم واردات. قال تعالى: {أو مسكينا ذا متربة} (البلد: 16). والعاملون عليها هم الذين يعملون بجبايتها وتوزيعها. والمؤلفة قلوبهم هم الذين ترى الدولة أن في إعطائهم من الزكاة مصلحة في تثبيتهم على الإسلام. وفي الرقاب وهم الأرقاء يعطون من مال الزكاة ليعتقوا، وهذا الصنف غير موجود الآن إلا نادرًا. والغارمون هم المدينون العاجزون عن سداد ديونهم. وفي سبيل الله أي الجهاد. وما ذكرت {في سبيل الله} مع الإنفاق في القرآن إلا وكان معناها الجهاد. وابن السبيل هو المسافر المنقطع. وما عدا هؤلاء الثمانية لا يجوز أن تصرف لهم الزكاة. وكذلك لا يجوز أن تصرف في شؤون الدولة الاقتصادية. وإذا لم يوجد أحد من الأصناف الثمانية لا تصرف الزكاة في باب آخر، وتحفظ في بيت المال لتصرف ـــــــ عند الحاجة إلى صرفها ـــــــ في وجوهها الثمانية.
وتدفع الزكاة للإمام أو نائبه لقول الله تعالى: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها} (التوبة: 103). ولا تعطي الزكاة إلا للمسلمين، ولا تعطي لغير المسلمين لأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم قال لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن "فأعلمهم أن الله افترضَ عليهم صدقةً في أموالهم تؤخذُ من أغنيائهم وتُردُّ على فقرائهم" فخصهم بصرفها على فقراء المسلمين لما خصهم بوجوبها على أغنيائهم. إلّا إنه يجوز إعطاء الكافر وغير المسلم صدقة التطوع مطلقًا. قال تعالى: {ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا} (الإنسان: 8)، ولم يكن الأسير يومئذٍ إلا كافرًا.
الجزية
الجزيةٌ حقٌّ أوصل الله سبحانه وتعالى المسلمين إليها من الكفار خضوعًا منهم لحكم الإسلام. وهي مالٌ عامٌّ يُصْرَفُ على مصالحِ الرعية كلها. وتستحق بحلول الحول ولا تستحق قبله، وهي ثابتةٌ بنصِّ القرآن الكريم، قال تعالى: {حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} (التوبة: 29)، وثابتة بتقرير الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: "كتب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى مجوس هجر يدعوهم إلى الإسلام فمن أسلم قُبِلَ منه، ومَن لا ضُرِبَتْ عليه الجزية في أنْ لا تؤكل له ذبيحة ولا تنكح له امرأة".
وتؤخذُ الجزية من الكفار ما داموا باقين على الكفر فإذا أسلموا سقطت عنهم. وتوضع الجزية على الرؤوس لا على الأموال، فتؤخذ عن كل شخص من الكفار لا على ماله. والجزية مشتقة من الجزاء، فهي تؤخذ منهم جزاء على كفرهم، ولذلك لا تسقط إلا إذا أسلموا. فلا تسقط عنهم إذا اشتركوا في القتال لأنها ليست جزاء حمايتهم. ولا تؤخذ إلا من القادرِ على دفعها لقوله تعالى: {عن يد} أي عن مقدرة، فلا تؤخذ من العاجز. ولا تؤخذ إلا على الرجال، فلا تجب على امرأة ولا على صبي، ولا على مجنون، حتى لو جاءت امرأة لتعيش في دار الإسلام على أن تدفع الجزية مقابل إقامتها، تقبل في دار الإسلام ويسمح لها بالإقامة ولا تؤخذ منها جزية.
ولا يقدر مقدار مخصوص للجزية بل هي متروكة لرأي الإمام واجتهاده على شرط ألا تكون أكثر مما يطيق الذي تستحق عليه الجزية. عن أبي نجح قال: قلت لمجاهد ما شأن أهل الشام عليهم أربعة دنانير، وأهل اليمن عليهم دينار؟ قال: جعل ذلك من قبيل اليسار". وإذا استحقت الجزية على قادر وأُعْسِرَ قبل دفعها تبقى دينًا عليه، ويعامل معاملة المدين المعسر فينظر إلى ميسرة.
الخراج
الخراجُ هو حقٌّ أوصلَ الله المسلمين إليه من الكفار. وهو حق يوضع على رقبة الأرض التي غنمت من الكفار حربًا أو صلحًا. والخراج في لغة العرب الكراء والغلة. ومنه قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "لا يجتمع خراج وعشر في أرض مسلم". وكل أرض أُخِذَتْ من الكفار عنوةً بعد إعلان الحرب عليهم تُعدّ أرضًا خراجية. وإذا أسلموا بعد الفتح تبقى أرضهم خراجية. فقد روي عن الزهري قال: "قضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيمن أسلم من أهل البحرين أنه قد أحرز دمه وماله إلا أرضه فإنها فيء للمسلمين لأنهم لم يسلموا وهم ممتنعون" أي وهم في منعة من المسلمين.
أما قدر الخراج الذي يضرب على الأرض فيُعدّ بما تحتمله الأرض. إن الخليفة عمر رضي الله عنه حين وضع الخراج راعى ما تحتمله الأرض من غير حيف بمالك ولا إجحاف بزارع. فقد ضرب على بعض النواحي على كل جريب من الأرض قفيزًا ودرهمًا، وضرب على ناحية أخرى غيرها غير هذا القدر. وعمل في نواحي الشام غير هذا، فعلم أنه راعى في كل أرض ما تحتمله. فإذا تقرر الخراج بما احتملته الأرض فعلى الإمام أن يحصله على الوجه الذي وضعه عليها، فإن وضع الخراج على مساحة الأرض سنويًّا حصل الخراج عند نهاية السنة الهلالية لأنها السنة المعتبرة شرعًا، وإن جعل الخراج على مساحة الزرع حصل الخراج كل سنة عند نهاية السنة الشمسية لأنها السنة التي تكون عليها الأمطار ويزرع الزرع، وإن وضعه مقاسمة أي قدر نسبة معينة مما تنتجه عادة حصل الخراج عند كمال الزرع وتصفيته.
وللإمام أن يقدر الخراج مراعيًا أصلح الأمور في هذه الأوجه الثلاثة: إما على مساحة الأرض أو مساحة الزرع أو تقدير مقدار الناتج. وإذا حصلت تحسينات في الأرض فنجم عن هذه التحسينات زيادة في الإنتاج، أو طرأ على الأرض عوامل أنْقَصَتِ الإنتاج ينظر، فإن كانت هذه الزيادة من فعل الزراع كأن حفروا بئرًا أو أوصلوا قناة ماء لا يزاد عليهم شيء، وإن كان النقص بفعلهم كهدمهم القناة أو إهمالهم البئر لا ينقص عنهم شيء ويؤمرون بإصلاح ما خربوه. وإن كانت الزيادة أو النقص من الدولة كأن حفرت لهم هي بئرًا أو أهملت إصلاح الآبار والقنوات فإن لها أن تزيد الخراج في حالة زيادة الإنتاج، وعليها أن تنقصه في حالة نقصان الإنتاج. أما إن حصلت الزيادة والنقص بعوامل طبيعية كأن اقتلعت الزوابع الأشجار أو جرف السيل الأقنية، فإنه يوضع على الأرض قدر ما تحتمل حتى لا يظلم أهلها. ونسبة مقدار الخراج تقدر لمدة معلومة ولا تقدر بصورة دائمة، وتتغير هذه النسبة عند انتهاء المدة بما تحتمله الأرض عند التقدير للمدة الجديدة.
الضرائب
إن الموارد التي حددها الشرع لبيت المال كافية لإدارة شؤون الرعية ورعاية مصالحهم، ولا يحتاج الأمر إلى فرض ضرائب مباشرة أو غير مباشرة. لكنَّ الشرعَ مع ذلك احتاج فجعل حاجات الأمة قسمين اثنين: منها حاجات فرضها على بيت المال أي على الموارد الدائمة لبيت المال، ومنها حاجات فرضها على المسلمين كافة وجعل للدولة الحق في أن تحصّل المال منهم لقضاء تلك الحاجات. وعلى ذلك فالضرائب هي مما فرضه الله على المسلمين لقضاء مصالحهم، وجعل الإمام واليًا عليهم يحصّل هذا المال وينفقه هو على الوجه الذي يراه. ويصح أن يسمّى هذا المال الذي يُجمعُ ضريبة كما يصح أن يسمّى مالًا مفروضًا وغير ذلك. وما عدا ما فرضه الله من الموارد التي نص الشَّرع عليها كالجزيةِ والخراجِ، وما عدا ما فرضه الله على المسلمين للقيام بالإنفاق على الحاجة المفروضة عليهم كافة كالطرقات والمدارس، لا تؤخذ ضرائب. فلا تؤخذ رسوم للمحاكم ولا للدوائر ولا لأي مصلحة. أما ضريبة الجمارك فليست من قبيل الضرائب المأخوذة، بل هي معاملة للدول بمثل ما تعاملنا به، وليست ضريبة لسد كفاية بيت المال، وقد سمّاها الشرع مكوسًا ومنع أخذها من المسلمين والذميين. ولا يجوز أن يؤخذ غير ما فرضه الشرعُ ضريبةً مطلقًا، إذ لا يجوز أن يؤخذ من مال المسلم شيء إلا بحق شرعي دلت عليه الأدلة الشرعية التفصيلية. ولم يرد أي دليل على جواز أخذ ضريبة من أحد من المسلمين سوى ما تقدم.
وتؤخذ الضريبة من المسلمين فقط لأنّ قضاء الحاجات الذي فرضه الشرع إنما فرضه على المسلمين وحدهم. أما غير المسلمين فلا تؤخذ منهم ضريبة قط، بل تؤخذ منهم الجزية.
والخراج يؤخذ من المسلم وغير المسلم على الأرض الخراجية.
كيف تؤخذ الضريبة من المسلمين؟ إنها تؤخذ مما زاد على نفقتهم، وعما يُعدّ عن ظهر غنى شرعًا. وما يُعدّ عن ظهر غنى هو ما يفضل عن إشباع حاجات الفرد الأساسية وحاجاته الكمالية بالمعروف. لأن نفقة الفرد على نفسه هي سدة لكفاية جميع حاجاته التي تتطلب إشباعًا بالمعروف بحسب حياته التي يعيش عليها بين الناس. وهذا لا يقدر بمقدار معين عام لجميع الناس، بحسب يقدر لكل شخص بحسب مستوى معيشته. فإذا كان ممن يحتاج مثله إلى سيارةٍ وخادمٍ يقدر بما زاد عليهما، وإن كان ممن عنده زوجة وأولاد، وربما أب أو أم أو غيرهما ممن يعولهم، فيقدر بما يزيد على تأمين حاجات هؤلاء جميعًا وهكذا... فإن كان ما يملكه يزيد على هذه الحاجات تحصل منه ضريبة، وإن كان لا يزيد على ذلك لا تفرض عليه أيّ ضريبة، لأنه لا يكون عندئذٍ مستغنيًا فلا تجب عليه ضريبة.
ولا يراعى في فرض الضرائب منع تزايد الثروة وعدم الإثراء لأن الإسلام لا يمنع الغنى، ولا يراعي أي اعتبار اقتصادي لجمع الضرائب. وإنما تؤخذ ضريبة المال على أساس كفاية المال الموجود في بيت المال لسد جميع الحاجات المطلوبة منه، أي بمقدار حاجات الدولة للنفقات، ولا يراعى فيها إلا حاجات الرعية ومقدرة المسلمين على دفعها. ولا تقدر بنسبة تصاعدية أو تنازلية مطلقًا، بل تقدر بنسبة واحدة على المسلمين بغض النظر عن مبلغ المال الذي تؤخذ منه. ويراعى في تقدير النسبة العدل بين المسلمين إذ لا تؤخذ إلا عن ظهر غنى. وتؤخذ على جميع المال الزائد عن الحاجة لا على الدخل فقط، لا فرق بين رأس المال أو الربح أو الدخل، بل تؤخذ عن المال كله. ولا تُعدّ آلات الإنتاج اللازمة للعمل في الصناعة والزراعة، ولا الأرض ولا العقار من رأس المال.
توزيع الثروة بين الناس
لقد أباح الإسلام الملكية الفردية لكنه حدد كيفية التملك، وأذن للفرد بأن يتصرف بما يملك، لكنه حدد كيفية التصرف. ولاحظ تفاوت القوى العقلية والجسمية لدى أفراد بني الإنسان فاحتاط لهذا التفاوت في إعانته العاجز، وكفايته المحتاج، وفرضه في أموال الأغنياء حقًّا للفقراء والمساكين. وقد جعل ما لا تستغني عنه الجماعة ملكًا عامًّا لجميع المسلمين لا يجوز لأحد أن يمتلكه أو يحميه لنفسه أو لغيره. كما جعل الدولة مسؤولة عن توفير الثروة أموالًا وخدمات للرعية، وأباح لها أن تتملك ملكية خاصة بها.
وبهذا كله ضمن العيش لكل فرد من أفراد الرعية، وضمن للجماعة أن تبقى مجتمعة متماسكة، وضمن مصالح هؤلاء الأفراد ورعاية شؤون هذه الجماعة، وحفظ كيان الدولة في قدرة كافية للاضطلاع بمسؤولياتها الاقتصادية. غير أن ذلك كله يحصل إذا بقي المجتمع على وضع يتحقق فيه توفير الثروة لجميع أفراد الرعية فردًا فردًا، وكان أفرادُ الرعيةِ في جملتهم قائمين بتنفيذ جميع أحكام الشرع. أما إذا قام المجتمع على تفاوت فاحشٍ بين أفراده في توفير الحاجات كما هي الحال الآن في العالم الإسلامي، فإنه لا بد من إيجاد توازن بين أفراده في عملية توزيع جديدة توجد التقارب في توفير الحاجات.
وكذلك أيضًا إذا حصل انحراف في أذهان الناس في تطبيق الأحكام الشرعية لفهم سقيم، أو لفساد طارئ، أو حصل تقصير من الدولة في تطبيق النظام، فإن الناس حينئذٍ ينحرفون عن النظام وينحرف المجتمع عن وضعه المرسوم، وهذا يؤدي إلى الأثرة والأنانية وسوء التصرف في الملكية الفردية كما يؤدي إلى سوء توزيع الثروة بين الناس، الأمر الذي يفرض إعادة التوازن بين أفراد المجتمع وإيجاد هذا التوازن بصورة ضرورية ملحة.
يحصل سوء التوزيع للثروة بين الناس من أحد أمرين: إما من تداول الثروة بين فئة الأغنياء وحدهم، وإما من منعها عن الناس ومنع أداة التداول بينهم بحجزها عن المجتمع. وقد عالج الإسلامُ هاتين الناحيتين فوضع أحكامًا شرعيةً تضمنُ تداول الثروة بين الناس جميعًا، وتعيد توزيعها كلما حصل اختلاف في توازن المجتمع. كما وضع أحكامًا شرعية تمنع كنز الذهب والفضة بصفتهما أداة التبادل، وتجبر على وضعهما في المجتمع بين الناس موضع التبادل. وبذلك يُعالج المجتمعُ الفاسدُ، ويُعالج المجتمعُ المنحرفُ أو المائلُ للانحراف، ويعمل لتوفير الثروة لجميع أفراد الرعية فردًا فردًا حتى يشبع كل فرد منهم حاجاته الأساسية إشباعًا تامًّا، وتُفتح أمامه السبل ليعمل على إشباع حاجاته الكمالية قدر ما يستطيع.
التوازن الاقتصادي في المجتمع
أوجب الإسلام تداول المال بين جميع أفراد الرعية، ومنع حصر تداوله بين فئة من الناس. قال تعالى: {كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم} (الحشر: 7). فإذا كان المجتمع على حال من التفاوت الفاحش بين أفراده في توفير الحاجات وأريد بناؤه من جديد، أو حصل فيه هذا التفاوت من إهمال أحكام الإسلام والتساهل في تطبيقها، كان على الدولة أن تعالج إيجاد التوازن في المجتمع بإعطائها من أموالها التي تملكها لمن قصرت به حاجته حتى تكفيها، وحتى يحصل بهذه الكفاية التوازن في توفير الحاجات. وعليها أن تعطي المالَ منقولًا وغير منقول، لأنه ليس المقصود من إعطاء المال قضاء الحاجة مؤقتًا، بل المقصود توفير وسائل قضائها بتوفير ملكية الثروة التي تسد هذه الحاجات. وإذا كانت الدولة لا تملك مالًا أو لم تف أموالها بإيجاد هذا التوازن فلا يصح أنْ تملك من أموال الناس، ولا يصح أن تفرض ضرائب من أجل هذا التوازن لأنه ليس من الأمور التي فرضت على المسلمين كافة، بل عليها أن تسعى لتوفير المال من غير ضرائب كالغنائم والملكية العامة حتى تقوم بإيجاد التوازن. وهكذا كلما رأت الدولة اختلالًا بالتوازن الاقتصادي في المجتمع عالجت هذا الخلل بإعطاء من قصرت بهم الحاجة من أموال بيت المال، إن كان في بيت المال مال جاءه من الغنائم والأملاك العامة. وإنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين رأى التفاوت في ملكية الأموال بين المهاجرين والأنصار خص المهاجرين بأموال الفيء الذي غنمه من بني النضير من أجل إيجاد التوازن الاقتصادي. فقد روي أنه لما فتح النبي صلى الله عليه وآله وسلم ديار بني النضير صلحًا وأجلى اليهود عنها سأل المسلمون النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنْ يقسم لهم فنزلت {ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى} الآيات، فجعل الله أموال بني النضير للنبي صلى الله عليه وآله وسلم يضعها حيث شاء، فقسمها النبي بين المهاجرين ولم يُعْطِ الأنصارَ منها شيئًا سوى رجلينِ اثنين هما أبو دجانة سماك بن خرشة، وسهل بن حنيف، فقد كانت حالهما كحال المهاجرين من حيثُ الفقر. وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال للأنصار: "إن شئتم قسمتم للمهاجرين من دوركم وأموالكم وقسمت لكم من الغنيمة كما قسمت لهم. وإن شئتم كانت لهم الغنيمة ولكم دياركم وأموالكم. فقالوا: لا بل نقسم لهم من ديارنا وأموالنا ولا نشاركهم في الغنيمة. فأنز الله: {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة}. والآية صريحة في أنَّ الفيء جعله الله حقًّا للفقراء المهاجرين، قال تعالى: {ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب، للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون} (الحشر: 7 ـــــــ 8). فقوله تعالى: {كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم} معناه: كيلا يتداول بين الأغنياء فقط. والدُّولة في اللغة اسم للشيء الذي يتداوله القوم. وهي أيضًا اسم لما يُتداول من المال. فيكون المعنى: كيلا يكون الفيء الذي حقه أن يعطى للفقراء ليكون بُلغة لهم يعيشون بها، واقعًا في أيدي الأغنياء ودُولة بينهم. وقوله تعالى: {للفقراء المهاجرين} بدل من قوله لذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، كأنه قيل: أعني بأولئك الأربعة هؤلاء الفقراء المهاجرين الذين صفتهم كذا وكذا.
وما فُعِلَ بفيءِ بني النضير، وهو حقٌّ من أموال بيت المال لجميع المسلمين، قد خُص به الفقراء وحُرم منه الأغنياء لإيجاد توازنٍ في توفير الحاجات بينهم. ويُفعل ذلك في أموال بيت المال إذا كانت هذه الأموال لم تأت مما يجمع من المسلمين كأموال الغنائم وأموال الأملاك العامة. أما إذا كان المال جمع من المسلمين فلا يصرف على التوازن. ويفعل ذلك في كل وقت لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وعليه فإن على الخليفة أن يوجد التوازن الاقتصادي بإعطائه الفقراء من الرعية وحدهم من أموال بيت المال التي هي لجميع المسلمين حتى يوجد التوازن الاقتصادي بهذا العطاء. إلا إن هذا لا يُعدّ من نفقات بيت المال الثابتة بل هو معالجة لحالة معينة من أموال معينة.
منع كنز الذهب والفضة
إن ظاهرة سوء توزيع الثروة بين الأفراد في مختلف دول العالم من الحقائق الثابتة التي تنطق بها مظاهر الحياة اليومية بوضوح لا يدع كبير مجال للتدليل عليها. وإن ما يعانيه البشر من هذا التفاوت الفاحش في قضاء الحاجات لا يحتاج إلى إظهار حِدّةِ هذا التفاوت وبشاعته. وقد حاولت الرأسمالية معالجة ذلك فلم تفلح. والاقتصاديون الرأسماليون حين يبحثون نظرية توزيع الدخل يهملون كل الإهمال سوءَ توزيعِ الدَّخْلِ الشخصي، ويكتفون بعرض الإحصاءات من غير معالجة ولا تعليق. والاشتراكيون لم يجدوا وسيلة لمعالجةِ سوءِ التوزيع سوى تحديدِ الملكية بالْكَمِّ، والشيوعيون جعلوا المعالجةَ منع الملكية. أما الإسلام فقد ضمن حُسْنَ التوزيع في تحديد كيفية الملكية وكيفية التصرف بها، وفي إعطاء من قصرت به مواهبه ما يضمن له تقاربًا مع غيره ممن يعيشون في المجتمع، لإيجاد التقارب في توفير الحاجات بين الناس، وبذلك عالج سوء التوزيع. إلا إنه مع وجود التقارب في قضاء الحاجات بين الأفراد قد توجد ثروات كبيرة لدى بعض الأفراد. والإسلام لم يفرض التقارب بين الناس في الملكية، بل فرض استغناء كل فرد من غيره في حاجاته المعروفة بالنسبة إليه. "خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى". وهذه الثروات الكبيرة تُهيِّء لأصحابها فرص الادخار، وتساعد على اكتساب الدخول الكبيرة فتظل الثروة الكبيرة موجودة حيث يكون المال الكبير، لأنَّ المالَ يجلب المال، وإن كان للجهد أثر في اكتساب الثروة وتهيئة الفرص لاستغلال الأموال.
ولا تشكِّل الثروات الكبيرة أي خطر على الاقتصاد بل هي على العكس تنمي الثروة الاقتصادية للجماعة كما تنمي ثروة الفرد، لكن الخطر إنما يأتي من النقود المكنوزة عند بعض الأفراد من ذوي الثروات الكبيرة، فيهبط بكنز النقود مستوى الدخل وتنتشر البطالة ويصل الناس إلى حالة من الفقر، لذلك لا بد من معالجة كنز النقود. فالنقود هي أداة التبادل بين مال ومال، وبين مال وجهد، وبين جهد وجهد. فهي المقياس لهذا التبادل فإذا اختفت من السوق ولم تصل إليها أيدي الناس عُدِمَ هذا التبادل، فوقف دولاب الاقتصاد ولم تتحقق الدورة الاقتصادية. وبقدر وجود هذه الأداة متوافرة بين أيدي الناس بقدر ما يدفع سير العمل إلى الأمام وتتحقق الدورة الاقتصادية كاملة.
وذلك أنه ما من دخل لشخص أو هيئة إلا ومصدره شخص آخر أو هيئة أخرى. فالأموال التي تجبيها الدولة من الضرائب هي دخل للدولة، لكنها إنفاق من الناس. والنفقات التي تنفقها الدولة على الموظفين والمشاريع وأرزاق الجند وغيرها هي دخل لهؤلاء، وإنفاق من الدولة. والنفقات التي ينفقها الموظف والجندي وغيرهما هي دخل لمن يشترون السلع منهم كصاحب المنزل واللحام والخضري والتاجر وغيرهم وهكذا... فتكون دخول الناس في المجتمع ونفقاتهم الإجمالية تسير في شكل دائرة مستمرة، فإذا كنز شخص النقد فإنه يكون قد سحب من السوق نقدًا، وهذا بالطبع لا ينتج إلا من تقليل إنفاقه فيؤدي حتمًا إلى تقليل ما يدخل للآخرين الذين يعطيهم أو يتبادل معهم ما كنزه من النقد، وهذا يؤدي إلى تقليل إنتاجهم لأن الطلب على السلع قد قل، وهذا يؤدي إلى البطالة وإلى هبوط الاقتصاد في جملته. ومن هنا كان كنز النقد مؤديًا حتمًا إلى وجود البطالة وهبوط الاقتصاد من قلة المداخيل الفردية.
إلا إن الذي يجب أن يعلم أن هذا الضرر إنما يأتي من كنز النقد لا من ادخاره، فالادخار لا يوقف دولاب العمل ولا الدورة الاقتصادية وإنما الذي يوقفها هو الكنز. والفرق بين الكنز والادخار هو أن الكنز عبارة عن جمع النقد بعضه فوق بعض لغير حاجة، فهو حبس النقد عن السوق، وأما الادخار فهو خزن النقد لحاجة من الحاجات كأن يجمع الشخص النقد ليبني بيتًا أو ليتزوج أو ليشتري مصنعًا أو ليفتح تجارة أو غير ذلك. فهذا النوع من جمع النقد لا يؤثر في السوق ولا في دولاب العمل لأنه ليس حبسًا للمال، بل هو تجميع له لإنفاقه، فهو سيدور حين يوضع موضع الإنفاق. ولذلك لا يوجد خطر من الادخار، والخطر إنما هو من كنز النقد أي من جمع بعضه فوق بعض لغير حاجة.
وقد أباح الإسلام ادخار الذهب والفضة لأنه جمع للنقد لحاجة: أباح للرجل جمع النقد بعضه فوق بعض ليجمع مهر امرأة ليتزوجها، وأباح جمع النقد بعضه فوق بعض حتى يقوم بإداء فريضة الحج، وأباح جمع النقد بعضه فوق بعض كي يبني بيتًا أو ليشتري مسكنًا. ولم يجعل في هذا النقد المجموع من الذهب والفضة سوى الزكاة إذا بلغ مقداره النصاب، وحال عليه الحول.
والذهب والفضة حين نزلت الآية في منع كنزهما كانا أداة للتبادل ومقياسًا للجهد في العمل، والمنفعة في المال، سواء في ذلك ما كان منهما مسكوكًا كالدراهم والدنانير أو لم يكن مسكوكًا كالسبائك. وعليه فالنهي منصب على الذهب والفضة بصفتهما أداة للتبادل.
أما كنز الذهب والفضة فقد حرّمه الإسلام بصريح القرآن. قال تعالى: {والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم} (التوبة: 34). فهذا الوعيد بالعقاب الأليم لمن يكنزون الذهب والفضة دليل ظاهر على أن الشارع طلب ترك الكنز طلبًا جازمًا، ولذلك كان كنزُ الذهب والفضة حرامًا.
والآية جاءت عامة لجميع الذهب والفضة سواء أكان نقدًا أم سبائك أم حُليًّا. غير أن الحديث استثنى الحليَّ من الكنز فأباحه. فقد روى أبو داود من رواية ثابت بن عجلان عن عطاء عن أم سلمة قالت: كنت ألبس أوضاحًا من ذهب، فقلت: يا رسول الله أكنز هو؟ فقال: "ما بلغ أن تؤدي زكاته فزكي فليس بكنز". والأوضاح نوع من أنواع الحلي مصنوع من الفضة. فهذا الحديث مخصص لعموم الآية بأن الكنزَ الممنوع إنما هو في غير الحلي، أما الحلي فلا يمنع كنزها ما دامت تؤدي زكاتها.
والحديث، وإن كان لا ينسخُ القرآن، لكنَّه يخصصه. فالله تعالى حين قال: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مئة جلدة} (النور: 2) خصص ذلك في غير المحصن. أما المحصن فيرجم لأنَ الرسولَ رَجَمَ المحصنَ وأمر أن يرجم، وقد خصص عمل الرسول عموم الآية. والله تعالى حين قال: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} (المائدة: 38) خصص القطع في غير المجاعة بقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: "لا قطعَ في مجاعةِ مضطر". فحديث الأوضاح خصص آية الكنز، كما خصص آيةَ الجلد حديث المحصن وآية السرقة حديث المجاعة.
والدليل على أن الآية قد حرّمت كنز الذهب والفضة تحريمًا قاطعًا هو:
أولًا: عموم هذه الآية. فنص الآية منطوقًا ومفهومًا دليل على منع كنز المال من الذهب والفضة منعًا باتًا. فالقولُ بأنَّ الكنز مباحٌ بعد إخراجِ الزكاة تَرْكٌ لحكم الآية التي دلت عليه دلالة قطعية، وهذا لا يصار إليه إلا بدليل منفصل عنها يصرفها عن معناها، أو ينسخها. ولم يرد أي نص صحيح يصرفها عن معناها ولا يحتمل أنْ يكون هناك دليل يصرفها عن معناها، لأنها قطعية الدلالة. فلم يبق إلا الدليل الذي ينسخها، ولا دليل ينسخها. أما آية {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم} (التوبة: 103) فإنها نزلت في السنة الثانية للهجرة حين فرضت الزكاة، وهذه الآية قد ننزلت في السنة التاسعة للهجرة ولا ينسخ المتقدمُ المتأخرَ في النزول. وأما الأحاديث الواردة في أنه ما أُدِّي زكاته فليس بكنز فإنه لم يصح منها سوى حديث واحد هو حديث أم سلمة، وما عداه من جميع الأحاديث التي رويت في هذا الباب فإنها كلها مكذوبة مطعون بها رواية ودراية، أي سندًا ومتنًا. وحديث أم سلمة هذا في الأوضاح خاص بالحلي، وهو مخصص لعموم الآية. على أنَّ الأحاديث النبوية لا تنسخ القرآن الكريم ولو كانت متواترة، لأنَّ القرآن قطعي الثبوت لفظًا ومعنى ونحن متعبدون بلغظه ومعناه، بخلاف الحديث المتواتر فهو قطعي الثبوت معنى لا لفظًا ولسنا متعبدين بلفظه، وإذًا فلا ينسخ القرآن بالأحاديث ولو كانت متواترة. فكيف يجعل حديث الآحاد، كحديث أم سلمة، ناسخًا لآية قطعية الثبوت قطعية الدلالة؟
ثانيًا: أسند الطبري إلى أبي إمامة الباهلي قال: مات رجل من أهل الصُّفة فوجد في برده دينار، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "كَيَّةٌ"، ثم مات آخر فوجد له دينارات، فقال رسول الله: "كيتان". وهذا لأنهما كانا يعيشان من الصدقة وعندهما التبر. والدينار والديناران لا يبلغان نصابًا حتى تخرج منهما الزكاة، فقول الرسول عنهما "كية وكيتان" دليل اعتباره أنّ ما وُجد معهما كنز ولو لم تجب فيه الزكاة. وهو يشير إلى ما جاء في آية الكنز: {يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم} (التوبة: 35).
ثالثًا: إن نص الآية هو صب الوعيد على أمرين اثنين: أحدهما كنز المال، والثاني عدم الإنفاق في سبيل الله، أي: الذين يكنزون الذهب والفضة، والذين لا ينفقونها في سبيل الله، فبشرهم بالعذاب. ومن ذلك تبين أن من لم يكنز ولم ينفق في سبيل الله يشمله الوعيد، ومن كنز وأنفق في سبيل الله يشمله الوعيد. قال القرطبي: "فإن من لم يكنز ومنع الإنفاق في سبيل الله فلا بد من أن يكون كذلك".
والمراد من قوله تعالى {في سبيل الله} هو الجهاد لأن هذه الآية {في سبيل الله} إذا قرنت بالإنفاق كان معناها الجهاد. وقد وردت في القرآن في هذا المعنى وحده، ولم ترد مَرّةً واحدةً في القرآن، ومعها الإنفاق، إلا كان معناها جزمًا الجهاد، ولا تحتمل غيره مطلقًا.
رابعًا: الكنز في اللغة جمع المال بعضه إلى بعض وحفظه، ومال مكنوز أي مجموع. والكنز كل شيء مجموع بعضه إلى بعض، في بطن الأرض كان أو على ظهرها. والقرآن تفسر كلماته بمعناها اللغوي وحده، إلا أنْ يرد من الشرعِ معنًى شرعي لها فتفسر حينئذٍ بالمعنى الشرعي. وكلمة الكنز لم يصح أنه ورد أي معنى شرعي وضع لها فيجب أن تفسر بمعناها اللغوي فقط، وهو أنه مجرد جمع المال بعضه إلى بعض لغير حاجة جُمع من أجلها، وهذا يُعدّ من الكنز المذموم الذي أوعد الله فاعله بالعذاب الأليم.
الربا والصرف
الربا هو أخذ مال بمال من جنس واحد متفاضلين. والصرف هو أخذ مال بمال من الذهب والفضة من جنس واحد متماثلين أو من جنسين مختلفين متماثلين أو متفاضلين. والصرف لا يكون إلا في البيع، أما الربا فإنه يكون في بيع أو قرض أو سَلَم.
فأما البيع فهو مبادلة المال بالمال تمليكًا وتملكًا. وهو جائز لقوله تعالى: {وأحل الله البيع} (البقرة: 275)، ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا".
وأما السَّلَم فهو أن يسلم عرضًا حاضرًا بعرض موصوف في الذمة إلى أجل. ويُسمّى سَلَمًا وسَلَفًا. وهو نوع من البيع ينعقد بما ينعقد به البيع وبلفظ السَّلَم، وهو جائز لقوله تعالى: {يأيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه} (البقرة: 282) قال ابن عباس: "أشهد أنَّ السلفَ المضمون إلى أجلٍ مسمى قد أحلَّهُ في كتابه وأذن فيه، ثم قرأ هذه الآية". كما روي عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم "أنهم قدموا المدينة وهم يسلفون في الثمار السنتين والثلاث فقال: من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم".
وأما القرض فهو نوع من السلف، وهو أن يعطي الرجل مالًا لآخر ليسترده منه، وهو جائز. فقد روى أبو رافع "أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم استسلف من رجل بِكْرًا فقدمت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم إبل الصدقة فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بكره، فرجع إليه أبو رافع فقال: يا رسول الله لم أجد فيها إلا خيارًا رباعيًّا فقال: أعطه فإن خير الناس أحسنهم قضاء". وقال صلى الله عليه وآله وسلم: "ما من مسلم يقرض مسلمًا قرضًا مرتين إلا كان كصدقة مرة". فالقرض إذًا جائز لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يستقرض.
والربا لا يقع في البيع والسّلم إلا في ستة أشياء فقط: في التمر والقمح والشعير والملح والذهب والفضة. والقرض يقع في كل شيء، فلا يحل إقراض شيء ليردّ إليك أقل أو أكثر، ولا يردّ إليك من نوع آخر أيضًا، لكن يردّ إليك مثل الذي أقرضت في نوعه ومقداره. والفرق بين البيع والسلم وبين القرض أن البيع والسلم يكونان في نوع بنوع آخر، وفي نوع بنوعه، ولا يكون القرض إلا في نوع بنوعه لا غير.
وأما كون الربا محصورًا في هذه الأنواع الستة فقط فلأن إجماع الصحابة انعقد عليها، ولأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "الذهبُ بالذهبِ مثلًا بمثل والفضة بالفضة مثلًا بمثل والتمر بالتمر مثلًا بمثل والبر بالبر مثلًا بمثل والملح بالملح مثلًا بمثل والشعير بالشعير مثلًا بمثل، فمن زاد أو ازداد فقد أربى. بيعوا الذهب بالفضة كيف شئتم يدًا بيد، وبيعوا البر بالتمر كيف شئتم يدًا بيد، وبيعوا الشعير بالتمر كيف شئتم يدًا بيد". فالإجماع والحديث نصَّا على أشياء معينة فيها الربا ولا يثبت إلّا فيها. والأشياء التي يحصل فيها الربا تنطبق عليها قاعدة "الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد دليل التحريم"، ولم يرد في غير هذه الأنواع الستة دليل على التحريم، فبات الربا محصورًا فيها، ويدخل فيها كل ما هو من جنسها وما ينطبق عليه وصفها، وأما ما عداها فلا يدخل.
أما تعليل التحريم في هذه الأشياء فلم يرد في النص فلا يعلل لأن العلة علة شرعية لا عقلية، فما لم تفهم العلة من نص فلا يُعتدّ بها. وأما قياس العلة فلا يأتي هنا لأنه يشترط في قياس العلة أن يكون الشيء الذي عُدَّ علة وصفًا مفهمًا حتى يصح القياس عليه، فإذا لم يكن وصفًا مفهمًا بأن كان اسمًا جامدًا أو كان وصفًا غير مفهم فلا يصلح أن يكون علةً ولا يقاس عليه غيره. إنَّ الرسولَ صلى الله عليه وآله وسلم حين قال: "لا يقضي القاضي وهو غضبان" عُدَّ الغضبَ عِلَّة لمنع القضاء، لأنَّ الغضبَ وصفٌ مُفْهِمٌ للمنعِ فكان علةً، واستنبطت عليّته مما فيه من معنى فهم منه أنَّ المنعَ كان لأجله. وهذا المعنى هو إرباك العقل أو تحيره، فيقاس على الغضب كل ما فيه إرباك العقل أو تحيره مما جعل الغضب علة. فهنا يصح أن يقاس غير الغضب على الغضب كالخوف مثلًا لأنَّ لفظَ "الغضب" وصف مفهم لمنع القضاء. وذلك بخلاف قوله تعالى: {حرمت عليكم الميتة} (المائدة: 3) فإنَّ الميتةَ ليست وصفًا مفهمًا للتحريم، فلا يقاس عليها، وينحصر التحريم بالميتة. وكذلك إذا ورد النص على تحريم الربا في القمح فإنه لا يقاس عليه لأنَّ القمحَ اسمٌ جامدٌ، وليس وصفًا مفهمًا. فلا يقال حرّم الربا في القمح لأنه مطعوم إذ هو ليس وصفًا مفهمًا، فلا يُعدّ علة للتحريم ولا يقاس عليه غيره. وأما قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "الطعام بالطعام مثلًا بمثل"، وما روي عن أبي سعيد الخدري أنه قال: "قسم رسول الله صلى الله عليه وآله ولم طعامًا مختلفًا فتبايعناه بزيادة فنهانا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن نأخذه إلا كيلًا بكيل"، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: "لا تباع الصبرة من الطعام بالصبرة من الطعام ولا الصبرة من الطعام بالكيل من الطعام المسمّى" فإن ذلك كله لا يدل على أن علة التحريم الطعام، بل يدل على أن الربا يحصل في الطعام، ويشمل جنس الطعام كله فهو عام، فجاء حديث الرسول الذي عين أنواع الطعام فخصصه فيها. بدليل أن هناك أطعمة كثيرة لا يحرم فيها الربا وهي من الطعام. فالباذنجان والقرع والجزر والبصل والحلاوة تُعدّ من المطعومات ولا يدخلها الربا، بالإجماع، مع أنه يصدق عليها لفظ الطعام لأنها من المطعوم، ولأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قال: "لا صلاة بحضرة الطعام" أيْ: أيّ طعام معد للأكل. فلو كان الربا في كل مطعوم لدخلها الربا. وعلى ذلك فإنَّ حديث الطعام عام قد خصص الربا منه فيما ذكره الرسول من أنواع الطعام في قوله: "التمر بالتمر والحنطة بالحنطة والشعير بالشعير والملح بالملح" الحديث. وكما يخصص القرآن بالحديث فكذلك يخصص الحديث بالحديث. وعليه فالربا لا يقع في البيع والسلم إلا في هذه الأشياء الستة. وكذلك لا يقال حرم الربا في الذهب أو الفضه لأنه موزون، فتجعل علة تحريم الربا فيه كونه موزون جنس. ولا يقال حرم الربا في الحنطة والشعير والتمر والملح لأنه مكيل، فتجعل علة تحريم الربا فيها كونها مكيل جنس، لأن الوزن أو الكيل جاء في الحديث وصفًا لها لا علة. قال عليه وعلى آله الصلاة والسلام: "الذهب بالذهب تبره وعينه وزنًا بوزن، والفضة بالفضة تبره وعينه وزنًا بوزن، والملح بالملح والتمر بالتمر والبر بالبر والشعير بالشعير كيلًا بكيل، فمن زاد أو ازداد فقد أربى" فالحديث بيَّن الحالة التي عليها التحريم وهي الوزن بالذهب والفضة تفاضلًا، والكيل في القمح والشعير والملح والتمر تفاضلًا، وهذا بيان ما يجري فيه التبادل لا علة له. وعليه فلا يجري الربا في كل مكيل أو موزون، وإنما يجري الربا في هذه الأشياء الستة فقط، وزنًا في الذهب والفضة، وكيلًا في ما عداها.
وأما القرض فجائز في هذه الأصناف الستة وفي غيرها وفي كل ما يتملك ويحل إخراجه عن الملك. ولا يدخل الربا فيه إلا في وجه واحد فقط وهو اشتراط المقرض أن يسترجع أكثر مما أقرض أو أقل مما أقرض أو أدنى مما أقرض، أي أردأ جنسًا.

الصرف
يتبين لدى من تتبع جميع ما تجري عليه عقود البيع من المعاملات المالية الجارية في الأسواق العالمية أن عمليات الشراء والبيع تجري في ستة أنواع: أحدها شراء عملة بذات العملة، كاستبدال أوراق النقد الجديدة من الدينار العراقي مثلًا بأوراق قديمة. والثاني هو استبدال عملة بعملة أخرى كاستبدال دولارات بجنيهات مصرية. والثالث شراء بضاعة بعملة معينة وشراء هذه العملة بعملة أخرى كشراء طائرات بدولارات واستبدال دولارات بدنانير عراقية في صفقة واحدة. والرابع بيع بضاعة بعملة، بجنيهات استرلينية مثلًا، واستبدال دولارات بالجنيهات الاسترلينية. والخامس بيع سندات معينة بعملة معينة. والسادس بيع أسهم في شركة معينة بعملة معينة. فهذه المعاملات الست تجري فيها عقود البيع في المعاملات المالية.
أما شراء السندات والأسهم وبيعها فلا يجوز شرعًا مطلقًا لأن السندات لها فائدة مقررة فيدخل فيها الربا، بل هي نفسها معاملة من معاملات الربا. وأما الأسهم فإنها حصة في شركة باطلة شرعًا غير جائزة فشراؤها وبيعها فاسدٌ. ولذلك لا يجوزُ التعامل بالأسهم في الشركات المساهمة كلها، سواء أكانت في شركة عملها حلال كالشركات التجارية والصناعية أم كانت في شركات عملها حرام كأسهم البنوك.
وأما شراء البضاعة بعملة، والاستبدال بتلك العملة عملة أخرى وبيعها بعملة أخرى كذلك ـــــــ وهكذا... فكل واحدة من هذه العمليات هي في الحقيقة عمليتان: عملية بيع وشراء، وعملية صرف، فتجري عليهما أحكام البيع والصرف ويجري فيهما حكم تفريق الصفقة.
وأما بيع عملة بذات العملة أو بيع عملة بعملة أخرى فهو عملية صرف، وهي جائزة لأن الصرف مبادلة مال بمال من الذهب والفضة إما بجنسه مماثلة وإما بغير جنسه مماثلة ومفاضلة. ويجري الصرف في النقد كما يجري في الذهب والفضة لأنه ينطبق عليه وصف الذهب والفضة كونه عملة، وليس قياسًا على الذهب والفضة بل هو نوع من أنواعهما لاستناده إليهما في الاعتبار النقدي. فإذا اشترى شخص ذهبًا بفضة عينًا بعين بأن يقول: بعتك هذا الدينار الذهب بهذه الدراهم الفضة، ويشير إليهما وهما حاضران، أو اشترى ذهبًا بفضة بغير عينه بأن يوقع العقد على موصوف غير مشار إليه فيقول: بعتك جُنيهًا مصريًّا بثلاثة ريالات سعودية، فهذا كله جائز لأنَّ النقود تتعين بالتعيين في العقود فيثبت الملك في أعيانها. وأنَّ بيعَ الذهبِ بالفضة جائز سواء في ذلك الدنانير بالدراهم أو بالحلي أو بالنقار. والنقار هو ما يقابل التبر في الذهب من الفضة. وكذلك بيع الفضة بالذهب وبحلي الذهب وسبائكه وتبره. غير أنَّ ذلك كله يكون يدًا بيد ولا بد، وعينًا بعين ولا بد، متفاضلين ومتماثلين وزنًا بوزن. هذا إذا كان الصرف بين نقدين متخالفين.
أما إن كان الصرفُ في نقدٍ من جنسٍ واحدٍ فلا يصح إلا متماثلًا، ولا يصح متفاضلًا، فيباع الذهب بالذهب سواء أكان دنانير أم حليًّا أم سبائك أم تبرًا وزناً بوزن، عينًا بعين، يدًا بيد، لا يحل التفاضل بذلك أصلًا. وكذلك تباع الفضة بالفضة دراهم أو حليًّا أو نقارًا وزنًا بوزن، عينًا بعين، يدًا بيد، ولا يجوز التفاضل في ذلك أصلًا. فالصرف في النقد الواحد جائز، ويشترط فيه أن يكون مثلًا بمثل، يدًا بيد، عينًا بعين. والصرف بين نقدين جائز، ولا يشترط فيه التفاضل بل يشترط أن يكون يدًا بيد وعينًا بعين.
ودليل جواز الصرف قوله عليه وعلى آله الصلاة والسلام: "بيعوا الذهب بالفضة كيف شئتم يدًا بيد". وعن عبادة بن الصامت قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن بيع الذهب بالذهب والوَرِق بالورق والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر إلا مثلًا بمثل، يدًا بيد. وأمرنا أن نبيع الذهب بالورق والورق بالذهب والبر بالشعير والشعير بالبر، يدًا بيد كيف شئنا". وعن مالك بن أوس الحدثان أنه قال: "أقبلت أقول: من يصطرف الدراهم؟ فقال طلحة بن عبيد الله وهو عند عمر بن الخطاب: أرنا ذهبك، ثم جئنا إذا جاء خادمنا نعطك ورقك. فقال عمر بن الخطاب: كلا والله لتعطينه ورقه أو لتردن إليه ذهبه، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "الورقُ بالذهب ربا. إلّا هاء وهاء، والبر بالبر ربا إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير ربا إلا هاء وهاء، والتمر بالتمر ربا إلا هاء وهاء". فلا يجوز بيع الذهب بالفضة إلا يدًا بيد. فإذا افترق المتبايعان قبل أن يتقابضا. فالصرف فاسد. قال صلى الله عليه وآله وسلم "الذهب بالورق ربا إلا هاء وهاء".
ويشترط أن يقبض المتصارفان في المجلس. ومتى انصرف المتصارفان قبل التقابض فلا بيع بينهما، لأن الصرف هو بيع الأثمان بعضها ببعض، والقبض في المجلس شرط لصحته.
ونهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن بيع الذهب الورق دينًا، ونهى عن أن يباع غائب منها بناجز . لذلك كان لا بد من التقابض في المجلس، فإن تفرقا قبل التقابض بطل الصرف لفوات شرطه، وإن قبضَ بعضه ثم افترقا بطل فيما لم يقبض، وفيما يقابله من العوض، وصح فيما قبض وفيما يقابله من العوض، وصح فيما قبض وفيما يقابله من العوض، لجواز تفريق الصفقة. فلو صارف رجل آخر دنيارًا بعشرة دراهم وليس معه إلا خمسة دراهم، لم يجز أن يتفرقا قبل قبض العشرة كلها. فإن قبض الخمسةَ وافترقا بطل الصرف في نصف الدينار وصح فيما يقابل الخمسة المقبوضة، لجواز تفريق الصفقة في البيع. فإذا استقرض من مصارفه أو غيره وأتم به صرفه فجائز، ما لم يكن عن شرط في الصفقة، فإن كان عن شرط في الصفقة لم يجز.

معاملات الصرف
مهما تعددت وتنوَّعت معاملات الصرف فإنها لا تخرج عن بيع نقد بنقد من جنس واحد، وبيع نقد بنقد من جنسين مختلفين. وشرطها أن تتم حاضرًا بحاضر أو ذمة بذمة، ولا تكون بين حاضر بذمة مطلقًا. وإذا تمت عملية الصرف بين متبايعين وأراد أحدهما الرجوع بها فلا يصح رجوعه متى تم العقد والقبض، إلا أن يكون هنالك غبن فاحش أو عيب، فإنه يجوز. فإذا وجد أحد المتبايعين فيما اشتراه عيبًا أو غشًّا كأن يجد في الفضة نحاسًا أو يجد الفضة سوداء فله الخيار بين أن يرد أو يقبل إذا كان بصرف يومه، أي بالسعر ذاته الذي صرف به. يعني الرد جائز ما لم تنقص قيمة ما أخذه من النقد عن قيمته يوم اصطرفا، فإنْ قَبِلَهُ جاز البيع، وإنْ رَدَّهُ فُسِخَ البيع. فإذا اشترى ذهبًا من عيار 24 بذهب من عيار 24 ثم وجد أنَّ الذهب الذي أخذه هو من عيار 18 فإن ذلك يُعدّ غشًا، وله الخيار بين أن يرد أو يقبل بصرف يومه. ولو أراد من استبدل الذهب بالذهب قبول النقد بعيبه على أن يأخذ ما نَقَصَ من ثمنه بالنسبة عيبه، فلا يجوز ذلك لحصول الزيادة في أحدِ العوضين وفوات المماثلة المشترطة في الجنس الواحد. وإذا كان على رجل دين مؤجل فقال لغريمه: ضع عني بعضه، وأُعَجِّل لك بقيته، لم يجز ذلك لأنه بيع معجل بمؤجل بغير مماثلة، فكأنه باعه دينه بمقدار أقل منه حاضرًا، وصار التفاضل موجودًا فكان ذلك ربا. وكذلك إذا زاده الذي له الدين فقال له: أعطيك عشرة دراهم وتعجل لي المئة التي عليك فلا يجوز ذلك لوجود التفاضل فتصبح العملية ربا. قال صلى الله عليه وآله وسلم: "والذهب بالذهب والفضة بالفضة يدًا بيد عينًا بعين مثلًا بمثل فما زاد فهو ربا".
وإذا كان لرجل في ذمة رجل آخر ذهب، وللثاني في ذمة الأول فضة، واصطرفا بما في ذمتيهما بأن قبل الأول أن يصرف ما في ذمته من الفضة مقابل ما له في ذمة الثاني من الذهب، ووافق الثاني على ذلك، جاز هذا الصرف، لأنَّ الذمةَ الحاضرة كالعين الحاضرة. وإذا اشترى رجلٌ بضاعةً بذهبٍ وقبضَ البائعُ ثمنَها فضةً جاز، لأنه يجوز اقتضاء أحد النقدين من الآخر، ويكون صرفًا بعين وذمة، وذلك لما روى أبو داود والأثرم في سننهما عن ابن عمر قال: "كنت أبيعُ الإبل بالبقيع فأبيعُ بالدنانير وآخذُ الدراهمَ، وأبيع بالدراهم وآخذُ الدنانيرَ، آخذ هذه من هذه، وأُعطي هذه من هذه. فأتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم في بيت حفصة فقلت: يا رسول الله، رويدك أسألك، إني أبيع الإبل بالبقيع فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، آخذ هذه من هذه وأعطي هذه من هذه. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا بأس أن تأخذها بسعرِ يومها ما لم تفترق وبينكما شيء".
وإذا اشترى رجل من رجل دينارًا صحيحًا بدينارين مغشوشين فلا يجوز ذلك لأن الغش غير جائز في جميع الحالات. لكن المقصود بالغش هنا هو ألَّا يكون المعدن النقدي صافيًا بصورة كاملة، أي إنَّ الدينارين ليسا من الذهب الخالص أو من الفضة الخالصة، فلا يجوز شراؤهما بدينار صحيح أي من معدن خالص.
ومثل الغش التواطؤ. فإن تواطأ أحد على شيء، لم يجز، وكان حيلة محرمة لأنَّ الحيلَ كلها محرمة، غير جائزة في شيء من الدين. وهي أن يُظهر أحدهم عقدًا مباحًا ويريد به محرمًا، مخادعةً وتوسلًا إلى فعل ما حرَّمَهُ الله أو إسقاطِ ما أوجبه، أو دفع حق أو نحو ذلك، لأنَّ الوسيلةَ إلى الحرامِ محرمة، ولأنَّ الرسولَ قال: "ليستحلَّنَّ قومٌ من أمتي الخمرَ يُسمُّونَها بغير اسمها".
وعلى هذا فالصرف من المعاملات الجائزة في الإسلام وَفْقَ أحكامٍ مخصوصةٍ بَيَّنِها الشرعُ. وهو يجري في المعاملات الداخلية كما يجري في المعاملات الخارجية، فكما يستبدل الذهب بالفضة والفضة بالذهب من نقد البلد، فكذلك يستبدل النقد الأجنبي بنقد البلد سواء أكان في داخل البلاد أم خارجها، وسواء أكان معاملات مالية نقدًا بنقد أم معاملات تجارية يجري فيها صرف النقد بالنقد.
ولبيان الصرف في المعاملات الخارجية بين نقود مختلفة لا بد من بحث النقود.

النقود
النقودُ هي مقياسُ المنفعةِ التي في السلعة والجهد، ولذلك تُعرَّف النقود بأنها الشيء الذي تقاس به كل السلع والجهود. فالثمنُ للشيءِ والأجرُ للشخص مثلًا كل منهما هو تقدير المجتمع لقيمةِ ذلك الشيء وجهد ذلك الشخص. ولا تُعدّ السندات أو الأسهم أو ما شاكلهما، من النقود.
وهذا التقدير لقيم الأشياء والجهود يُعَبَّرُ عنه بوحدات في مختلف البلدان، فتصبح هذه الوحدات هي المقياس الذي تقاس به منفعة الشيء ومنفعة الجهد، وتكون هذه الوحدات واسطة للمبادلة. وهذه الوحدات هي النقود.
والإسلام حين قرر أحكام البيع والإجارة لم يعين لمبادلة السلع أو لمبادلة الجهود والمنافع شيئًا معينًا تجري المبادلة على أساسه فرضًا. وإنما أطلق للإنسان أن يجري المبادلة بأي شيء ما دام التراضي موجودًا في هذه المبادلة. فيجوز أن يتزوج امرأة بتعليمها القرآن، ويجوز أن يشتري سلعة بالعمل عند صاحبها يومًا، ويجوز أن يشتغل عند شخص يومًا بمقدار معين من التمر. وهكذا أطلق المبادلة لبني الإنسان بما يريدون من الأشياء.
إلا أنَّ مبادلةَ السلعة قد تتم أيضًا بوحدة معينة من النقد. وقد أرشد الإسلام إلى هذه الوحدة النقدية، وعيّنها للمسلمين في جنس معين من النقد هو الذهب والفضة. فو لم يترك للمجتمع أن يعبّر عن تقديره لمقياس المنفعة للأشياء أو الجهود بوحدات نقدية ثابتة أو متغيرة يتصرف بها كما يشاء، وإنما عيّن هذه الوحدات النقدية التي يعبّر بها المجتمع عن تقدير القيم للأشياء وللجهود تعيينًا ثابتًا بوحدات نقدية من جنسٍ معيّن. ويفهم هذا التعيين من عدة أمور:
أحدها: أن الإسلام حين نهى عن كنز المال خصَّ الذهبَ والفضةَ بالنهي مع أنَّ المالَ هو كل ما يتمول، فالقمح مال، والتمر مال، والنقد مال. والكنز إنما يظهر في النقد لا في السلع والجهود. والمراد من الآية بقوله تعالى: {والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم} (التوبة: 34) إنما هو النهي عن كنز النقد لأنه هو أداة التبادل، وكان هذا النهي منصبًّا على أداةِ التبادل النقدية. وعلى هذا فإن كنز الذهب والفضة عينًا حرام سواء أكان مضروبًا أم غير مضروب. وكنز النقود الورقية النائبة حرام لأنها تمثل كمية من الذهب والفضة على شكل نقود أو سبائك مودعة في مكان معين.
هذا إذا كان المبلغ الذي يمثله الورق يساويه، أما إذا كان لا يساويه فإن كنزه حرام بالمبلغ الذي يساويه فقط. وأما النقود الورقية الإلزامية فلا يُعدّ كنزها حرامًا لأنها أوراق اصطلح عليها اصطلاحًا فلا يُعدّ كنزها كنزًا لذهب وفضة. ونص الآية على تحريم كنز أداة التبادل وتعيين جنسها يدل على أن هذا الجنسَ هو النقد الذي يتخذه المسلمون أداة التبادل الشرعية. فتحريم الإسلام كنز الذهب والفضة ـــــــ حين حرّم كنز النقد ـــــــ دليل على أنَّ الذهبَ والفضةَ هما النقدُ في الإسلام.
ثانيها: ربط الإسلام الذهب والفضة بأحكام ثابتة لا تتغير. فحين فرضَ الدية عيَّنَ لها مقدارًا معينًا من الذهب، وحين أوْجَبَ القطع في السرقة عيَّن المقدار الذي يقطع بسرقته من الذهب. قال صلى الله عليه وآله وسلم في كتابه الذي كتبه إلى أهل اليمن: "وإنَّ في النفس المؤمنة مئة من الإبل، وعلى أهل الورق ألف دينار". وقال: "لا قطع إلا في ربع دينار فصاعدًا". فهذا التحديد لأحكام معينة بالدينار والدرهم والمثقال يجعل الدينار، بوزنه من الذهب والدرهم بوزنه من الفضة، وحدة نقدية تقاس بها قيم الأشياء والجهود. وتكون هذه الوحدة النقدية هي النقد، وهي أساس النقد. وكون الإسلام قد ربط الأحكام الشرعية بالذهب والفضة نصًّا، حين تكون هذه الأحكام متعلقة بالنقد، دليل على أن النقدَ إنما هو الذهب والفضة فحسب.
ثالثها: لقد عيّن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الذهب والفضة نقدًا، وجعلهما وحدهما المقياس النقدي الذي يرجع إليه مقياس السلع والجهود، وعلى أساسهما كانت تجري جميع المعاملات. وجعل المقياس لهذا النقد الأوقية، والدرهم، والدانق، والقيراط، والمثقال، والدينار. وكانت هذه كلها معروفة مشهورة في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتعامل بها الناس، والثابت أنه صلى الله عليه وآله وسلم أقرها. وكانت تقع بالذهب والفضة ـــــــ بصفتهما نقدًا ـــــــ جميع البيوع والأنكحة، كما ثبت في الأحاديث الصحيحة. وقد حدَّد الرسولُ ميزانَ الذهبِ والفضةِ بميزان معين هو ميزان أهل المدينة. فقال صلى الله عليه وآله وسلم في ميزان الذهب والفضة نقدًا: "الميزان ميزان أهل المدينة". ومن مراجعة الموازين النقدية في الإسلام يتبين أن الأوقية الشرعية أربعون درهمًا، والدرهم ست دوانق، والدينار أربعة وعشرون قيراطًا، وكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل. وقد أقرت موازين المدينة على هذا؟
رابعها: أنَّ الله سبحانه حين أوجب زكاة النقد أوجبها في الذهب والفضة، وعيّن لها نصابًا من الذهب والفضة. فكون زكاة النقد بالذهب والفضة يعين أنَّ النقدَ هو الذهبُ والفضةُ. ولو كان النقد غيرهما لما وجبت فيه زكاة نقد لأنه لم يأت نص في زكاة النقد إلا على الذهب والفضة مما يدل على أنه لا اعتبار لغيرهما من النقود.
خامسها: أن أحكامَ الصرفِ التي جاءت في معاملات النقد فقط إنما جاءت بالذهب والفضة وحدهما. وجميع المعاملات المالية التي وردت في الإسلام إنما جاءت نصًّا على الذهب والفضة. والصرف هو بيع عملة بعملة: إمّا بيع عملة بالعملة نفسها، او بيع عملة بعملة أخرى. وبعبارة أخرى الصرف مبادلة نقد بنقد. فتعيين الشرع للصرف ـــــــ وهو معاملة نقدية بحتة ولا تتعلق إلا بالنقد ـــــــ بالذهب والفضة، دليل صريح على أن النقد يجب أنْ يكون الذهب والفضة لا غير. قال صلى الله عليه وآله وسلم: "بيعوا الذهب بالفضة كيف شئتم يدًا بيد". وقال صلى الله عليه وآله وسلم: "الذهب بالورِق ربا إلا هاء وهاء".
وعلى ذلك تُعدّ النقود من الأشياء التي جاء الإسلام بحكمها، وليست هي من الأشياء التي تدخل في الرأي والمشورة، ولا بما تتطلبه الحياة الاقتصادية، أو الحياة المالية، بل هي من حيث كونها وحدة نقدية، ومن حيث جنسها ثابتة بحكم شرعي. والناظر في الأمور الخمسة السابقة يجد أنَّ النقدَ في الإسلام تعلقت به أحكام شرعية، وربطت به أحكام شرعية. فتحريم كنزه، ووجوب الزكاة فيه، وجعل أحكام الصرف له، وإقرار الرسول للتعامل به، وربط الدية والقطع في السرقة فيه، كل ذلك يجعله أمرًا يتوقف الرأي فيه على نص الشرع. فكون الشرع نصَّ على هذا النقد بهذه الأحكام المتعلقة به وحده والمرتبطة به، أنه الذهب والفضة دليل واضح على أن النقد يجب أن يكون من الذهب والفضة، أو أساسه الذهب والفضة. وكان لا بد من التزام ما عينته الأحكام الشرعية من نوع النقد. فيجب أن يكون النقدُ في الإسلام هو الذهب والفضة، ولا يجوز أن يكون غيرهما، ولا بوجه من الوجوه.
إلا إنه ليس معنى تعيين الذهب والفضة وحدهما نقدًا أنه لا يجوز التبادل بغيرهما، بل معناه أنه لا يجوز للمسلمين أن يتخذوا نقدًا لهم سوى الذهب والفضة. وموضوع النقد هنا ليس موضوع التبادل بل هو موضوع اتخاذ نقد. فإنه مع جواز التبادل بين الناس بكل شيء، إلا إنَّ اتخاذ مقياس نقدي للتبادل ولغيره لا يجوز أن يكون إلا الذهب والفضة، أي لا يجوز أن يكون النقد في الإسلام إلا ذهبًا وفضة.
غير أنَّ الرسولَ صلى الله عليه وآله وسلم جعلَ جِنسَ الذهب والفضة نقدًا سواء أكان مضروبًا أم غير مضروب. ولم يضرب نقدًا معينًا على صفة معينة لا تختلف، بل كانت وحدات الذهب والفضة مجموعات من ضرب فارس والروم، صغارًا وكبارًا، وقطعًا فضية غير مضروبة، ولا منقوشة، ويمنية ومغربية يتعامل بها جميعها. ولكن اعتبارها كان بالوزن لا بالعدد ولا بالنقش، أو عدم النقش، فقد تكون الذهبة بمقدار البيضة وبحجمها ويتعامل بها. فالتحديد كان بتعيين الذهب والفضة، وبتعيين الوزن لكل منهما. وكانت حقوق الله كالزكاة وحقوق العباد كالدين وثمن المبيع تتعلق بالدراهم والدنانير، أي بالذهب والفضة المقدرة بالوزن.
وظلَّت الحالُ كذلك طوالَ أيام النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وطوال أيام الخلفاء الراشدين الأربعة، وصدر أيام بني أمية، حتى جاء عبد الملك بن مروان فرأى صرف جميع ما يتعامل به من الذهب والفضة منقوشًا وغير منقوش إلى ضرب الإسلام ونقشه، وتصييرها وزنًا واحدًا لا يختلف، وأعيانًا يُستغنى فيها عن الموازين، فجمع أكبرها وأصغرها وضربها على وزن المدينة، وضرب عبد الملك الدراهم من الفضة والدنانير من الذهب؛ وكان ذلك سنة خمس وسبعين هجرية. ومنذ ذلك التاريخ وجدت دراهم إسلامية ودنانير إسلامية مضروبة، أي منذ ذلك التاريخ صار نقد الدولة الإسلامية متميزًا على صفة واحدة لا تختلف.
وعلى هذا فنظام النقد في الإسلام من حيثُ أساسه هو الذهب والفضة بالوزن، أما حجمه وضربه وشكله ونوع نقشه فكل ذلك من الأسلوب. وعليه تكون كلمة الذهب والفضة، أينما وردت في ألفاظ الشرع وتقديراته تنطبق على أمرين اثنين: على النقد الذي يتعامل به ولو كان نحاسًا أو برونزًا أو ورقًا نقديًّا إذا كان له مقابل، كون ما يقابله من الذهب والفضة، وعلى معدني الذهب والفضة. فما كان من النقد ذهبًا وفضة اعتُدّ، وما كان أوراقًا نقدية أو نحاسًا أو غير ذلك مما يمكن تحويله إلى قيمته من الذهب أو الفضة اعتُدّ بهإذا كان يستند إلى الذهب والفضة.


نظام الذهبْ
تسيرُ الدولةُ على نظامِ الذهبِ إذا كانتْ تستعمِلُ عِمْلَةً ذهبيةً في معاملاتها الداخليةِ، أو إذا كانتْ تستعمِلُ في الداخلِ عِمْلَةً ورقيّةً قابلةً للتحويلِ إلى ذهب، إمّا للاستعمال في الداخلِ والدَفْعِ في الخارجِ، أو للدّفْعِ في الخارجِ فقط، على أن يكونَ هذا التحويلُ بسعْرٍ ثابتٍ، أي أن تكونَ الوحدةُ الورقيّةُ قابلةً للتحويلِ إلى كمية مُعينَةٍ منَ الذهَبِ وبالعكْسِ بسعْرٍ محدودٍ. وطبيعيٌّ في هذهِ الحالةِ أن تظل العملةُ في البلدِ مرتبطةً بارتباطِ قيمةِ الذهب، وإن انخفضتْ قيمةُ الذهبِ انخفضتْ قيمةُ العملةِ الورقيةِ. وللنقدِ في الأساسِ الذهبي صفةٌ خاصةٌ وهي أنّ الوحدةَ النقديةَ مرتبطةٌ بالذهب بتعادل معيّنٍ، أي إنها تتألّف قانونًا من وزنٍ معينٍ منه. واستيرادُهُ وتصديرهُ يجريانِ بحرّيةٍ بحيثُ يجوزُ للناسِ امتلاك النقدِ أو السبائكِ الذهبيةِ أو التبرِ وتصديرُها بحريةٍ. والذهبُ يتحوّلُ بحريةٍ بين البلادِ المختلفة فلكلِّ شخصٍ الخيارٌ بينَ شراءِ النقدِ الأجنبيّ وإرسال الذهبِ وله أن يختار الوسيلةَ الأقلّ كلفةً. وما دامَ سعْرُ الذهب بالإضافةِ إلى تكاليفِ إرساله، أعلى منْ سعرِ النقودِ الأجنبيةِ بالسّوقِ، فإنّ إرسال النقْدِ الأجنبيّ أفضل، أمّا إذا تجاوزَ سعْرُ الصرْفِ هذا الرّقم، فالأفضلُ أخْذُ الذهبِ منَ التداوُلِ وإرسالُهُ.
أهمّ فوائِد نظامِ الذهَب ما يلي:
1 ـــــــ إنّ الأساسَ الذهبيّ يفترِضُ حريّةَ التداوُلِ بالذّهَبِ واستيراده وتصديره، الأمر الذي يفترض دور استقرار نقْديٍّ وماليّ واقتصاديٍّ، وفي هذه الحالِ لا تعدُو عملياتُ الصرْفِ أنْ تكون ناشئةً عنْ مدفوعات خارجية تُسَدّدُ أثمانَ البضائعِ وأجور المستخدَمينَ.
2 ـــــــ إنّ نظامَ الذهَبِ معناهُ ثباتُ سعْرِ الصرْفِ بينَ الدول، وينجُمُ عن ثباتِ سعْرِ الصرفِ تقدّمٌ في مجالِ التجارةِ الدوليةِ، لأنّ التجّارَ لا يخشَوْنَ التوسّعَ في التجارةِ الخارجيةِ ما دامَ الصرْفُ ثابتًا ولا خوْفَ من توسّعِ تجارتِهم.
3 ـــــــ في النظام الذهبيّ لا يمكنُ للبنوكِ المركزيّة وللحكومات التوسّعُ في إصدار ورَقِ النقْدِ، لأنّ وَرِقَ النقْدِ قابلُ للتحويلِ إلى ذهبٍ بسعر محدود، وما دامَ كذلكَ فإنّ السلطاتِ المختصّةَ تخشى، إن توسعتْ في الإصدار، أن يزدادَ الطلبُ على الذهبِ وأنْ تعْجزَ عن مواجهتِهِ، ولذلكَ تحتفظُ بنسبة معقولة بينَ ما تصدرُهُ منْ ورق النقْدِ واحتياطيها من الذهب.
4 ـــــــ تتحدّد كلّ عملة منَ العِمْلاتِ المستعملةِ في العالمِ بمقدار معيّن منَ الذهبِ، ويسهلُ حينئذٍ انتقالُ البضائِعِ والأموال والأشخاص منْ بلد إلى آخر، وتنعدِمُ صعوباتُ القطع والعملةِ النادرةِ.
5 ـــــــ تُحفَظُ لكلِّ دولةٍ ثروتها الذهبية، ولا يتهرّبُ ذهبُها من بلدٍ إلى آخر، ولا تحتاجُ إلى أيّ مراقبةٍ للمحافظةِ على ثروتها، لأنها لا تنتقِلُ منها إلّا بسبب مشروعٍ، لأثمانِ السّلعِ أو أُجورِ المستخدمينَ. هذه بعضُ فوائدِ نظامِ الذهبِ، وكلّها تحتمُ أن يسيرَ العالم وفْقَهُ.
مشاكِل نِظامِ الذهَب:
حينَ كانَ نظامُ الذهبِ عالميًّا كانت مشاكلُهُ صغيرةً محدودةً أو معدومةً، وقد طرأتِ المشاكِلُ بعدَمَا أخَذَتِ الدوَلُ الكبرى تحاولُ ضرْبَ أعدائِها عنْ طريقِ النقْدِ، حينَ جَعَلَتِ النقْدِ الورقيّ الإلزاميّ معَ نظامِ الذهبِ وحينَ أوجَدَتِ الدوَلُ الاستعماريةُ الغربيةُ صندوقَ النقْد الدوْليّ. ولذلكَ نشأت أمامَ الدولة التي تستعمِلُ نظامَ الذهبِ مشاكلٌ لا بدّ منْ معرِفتِها لمعرفَةِ حلِّها والتغلّبِ عليها. وهيَ:
1 ـــــــ تركُّزُ الذهبِ في الدولِ التي زادت قوّتها على الإنتاجِ ومقدرتها على المنافسةِ في التجارةِ الدوليّةِ، أو غناها بالخُبراءِ والصناعيينَ، ممّا جَعَلَ الذّهَبَ يتسرّبٌ إليها ثمنًا للسلَعِ أو أُجورًا للمستخدَمينَ منَ الخبراءِ والعلماءِ والصناعيين، حتى تكدّسَتْ أكبر كميّةٍ منْ ذهَبِ العالمِ في خزائنِ تلكَ الدوَل، فاختلّ حينئذٍ توزيعُ الذهبِ بينَ الدوَلِ ونجمَ عنه خَشْيَةُ الدولِ منْ تسرّبِ الكميّةِ التي لديها منَ الذهبِ، فمنعتْ خروجَهُ منها، وأدّى ذلكَ أو ربما أدّى إلى وقْفِ حركةِ تجارتها الخارجيةِ.
2 ـــــــ إنّ بعضَ الدوَلِ يتسرّبٌ إليه الذهبُ نتيجةَ مَيْلِ الميزان الحسابيّ لمصلحتها، لكنّها تمنَعُ هذا الذهبَ الذي دخلَ إليها من التأثيرِ في السوقِ الداخليةِ، ومنْ رفْعِ مستوى الأسعارِ فيها، وذلكَ بأنْ تضَعَ في السوقِ كميةً منَ السنداتِ تكفي لسحْبِ مبلغٍ من النقودِ معادلٍ مقدارَ ما وردَ إليها منَ الذهبِ، فيبقى الذهبُ عندها ولا يخرجُ منها ولا يرجعُ إلى البلادِ التي أصدرَتْهُ فتتضرّر منْ نظامِ الذهبِ.
3 ـــــــ إنّ انتشارَ نظام الذهبِ كانَ مقرونًا بفكرةِ التخصيص بينَ الدولِ في نواحي الإنتاجِ وعدمِ إقامةِ العراقيلِ في سبيلِ التجارةِ بينها. وقدْ ظهرَتْ في الدوَلِ اتجاهاتٌ قويّةٌ لحمايةِ إنتاجها الصناعيّ والزراعيّ، وفرضَتْ حواجزَ جمركيةً بحيثُ يَتَعَسر إدخال سِلَع إليها تُباعُ بالذهبِ، لذلكَ تتضرّرُ الدولةُ التي تسيرُ على نظام الذهب، لأنّها إنْ لمْ تتمكَّنْ منْ إدخالِ بضائِعها لغيرها بالسعر العاديّ، فإنها إمّا أن تضطر إلى تخفيضِ أسعارِ بضاعتها تخفيضًا إضافيًّا للتغلّب على الحواجز الجمركيةِ، أو أن تمتنعَ منْ إدخال بضاعتها إليها، وفي ذلكَ خسارةٌ لها.
هذه هيَ أهمّ المشاكلِ التي يتعرّضُ لها نظامُ الذهبِ إذا استعملتهُ دولةٌ واحدةٌ أو دولٌ متعددةٌ. وطريقُ التغلّب عليها أن تكونَ السياسةُ التجاريّةُ للدولة قائمةً على الاكتفاء الذاتي، وأنْ تكونَ أُجورُ الأجراءِ مُقدّرةً بمنفعةِ جهودِهِمْ لا بثمنِ السلَعِ التي يُنتجونها، ولا بحسب مستوى معيشتهِمْ، وألّا تُعدّ السّنداتُ الماليةُ ولا الأسهُمُ مالًا مملوكًا للأفرادِ في بلادها، وأن تُقلّلَ الدولةُ منَ الاعتمادِ على التصديرِ في إنتاجِ ثورتِها، وأن تعمَلَ لجعْل إنتاج الثروَةِ داخليًّا من دونِ حاجة إلى سِلَعٍ أو مستخدمينَ وعندئذٍ لا يبقى تأثيرٌ عليها للحواجزِ الجمركيةِ. ومتى سارَتِ الدولةُ على هذهِ السياسةِ سارَتْ على نظامِ الذهَبِ، واكتسبَتْ جميعَ فوائِدِهِ وتجنبَتْ مشاكِلَهُ فلا يُصيبُها منهُ أيّ ضررٍ بلْ يُصْبحُ منْ مصلحَتِهَا ومنَ المحتّمِ عليها اتباعُ نظامِ الذهبِ والفضةِ لا غير.
نِظام الفِضّةِ أو الأسَاس الفضيّ:
يُقصدُ به أنّ الفضةَ أساسُ الوحدةِ النقديةِ لأنّ هذا المعدنَ يتمتّعُ بحريّةِ الضرْبِ، وبقوةٍ أبرائيةٍ غيرِ محدودةٍ، وقد كانَ معروفًا منذُ القديمِ، فكانَ في الدولةِ الإسلاميّةِ سائرًا معَ نظامِ الذهَبِ. وكانَ وحدهُ في بعضِ الدولِ نظامَ النقدِ الأساسيّ. وظلّ نظامُ الفضَّةِ معمولًا بهِ في الهندِ الصينيّةِ حتى عام 1930، ثمّ استبدلت في تلكَ السنَةِ بالقرش الفضيّ القرش الذهبيّ. ونظام الفضّةِ كنظام الذهب في كل تفاصيلهِ. لذلكَ كانَ منَ السهْلِ الجمْعِ بينَ النظامين: الذهبي والفضيّ. ومنذُ هجرةِ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كانت الدولةِ الإسلاميةُ قائمةً على سياسةِ الذهبِ والفضّة معًا، ويجبُ أن تظلّ هذهِ السياسةُ النقديةُ قائمةً على الأساسين الذهبيّ والفضيّ، سواء كانَ التداوُلُ بهما عينًا، أو بنقْدٍ ورقيٍّ مُغطى بالذهبِ والفضّةِ، أو كان هنالكَ نقدٌ ورقيّ متداوَلٌ مقابله ذهبٌ وفضّةٌ.


النقود المَعْدِنية:
يُرجع الاقتصاديّون أنواعَ النقودِ المعدنيةِ المختلفة إلى نوعين رئيسيين، هما نظامُ المعدنِ الفرديّ ونظامُ المعدنَيْن. فالأولُ ما تكونُ النقودُ الرئيسيةُ فيهِ مقتصرة على مسكوكاتِ معدنٍ واحدٍ. والثاني: ما تكونُ المسكوكاتُ الذهبيةُ والفضيةُ نقودًا رئيسيةً.
ونظام المعدنَين ينطوي على ثلاثِ صفاتٍ:
الأولى ـــــــ أن تكونَ للمسكوكاتِ الذهبيةِ قوّةُ إبراءٍ غيرُ محدودَةٍ.
الثانية ـــــــ أن تتوافّرَ حريّةُ الضرب لسبائكِ المعدنين.
الثالثة ـــــــ أنْ تكونَ هناكَ نسبةٌ قانونيةٌ بينَ قِيمتي المسكوكاتِ الذهبيةِ والفضيةِ.
ونظامُ المعدنينِ يمتازُ بجعلِ كميةِ النقودِ التي يجري بها التداولُ عظيمةً، إذْ تُستَعْمَلُ مسكوكاتُ المعدنينِ نقودًا رئيسيةً، وعندئذٍ تحتفظُ الأثمانُ بمستوًى مرتفِعٍ. وهوَ أمرٌ يشجّعُ على زيادةِ الإنتاجِ ويجعَل قيمةَ النقودِ أكثرَ ثباتًا. ثم تكونُ الأثمانُ أقلّ عرضةً للتغيراتِ الشديدةِ التي تؤدّي إلى اضطراب الحالةِ الاقتصاديةِ، وبذلكَ يظهَرُ أنّ استعمالَ معدنينِ منَ النقودِ المعدِنيةِ خيرٌ من استعمالِ معدن واحدٍ...
أما إذا كان نظام النقد لا يستند إلى الذهب والفضة كالنقود الورقية الإلزامية فلا يُعتدّ به، لأن عملة الأوراق النقدية الإلزامية ليس لها قيمة سلعية في ذاتها، وهي غير قابلة للصرف من البنوك المركزية بالذهب أو الفضة، وقيمتها تستند إلى قوة الإبراء العام التي يضفيها عليها القانون، الذي فرضها عملة للتداول، فلو أُلغي التعامل بها، أو فقدت ثقة الناس أصبحت عديمة الفائدة.
وقد كانت العملة المتداولة قبل الإسلام هي الذهب والفضة، وجاء الإسلام فأقر التعامل بدنانير الذهب التي كانت تسكها الدولة الرومانية، وبدراهم الفضة التي كانت تسكها الدولة الفارسية، وأقرّ اعتبارهما نقدًا، وربط بهما أحكامًا شرعية معينة ثابتة لا تتغير، فحرّم كنزهما، وفرض فيهما الزكاة وعيّن لها نصابًا محددًا منهما، وقدّر الدّيات وحدّ القطع في السرقة بهما، وربط أحكام الربا والصرف بهما. وقد كانا هما العملة المستعملة طوال العصور الإسلامية حتى القضاء على دولة الخلافة في الحرب العالمية الأولى.
كما أن العالم درج على اتخاذهما عملة ونقدًا إلى ما قبيل الحرب العالمية الأولى حين أوقف التعامل بهما، ثم رجع إلى استعمالهما بعد الحرب العالمية الأولى جزئيًّا، ثم أخذ يقلص التعامل بهما حتى جاء عام 1971 فألغى الرئيس الأميركي نيكسون في 15/7/1971 رسميًّا التعامل بهما إلغاءً كليًّا حين ألغى العلاقة التي كانت قائمة بين الدولار وأونصة الذهب بسعر كانت تضمنه أميركا ابتداء وهو 35 دولارًا للأونصة، فتخلى نيكسون عن ضمان هذا السعر، ومنذ ذلك الحين أخذت الأزمات النقدية تتفاقم في العالم، وأخذت أميركا تتحكم بالنقد العالمي، وبالتجارة الدولية، حين صار نقدها هو وحده الأساس لتقدير أثمان جميع النقود في العالم، والأساس لتقدير أثمان السلع والخدمات في العالم كافة. ولما اضطرب الاقتصاد الأميركي من جراء العجز في الميزانية الأميركية، والعجز في ميزان المدفوعات الأميركي تضعضع الدولار وانحدر انحدارًا حادًّا، مما أدى إلى زيادة التفاقم في أزمة النقد في العالم. وقد كانت خسارة الدولار في السنوات الثلاث الأخيرة بالنسبة إلى عملات الدول الصناعية الكبرى تقارب 50% من قيمته، أي إن قيمة عملات تلك الدول الصناعية الكبرى قد زادت بالنسبة إلى الدولار بما يقارب مئة في المئة.
وفيما يلي جدول مبنيّ على إحصائيات صندوق النقد الدولي يبين مقدار الخسارة التي لحقت بالعملات الأجنبية ومنها الدينار الأردني والليرة اللبنانية والليرة السورية في السنوات الثلاث الأخيرة بالنسبة إلى الذهب وإلى عملات الدول الصناعية الكبرى.
1 ـــــــ الخسارة بالنسبة إلى الذهب ابتداء من عام 1985 حتى نهاية عام 1987.
العملة نسبة الخسارة من القيمة
الدولار 34 %
الدينار الأردني 24 %
الليرة اللبنانية 99 %
الليرة السورية 82 %

2 ـــــــ الخسارة بالنسبة إلى عملات بعض الدول الصناعية الكبرى ابتداء من عام 1985 حتى نهاية عام 1987.
العملة بالنسبة إلى نسبةالخسارة من القيمة
الدولار الين الياباني 50 %
الدولار المارك الألماني 49 %
الدولار الاسترليني 38 %
الدينار الأردني الين الياباني 42 %
الدينار الأردني المارك الألماني 42 %
الدينار الأردني الاسترليني 27 %
الليرة اللبنانية الدولار 98 %
الليرة السورية الدولار 72 %

وقد زادت قيمة الدينار الأردني بالنسبة إلى الدولار في المدة نفسها 16% بسبب انخفاض الدولار الحاد.
ومن هذا الجدول يتبين مقدار فساد النقد الورقي الإلزامي، ومدى ما يحدثه من اضطراب في أسواق النقد في العالم، وما يلحقه من خسائر فادحة بالدول والأفراد.
وحتى تُتَدارك الهزات الفظيعة، والخسائر الفادحة، لا بد من العودة إلى نظام الذهب والفضة وربط العملات الورقية بهما. فإن بقي نظام النقد الورقي الإلزامي هو المتحكم فستستمر الهزات النقدية تتوالى، وسيزداد التضخم النقدي، وستكثر الخسائر، وسيبقى الاقتصاد العالمي مزعزعًا، والتجارة الدولية الخارجية غير مستقرة، وستبقى أميركا متحكمة بنقد العالم وتجارته واقتصاده، تسيرّ كل ذلك بحسب مصلحتها، ولو ضربت مصالح العالم أجمع.
ودرءًا لمزيد من الخسائر يجب على الحكومات أن تعتمد نظام الذهب والفضة، وأن تربط نقدها بهما، فإن لم تفعل فما على الأفراد الذين هم رعايا تلك الدول إلا أن يهربوا إلى الذهب والفضة ويستبدلوا بمدّخراتهم وبما يفيض عن حاجتهم الذهب والفضة، وبذلك يستطيعون تجنيب أنفسهم المزيد من الخسائر.
وهكذا نكون قد أوضحنا وبيَّنا النظام الاقتصادي الذي يبين كيفية جباية الأموال من الرعية وكيفية توزيعها، ولم نتعرض لعلم الاقتصاد الذي يبحث في تحسين الإنتاج وتكثيره. وبقي علينا أن نعرض للسياسة الاقتصادية في الإسلام.

سياسة الاقتصاد
سياسةُ الاقتصاد هدفٌ ترمي إليه الأحكامُ التي تعالجُ تدبيرَ شؤون الإنسان.
وسياسةُ الاقتصاد في الإسلام مبنيةٌ على أساسِ تحقيق أكبر عدد ممكن من الرفاهية للإنسان كونه إنسانًا أو فردًا يعيش في مجتمع متماسك، لا لكونه منعزلًا أو فردًا في مجتمع لا تربط أفراده أيّ علاقة.
فالنظرة الاقتصادية في الإسلام تتلخصُ في أن الاقتصاد للإنسان لا للفرد، وأنه للمجتمع المتماسك لا للجماعة المكونة من أفراد من دون ملاحظة العلاقات.
ولذلك نجد أنّ نظرة الإسلام هذه حتمت تحريم إنتاج الخمر واستهلاكها، ولا تعدّها بالنسبة إلى المسلم مادة اقتصادية، كما حتمت تحريم الربا، ولا تعدُّه بالنسبة إلى جميع من يحملون تابعية الدولة مادة اقتصادية، سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين.
فالإسلامُ لا يفصل "اعتبار ما يجب أن يكون عليه المجتمع" عن تحقيق الرفاهية للإنسان، بل يجعلهما أمرين متلازمين، لأنه يهدف إلى الطمأنينة عند الإنسان لا إلى مجرد إشباع حاجته، ويجعل نيل السعادة المثل الأعلى الذي يسعى المسلم لتحقيقه من الاقتصاد. قال تعالى: {وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين} (القصص: 77) لذلك جعل فلسفة الاقتصاد مربوطة بأوامر الله ونواهيه بناء على إدراك الصلة بالله، أي ربط الفكرة التي يبنى عليها تدبير أمور المسلم والمجتمع بالحياة، وذلك بجعل الأعمال الاقتصادية موافقة للأحكام الشرعية كونها دينًا، وربط تدبير أمور الرعية ممن يحملون التابعية، وتقييد أعمالهم الاقتصادية، بالأحكام الشرعية كونها تشريعًا، فأباح لهم ما أباحه الإسلام، وقيدهم بما قيدهم به. قال تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} (الحشر: 7). وقال: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} (النور: 63). وقد قيد الذين يحملون التابعية بهذه الأحكام بالتوجيه الذي يجعل المسلم ينفذ هذه السياسة بدافع تقوى الله والتشريع الذي تنفذه الدولة، قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين}.
وقال: {يأيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا} (البقرة: 282). وقال: {ولا تسئموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها} (البقرة: 282). وفي ذلك بيان الكيفية التي تنفذ بها هذه الأحكام، وما يضمن تقيدهم بها. وقد شملت هذه الضمانة الأحكام التي تتعلق بالفرد والمجموع، فحرم الاعتداء على الملكية العامة كما حرم الاعتداء على الملكية الفردية، وجعل تنفيذ حق الله كتنفيذ حق الإنسان، وجعل تنفيذ الزكاة كتنفيذ النفقة.
وحين شرّع الأحكام راعى مصلحة الفرد والجماعة: فحين شرّع للجماعة ما بينها من علاقات راعى مصلحة الفرد، وحين شرّع للفرد ما بينه وبين غيره من علاقات راعى مصلحة الجماعة.
لذلك نجده حين جعل للدولة حق أخذ المال من المسلمين، لإدارة شؤون الرعية، قيد الدولة بألّا تأخذ إلا فضول الأغنياء أي ما يزيد على حاجاتهم الضرورية، وهي المأكل والملبس والمسكن والزواج، وما يركبونه لقضاء حاجاتهم البعيدة. فهذا التشريعُ الذي يحفظ الجماعة روعيت فيه مصلحة الفرد.
ونجد الشرع أيضًا يتيح للفرد أن يبني بيتًا أو يزرع بستانًا، ومن ناحية أخرى فرض عليه حق الطريق ومنعه من البناء أو الزرع على أي وجه يعتدي به على حق الطريق أو على ملكية عامة. وحين أباح للفرد بيع ما يملك خارج الدولة الإسلامية في تجارة منعه من بيع السلاح وكل ما يتقوى به العدو على الدولة. فهذا التشريع للفرد رُوعيت فيه مصلحة الجماعة.
وهكذا نجد الإسلام مع كونه يشرّع للإنسان، ويشرّع للمجتمع ينظر إلى ما يجب أن يكون عليه المجتمع. إنه يشرّع في الاقتصاد لمجتمع معين له صفة معينة.
ولا يكتفي بذلك، بل يحث على الكسب وطلب الرزق والسعي لتحقيق أكبر درجة ممكنة من الرفاهية للفرد وللمجموع.
ولذلك كان السعي لكسب الرزق فرضًا على كل رجل. قال تعالى: {فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه} (الملك: 15). وقال عليه وعلى آله الصلاة والسلام: "طلب الحلال كمقارعة الأبطال، ومن مات في طلب الحلال مات مغفورًا له". وقال: "إن أطيب ما أكلتم من كسب أيديكم، وإن أخي داود كان يأكل من كسب يده". وقال: "إن من الذنوب ذنوبًا لا يكفرها الصوم ولا الصلاة. قيل: فما يكفرها يا رسول الله؟ قال: الهموم في طلب المعيشة". وفي حديث قدسيّ عن ربه عز وجل قال تعالى: "عبدي حرك يدك أنزل عليك الرزق".
فالآيات والأحاديث تحث على التمتع بهذا المال وأكل الطيبات. قال تعالى: {قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق} (الأعراف: 32). وقال تعالى: {كلوا من طيبات ما رزقناكم}. وقال: {وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا} (المائدة: 88). وقال تعالى: {يأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} (المائدة: 87). فهذه الآيات وما شابهها تدل دلالة واضحة على أن الأحكام الشرعية المتعلقة بالاقتصاد تهدف إلى رفع مستوى المعيشة والتمتع بالطيبات. وقد راعى الإسلام في الحصول على المال عدم تعقيد الكيفية التي يحوزه الإنسان بها، فجعلها بسيطة كل البساطة إذ حدد أسباب التملك، وحدد العقود التي يجري بها تبادل الملكية.
ولا يعني تحديده لأسباب التملك وللعقود تجميد الوضع الاقتصادي، بل مساعدة الناس على الربح والتقدم الاقتصادي والحيلولة دون وقوع الهزات الاقتصادية العامة، لأن الإسلامَ جعل الأسباب والعقود خطوطًا عريضة تدخل تحتها جزئيات متعددة كأنواع العمل وأنواع البيع، وتدخل فيها كليات متعددة في قياسها عليها كقياس العطية على الهبة في أنها تكون سببًا للملك، وكقياس الوكالة على الإجارة في استحقاق أجرة الوكيل.
ولا يجوز أن يخرجَ المرءُ عن هذه الخطوط العريضة التي جاء بها الشرع، بل يجب أن يتقيدَ بها تقيدًا تامًّا. وهكذا نجدُ أسبابَ التملك والعقود قد بيّنها الشارع وحددها في معانٍ عامة، وهذا ما يجعلها شاملة لكل ما يتجدد من الحوادث.
وبهذا تكون سياسة الاقتصاد في الإسلام غير مقتصرة على الرفاهية وحدها، بل تشملُ الرفاعية والوضعية التي تكون عليها هذه الرفاهية، لتحقق مجتمعًا يعيش فيه الإنسان مطمئنًا هادئ البال، ويعيش فيه المسلم متمتعًا بالسعادة وراحة الفكر.
وتتلخص سياسة الاقتصاد بأمور أربعة
أولًا ـــــــ إشباع جميع الحاجات الأساسية لكل فرد إشباعًا كليًّا، وتمكينه من إشباع الحاجات الكمالية بقدر ما يستطيع، لأنه يعيش في مجتمع معين له طراز خاص في العيش.
ثانيًا ـــــــ النظر إلى كل فرد بعينه لا إلى مجموع الأفراد الذين يعيشون في البلاد.
ثالثًا ـــــــ النظر إلى الفرد كونه إنسانًا قبل أي اعتبار آخر، ولا بد من إشباع حاجاته الأساسية كُلّها إشباعًا كليًا، وكونه، بعد ذلك، شخصًا معينًا بذاته، بتمكينه من إشباع حاجاته الكمالية بقدر ما يستطيع.
رابعًا ـــــــ النظر إليه في الوقت نفسه، كونه مرتبطًا بغيره ارتباطًا معينًا يُسيرهُ تسييرًا معينًا وفقَ طرازٍ خاص، وبناءً على ذلك يكونُ الأساسُ توزيع الثروة لا تنميتها. إن تنمية الثروة تأتي إتيانًا طبيعيًّا من هذه الكيفية للحيازة، وإن الكيفية التي تجري فيها حيازة الأرض تؤدي بالطبع إلى استغلالها، والكيفية التي يجري بها امتلاك المصنع تؤدي طبيعيًّا إلى استغلاله. ويمكن تحسين هذه الزيادة للدخل بالمعلومات الاقتصادية لا بالأحكام الاقتصادية، وتُؤخذُ هذه المعلومات من أي جهة كانت من دون قيد.
موضوع معالجة الاقتصاد في البلاد الإسلامية
هذه المعالجة تنقسم قسمين منفصلين عن بعضهما تمام الانفصال ولا علاقة لأحدهما بالآخر.
القسم الأول: السياسة الاقتصادية: ومعالجتها في أمرين:
(أ) الخطوط العريضة لمصادر الاقتصاد وهي أربعة: "الزراعة ـــــــ الصناعة ـــــــ التجارة ـــــــ وجهد الإنسان".
(ب) الخطوط العريضة لضمان الحاجات الأساسية.
القسم الثاني ـــــــ معالجة زيادة الثروة لتكثير الثروة تختلف باختلاف أوضاع البلدان. لذلك كانت معالجتها بحسب متطلبات الأوضاع الخاصة، وسيقتصر بحثنا على القسم الأول.
معالجة مصادر الاقتصاد الأربعة
الأرض. الصناعة. التجارة. الجهد.
الرأسمالية تجعل زيادة الثروة أساس النظام، وتترك للأفراد حرية الملكية والعمل. والاشتراكية، وبعدها الشيوعية، تقولُ بإلغاء الملكية إلغاءً كليًّا أو جزئيًّا وتجعل العمل هو الأساس، وشعارها: "من لا يعمل لا يأكل".
والإسلام يقول بإباحة الملكية والعمل. قال تعالى: {فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه} (الملك: 15). وقال: {فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله} (الجمعة: 10). والأمر هنا للإباحة. وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ما أكل ابن آدم طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده". وهو خبر مقرون بالمدح، لكنه من الأوامر غير الصريحة، والمراد به الإباحة.
والإسلامُ جعلَ الملكيةَ والعملَ في هذه المصادر مباحين للناس. وينبغي أن يلاحظ أن الإباحة أباحةُ ملكية وعمل وليست حرية ملكية وعمل، لأن الإباحة تقييد لحكم شرعي هو أمر الله بالتخيير بين الأخذ وعدمه بخلاف الحرية فهي عدم التقيد بشيء.
الإقطاع
وكيفية معالجته
لقد حصلت أضرارٌ من ملكيةِ بعض الأشخاص لأراضٍ واسعةٍ فاتخذ ذلك ذريعة للحملة على ملكية الأراضي الواسعة وأُطلِقَ عليها لفظ الإقطاع. وانتشرت الحملةُ على الإقطاع في كل مكان، وجُعل علاج الإقطاع في إلغاء الملكية الواسعة لا في معالجة الأضرار، ولهذا قيل إن ملكيةَ الأراضي الواسعة أدَّت إلى أضرارٍ كبيرةٍ. قد يقال: هناك إقطاعيون يملكونَ مثل هذه الأراضي، فيعطلونَ بعضَها لعدمِ قدرتهم على استغلالها في حين أنه يوجدُ فلاحون لديهم نشاط زراعي ولا يجدون أرضًا يزرعونها، لذلك كانت ملكيةُ هؤلاء الإقطاعيين للأراضي الواسعة سببًا في تعطيل بعضها، وحرمانًا للبلاد من جهود ذوي النشاط الزراعي، ومن خيرات هذه الأرض المعطلة، لذا يجبُ أن يقضى على الإقطاع.
والجواب عن ذلك هو أن هذه مشكلةٌ من مشاكل حيازة الأرض، وليست هي مشكلة حيازة الأرض، فتعالج المشكلة نفسها ولا يعالج موضوع حيازة الأرض. والذي جعلها مشكلة هو تعطيل الأرض وعدم إنتاجها وليس هو ملك الأراضي الواسعة أو عدم ملكها. أو بعبارة أخرى الذي جعلها مشكلة هو الإنتاج وعدم الإنتاج، وليس المساواة في حيازة الأرض أو عدم المساواة. لذلك تعالج هذه المشكلة بقيود لهذه الحيازة توضع لتحقيق الإنتاج، فيربط الإنتاج بالحيازة لأنه بالنسبة إلى الأرض جزء منها إذ الإنبات جزءٌ من تكوين الأرض الزراعية، فمن ينتج يملك ومن لا ينتج لا يملك. هذا هو علاج هذه المشكلة وليس علاجها بإعادة توزيع الأراضي، أي ليس علاجها بالمساواة في حيازة الأرض. وقد يقال: إن ملكيةَ الأراضي الواسعة قد أدت إلى استغلال الإقطاعيين للفلاحين، فهناك أشخاصٌ يملكون أراضي واسعة وهم الإقطاعيون ولا يعطلونها، لكنهم يجعلونها تنتج بوساطة غيرهم، فلا يتولون الإنتاج فيها بأنفسهم، بل يتولى الإنتاج فيها غيرهم ويأخذون هم جزءًا من هذا الإنتاج من دون بذل أي جهد. فهم يؤجرون الأرض الزراعية لذوي النشاط الزراعي ويأخذون أجرتها منهم، فيكون تولي الإنتاج لغيرهم وحيازة الأرض لهم وهذا ظلم، وهو ناجم عن الاستغلال، لذلك يجبُ أن يُقضى على الإقطاع ليُقضى على الاستغلال. والجواب عن ذلك هو أن هذه مشكلة من مشاكل حيازة الأرض وليست هي مشكلة حيازة الأرض. والذي جعلها مشكلة هو فصل الإنتاج عن الملكية، فوجدت ملكية لا تتولى الإنتاج ووجد تولٍّ للإنتاج لا يملك أرضًا. لذلك تعالج هذه المشكلة بمنع فصل الإنتاج عن الملكية منعًا باتًّا، فيمنع تأجير الأرض للزراعة مطلقًا، ويجبر مالك الأرض على أن يتولى إنتاجها بنشاطه الزراعي، أو بيعها، وإلا أُخِذَت الأرض منه من دون مقابل.
هذا هو علاج المشكلة، ومن أجل هذا كله يجبُ أن يعالجَ الشيء الذي جاء الضرر منه لا غيره.
فإن عُولج الشيء الذي لم يأتِ الضرر منه لا يحصل علاج للضرر بل يحصل ضرر آخر. ولهذا فإنه إذا ظُنَّ أنَّ الضررَ آتٍ من سعة الملكية للأرض أي من الإقطاع، وعُدَّ الإقطاع هو المشكلة، فإن ذلك يؤدي إلى أحد أمرين: إما إلغاء الملكية في الأرض إلغاءً تامًّا وتصبح الأرض مشاعًا بين الناس، وإما إلغاؤها إلغاءً جزئيًّا بتحديد المساحات التي يصح أن تُملك. وكلا العلاجين خطأ محض.
أما وجه الخطأ في إلغاء الملكية في الأرض إلغاءً تامًّا فهو أنه يناقض فطرة الإنسان: لأن ملكية الأشياء، أرضًا كانت أو غيرها، مَظْهَرٌ من مظاهر غريزة البقاء. وهي حتمية الوجود في الإنسان لأنها جزء من تكوينه ومظهرٌ من مظاهر طاقته الطبيعية، فيستحيل عقلًا وواقعًا إلغاؤها. وكل ما هو غريزي في الإنسان لا يمكن قلعه من الإنسان ما دامت تنبض فيه الحياة. وأيّ محاولة لإلغائها إنما هي كبتٌ للإنسان يؤدي إلى القلقِ، ومن هنا كان من المستحيل إلغاؤها.
ولا يقال: إن جعل الأرض مشاعًا لا يلغي الملكية مطلقًا، بل يلغيها في شيء معين، ويطلقها في غيره، فتبقى غريزة البقاء تظهر في الملكية.
لا يقال ذلك لأن مظهرَ الملكية في غريزة البقاء لا يتجزأ إذ هو الحيازة من حيث هي حيازة، فكل ما يحاز يبرز فيه مظهر الحيازة من غريزة البقاء، فمنع الملكية في أي شيء يناقضُ فطرةَ الإنسان.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن واقعَ الذين حاولوا إلغاء الملكية قد دل على الإخفاق وعلى الضرر. فها هي المزارع الجماعية في روسيا والصين الشيوعيتين دلت الوقائع الثابتة على إخفاقها. وعلى الرغم من الكبت والضغط بكل وسائل الإكراه فإن مظهر الحيازة كان يبرز على الفلاحين بأشكال مختلفة حاولوا علاجها بالسماح لهم بملكية الاستهلاك، لكنها لم تعالج وظل مظهر الملكية يبرزُ على كل فرد. وفضلًا عن ذلك فقد أخفقَ الإنتاجُ الزراعي إخفاقًا بارزًا وانخفضَ مستواه انخفاضًا كبيرًا. والدليل على ذلك أن خروشوف وغيره قد أشاروا غير مرة إلى نقص الإنتاج الزراعي، وأظهروا غير مرة سَخطَهم على تأخرِ الإنتاج الزراعي. وإقالة خروشوف من الحكم كان على حد زعمهم من أهم أسبابها تأخر الإنتاج الزراعي في روسيا. ومثل ذلك في الصين الشيوعية. وهذا الإخفاق في المزارع الجماعية أمر طبيعي وحتمي، فإنَّ الفرد إذا قام بعملٍ فيها بالضغط والإكراه فإنه لا يقوم به على الوجه الأكمل كما لو كان يقوم به في مزرعةٍ هي ملكه.
ومن هنا جاء الضرر في معالجة مشاكل الأراضي على أنها مشكلة إقطاع. هذا إذا عولج الإقطاع بإلغاء ملكية الأراضي إلغاءً كليًّا، أما إذا عولج بإلغاء الملكية إلغاءً جزئيًّا بتحديد المساحات التي يصح أن تملك، فإن ذلك يكون تحديدًا للملكية بالكم، وهذا لا يجوز لأنه يَحدُّ من نشاط الإنسان ويعطِّلُ جهودَهُ ويقتلُ طموحه وبالتالي يقلِّل إنتاجه. وهذا التحديد حين يمنعه من حيازة ما يزيدُ على مساحات معينة يوقفه عند حد معين من الإنتاج، ويحرمهُ من مواصلةِ النشاط، فيكونُ هذا العلاج إيجادًا لضرر وليس إزالة للضرر، وخلقًا لمشكلة وليس علاجًا للمشكلة.
ومن هنا يأتي أيضًا الضررُ من معالجة مشاكل الأراضي على أنها مشكلة إقطاع. لذلك كان من الخطأ المحض البحث في إعادة توزيع الأراضي بين الناس، لأن الموضوع في معالجة مشاكل الأراضي ليس توزيعها على الناس، ولا المساواة في هذا التوزيع، بل الموضوع محصورٌ في نقطة واحدة ليس غير هي: الإنتاج. ولهذا لا بدَّ من أن تكونَ الأحكام التي تعالجُ حيازةَ الأرضِ منْصَبة على تحقيق الإنتاج في الحيازة وعلى منع فصل الحيازة عن الإنتاج، أي منصبة على جعل الغاية من ملكية الأرض، وهي الإنتاج، جزءًا لا يتجزأ من هذه الملكية بغض النظر عن سعة الأرض المملوكة أو قلتها، وبغض النظر عن المساواة أو عدم المساواة. وسنرى كيف ينعدم الإقطاع في الإسلام بالنسبة إلى حيازة الأرض.


المصدر الأول: الأرض
الأرضُ أساسُ الزراعة لا جهد الإنسان ولا الخبرة الفنية حتى ولا الآلة. فالذي يعين وجه الإنتاج هو كيفية الحيازة للأرض وكيفية العمل بها، أي لا جهد الإنسان ولا خبرته الفنية ولا الآلة ولا علاقات الإنتاج. لذلك يجب أن يكونَ البحث في الزراعة منصبًّا على الأرض، لأن الجهد مصدر منفصل عن الزراعة، والآلة كذلك مصدر منفصل عن الزراعة ولها أحكام خاصة. والخبرة الفنية وعلاقات الإنتاج لا علاقة لأي منهما بالزراعة أيضًا، وهو أمر ظاهر. لذلك سنحصر البحث في الزراعة في أحكام الأرض فقط.
وموضوع ملكية الأرض يختلفُ عن ملكية بقية المواد من عقار وسلع ونقد ومواش وغير ذلك. والإنتاج فيها جزء لا يتجزأ من وجودها، كما أنه جزء لا يتجزأ من ملكيتها. والأرض تختلف عن المصنع الذي لا يعد إنتاجه جزءًا من وجوده، وعن البيت الذي يشترك مع المصنع في الإنتاج، بل هي تختلف عن كل سلعة في الدنيا، إذ لا تنتج سلعة في الدنيا من نفسها من دون أن يباشر الإنتاج فيها أحد، سوى الأرض. ومن هنا يجب أن تكون للأرض بالذات، من دون باقي الأموال، أحكام خاصة من حيث ملكيتها ومن حيث العمل فيها...
ملكية الأرض: تتحققُ ملكيةُ الأرض بالإقطاع والتحجير والإحياء، كما تتحقق بالشراء وبالإرث وبالهبة.
ففي الإحياء يقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من أحيا أرضًا ميتة فهي له". والأرض الميتة هي الأرض التي لم يظهر أنه جرى عليها ملك أحد، فلم يظهر فيها تأثير شيء من إحاطةٍ أو زرعٍ أو عمارة أو نحو ذلك، ولا يوجد أحد يملكها أو ينتفع بها، وإحياؤها هو جعلها صالحة للانتفاع بها. وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من عَمَرَ أرضًا ليست لأحدٍ فهو أحق بها". وقال: "أيما قوم أحيوا شيئًا من الأرض أو عمروه فهم أحق به".
وعن التحجير قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من أحاط حائطًا على أرض فهي له". والتحجير هو أن يجعل شخص على حدود الأرض ما يدل على تخصيص له: كأن يضع حولها حجارة أو سياجًا أو جدارًا أو ما شاكل ذلك. والتحجير كالإحياء سواء بسواء لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: "أيما قوم أحيوا شيئًا من الأرض أو عمروه فهم أحق به".
وأما أرض الإقطاع فهي الأراضي التي تعطيها الدولة للأفراد مجانًا من دون مقابل، بعدما سبق إحياؤها، ولكن لا مالك لها فتكون الدولة هي المالكة. هذه الأرض لا تملك بالإحياء أو التحجير، لأنها ليست ميتة بعدما أحييت بالزرع لكنها أرض لا مالك لها، فلا تملك إلا بتمليك الدولة. وقد أقطع رسول الله لبعض أصحابه أرضًا.
فإعطاءُ الدولة لأحدِ الرعية أرضًا هو الإقطاعُ، وهو جائز بدليلِ فعل الرسول له.
وإذا ملكت الأرض بسبب من الأسباب المذكورة أجبر مالك الأرض على استغلالها، ولا يسمح له بتعطيلها. فإذا أهمل ذلك وعطل الأرض ثلاث سنوات نزعت منه جبرًا وأعطيت لغيره. قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "عادي الأرض لله ولرسوله، ثم لكم من بعد. فمن أحيا أرضًا ميتة فهي له، وليسَ لمحتجرٍ حق بعد ثلاثِ سنين".
ولا يقال: إن الحديث أتى على ذكر المحتجر لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. فيظل العام على عمومه، ويكون قوله: "من عطل أرضًا" شاملًا لكل أرض ملكت بالإقطاع أو بالشراء أو بغير ذلك.
السياسة الزراعية
تقومُ السياسةُ الزراعيةُ في الأصلِ على زيادة الإنتاج الزراعي، وتسلكُ عادةً طريقين:
أحدهما: طريقُ التعميقِ، بأن تجريَ المحاولات لزيادةِ إنتاج الأرضِ.
ثانيهما: طريقُ التوسيعِ، بأن تزدادَ المساحات التي تزرع.
أما التعميقُ فيحصلُ باستعمالِ الموادِ الكيماوية وانتشار الأساليب الحديثة بين المزارعين، والعناية بتوفير البذار وتحسينه. وتعطي الدولةُ المالَ اللازمَ للَعاجزين هبةً وليس قروضًا من أجلِ شراء ما يلزمُهم من الآلات والبذار والمواد الكيماوية لزيادة الإنتاج، وتشجّعَ القادرين على شراء ذلك تشجيعًا مؤثرًا.
وأما التوسيعُ فيحصلُ بتشجيع إحياء الأرض الموات وتحجيرها، وبإقطاع الدولة أرضًا للقادرين على الزراعة ممن لا يمكلون أرضًا أو ممن يملكونَ مساحات قليلة، وذلك مما تحت يدها من الأراضي، وبأخذِ الأرضِ جبرًا وعلى الفورِ من كل من يهملُ أرضَه ثلاثَ سنواتٍ متتالية.
وبهذين الأمرين: التعميق والتوسيع، تحصلُ زيادة الإنتاج الزراعي ويتحققُ الأصلُ في السياسة الزراعية. غير أن هناك أمورًا فرعية في السياسة الزراعية تأتي بعد زيادة الإنتاج، ألا وهي نوعية الإنتاج.
ونوعية الإنتاج ليست هي موضوع بحثنا، بل موضوع بحثنا هو زيادة الإنتاج.
ولهذا لا بدّ من أن تكون السياسة الزراعية مستهدفة زيادة الإنتاج في ثلاثة أمور هي:
أولًا: زيادةُ الإنتاج في المواد الغذائية.
وذلك أن الموادَ الغذائية ضرورية لإطعام المزيد من السكان، ولإبعاد خطر المجاعة عن البلادِ في حالة وقوع قحط أو انحباس مطر، أو إذا ما تعرضت البلاد لحصار اقتصادي من جراء الكفاح والجهاد، أو في حالة حدوث مجاعات في بلادٍ إسلامية يحتم الواجب إغاثتها فورًا بالمواد الغذائية.
ومن هنا يجبُ أن يبذلَ الجهد لزيادة الإنتاج في حقل المواد الغذائية، سواء في الثروةِ الحيوانية، أو في الثروة الزراعية.
وفضلًا عن هذا فإنّ نقصان المواد الغذائية يُلزمنا شراءها من الخارج، وهذا لا يتأتى إلا بعملة صعبة. وبما أننا لا بد من أن نباشر القيام بثورة صناعية، فإن العملةَ الصعبةَ يجبُ أن نوفّرَها لشراء ما يلزمُ للثورةِ الصناعية، وليس للزراعة، ولا للمواد الغذائية.
ثانيًا: زيادةُ الإنتاج في الموادِ اللازمة للكساء كالقطنِ والصوف والقنب والحرير. فإن هذا ضروري جدًّا، لأنه من الحاجات الأساسية التي لا يمكنُ الاستغناء عنها، والتي لا بدّ من توفيرها في البلاد، حتى لا نستوردها من الخارج فنضطرَّ لدفعِ ثمنها من العملة الصعبة، وحتى نُبعِدَ عن الناسِ خطر العُرْي والحاجة إلى اللباسِ في حالةِ ما إذا تعرضت البلاد لحصارٍ اقتصادي من قِبَلِ الدولِ المستعمرة أو من قبل عملائها في البلاد.
ثالثًا: زيادةُ الإنتاج الزراعي في المواد التي لها أسواق خارج البلاد، وذلك لأن الإنتاج الصناعي عندما يكادُ يكونُ معدومًا، بل لا يوجدُ عندنا إنتاج صناعي يصلحُ للتصدير للخارج.
فإذا لم نُصَدِّرْ إنتاجًا زراعيًّا ننتهي بالقول إنه لا يوجدُ لدينا ثروة للتصدير. ومن هنا كان لا بدَّ من التفكير العاجل وبشكلٍ جدّيّ في زيادة الإنتاج الزراعي في ما هو مطلوب في الأسواق العالمية للحصول على العملة الصعبة، لأننا حينَ لا نُصَدِّرُ بضاعةً للدولِ الأخرى لا نستطيعُ أن نحصلَ على عملةِ تلك الدول، فنضطر لبيعِ عملتنا بأسعار بخسة في الأسواق العالمية للحصولِ على الموادِ اللازمة للثورة الصناعية. هذا من حيث زيادة الإنتاج.
وأما من حيث مشاريع العمران التي تساعدُ على زيادة الإنتاج مثل السدود والأقنية والآبار الأرتوازية وما شابه ذلك فإنه لا يَصحُّ القيام بهذه المشاريع في الوقت الحاضر إلا ما كان منها ضروريًّا ولا يمكن الاستغناء عنه. وذلك لأنه ليس المراد القيام بثورة زراعية في البلاد بل المراد القيام بثورة صناعية، والعناية بالثروة الزراعية عنايةً كافية لزيادة الإنتاج.
ورب قائل يقول: لماذا لا نقوم بالثورتين معًا وفي الوقت نفسه، تكون الصناعة هي رأس الحربة في التقدم؟
الجواب عن ذلك: نعم.
إن هذا يحصلُ حين يكون هناك تقاربٌ بين الثورة الزراعية والثورة الصناعية، فتقومُ الثورةُ فيهما معًا على أن تجعلَ الصناعة هي رأس الحربة في التقدم.
أما البلاد الإسلامية فإنها بلادٌ متأخرةٌ صناعيًّا، وهي تقوم على الزراعة، ولهذا يجب أن يُوَجَّهَ الجهد إلى القيام بالثورةِ الصناعية، ولا يقامُ بالثورة الزراعية لأنّ القيامَ بها يكونُ على حساب الثورة الصناعية فيُضْعِفُها ويحدُّ من التقدمِ الصناعي ويعوقه.
وأما الحكم الشرعي في هذا الموضوع فهو أن ما كان مصرفه مستحقًّا على وجهِ المصلحةِ، ولا ينالُ الأمةَ ضررٌ من عدم وجوده كإقامة سد أو فتح طريق ثانية موجود غيرهما، أو يستغنى وقتيًّا عنهما، أو فتح مستشفى ثان موجود غيره يمكن الاكتفاء به، فإذا لم يوجدْ لدى الدولةِ مالٌ لا يصح أن تفرض ضرائب من أجل ما ذكرنا، ولا يصح أن تقترضَ حتى من رعاياها من أجل القيام بهذه المشاريع. ولهذا لا يصح القيام بمشاريع عمرانية جديدة لزيادة الإنتاج الزراعي إلا إذا كان هناك مال متوافر لدى الدولة، أو إذا كان عدم القيام بها يسببُ ضررًا للبلاد، عندها يباشرُ بالقيام بأمثال هذه المشاريع.
الصناعة
الصناعةُ أساسٌ مهمٌ من أسس الحياة الاقتصادية لأيّ أمة أو لأي شعبٍ في أي مجتمع. وقد بين الإسلامُ أحكامَ المصانع بأن الأصل فيها أنها ملكية فردية، ولكل فرد من أفراد الرعية أن يملك المصانع. فالمصنع ـــــــ من حيث هو ـــــــ داخل في الملكية الفردية، وليس بداخل في الملكية العامة ولا في ملكية الدولة. والدليل على ذلك أن الرسول اصطنع منبرًا عند من يملك المصنع ملكية فردية.
غير أن الصناعةَ تأخذُ حكمَ ما يجري صنعه، والقاعدة الشرعية تقول: "الصناعة تأخذ حكم ما تنتجه". مثلًا فصناعة العصر مباحة سواء كانت عصر عنب أو تفاح، لأن الصناعة من حيث هي مباحة ومنها صناعة العصر التي تدخل في عموم إباحة الصناعات. ثم جاء الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وحرّم صناعة عصر الخمر. عن أنس قال: "لعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الخمرة عشرة: شاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وعاصرها ومعتصرها...". كما أن الشرعَ رأى في بعض الحالات أن المصانعَ لا يجوزُ أن تُملكَ مُلكيةً فرديةً. ولما كانت المصانعُ قائمةً على الموادِ الأولية والأشياء التي تتعلقُ بطبيعة تكوينها بالجماعة والمرافق العامة، فالبحث إذن يجب أن يكون حول هذه الحالات الثلاث:
1 ـــــــ الحالة الأولى: المعادن الصلبة كالفضة والحديد والنحاس والرصاص، أو السوائل كالنفط والزئبق وما شاكلها. ولا تقطع الأرض التي يوجد فيها أمثال هذه الأشياء المذكورة أي لا يجوز أن تعطى من قبل الدولة، وإن أعطيت خطأ استعيدت من قبل الخليفة. والدليل إرجاع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما أقطعه من أرض إلى عمر بن قيس المأدبي وغيره.
2 ـــــــ الحالة الثانية: الأشياء التي تمنعُ طبيعة تكوينها اختصاص الفرد بحيازتها، كملكية الطريق العامة والبحار والخلجان والمضائق والمساجد والمنتزهات وما شاكلها لقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "منى منَاخُ من سبق".
3 ـــــــ الحالة الثالثة: ما هو من مرافق الجماعة بحيث لو لم يتوافر لها بصفتها جماعة تفرقت في طلبه كالماء والكلأ والنار لقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "المسلمون شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار".
من هذه الخطوط العريضة يتبين أن الشرع قد عالج الصناعة والآلات ببيان ملكيتها، وأوضح متى تكون ملكية عامة ومتى تكون ملكية فردية خاصة. فالحكم في المصانع هو للأصل لا للتابع، فالكهرباء، مثلًا، إذا كان توليدها من مصنع خاص أي من ملك فردي، فالحكم الشرعي فيها أنها ملكية فردية، وكذلك ما يتبعها من طاقة منتجة للحرارة أو للإنارة فإنها ملكية فردية لأن حكم التابع هو كحكم الأصل: وأما إذا كان توليد الكهرباء من مساقط المياه العامة، فإنها، لا شك، تكون من الملكية العامة سواء أكانت الغاية التي تجري توليد الكهرباء من أجلها هي الإنارة أم كانت تستعمل مقام النار. ومما ينطبق عليه حكم مرافق الجماعة أيضًا مصانع الكبريت والفحم الحجري والصناعات المتولدة من النفط فإنها ملكية عامة لأنها داخلة تحت نص الحديث: "الماء والكلأ والنار"، إذ المراد بالنار الوقود وما يتعلق به.
وأما مصانع الحلويات والنسيج والسكر والزجاج ومحالج القطن والمطاحن ومعامل السماد وما شابهها فإنها ملكية فردية لأن ما تصنعه ليس من مرافق الجماعة.
ولكن يجوز للدولة أن تشتري هذه الملكية الفردية، يجوز لها أن تشتري مصانعَ السيارات والبرادات من أصحابها، أو تنشئ هي هذه المصانع وما شابهها، إذ إن كل ما هو داخل في الملكية الفردية يجوز للدولة أن تملك مثله. وفي العصر الحديث أشياء كثيرة دخلت في الملكية الفردية، وستكون مملوكة للدولة واقعيًّا، كمصانع الآلات التي تنتج الآلات ومصانع السيارات ونحوها، مما يحتاج القيام به إلى أموال ضخمة، فإنه لا يتأتى أن تقوم بمثل هذه الصناعات إلا الدولة، لأنها هي التي تملك الإمكانات لإنشاء مثل هذه المصانع، ولأن إنشاءها يحتاج إلى رأس مال كبير لا يقوى عليه الفرد. لذلك درجَ الغربُ على إنشاء شركات المساهمة التي يتيح لها نظام تكوينها أن تجمع أموالًا ضخمة تستطيع بها أن تؤسس وتملك امتلاكًا فرديًّا مثل هذه الصناعات. لكن الإسلام يحرّم شركات المساهمة، ويحرّم اجتماع عدة شركات مساهمة في شركة واحدة مثل التروستات والكارتل، لأن الشركة في الإسلام هي من باب العقود كالبيع والإجارة، وليست هي كالوقف والوصية من قبل الإرادة المنفردة. ولهذا لا تكون الشركة إلا من شركاء يباشرون بأنفسهم التصرف في الشركة، أو بأموالهم مع شريك يتصرف هو مباشرة بنفسه. وهذه من طبيعتها لا يحصل فيها تجمع مال. ولهذا فإنه لا يمكن، بحسب أحكام الشركة في الإسلام، أن تنشأ شركة تملك أموالًا ضخمةً تقدرُ على إنشاء مصانع كبرى، ولا يبقى إذًا قادرًا على ذلك إلا الدولة. هذه المصانع، وإن كانت في الأساس ملكية فردية، إلّا أنها نظرًا إلى ضخامة نفقاتها لن تكون إلا للدولة. وبهذا لا توجد الاحتكارات الكبرى للمصانع والإنتاج المتأتية من كون مصانع الآلات والسيارات ونحوها ملكية فردية كما هي الحال في النظام الرأسمالي، بل طبيعة تطبيق أحكام الشرع تجعل مثل هذه المصانع ملكًا للدولة ولو كانت من الملكية الفردية.
وهكذا تكون الدولةُ هي المتصرفة بما هو داخل في الملكية العامة، ولها أن تملكَ كل ما هو داخل في الملكية الفردية، ولكن برضى صاحبها. ولا يَحِلّ للدولةِ أن تستوليَ عُنْوَةً على المصنع الداخل في حكم الملكية الفردية لقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه". وإذا ملكت الدولة المصانع التي تدخل في الملكية الفردية كمصانع الآلات الثقيلة فإن أرباحها تكون للدولة، وتوضع في بيت المال مع الخراج والضرائب ونحوها، وتصرف برأي الخليفة واجتهاده كسائر أموال الدولة. وله الحق في أن يبيع هذه المصانع أو أن يعطي امتيازها للأفراد بخلاف ما هو داخل في الملكية العامة من المصانع وغيرها، فإنه ملك لعامة المواطنين ولا يحل للدولة أن تبيعه أو تهبه أو تعطي امتيازه لأحد، وأرباحه تعود إلى عامة المواطنين وليست إلى بيت المال إنما يكون بيت المال حرزًا لها ليس غير، وتوزع على جميع المواطنين من دون تمييز ولا تفريق.
وتوزع الأرباح الناتجة مما هو داخل في الملكية العامة على الرعية، فقد توزع عينًا وقد توزع ثمنًا، وذلك راجع لرأي الإمام واجتهاده. وللدولة أن تعطي الرعية ما هو داخل في الملكية العامة كالماء والكهرباء بالمجان قدر حاجاتهم، ولها أن تبيعها إياه بسعر السوق كالنفط والحديد وتوزع عليهم ثمنه من غير تمييز ولا استثناء، تفعل في ذلك ما تراه مصلحة للناس لأن ما هو داخل في الملكية العامة لا يصح أن يصرف في شؤون الدولة، وليس للإمام أن يتصرف بشيء منه مطلقًا، ولكن كيفية رعاية شؤون الملكية العامة فقط موكولة للخليفة بحسب نص الشرع.
هذه هي أحكامُ الصناعة وكيفية معالجتها من حيث المصنع فقط، وليس من ناحية العمال أو تصريف الإنتاج، لأن المصنعَ هو وحده الأصل في الصناعة، وبيان أحكامه بيان أحكامها. والصناعة مصدرٌ مهمّ من مصادر الثروة، هذا وليس في الصناعة أحكام شرعية سوى أحكام المصانع.
أما موضوع العمال فجهد الإنسان هو المصدر الاقتصاديّ فيه، كما أن تصريف الإنتاج مصدر اقتصادي آخر هو التجارة.
السياسة الصناعية
تقومُ السياسةُ الصناعيّة على تصنيع البلاد، والطريقُ لذلكَ واحدٌ هو إيجادُ صناعة الآلات أولًا، ومنها تتفرّعُ باقي الصناعات. وليسَ هناك طريقٌ آخر لجعل البلاد صناعيّةً إلّا بالتصنيع الثقيل أوّلًا وقبلَ كلّ شيءٍ، وعدم القيام بإيجاد أيّ مصنعٍ إلّا من الآلات المصنوعةِ في البلاد. أمّا القولُ بأنّ إيجادَ صناعةِ الآلاتِ يحتاجُ إلى وقتٍ طويلٍ، ولا بدّ قبلَ ذلك من أن نبدأ بصناعة الحاجات الأساسية، فهو قولٌ هُراء، أو دسيسةٌ يُرادُ بها تعويقُ صناعةِ الآلاتِ، وصَرْفُ البلاد إلى الصناعةِ الاستهلاكيّة حتى تظلَّ سوقًا لمصانع أوروبا وأميركا وروسيا. على أنَّ الواقعَ يكذّبُ هذا القول، فإن روسيا القيصريّة حين خَرَجَتْ منَ الحرب العالميّة الأولى كانت عالةً على أوروبا، ولم تنشأ لديها صناعةُ الآلات إلّا في ما بعد. وقد نُقِلَ عن لينين بأنّهُ قد طُلِبَ منهُ تحسينُ الإنتاج الزراعيّ بإحضار آلات حراثةٍ (تراكتورات) للسيرِ في الزراعة بالآلات الحديثة، فأجاب: "لنْ نستعملَ التراكتورات حتى نُنْتِجَها نحنُ، وحينئذٍ نستعملها". وفي مدّة ليست بالطويلة تمّت صناعةُ الآلاتِ في روسيا. والقولُ إنّ صناعةَ الآلات تحتاجُ إلى إيجاد وسطٍ صناعيٍّ من مهندسينَ وعمالٍ فنّيينَ وما شاكل ذلك، لا يُقصَدُ به سوى المغالطةِ والتدليسِ، فإنَّ دولَ أوروبا الشرقيّة والغربيّة لَدَيْها فَيْضٌ من المهندسينَ والعمال الفنيينَ، ويمكنُ استحضارُ المئاتِ منهُمْ. وفي الوقت نفسه يمكنُ إرسالُ المئاتِ، بل الآلافِ، من شبابِنا لتعلّمِ صناعةِ الهندسةِ الثقيلةِ وصناعاتِ الفولاذِ، وهذا سهل ميسورٌ وفي مُتَنَاوَلِ اليَدِ.
وإننا نرى أنّ الدولَ الأجنبية تقومُ بأنواعٍ منَ الخداعِ والتضليلِ لصرفِ البلادِ الإسلاميةِ عن صناعةِ الآلاتِ والحيلولةِ بينها وبين تكوينها تكوينًا صناعيًّا، فقد صدرَتْ كُتُبٌ في الاقتصاد خاصّة بالشرقِ الأوسطِ حولَ التنمية الاقتصاديةِ، وصيغتْ صياغةً تجعَلُ الناسِ يعتقدونَ أنّ عليهم أن يسيروا مراحل حتى يصلوا إلى مرحَلَةِ التقدم الصناعيّ. كما أنّهُمْ قسّموا دول العالمِ ثلاث فئات: الأولى هي التي تُنْتِجُ الموادَ الخام ولا تصنعها، وقد عدّوها دولًا متخلفَةً. والثانية: هي السائرةُ في طريقِ التصنيعِ، وعدّوها دوَلًا ناميَةً. الثالثة: هي التي تصنّع الموادّ الخامِ، سواءٌ كانت من إنتاجها المحليّ، أو منْ غيرِ أنتاجِها، وعدّوها دولًا متقدمةً. وقد أكّدُوا أنّ على الدول أنْ تمرّ بهذه المراحل الثلاث، أو بعبارةٍ أُخرى لا بدّ من أنْ يمر المجتَمَعُ بمرحلةٍ تقليديّةٍ ثم ينتقل إلى مرحلة الانطلاقِ، تليها مرحلَةُ النضوجِ، فمرحَلَةُ الاستهلاكِ الشعبي العالي. وكلّ مرحلةٍ من هذه المراحلِ لها شروطٌ تؤهّلُ لها، ولا بدّ من أنْ تمرَّ الدول بزمنٍ يستوفي هذه المراحل. والغرضُ من ذلك كلّه صرْفُ الناس عن الثورة الصناعيةِ.
والحقيقةُ أنَّ الثورةَ الصناعيّةَ هي العلاجُ الوحيدُ للمشكلة، وبيدها زمامُ رأسِ الصناعةِ ومنبَعُها. وصناعةُ الآلات في البلاد لها عدةُ أسبابٍ تدعو للتعجيلِ بإيجادِها. فإنّ كثيرًا من المصانعِ عندنا ـــــــ مثلًا ـــــــ يُصيبُها عَطَبٌ بكسرِ جزءٍ منها، فنضطرّ لاستيراده من الخارج، أو تتعطَّلَ الآلَةُ كليًّا، وهذا يُكلفُنا نفقاتٍ طائلةً. كما أنَّ شراءَ المصانع والآلات من الخارج يُكلّفُنا ثمنًا غاليًا، وهي تُباعُ بأسعارٍ عاليةٍ. وإذا أوجدنا نحنُ مصانعَ الآلات، والنفط متوافرٌ في بلادنا، فإننا نحصلُ على المصانع والآلات بأرخص مما نشتريها من أوروبا وروسيا.
والثورةُ الصناعيةُ بمفهومها الحديث هي تَسَلّمُ زمام رأسِ الصناعةِ ومنبعها، وهي صناعةُ الآلات، بعمليةٍ انقلابية في الصناعة، وعدم التلهي بأي عمل اقتصادي آخر سوى الضروريات.
إن صناعةَ الآلات في البلاد لها عدة أسباب تدعو للتعجيل بإيجادها، فالشرق الأوسط كله لا توجدُ فيه مصانع للآلات، وهو يستوردُ ما يحتاجُهُ من المصانعِ والآلاتِ من الخارج، كما أنه يُقْبِلُ على إنشاء مصانع استهلاكية كثيرة فهو سوقٌ رابحةٌ. ولهذا فإنه من الناحية التجارية يُعدّ التعجيل بإيجاد مصانع الآلات أمرًا ضروريًّا لكسب السوق المفتوحة التي لا مُزاحم لنا فيها إذا ما وُجدت عندنا صناعة الآلات. ويجبُ أن يكونَ واضحًا أننا ننادي بضرورة صناعة الآلات لا لهذه الأسباب ولا لغيرها بل لتحقيق سياسة اقتصادية معينة هي جعل بلادنا بلادًا صناعية، سواء أنتج هذا ربحًا أم خسارة، وسواء وُجدت لها أسواق في الخارج أم لم توجدْ.
فالدافع لإيجاد صناعة الآلات هو تحقيقُ هذه السياسة، والهدف من تحقيق هذه السياسة هو ما يجب أن تتّجه إليه البلادُ الإسلامية، أعني التخلص من طريقة العيش الرأسمالية التي بلغَ التذمر منها حدًّا قد يقربُ من الانفجار. فالمسلمون اليوم ازداد شعورهم بضرورة فصلهم عن الاستعمار، وبضرورة تغيير طريقة عيشهم. لهذا لا بد من أن يكونَ هدف السياسة الصناعية جعل البلاد بلادًا صناعية للاستغناء عن كل ما يربطنا بالتبعية إلى أي جهة كانت. وإن أوروبا لم تحصلْ فيها الثورة الصناعية إلا عندما وجدت فيها صناعة الآلات، وأميركا كانت مستعمرة لعدةِ دول ولم تتقدّمْ ماديًّا إلا عندما حصلت فيها الثورة الصناعية، وروسيا لم تكملْ ثورتها الشيوعية ضد القيصرية ألا بعد أن حصلت فيها الثورةُ الصناعية.
لذلك يجبُ أنْ تكون السياسةُ الصناعيّةُ قائمةً على جعل البلاد بلادًا صناعيّةً للاستغناء عن الغرب والشرق معًا. ومن أجل هذا لا بدّ مِنَ البَدْء بإيجاد صناعة الآلات وأنْ يكونَ هذا البدْء ثورةً صناعيةً وبشكلٍ انقلابيٍّ، لا عن طريقِ التدرّجِ ولا عن طريقِ السيرِ في مراحل حتى نقطع مسافات في الصناعة، أو حتى نقْطَعَ مراحلَ وهميّةً تُرْسَمُ لإعاقتنا عن السر وللحيلولة بينَنا وبينَ الثورة الصناعيّةِ.
وذلك لا يعني أنّ ما عندنا من مصانعِ استخراجِ النفطِ وتصفيَته واستخراج غيره من المعادن يجبُ أن تقفَ عن العمل حتى ننهيَ ما نكون قد بدأنا فيه من ثورة صناعية، كما أننا لا نستطيعُ أن نُنكِرَ أنَّ لدينا صناعاتٍ استهلاكيةً كصناعة الغزل والنسيج والسكر والمحفوظات والخشبِ وغير ذلك، وهي صناعات لا تزالُ في بدايةِ النشوء، ولذلك لا يرد سؤال: ماذا نفعلُ بها؟ فإنها ستظلّ كما هي، لا نسيرُ فيها شوطًا أكبر ولا نُنْشئ غيرها، بل يجبُ التوقّفُ عندَ ما هو موجودٌ منها وتغييرُ الطريقِ تغييرًا فجائيًّا وحصرُهُ بالاتجاهِ لإنشاء صناعةِ الآلات. وذلك لا يعني قفْلَ بابِ الاستيرادِ، لأنّ رعايا الدولةِ لهم أن يشتروا ما يُريدونَ من داخلِ البلاد وخارجها بحسبَ سياسة الاقتصاد في الإسلام، بل معنى تغيير الطريق هو إيجادُ مصانعِ الآلات، وجعْلُها كأرقى المصانع الآلية، وحينئذٍ يحصلُ الشراء من إنتاجها ولا يحصُلُ الاستيرادُ من الخارج بشكلٍ تجاريٍّ، ومن غيرِ حاجةٍ لأن تمْنعهُ الدولةُ.
التجارة
التجارة تقوم على عمليات البيع والشراء، وهي مبادلة مال بمال، سواء كانت تجارة داخلية، وهي المبادلات التي تجري في البلاد، وتخضع لسلطات الدولة، أم تجارة خارجية، وهي المبادلات التي تجري مع البلاد غير الخاضعة لسلطات الدولة.
والتجارة الداخلية لا تحتاج إلى بحث أو بيان، فتطبق عليها أحكام البيع التي جاء بها الشرع.
أما التجارة الخارجية فهي التي تحتاج إلى توضيح وبيان، لأن لها أحكامًا خاصة، على أنها هي الأساس في كون التجارة مصدرًا من مصادر الاقتصاد، لأن زيادة ثروة البلاد من التجارة تأتي منها. وحين تبحث التجارة يجب أن يتبين الأساس الذي تبنى عليه: أهو السلع التي تجري المتاجرة بها أو التاجر مالك السلع؟
إن أصحاب النظام الرأسمالي وأصحاب النظام الاشتراكي الماركسي جعلوا السلعة أساسًا في بحث التجارة الخارجية، ولذلك يُعدّون البحث التجاري قائمًا على منشأ البضاعة لا على مالكها. وتقوم العلاقات التجارية بين الدول على أساس منشأ البضاعة لا على مالكها، لكن الإسلام جعلَ التاجرَ أساسًا في التجارة الخارجية لا البضاعة وجعل البضاعة تأخذُ حكمه، لأن البضاعة يجري عليها البيع والشراء، فتطبّق عليها أحكام البيع، التي هي أحكام لمالك المال وليست أحكامًا للمال المملوك. وهي أحكامٌ للبائع والمشتري وليست أحكامًا للمال المبيع أو الذي يشتري، فالله تعالى قال: {وأحل الله البيع} أي للناس، وهو حكم متعلق بالناس لا بالمال، فالحكم في الآية للبيع من قبل الناس لا للبيع بالنسبة إلى المال المبيع. قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "والبيعان بالخيار ما لم يتفرقا"، فالحكم للبائع والمشتري لا للمال الذي جرى بيعه وشراؤه، فالشرع إذًا قد عالج التجارة الخارجية باعتبار مالك المال بغض النظر عن المال.
والبضاعة تابعة للتاجر لأن التجارة الخارجية تندرج تحت أحكام دار الحرب ودار الإسلام.
أما بالنسبة إلى أحكام دار الإسلام، فإن الإسلام عدَّ الرعية للدولة بالتابعية لا بالدين.
فمن كان يحملُ التابعيةَ الإسلاميةَ فهو من رعايا الدولة مسلمًا كان أو غير مسلمٍ، والدولة مسؤولة عنه وعن كفايته وحمايته وحماية أمواله وعرضه، وتوفير الأمن والعيش والرفاه والعدل والطمأنينة له، من دون أي فرق بين مسلم وغير مسلم، فكلهم رعايا الدولة، وليست العقيدة هي الجامع بينهم في الرعوية وإنما التابعية.
وأما بالنسبة إلى دار الحرب، فكل من لا يحمل التابعية الإسلامية هو أجنبي، سواء كان مسلمًا أو غير مسلم، ويعامل معاملة الحربي حكمًا.
والتجار الذين يدخلون الدولة أو يخرجون منها ثلاثة أصناف:
1 ـــــــ تجار من رعايا الدولة: لهم الحق بالتجارة في الخارج والداخل، سواء بسواء، من دون أي قيد أو شرط. معنى آية {وأحل الله البيع} عام يشمل كل بيع، إلا في حالتين:
(أ) حصول ضرر في الاستيراد والتصدير، فإن ذلك يؤدي إلى منعهما.
(ب) منع الاستيراد والتصدير مع البلاد التي نكون معها في حالة حرب فعلًا كإسرائيل اليوم.
2 ـــــــ التجار المعاهدون: يعاملون في التجارة الخارجية وفق نصوص المعاهدة المعقودة معهم. ويستوي في ذلك التصدير والاستيراد لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: "المسلمون عند شروطهم"، لأن المعاهدة عهد والوفاء به فرض. قال تعالى: {أوفوا بالعقود}.
3 ـــــــ التجار الحربيون: وهم الذين بيننا وبينهم حرب. وهؤلاء لا يدخلون بلادنا إلا بإذن خاص بعد إعطائهم الأمان، وهو إذن لهم بالدخول. وعلى هذا فالتاجر الحربي إذا أدخل بضاعة كان الإذن له بالدخول إذنًا لبضاعته، وإذا أراد أن يشحنها بوسيلة من وسائل النقل، فإنه يجوز أن يعطى إذنًا لماله. ولا يدخل الحربي ولا ماله بلادنا بغير إذن مطلقًا.
وإذا دخل البلاد فله أن يتاجرَ فيها بأي بضاعة يريدها، وله أن يُخْرجَ من البلاد أيّ بضاعة يريدها وأي مال يملكه، إلا أن يكون سلعة مهمة في إخراجها ضرر، فتمنع وحدها ويسمحُ له بغيرها، وبكل مال، وذلك لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّ ذمة المسلمين واحدة فمن أخْطَرَ مسلمًا فعليه لعنة الله والملائكة أجمعين"، والمراد بذمة المسلمين أمانهم وإعطاؤهم الأمان، يعني إباحة الدخول والعمل والتجارة لهم، إلا أن يحدد الحاكم الأمان، أي الإذن، فيكون حينئذٍ بحسب ما أذن، كتحديد الإقامة أو العمل، وعليهم أن يلتزموا بما حدده الحاكم.
وأما ضريبةُ الجماركِ فلا تؤخذُ من أيّ شخصِ من رعايا الدولة على أيّ بضاعة داخلية كانت أو خارجية، لما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لا يدخل الجنة صاحب مكس"، والمكس ضريبة الجمارك خاصة. وقال: "إن صاحب المكس في النار" يعني العاشر، والعاشر هو الذي يأخذ العشر على التجارة التي تأتي من الخارج. وعن عبد الرحمن ابن معقل قال: "سألت زياد بن جدير: من كنتم تعشرون؟ قال: ما كنا نعشر مسلمًا ولا معاهدًا، قلت: من كنتم تعشرون إذًا؟ قال: تجار الحرب، كما كانوا يعشروننا إذا أتيناهم". على أن أخذَ الضريبة للجمارك من الأجنبي جائز لا واجب.
فيجوز للدولة أن تعفِيَهُم من الضرائب أو من ضرائب بضاعة معينة، بحسبما تراه مصلحة للمسلمين.
هذا هو حكم التجارة الخارجية في الإسلام.
الأسواق الخارجية
لا شك في أن تصريفَ الإنتاج هو من أهمِّ الأمور التي تزيدُ ثروةَ البلاد، ولهذا عنيت الدول قديمًا وحديثُا بإيجاد أسواق لمنتجاتها، بل إنَّ بعضَ الدول قامت عظمتُها عن طريق حماية تجارتها الخارجية وإيجاد أسواق لإنتاجها. ومن هنا كان لا بدَّ من العمل على إيجاد أسواق خارجية لإنتاج البلاد. إلا إنه يجبُ أن يعلمَ أن إيجاد الأسواق لتصريف الإنتاج ليس وحده الغاية، بل هو هدفٌ من الأهداف، وتوجدُ إلى جانبه أهداف أخرى مهمة أيضًا وهي الحصولُ على العملة الصعبة اللازمة لنا لشراء ما يلزمُ للثورة الصناعية، والحصول على بضائعَ تلزم للثورة الصناعية. وبناء على هذا تقومُ سياسة إيجاد الأسواق الخارجية على أساسِ تجاري صناعي، وليس على أساس تجاري فقط. ولهذا لا يهتم كثيرًا بالميزان التجاري مع أي بلد من حيثُ كونُهُ لصالحنا أو ليس لصالحنا، أي لا يهتم بأن تكون صادراتنا إلى بلد من البلدان معادلة لوارداتنا منه، بل يجوز أن نجعلَ الميزان التجاري مع البلد لصالحنا فتكونُ صادراتنا له أكثر من وارداتنا منه، ويجوز أن نجعله لغيرِ صالحنا فتكونُ وارداتنا منه أكثر من صادراتنا له، نفعلُ ما نراه في مصلحتنا. وكذلك لا يُهْتَمُّ بالميزان التجاري العام مع جميع البلدان أي ليس مهمًّا أن تكون صادراتنا أكثر من وارداتنا ولا أن تكونَ معادلة لها، بل يجوزُ أن نجعلَها كذلك ويجوز أن نجعلَ وارداتنا أكثر من صادراتنا. فليس المهمُّ مطلقًا معادلة الصادرات مع الواردات، بل المهم أن تكون سياسةُ التجارةِ الخارجية تجارية صناعية سواء كان فيها الميزان التجاري لصالحنا أم لغير صالحنا. وكذلك ليس من المهم جدًّا أن يكون الميزانُ الحسابي متعادلًا أو لصالحنا، بمعنى أن ما يخرجُ من ثروة البلاد من ثمن بضائع، ونفقات تعليم، وتعويضات حملة الدعوة، ونفقات الدعاية، ونفقات السفارات، وإعانات خارجية، وغير ذلك يكون معادلًا لما يدخل البلاد من ثروة، ليس هذا مهمًّا، فيجوز أن يكون هناك تعادل بين الأموال الداخلة والأموال الخارجية، ويجوز أن يكون الأمر لصالحنا ويجوز أن يكون لغير صالحنا. فسياسة الدولة الإسلامية لا تسير على أساس تجاري، ولا على أساس اقتصادي، بل على أساس حمل رسالة لنشر الهدى بين الناس. فخروج الأموالِ والأشخاصِ من البلاد، ودخول الأموال والأشخاص للبلاد لا يبنى على أساس تجاري أو اقتصادي، بل يُبنى، إن كانوا من رعايا البلاد، على أساس الإباحة المطلقة، وإن كانوا من غير رعايا البلاد بحسب سياسة الدولة الخارجية. ومن هنا لا دخلَ للميزان التجاري ولا للميزان الحسابي في التجارة الخارجية، أي في إيجاد أسواق لتصريف إنتاج البلاد، بل يبنى الأمر فقط على أساس تجاري صناعي، بعد اعتبارِ الأساس الأول وهو مصلحة الدعوة.
وما دام الأمرُ كذلك، أي إن إيجاد الأسواق يهدفُ إلى الحصول على العملة الصعبة، والحصول على ما يلزم للثورة الصناعية إلى جانب تصريف إنتاج البلاد، فإنه يجب أن نختارَ البلدان التي نعقدُ معها الاتفاقيات التجارية، لا أن نسعى مع كل بلد خارجي مهما كان وضعه، لإيجاد أسواق فيه. مثلًا ما الفائدة في عقدِ اتفاقيات تجارية مع سويسرا أو أسبانيا أو اليونان؛ أو قبرصَ، او أوروغواي، أو كوريا أو ما شاكلها من البلدان، فهذه بلدان إن وُجِدَ فيها تصريف بضاعة فليس فيها ما يلزم للثورة الصناعية، وليس فيها ما يلزمنا من العملة الصعبة لأن عملاتها لا قيمة لها في الخارج. فيجبُ تجنب عقد الاتفاقيات التجارية مع مثل هذه البلدان، وأن يكون التوجه دائمًا نحو البلدان التي فيها تصريف بضاعتنا وفيها إمكانية الحصول على العملة الصعبة اللازمة لنا، أو إمكانية الحصول على ما يلزمنا للثورة الصناعية. وعلى هذا يُبحثُ عن بلدان مثل ألمانيا وتشيكوسلوفاكيا وروسيا وإنكلترا وفرنسا والولايات المتحدة الأميركية وما شابهها من البلدان لأنه يوجد فيها تصريف بضاعة ويوجد فيها عملات صعبة لازمة لنا. فالجنيه الاسترليني والدولار يمكن الحصول بهما على بضاعة من أي بلد لقوّتهما النقدية في العالم. كما أنه يوجدُ في هذه البلدان إمكانية الحصول على ما يلزم لثورتنا الصناعية من مصانع الآلات وخبراء في الهندسة الثقيلة وعمال فنيين، ويوجد فيها إمكانية إرسال أبنائنا لتلقي التعليم اللازم لبلادنا من هندسةٍ وطب وعلوم وغير ذلك. فمثل هذه البلاد تُرسلُ لها الوفود، وتعقد معها الاتفاقيات التجارية، ويُحصرُ الاتصال بها، أو بالأكثر نفعًا لنا منها، حتى لا تضيع الفائدة المرجوة.
غير أنه ينبغي أن يلاحظ أن الأساس الذي نسيرُ عليه في تجارتنا يخالف الأساس الذي تسير عليه باقي الدول، ولذا لا بد من أن يلاحظَ هذا عند عقد الاتفاقيات. فمثلًا لو عقدنا اتفاقية مع تشيكوسلوفاكيا على أن نصدر لها ما قيمته عشرة ملايين ليرة، وأن نستورد منها ما قيمته خمسة عشر مليون ليرة، إن هذه الاتفاقية على هذا الوجه لا تنطبق على الأساس الذي نسير عليه وهو رعوية التاجر وليس منشأ البضاعة. فالتجار من رعايانا مباح لهم أن يشتروا من أي بلد يريدون، وقد يجدون أوفر لهم وأربح أن يشتروا من كندا، وعلى هذا نمضي مدة الاتفاقية من دون أن نستورد من تيشكوسلوفاكيا شيئًا. وكذلك الحال مع تجارهم، فقد لا يلزمهم من بضاعتنا شيء، وفي الوقت نفسه قد لا يذهب تجارُنا للبيع في تشيكوسلوفاكيا لوجودِ أسواق غيرها أحسن منها، وحينئذٍ تمضي مدة الاتفاقية من دون أن نصدِّرَ لتشيكوسلوفاكيا شيئًا، أو نستورد منها شيئًا. وعليه تكونُ الاتفاقية قد عقدت عبثًا ولا قيمةَ لها. ولهذا لا تعقدُ الاتفاقيات مع الدولِ على أساس منشأ البضاعة، بل تعقد على أساس رعوية الأشخاص ورعوية المال. وطبقًا لهذه القاعدة تعقد الاتفاقية مع تشيكوسلوفاكيا على أن يسمحَ بدخول رعايانا ودخول أموالهم إلى تشيكوسلوفاكيا مدة سنة مثلًا وألّا تؤخَذَ منهم رسوم جمركية خلال هذه المدة، وأن يسمحَ بدخول رعايا تشيكوسلوفاكيا ودخول أموالهم مدة سنة إلى بلادنا وألّا تؤخذ منهم رسوم جمركية خلال هذه المدة، أو أن يسمحَ بدخول كمية كذا من أموال رعايا تشيكوسلوفاكيا للبلاد خلال مدة كذا برسوم جمركية قدرها كذا، وأن يسمح بدخول كمية كذا من أموال رعايانا لتشيكوسلوفاكيا خلال مدة كذا برسوم جمركية قدرها كذا. على هذا الوجه يجري عقد الاتفاقيات. فتكون الاتفاقية التجارية لفتح الطريق أمامَ تجارنا ولفتح الطريق أمام أموال رعايانا، وليست هي للبضائع فقط. ثم هي اتفاقيات لإباحة التصدير والاستيراد وليست لإيجاب التصدير والاستيراد. والفرق بينهما هو أن الاتفاق على أساس منشأ البضاعة يحددُ الكمية التي نستوردُها والكمية التي نصدرها، وهذا يستلزمُ الإيجاب للتصدير والاستيراد، فإذا لم نستورد هذه الكمية أو لم نصدر مثلها يحصل نفور بيننا وبين تلك الدولة، وربما أدى ذلك إلى تعكير العلاقات التجارية، لكن الاتفاق على أساس رعوية التاجر يسمحُ للأشخاص وللأموال بالتنقل بين البلدين، وهذا يعني الإباحة، فإذا لم يحصلْ تصدير أو استيرادٌ خلال هذه المدةِ فإنه لا يحصلُ شيءٌ بين الدولتين لأن الاتفاق إباحة وليس بإيجاب.
هذا هو الأساسُ الذي يجبُ ان تقومَ عليه الاتفاقات التجارية، وهو يتيح فتح الطريق أمامَ تجارنا في البلدان التي نجدُ فيها تصريف بضاعتنا والحصول على العملةِ الصعبة والحصول على ما يلزمنا للثورة الصناعية. وفتح الطريق أمام تجارِنا هو الذي يُنَشطُ التجارة الخارجية وليس فتح الطريق أمام بضاعتنا، لأن النشاطَ التجاري إنما يقومُ به التجارُ مالكو البضاعة وليس البضاعة وحدها. صحيح أن فتحَ الطريقِ أمام البضاعة يوجد لها أسواقًا ولكن من الذي يوجد الأسواق أهو إرسال البضاعة فقط أم تولي صاحب البضاعة لها؟ نعم إن البلدان الرأسمالية تُقيم فيها الشركاتُ وكلاءَ عنها من أهل البلاد التي تصدر إليها بضائعها فيكون فتح الطريق أمامَ البضاعة قد أوجدَ لها أسواقًا من غير حاجة لفتح الطريق أمام التاجر، لكن هذا فرض نظري، فإن الوكيل إذا سلّم البضاعة وحده من دون مراقبة من صاحبها، كأن يقوم بزيارته وملاحظة العمل بنفسه، لا يتأتى الاطمئنان إلى التجارةِ، ولهذا لا يمكن أن يحْصَلَ ربح تجاري واطمئنان إلى التجارة إلا بمباشرة صاحبها لها. ولهذا أيضًا لا بد من أن يكون أساسُ الاتفاقيات التاجر وليس البضاعة، وألّا يُفسحَ المجال للبضاعة وحدها من دون أن يصحبها التاجرُ، ويجب أن تكونَ الاتفاقيات للسماح بدخول وخروج التجار والبضاعة وليس لوجوب استيراد وتصدير كمية معينة.
وفي أي حال فإن فتح الأسواق أمام إنتاجنا طريقه البحث عن البلدان التي لتجارتنا فيها سوق، وفيها لنا عملة صعبة وبضاعة لازمة لثورتنا الصناعية، ثم عقد اتفاقيات على أساس التجار لا على أساس منشأ البضاعة، وأن يُسمح بموجبها للتجار والبضاعة بالتنقل بين البلدين. وبهذا يحصلُ عمل مهم من أعمال تنمية الثروة، ويحقق هذا المصدر الغاية المطلوبة منه.
الجهد الإنساني
إن المصادرَ الثلاثةَ: الزراعة والصناعة والتجارة، لا تعطي الإنتاج إلا بجهد الإنسان، فهو الذي يزرعُ الأرضَ ويصنعُ المصنوعات ويديرُ الآلة، وهو الذي يقوم بالبيع والشراء، ولذلك فهو مصدر مهم من مصادر الثروة. وإذا لم يكن منه بد في الزراعة، فمن المؤكد أنه لا يُعدّ جزءًا منها. وكذلك هو في الصناعة والتجارة لا يعدُّ جزءًا من أي واحدة منهما، لكنه مصدر مستقل عن الثلاثة.

النظام الإسلامي وحده الذي يضمن
الحاجات الأساسية
ضمانُ الحاجاتِ الأساسية في الإسلام هو الأساس في السياسة الاقتصادية بخلافِ النظام الرأسمالي، فإن الأساس فيه زيادة الدخل الأهلي. ولما ظهرت المساوئ من جراء تطبيق هذا النظام، وضعت بعض أحكام للعمال والموظفين والفقراء المحرومين، لتخفيف شيء من الظلم الواقع بهم. فالضمانة فيه ليست أساسًا في النظام ولا أمرًا جوهريًّا فيه، بل هي أحكام طارئة أدخلت عليه.
أما اشتراكية الدولة، فإن الضمان فيها وُضِعَ لمعالجة الحالات التي تظهر فيها مساوئ النظام الرأسمالي في الملكية وأجور العمال وأرباح الرأسماليين، ولم يكن أساسًا، بل هو أحكامٌ طارئة.
وبخلاف الاشتراكية، ومنها اشتراكية ماركس، فإن الضمان فيها هو محاولة لإيجاد المساواة في الملكية، لا ضمان الحاجات الأساسية لكل فرد. وسواء عندهم أضمنت هذه المساواة الحاجات الأساسية، أم لم تضمن، فالنتيجة من هذه المحاولة كانت الحرمان من ملكية الإنتاج.
الحاجات الأساسية في الشرع الإسلامي قسمان:
القسم الأول: الحاجات الأساسية لكل فرد من أفراد الرعية وهي الطعام واللباس والمسكن، فإذا توافرت، لم تبق هناك مشكلة أساسية. والدليل على أنها أساسية النصوص التي جاءت في المأكل والملبس والمسكن، فالله تعالى يقول: {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن} ويقول: {وارزقوهم فيها واكسوهم وأطعموا البائس الفقير} ويقول: {أسكنوهن من حيث سكنتم}، {ومساكن ترضونها}. والرسول يقول: "ليس لابن آدم إلا كسرة خبز يسد بها جوعته، وشربة ماء يطفئ بها ظمأه، وقطعة ستر يستر بها عورته، وما زاد على ذلك فهو فضل". فهذه النصوص تدل دلالة كاملة على أن الحاجات الأساسية هي الحاجات الثلاث، وما زاد عليها فهو من الكماليات. أما الذي يقوم بالإنفاق، أي بإشباع الحاجات الأساسية، فقد عيّنه الشرع تعيينًا واضحًا بأدلة، تُستنبط استنباطًا.
ففرض النفقة للزوجة على الزوج، وهي المأكل والملبس والمسكن، مستمد من قوله تعالى: {أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم}. وقال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: "لهن عليكم رزقهن وكسوتهن". وقال: "وحقهن عليكم أن تحسنوا لهن في كسوتهن وطعامهن".
فهذه النصوصُ صريحةٌ في وجوب النفقة للزوجة على الزوج. وفرض النفقة للأولاد على أبيهم يستند إلى قوله تعالى: {وعلى الوالد له رزقهن وكسوتهن}. وفرض النفقة للأب وللأم على أولادهما يستند إلى قوله تعالى: {وبالوالدين إحسانا} (الإسراء: 23)، ويقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: "إن أطيب ما أكل الرجل بعد كسبه وإن ولده من كسبه". فيستنبط من هذه النصوص أن النفقة للأبوين واجبة على أولادهما، والنفقة شرعًا مأكل وملبس ومسكن.
وفرضُ النفقة على القريبِ ذي الرحم المحرم لقريبه، يستند إلى قوله تعالى: {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف} وقوله أيضًا: {وعلى الوارث مثل ذلك} (البقرة: 233). وكذلك يستند إلى قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: "وابدأ بمن تعول أمك وأبيك وأخيك وأختك ثم أدناك أدناك" وهو يعني النفقة. والمستنبط من هذه النصوص أن نفقة القريب واجبة على قريبه.
وبضمان النفقة للزوجة والأبوين والأبناء وكل ذي رحم ضمان إشباع جميع الحاجات الأساسية لجميع أفراد الرعية، إلا في حالة من لا رحم له، أو حالة عجز هؤلاء عن الإنفاق، وهاتان الحالتان قد احتاط الشرعُ لهما وشرّع لهما أحكامًا معينةً محددةً.
ففي حال عدم وجود من تجب عليه النفقة أو في حال وجوده لكنه لا يستطيعُ الإنفاق، أوجب الشرع النفقة في هاتين الحالتين على بيت المال، أي على الدولة. قال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: "من ترك كلًّا فإلينا ومن ترك مالًا فلورثته". والكل الضعيف الذي لا ولد له ولا والد. وقال: "فأيما مؤمن مات وترك مالًا فليرثه عصبته من كانوا، ومن ترك دينًا أو ضياعًا فليأتني فأنا مولاه". والضيع صف العيال، وذوو ضياع أي لا شيء لهم، فهذا دليل على أن النفقة واجبة على الدولة.
ولا يقال: إن الشرع لم يوجب النفقة على الدولة إلا في حال عدم استطاعة الأقارب دفع النفقة، لأنه ألزم الأقارب أولًا بدفع النفقة، وهذا يفقر الأقارب باقتسام ما لديهم من مال بينهم وبين قريبهم، ويؤدي ذلك إلى انخفاض مستوى المعيشة عند الجميع، لا يقال ذلك، لأن النفقة لم يوجبها الشرع على القريب، إلا إذا كان لديه ما يفضل على حاجاته الأساسية والكمالية لقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى"... وقوله: "اليد العليا خير من السفلى، وابدأ بمن تعول"...
والصدقةُ والنفقةُ سواء. والغنى هنا ما يستغني به الإنسان مما هو قدر كفايته بالمعروف في مجتمعه، لإشباع حاجاته كلها الأساسية والكمالية. قال الله تعالى: {لينفق ذو سعة من سعته} (الطلاق: 7).
هذا من حيث ضمان الحاجات الأساسية لكل فرد بذاته، أما من حيث ضمان الحاجات الأساسية للرعية كلها، فإن الشرعَ جعل على الدولة مباشرة ضمان توفير هذه الحاجات الأساسية، وهي بخلاف حاجات كل فرد، لأن حاجات كل فرد ضمنها الشرع بفرض نفقة إلزامًا على الأقارب لتحصل منهم إن لن يدفعوها.
أما الحاجات الأساسية للرعية كلها فإن الشرع هو الذي جعلها على الدولة مباشرة، فقال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: "من أصبح آمنًا في سربه معافى في بدنه عنده قوت يومه فكأنما زُوِيَت له الدنيا". فقد جعل الأمن والصحة والنفقة حاجات أساسية. والتعليم أيضًا من الحاجات الأساسية، لما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: "مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضًا فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ. فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به".
ففي هذا الحديث شبه الرسول الهدى والعلم، في قبول الناس له أو رفضهم إياه، بالغيث في قبول الأرض له أو عدم انتفاعها به. والغيث من الحاجات الأساسية للناس، فكذلك الهدى والعلم، مما يدل على أن العلم من الحاجات الأساسية. ويؤيد هذا قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: "من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويثبت الجهل".
وهذا القول يشير إلى أن فقدان العلم من علامة انتهاء عمار هذه الدنيا.
ويدل في الوقت نفسه على أنه من الضروريات. وإذا قيل: إن ذلك في علوم الإسلام الضرورية لمعرفة الدين، كان الجوابُ بأنّ العلومَ الضرورية للناس تقاس عليه بجامع الضرورة في الكل. ومن ذلك يظهر أن الأمن والتعليم والتطبيب قد جعلها الشرع من الحاجات الأساسية، وهي فرض على الدولة، وذلك ظاهر في الأدلة الواردة في الأمن الخارجي، والدفاع عن البلاد مشهور من غزوات الرسول ومن آيات الجهاد. أما بالنسبة إلى الأمن الداخلي فهو معروف من أحكام العقوبات على المعتدي. ومن قوله في حجة الوداع: "ألا إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام" وغير ذلك.
وأما بالنسبة إلى التعليم فقد انعقد إجماعُ الصحابةِ على إعطاء المعلمين قدرًا معينًا من بيت المال أجرًا لهم. والرسول جعل فداء الأسير تعليم عشرة من أبناء المسلمين أو أكثر، مما يدل على أنه واجب على الدولة.
وأما بالنسبة إلى التطبيب فإن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قد أمر بالتداوي حيث قال: "عباد الله تداووا فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء أو دواء". فهذا من المباحات وهو في الوقت نفسه شأن من شؤون الرعية. فإن معافاة البدن من أعظم شؤون الرعية، ورعاية شؤون الرعية واجبة على الدولة بنص الحديث: "الإمام راع وهو مسؤول عن رعيته".
وعدم توفير الطب لمجموع الناس يؤدي إلى الضرر وإزالة الضرر واجبة على الدولة. قال صلى الله عليه وآله وسلم: "لا ضرر ولا ضرار".
فمن هاتين الناحيتين كان التطبيب واجبًا على الدولة.
هذا هو الضمانُ لإشباع جميع الحاجات الأساسية لجميع أفراد الرعية إشباعًا كليًّا، وتوفير إشباع الحاجات الأساسية اللازمة لجميع الناس. فإيجاد أعمال للقادرين، وضمان نفقة للفقراء العاجزين، يتحقق بهما ضمان إشباع الحاجات الأساسية لكل فرد من أفراد الرعية إشباعًا كليًّا. وبذلك يتم تحقيق السياسة الاقتصادية في الإسلام.




Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB