نظام الاسلام
الطبعة : الطبعة الاولى  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   639
تاريخ النشر :   2010




نظام الحكم في الإسلام

إِنَّ نِظامَ الْحُكْمِ في أيِّ دَوْلَةٍ من دولِ الْعَالَمِ هو الذي يُحدِّدُ مفَاهيمَ سيَاسةِ الدولةِ وَمُرتكَزَاتِ اقتِصَادِها، وعَلَاقاتِها الاجْتماعيَّة.
وقد حَاوَلْنا أنْ نَعْرضَ في هذا الكتَاب... صُورَةَ الحُكمِ الإِسْلاميِّ الذي طُبِّقَ في عَهِدِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وآله وسلم والخُلفاءِ الرَّاشِدينَ رضي الله عنهم أجمعين.

نظام الحكمْ في الإسلام
يقوم نظام الحكم في الإسلام على أربع قواعد:
1 ـــــــ السيادة للشرع.
2 ـــــــ السلطان للأمة.
3 ـــــــ نصب خليفة واحد "فرض على المسلمين".
4 ـــــــ للخليفة وحده حق تبنّي الأحكام الشرعية. ويكون الحكمُ مركزيًّا والإدارة لا مركزية.
كما أن جهاز الدولة يقومُ على سبعة أركان هي:
1 ـــــــ الخليفة.
2 ـــــــ المعاونون.
3 ـــــــ الولاة.
4 ـــــــ الجيش.
5 ـــــــ الجهاز الإداري.
6 ـــــــ مجلس الشورى.
7 ـــــــ القضاة.
الخلافة
الخلافة هي رئاسة عامة للمسلمين جميعًا في الدنيا لإقامة أحكام الشريعة الإسلامية وحمل الدعوة الإسلامية إلى العالم. وهي عينُها الإمامة، التي هي والخلافة بمعنى واحد. وإقامة خليفة فرضٌ على المسلمين كافة في جميع أقطار العالم. والقيام به كالقيام بأي فرض من الفروضِ التي فرضها الله على المسلمين. والتقصير في القيام به معصية من أكبر المعاصي يعذبُ عليها أشد العذاب.
والدّليل على وجوب إقامة الخليفة على المسلمين كافة، السنّة والإجماع. أما السنّة فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال "من ماتَ وليسَ في عنقه بيعة مات ميتةً جاهليةً". وعن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "مَنْ كَرهَ من أمير شيئًا فليصبر عليه، فإنه ليس أحد من الناس خرج من السلطان شبرًا فمات عليه إلا مات ميتة جاهلية".
وقد أجمع الصحابة على لزوم إقامة خليفة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد موته وأجمعوا على إقامة خليفة لأبي بكر ثم لعمر ثم لعثمان ثم لعلي بعد وفاة كل منهم رضي الله عنهم. فالصحابة كُلّهُم أجمعوا طوال حياتهم على وجوب نصب الخليفة. ومع اختلافهم على الشخص الذي يُنتخب خليفة فإنهم لم يختلفوا مطلقًا على إقامة خليفة. على أن إقامة أحكام الشريعة الإسلامية وتنفيذها في جميع شؤون الحياة الدنيا أو الأخرى فرض على المسلمين بالدليل القطعي الثبوت، القطعي الدلالة، ولا يمكن أن يَتمّ ذلك إلا بحاكم ذي سلطان، أي بخليفة للمسلمين.


الحاكم الزماني أو الخليفة
الخليفة هو الذي ينوبُ عن الأمة في السلطان، وفي تنفيذ الشرع. والطريقة التي يُنَصّبُ فيها الخليفة يجب أن تَمُرّ في ثلاث مراحل:
1 ـــــــ يحصر مجلس الشورى المرشحين لهذا المنصب ثم تُعلن أسماؤهم، ويُطلب من الأمة انتخاب واحد منهم.
2 ـــــــ تُعلن نتيجة الانتخاب لمن نال أكثر الأصوات.
3 ـــــــ يبادرُ المسلمون جميعًا لمبايعة من نال أكثرية الأصوات، ويصبح خليفة، ويُقْسِمُ على العمل بكتاب الله وسنّة رسوله. ولا يجوز أن تبقى الأمة ثلاثة أيام من دون انتخاب خليفة.
صلاحية الخليفة
هو الذي يجعل الأحكام الشرعيةَ نافذةً بعد تبنِّيها. وهو المسؤول عن سياسة الدولة، ويتولى قيادةَ الجيش، وعقد المعاهدات وتعيين السفراء والمعاونين والولاة وعزلهم. وهم جميعًا مسؤولون أمامه، كما أنهم مسؤولون أمام مجلس الشورى.
وهو الذي يعيِّنُ ويعزلُ قاضي القضاة ومديري الدوائر وقوادَ الجيش وأمراء ألويته: وهم جميعًا مسؤولون أمامه، وليسوا مسؤولين أمام مجلس الشورى.
وهو الذي يتولى وضعَ ميزانية الدولة "وترتيبها"، وجعلها نافذة، من دون الرجوع إلى مجلس الشورى.
والخلافة لا تكون لمدة محدودة. فما دام الخليفة محافظًا على الشرع منفذًا لأحكامه يبقى، وإن خالف الشرعَ أو عجزَ عن القيام بشؤون الدولة وجبَ عزله حالًا، ويصبح المسلمونَ في حِلٍّ من بيعته. ومحكمة المظالــم هي التي تقرر ذلك.
المعاونون "الهيئة التنفيذية"
يعين الخليفة معاونين له ليتحملوا مسؤولية الحكم معه، وهم يشكلون الهيئة التنفيذية. ويشترط فيهم أن يكونوا رجالًا مسلمين بالغين عاقلين عدولًا. ولا يُخَصّصُ كل معاون بدائرة من الدوائر، أو بقسم خاص من الأعمال. ولا يباشر المعاونون الأمورَ الإدارية، بل تكون الهيئة بمجموعها مشرفةً على الجهاز الإداري.
الولاة
تُقَسَّمُ البلادُ التي تحكمُها الدولةُ إلى وحدات، تُسمّى كل وحدة ولاية. وتقسم الولاية بدورها إلى وحدات تسمّى كل وحدة منها عمالة. ويسمّى كل من يتولى الولاية واليًا، ومن يتولى العمالة عاملًا.
صلاحية الوالي
للوالي صلاحية الحكم والإشراف على أعمال الدوائر في ولايته نيابة عن الخليفة، ما عدا المالية والقضاء والجيش. وله حق إصدار الأوامر للشرطة في كل ما يتعلق بتنفيذ صلاحيته. ويكون في كل ولاية مجلس منتخب من أهلها يرأسه الوالي. وتكون لهذا المجلس صلاحية المشاركة في الرأي، وفي الشؤون الإدارية لا في شؤون الحكم.
كما أنه يُشْتَرطُ في من يُعَيّن واليًا أن يكون رجلًا مسلمًا بالغًا عاقلًا عدلًا.
الجيش
الجهادُ فرضٌ على المسلمين، والتجنيدُ للتدريب على الجهاد إجباري.
ويقسم الجيش قسمين
ـــــــ قسم احتياطي: ويتألف من جميع القادرين على حمل السلاح.
ـــــــ وقسم دائم في الجندية، تُخَصّصُ لأفراده رواتب مثل سائر الموظفين، من ميزانية الدولة. وتُختارُ من الجيش فرقٌ خاصة، وتُنظّمُ تنظيمًا خاصًّا للقيام بمهمات الشرطة. وتتكون من الجيش، بما فيه الشرطة، القوة المسلحة التي تؤلف وحدة متكاملة.
صلاحية الشرطة
يُعهدُ للشرطة بحفظ النظام، والإشراف على الأمن الداخلي، والقيام بجميع الأمور التنفيذية التي تتطلبها مهماتها.


الجهاز الإداري ــــــ الإدارة تكون لا مركزية ــــــ
يعيَّن لكل مصلحة من مصالح الدولة مدير يتولى إدارتها، ويكون مسؤولًا عنها مباشرة. ولهؤلاء المدراء صلاحية تعيين موظفي دوائرهم ونقلهم وتأديبهم وعزلهم، ضمن الأنظمة الإدارية، كما يكون هؤلاء الموظفون مسؤولين أمام مدير مصلحتهم.
ولكل من يحمل التابعية وتتوافر فيه الكفاية، رجلًا كان أو امرأة، مسلمًا أو غير مسلم، أن يعيَّن بوظيفة مدير للإدارة في الجهاز الإداري، وأن يكون موظفًا فيه.
كما أن سياسة الجهاز الإداري يجب أن تقوم على البساطة في التنظيم، والإسراع في إنجاز الأعمال، والكفاءة في من يتولون الإدارة.
الشورى
الشُّورى حق لجميع المسلمين على الخليفة، فلهم عليه أنْ يرجِعَ إليهم في أمورهم التي تجب فيها المشُورة. قال تعالى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} (الشورى: 38).
ورجوع الخليفة إلى رأي المسلمين واجبٌ في ما لا نص عليه أو في ما لا يعرف حكمُ الله فيه. قال تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّه} (آل عمران: 159). فالأمر في الآية يقتضي الوجوب. وكان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يرجع إلى الناس يستشيرهم: فقد استشارهم يوم بدر في أمر مكان المعركة، واستشارهم يوم أُحُد في أمر القتال خارج المدينة أو داخلها، ونزل عند رأيهم في الحادثتين.
مجلس الشورى
للأمة أن توكل عنها من تشاء في التعبير عن رأيها في الحكم، والتشريع، وأعمال المعاونين والولاة، ومناقشة الخليفة في أعماله. وتكون لهؤلاء الوكلاء الحقوق التي يملكها موكلوهم فقط، لأنَّ الوكالة تصح في ما هو من صلاحية الموكل، وليس لهم غير ذلك. وهؤلاء الوكلاء في الرأي هم مجلس الشورى. فقد روي أنَّ الرسولَ صلى الله عليه وآله وسلم، في بيعةِ العقبة الثانية، قال للمسلمين بعد أن بايعوه البيعة المعروفة "أخرجوا لي منكم اثني عشر نقيبًا" فاختار القوم تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس. وروي أنَّ الرسولَ صلى الله عليه وآله وسلم كان يرجع في الشورى إلى من كانوا نقباء على قومهم: كان يرجع إليهم في أمور الحكم والإدارة، وفي تعيين الولاة والكتاب. وقد خصصَ أربعة عشرَ رجلًا كان يرجع إليهم في الأمور، واختارهم من النقباء على قومهم بغض النظر عن مقدرتهم. وأخذهم سبعة عن الأنصار وسبعة عن المهاجرين. وكل واحد منهم كان نقيب قومه وجماعته: أي إنه ضمِن إسلام قومه وجماعته ودخلوا في الإسلام على يديه وكان هو نقيبهم. وكان هؤلاء النقباء هم أهل الشورى الذين يرجع إليهم في الرأي.
ولما بويع بالخلافة لأبي بكر رضي الله عنه اتخذ له جماعة من الممثلين لقومهم ليرجع إليهم في أمور الحكم والإدارة والتشريع. وكان من أبرز هؤلاء عمر وعثمان وعلي وعبد الرحمان بن عوف ومعاذ بن جبل وأبو عبيدة بن الجراح وأبيّ بن كعب وزيد بن ثابت.
إلا إن هؤلاء الأشخاص الذين كان يرجع إليهم الخليفة يستشيرهم في شؤون المسلمين، لم يكونوا مخصصين للشورى، ولم يكن موكلًا إليهم عمل معيَّن، بل كان الخليفة كلما حزبه أمر دعاهم إليه واستشارهم فيه. وكانوا في اجتماعهم عند أخذ الرأي يشكلون مجلسًا، وبعد انتهاء المشاورة وتفرقهم لا تبقى عليهم صفة مجلس الشورى. إلا إنه لتعدد المشاكل وتنوعها مع امتداد العهود والأزمنة يجب أن يخصص مجلس للشورى.
انتخاب أعضاء مجلس الشورى
ينتخب أعضاء مجلس الشورى انتخابًا، ولا يصح أَنْ يعيّنوا تعيينًا. وذلك لأسباب أبرزها:
1 ـــــــ أنهم وكلاء في الرأي عن الناس، والوكيل إنما يختاره موكله، ولا يُفرض الوكيل على الموكل مطلقًا.
2 ـــــــ أن أعضاء مجلس الشورى ممثلون للناس أفرادًا وجماعات في الرأي، ومعرفة الممثل في الرأي واجبة لمن يمثله في الحكم.
3 ـــــــ أن الرسولَ صلى الله عليه وآله وسلم لم يختر من يرجع إليهم في الرأي على أساس مقدرتهم وكفايتهم وشخصيتهم، بل اختارهم على أساسين: أولهما أنهم نقباء على جماعتهم بغض النظر عن كفايتهم ومقدرتهم. وثانيهما أنهم ممثلون عن المهاجرين والأنصار، نصفهم عن هؤلاء ونصفهم عن هؤلاء.
إذًا فالغرضُ من وجود أهل الشورى هو التمثيل للناس. ومن أجل ذلك يختارُ أعضاء مجلس الشورى لكي يكونوا ممثلين للأفراد كما هي الحال في تعمُّد الاختيار من النقباء، أو يكونوا ممثلين للجماعات كما هي الحال في تعمد الاختيار عن المهاجرين والأنصار مناصفةً بينهما. وهذا التمثيل للأفراد والجماعات، أي لأناس غير معروفين، لا يتحقق إلا بالانتخاب، فيتحتم انتخاب أعضاء مجلس الشورى. أما كون الرسول هو الذي تولى اختيار من يستشيرهم، فلأن البقعة كانت ضيقة وهي المدينة، ولأن المسلمين كانوا معروفين لديه، بدليل أنه في بيعةِ العقبة الثانية لم يكن المسلمون الذين بايعوه معروفين لديه، فترك أمر انتخاب النقباء لهم، وقال لهم "اختاروا لي منكم اثني عشر نقيبًا".
وعلى ذلك فإنه يستنبط من كون أعضاء مجلس الشورى وكلاء في الرأي، ومن كون العلة التي وجد من أجلها مجلس الشورى هو التمثيل للأفراد والجماعات في الرأي، ومن عدم تحقق هذه العلة في الناس غير المعروفين إلا في الانتخاب العام، يستنبط من ذلك كله، أنَّ أعضاء مجلس الشورى يُنْتخبونَ انتخابًا، ولا يصِحّ أنْ يعيَّنوا تعيينًا.
مدة عضوية مجلس الشورى
العضوية في مجلس الشورى تكون لمدة محددة، ما دامت قاعدة اختيارهم تقوم على الانتخاب، وما دام الذين كان يرجع إليهم الرسول في الشورى لم يتقيد بالرجوع إليهم أبو بكر، ولم يتقيد عمر بن الخطاب بالرجوع إلى الأشخاص الذين كان يرجع إليهم أبو بكر. كما أن عمر رجع إلى رأي أشخاص في أواخر حكمه غير الذين رجع إليهم في أوائل حكمه. وهذا يدل على أن العضوية في مجلس الشورى تكون لمدة معيّنة.
عضوية مجلس الشورى
لكل مواطن يحمل التابعية (الولاية للدولة والنظام) إذا كان بالغًا عاقلًا الحق في عضوية مجلس الشورى، وله الحق في انتخاب أعضاء مجلس الشورى. سواء أكان هذا المواطن رجلًا أم امرأة، مسلمًا أم غير مسلم. وذلك لأن مجلس الشورى وكيل عن الناس في الرأي فقط، وليست له صلاحية الحكم والتشريع. وما دام وكيلًا في الرأي فمن حق الناس في الدولة الإسلامية أن يوكلوا من يشاؤون ممن هم أهل الوكالة في الحقوق شرعًا. وكما أن للمسلم حق الشورى، فإن لغير المسلم الحق في أن يبدي رأيه في تطبيق أحكام الإسلام عليه، وفيما يلحقه من ظلم من الحاكم. ولذلك كان له أن يوكل عنه من يشاء، وأن يكون هو وكيلًا عمن يشاء، ولا يشترط في الوكيل ولا في الموكل أن يكون مسلمًا، بل هنا يجوز أنْ يكون الموكل والوكيل مسلمين وغير مسلمين. ومن هنا جاز لغير المسلمين كما جاز للمسلمين أن ينتخبوا من يمثّلهم في مجلس الشورى، مسلمًا أو غير مسلم.
والإسلام ينظر إلى الشعب الذي يحكمه نظرة إنسانية محضة، بغضّ النظر عن الطائفة، والجنس، والذكورة، والأنوثة. وتكون سياسة الحكم المرسومة لهم بوصفهم الإنساني فقط، حتى يكون الحكم لمصلحة الإنسانية ليخرجها من الظلمات إلى النور. ولهذا كان الشعب المحكوم متساوي الحقوق والواجبات المتعلقة بالإنسان كونه إنسانًا من حيث تطبيق الأحكام الشرعية على الجميع. والقاضي حين يفصل الخصومات، والحاكم حين يحكم، لا يفرق بين الناس، بل يعاملهم على السواء بوصفهم الإنساني لا بأي وصف آخر. ولهذا كان لكل واحد بصفته محكومًا للدولة الحق في أن يعبّر عن رأيه هو، وله الحق في اختيار ممثله ليعبّر عن رأيه ورأي منتخبيه. وذلك لأن الله خاطب بالإسلام جميع الناس بوصف الإنسانية فقط، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً} (النساء: 174) {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً} (الأعراف: 158). وقد اتفق علماء المسلمين، لا سيما علماء الأصول، على أن المخاطب بالأحكام هو كل عاقل يفهم الخطاب، سواء أكان مسلمًا أم غير مسلم، ذكرًا كان أم أنثى.
هذا فيما خصَّ رعايا الدولة الإسلامية كافة.
أما من ناحية عضوية المرأة فلأن مجلس الشورى ليس من قبيل الحكم، ولا يدخل في الحديث الشريف الذي يتعلق بولاية المرأة. والثابت عن عمر رضي الله عنه أنه كان حين تعرض له نازلة ويريد أخذ رأي المسلمين فيها، (سواء أكانت النازلة تتعلق بالأحكام الشرعية ـــــــ التشريع ـــــــ أم تتعلق بالحكم، أم بأي عمل من الأعمال التي للدولة)، كان إذ عرضت له نازلةٌ دعا المسلمين إلى المسجد، من النساء والرجال، ليأخذ رأيهم جميعًا. وقد رجع عن رأيه حين ردَّته امرأة في أمر تحديد المهور. وقد قدم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في السنة الثالثة عشرة للبعثة (أي السنة التي هاجر فيها) خمسة وسبعون مسلمًا منهم ثلاثة وسبعون رجلًا وامرأتان، وبايعوه جميعًا بيعة العقبة الثانية، وهي بيعة حرب وقتال وبيعة سياسية. وبعد أن فرغوا من بيعته قال لهم جميعًا "أخرجوا لي منكم اثني عشر نقيبًا يكونون على قومهم بما فيهم كفلاء" وهذا أمر منه للجميع بأن يُنتَخبَ هؤلاء النقباء من الجميع. ولم يخصص الرجال، ولم يستثن النساء، لا فيمن ينْتَخِب، ولا فيمن يُنْتَخَب. والمطلق يجري على إطلاقه ما لم يرد دليل التقييد، كما أن العام يجري على عمومه ما لم يرد دليل التخصيص. وهنا جاء الكلام عامًّا ومطلقًا ولم يرد أي دليل للتخصيص والتقييد. وقد دلّ على أن الرسولَ أمر المرأتين أن تشاركا في انتخاب النقباء، وجعل للمرأتين حق انتخابهما من الرجال نقيبتين.
وقد جلس الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يومًا ليبايعه الناس، وجلس معه أبو بكر وعمر، فبايعه الرجال والنساء. ولم تكن هذه البيعة إلا بيعة على الحكم، لا على الإسلام لأنهم كانوا مسلمين. وبعد بيعة الرضوان في الحديبية بايعه النساء أيضًا {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (الممتحنة: 12). وهذه بيعة على الحكم أيضًا لأنَّ القرآن يقررُ أنهنّ مؤمنات، وكانت البيعة على أن لا يعصينه في معروف. وقد طاف عبد الرحمن بن عوف بالمسلمين، وسألهم سرًّا وجهرًا، وعرف رأيهم رجالًا ونساء، فيمن يكون الخليفة. فهذا كله صريح في أن المرأة تنتخب. وأما المبايعة بعد الانتخاب فهي، وإن كانت واجبة، إلا إن من تركها غير مخالف للجماعة، لا يأثم لأنها فرض كفاية، وهي ثابتة في عنقه. فإذا تخلّف النساء عن المبايعة في المسجد بعد أن أبدين رأيهن ولم يخالفن، وتخلّف كثير من الرجال كذلك، لم يكن هذا التخلف دليلًا على عدم جواز بيعتهن، ولا على عدم وجوب البيعة على الرجال.
وعلاوة على ذلك فإنَّ للمرأة الحق في أن توكل عنها في الرأي، وأن يوكلها غيرها فيه، ولأن لها حق إبداء الرأي، فلها أن توكل فيه، ولأن الوكالة لا تشترط فيها الذكورة، فلها أن تتوكل عن غيرها.
على أنَّ انتخابَ غير المسلم، وانتخاب المرأة كذلك، عضوًا في مجلسِ الشورى لم يرد أي دليل بتحريمه أو منعه. والقاعدة الشرعية هي أن "الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد دليل التحريم" ولم يرد أي دليل على تحريم هذا الشيء، فهو إذًا جائز ومباح.
غير أنه مع ذلك ليس لغير المسلمين الحق في إبداء الرأي في التشريع، لأنَّ التشريعَ الإسلامي ينبثق عن العقيدة الإسلامية، فهو أحكام شرعية عملية مستنبطة من أدلتها التفصيلية، وهو يعالج مشاكل الإنسان بحسب وجهة نظر معينة تعينها العقيدة الإسلامية. وغير المسلم يعتنق عقيدة تناقض العقيدة الإسلامية، ووجهة نظره في الحياة تتناقض مع وجهة نظر الإسلام، لذلك لا يؤخذ رأيه في التشريع.
وكذلك ليس لغير المسلم الحق في انتخاب الخليفة، ولا في حصر المرشحين للخلافة لينتخَب منهم الخليفة، لأنه ليس له الحق في الحكم. أما الأمور الأخرى التي هي من صلاحيات مجلس الشورى، فهو كالمسلم له الحق في إبداء الرأي بشأنها.
صلاحيات مجلس الشورى
أولًا ـــــــ إعطاء الرأي في التشريع: وذلك أن تحيل إليه الهيئة التنفيذية الأحكام الشرعية التي تتبناها (أي القوانين) ليدرسها، ويعطي رأيه فيها، بعد دراسة المشكلة التي وضع الحكم الشرعي لها، ودراسة الحكم الشرعي نفسه بالنسبة إلى دليله. وذلك لأن فَهْمَ أعضاء مجلس الشورى المسلمين في المسائل العملية التي تحصل في شؤون المسلمين يتجلى في بحثين اثنين: أولهما النص الشرعي، إما برواية حديث يناقضُ أو يؤيد رأيَ الهيئة التنفيذية، وإمّا بفهم النص الشرعي من كتابٍ أو سنّةٍ فهمًا يؤيد أو يناقضُ الرأيَ المعروض عليهم. وثانيهما الواقعة نفسها بالبحثِ في حقيقتها، حتى يطبق حكم الله عليها، لأنَّ فِقْهَ الواقع وإدراك حقيقته يتوقف عليه فَهْمُ حكم الله في هذا الواقع. ولذلك كان فقه المسألة الواقعة لازمًا كفَهْمِ حكم الله المستنبط من الدليل.
ثانيًا ـــــــ مراقبته للحكم ومناقشته الخليفة في جميع الشؤون ومحاسبته على الصغيرة والكبيرة في أمور الحكم كافة.
ثالثًا ـــــــ مراقبته للولاة والمعاونين للخليفة في الحكم، وإظهار عدم الرضى عنهم إذا وجب الأمر. وحينئذٍ يجب على رئيس الدولة عزلهم في الحال.
رابعًا ـــــــ للمسلمين من أعضاء مجلس الشورى حصر المرشحين للخلافة حتى تنتخب الأمة منهم الخليفة ثم تبايعه البيعة الواجبة.
العمل برأي مجلس الشورى
1 ـــــــ المسائل التي تعرض للناس لا بدّ من حلها، والمشاكل التي تطرأ عليهم لا بدّ من معالجتها. وحلها ومعالجتها إنما يكونان بمعرفتها، بدراسة حقيقتها وإيجاد معلومات عنها. وهي إما داخلية وإما خارجية. أما الأمور الداخلية فإنها تقع تحت سمع الأمة وبصرها. ولذلك كان لها الحق في إبداء الرأي فيها، وكان على الدولة أنْ تأخذ رأي الأمة فيها. وأما الأمور الخارجية فإنها تحتاجُ إلى معلومات موثوقة حتى تعالج. وهذه المعلومات توجد عند الدولة، لأنها هي التي تباشر الأمور، وهي التي تتصل بسائر الدول والأمم. ولذلك لا حق للناس في أخذ رأيهم بها، ويجبُ على الدولة ألّا ترجعَ إليهم في شأنها. إلّا أنه يجوز أن تسمع رأي الأمة فيها، وعلى الأمة أن تبدي في شأنها الرأي الذي تراهُ لأنَّ النصيحة لأئمة المسلمين أي لحكامهم حق على الأمة.
2 ـــــــ تصرفات الدولة هي أعمال حدثت فيمكن الحكم عليها، وليست أمورًا ستحدث تحتاج إلى معلومات لإصدار الحكم في شأنها. لذلك كان من حق الأمة أن تناقشَ الدولةَ وتحاسبها على كل تصرف من تصرفاتها، سواء أكان ذلك في الأمور الداخلية أم الخارجية. وعلى الدولة أن تستجيب لهذه المناقشة وتنصاع لهذه المحاسبة، وأن تعمل برأي الأمة إذا كان وفْقَ الشرع، لأنَّ الدولةَ إنما وجدت لتنفيذ الشرع، ولرعاية مصالح الناس. وتصرفاتها منوطة بالمصلحة العامة، مقيدة بشرع الله. ولذلك يجب أن تُحاسَبَ من قبلِ الأمة على كل عمل من أعمالها، وتناقش في كل تصرف من تصرفاتها، لتظل سائرة في حدود الشرع، وفق المصلحة العامة. ومجلس الشورى وكيل عن الأمة في الرأي، فله محاسبة الخليفة والهيئة التنفيذية والولاة، وله مناقشتهم في سياسة الاقتصاد والصحة والتعليم ونحوها، مما هو من السياسة الداخلية، أو من التصرفات الناشئة عن السياسة الداخلية، وكذلك في التصرفات كافة التي تحصل بالفعل في السياسة الخارجية. ومحاسبة مجلس الشورى ومناقشته للخليفة وللهيئة التنفيذية والولاة ملزمة لهم فيجب عليهم العمل بما يراه المجلس.
إلا إن هذه المحاسبةَ والمناقشة في السياسة الداخلية جميعها، وفيما ينجم عنها من تصرفات، وفي التصرفات التي تحصل بالفعل في السياسة الخارجية، هي أمور اجتهادية تسير وفق الشرع، وتعمل ضمن المصلحة العامة. وقد يحصل خلاف في الرأي فيها، بين مجلس الشورى والدولة، وقد يختلفون على حكم الشرع في شأنها، وقد يختلفون في وجه المصلحة فيها. فإذا اختلف مجلس الشورى ورئيس الدولة أو الهيئة التنفيذية أو الولاة في أي أمر من هذه الأمور، لا يرجح رأي رئيس الدولة أو معاونيه أو الولاة، ولا رأي مجلس الشورى، بل يحال الأمر إلى محكمة المظالــم لتعطي رأيها، وهي التي تفصل في ذلك، وحكمها نافذ على رئيس الدولة ومعاونيه والولاة، كما هو نافذ على مجلس الشورى. لأنَّ السيادة للشرع، وهو ممثل في القضاء، ومحكمة المظالم أعلم هيئة قضائية تمثل الشرع، قال تعالى: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ} (النساء: 59).
3 ـــــــ يجب على الخليفة ألّا يعمل برأي مجلس الشورى في الناحية التشريعية، لأن رأيَ المجلسِ يؤخذُ في هذه الناحية لمجرد الشورى، ولا يلزم العمل به، بل الرأي الأخير في التشريع هو لأمير المؤمنين، وأمره هو الذي يجعل الحكم الشرعي قانونًا، ما دام اجتهاده شرعيًّا، وما دام هذا الحكم مأخوذًا باجتهاد صحيح، ويلزم الأخذ فيما اختاره. وهذا لا يعني أن مجلسَ الشورى لا يختارُ أحكامًا شرعية، بل له ـــــــ إذا أراد ـــــــ أن يختار أحكامًا شرعية لتكون قانونًا، لكنها لا تصبح قانونًا نافذًا إلا إذا أمر بها أمير المؤمنين.
4 ـــــــ الخليفة نائب عن الأمةِ في الحكم، وحين يعيّن معاونيه والولاة يجب أن يعيّنهم للحكم وللقيام بمصالح الناس، وأن يكونوا أمناء عليها، موثوقين عند الناس، وأن يرضى عنهم المحكومون. ومجلس الشورى نائب عن الناس، فإذا أظهر مجلس الشورى عدم رضاه عن الهيئة التنفيذية، أو عن أحد أعضائها، أو عن أحد من الولاة، فيجب على رئيس الدولة أن يعزلهم في الحال، من دون بيان الأسباب، لأن رأي مجلس الشورى ملزم في ذلك، ويجب على رئيس الدولة العمل به.
5 ـــــــ للمسلمين من أعضاء مجلس الشورى حصر المرشحين للخلافة ويجب على الدولة أن تلتزم رأيهم في ذلك، لأن رأيهم في هذه الناحية مُلزمٌ يجب العمل به.
6 ـــــــ ويتلخص موضوع العمل برأي مجلس الشورى في النقاط التالية:
(أ) يكون رأيه كله (بأعضائه من المسلمين وغير المسلمين) ملزمًا في أمر أعضاء الهيئة التنفيذية والولاة، ويجب العمل به، فإذا أظهر عدم رضاه عنهم وجب عزلهم.
(ب) يؤخذ رأيه كله في شؤون الحكم والإرادة، أي في السياسة الداخلية. ويكون رأيه ملزمًا في سياسة الاقتصاد والصحة والمعارف وما شاكلها من الأمور الداخلية. ولا يؤخذ رأيه في الناحية المالية كالميزانية، ولا في الجيش، ولا في السياسة الخارجية، كعقد المعاهدات وإعلان الحرب.
(ج) لمجلس الشورى الحق في أن يعطي رأيهُ في تصرفات الدولة كافة، سواء أكانت ناجمة عن السياسة الداخلية، أم السياسة الخارجية أم المالية أم غيرها. وتُعدّ محاسبته للدولةِ على هذه التصرفات ومناقشته لها حقًا، ويكونُ رأيْهُ مُلزِمًا يجبُ العمل به.
(د) يؤخذ رأي الأعضاء المسلمين منه في التشريع وفي حصر المرشحين للخلافة. أما رأيه في التشريع فهو لمجرد الشورى وليس ملزمًا ولا يجب العمل به، وأما رأيه في حصر المرشحين للخلافة، فهو ملزم يجب العمل به.
القضاء
القضاء هو الفصل في المنازعات بين الأفراد، والجماعات، وبينهم وبين الدولة في سائر القضايا والمسائل. وهو يفترق عن الحكم الذي هو تنفيذ الأحكام الشرعية أي تطبيق الإسلام على الناس. ومفهوم القضاء وحدة غير قابلة للتجزئة أو التعدد. ويتولاه القضاة.
ولا يوجد في الإسلام قاضٍ شرعي، وقاضٍ نظامي، فذلك من مستحدثات الغرب حين بسطَ حكمه ونفوذه على بلاد الإسلام. بل يوجدُ قاض يحكم بين الناسِ بما أنزل الله حين يوكل إليه أمر القضاء.
واختصاصات القاضي شاملة وتتناول:
أولًا: فض المنازعات بوجه عام، في جميع شؤون الحياة، التي تقع بين متداعيين أو متنازعين، فيحسم بالحكم التداعي ويقطعُ التنازعَ. وهذه هي صلاحيةُ القاضي، سواء أكانت هذه المنازعات معاملات، أم عقوبات، أم أحوالًا شخصية.
ثانيًا: النظر فيما يتعلق بالنظام العام، مما يستدعي الفصل فيه السرعة والشدة، لمنع ما يضر حق الجماعة في المجتمع. وهو ما يطلقُ عليه اسم الحسبة، والمحتسبُ هو قاضٍ له صلاحية القضاء والإلزام في أمورِ الحسبة.
ثالثًا: الفصل لرفع النزاع الواقع بين الناس والدولة، أو أحد أفرادها أو موظفيها، في ما هو من أعمالهم، سواء في الحكم، أو الإرادة، أو المال، أو أي شأن من شؤون أعمالهم. وعندما يفصل القاضي في هذا النوع من النزاع يطلق عليه اسم قاضي المظالم. ولا يخرجُ القضاء عن هذه الأنواع الثلاثة.
مكانة القضاء
للقضاء في الإسلام منزلةٌ ساميةٌ بين جميع أعمال الدولة. وليس لأحدٍ ـــــــ أيًّا كان ـــــــ سلطة على القاضي في قضائه، كما أنه ليس لمجلس الشورى أو لرئيس الدولة أو للهيئة التنفيذية أو للجيش أي سلطان على القاضي، بل هُمْ خاضعونَ لحكمهِ، منفذون له. والقاضي يحكم بما يوحيه إليه فهمه للحكم الشرعي وخوفه من الله، لأنَّ القضاء فهم وتقوى. ولا يتأثر القضاء بالسياسة، ولا بميول الحكام. ويُعدّ القضاة مطلقي التفكير والفهم لأحكام الله. وأحكامهم نافذة على جميع الناس، لا فرق بين خليفة ووالٍ، وأي فرد من الناس. وقد حفظ التاريخ آلاف القضايا التي أقامها أفراد من المواطنين، مسلمين وغير مسلمين، ضدَّ الخليفة أو معاونيه أو الولاة، وكان القاضي يحكم في القضية بالعدل ولو على الخليفةِ... وكثيرة هي القضايا التي حكم بها القضاةُ على الخلفاء.
شروط تولية القضاء
يشترط في القاضي أن يكون مسلمًا، بالغًا، عاقلًا، عدلًا، فقيهًا، من أهل العلم. ولا تجوزُ تولية الجاهل والفاسق والمجنون والصبي القضاء مطلقًا. ولا تجوز تولية غير المسلم القضاء بين المسلمين مطلقًا. ويجوز أنْ يقلَّدَ غير المسلم القضاء بين أهل دينه فقط أي يحكم بينهم في أحوالهم الشخصية من دون غيرها.
وأما اشتراط أن يكون القاضي رجلًا ففيه خلاف. فالشافعية يشترطون في القاضي أن يكون رجلًا، ولا يجيزون تولية المرأة القضاء مطلقًا. والحنفية يجيزون تولية المرأة القضاء في غير حد وقود، أي في غير الحدود والجنايات. وأجاز الإمام الطبري القضاء لها في كل شيء. والطبري إمام مجتهد من الأئمة المجتهدين كأبي حنيفة والشافعي. وولى عمر بن الخطاب "الشفاء" قاضية للسوق في المدينة. والذي يبدو من أدلة هؤلاء الأئمة، ومن سائر الأدلة الشرعية أنه يجوز أن تكون المرأة قاضية في الحسبةِ، وفي فصل النزاع الواقع بين الناس. ولا يجوز أن تكون قاضية في محكمة المظالم. لأنَّ القضاء الذي هو فصل النزاع الواقع بين الناس ليس ولاية، وكذلك ليست الحسبة ولاية، بخلاف محكمة المظالم فإنَّ فيها ولاية أي حكمًا؛ لأنها ترفع النزاع الواقع بين الناس والدولة، وتفصل في معنى نص من نصوص التشريع، وذلك حكم. والمرأةُ لا يجوز أن تتولى الحكم.
وأما حديث "ما أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة" الذي يستند إليه الشافعية وغيرهم في عدم جواز تولية المرأة القضاء، فإنَّ المراد من الولاية فيه الحكم لا القضاء. بمعنى أنه لا يجوز للمرأة أن تتسلم مهمة تنفيذ الأحكام الشرعية على الناس، أي تطبيق الإسلام عليهم.


تعيين القضاة
يُعَيَّنُ القاضي ويعزلُ وينقلُ من قبل رئيس الدولة مباشرة. وهو صاحب الصلاحية في ذلك. ونظرًا إلى أن أعمال رئيس الدولة كثيرة فله أنْ يُنِيبَ عنه في ذلك شخصًا هو قاضي القضاة. ويُشْتَرَطُ فيه أنْ يكون رجلًا مسلمًا عدلًا من أهل الفقه، كي يمارس صلاحية تعيين القضاة وترقيتهم ونقلهم وتأديبهم وعزلهم.
وأما الإشراف على إدارة المحاكم من الناحية الإدارية والمالية في الشؤون غير القضائية كافة مثل تعيين الكتّاب والموظفين ونقلهم وغير ذلك... فهي لرئيس الجهاز الذي يتولى إدارة شؤون المحاكم، التي لا علاقة لها بالقضاء ولا بالقضاة، بل هي من الإدارة. في حين أن كل ما يتعلق بالقضاة بما في ذلك التعيين والعزل، فهو من الحكم وليس من الإدارة لأنه جزء من أجزاء الحكم. وكذلك تعيين قاضي القضاة وعزله وما يتعلق به كافة يعدّ من الحكم. ومن هنا جعل قاضي القضاة متصلًا بأمير المؤمنين مباشرة، مثل أعضاء الهيئة التنفيذية والولاة.
كان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يمارسُ القضاءَ بنفسه، كما كان يوليه غيره: لقد قضى بين الناس في المدينة، وولى معاذ بن جبل واليًا على اليمن وقاضيًا فيها. وكان الرسولُ يمارسُ القضاء بصفته قاضيًا يحكم بناء على البيّنة، لا بصفته نبيًّا يحكم بوحي يوحى إليه. وكانت مباشرته للقضاء وتعيينه للقضاة عملًا من أعماله كرئيس للدولة. وقد حرس صلى الله عليه وآله وسلم على التنبيه على هذه الناحية فقال "إنكم لتختصمون إليَّ، ولعل بعضكم أن يكون أَلْحَنَ بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع منه. فمن قطعت له من حق أخيه شيئًا فلا يأخذه، فإنما أقطعُ له قطعةً من النار".
وقد كان الخليفة هو الذي يعيّن القضاة في الولايات. فولى عمرُ بن الخطاب أبا الدرداء قضاءَ المدينة، وولى شريح بن الحارث قضاء الكوفة، وولى أبا موسى الأشعري قضاء البصرة، وولى عثمان بن قيس بن أبي العاص قضاء مصر. وظل القضاة متصلين بالخليفة مباشرة حتى أيام العباسيين، فاتخذ هارون الرشيد نائبًا عنه ليولي القضاة. وأول من ولي هذا العمل الإمام أبو يوسف صاحب أبي حنيفة. ومنذ ذلك الحين صار قاضي القضاة هو الذي يعيّن القضاة ويعزلهم وينقلهم. وفي أواخر أيام العباسيين جعل الخليفة لقاضي القضاة أنْ ينيب عنه في الأمكنة البعيدة من يقوم بأعماله في أمور القضاة. وعيّن الخليفة المسترشد بالله علي بن الحسين الزينبي وكتب له كتابًا مطولًا بذلك، وأمره في الكتاب أن يستخلف على ما نأى عنه من البلاد.
تشكيل المحاكم
الأصل في القضاء أنه قضاء منفرد. فيعيّن قاض واحد للفصل في الخصومات، ويعيَّن لكل مدينة قاض واحد، أو قضاة متعددون، لكنّ كل واحد منهم يجلس للقضاء منفردًا، وينظر في القضايا التي تقدم إليه. ويجوز أن يعيّن عدة قضاة في البلد الواحد ينظرون في عدة قضايا. ويجوز أن يتخصص كل قاضٍ في محلة منها ولا يحكم إلا في محلته. وللمدعي أن يختارَ القاضي الذي يحاكم أمامه، وليس للمدعى عليه ذلك إذا كان في البلد عدة قضاة. وإذا كان القاضي واحدًا في بلدٍ ما أو مختصًا في محلة ما فقاضي بلد المدعي أو محلته هو القاضي المختص. وهذا الانفراد بالقضاء هو في القضايا العادية. أما القضايا المهمة فتشكل فيها المحكمة بأكثر من قاض واحد، لأن المناقشة في الرأي توضح حل المشكلة أكثر من الانفراد. ويجوز أنْ يُخصّصَ القاضي المنفرد بقضايا معينة إلى حد معيّن، ويوكل أمر غير هذه القضايا إلى محاكم مؤلفة من عدة قضاة. ومن هنا يجوز تعدد درجات المحاكم بالنسبة إلى أنواع القضايا.
وفي أي حال، فكون المحاكم على درجات: أي ذات قاضٍ منفرد أو مؤلفةً من عدة قضاة، ليس ذلك من وجهة النظر، ولا من الطريقة، بل هو من الأسلوب الذي يعينه نوع العمل.
المحتسب
المحتسبُ هو القاضي الذي ينظرُ في المسائل التي تضرُّ حقَّ الجماعة، وتحتاجُ إلى سرعةِ الفصلِ، والشدة على المقضيِّ عليهم، والتنفيذ العاجل. وهذا يكون في القضايا كافة التي هي حقوق عامة، لا يوجد فيها مُدَّع، على ألّا تكون داخلة في الحدود أو الجنايات وما شابهها. وبعبارة أخرى المحتسب هو قاضي المخالفات التي تُشكِّل اعتداء على الحق العام. ويملك المحتسب صلاحية الحكم في المخالفة، وتنفذ الشرطةُ هذا الحكم في الحال. ومن هنا كانت الأعباء التي يقوم بها المحتسبُ كثيرة. ويتعدد قضاة الحسبة في البلد الواحد بحسب الحاجة.
وللمحتسب حق اختيار نواب عنه يوزعهم في الجهات المختلفة. وتكون لهؤلاء النواب صلاحية القيام بوظيفة الحسبة في المنطقة أو المحلة التي عيّنت لهم في القضايا التي فوضوا فيها. ويُجعل تحت يد المحتسب عدد من الشرطة لتنفيذ أوامره وأحكامه، كما يُجعل لنواب المحتسب الحق في أن يستعينوا بالشرطة لتنفيذ أحكامهم.
وللمحتسب الحق في أنْ يحكمَ بالتغريم، والضرب، والحبس، والنفي، وما شابه ذلك. وله السلطة في إتلاف البضائع الفاسدة، وإراقة السوائل، كالخمور واللبن المغشوش.
وللمحتسب حق الفصل في أمور الحسبة في دار الحسبة أي في محكمة الحسبة، وفي خارجها. وله حق الطواف في البلد، أو المحلة التي خصص بها، أو خصص بها نوابه. وله ولنوابه حق المراقبة في الأمور الظاهرة، ولكن لا يجوز له مطلقًا أن يتجسس على الناس، ويتتبع عوراتهم، ولا أنْ يقتحم على أصحاب الدور دورهم ليحاسبهم على ما يصنعون فيها سرًّا، ولا أن يَتَسَقَّطَ هفواتهم ليحاسبهم عليها، بل عليه أن يتولى الأمر الظاهر، وأن يحاسبَ على ما يرى ويشاهد من الأمور الظاهرة.
صفات المحتسب
يشترط في المحتسب أن يكون مسلمًا عدلًا من أهل الفقه. غير أنه لما كان منصب المحتسب حساسًا جدًّا، لأنه يتعلقُ بالأمور العامة، فمن المستحسن أن تكون له صفات كمالية تمكنه من إتقان عمله، إذ إنَّ المحتسب يتعرض للرشوات والمغريات، وتبذلُ له الشفاعات المسموعة.
صلاحية المحتسب
للمحتسب صلاحية المراقبة والحكم والتنفيذ. وتتناول صلاحيته ما يلي:
1 ـــــــ الإشراف على نظام الأسواق، والحيلولة دون بروز الحوانيت بشكلٍ يُعيق نظام المرور، والكشف على الموازين والمكاييل، وتفتيش الأفران والمطاعم والفنادق والمقاهي وسائر الأمكنة العامة.
2 ـــــــ المحافظة على حركة المرور في الشوارع والطرقات، ومنع رؤساء المراكب البحرية وأصحاب المركبات والسيارات تحميل أكثر مما يجب حمله من الناس والسلع، وحفظ حركة السير.
3 ـــــــ منع المنكر، والمحافظة على الآداب العامة، ومنع معلمي المدارس من ضرب الصغار ضربًا مُبَرِّحًا.
4 ـــــــ مراقبة العبادات: على المحتسب أن يأخذ المسلمين بصلاةِ الجمعة والعيدين، ويمنعهم من الإفطار في رمضان. وعليه أن يراقب المساجدَ ليمنع التشويش فيها، ويمنع البدع التي اتفق المسلمون على كونها بدعًا. ويمنع المحتسب من التنطع ، وعليه ألّا يتعرض إلا للأمور الجوهرية التي تخلُّ بالأحكام الشرعية.
منصب المحتسب
عَرَّفَ الفقهاءُ الحسبةَ بأنها أمرٌ بالمعروف ونهيٌ عن المنكر. وصنفوا وظائف المحتسب بأن منها ما يتعلق بحقوق الله، ومنها ما يتعلق بحقوق الآدميين، ومنها ما يتعلق بالحقوق المشتركة بين الله والآدميين. وذكرت كتبُ الفقه للمحتسب أعمالًا كثيرةً تتعلقُ بهذه الأنواع الثلاثة في الحقوق.
ويُعدّ نظام الحسبة موجودًا منذُ عهدِ النبي، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: (ليس منا من غش). وروي أنه عليه الصلاة والسلام تعرّض للغشاش فزجره.
وكان عمر بن الخطاب يقضي بحسب نظام الحسبة، لأنه كان يطوفُ الشوارع والأسواق ودرّته معه، فإذا رأى غشاشًا خفقه بها مهما يكن شأنه، وربما أتلف بضاعته وقد روي عنه أنه كان يضرب جَمَّالًا ويقول له: (حملت جملك ما لا يطيق). وضرب رجلًا في الطريق لأنه وقف في منتصف الطريف ومنع المرور. وكذلك كان الخلفاءُ من بعده يعاقبون على الغِشّ.
إلا أن الحسبة لم تأخذْ شكلها التنظيمي إلا في أوائل عهد العباسيّين. فقد ولى المنصور أبا زكريا (يحيى بن عبد الله) حسبة بغداد. ثم جاء الرشيد وعيّن القاضي المحتسب.
جاء في كتاب "حضارة الإسلام في دار السلام": "لما اتسع نطاق التجارة في بغداد، وأصبحت موردًا لأهل الإعواز من البلاد كافة، يتناولون فيها حاجاتهم من المال، وقع غشٌّ فاحش في التجارة، وصارت الصيارفُ من اليهود وغيرهم يعطون مالهم بالربا على أنْ يُعادَ عليهم المثل في آخر العام مثلين فأكثر. فأقام الرشيد محتسبًا يطوفُ بالأسواق، ويفحصُ الأوزانَ والمكاييل من الغش.
وفي أيام المهدي أخذت الحسبة شكلها التنظيمي الدائم. إذ جعلها المهدي مخصصة، وعيّن لها المحتسب، وظلت من جملة التشكيلات في ما بعد. جاء في كتاب التمدن الإسلامي: الحسبة. كان الموظف الذي يشغل هذا المنصب يُسَمَّى المحتسب. وهي وظيفةٌ أنشأها المهدي وظلت من جملة التشكيلات التي أخذت بها الممالك الإسلامية في ما بعد. وكان يضطلعُ المحتسب بمراقبة الأسواق، وحمل الناس على المحافظة على الآداب، كما يطوفُ مع توابعه في الشوارع ليلًا نهارًا للتأكد من تنفيذ تعليمات الشرطة، والأمرِ بالمعروف والنهي عن المنكر، ومعاقبة من يحاول الغش في المقاييس والمكاييل والموازين".
محكمة المظالم
ينظر القاضي في غير محكمة المظالم ويفصل في الخصومات والمنازعات الناشئة بين الناس في مختلف القضايا التي تعرض عليه. أمّا القضايا التي تتعلقُ بأعمال الأشخاص الرسميين كرئيس الدولة، وأعضاء الهيئة التنفيذية، والولاة، وأعضاء مجلس الشورى، والموظفين، فإنَّ الذي ينظرُ فيها هو قاضي المظالم. وهو قاض يُعيَّنُ لرفع كل مظلمة تحصل على أي مواطن من الدولة أو أحد موظفيها. ويُرجع إليه لبيان معنى نص من النصوص الشرعية أو النصوص التشريعية.
ويشترط في قضاة المظالــم أنْ يكونوا رجالًا مسلمين عدولًا من أهل الفقه والاجتهاد. ويجب أن يكونوا من أكثر القضاة عِلمًا وفهمًا وتقوى، لأنهم يتولون أعلى محكمة في الدولة.
صلاحيات محكمة المظالم
تتألف محكمةُ المظالم من عدة قضاة، لأنها تنظرُ في الأمور المهمة. ويعيّن عددهم بحسب الحاجة. ولها صلاحية النظر والفصل في الأمور التالية:
1 ـــــــ القضايا التي يقيمها الأفراد والجماعات، من المواطنين ضد رئيس الدولة، أو الهيئة التنفيذية، أو أعضاء مجلس الشورى، أو الولاة، أو أي موظف من موظفي الدولة، إذا كانت هذه القضايا تتعلق بأعمالهم في الدولة. أمَّا إذا كانت تتعلق بأشخاصهم أو بأفعالهم الشخصية فتقام أمام المحاكم القضائية الأخرى.
2 ـــــــ رواتب الموظفين، وأجور العمال، وتقدير الأعمال، وأمور الضرائب.
3 ـــــــ الفصل في معنى نص من نصوص التشريع الدستوري، وفي كون الدستور إسلاميًّا أي يتضمن أحكامًا شرعية وفق الكتاب والسنّة.
وفي دستورية القوانين للمحكمة صلاحية إلغاء القانون، أو إلغاء أي مادة منه، إذا كانت مخالفة للشرع. ولكن إذا كان القانون موافقًا للشرع، وتبنت الدولةُ أحكامًا معينة ضمنتها مواده لقوة الدليل ولاقتضاء المصلحة، فإنَّ محكمة المظالم ـــــــ والحالة هذه ـــــــ كسائر المحاكم، تتقيد بالأحكام الشرعية التي تختارها الدولة وتتبناها، لأنَّ القاعدة الشرعية "أن أمر الإمام ينفذُ ظاهرًا وباطنًا". والقاعدة كذلك (أمر الإمام يرفعُ الخلاف).
4 ـــــــ الفصل في مخالفة رئيس الدولة للشرع في تطبيقه الأحكام الشرعية، أو عدم حمله للدعوة الإسلامية، أو إهماله لأمور الأمة، أو عجزه عن القيام بأعباء الحكم: فلها محاكمته، ولها صلاحية عزله إذا كان عمله يقتضي العزل. وهي التي تفصل فيما يوجب عزله من الأعمال وما لا يوجبه. وعليها أن تسمع الدعوى من أي واحد من المسلمين.
هذه الأمور الأربعة هي من صلاحيات محكمة المظالم وحدها. وقد ذكر الماوردي في كتابه (الأحكام السلطانية) الذي يبحث في نظام الحكم في الإسلام، أنّ لمحكمة المظالم النظر في عشرة أشياء. وكلها لا تخرج عن الأمور الثلاثة الأولى. وكذلك ما ذكره الفقهاء. أما الأمر الرابع المتعلق بعزل رئيس الدولة فلم يذكره الفقهاء؛ لأن الخليفة كان هو الذي يتولى محكمة المظالم في الصدر الأول من الدولة الإسلامية، وحين بدأت محكمة المظالـم تفصل في هذا الأمر كانت المؤامرات السياسية غالباً ما تسبب عزل الخليفة. والظاهر أنَّ هذا من الأسباب التي جعلت الفقهاء يبتعدون عن التعرض لبحثه حين يبحثون في محكمة المظالـم. لكنهم، أي الفقهاء، نصوا بصراحة على أن الخليفة إذا أخلَّ بشرع الله استحق العزل. والحديث الشريف صريح: "لا طاعةَ لمخلوقٍ في معصيةِ الخالقِ" والخليفة أبو بكر رضي الله عنه فهم ذلك فقال: (أطيعوني ما أطعتُ الله فإذا عصيتُ الله فلا طاعة لي عليكم).
ولا خلاف في أن الخليفة إذا أخلَّ بشرع الله استحق العزل. أما أن محكمة المظالم هي صاحبة الصلاحية في ذلك فهو صريح في الآية بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ} ثم أتم الآية بقوله: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ} (النساء: 59) وليس المراد هنا تنازع أفراد الأمة بعضهم مع بعض، بل المراد تنازع هؤلاء الأفراد مع أولي الأمر، أي أطيعوا أولي الأمر منكم، فإنْ تنازعتم معهم في شيء فردوه إلى قضاء الله ورسوله، ليعطي الحكم فيه؛ لأنَّ معنى رده إلى الله والرسول، رده إلى حكم الله ورسوله، الذي يفصل فيه القضاء. ومحكمة المظالم هي أعلى هيئة قضائية، فهي التي تفصل في أمر ولي الأمر (والذي هو رئيس الدولة) وأي حاكم يعيّنه. ولها صلاحية إصدار الحكم عليه كما هو صريح الآية، والحكم عليه يشمل الحكم بعزله، واتباع حكم الله واجب على الخليفة وعلى غيره وعليهم تنفيذه.

تعيين قضاة المظالم وعزلهم
قضاة محكمة المظالم، من حيث تعيينهم، هم كباقي القضاة، يعينهم قاضي القضاة. كما أن لرئيس الدولة صلاحية تعيينهم. أما عزلهم فهو ليس من صلاحية رئيس الدولة، ولا من صلاحية قاضي القضاة، بل هو من صلاحية محكمة المظالم نفسها. فإذا اتهم قاض أو أكثر من قضاة محكمة المظالم، في أمر من أمور عمله أو في تصرف من تصرفاته بصفته قاضيًا في محكمة المظالم، يرفع الأمر إلى محكمة المظالم نَفْسِها، فتعقد جلسة لا يكون فيها القاضي المتهم أو القضاة المتهمون. وينظر القضاة غير المتهمين في أمر الاتهام، ويحاكمون القاضي أو القضاة المتهَمين، ويصدرون حكمهم. وإن ثبتَ أنهم يستحقون العزل يصدرون الحكم بعزلهم. وإذًا فصلاحيةُ عزل قاضي المظالـم هي لمحكمةِ المظالـم، وليست للخليفة ولا لقاضي القضاة.
والحكمُ في عدم وجود صلاحية لرئيس الدولة وقاضي القضاة في عزل قضاة المظالم، وجعل هذه الصلاحية لمحكمةِ المظالم نفسها، يستنبط استنباطًا من باب سد الذرائع، الذي يجعلُ الوسيلةَ إلى الحرامِ حرامًا، والوسيلة إلى الواجب واجبة.
والظاهر من الواقع التاريخي أنَّ الذي كان يجري عليه العمل هو أن للخليفة أو لقاضي القضاة عزل قضاة محكمة المظالم، وإن كان لا يوجد نص يجعل لهما حق العزل، لكن الذي يبدو من التدقيق وإعمال الفكر ألّا تكون لرئيس الدولة هذه الصلاحية، وكذلك ألّا تكون لقاضي القضاة.
وذلك أنه لما كان لمحكمةِ المظالـم صلاحية عزل رئيس الدولة، كان لزامًا ألّا تكونَ لرئيس الدولة صلاحية عزلها، لئلا تؤدي هذه الصلاحية إلى عزلها من قبلهِ في حال تحققه من إقدامها على عزله. ولما كان عزلها في هذه الحال حرامًا، كانت الوسيلة إلى ذلك (وهي إعطاؤه حق عزلها) حرامًا، من باب سد الذرائع، الذي يقضي بإعطاء الوسيلة حكم الغاية، ويجعل الوسيلة إلى الحرام حرامًا، والوسيلة إلى الواجب واجبة، لأن الأصل في هذا الباب هو النظر في مآلاتِ الأفعال، وما تنتهي في جملتها إليه، فإنها إن كانت مآلاتها تتجهُ نحو المفاسد كانت محرمةً بما يتناسبُ مع تحريم المفاسد. ولما كان إعطاء رئيس الدولة صلاحية عزل محكمة المظالم يؤدي إلى مفسدة كان ذلك ممنوعًا. ولهذا فلا صلاحية لرئيس الدولة في عزلِ محكمة المظالـم أو عزل أحد أعضائها مطلقًا، لما يؤدي ذلك إليه من المفاسد. وتكون صلاحيةُ العزلِ هذه لمحكمةِ المظالم ذاتها، تقرره بحسب الشرعِ في حكم شرعي، ولها أن تعزل رئيس الدولة نفسه.
ولا يقال إذا اتُّهِمَ جميعُ أعضاء محكمة المظالم من الذي يحاكمهم ويعزلهم: لأن هذا فرضٌ نظري، لا يوجد، ولا يحصلُ. وإذا أجمع أعضاء أعلى مركز قضائي على الفساد تكون الأمةُ كُلها قد نخرها سوسُ الفسادِ، واحتاجت إلى عملية فكرية شاملة لتصلح من جذورها، حتى يحصلَ التغيير لجهازها بأكمله.
إنشاء محكمة المظالم
المظالم جمع مظلمة وهي ما أُخذَ من حقك جورًا من قبل الظالم. وسميت محكمة المظالم بذلك لأنها تنظر في مظالم الناس وردِّها إليهم وإزالة أسبابها. وظلامات الناس تأتي إما من الدولة نفسها: من رئيسها أو أي واحد من جهاز الحكم، وإما من ظلم أفراد. أما ظلم الرعية فالأصل في الدولة أنْ تزيل الأسباب، وأنْ تقيم العدل بين الناس. وأما ظلم الولاة وأعضاء الهيئة التنفيذية وسائر الرجال الذين هم في جهاز الحكم فالأصلُ فيه أن يزيله رئيسُ الدولة، الذي هو ولي الأمر، ويرجع الحق لأهله. ولكن إذا لم يُزِلُ رئيسُ الدولة المظلمة، أو كانت المظلمةُ آتيةً منه، فإنَّ شرعَ الله الذي له وحده السيادة هو الذي يزيله. ووسيلة ذلك هي محكمة المظالم وهي أعلى هيئة قضائية في الدولة كما مر استنباط ذلك من الآية الكريمة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ}...
وقد كان الخلفاء الأولون هم الذين ينظرون في قضايا المظالم متى رفعت إليهم. كان علي عليه السلام يجلس للفصل في قضايا المظالم، ينظر القضايا التي يقدمها المتظلمون، ويعمل على إنصافهم. ولم يعيّن يومًا مخصوصًا ولا ساعةً معينة لسماعِ المظالم، بل كان ينظر في شكاية المتظلم في كل وقت يأتيه، ويعمل على إنصافه في الحال.
وعندما انفرد قاضي المظالم عن الخليفة، كان ابن إدريس الأزدي أول قاض للمظالم، في عهد عبد الملك بن مروان. وفي أيام العباسيين عني المهدي عناية فائقة بالمظالم. وفي أواسط العهد العباسي كان الخلفاءُ يفوضونَ النظر في المظالم إلى شخص معيّن، هو قاضي المظالم، ينظرُ فيها منفردًا عن الخليفة. وكان يجلس معه القضاةَ والحكام للاستعلام منهم، والفقهاء ليرجع إليهم فيما أشكل عليه من الأمور.
ومنذ أيام عبد الملك صارت محكمةُ المظالمِ خاصةً، وقاضي المظالم له صلاحيات معينة. إلا إنها في أيام العباسيين أُحيطت بأبهة ورعاية، وفي أيام السلاطين في الشام ومصر سميت محكمة المظالم "دار العدل".
أما في أيام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فقد كان يرسل الولاة من أمثل من دخلوا في الإسلام. وكان يأمرهم بتلقين الدين للذين أسلموا، وبأخذ الصدقات منهم، ثم يسند إلى الوالي في كثير من الأحيان جباية الأموال، ويأمره بتبشير الناسَ بالخير، ويعلمهم القرآن، ويفقههم في الدين، ويوصيه أن يلينَ للناس في الحق ويشتد عليهم في الظلم، وأن يأخذ خُمْسَ الأموال وما كتب على المسلمين في صدقات. وإن من أسلم إسلامًا خالصًا من نفسه ودان بدين الإسلام فإنه من المؤمنين، له مثل ما لهم وعليه مثل ما عليهم. ومن كان على نصرانيته أو يهوديته فإنه لا يفتن عنها. ومما قاله لمعاذ حين بعثه إلى اليمن:
"إنك تقدم على قوم أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله تعالى. فإذا عرفوا الله تعالى فأخبرهم أن الله تعالى فرض عليهم زكاة تؤخذ من أغنيائهم، وترد على فقرائهم. فإن هم أطاعوا لذلك فخذ منهم، وتوقّ كرائم أموالهم. واتّقِ دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب".
وكان صلى الله عليه وآله وسلم يكشف عن حال الولاة والعمال، ويسمعُ ما ينقل إليه من أخبارهم. وقد عزل العلاءَ بن الحضرمي، عامله على البحرين، لأن وفدَ عبد قيس شكاه. وكان صلى الله عليه وآله وسلم يستوفي الحساب من العمال، ويحاسبهم على المستخرج والمصروف. وقد استعملَ رجلًا على الزكاة، فلما رجعَ يؤدي حسابه قال: "هذا لكم، وهذا أهدي لي". فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "ما بال الرجل نستعمله على العمل بما ولانا الله فيقول: هذا لكم وهذا أهدي إلي؟ أفلا قعدَ في بيت أبيه وأمه، فننظرُ أيُهدى إليه أم لا؟". وشكا أهلُ اليمن من تطويل معاذ في الصلاة فزجره وقال: "من أمّ في الناس فليخفف". وكان صلى الله عليه وآله وسلم يولي قضاة يقضون بين الناس. كما أنه كان يُعنى بالمظالـم فقد وجّه راشد بن عبد الله أميرًا على القضاء والمظالـم، وجعل له صلاحية النظر في قضايا المظالـم.
وكان صلى الله عليه وآله وسلم يدير مصالحَ الناس ويُعَيّنُ كُتّابًا لإرادة هذه المصالح، وكانوا بمقام مديري الدوائر. فكان علي بن أبي طالب عليه السلام كاتب العهود إذا عاهدَ، ومواثيق الصلح إذا صالح. وكان الحارثُ بن عوفٍ المري على خاتمه. وكان معيقبُ بنُ أبي فاطمة كاتبًا على الغنائم. وكان حذيفةُ بن اليمان يكتبُ خرصَ ، ثمارِ الحجاز. وكان الزبيرُ ابن العوام يكتبُ أموالَ الصدقات. وكان المغيرة بن شعبة يكتب المدايناتِ والمعاملاتِ. وكان شرحبيلُ بن حسنة يكتب التوقيعاتِ إلى الملوك.
وكان صلى الله عليه وآله وسلم كثيرَ المشاورة لأصحابه، وما انْفَكّ عن استشارة أهل الرأي والبصيرة، ومن شهد لهم بالعقل والفضل، وأبانوا عن قوة إيمان، وتفانٍ في بثّ دعوة الإسلام. وكانوا سبعة عن الأنصار، وسبعة عن المهاجرين، منهم:
حمزة وعلي وجعفر وأبو بكر وعمر وابن مسعود وسلمان وعمار وحذيفة وأبو ذر والمقداد وبلال، وهؤلاء كانوا بمنزلة مجلس الشورى. ثم كان له معاونون. وكان صلى الله عليه وآله وسلم يقوم بأعمال رئيس الدولة منذ أن وصلَ إلى المدينة حتى وفاته. وقد أجمعَ الصحابةُ، من بعده، على إقامة رئيس للدولة، يكون خليفة للرسول. وهكذا أقام الرسول جهازَ الدولة كاملًا في حياته، وتَبِعَهُ الخلفاءُ الراشدون على السَّنَنِ ذاته...

البَيّنات

أحكام البيِّنات
أحكامُ البيِّناتَ كباقي الأحكام الإسلامية أحكام شرعية مستنبطة من أدلتها التفصيلية. والبيِّنات إما أنْ تكونَ على المعاملات، وإما أنْ تكونَ على العقوبات. إلا إن الفقهاءَ لم يفصلوا أحكام البيِّنات في المعاملات عن أحكام البيِّنات في العقوبات، فذكروها كلها في كتاب الشهادات، وأكملوا بعضَ أبحاثها في كتابِ الأقضية وفي كتاب الدعوى والبيِّنات، وبيّنوا في بحث بعض العقوبات بعض البيِّنات لأنها شرطٌ من شروطِها وجزء من أبحاثها.
والبيِّنةُ هي كل ما يبيِّن الدعوى. وهي حجة المدعي على دعواه. عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "البيِّنةُ على المدعي واليمين على المدعى عليه" وأخرج البيهقي بإسناد صحيح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "البيِّنة على المدعي واليمين على من أنكر". فالبيِّنة هي حجة المدعي التي يثبتُ بها دعواه. وهي برهان لإثباتِ الدعوى، فلا تكون بيِّنة إلا إذا كانت قطعيةً يقينية.
ولا يصحُّ لأحدٍ أنْ يشهد إلّا بناء على علم أي بناء على يقين، إذ لا تصح الشهادة بناء على الظن. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم للشاهد: "إذا رأيت مثل الشمس فاشهد وإلا فدع".
وما جاء عن طريق المعاينة أو عن طريق إحدى الحواس الأُخرى، وكان عن علم أي عن يقين فيجوز للإنسان أنْ يشهدَ به. وما لم يأت عن الطريق اليقيني فلا تجوز الشهادة به. وكذلك الشأن في الأمور المجمع على صحتها بين الناس: كشهادة التسامع في قضايا النكاح والنسب والموت وما شابه ذلك فإنه حينئذٍ يجوز للشاهد أن يشهد لأنه متيقن، ولكن لا يفسر ذلك بشهادته، لأنَّ اليقينَ لازمٌ له حتى يصح أن يشهد.
وكذلك اليمين لا بد من أن يكون عن يقين مقطوع به، فالمدعي حين يحلف لإثبات دعواه في حالة أن ليس لديه إلا شاهد واحد في دعاوى الأموال وما شابهها، والمدعى عليه حين يحلف عند عجز المدعي عن إثبات دعواه، لا يصح لكل منهما أن يحلف إلا عن يقين مقطوع به، فإن كان عن ظن فلا يصح أن يحلف أي منهما عن ظن. ولهذا أوعد الله على اليمين الغموس وعيدًا كبيرًا. فقد أخرج البخاري من حديث ابن عمرو "جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله ما الكبائر؟ قال: "الشرك بالله، وقتل النفس بغير حق، وبهت مؤمن ، والفرار يوم الزحف، واليمين الغموس". وهذا دليل على أن اليمين لا تكون إلا عن يقين.
ومثل الشهادة واليمين سائر البيِّنات. وهي الإقرار ودفاتر التجار وسائر المستندات الخطية. ولا بد من أن تكون قطعية يقينية ولا يصح أن تكون ظنية، لأن البيِّنات برهان لإثبات الدعوى وحجة المدعي على دعواه، والبرهان لا يكون برهانًا والحجة لا تكون حجة إلا إذا كان مقطوعًا به أو بها.
غير أن كون البيِّنات مبنية على العلم أي اليقين لا يعني أن الحكم بها مبني على اليقين، ولا يعني أن الحكم بها واجب على القاضي، وإنما يعني فقط ذاتها، أي إنها هي لا يصح أن تكون إلا يقينة. أما الحكم بها فليس كذلك. وذلك لأنّ الحكمَ مبني على غلبة الظنِ لا على اليقين، لأن الله يقول للرسول "فاحكم بينهم بما أراك الله" أي بما تراه من الرأي، وهو يشمل الرأي الصادر عن يقين والرأي الصادر عن الظن. والرسول صلى الله عليه وآله وسلم قد حكم في قضية وقال ما يدل على أن حكمه كان بناءً على غلبةِ الظن. عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "إنما أنا بشرٌ وإنكم تختصمون إلي، ولعلَّ بعضكم أن يكون ألحنَ بحجته من بعض فأقضي بنحو مما أسمع، فمن قضيتُ له من حقِّ أخيه شيئًا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار". فهذا دليل على أن القاضي يحكم بالظن. والرسول صلى الله عليه وآله وسلم قد صرح بأن الحاكم يحكم بالظن. فعن عمرو بن العاص أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر". فهذا كله دليل على أن كون الشهادة يقينية لا يعني أن الحكم مبني على اليقين بل هو مبني على غلبة الظن.
وأما مسألة أن كون الشهادة لا تكون إلا عن يقين لا يعني أن الحكم بها واجب على القاضي، فذلك لأنها عن يقين عن الشاهد، وأما القاضي فقد يكون لديه واقع يناقض هذه الشهادة، بل قد يكون لديه نصّ قطعي يناقض هذه الشهادة، وقد يغلب على ظنه كذب الشاهد، ولذلك لا يلزم القاضي بالحكم بالشهادة ولو كانت عن يقين، بل له أن يحكم بها، وله أن يردها.


أنواع البيّنات
البيِّنات أربع أنواع لا غير وهي: الإقرار، واليمين، والشهادة، والمستندات الخطية المقطوع بها. ولا توجد بيِّنة غير هذه البيِّنات الأربع. وأما القرائن فليست من البيِّنات شرعًا، لأنه لم يأت أي دليلٍ شرعي يدل على أنها من البيِّنات.
والإقرار قد جاء دليله في القرآن والحديث. قال الله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ} (البقرة: 84) أي ثم أقررتم بمعرفة هذا الميثاق وصحته، فالله قد أخذهم بإقرارهم فكان حجة عليهم.
وفي الحديث جاء في حديث ماعز عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لماعز بن مالك: "أحق ما بلغني عنك؟ قال: وما بلغك عني يا رسول الله؟ قال: بلغني أنك وقعت بجارية آل فلان. قال: نعم. فشهد أربع شهادات فأمر به فرجم". وفي حديث أبي بكر في قصة ماعز أنه جاء فاعترف أربع مرات فأمر بجلده. وفي الحديث قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "واغد يا أنيس ـــــــ لرجل من أسلم ـــــــ إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها".
واليمين جاء دليله في القرآن والحديث: قال الله تعالى: {لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَـكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ} (المائدة: 89). وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (البيِّنة على المدعي واليمين على من أنكر).
والشهادة قد جاء دليلها في القرآن والحديث. قال الله تعالى: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان} (البقرة: 282)، وعنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: "شاهداك أو يمينه".
والمستندات الخطية جاء دليلها في القرآن. قال تعالى: {وَلاَ تَسْأَمُوْاْ أَن تَكْتُبُوْهُ صَغِيراً أَو كَبِيراً إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللّهِ وَأَقْومُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُواْ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا} (البقرة: 282). إن هذه الآية تدل على المستنداتِ الخطية بما في ذلك دفاتر التجار والإقرارات وغير ذلك.
فهذه البيِّناتُ كلها قد جاء الدليل عليها من الكتاب والسنّة. أما القرائن فليس لها دليل لا من كتاب ولا من سنّة، ولا تعدّ من البيِّنات سواء منها تلك التي يسمونها القرينة القاطعة أو غيرها. لأنه لم يرد دليل يدل على اعتبارها بيِّنة. ولا تُعدّ البيِّنة بيِّنة شرعًا إلا إذا كان هناك دليل على ذلك أو كانت داخلة تحت دليل من الأدلة. وعليه فإنَّ الأدلة التي يخرج بها قصَّاص الأثر وكلاب الأثر، وما شاكل ذلك ليس من البيِّنات في شيء.
صحيح أن القرائن وأدلّة قصاص الأثر وكلاب الأثر وما شاكل ذلك يؤتنس بها ولكن الائتناس شَيء والبيِّنة شيء آخر. ومما يؤتنس به قول المغدور قبل وفاته إن فلانًا هو الذي تسبب في قتله، لكن ذلك لا يكون بيِّنة على الدعوى. والرسول صلى الله عليه وآله وسلم حين سأل الجارية من قتلك، وسمّى لها فلان وفلان أشارت إلى اليهودي، لم يأخذ قولها بيِّنة، لكنه ائتنس به فجيء باليهودي فاعترف فقتل. فعقوبة القتل وقعت عليه نتيجة إقراره، والإقرار هو أحد البيِّنات الأربع. وهكذا تكون القرائن وأمثالها مما يؤتنس به ولا يصح أن يقال إنها من البيِّنات.
وأما أخبار المخبرين وشهادة أهل الخبرة وتقارير الكشف والمعاينة وما شاكل ذلك فإنها ليست بيِّنات، بل هي أخبار فيصح أن تكون مبنية على الظن ويكفي فيها المخبر الواحد. وهي لا تصلح لإثبات دعوى وإنما لكشف أمر من أمور الدعوى، كبيان قيمة الأرض أو ثمن العربة أو نفقة الأولاد أو عقل المدعى عليه أو مرض المدعي أو ما شاكل ذلك. إذ هذه وأمثالها تثبت بالأخبار ولا تحتاج إلى بيِّنة، فيصح للمخبر عنها أن يبنيَ شهادته على الظن. ويكفي فيها المخبر الواحد.

نظام العقوبات

العقوبات
شُرِّعتِ العقوباتُ لزجر الناس عن الجرائم. قال الله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ} (البقرة: 179) أي إن الله تعالى شرع القصاص لكم وذلك بقتل القاتل. وفي هذا القصاص حكمة عظيمة وهي بقاء المهج وصونها فافتكروا بها وتدبروها. فالقاتل عندما يعلم بأنه سوف يُقتَل، قد يردعه خوفه من هذا القتل عن الإقدام على جريمته، وقد يجعله مثل هذا الزجر يفكر فيما يقدم عليه. وغالبًا ما يرعوي ويبتعد عن فعل الجرم فيكون في هذا الزجر حياة لمن يريد قتله وحياة له وبهذا الامتناع يكون هنالك حفظ حياة الناس لأنه لا يمكن لعاقل وهو يعلم أنه إن قتل فلا بد من أن يقتل إلَّا أن يتخلى عن القتل. فتكون العقوبات (أو يكون القصاص) زواجر أي موانع تزجر الناس عن القيام بالجرائم التي يعاقب عليها.
والجريمةُ هي فِعْلٌ قبيحٌ، والقبيح هو ما قبحه الشرع. ولذلك لا يُعدّ الفعل جريمة إلا إذا نص الشرع على أنه فعل قبيح، وذلك بغض النظر عن درجة قبحه، أي بغض النظر عن كون الجريمة كبيرة أو صغيرة، فقد جعل الشرعُ الفعلَ القبيحَ ذنبًا يعاقب عليه. والجريمة هي ذنبٌ بعينها فكان لا بد من العقابِ عليها.
وليست الجريمة موجودة في فطرة الإنسان بخلاف ما تقوله بعضُ النظريات الغربية التي تعزو ارتكاب الجرائم لدى بعضهم إلى حالة وراثيةٍ أو مَرَضِيَّةٍ قد يصابون بها فيقدمون على ارتكاب الجرائم. إلَّا إنه لا شيء يمنعُ من أن يَكتَسِبَ بعضهم أفعالًا معينة بفعل البيئة أو الوسط الذي يعيش فيه فيصبح مجرمًا من جراء ما اكتسب. كما أن الجريمة بسبب المرض العصبي أو غيره مشكوك بأمرها بحيث لا يمكن اعتبار الجريمة مرضًا يصاب به الإنسان مثل سائر الأمراض الأخرى العصبية أو النفسية. وبذلك تكون الجريمة خروجًا على النظام الذي يحكم علاقة الإنسان بربه وبنفسه، وعلاقات الناس بعضهم ببعض.
هذا وإن الإنسان قد خلقه الله تعالى وخلق فيه غرائز وحاجات عضوية. وحاجاته العضوية هي: الطعام والشراب وقضاء الحاجة. أما الغرائز فهي: غريزة النوع أي الميل الجنسي وغريزة حب البقاء وغريزة التدين أي التقديس. وهذه الغرائز والحاجات العضوية طاقات حيوية في الإنسان تدفعه إلى السعي لإشباعها، فهو يقوم بالأعمال التي تشبع غرائزه وحاجاته العضوية. وإذا ترك هذا الإشباع من دون نظام فإنه يؤدي إلى الفوضى والاضطراب، ويؤدي إلى الإشباع الخاطئ أو الإشباع الشاذ.
وقد نظم الله إشباع هذه الغرائز والحاجات العضوية، حين نظم أعمال الإنسان، بالأحكام الشرعية. فبيِّن الشرع الإسلامي الحكم في كل حادثة تحدث للإنسان، وشرّع الحلال والحرام، ولهذا ورد الشرع بأوامر ونواهٍ، وكلف الإنسان العمل بما أمر به، واجتناب ما نهى عنه. فإذا خالف ذلك فقد فعل القبيح أي ارتكب الذنب الذي يشكل جريمة، فكان لا بد من عقوبة لكل جريمة حتى يأتمر الناس بما أمرهم الله به، وينتهوا عما نهاهم عنه، وإلا فلا معنى لتلك الأوامر والنواهي إذا لم يكن هناك عقاب على مخالفتها.
وقد بيَّن الشرع الإسلامي أن على هذه الجرائم عقوبات في الآخرة وعقوبات في الدنيا. أما عقوبات الآخرة فالله تعالى هو الذي يعاقب بها المجرمين فيعذبهم يوم القيامة لقوله تعالى: {يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ} (الرحمان: 41) وقوله جل جلاله: {وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (55) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ} (ص: 55 ـــــــ 56). ومع أن الله أوعد المذنبين أو المجرمين بالعذاب، فإن أمرهم موكول إليه تعالى: إن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم. قال تعالى: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} (النساء: 48). وتوبتهم مقبولة لعموم الأدلة.
وأما عقوبة الدنيا فيقوم بها الإمام أو نائبه، أي تقوم بها الدولة بإقامة حدود الله، وتنفيذ أحكام الجنايات والتعزير وتنفيذ المخالفات. وهذه العقوبة في الدنيا للمذنب على ذنب ارتكبه تُسقط عن المذنب عقوبة الآخرة، فتكون العقوبات زواجر وجوابر: أما كونها زواجر فلأنها تزجر الناس عن فعل الذنوب أو ارتكاب الجرائم، وأما كونها جوابر فلأنها تجبر عقوبة الآخرة، فتسقط عن المسلم عقوبة الآخرة بعقوبة الدولة في الدنيا. والدليل على ذلك ما رواه البخاري عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: "كنا عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مجلس فقال: بايعوني على ألّا تشركوا بالله شيئًا ولا تسرقوا ولا تزنوا. فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقبَ به فهو كفارة له. ومن أصاب من ذلك شيئًا فستره الله عليه إن شاء غفر له وإن شاء عذبه". فهذا الحديث صريح في أن عقوبة الدنيا على ذنب معيّن، وهي عقوبة الدولة للمذنب، تسقط عنه عقوبة الآخرة. ومن أجل ذلك اعترفت امرأة من جهينة بالزنى فرجمت حتى ماتت، وقال عنها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم". فالإقرار والتوبة ضروريان لسقوط عقوبة الآخرة، ومن يقرون ويتوبون إنما يفعلون ليعاقبوا على الذنب من الدولة في الدنيا حتى تسقط عنهم عقوبة الآخرة. وقد كان كثير من المسلمين يأتون إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيقرون بالجرائم التي ارتكبوها ليوقع عليهم الرسول الحد في الدنيا حتى يسقط عنهم عذاب الله يوم القيامة، فيحتملون آلام الحد والقصاص في الدنيا لأنه أهون من عذاب الآخرة. وعليه فالعقوبات زواجر وجوابر.
وهذه العقوبات من الدولة على الذنوب أو الجرائم هي الطريقة الوحيدة لتنفيذ أوامر الله ونواهيه. فالله تعالى شرّع الأحكام، وشرّع أحكامًا أخرى لتنفيذها وهي أحكام العقوبات. لقد أمر بالمحافظة على المال: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه". "إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام" وشرّع أحكام قطع اليد لتنفيذ أمر الله هذا. ونهى عن الزنى {وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى} (الإسراء: 32). وشرّع أحكام الجلْدِ والرجم لتنفيذ نهي الله هذا. وهكذا جميع الأوامر والنواهي جعل الالتزام بها عن طريق العقوبة التي تفرضها الدولة وفقًا للحكم الشرعي القاضي بها.

الحُدود
أصل الحد ما يحجزُ أو يحجب بين شيئين فيمنع اختلاطهما: فحدّ الدار منتهاها الذي يميزها ممّا حولها، وحد الشيء وصفه المحيط به المميز له من غيره. وقد تطلق الحدود ويراد بها نفس المعاصي، كقوله تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا} (البقرة: 187). وتطلق على شرائع الله ومحارمه، كقوله تعالى: {وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} (الطلاق: 1). وحدود الله محارمه.
والحدود اصطلاحًا عقوبات مقدرة شرعًا في معاصٍ لتمنع من الوقوع في معاصٍ مثلها. والمعاصي المتفق على أنّ عقوبتها من الحدود، أي الواجب الحد بها، ست هي: الزنى، واللواط، والقذف، وشرب الخمر، والردة، والحرابة أي البغاة. وقد ورد التحذير من جميع هذه الحدود. فقد ورد التحذير من الزنى في القرآن المجيد، قال تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً} (الإسراء: 32).
وورد التحذير من اللواط في القرآن والحديث. أما القرآن فإن الله قد عنى في اللواط فاحشة فقال تعالى: {وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن الْعَالَمِينَ (80) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاء بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ} (الأعراف: 80 ـــــــ 81). وقد عاقب الله سبحانه قوم لوطٍ بالخسف. قال تعالى: {فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ} (هود: 82) وقص الله علينا ذلك لنتعظ به.
وأما الحديث فقد روى محمد بن إسحاق عن عمرو بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "ملعون من عمل عمل قوم لوط". وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم "من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به".
وورد التحذير من القذف في القرآن. قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (النور: 23).
وورد التحذير من الخمر في القرآن والحديث. قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ} (المائدة: 90 ـــــــ 91). وقد أكد القرآن في هذه الآية تحريم الخمر والميسر تأكيدًا بوجوه عدة: منها تصدير الجملة بإنما، ومنها أنه قرنهما بعبادةِ الأصنام، ومنها أنه جعلهما رجْسًا كما قال: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ}، ومنها أنه جعلهما من عمل الشيطان الذي لا يأتي منه إلا الشر البحت، ومنها أنه أمر باجتنابهما وهو طلب جازم، ومنها أنه ذكر ما ينتج من الوبال وهو وقوع التعادي والتباغض من أصحاب الخمر والميسر، ومنها ما يؤديان إليه من الصد عن ذكر الله وعن مراعاة أوقات الصلاة. وختم ذلك كله بالنهي نهيًا جازمًا بصيغة الاستفهام الإنكاري بقوله: {فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ} أي انتهوا. وهذا من أبلغ ما ينهى به، كأنه قيل: قد تلي عليكم ما فيهما من أنواع الصوارف والموانع فهل أنتم مع هذه الصوارف والموانع منتهون؟ وعن ابن عباس قال: "كان لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صديق من ثقيف ودوس فلقيه يوم الفتح "براوية من خمر" يهديها إليه فقال: يا فلان أمَا علمتَ أن الله حرّمها؟ فأقبل الرجل على غلامه فقال: اذهب فبِعْها، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إنّ الذي حرّم شربها حرّم بيعها، فأمر بها فأفرغت في البطحاء".
وورد التحذير من السرقة في القرآن الكريم. قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلَا يَسْرِقْنَ}. وبيعة الرسول على عدم السرقة، وقول الرسول عند الفتح عندما سرقت امرأة من خزاعة، يدلان صراحة على تحريم السرقة.
وورد التحذير من الردة في القرآن. قال الله تعالى: {وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَـئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (البقرة: 217). وفي حديث معاذ: "أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما أرسله إلى اليمن قال له: أيما رجل ارتد عن الإسلام فادعه، فإن عاد وإلا فاضرب عنقه، وأيما امرأة ارتدت عن الإسلام فادعها فإن عادت وإلا فاضرب عنقها".
وورد التحذير من قطع الطرق في القرآن والحديث. قال الله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ} (المائدة: 33).
وورد التحذير من البغي وإشهار السيف في وجه الخليفة. قال تعالى: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} (الحجرات: 9).
وورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: "من حمل علينا السلاح فليس منا".
تلك هي الأدلة التي تبين أنه قد ورد التحذير من جميع الحدود فكان ارتكاب أي منها معصية. وبما أنه قد حد الشارع لهذه المعاصي حدودًا أي عقوبات معينة، لذلك وجب التقيد بهذه الحدود.
ولا يجب الحد إلَّا على بالغ عاقل. ولا يبالغ بضربه بحيث يشق الجلد، لأن المقصود زجره لا إهلاكه. ولا يرفع الضارب يده بحيث يبدو إبطه. وعلى الجالد أن يفرق الضرب على بدنه، ويتقي وجوبًا الرأس، والوجه، والفرج، لأنه ربما أدى ضربه على واحد منها إلى قتله أو ذهاب منفعته.
والمرأة كالرجل فيما ذكر إلا إنها تُضرب جالسة. وقد قال علي عليه السلام "تضرب المرأة جالسة والرجل قائمًا".
وأشد الجلد جلد الزنى، ثم جلد القذف، ثم جلد الشرب، ثم جلد التعزير. لأن الله خصّ الزنى بمزيد تأكيد بقوله تعالى: {وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ} وما دونه أخذ منه في العدد فلا يجوز أن يزيد عليه في الصفة.
حد الزنى
بعضهم يقول إن حد الزانية والزاني مئة جلدة للمحصن وغير المحصن سواء، ولا فرق بينهما، لقول الله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ} (النور: 2). وقالوا لا يجوز ترك كتاب الله بطريق القطع واليقين لأخبار آحاد يجوز الكذب فيها، لأن هذا يفضي إلى نسخ الكتاب بالسنّة وهو غير جائز. ويقول عامة أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء الأمصار في جميع الأعصار: إن غير المحصن يجلد مئة جلدة، والمحصن يرجم حتى يموت.
والناظر في الأدلة يرى أن قوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ} هو حكم عام، فإن كلمة الزانية وكلمة الزاني من ألفاظ العموم، فهي تشمل المحصن وغير المحصن. وأما ما جاء في الحديث وهو قوله صلى الله عليه وآله وسلم "واغدُ يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها"، وما ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رجم ماعزًا بعدما سأل عن إحصانه، وأنه رجم الغامدية، وما روى جابر بن عبد الله من أن رجلًا زنى بامرأة فأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم به فجلدوه، ثم أخبروه أنه محصن فأمر به فرجم... وغير ذلك من الأحاديث الصحيحة فإنها أضافت إلى حدِّ الجلد لغير المحصن والرجم للمحصن، وجعلت حد الرجم هذا حكمًا عامًّا من غير أن تخالف أو تنسخ القرآن، لأن تخصيص القرآن بالسنّة جائز وواقع في آيات كثيرة جاءت عامة وجاء الحديث وخصصها.
والحكم الشرعي الذي تدل عليه الأدلة الشرعية، أي الكتاب والسنّة، هو أن عقوبة الزنى تكون في جلد غير المحصن مئة جلدة عملًا بكتاب الله، وتغريبه عامًا عملًا بسنّة رسول الله. إلا أن التغريب جائز وليس بواجب، وهو متروك للإمام، إن شاء جلده ونفاه سنة، وإن شاء جلده ولم ينفه. ولكن لا يجوز أن ينفيه ولا يجلده لأن عقوبته هي الجلد.
وأما عقوبة المحصن فهي رجمه حتى يموت عملًا بسنّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم التي جاءت مخصصة لكتاب الله. ويجوز في المحصن أن يجمع عليه الجلد والرجم، فيجلد أولًا ثم يرجم، ويجوز أن تفرد عليه عقوبة الرجم فلا يجلد، ولكن لا يجوز أن تفرد عليه عقوبة الجلد لأن عقوبته الواجبة هي الرجم عملًا بالسنّة النبوية.
أما دليل عقوبة غير المحصن ـــــــ كما رأينا ـــــــ فآية الجلد، وهي قوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ}. وأما دليل تغريبه فَسُنَّة رسول الله. وقد وردت أحاديث كثيرة بذلك. منها عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله "خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد مئة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مئة ورجم". وقد سار الصحابة على ذلك فجلدوا غير المحصن وغرَّبوه سنة.
إلا إنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه جلد ولم يغرّب. فعند أبي داود عن سهل بن سعد "أن رجلًا من بكر بن ليث أقر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه زنى بامرأة وكان بكرًا فجلده النبي صلى الله عليه وآله وسلم مئة، وسأله البيِّنة على المرأة إذ كذبته فلم يأت بشيء، فجلده النبي حد الفرية ثمانين جلدة". ففي هذا الحديث: جلد الرسول الزاني من غير تغريبه. وجاء حديث آخر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها" مما يدل على أن التغريب جائز وليس بواجب؛ فللإمام أن يجلد ويغرب، وله أن يجلد ولا يغرّب، لأن الرسول جلد ولم يغرّب.
وقد حصل التغريب مع الجلد من الصحابة الذين هم أعرف بمقاصد الشرع: فقد غرّب عمر من المدينة إلى الشام، وغرّب عثمان إلى مصر، وغرّب ابن عمر أمته إلى فدك. والتغريب المذكور في الأحاديث شرعًا هو إخراج الزاني عن موضع إقامته بحيث يُعد غريبًا أو بعيدًا منها، وهذا المعنى هو المعروف عند الصحابة للتغريب.
وأما دليل عقوبة المحصن في الأحاديث، فبالإضافة إلى ما ورد عن عبادة بن الصامت، قد ورد عن الشعبي: "أن عليًّا رضي الله عنه حين رجم المرأة ضربها يوم الخميس ورجمها يوم الجمعة، وقال: جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم". وعن جابر بن سمرة أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رجم ماعز بن مالك ولم يذكر جلدًا. وفي البخاري عن سليمان بن بريدة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رجم الغامدية ولم يذكر جلدًا. وفي مسلم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد أمر بامرأة من جهينة فشدت عليها ثيابها ثم أمر بها فرجمت ولم يذكر جلدًا.
مما ورد يتبيّن أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم جعل عقوبة المحصن الجلد والرجم، وأن عليًّا رضي الله عنه جلد المحصنة ورجمها. وبما أن الرسول رجم المحصن ولم يجلده، كان الرجم واجبًا، في حين أن الجلد للمحصن مع الرجم جائز ويترك لرأي الخليفة.
وإنما جعل حد المحصن الجلد مع الرجم جمعًا بين الأحاديث. ولا يقال إن حديث سمرة في أنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يجلد ماعزًا بل اقتصر على رجمه هو ناسخ لحديث عبادة بن الصامت الذي يقول: "الثيب بالثيب جلد مئة ورجم". لا يقال ذلك لأنه لم يثبت ما يدل على تأخر حديث ماعز عن حديث عبادة، ومع عدم ثبوت تأخره لا يكون ترك ذكر الجلد موجبًا لإبطاله وناسخًا لحكمه. فعدم ثبوت المتقدم من المتأخر من الحديثين ينفي النسخ. ولا يوجد مرجح لأحدهما على الآخر. ويكون الحديث الذي ذكر الزيادة قد أتى بزيادة فيه جائزة وليست بواجبة. والواجب هو ما ذكر في الأحاديث التي فيها زيادة، وفي الأحاديث التي ليس فيها زيادة، أي الرجم للمحصن. والجائز للإمام أن يفعله وأن لا يفعله هو ما ذُكرَ في بعض الأحاديث ولم يذكر في بعضها الآخر أي الجلد للمحصن مع الرجم.
والمحصن هو الذي وطئ في نكاح صحيح وهو حر بالغ عاقل. هذا هو تعريف المحصن في باب الزنى، وما عداه فغير محصن.
ويشترط في الجلد والرجم أن تنفى الشبهة عن وقوع الفعل: بأن يكون حرامًا محضًا، وأن يكون الفاعل مختارًا بأن لا يكون مكرهًا على الزنى الإكراه الملجئ، وأن يكون بالغًا عاقلًا: فلا حد على صبي ولا مجنون ولا سكران من غير إرادة منه، وأن يثبت الزنى عليه ببيِّنة الزنى الواردة في الأدلة الشرعية: لما روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "ادفعوا الحدود ما وجدتم لها مدفعًا". وعن السيدة عائشة أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم "ادرأوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإن كان له مخرج فخلوا سبيله، فإن الإمام إن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة". وعن علي عليه السلام مرفوعًا "ادرأوا الحدود بالشبهات". ولأن المكره إكراه ملجئ لا يعاقب على فعله لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه". ولأن الرسول لم يوقع العقوبة على الزاني إلا بعد أن ثبت الزنى عليه.
ومتى ثبت الزنى وجبت المبادرة بالحد، ولا يصح تعطيله، ولا الشفاعة فيه. عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فهو مضاد الله في أمره". غير أنه إذا كان من عليه الحد مريضًا فيؤخر حتى يبرأ من مرضه إذا كان يرجى برؤه، فإن كان المرض لا يرجى برؤه ضرب ضربًا خفيفًا يحتمله. عن أبي إمامة بن سهل عن سعيد بن سعد بن عبادة قال: "كان بين أبياتنا رويجل ضعيف مُخْدَج فلم يرع الحي إلا وهو على أمة من إمائهم يخبث بها. فذكر ذلك سعد بن عبادة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وكان ذلك الرجل مسلمًا، فقال: "اضربوه حده"، قالوا: يا رسول الله إنه أضعف مما تحسب، لو ضربناه مئة قتلناه. فقال: "خذوا له عثكالا فيه مئة شمراخ ، ثم اضربوه به ضربة واحدة قال: ففعلوا". فهذا الحديث يدل على أن الضعيف الذي لا يحتمل الحد، سواء كان ضعيفًا من مرضٍ لا يُرجى برؤه أو ضعيف البنية، يضرب ضربًا خفيفًا. وقد ورد في رواية أخرى للحديث: "ولو حملناه إليك لتفسخت عظامه ما هو إلا جلد على عظم" فالضعيف مطلقًا يحد حدًّا خفيفًا والمرض ضعف. ومفهوم الحديث أنه إن كان يقوى بعد الضعف ويبرأ بعد المرض ينتظر حتى يحد الحد كما ورد.
وكذلك ينتظر على الحامل حتى تضع حملها، وعلى المرضع حتى تفطم وليدها. عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: "جاءت الغامدية فقالت: يا رسول الله إني قد زنيتُ فطهّرني، وأنه ردها. فلما كان الغد قالت: يا رسول الله لم تردُدْني لعلك تَردُدْني كما ردَدتَ ماعزًا، فوالله إني لحبلى. قال: أما الآن فاذهبي حتى تلدي. فلما ولدت أتته بالصبي في خرقة، قالت: هذا قد ولدته. قال: اذهبي فارضعيه حتى تفطميه. لما فطمته أتته بالصبي في يده كسرة خبز، فقالت: هذا يا نبي الله قد فطمته وقد أكل الطعام. فدفع الصبي إلى رجلٍ من المسلمين، ثم أمر بها فحفر لها إلى صدرها، وأمر الناس فرجموها". فهذا الحديث صريح في الدلالة على أن الحامل ينتظر عليها حتى تلد، وعلى أن المرضع ينتظر عليها حتى تفطم وليدها.
حد اللواط
عقوبة اللواط غير عقوبة الزنى، لأن الزنا غير اللواط، بل كل منهما يختلف عن الآخر. كما أن اللواط ليس نوعًا من أنواع الزنى حتى يقال إنه يدخل تحت عموم الأدلة الواردة في الزنى، كون الزنى إيلاج رجل في فرج امرأة، في حين أن اللواط هو إيلاج رجل في دبر ذكر. والإيلاج في الفرج غير الإيلاج في الدبر، ومن هنا كان غير ذاك.
وأيضًا لا يقاس اللواط على الزنى لأن النص الوارد في الزنى لم يعلل حتى يصح القياس بجامع العلة. وفوق هذا فإن إتيان المرأة في دبرها لا يكون لواطًا ولا يسمونه لواطًا، لأن اللواط ليس الإتيان في الدبر بالمفهوم المطلق، وإنما هو إتيان الرجل الرجل. وعليه فالزنى غير اللواط ولا يقاس عليه.
وأما قوله صلى الله عليه وآله وسلم "إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان، وإذا أتت المرأة المرأة فهما زانيتان" فقد أسنده محمد بن عبد الرحمن، ولكن كذبه أبو حاتم، وقال البيهقي: "لا أعرفه والحديث منكر". ولو فرض صحته فإن المراد منه التشبيه أي "كالزانيين" بدليل أنه لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه رجم في اللواط أو أنه حكم فيه. ولكن ثبت عنه أنه قال: "اقتلوا الفاعل والمفعول به". وهذا يعني أن حكم اللواط غير حكم الزنى. لذلك كله فإن عقوبة اللواط غير عقوبة الزنى.
أما الحكم الشرعي في عقوبة اللواط فهو القتل سواء أكان محصنًا أم غير محصن، فكل من ثبت عليه اللواط سواء أكان فاعلًا أم مفعولًا به يقتل حدًّا. والدليل على ذلك السنّة وإجماع الصحابة.
أما السنّة فعن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم "من وجدتموه يعمل عمل لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به". رواه الخمسة إلا النسائي. وقال الحافظ: "رجاله موثوقون إلا إن فيه اختلافًا". وقال ابن الطلاع في أحكامه: "لم يثبت عن رسول الله أنه رجمَ في اللواطِ ولا أنه حكم فيه. وثبت عنه أنه قال: "اقتلوا الفاعل والمفعول به" رواه عنه ابن عباس. فهذا دليل من السنّة أن حكم اللواط هو القتل.
وأما ما روي عن سعيد بن جبير ومجاهد عن ابن عباس "أن البكر الذي يوجد على اللوطية يرجم" فإن المراد منه أن يقتل بالرجم، وليس معناه أن حده الرجم. ويُستدلّ على ذلك من أنَّ الأدلة الواردة في قتل الفاعل والمفعول به مطلقة ولم تفرق بين البكرِ والثيِّبِ. والرجم هو حد الثيب فقط. ونص الحديث أنه يفعل ذلك بالبكر، مما يدل على أنه غير حد الرجم. وعليه فإن حديث ابن عباس من طريق سعيد بن جبير ومجاهد لا يعارض حديث ابن عباس من طريق عكرمة، إذ إن كلًا منهما يدل على القتل. وحديث الرجم يدل على القتل بأسلوب معيّن وهو الرجم، في حين أن حديث القتل يدل على القتل مطلقًا.
فالحكم في اللواط إذًا هو القتل. ويجوز أن يقتل اللواطي بالرجم، ويجوز أن يقتل بالشنق، ويجوز أن يقتل بالرصاص، ويجوز أن يقتل بأيّ وسيلة من الوسائل.
وأما إجماع الصحابة فقد كان على قتل اللوطي، وإن اختلفوا في أسلوب هذا القتل. فقد أخرج البيهقي عن علي عليه السلام أنه رجم لوطيًّا حتى القتل. وأخرج البيهقي عن ابن عباس أنه سئل عن حد اللوطي فقال: ينظر أعلى بناء في القرية فيرمى به منكسًا ثم يتبع بالحجارة. وذهب عمر وعثمان إلى أنه يُلقى عليه حائط. فهذه كلها آراء تدل جميعها على القتل وإن اختلفت في أسلوب القتل. وأورد صاحب الشفاء إجماع الصحابة على القتل. وعليه يكون الإجماع، أي إجماع الصحابة، وقد انعقد على أن اللواطي حكمه القتل سواء أكان فاعلًا أم مفعولًا به، محصنًا كان أم غير محصن. وإجماع الصحابة وحده دليل شرعي فكيف إذا تأيد ذلك بالسنّة. وعليه فإن الحد المقدر شرعًا للواط ليس حد الزنى، وإنما هو القتل بغض النظر عن الوسيلة التي يقتل بها.
وبيّنة اللواط تكون كبيّنة أي حد من الحدود غير الزنى. لأنه ما دام لا يصدق على اللواط أنه زنى فلا يصدق عليه دليل بيّنة الزنى. ويدخل تحت أدلة باقي الحدود. وعليه يثبت اللواط بالإقرار، وبالبيّنة الشرعية وهي شهادة رجلين أو رجل وامرأتين، كبيّنة السرقة وغيرها من بيّنات الحدود. ويشترط في حد اللواط أن يكون اللوطي، فاعلًا كان أو مفعولًا به، بالغًا عاقلًا مختارًا. فلو كان صبيًا أو مجنونًا أو مكرهًا إكراه ملجئ لا حد عليه.


حكم إتيان المرأة
إتيان المرأة في دبرها حرام، فيحرم على الرجل أن يأتيَ المرأة في دبرها. وعدّه بعض الأئمة مكروهًا كرهًا شديدًا، وعدّه بعضهم الآخر من الزنى. وهو وإن كان لا يسمى لواطًا لكنه كاللواط. وقد يقال اللواطة بالمرأة فيفهم منه إتيان المرأة في دبرها، لكنَّ اللواطَ، إذا أُطْلِقَ معناه، هو إتيان الرجل الرجل وليس له معنى آخر. ولا يقال عن إتيان المرأة في دبرها إنه لواط. ولهذا فإن كُرْهَ أو حرمة إتيان المرأة في دبرها ليسا آتيين من حيث كون الفعل زنى أو لواطًا، بل هما آتيان من الأدلة الشرعية التي دلت على الفعل. قال الله تعالى: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ} (البقرة: 222) فهو نص بتقييد إتيان المرأة من حيث أمر الله إتيانها وهو الفرج. ومفهومه أن لا تأتوها من غير المكان الذي أمركم الله إتيانها منه. وهذا راجع إلى ما أمر الله به من النكاح في مثل قوله: {فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم} (النساء: 3) وقوله: {وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ} (النور: 32) وقوله: {فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ} (النساء: 25) وهو الزواج. فالأمر نص على أن يأتي الرجال النساء في المكان الذي أمر الله به وهو الفرج. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس "فأتوهن من حيث أمركم الله" أي في الفرج، ولا تعدوه إلى غيره فمن فعل شيئًا من ذلك فقد اعتدى. وقال مجاهد: "(من حيث أمركم الله) يعني الفرج". ولا يقال إن هذا راجع لقوله {فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ} (البقرة: 222) لأن الآية {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ} (البقرة: 222) لا يقال ذلك لأن المحيض زمن وليس بمكان. فلو كان هو المقصود لقال: ائتوهن في غير وقت المحيض ولكنه عبر بـــــــ "حيث" الدالة على المكان، فلا يمكن أن ينصرف المعنى للحيض لوجود "حيث" وهي لا تدل إلا على المكان. فمعناه إذًا ليس الحيض بل المكان، أي ائتوهن من حيث أمركم الله أي في المكان الذي أمركم وهو الفرج. ويؤيد هذا أنه عقب ذلك بالآية التي بعدها ببيان وضعية النساء بأنها للنسل وقال: ائتوا ما يأتي منه النسل، وذلك لا يكون إلا في الفرج. ولذلك قال: {فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222) نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} (البقرة: 222 ـــــــ 223) فإن هذه الآية {نساؤكم حرث لكم} بيان لما قبلها وهو قوله: {فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ} أي هي بيان للمكان الذي أمر الله به وهو الفرج. وقوله {حَرْثَكُمْ} كناية عن مكان الزرع، وقوله {أَنَّى شِئْتُمْ} أي كيف شئتم لأن "أنى" معناها "كيف" ولا تستعمل بمعنى "من أين" إلا في النادر القليل. على أنه لو فُرِضَ أنها تستعمل في المعنيين فإن قوله {حَرْثَكُمْ} قرينة على أن معناها هنا "كيف" وليس "من أين". وهذه القرينة جاءت في موضعين، فإنه قال: {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ } وهذا كاف بأن معنى كونهن حرثًا أن يؤتين في مكان الحرث، لكنه أعاد كلمة الحرث عند أمره بالإتيان فقال {فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} ولم يقل فأْتوهن أنى شئتم للتأكيد ولنفي كل احتمال. فكأن الله تعالى يقول: لا حرج عليكم في إتيان النساء بأي كيفية شئتم من موضع الحرث، فقوله {فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ} نص في الإتيان في الفرج.
على أن سبب نزول الآية، أو الموضوع الذي نزلت فيه كان السؤال عن كيفية الإتيان، فجاء الجواب في الآية الكريمة يشرح ذلك. عن سفيان بن سعيد الثورة أن محمد ابن المنكدر حدثهم أن جابر بن عبد الله أخبره "أن اليهود قالوا للمسلمين من أتى امرأة وهي مدبرة جاء الولد أحول، فأنزل الله: {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ}. قال ابن جريج في الحديث: فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "مقبلة ومدبرة إذا كان في الفرج". وعليه فإن قوله تعالى: {فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ} يدل على تحريم إتيان في غير ما أمر الله به. وقوله: {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ} الآية بيان لما أمر الله الإتيان منه وهو الفرج، علاوة على ما جاء في آيات النكاح والزواج. وهذا دليل على تحريم إتيان المرأة في دبرها.
على أن هناك أحاديث تنص صراحة على النهي عن إتيان المرأة في دبرها. عن خزيمة ابن ثابت: "أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى أن يأتي الرجل امرأته في دبرها". وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "الذي يأتي امرأته في دبرها هي اللوطية الصغرى". وعن علي بن طلق قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن تؤتى النساء في أدبارهن فإن الله لا يستحي من الحق".
هذه الأحاديث كلها دليل على تحريم إتيان النساء في أدبارهن. فيحرم على الرجل إتيان امرأته في دبرها. إلا إن الشرع لم يجعل له حدًّا مقدرًا من العقوبة، لذلك فلا يدخل هذا الأمر في باب الحدود، بل يدخل في باب التعزير. وعلى الإمام أو القاضي أن يُقَدِّرَ له عقوبةً موجعةً زاجرةً، لأنَّ العقُوبةَ ولو كانت تعزيرًا، لا بدَّ من أن تكون رادِعَةً. والأوْلَى ترك تقديرها للقاضي.

حد القذف
القذف هو الرمي بالزنى، وقذف المؤمنات الغافلات المحصنات هو المحرم، وإلا فمن قذف زانية وأتى بشهداء فليس كذلك. والقذف المحرم قد حرم بالكتاب والسنّة. قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} (النور: 4). وقال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (النور: 23).
وكلمة المحصنات هنا في الآيتين تعني العفائف جمع عفيفة. وكلمة المحصنات في القرآن الكريم جاءت بأربعة معان: أحدها العفائف، كما في الآيتين، والثاني بمعنى المتزوجات، كقوله تعالى: {مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ} (النساء: 25) والثالث بمعنى الحرائر مقابل الإماء، كقوله تعالى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ} (المائدة: 5). وقوله تعالى: {فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} (النساء: 25) والمعنى الرابع بمعنى المسلمات كقوله تعالى: {فَإِذَا أُحْصِنَّ} (النساء: 25) قال ابن مسعود إحصانها إسلامها. فكلمة المحصنات من الألفاظ المشتركة ككلمة عين تطلق على عدة معان، والمراد هنا معنى واحد وهو العفائف.
ومن قذفَ مسلمةً مُحْصِنَةً جُلِدَ الحد ثمانين جلدة. على أن يكون القاذف مكلفًا مختارًا، وأن تكون المحصنة قد جمعت شرائط الإحصان. وشرائط الإحصان التي توجب الحد بقذف صاحبته خمسة: العقل، والحرية، والإسلام، والعفة عن الزنى، وأن تكون كبيرة يجامع مثلها.
ويُعد لإقامة الحد بعد تمام القذف بشروطه الخمسة شرط واحد أساسي، وهو: ألّا يأتي القاذفُ ببيّنةٍ على قذفه، لقول الله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ} فيشترط في جلدهم عدم البيّنة، وكذلك يشترط عدم الإقرار من المقذوف لأنه في معنى البيّنة. فإن كان القاذف زوجًا عُدّ شرط آخر وهو امتناع المقذوف عن اللعان.

حد شارب الخمر
حرمت الخمرة بآية المائدة وهي قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ} (المائدة: 90 ـــــــ 91). فلما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "حرمت الخمر". وفي حديث أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "إن الله حرم الخمر فمن أدركته هذه الآية وعنده شيء فلا يشرب ولا يبع. قال: فاستقبل الناس بما كان عندهم منها طرق المدينة فسفكوها".
والمراد بالخمرة الواردة في الآية كل شراب مسكر. وليست الخمر خاصة بما يتخذ من العنب فحسب، بل تشمل كلّ ما يتخذ من غير العنب أيضًا من الأشربة المسكرة. عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: خطب عمر على منبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: "إنه قد نزل تحريم الخمر وهي تصنع من خمسة أشياء: العنب والتمر والحنطة والشعير والعسل، والخمر ما خامر العقل". وقد أراد عمر بذلك التنبيه على أن المراد بالخمر في هذه الآية أي آية المائدة ليس خاصًّا بالمتخذ من العنب، بل يتناول المتخذ من غيره. وهناك أحاديث كثيرة أن الشراب الذي يتخذ من أي شيء إذا أسكر فهو خمر. وعليه فالويسكي والشمبانيا والفودكا والبيرة وشراب الجن وما أشبه ذلك من أنواع المسكرات كلها خمر لأنها مسكرة. والرسول يقول: "كل مسكر خمر".
وعلى هذا فإن الخمر لها معنى شرعي غير معناها اللغوي، وهذا المعنى الشرعي هو الذي نطق به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم. وأما تحريم الخمر في القرآن الكريم فيستند إلى هذه الآية: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ} إلى قوله: {فهل أنتم منتهون}. ولم يعلل النهي عنها بل أمر باجتنابها، أي حرمها من غير تعليل لأنها خمر لا لعلة من العلل. ولا سيما قد ورد حديث يدل على أنها حرمت لأنها خمر: فقد روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "حرمت الخمرة لعينها والمسكر من كل شراب" أي حرمت لأنها خمر، وحرم المسكر من كل شراب لأنه مسكر.

مقدار عقوبة شارب الخمر
عقوبة شارب الخمر الجلد، فيجب الحد على من شرب الخمر، أو شرب أي شراب مسكر. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "من شرب الخمر فاجلدوه". وقد ثبت أن كل مسكر خمر فيتناول الحديث قليله وكثيره.
وقد انعقد إجماع الصحابة على أن للشراب حدًّا، وعلى جلد شارب الخمر، واتفقوا على ثبوت حد الشارب، فأجمعوا على أنه لا ينقص عن أربعين.
والناظر في الأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في موضوع جلد شارب الخمر يجد أنها تدل على أن شارب الخمر يجلد أربعين، وأنه يجوز أن تزيد على أربعين.
فأما الأحاديث الدالة على أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم جلد أربعين، فقد أخرج مسلم في حديث حصين بن المنذر في جلد الوليد أن عليَّ بن أبي طالب عليه السلام قال: "جلد النبي صلى الله عليه وآله وسلم أربعين، وأبو بكر أربعين، وعمر ثمانين". وأخرج الترمذي عن أبي سعيد "أن رسول الله صلى الله وعليه وآله وسلم ضرب في الخمر بنعلين أربعين". وعن أبي سعيد قال: "جلد على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الخمر بنعلين أربعين". وعن أبي سعيد قال: "جلد على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الخمر بنعلين، فلما كان زمن عمر جعل بدل كل نعل سوطًا". فهذه الأحاديث صريحة في الدلالة على أن شارب الخمر يجلد أربعين. ويكفي فيها حديث علي وهو قوله "جلد النبي صلى الله عليه وآله وسلم أربعين". ويؤيدها في ذلك الأحاديث الدالة على أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم جلد نحوًا من أربعين". فقد أخرج مسلم عن أنس قال: "إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أتي برجل قد شرب الخمر فجلد بجريدتين نحو أربعين". وعن الزهري: "أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يفرض في الخمر حدًّا، بل كان يأمر من حضره أن يضربوه بأيديهم ونعالهم حتى يقول: ارفعوا". وأخرج أبو داود بسند قوي عن ابن عباس: "أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يوقت في الخمر حدًّا" أي لم يقدر بقدر.
وحديث أنس يقول: "جلد في الخمر بالجريد والنعال" فهو مطلق. وحديث عقبة يقول: {فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من كان في البيت أن يضربوه" فهو مطلق. وهذان الحديثان واضح فيهما أنهما من قبيل المطلق، وإذا ورد نص مطلق من غير قيد بعدد أو صفة، وورد نص مقيد بعدد أو صفة فإنه يحمل المطلق على المقيد ويسري القيد على الجميع. وهنا ورد نص مطلق من غير أن يقيد بعدد، وورد نص مقيد بعدد معين، فإنه من غير شك يحمل المطلق على المقيد، فتحمل الأحاديث التي لم تذكر العدد على الأحاديث التي ذكرت العدد.
وأما أحاديث الزهري عن ابن عباس التي تدل على أنهم كانوا يضربونه من غير التقيد بعدد معين فهي ليست من قبيل المطلق بل من قبيل الإخبار بأنه لم يكن لحد الخمر مقدار معين. وهذه الأحاديث التي تنص على أن الرسول لم يحد حدًّا للخمر هي نفي وليست إثباتًا، فتحمل على أنه بحسب علمهم لم يعرفوا أنه قد حد حدًّا معينًا، بدليل أن غيرهم قد روى أن الرسول قد حدّ حدًّا معينًا مثل حديث أبي سعيد: "أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ضرب في الخمر بنعلين أربعين". ومثل ما رواه أبو داود من حديث عبد الرحمن بن أزهر "أنه صلى الله عليه وآله وسلم أمر بجلد الشارب أربعين" فيكون من نفى تحديد الحد نفى بحسب علمه، ولا يعارض الحديث الصحيح الذي أثبت العدد.
وعليه فإن الأحاديث التي وردت بحسب علم أصحابها تكون أحاديث نفي، وأحاديث الأربعين إثبات. والقاعدة الأصولية إذا تعارض النفي والثبات قدم الإثبات على النفي. فتقدم إذًا الأحاديث التي تثبت حدًّا معينًا على الأحاديث التي تنفي وجود حد معين.
وعن أمير المؤمنين علي عليه السلام في شرب الخمر قال: "إنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، وعلى المفتري ثمانون جلدة". فهذه الأحاديث صريحة في أن الصحابة كانوا يجلدون شارب الخمر أربعين، ويجلدونه ثمانين، وأن عملهم استقر على هذين الحدين. أما الأربعون فثابتة بنص الحديث. فهم إذًا قد جلدوا أربعين عملًا بنص الحديث لا باجتهادهم بدليل قول علي عليه السلام: "جلد النبي صلى الله عليه وآله وسلم أربعين". وأما الثمانون فقد اعتمدوها باجتهادهم، لما فهموه من جواز الزيادة على الأربعين، ولأنهم رأوا أن أخف الحدود ثمانون، أو لأن الشارب إذا سكر هذى وإذا هذى افترى فجعلوا عليه حد المفتري أي حد القذف وهو ثمانون.
هذان الحدان هما حد شارب الخمر، ولا يجوز غير هذين الحدين مطلقًا، لأنه لم يرد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا عن الصحابة رضوان الله عليهم أنه جرى جلد في غير الأربعين والثمانين، فلا يجوز أن يكون خمسين ولا تسعين ولا غير ذلك لأنه حد وليس تعزيرًا، ولأنه ثبت أحد هذين المقدارين عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والآخر عن الصحابة. ويجب أن يقتصر الأمر على إخذ هذين المقدارين ليس غير. ويجوز للخليفة أن يوجب أحدهما، أي يجوز له أن يأمر بأحدهما إلزامًا ويجعله واجبًا. وهو إن أوجب الثمانين فقد دخلت فيها الأربعون الثابتة بالسنة والزيادة جائزة بالتقدير الذي اتفق عليه الصحابة حتى تصير ثمانين. إذًا فالواجب هو الثابت في السنة، والجائز هو ما زاد عليه وهو يعود للإمام.
حد السرقة
حد السرقة هو قطع اليد، لقوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا} (المائدة: 38). ولما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "إنما هلك من كان قبلكم بأنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه". ولما روي عن السيدة عائشة "أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قطع يد امرأة" قالت عائشة: "وكانت تأتي بعد ذلك فأرفع حاجتها إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فتابت وحسنت توبتها".
والسرقة أخذ مال على وجه الاختفاء من مالكه أو نائبه على شرط أن يكون نصابًا يقطع عليه وأن يخرجه من حرز مثله وألّا تكون في هذا المال شبهة، سواء أكان أخذ المال ليلًا أم نهارًا، وسواء أكان مكانًا عامًّا أم خاصًّا، وسواء أكان آخذ المال مقنعًا متخفيًا أم كان ظاهرًا، وسواء أكان يحمل سلاحًا أم لا يحمل. فكل أخذ للمال على وجه الاختفاء يُعدّ سرقة.
ولا يقطع على السرقة إلا إذا استكملت شروطها الشرعية التي جاءت بها النصوص الصحيحة. ولهذا لا يجوز القطع إلا بسبعة شروط: أحدها أن ينطبق على الأخذ تعريف السرقة. ومعنى السرقة هو أخذ المال على وجه الاختفاء والاستتار. فإن اختطف أو اختلس أو انتهب أو خان، لم يكن سارقًا ولا قطع عليه، لما روى أبو داود عن جابر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "وليس على خائن ولا منتهب ولا مختلس قطع". ولا قطع على جاحد الوديعة لأن واقعه جاحد وليس بسارق، فهو خائن وليس بسارق، والخائن لا قطع عليه لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "ليس على الخائن ولا المختلس قطع". والاختلاس نوع من الخطف والنهب فهو يستخفي في ابتداء اختلاسه. ويستثنى من الخائن جاحد العارية فإنه يقطع للنص الوارد فيه. وأما النشال فإنه يقطع لأنه ينطبق عليه تعريف السرقة فهو يأخذ المال على وجه الاختفاء.
الشرط الثاني: أن يكون المسروق نصابًا. وقال بعضهم يثبت القطع في القليل والكثير واستدلوا بعموم الآية. فإن لفظ السارق والسارقة اسم جنس مُعَرَّفٌ بالألف واللام فهو من ألفاظ العموم فيشمل كل سارق. ولكن ما تدل عليه النصوص اشتراط النصاب، فقد روى البخاري عن السيدة عائشة قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدًا" وفي رواية أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدًا" وفي رواية قال: "اقطعوا في ربع دينار، ولا تقطعوا في ما هو أدنى من ذلك". فهذه الروايات صريحة الدلالة في النص على النصاب فتُعدّ مخصصة لعموم الآية كتخصيص عموم الزنى بالرجم.
والنصاب في تقدير الذهب ربع دينار شرعي، وهو يساوي (5/14) من الدرهم ذهبًا أو (1,11) غرامًا ذهبًا. لأن الدينار مثقال، والمثقال (3/17 من الدرهم) ووزن المثقال بالجرام (4,44 من الغرام). وفي تقدير الفضة ثلاثة دراهم فضة، وهو يساوي (18 دانقًا و48 حبة خرنوب) فضة أو (9,36) من الغرام فضة. لأن الدرهم هو (6 دوانق و16 حبة خرنوب) أو (3,12) غرام. فيكون نصاب السرقة الذي يجب فيه القطع هو بالذهب (1,11) جرام وهو بالفضة (9,36) غرام.
الشرط الثالث: أن يكون المسروقُ مالًا محترمًا أذِنَ الشارعُ بتملكه، فإن سرق ما لا يُعدّ مالًا فلا يقطع. فلو سرق حرًّا بمعنى شيء غير مملوك أو شيء سائب لا يقطع لأنه لا يُعدّ مالًا، وإن سرق مالًا غير محترم، أي لم يأذن الشارع بتملكه فإنه لا يقطع. فلا قطع في سرقة الخمر والخنزير من المسلم لأنها ليست مالًا محترمًا، أما سرقتها من غير المسلم ففيها القطع لأن الشارعَ أذِنَ لهم بتملكِ الخمر والخنزير فهي بالنسبة إليهم مال محترم، وكذلك يقطع في سرعة آنية الخمر إذا بلغت نصابًا، ويقطع في سرقة المصحف وكتب العلم إذا بلغ ثمنها نصابًا.
الشرط الرابع: أن يسرق من حرز ويخرجه منه. فإن وجد بابًا مفتوحًا أو حرزًا مهتوكًا فلا قطع عليه، لما رواه أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: سمعت رجلًا من مزينة يسأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الحريسة التي توجد في مراتعها قال: فيها ثمنها مرتين وضرب نكال ، وما أخذ من عطنه ففيه القطع إذا بلغ ما يؤخذ من ذلك ثمن المجن" . والحريسة هي التي ترعى وعليها حرس. وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلًا من مزينة سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الثمار فقال: "ما أخذ في غير أكمامه فاحتمل ففيه قيمته ومثله معه، وما كان في الخزائن ففيه القطع إذا بلغ ثمن المجن". وروى النسائي وأبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الثمر المعلق فقال: من أصاب منه بقية من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه، ومن خرج بشيء فعليه غرامة مثليه والعقوبة، ومن سرق منه شيئًا بعد أن يأويه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع" فدلَّ على ذلك على أن الحرزَ شرطٌ في القطع. فالماشية إذا أخذت من المرعى فلا قطع بأخذها لأنها لم تؤخذ من حرز مثلها، فإذا أُخِذَتْ من زريبتها أو ما شاكل ذلك مما هو حرز مثلها ففيها القطع. والثمر إذا أخذ عن الشجر فلا قطع بأخذه فإذا أخذ من المكان الذي يحفظ فيه وهو الجرين ففيه القطع. وهكذا كل شيء لا قطع فيه إذا أخذ من غير حرز مثله، وفيه القطع إذا أخذ من حرز وبلغ ثمنه ربع دينار ذهبًا أو ثلاثة دراهم فضة.
ويرجع في الحرز إلى اصطلاح الناس لا إلى نصوص اللغة ولا إلى نصوص الشرع، وذلك لأنه وصف واقع، واصطلاح على تسمية هذا الواقع، فلا يرجع فيه إلى الدليل بل إلى ما اصطلح الناس عليه. أي إن الحرز هو ما اصطلح الناس عليه لحفظ المال فيه، ويختلف باختلاف الأموال والبلدان، فحرز النقود غير حرز المواشي، وغير حرز الثياب وهكذا... ويشترط أن يخرجه من الحرز حتى يحصل القطع فإنْ لم يخرجه منه فلا قطع. ويستثنى من اشتراط الحرز العارية (وهي الشيء المستعار) فإن جاحدَ العاريةِ يقطع لأنَّ المخزوميةَ التي أراد أن يشفعَ لها أسامة والتي قال لأجلها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: "والله لو كانت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها"، قد حدها الرسول لأنها كانت تستعير ثم تنكر ما استعارته، وقطع الرسول يدها لجحدها العارية، فتكون العارية مستثناة بنص الحديث من اشتراط الحرز عن السيدة عائشة قالت "كانت امرأة مخزومية تستعير المتاع وتجحده فأمر صلى الله عليه وآله وسلم بقطع يدها. فأتى أهلها أسامة بن زيد فكلموه، فكلم النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيها، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: يا أسامة لا أراك تشفع في حد من حدود الله عز وجل. ثم قام النبي صلى الله عليه وآله وسلم خطيبًا فقال: إنما أهلك من كان قبلكم بأنه إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه، والذي نفسي بيده لو كانت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها، فقطع يد المخزومية".
الشرط الخامس: أنْ تنتفي الشبهة عن المال المسروق من حيث إنّ له حقًّا فيه، أو لأنه يجوز له أنْ يأخذ منه. وعليه فلا قطع بالسرقة من مال أبيه، ولا من مال ابنه، ولا من مال له فيه شراكة، لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "أنت ومالك لأبيك"، وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم "إنَّ أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه".
وكذلك لا قطع فيما أخذه من بيت المال لما روى ابن ماجه بإسناده عن ابن عباس أن عبدًا من رقيق الخمس سرق من الخمس، فرفع ذلك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فلم يقطعه وقال: "مال الله سرق بعضه بعضًا". وسأل ابن مسعود عمر رضي الله عنه عمن سرق من بيت المال فقال: "أرسله فما من أحد إلا وله في هذا المال حق". وعن الشعبي عن علي رضي الله عنه أنه كان يقول: "ليس على من سرق من بيت المال قطع".
ومثل بيت المال ما هو داخل في الملكية العامة فإن فيه شبهة أن يكون له حق فيه سواء أكان نفس المال ملكية عامة كالنفط، أو صار ملكية عامة كالكهرباء والماء فإنه إن سرق منها لا يقطع ولكن يعزر، لوجود الشبهة ولأنه كالمال الذي لبيت المال.
وكذلك لا يقطع أحد الزوجين إذا سرق من مال الآخر لأنَّ أحدَ الزوجين يتصرف في مال الآخر بغيابه فتكون هذه شبهة فلا قطع.
والحاصل أن كل مال فيه شبهة الأخذ لا يجري فيه القطع إذا سرق، لأن الحدودَ تُدْرَأْ بالشبهات.
الشرط السادس: كون السارق بالغًا عاقلًا ملتزمًا بأحكام المسلمين، فإن كان صبيًّا أو مجنونًا فلا قطع لقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم "رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يبلغ، وعن المبتلي حتى يعقل". ورفع القلم عنهم يعني أنهم غير مكلفين شرعًا.
الشرط السابع: أن تثبت السرقة بالإقرار أو البيّنة العادلة. أما الإقرار فلا بد من أن يكون مقرونًا بالوصف، أي أن يصف السارق الشيءَ الذي سرقه لاحتمال أن يكون سرق مالًا لا قطع فيه وهو يظن القطع. روى أحمد عن أبي أمية المخزومي: "إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أُتيَ بلص فاعترف اعترافًا ولم يوجد معه المتاع، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما إخالك سرقت؟ قال: بلى، مرتين أو ثلاثًا. قال: فقال رسول الله صلى الله وعليه وآله وسلم: اقطعوه". فالرسول صلى الله عليه وآله وسلم أراد أن يثبت أن المالَ المسروق هو من السرقة التي تقطع فقال له: ما إخالك سرقت؟ فلما أجابه غير مرة قال: اقطعوه. ويندب للقاضي الذي يقر أمامه السارق تلقين المسقط للحد، والمبالغة في الاستثبات، والإقرار يكفي فيه مرة واحدة ككل إقرار. أما ما ورد من تكرار الإقرار فالمراد منه التثبت، وليس شرطًا في الإقرار.
وأما البيّنة فيشترط أن تكون رجلين عدلين أو رجلًا وامرأتين أي من نوع بيّنة العقوبات، وأن يصفا السرقة وصفًا يميزها إن كانت غائبة أو يشيرا إليها إنْ كانت حاضرة، وأن لا يختلفا في الشهادة اختلافًا يجعلهما متناقضين، فإن اختلفا كأن شهد أحدهما أنه سرق يوم الخميس والآخر يوم الجمعة، أو شهد أحدهما أنه سرق دراجة عادية والآخر شهد بأنه سرق دراجة نارية فإنه لا قطع لعدم اكتمال نصاب الشهادة.
هذه هي شروط القطعِ في السرقةِ، فإذا استوفت السرقة هذه الشروط قُطِعَ السَّارِقُ. ولا يكتفى بقطع يده بل يجب أن يرد المال المسروق لصاحبه. فقد أخرج أبو داود عن الحسن ابن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من وجد عين ماله عند رجل فهو أحق به ويتبع البيع من باعه". وهذا عام يشمل السارق والمغتصب والمختلس والخائن. وأخرج أحمد عن الحسن عن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إذا سُرق من الرجل متاع أو ضاع منه فوجده بيد رجل بعينه فهو أحق به، ويرجع المشتري على البائع بالثمن". وهذا نص في أن المال المسروق يرد لصاحبه. فإذا كانت العين قد تلفت أو استهلكت ضمنها وعليه أن يدفع ثمنها لصاحبها، وإن كانت العين قد نقصت بغير استعمال كتعثث الثوب وكتلف آلات السيارة أو ما شاكل ذلك فيجب أخذ الأرش . ومثل ذلك لو كان النقص بالاستعمال. وإذا كانت العين ذات منفعة كسيارة أو فرس فإن له أن يطالب السارق بمنفعتها مدة بقائها في يده، سواء انتفع بها بالفعل أم لم ينتفع بها.
ما لا قطع فيه
هنالك أموال وحالات لا قطع فيها لورود الأحاديث الدالة على عدم القطع، ولأنها لا تدخل فيما يجب القطع بأخذه. فقد ورد عن رافع بن خديج رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لا قطع في تمر ولا كثر" فالتمر اسم الرطب المعلق على الأشجار، وأما الكثر فهو النخل الصغار يسرق ليغرس في أرض أخرى، والكثر أيضًا جمار النخل وطلعها، والجمار شحم النخلة. وعن الحسن رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لا قطع في الطعام المهيأ للأكل". ولا فرق في ذلك بين الطعام الذي يهيئه أهل البيت لأكلهم وبين الطعام الذي يهيئه صاحب المطعم للبيع، فإن نص الحديث منطبق على كل طعام مهيأ لأن يأكله الناس. وأما الطعام الذي لا يزال حبًّا أو سنبلًا كالقمح ونحوه فإنها غير مهيأة للأكل، فإن كانت في غير حرزها كالحنطة في الحقل سواء أكانت محصودة أم غير محصودة فلا قطع فيها، أما إن كانت في حرز مثلها ففيها القطع، لما روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سئل عن حريسة الجبل فقال: "هي ومثلها إذا جمعها المراح ففيها غرم مثله وجلدات نكال" وفي حديث عمرو بن شعيب: "قال: يا رسول الله فالثمار وما أخذ منها في أكمامها؟ قال: من أخذ بفيه ولم يتخذ خبنة فليس عليه شيء، ومن احتمل فعليه ثمنه مرتين وضرب نكال، وما أخذ من أجرانه ففيه القطع إذا بلغ ما يؤخذ من ذلك ثمن المجن". فهذا كله يدل على أن البساتين والحقول ومراعي الماشية وما شاكل ذلك لا قطع فيها.
ولا قطع في عام السنة وهي زمان القحط، لما روي عن مكحول رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "لا قطعَ في مجاعةِ مضطر". وذكر الحسن عن رجل قال: رأيت رجلين مكتوفين ولحمًا فذهبت معهم إلى عمر رضي الله عنه، فقال صاحب اللحم: كانت لنا ناقة عشراء ننتظرها كما ننتظر الربيع فوجدت هذين قد اجتزراها. فقال عمر رضي الله عنه: هل يرضيك من ناقتك ناقتان عشراوان مربعتان؟ فإنا لا نقطع في العذق ولا في عام السنة" أي عام المجاعة، وكان ذلك في عام المجاعة. ومعناه لا قطع في عام السنة.
ومثل ذلك سرقة الجائع الذي لا يجد ما يأكله، فإنه إذا سرق ليشبع جوعته لا قطع عليه لأنه ينطبق عليه قول الرسول: "لا قطع في جماعة مضطر".
وعلى هذا فإن صغار النخل التي تؤخذ لتغرس في أرض أخرى ومثلها جميع الفسائل من الزيتون والليمون والتفاح وغيره لا قطع فيها. وكذلك لا قطع في الطعام المهيأ للأكل من غير أي قيد سواء أخذ من حرزه أم من غير حرزه، لإطلاق حديث: "لا قطع في الطعام المهيأ للأكل".
حد قطاع الطرق
قتال المسلمين في ما بينهم على وجهين: قتال البغاة، وقتال قطاع الطرق... أما البغاة فهم الذين خرجوا على تأويل في الدين كالذين يخرجون على الدولة الإسلامية، أو من جرى على مجراهم من سائر أهل الأهواء المخالفة للحق، ومن يخرجون يريدون الدنيا من غير أن يخيفوا الطريق أو يأخذوا مالًا أو يسفكوا دمًا، فهم من البغاة، وينطبق بالتالي عليهم حكمهم. وأما إن تعدوا ذلك إلى إخالة الطريق، أو إلى أحد مال من لقوا، أو سفك الدماء، انتقل حكمهم من حكم البغاة إلى حكم قطاع الطرق.
والأصل في حكم قطاع الطرق قوله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ} (المائدة: 33) فهذه الآية نزلت في قطاع الطريق، سواء أكانوا مسلمين أو غير مسلمين لأنها عامة ولا يوجد ما يخصصها بالمسلمين. وأما قوله في ما بعد {إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ} (المائدة: 34). فإنها لا تدل على أنها خاصة بالمسلمين، لأن التوبة هنا هي التوبة عن قطع الطريق وهي تكون في المسلمين وغير المسلمين لأنها عامة.
ويؤيد ذلك ما ورد من أن سبب نزول هذه الآية قص العرنيين، وكانوا ارتدوا عن الإسلام وقتلوا الرعاة واستاقوا إبل الصدقة، فبعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم من جاء بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وألقاهم في الحرة حتى ماتوا. قال أنس: فأنزل الله تعالى في ذلك: {إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ} الآية. وقد أخرج أبو داود والنسائي من حديث ابن عباس: "أن أناسًا أغاروا على إبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وارتدوا عن الإسلام وقتلوا راعي رسول الله، فبعث في آثارهم فأخذوا فقطع أيديهم وأرجلهم. قال: فنزلت فيهم آية المحاربة". فهذا كله يدل على أنَّ الآيةَ عامةٌ في قطّاع الطريق سواء أكانوا مسلمين أم كفارًا. وما ذكر في هذه الآية هو حد قطّاع الطرق.
أما كيفية إيقاع الحد بما ورد في الآية فقد روي عن ابن عباس قال: "وادع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبا برزة الأسلمي، فجاء ناس يريدون الإسلام فقطع عليهم أصحاب أبو برزة، فنزل جبريل بالحد فيهم: أن من قتل وأخذ المال قتل وصلب، ومن قتل ولم يأخذ المال قتل، ومن أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف".
وروى ذلك الشافعي في مسنده عن ابن عباس وزاد عليه: "وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا مالًا نفوا من الأرض".
وعلى هذا فإن عقوبتهم تختلف باختلاف الأعمال التي قاموا بها: فإن قتلوا فهم يستحقون عليه القتل، وإن قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا. والصلب يكون بعد القتل لا قبله، لأن الآية قد ذكرت الصلب بعد ذكر القتل فالأولى اتباع ترتيب الآية بالذكر، ولأن الصلب قبل القتل تعذيب والمقصود عقوبته لا تعذيبه، ولأن المقصود من الصلب ردع غيره وهذا إنما يحصل بصلبه بعد قتله، أي يقتل ثم يصلب على مشهد من الناس حتى يشاهدوه مصلوبًا وهو ميت. أما المدة التي يصلب فيها فيترك تقديرها لرأي الإمام، لكنه في أي حال لا يترك مدة تفضي إلى تغيره ونتنه.
وإن أخذوا المال فقط فهم يستحقون عليه قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى. وتقطع اليد من الكوع، وتقطع الرجل من مفصل الكعب.
وإن إخافتهم السبيل يستحقون عليها النفي من الأرض. وليس المراد بالنفي الحبس، فإن الحبس ليس نفيًا. وليس المراد بالنفي الحبس، فإن الحبس ليس نفيًا، بل النفي هو الإخراج من بلدهم إلى بلد بعيد.
هذه هي عقوبة قطاع الطرق، فالعقوبة تكون بحسب الذنب المرتكب. غير أن الذنب محصور في هذه الأنواع الثلاثة: القتل، وأخذ المال، وإخافة السبيل. فإذا فعلوا غيرها كأن جرحوا فقط أو كسروا الأيدي أو الأرجل أو الأضلاع أو الأنف أي فعلوا ما دون القتل فإنه لا حد عليهم، لأن الحد عقوبة مقدرة فتكون بحسب النص، والنص إنما قدر العقوبة على هذه الثلاثة فلا حد في غيرها.
إلا إنه ليس معنى القول: لا حد في غيرها أن لا عقوبة عليهم، بل معناه أن لا عقوبة حد من الحدود، ولذلك تكون من قبيل الجنايات فتطبق في حقهم أحكام الجنايات أي أحكام التعدي على البدن في ما دون النفس.
غير أن هذا الحد لقطّاع الطرق لا يكون إلَّا إذا توافرت فيهم شروط قطّاع الطرق، فإذا لم تتوافر فلا حد عليهم. وشروط قطّاع الطرق ثلاثة هي:
أولًا: أن يكون ذلك خارج المدن، أي في القرى والجبال والسهول والصحراء ونحوها، ومثلها القطار والطائرة والسيارات خارج المدن، لأن قطع الطريق إنما هو حيث يبعد حضور النجدة أو حيث لا نجدة ولا غوث يأتي قريبًا. أما في المدن فإن الغوث يأتي قريبًا، ولهذا لا يكون من يفعل ذلك في المدن من قطّاع الطرق بل يكون مختلسًا والمختلس ليس بقاطع طريق لا حد عليه. لكنهم إذا استولوا على مدينة وقتلوا أو أخذوا المال أو أخافوا السبيل حال استيلائهم عليها فإنهم يعدّون قطّاع طرق ويقام عليهم حد قطّاع الطرق.
ثانيًا: أن يكونَ معهم سلاحٌ يقتلُ كالسيوفِ والبنادقِ والمدافعِ الرشاشة والخناجر والسكاكين ونحوها مما يقتل. فإنْ لم يكن معهم سلاح مطلقًا، أو كان معهم سلاح ولكن لا يقتل كالعصي والسياط ونحوها فإنهم لا يعدّون قطّاع طرق ولا يقام عليهم الحد.
ثالثًا: أن يأتوا مجاهرةً ويأخذوا المالَ قهرًا ويثبتوا في أماكنهم. وأما إنْ أخذوه مختفين فهم سراق، وإن اختطفوه وهربوا فهم منتهبون، وإن سطا واحد أو اثنان على آخر القافلة فاستلبا منها شيئًا فإنهما لا يرجعان إلى منعة وقوة، وقطّاع الطرق يرجعون إلى منعة وقوة. فإذا استوفوا هذه الشروط الثلاثة كانوا قطّاع طرق وأقيم عليهم الحد. وإن اختل شرط منها فلا يكونون قطّاع طرق ولا حد عليهم.
وإذا تاب قطّاعُ الطرقِ هؤلاء قبل أن تقدر الدولةُ عليهم سقطت عنهم حدود الله تعالى وأُخِذُوا بحقوق الآدميين من الأنفس والجراح والأموال، إلا أن يعفى فتسقط حينئذٍ عنهم لقوله تعالى: {إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. أما إن تابوا بعد القدرة عليهم فلا يسقط عنهم شيء من الحدود عملًا بمفهوم قوله تعالى: {مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ}.
حد أهل البغي
أهل البغي هم الذين خرجوا على الدولة الإسلامية ولهم شوكة ومنعة، أي هم الذين شقوا عصا الطاعة على الدولة وشهروا في وجهها السلاح وأعلنوا حربًا عليها. ولا فرق في ذلك بين أن يخرجوا على خليفة عادل أو خليفة ظالم. وسواء خرجوا على تأويل في الدين أو أرادوا لأنفسهم دنيا فإنهم كلهم بغاة ما دام شهروا السيف في وجه سلطان الإسلام... وعلى الخليفة أو من ينيبه عنه في الولاية أن يراسل هؤلاء فيسألهم ما ينقمون من السلطان، فإن ذكروا مظلمة أزالها، وإن ادعوا شبهة كشفها، وإن التبس عليهم الأمر فاعتقدوا أن ما فعله مخالف للحقّ وهو ليس كذلك، عليه أن يبين لهم دليله ويظهر لهم وجه الحق. لأن الإسلام أمر المسلمين أن يشهروا السيف في وجه الحاكم إذا رأوا كفرًا بواحًا عندهم فيه من الله برهان، أو لم يطبق أحكام الإسلام، فقد يجوز إن خرجوا لشيء من ذلك إجابة لطلب الشرع، فيجب عليه عندئذٍ أن يبين لهم وجه ما يشتبهون فيه، فإن رجعوا عن البغي تركهم، ولا يجوز بقاؤهم على خروجهم، وإن لم يرجعوا قاتلهم وجوبًا، ولكن لا قتال حرب، بل قتال تأديب. ولذلك يحرم قتالهم بما يعم إتلافهم إلا لضرورة. فلا يصح أن يضربوا بالطائرات ولا بالقنابل المحرقة ولا بالمدافع الثقيلة، إلا إذا كانت هناك ضرورة قصوى تقتضيها الأساليب التأديبية لا الأساليب الحربية. ويحرم قتل ذريتهم أو قتل الهارب منهم. ومن ترك القتال منهم تُرك. وإذا قتلوا أحدًا لا يقتلون به، وإذا أسر منهم أحد حبس وعومل معاملة المذنب لا معاملة الأسير لأنه ليس بأسير. وأموالهم لهم لا يحل أخذ شيء منها، لأنهم رعية اقتضى تأديبهم اتباع أسلوب القتال معهم، ولذلك لا يُعدّ قتالهم حربًا ولا جهادًا.
والأصل في حد البغاة قول الله سبحانه وتعالى: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} (الحجرات: 9). فهذه الآية قد عدّت هؤلاء البغاة مؤمنين فلم يخرجوا بالبغي عن الإيمان. وهي صريحة بوجوب قتالهم، وفي إسقاط قتالهم إذا فاؤوا إلى أمر الله، وفي أنهم قد أسقطت عنهم التبعة فيما أتلفوه في قتالهم سواء أكان مالًا أم نفسًا. وهي تدل في قوله: {فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} على وجوب مراسلتهم قبل قتالهم.
فهذه الآية تثبت الحد على البغاة، وتبينه ما هو، وهو قتالهم حتى يرجعوا، ولكن بعد مراسلتهم ومحاولة إزالة ما دفعهم إلى الخروج من مظلمة أو شبهة أو خطأ فهم أو ما شاكل ذلك.
وإذا تمركز أهلُ البغي في جزءٍ من البلاد الإسلامية، ونصَّبوا قضاةً لهم يقضون بين الناس، وأقاموا حكامًا يحكمون الناس، مطبقين أحكام الإسلام، فإن حكم قضاتهم نافذ كحكم أهل العدل، وتصرفات حكامهم كتصرفات أهل العدل، ما دامت سائرة بحسب أحكام الشرع. فإذا قدر الخليفة عليهم أو رجعوا إلى حظيرة الدولة كانت جميع أحكامهم نافذة، لأنها أحكام إسلامية من حكام نصبوا بناء على شبهة الخروج. وما دام القرآن عدّهم مؤمنين، وما داموا لا يصح أن يتعرض لهم إلا بما لا بد منه لتأديبهم فقط، فتصرفاتهم كلها تُعدّ كتصرفات أي مسلم ممن هم في طاعة الخليفة وتحت سلطان الدولة، وقتالهم إنما هو حد من حدود الله كحد السرقة، ولا يقلّل ذلك من شأنهم وشأن أحكامهم ما داموا مسلمين ويطبّقون الإسلام.


استعانة البغاة بالكفار
يحرم على أهل البغي ـــــــ كما يحرم على سائر المسلمين ـــــــ الاستعانة بالكفار على قتال المسلمين، سواء أكانوا أفرادًا أم دولة. لأنه إذا كان يحرم قتال المسلم للمسلم فإن حرمة استعانة المسلم بالكافر لقتال المسلم أشد. وإذا كان الله عدّ قتال المسلم للمسلم كالكفر في عظم الذنب فقال صلى الله عليه وآله وسلم: "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر" فإن الاستعانة بالكافر على المسلم أشد. إلا إنه مع حرمة ذلك لا يخرج أهل البغي عن كونهم مؤمنين، ولا يغير حكم الله في حقهم، فيبقون بغاة، ويعاملون معاملة البغاة ولو استعانوا بالكفار.
أما الكفار الذين استعانوا بهم فإن حكمهم يختلف باختلاف أحوالهم. فإن استعان أهل البغي بالكفار لمساعدتهم في الحرب، وأمنوهم، أو عقدوا لهم ذمة، فإنهم يظلون كفارًا محاربين في نظر الإسلام، ولا يؤخذ في الاعتبار تأمين البغاة لهم، ولا عقدهم للذمة، لأنها خاصة بالخليفة المبايع بيعة شرعية وهم لا يملكون ذلك. ولهذا يقاتل المسلمون البغاةَ قتالَ تأديبٍ.
أمَّا الكفارُ المحاربون الذين معهم فإنهم يُقاتَلون قتال حرب، ويجاهَدون جهادًا شرعيًّا، ويحارَبون حربًا لا هوادة فيها. وتطبّق في حقهم حالة الحرب، فيؤخذ أسيرهم أسيرًا، ويعامل معاملة الأسرى، وتؤخذ أموالهم غنائم، ويطبَّق في حقهم جميع أحكام الجهاد، وكل ما ينطبق على أهل الحرب.
وكذلك الحال إذا كان هؤلاء الكفار مستأمنين، لأنهم إذا أعانوا البغاة فقد نقضوا عهدهم وصاروا كأهل الحرب. إلا إن هذا يطبق عليهم إذا فعلوا ذلك مختارين طائعين، أي إذا أعانوا البغاة مختارين، أما إذا أعانوهم مكرهين خوفًا من أذاهم وبطشهم فإنهم حينئذٍ يعاملون معاملة البغاة، لا معاملة المحاربين.
أما إن كان الكفار الذين استعان بهم البغاة من أهل الذمة فإن إعانتهم لهم لا تخرجهم عن كونهم من أهل الذمة، سواء أعانوهم مختارين أو مكرهين، لأنهم رعية من رعايا الدولة الإسلامية، فيطبَّق في حقهم حكم البغاة، ويقاتلون قتال تأديب لا قتال حرب. ولا يقال إنهم في إعانتهم على الدولة الإسلامية نقضوا عهدهم، فإن محل ذلك لو أعانوا كفارًا أو دولة كافرة على الدولة الإسلامية، وبإعانتهم البغاة لا يكونون قد نقضوا عهدهم، لأن عهدهم هو عقد ذمة لهم في أعناق المسلمين، ولأن عهدهم ليس عهدًا مؤقتًا كالمستأمنين، بل هو عهد مؤبد، لا يجوز نقضه لخوف الخيانة منهم، ولا يجوز نقضه لإعانتهم مسلمين على مسلمين.
أما إذا خرج أهل الذمة وحدهم على الدولة وحاربوها، فإنهم حينئذٍ يكونون قد نقضوا عهدهم المؤبد وصاروا أهل حرب، فيقاتلون قتال حرب، وتطبّق في حقهم جميع أحكام الحرب. وإذا جرى التغلب عليهم وسحقهم فإنهم يعاملون معاملة الكفار المحاربين: فأموالهم غنائم، وأسراهم أسرى حرب، وللإمام أن يفعل بهم ما يفعله بأهل الحرب.
وقد اختلف الحكم مع الذميين باختلاف الواقع الذي يكونون فيه، وإن لكل واقع حكمًا ينطبق عليه في الإسلام.

حد المرتد
المرتد هو الراجع عن دين الإسلام. ومن ارتد عن الإسلام من الرجال والنساء، وكان بالغًا عاقلًا، دعي إلى الإسلام ثلاث مرات، وضيق عليه، فإن رجع وإلا قتل. قال الله تعالى: {وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَـئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (البقرة: 217). وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من بدل دينه فاقتلوه". أما قتل الرجال فظاهر من الحديث، وأما قتل النساء فلعموم الحديث لأنه قال: "من بدل" ومن هي من ألفاظ العموم. وأيضًا فقد أخرج الدارقطني والبيهقي عن جابر: "أن أمَّ مروان ارتدت فأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأن يعرض عليها الإسلام فإن تابت وإلا قتلت".
وأما عدم صحة الردة من الصبي والمجنون فلأنهما غير مكلفين فلا يحدّان حد المرتد.
وأما أن المرتدّ يستتاب ثلاثًا فلحديث أم مروان أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر أن تستتاب. وذلك ما سار عليه عمر، فعن محمد بن عبد الله بن عبد القارئ قال: "قدم على عمر بن الخطاب رجل من قبل أبي موسى، فسأله هل من مغربة خبر؟ قال: نعم، كفر رجل بعد إسلامه. قال فما فعلتم به؟ قال: قربناه فضربنا عنقه. فقال عمر: هلا حبستموه ثلاثًا، وأطعمتموه كل يوم رغيفًا، واستتبتموه لعله يتوب ويراجع أمر الله؟ اللهم إني لم أحضر ولم أرض إذ بلغني". وسار على ذلك من قبل عمر أبو بكر. أخرج الدارقطني والبيهقي: "أن أبا بكر استتاب امرأة يقال لها أم قرفة كفرت بعد إسلامها فلم تتب فقتلها" ثبت أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم استتاب المرتد، وكذلك استتابه من بعده أبو بكر وعمر. وعليه يستتاب المرتد قبل قتله.
وأما استتابته ثلاثًا فالثلاث ليست قيدًا، بل هي أقل ما يحصل فيه الأعذار عادة، وإلا يجوز أن يستتاب أكثر لأنَّ المقصود أنْ يعرض عليه الإسلام ليرجع إليه ويعطي المدة الكافية للرجوع. ويروى أن أبا موسى استتاب المرتد الذي طلب منه معاذ قتله وقتله، استتابه شهرين قبل قدوم معاذ. وروي عن عمر أن مدة الاستتابة ثلاثة أيام، فإن تاب قبلت توبته ولم يقتل.
غير أن التوبة تقبل من المرتد إذا لم تتكرر ردته أما من تكررت ردته فلا تقبل توبته بل يقتل سواء تاب أم لم يتب لقول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْراً لَّمْ يَكُنِ اللّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً} (النساء: 137). معناه لا يقبل الله توبتهم، وكذلك الدولة لا تقبل توبتهم.
روى الأشرم عن ظبيان بن عمارة "أن رجلًا من بني سعد مر على مسجد أبي حنيفة فإذا هم يقرؤون برجز مسيلمة، فرجع إلى ابن مسعود فذكر ذلك له، فبعث إليهم فأتي بهم فاستتابهم فتابوا فخلى سبيلهم، إلا رجلًا منهم يقال له ابن النواحة قال: قد أتيت بك مرة فزعمت أنك قد تبت وأراك قد عدت، فقتله". والذي يقتل المرتد هو الدولة بحكم حاكم، فإن قتله أحد من المسلمين عمدًا فعليه القصاص كقتل أي كافر من رعايا الدولة.
والمرتد هو من كفر بعد إسلامه، فكل من كفر بعد إسلامه يكون مرتدًّا. ويكفر المسلم بأربع: بالاعتقاد، والشك، والقول، والفعل.
أما الاعتقاد فإن فيه ناحيتين: إحداهما التصديق الجازم بما جاء النهي الجازم عنه أو الأمر الجازم بخلافه، كالاعتقاد بأن لله شريكًا، أو الاعتقاد بأن القرآن ليس كلام الله. والناحية الثانية إنكار ما هو معلوم من الدين بالضرورة كإنكار الجهاد، وإنكار تحريم شرب الخمر، وإنكار قطع يد السارق وما شاكل ذلك.
وأما الشك فإنه الشك في المعتقدات وكل ما كان دليله قطعيًّا. فمن شك بأن الله واحد، أو شك بأن محمدًا رسول، أو شك بجلد الزاني أو ما شابه ذلك، فقد كفر.
وأما القول فإن المراد به القول الذي لا يحتمل أي تأويل. فمن قال إن المسيح ابن الله، ومن قال إن الإسلام جاء به محمد من عنده، أو ما شاكل ذلك، فإنه يكفر بكل تأكيد. وأما القول الذي يحتمل التأويل فلا يكفر قائله. ولو كان القول يحتمل الكفر تسعة وتسعين في المئة، ويحتمل الإيمان واحدًا في المئة فإنه يرجح جانب الواحد على التسعة والتسعين لأنه جانب الإيمان، إذ بوجود هذا الواحد وجد احتمال التأويل فلا يكفر، إذ لا يعد كافرًا إلا إذا كان القول كفرًا بشكل جازم.
وأما الفعل فالمراد به الفعل الذي لا يحتمل أي تأويل بأنه كفر. فمن سجد للصنم، وصلى بالكنيست أو بالكنيسة صلاة غير إسلامية، فإنه يكفر ويرتد عن الإسلام؛ لأن الصلاة ركن من أركان الإسلام ومن خالف أركان الإسلام فقد ارتدَّ عن الإسلام بمخالفة ما أمر الله به.
وأما الفعل الذي يحتمل التأويل فإنه لا يكفر فاعله. فمن دخل الكنيسة لا يكفر لأنه يحتمل أن يكون دخلها لغرض من الأغراض التي لا تخالف الشرع. ومن قرأ في الإنجيل لا يكفر لأنه يحتمل أن يكون قرأه ليطّلع عليه، ويحتمل أن يكون قرأه معتقدًا به وهكذا. فكل فعل يحتمل التأويل لا يكفر فاعله ولا يكون مرتدًا إذا فعله.
وتثبت الردة بما تثبت به الحدود غير الزنى، وهي شهادة رجلين عدلين أو رجل وامرأتين، أي البيّنة الشرعية لأنه لم يرد نص خاص بها.


أموال المرتد
المرتد قبل استتابته يملك ماله ويملك ما يكسبه. فإذا عرض عليه الإسلام وأبى وقتل، أو مات بعد الردة من غير قتل فإنه يبدأ بقضاء دينه، ونفقة زوجته ومن تجب عليه نفقتهم، لأن هذه الحقوق لا يجوز تعطيلها. فإن وفى ماله بها ولم يبق شيء من ماله فقد انتهى الأمر، وإن بقي من ماله شيء فهو فيء ، يجعل في بيت المال مع أموال الدولة كأموال الفيء سواء بسواء.
وكذلك الحال إن لحق بدار الحرب بأن فر إلى دولة من الدول الكافرة. إلا إنه إن فر إلى دولة كافرة توضع أمواله تحت يد أمين (تجمد بقرار من الدولة) وتجري محاولة لاستتابته، فإن لم تفد المحاولة وأصر على الردة يُعدّ مستحقًا للقتل فيعامل معاملة المقتول ويكون ماله فيئًا. والدليل على ذلك ما فعله أبو بكر بالمرتدين فإنه قاتلهم وقتلهم واستباح دماءهم وأموالهم على ارتدادهم، وكانت أموالهم غنائم، ووافقه على ذلك سائر الصحابة. ولهذا لو أن أهل بلد ارتدوا عن الإسلام فقد صاروا دار حرب في اغتنام أموالهم وأخذ أسراهم وسبي ذراريهم ونسائهم، وعلى الإمام قتالهم عملًا بما فعله أبو بكر رضي الله عنه، لأن ذلك قد أجمع عليه الصحابة.

الجنايات
الجنايات جمع جناية. وهي لغة التعدي على بدن أو مال أو عرض، واصطلاحًا التعدي على البدن مما يوجب قصاصًا أو مالًا. وأطلقت على العقوبات التي توقع على هذا التعدي. فالجناية تطلق على الجريمة نفسها، وتطلق على العقوبة التي توقع على هذه الجريمة، وتطلق على كسر السن كما تطلق على القتل العمد، وتطلق على الجرح كما تطلق على القتل شبه العمد. وهكذا، فكل واحدة منها يقال لها جناية، وعقوبة كل واحدة منها جناية.
ومن أعظم الجنايات القتل، ومن أعظم الجنايات أيضًا عقوبة القتل. ومن أبرز الأحكام المعلومة من الدين بالضرورة تحريم القتل بغير حق. وتحريم القتل ثابت بالكتاب والسنّة. أما الكتاب فقد قال الله تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً} (الإسراء: 33). وقال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً} (النساء: 92). وقال تعالى: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً} (النساء: 93). فهذه الآيات قطعية الثبوت، قطعية الدلالة في تحريم القتل، فهو من الأحكام القطعية.
وأما السنّة فعن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة". وعن السيدة عائشة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "لا يحل قتل مسلم إلا في إحدى ثلاث خصال: زان محصن فيرجم، ورجل يقتل مسلمًا متعمدًا، ورجل يخرج من الإسلام فيحارب الله عز وجل ورسوله" فالنصوص والأحاديث تدل على تحريم القتل. وحرمته مما هو معلوم من الدين بالضرورة.
أوجه القتل
والقتل على أربعة أوجه: عمد، وشبه العمد، وخطأ، وما أجري مجرى الخطأ.
أما العمد فواضح من قوله تعالى: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً}.
وأما شبه العمد فواضح مما روى عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "إلا أن دية الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط مئة من الإبل منها أربعون في بطونها أولادها".
وأما الخطأ فواضح من قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً}.
وأما ما أجري مجرى الخطأ فإنه قسم من الخطأ إلا إنه لا ينطبق عليه تعريف القتل الخطأ فواقعه غير واقع الخطأ. إذ الخطأ تصحبه إرادة الفعل من حيث هو لكنه يخطئ في الجهة التي يقع عليها الفعل، أما ما جرى مجرى الخطأ فإنه لا تصحبه إرادة الفعل مطلقًا، فالفعل يقع منه على غير إرادته، فكان واقعه غير واقع الخطأ.
القتل العمد
القتل العمد هو أن يضرب شخص شخصًا بشيء، الغالب أن يقتل بمثله، أو يفعل شخص بشخص فعلًا الغالب من ذلك الفعل أن يقتل به. ويدخل تحت هذا ثلاثة أنواع:
أحدها: أنْ يضرِبَهُ بما قتل غالبًا كالسيف والسكين والمسدس والقنبلة وما شاكل ذلك من الأشياء التي تقتل غالبًا. أو أن يضربه بمثقل كبير يقتل بمثله سواء كان من حديد كالسندان والمطرقة أو كان حجرًا ثقيلًا أو صخرة كبيرة أو خشبة ضخمة أو ما شاكل ذلك. فهذه يُعدّ القتل فيها من نوع القتل العمد وتطبّق عليه أحكام العمد.
النوع الثاني: أن يضربه بما لا يقتل غالبًا ولكن اقتران شيء آخر به يجعله مما يقتل غالبًا، كالعصا إذا كانت فيها حديدة مثقلة أو كانت قد دق في رأسها الثقيل مسامير كبيرة، أو تكرر الضرب بها تكرارًا يقتل غالبًا. وكالحجر إذا كان قد حددت أطرافه بحيث غدا كالسكين أو تكرر الضرب به تكرارًا يقتل غالبًا. فهذه وأمثالها يُعدّ القتل فيها من نوع القتل العمد.
النوع الثالث: أن يفعل به فعلًا، الغالب من ذلك الفعل أن يقتل به، وذلك كأن يربط عنقه بحبل ويشنقه، أو أن يلقيه من شاهق كرأس جبل أو بناية عالية أو من قطار أو من سيارة مسرعة، أو أن يلقيه في البحر إلقاءً يغرق منه، أو أن يلقيه في النار، أو أن يجمع بينه وبين أسد أو نمر في مكان ضيق كقفص مثلًا، أو أن يحبسه في مكان ويمنع عنه الطعام والشراب حتى يموت، أو أن يسقيه سمًا، أو أن يطعمه شيئًا قاتلًا، أو أن يدفع إلى قتله بما يقتل غالبًا كأن يكره رجلًا على قتل آخر فيقتله فيكون هو القاتل مع القاتل المباشر، وهكذا، فإن كل فعل يكون الغالب منه القتل يُعدّ من القتل العمد.
عقوبة قتل العمد
حكم القتل العمد بجميع أنواعه أن يقتل القاتل، أي يجب في القتل العمد القود، وهو قتل القاتل جزاء على ارتكابه القتل العمد، إذا لم يعفُ أولياء المقتول. فإن عفوا فدية مسلمة إلى أهله إلا أن يصّدّقوا. والدليل على ذلك قوله تعالى: {وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ} (الإسراء: 33). وقوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} (البقرة: 178). {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} (البقرة: 179). والقصاص المماثلة أي قتل القاتل.
وروى أبو داود عن أبي شريح الخزاعي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "من أصيب بدم أو خبل ـــــــ والخبل الجراح ـــــــ فهو بالخيار بين إحدى ثلاث: إما أنْ يقتصَّ، أو يأخذَ العقل ، أو يعفو، فإن أراد رابعة فخذوا على يديه". وروى الترمذي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "من قتل متعمدًا دفع إلى أولياء المقتول فإن شاؤوا قتلوه وإن شاؤوا أخذوا الدية وهي ثلاثون حِقة وثلاثون جذعة وأربعون خلِفة ، وما صولحوا عليه فهو لهم". فهذه الأدلة صريحة الدلالة بأن حكم قاتل العمد القود أي أن يقتل القاتل، أو يأخذ الولي الدية، أو يعفو.
وأما قتل المسلم بالكافر فإنه يفرق فيه بين الكافر الحربي الذي لم يعط أمانًا، لا عامًّا مع دولته، ولا خاصًّا له، وبين الكافر الذمي والكافر المستأمن.
أما الكافر الحربي الذي لم يعط أمانًا فإنه لا يقتل به لا مسلم ولا ذمي، سواء أكان محاربًا بالفعل كما كانت قريش مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، أم كان غير محارب بالفعل كما كانت سائر القبائل قبل إعلان الرسول الحرب عليها. لأن المحارب بالفعل لا خلاف في أن المسلم يقتله حيثما وجده، وأنَّ دَمَهُ هَدْرٌ.
وأما غير المحارب بالفعل فإنه إن لم يكن معاهدًا إذا قتله المسلم لا يقتل به، وإنما عليه فقط نصف دية المسلم، لما روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "عقل الكافر نصف عقل المسلم" لأننا لم نعلن الحرب عليه وحالة الحرب الفعلية غير قائمة بيننا وبينه. فلا يقتل مسلم بكافر حربي غير معاهد مطلقًا، بدليل أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قد صرح في حديثه بأن المسلم لا يقتل بالكافر، والكافر المعاهد لا يقتل بالكافر. فقد روى أحمد عن علي عليه السلام أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "ألا لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده". وصح عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "لا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده". ومعنى الحديث لا يقتل مؤمن بكافر حربي ولا يقتل كافر معاهد بكافر حربي، أي لا يقتل مسلم بكافر ولا كافر ذو عهد بكافر لا عهد له أي بكافرٍ حربي، لأنَّ المعاهِدَ، مستأمنًا كان أو ذميًّا، كافر. وهذا دليلًا على أنَّ المسلمَ والمعاهدَ لا يقتلان بالكافر الحربي.
أما الكافرُ غير الحربي فإنه إما أن يكون ذميًّا أو مستأمنًا. فإن كان الكافر ذميًّا فإنه يعامل معاملة المسلم في صيانة دمه وماله وعرضه. ودمه حرام على المسلمين كدم المسلم. روى البخاري عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "من قتل معاهدًا لم يرِح رائحة الجنة، وإن ريحها يوجد من مسيرة أربعين عامًا". فدل الحديث على تحريم قتل المعاهد وتشديد الوعيد على قتله وتخليد قاتله في النار وتحريم الجنة عليه. وأخرج البيهقي من حديث عبد الرحمن البيلماني: "أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قتل مسلمًا بمعاهد وقال: "أنا أكرم من وفَّى بذمته". وهذا الحديث يدل على أن من قتل معاهدًا قتل به، وأن المسلم يقتل بالكافر الذمي".
وقد أخرج الطبراني "أن عليًّا عليه السلام أتي برجل من المسلمين قتل رجلًا من أهل الذمة وقامت عليه البيّنة فأمر بقتله، فجاء أخوه فقال: إني قد عفوت، قال: فلعلهم هددوك وفرقوك وقرعوك. قال: لا".
وروى الترمذي عن أبي جحيفة قال: "قلت لعلي هل عندكم شيء من الوحي ما ليس في القرآن؟ فقال: لا، والذي فلق الحب وبرأ النسمة إلا فهمًا يعطيه الله رجلًا في القرآن وما في هذه الصحيفة. قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده".
وما رواه أحمد وأبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "لا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده" فإنه يحمل فيهما المطلق بالمقيد، فيكون الحديث قد ذكر في الشطر الأول منه نصًّا مطلقًا هو "لا يقتل مسلم بكافر"، وذكر في الشطر الثاني نصًّا مقيدًا. ودل النص على القيد بدلالة الاقتضاء وهو "ولا ذو عهد في عهده" أي ولا يقتل كافر ذو عهد بكافر، وحذف كلمة كافر من الشطر الثاني من قبل الاكتفاء لأنها ذكرت في الشطر الأول. فقوله لا يقتل كافر بكافر ووصف الكافر الأول بأنه ذو عهد يقتضي أن يكون الكافر الثاني مقيدًا بأنه حربي، وعليه فإنه يحمل الكافر في الشطر الأول وهو المطلق على الكافر في الشطر الثاني وهو المقيد، فيكون معنى الحديث: لا يقتل مسلم بكافر حربي ولا معاهدة بكافر حربي.
وأما الكافر المستأمن فإنه يعامل معاملة الذمي من أنه يحرم دمه ويقتل المسلم به، وذلك لأن حديث عبد الله بن عمر ذكر المعاهد، وحديث البيلماني ذكر المعاهد، والمستأمن معاهد، فكما يطلق على الذمي معاهد يطلق على المستأمن معاهد، سواء أكان أمانه له وحده أم أمانه مع دولته أمانًا عامًّا لرعاياها، فإنه كله يعامل معاملة الذمي ما دام في دارنا، لأنه بأخذه الأمان عصم نفسه وماله وعرضه، فيحرم على المسلمين قتله بدليل الاتفاق عليه بين أهل الإسلام. قال تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ} (التوبة: 6). فإذا قتله مسلم قتل به كالذمي سواء بسواء. ويؤيد ذلك أن حكم قتله خطأ هو نفس الحكم على قتل المسلم كما ورد في القرآن لقوله تعالى: {وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً} (النساء: 92). وهذا يدلّ على أن قتله عمدًا كقتل المسلم العمد.
وأما آية {الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى} (البقرة: 178). فإن منطوقها يدل على أن الحر إذا قتل حرًّا يقتل به، والعبد إذا قتل عبدًا يقتل به، والأنثى إذا قتلت أنثى تقتل بها، ولا دلالة في منطوق الآية على غير هذا... إلا إنَّ مفهومَ المخالفة في الآية يدل على أن الحر إذا قتل عبدًا لا يقتل به، وأن الذكر إذا قتل أنثى لا يقتل بها. ومفهوم المخالفة مفهوم صفة لا مفهوم لقب، فيعمل به إذا لم يرد نص آخر يلغيه. أما إذا ورد نص يلغيه فيعطل المفهوم ولا يعمل به. ولا يُعدّ النص الذي ألغى المفهوم ناسخًا للمفهوم لأن النسخَ إنما يكون للمنطوق، أما المفهوم فإن النص يعطله. فمثلًا قوله تعالى: {وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً} (النور: 33). يدل مفهوم المخالفة فيه على أنه إن لم يردن تحصنًا يجوز إكراههن على البغاء، ولكن هذا المفهوم قد ألغي وعطل بنص يدل على خلافه وهو قوله تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً} وقوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ} فإنَّ هذا النص عَطَّلَ مفهومَ المخالفةِ لآية {وَلَا تُكْرِهُوا} وألغاه. ومثل قوله تعالى: {لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً} (آل عمران: 130) فإن مفهوم المخالفة للآية أن يؤكل الربا إذا لم يكن أضعافًا مضاعفة، إلا إن هذا المفهوم يلغى ويعطل ولا يعمل به، لأن هناك نصًّا يدل على خلافه وهو قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} وقوله تعالى: {وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ}. وآية {الْحُرُّ بِالْحُرِّ} من هذا القبيل، فإن الله تعالى يقول: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى} فإن مفهوم المخالفة لها أن الحر لا يقتل بالعبد، وأن الذكر لا يقتل بالأنثى. وبقي الاستدلال بالأحاديث الصحيحة الدالة على أن الحر يقتل بالعبد وأن الذكر يقتل بالأنثى.
وعلى ذلك فإن حديثَ ابن مسعود "النفس بالنفس" عام، فأي نفس قتلت فإنه يقتل قاتلها فيكون القود إنسانًا بإنسان، أو نفسًا بنفس، فمن قتل نفسًا قتل بها ذكرًا كان أم أنثى، حرًّا أم عبدًا، مسلمًا أم كافرًا.
وهذه النصوص في قتل النفس بالنفس عامة فتنطبق على كل نفس إلا ما جاء النص مستثنيًا له فيستثنى. وبمراجعة النصوص يتبين أنه لم يرد نص يستثني قتل القاتل العمد إلا نصًّا واحدًا يستثني الأب والأم إذا قتل أي منهما ابنه أو ابنته وإن سفل. فلا يقتل الأب بولده ولا يقتل الجد بولد ولده وإن نزلت درجته، وسواء في ذلك ولد البنين أو ولد البنات. وكذلك لا تقتل الأم بولدها ولا الجدة بولد ولدها وإن نزلت درجته، سواء في ذلك ولد البنين أو ولد البنات. والدليل على ذلك ما رواه عمر بن الخطاب وابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "لا يقتل والد بولده". وهذا نص صريح ويُعدّ من الحديث المشهور.
وأما قتل الولد بأبيه وأمه فإنه لم يرد نص صحيح باستثنائه فيقتل به عملًا بعموم النصوص. فإذا قتل الولد أباه وإنْ علا فإنه يقتل به. وإذا قتل الولد أُمَّهُ وإنْ علت فإنه يقتل بها، لعموم قوله: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} ولعدم ورود نص صحيح يخصصه في غير الابن كما ورد نص يخصصه بغير الأب.
وأما ما روي عن سراقة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "لا يقاد الأب من ابنه ولا الابن من أبيه" فإن هذا الحديث لم يرد في كتب السنن المشهورة. ويقول الفقهاء بأنه لا يظن أن له أصلًا. وما دام الحديث لم تثبت صحته فإنه لا يصح الاستدلال به ولا يخصص به العموم. وفضلًا عن ذلك فإنه روي من سراقة نفسه "أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يقيد الأب من ابنه ولا يقيد الابن من أبيه" وقد رواه الترمذي. وهذا يعارض الحديث الأول، ولا يعلم تاريخهما فلا يمكن أن يدعى النسخ، ولا يمكن الجمع بينها لأنهما متعارضان تعارضًا تامًّا، فهما إذًا حديثان متدافعان فيجب إطراحهما والعمل بالنصوص الصريحة الواضحة.
عقوبة القتل شبه العمد
وأما حكم القتل شبه العمد فدية مغلظة ، وهي مئة من الإبل، أربعون منها في بطونها أولادها، وذلك لما روى أحمد وأبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "عقل شبه العمد مغلظ مثل العمد، ولا يقتل صاحبه، وذلك أن ينزو الشيطان بين الناس فتكون دماء في غير ضغينة ولا حمل السلاح". وروى البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "إلا أن قتيل الخطأ شبه العمد قتيل السوط والعصا فيه مئة من الإبل، منها أربعون في بطونها أولادها".
عقوبة القتل الخطأ
القتل الخطأ على نوعين: أحدهما أنْ يفعلَ فعلًا لا يريد به إصابة المقتول فيصيبه ويقتله: كأن يرمي صيدًا فيصيب إنسانًا فيقتله، أو يفعل فعلًا فيؤول هذا الفعل إلى قتل شخص لم يكن قاصدًا قتله، سواء كان الفعل الذي فعله مما يجوز له فعله أو لا يجوز، وذلك كأن يرجع في السيارة إلى الخلف فيقتل شخصًا لم يكن يراه، أو كأن يقصد قتل شخص فيصيب شخصًا غيره فيقتله، فإنه يكون من نوع القتل الخطأ. النوع الثاني من الخطأ: أن يقتل شخصًا يظنه كافرًا حربيًّا، ويكون هذا الرجل قد أسلم وكتم إسلامه لأنه لم يقدر على إعلان إسلامه فيكون هذا القتل من نوع القتل الخطأ أيضًا.
هذان النوعان يمثلان القتل الخطأ فكل ما دخل تحتهما فهو قتل خطأ.
وأما حكم القتل الخطأ ففيه تفصيل، فإن كان من النوع الأول من الخطأ وهو أن يفعل فعلًا لا يريد به إصابة المقتول فإنه في هذه الحال يجب فيه الدية مئة من الإبل، وتجب فيه الكفارة عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين.
وإن كان من النوع الثاني وهو قتل كافل وظهر بعد ذلك أنه مسلم يكتم إسلامه، فإنه في هذه الحال تجب فيه الكفارة فقط ولا تجب الدية. ودليل ذلك قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللّهِ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً} (النساء: 92). في هذه الآية قال الله تعالى: {وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ} فهذا يدل على أن عقوبة القتل الخطأ هي الدية والكفارة معًا، ولا فرق في ذلك بين أن يكون المقتول مسلمًا أو كافرًا له عهد بدليل قوله تعالى في الآية ذاتها: {وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ}. وفي هذه الآية أيضًا قال الله تعالى: {فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ} وهذا يدل على أن من كان من قوم عدو للمسلمين وهو مؤمن: فتحرير رقبة مؤمنة فقط، ولم يذكر غيرها مع أنه ذكر الدية مع تحرير الرقبة في الآية التي قبلها والآية التي بعدها، مما يدل على أن الحكم في هذه يختلف عنها، كما دل على أن الحكم في هذه الحالة هو كفارة فقط، أي تحرير رقبة مؤمنة أو صيام شهرين متتابعين، وهذا هو دليل الحالة الثانية. فتكون الآية كلها دليلًا على القتل الخطأ.
ما أجري مجرى الخطأ
ما أجري مجرى الخطأ هو أن يصدر من الشخص فعل بغير إرادته فيتسبب عنه قتل شخص: وذلك كأن ينقلب نائم على شخص فيقتله، أو يقع أحد على آخر من علو فيقتله، أو يصيبه العثار فيقع على شخص فيقتله، أو يلعب بالسلاح فيفلت منه جبرًا فيقتل إنسانًا، أو يتعطل شيء في السيارة ولا يقدر السائق على توقيفها فتقتل شخصًا... أو ما أشبه ذلك من الأفعال التي تجري مجرى الخطأ، إلّا إنّ الفعل قد وقع جبرًا من الفاعل.
وهذا يشبه النوع الأول من القتل الخطأ. فالرجوع بالسيارة إلى الخلف قتل خطأ، ويشبهه في ذلك تعطل شيء في السيارة وانفلاتها من سائقها فيكون قتلًا خطأ، وكذلك إصابة الإنسان حين رمي الصيد خطأ، وكذلك اللعب بالسلاح وقتل إنسان قتل خطأ، فالشبه بينهما واضح، سوى أن الخطأ حصل وفي الفعل إرادة من الفاعل، أما ما أُجْرِي مجرى الخطأ فإنه لم تحصل إرادة من الفاعل مطلقًا، ولهذا لم يُعدّ خطأ بل أجري مجرى الخطأ. ولهذا فإن حكمه كحكم القسم الأول من الخطأ، أي تجب فيه الدية مئة من الإبل، وتجب فيه الكفارة وهي عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين.
الشريك للقاتل والمساعد له
مما لا شك فيه أن الجماعة تقتل بالواحد، لأن نص الأحاديث التي جاءت في عقوبة القاتل تشمل الواحد وتشمل الجماعة. فقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: "من قتل له قتيل فهو بخير النظرين: إما أن يفتدي وإما أن يقتل" يشمل ما إذا كان قد قتل القتيل واحد أو قتله جماعة. وقد سأل عمر عليًّا عن قتل الجماعة بالواحد فقال له: "أرأيت لو أن جماعة سرقت متاعًا أنت قاطعهم جميعًا؟ قال: بلى. قال: فكذلك القتل". فإذا اشترك جماعة، اثنان أو أكثر، في قتل واحد عوقبوا جميعًا فيقتلون جميعًا ولو كان المقتول واحدًا.
أما معنى الشراكة في القتل فإنه يتوقف على دور الشريك في القتل. فإن اشترك في ضرب المقتول كان شريكًا في القتل قطعًا، أما إن لم يشتركْ في الضرب فينظر فيه: فإن كان مسهلًا للقتل كأن أمسك بالمقتول فضربه القاتل، أو أحضره للقاتل، أو ما شاكل ذلك، فإنه لا يُعدّ شريكًا بل معاون فلا يقتل وإنما يحبس. وقد أخرج الدارقطني عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "إذا أمسك الرجل للرجل وقتله الآخر يقتل الذي قتل، ويحبس الذي أمسك". وهذا صريح في أن المساعد والمعين لا يقتل بل يحبس، لكنه يحبس مدة طويلة حتى ثلاثين سنة. وعلي بن أبي طالب عليه السلام يقول بحبسه حتى يموت. فقد روى الشافعي عن علي عليه السلام "أنه قضى في رجل قتل رجلًا متعمدًا وأمسكه آخر، قال: يقتل القاتل ويحبس الآخر في السجن حتى يموت". وهكذا كل من كان ليس بشريك يحبس ولا يقتل، أما الشريك فيقتل قطعًا مهما كان دوره في الشراكة. وعليه فالشريك المباشر والشريك المحرض والشريك المدبر والشريك المتآمر، كل هؤلاء يُعدّون شركاء لأنهم قاموا بفعل القتل، سواء اشتركوا بالضرب أو اشتركوا في تدبير القتل لأن عملهم عمل من أعمال القتل. وكل من يُعدّ عمله شراكة في القتل يقتل كالقاتل المباشر. لكن المسهل لا يُعدّ مشاركًا، لا بشكل مباشر ولا بشكل غير مباشر، والحديث دليل على ذلك.
كيفية قتل القاتل
الصحيح أنه يجوز أن يقتل القاتل بأي شيء يكون أكثر إحسانًا في القتل. والقتل بالسيف ليس شرطًا، فيجوز أن يقتل بالسيف وبالشنق وبإطلاق النار وبغير ذلك. وليس هناك إلا شرطٌ واحدٌ وهو إحسانُ القتلِ، أي أن يكون القتل بخير أداة تسهل عليه الموت. أخرج مسلم عن شداد بن أوس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "إذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة". فالمطلوب هو إحسان القتل، ولم يصح نص بآلة معينة للقتل. وأما حديث "لا قود إلا بالسيف" فإن جميع الطرق التي روي بها ضعيفة حتى قيل إنه حديث منكر ولا يصح أن يكون دليلًا.
أما متى يتم القتل فإنَّ الأفضلَ ألّا يبادر بتنفيذ الحكم فورًا، بل يمهل المدة التي يجري فيها اليأس من عفو أهل الدم، لأنهم مخيرون بين القتل والدية والعفو، ولا بد من أن يعطوا مدة يختارون فيها، ولا سيما أن الشارع قد حض على العفو فالله تعالى يقول: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} أي من عفا له أخوه في الدين من أولياء الدم عن شيء من حقهم في القصاص ولو واحدًا إن تعددوا وجب اتباعه وسقط القصاص. والرسول صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "من قتل له قتيل فهو بخير النظرين: إما أن يعفو وإما أن يقتل". وعن أنس قال: "ما رفع إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمر فيه القصاص إلا أمر فيه بالعفو". فلأجل أن يكون أمام أهل الدم مجال للعفو أو لأخذ الدية فإن الأولى أن يؤخر تنفيذ الحكم مدة ينتهي بها الأمر إلى حالٍ معينةٍ من القتل أو أخذ الدية أو العفو.
أما من هم الذين يخيرون بين القتل والدية والعفو فهم ورثة القتيل، فالمستحق للدم هم جميع ورثة القتيل من غير فرق بين الذكر والأنثى والسبب والنسب، فيكون القصاص لهم جميعًا، ولا يكون للعاقلة ، لأن القتل العمد تجب فيه الدية في مال القاتل ولا تجب على العاقلة، ولأن دية القتيل هي لورثته وليست للعاقلة، ومن هنا كان العفو للورثة من دون سواهم، فأي واحد منهم عفا فقد سقط القصاص.
الدية
الدية قسمان: دية مغلظة وهي مئة من الإبل، أربعون منها في بطونها أولادها. وتؤخذ في القتل العمد إذا اختار الولي العقل أي الدية. وهي أيضًا عقوبة القتل شبه العمد.
أما القسم الثاني فهو الدية من غير تغليظ وهي مئة من الإبل، وتؤخذ في القتل الخطأ وفيما أجري مجرى الخطأ. والدليل على ذلك ما رواه النسائي من أن عمرو بن حزم روى في كتابه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كتب إلى أهل اليمن: "وإن الدية في النفس المؤمنة مئة من الإبل" وعن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كتب إلى أهل اليمن كتابًا، وكان في كتابه: "إن من اعتبط" مؤمنًا قتلًا عن بيّنة فإنه قود إلا أن يرضي أولياء المقتول، وإن في النفس الدية مئة من الإبل". وعن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "ألا إن قتيل الخطأ شبه العمد، قتيل السوط أو العصا، فيه مئة من الإبل منها أربعون في بطونها أولادها". هذا في النعم (الإبل)، ولا تؤخذ من غيرها من النعم لأن النص جاء خاصًّا بها، أي لا تؤخذ من البقر ولا الشِّياه ولا غيرهما لعدم ورود دليل عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك.
هذا كله في دية النعم وهي دية الإبل. وأما دية النقد فقدرها في الذهب ألف دينار، وفي الفضة اثنا عشر ألف درهم. أما الدليل على الدية من الذهب فهو ما رواه النسائي عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده "وعلى أهل الذهب ألف دينار". وأما الدليل على الدية من الفضة فهو ما روي عن عكرمة عن ابن عباس "أن رجلًا قتل فجعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ديته اثني عشر ألفًا" أي اثني عشر ألف درهم. فتدفع دية القتيل من النقد إما ألف دينار وإما اثنا عشر ألف درهم. ولا تدفع بغير ذلك من النقد لأن النص ورد بالذهب والفضة ويجب أن يتقيد بالنص.
والدينار الشرعي يساوي وزن (4,44 من الغرام) لأن الدينار مثقال من الذهب ووزن المثقال هو (4,44) غرام. والدرهم الشرعي هو (6 دوانق و16 حبة خرنوب) وهو في الغرام 3,12 غرام. وعلى ذلك تكون دية القتيل من الذهب 4,44 × 1000 = (4440) غرامًا ذهبًا. وتكون دية القتيل من الفضة 3,12 × 1200 = 37440 غرامًا من الفضة. فدفع الذهب أو الفضة متعين، ويمكن دفعها بالأوراق النقدية فتكون بما يعادل قيمة الذهب أو الفضة من هذه الأوراق.
أما من الذي يدفع الدية ففيه تفصيل: دية القتل العمد تكون في مال القاتل وليست على العاقلة. روي عن عمرو بن الأحوص أنه شهد حجة الوداع مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فسمعه يقول "لا يجني جان إلا على نفسه: لا يجني والد على ولده، ولا مولود على والده". وعن الخشخاش العنبري قال: أتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومعي ابن لي، فقال: ابنك هذا؟ فقلت: نعم. فقال: "لا يجني عليك ولا تجني عليه". وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم "لا يؤخذ الرجل بجريرة أبيه ولا بجريرة أخيه". فهذه الأحاديث دليل على أن قتل العمد لا تحمل فيه عاقلة القاتل دية المقتول.
ومثل ذلك المقر بالقتل فإن عاقلته لا تحمل الدية. عن عبادة بن الصامت "أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا تجعلوا على العاقلة من دية المعترف شيئًا". وعن ابن عباس قال: "لا تحمل العاقلة عمدًا ولا صلحًا ولا اعترافًا ولا ما جنى المملوك".
وما عدا ذلك من القتل، وهو شبه العمد، والخطأ، وما أجري مجرى الخطأ، فإن الدية على العاقلة.
والعاقلة هم العصبات فقط. وأما غيرهم من الإخوة من الأم وسائر ذوي الأرحام والزوج وكل من عدا العصبات فإنهم ليسوا من العاقلة. والعاقلة هم عصبة الرجل، وهم إخوته وأعمامه وأولادهم وإن سفلوا. وأما أبوه وأولاده فإنهم ليسوا من العاقلة، والسبب في ذلك أن العاقلة هم العصبة الذين لا يرثون إلا بقية الميراث. روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم "أن عقل المرأة بين عصبتها من كانوا لا يرثون منها شيئًا إلا ما فضل عن ورثتها، وإن قتلت فعقلها بين ورثتها". والأب والأولاد يرثون ميراثًا أصليًّا وليس تعصيبًّا. كذلك فإن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم جعل الدية على العاقلة ولم يجعل على الولد شيئًا منها. فعن جابر "أن امرأتين من هذيل قتلت إحداهما الأخرى ولكل واحدة منها زوج وولد، فجعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دية المقتولة في عاقلة القاتلة، وبرأ زوجها وولدها، قال: فقال عاقلة المقتولة: ميراثها لنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا، ميراثها لزوجها وولدها" فهذا صريح بأن الرسول لم يجعل الولدَ من العاقلة، ومثله الأب لأنه في معناه، ولأن مال ولده كماله، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "أنت ومالك لأبيك". وعليه لا يكون الأب والابن من العاقلة في الدية.
والعاقلة هي العصبات ما عدا الابن والأب. من لم يكن له عاقلة أخذ من بيت المال، لما ورد في حديث سهل بن أبي حشمة عن قتيل خيبر "فعقله النبي صلى الله عليه وآله وسلم من عنده"، وفي حديث عمرو بن شعيب "فوداه بمئة من إبل الصدقة". وتضمين العاقلة الدية مخالف لقوله تعالى: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} (الأنعام: 164). غير أن هذه الآية عامة وجاءت أحاديث تضمين الدية للعاقلة فخصصتها، فصارت استثناء من عموم الآية، وتخصيص الكتاب بالسنّة جائز وواقع بغير شك.
والخلاصة أنَّ ديةَ القتلِ شبه العمد والقتل الخطأ وما جرى مجرى الخطأ تجب على العاقلة فقط ولا يجب على الورثة منها شيء، فتدفعها العاقلة وحدها.
وعاقلة الرجل عم عشيرته: إخوته وأعمامه وأولاد عمه حتى الجد الثالث، ويبدأ بفخذه الأدنى، فإن عجزوا ضم إليهم الأقرب فالأقرب المكلف الذكر الحر من عصبة النسب ثم من عصبة السبب. هؤلاء هم الذين يدفعون الدية، فإن عجزوا أو لم يوجدوا فهي، أي الدية، على بيت المال.
وتؤخذ من جميع العاقلة بالتساوي، وتؤخذ من القادر ولا تؤخذ من العاجز.
وأما لمن تعطى هذه الدية فإنها تعطى لورثة القتيل فقط. ولا تعطى العاقلة منها شيئًا لحديث جابر المار ذكره "فقال عاقلة المقتول: ميراثها لنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا، ميراثها لزوجها وولدها".

التعزير
التعزير في اللغة المنع، واصطلاحًا التأديب والتنكيل، وتعريفه الشرعي الذي يستنبط من النصوص التي جاءت فيها عقوبة تعزيرية: هو العقوبة المشروعة على معصية لا حد فيها ولا كفارة.
والتعزير فعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأمر به. فعن أنس "أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حبس في تهمة". وعن الحسن عليه السلام "أن قومًا اقتتلوا فقتل بينهم قتيل، فبعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فحبسهم" وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده "أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سئل عن الثمر المعلق، فقال: "من أصاب منه من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه، ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة، ومن سرق شيئًا منه بعد أن يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع، ومن سرق دون ذلك فعليه غرامة مثله والعقوبة". وروي أنه صلى الله عليه وآله وسلم حبس رجلًا في تهمة ساعة من نهار ثم أخلى سبيله، وأنه حكم بالضرب، وبالسجن. وروي أن عمر قضى بالجلدِ على من زَوَّرَ كتابًا لبيت المال ووضع عليه بصمة خاتم اصطنعه على نقش خاتم بيت المال، وقدمه لأمين بيت المال وأخذ منه مالًا. وعليه فالتعزير ثابت بالسنّة، وقد سار عليه الصحابة من بعد.
والتعزير مشروع لكل ما لم يعين الشارع له عقوبة مقدرة. أما ما أورد الشرع فيه عقوبة فيعاقب مرتكبه بالعقوبة التي قدرها الشارع. وكل ما لم يقدر له الشارع عقوبة ترك للحاكم أن يقدر له عقوبة، وقد أطلق على هذه العقوبة اسم التعزير.
ومن تتبع الجرائم أي الأفعال القبيحة التي قبحها الشرع وهي الذنوب، وتتبع العقوبات التي وردت مقدرة من الشارع، يتبين أن التعدي على البدن قد جعل الشارع له عقوبات مالية، ما عدا القتل العمد فإن عقوبته القتل إن لم يعف ولي المقتول. وباقي أنواع القتل عقوباتها عقوبات مالية، ففي الجناية على الأعضاء وفي الشجاج عقوبات مالية، وفي العظام كذلك عقوبات مالية ما عدا السن، وفي الجراح عقوبات بدنية وعقوبات مالية.
وقد قدّر الشرع هذه العقوبات المالية بمبالغ معينة، وما لم يقدر لها مبالغ معينة فقد جعل فيها الحكومة. وعلى ذلك فإن التعزير لا يدخل في التعدي على البدن ولا محل له في ذلك. ولا يقال إن التعدي على البدن من دون إحداث بتر أو كسر أو جرح او تلف أو خدش يستحق عقوبة التعزير، لا يقال ذلك لأن التعدي على البدن قد جاء الشرع بأحكامه. ولم يأت بأحكام لهذه فليس عليها التعزير إلا إن عطلته عن العمل أو ألحقت به إهانة.
أما المعاصي وهي عدم القيام بالفرض أو القيام بفعل الحرام فإنا وجدنا الشارع قد قدر عقوبات معينة، لبعضها كالسرقة وقطع الطريق والردة وغيرها، وهذه هي الحدود، ووجدنا أن الشارع قد حصر هذه الحدود في ست حالات من المعاصي، وما عداها من المعاصي لم يقدر لها عقوبات معينة فهذه التي لم يقدر لها الشارع عقوبات بل فرض فيها التعزير، فالتعزير إنما يأتي في ما هو من جنس الحدود ونوعها مما لم يرد له عقوبة مقدرة، ولا يأتي في التعدي على البدن.
وتقدر عقوبة التعزير على قدر الجريمة. فالجريمة الكبيرة تقدر لها عقوبة كبيرة حتى يتحقق معنى العقوبة وهو الزجر، والجريمة الصغيرة تقدر لها عقوبة تزجر عن مثلها ولا تقدر أكثر من ذلك حتى لا تكون ظلمًا للمذنب.
وهل يطلق تقدير العقوبة لصاحب الصلاحية أي للخليفة أو القاضي فيقدره بما يراه يزجر أم أنه مقيد بما لا يزيد على الحد؟ فقالوا: يُشْتَرَطُ ألّا يبلغ التعزير مقدار الحد الذي وجب في نوع المعصية، واستدلوا على ذلك بما روي عن أبي بردة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "من بلغ حدًّا في غير حد فهو من المعتدين". وقالوا: إن العقوبة على قدر الإجرام والمعصية، والمعاصي المنصوص على حدودها أعظم من غيرها فلا يجوز أن يبلغ في أهون الأمرين أعظمهما.
غير أنه بإمعانِ النظر يتبين أن الشَّرع قد جعل تقدير عقوبة التعزير للخليفة أو الأمير أو القاضي مطلقًا، يرجع فيه إلى اجتهاده فيما يراه، وما تقتضيه حال الشخص، وما يستوجبه واقع الجريمة وواقع وضعها في البلد. فهو متروك للاجتهاد وتقييد الاجتهاد بحد أعلى أو بحد أدنى هو تحديد فيجعله حدًّا وهذا ينافي كونه تعزيرًا وينافي تركه لاجتهاده، وأيضًا فإن بعض الجرائم غير الحدود قد تكون أفظَع من الحدِّ: فالإدمان على المخَدرات كالحشيش والأفيون أفظع من شرب الخمر، وسرقة مبالغ ضخمة من بيت المال أفظع من سرقة متاع ثمنه ربع دينار من رجل من الناس وهكذا. ثم إن هناك جرائم يمكن أن تؤدي إلى تمزيق وحدة الأمة كالدعوة إلى غير الإسلام أو إلى انفصال إقليم من الأقاليم عن جسم الدولة الإسلامية أو ما شاكل ذلك. هذه الجرائم وأمثالها تستحق في معظم الأحوال الإعدام لأنها في جوهرها تؤدي إلى الخيانة. لهذا فإن قول الحق ألّا يقدر التعزير بحد أعلى ولا بحد أدنى، بل يترك لاجتهاد الخليفة.
وتقدير عقوبة التعزير الأصل فيه أنه للخليفة. ولكن يجوز للخليفة أن يجعله لاجتهاد القاضي ويجوز أن يمنع القاضي من تقدير العقوبة ويقدرها هو له. وإن القاضي نائب عن الخليفة والقضاء يتخصص بالزمان والمكان والحادثة فيجوز للخليفة أن يخصصه ببعض القضايا، ويجوز له أن يمنعه من تقدير العقوبة في التعزير مطلقًا، وأن يمنعه من تقديرها في بعض القضايا ويعطيها له في بعضها الآخر.
ومهما يكن من أمر فإن عقوبة التعزير حين تُقَدّرُ لا تخرج عن واحد من الأحكام الشرعية، ذلك أن الفعل إما أن يكون فرضًا وإما أن يكون مندوبًا وإما أن يكون مباحًا، أو أن يكون حرامًا أو مكروهًا، وهو لا يخرج عن واحد من هذه الخمسة. إلا إن المباحَ هو تخييرٌ للمكلف بأن يفعلَ الفعلَ أو يتركه، ولذلك لا يكون فاعله مخالفًا لأوامر الله ونواهيه، بل يكون في حالة فعله أو حالة تركه متبعًا لأوامر الله ونواهيه، وفي اختيار ما خيره الشرع فيه. أما المندوب والمكروه فإن الله تعالى لم يرتب عليهما عقوبة، أي لم يرتب عقوب على ترك المندوب ولا على فعل المكروه، فلا يصح للدولة أن ترتب عليهما عقوبة، لأن ترتيب العقوبة يعني الإلزام بفعل المندوب وهذا يعني جعله فرضًا، والإلزام بترك المكروه وهذا يعني جعله حرامًا. لذلك لا يحل للدولة أن تضع عقوبات تعزيرية على ترك المندوب أو فعل المكروه، ولذلك لا تدخل المباحات والمندوبات والمكروهات في أبحاث العقوبات.
بقي من الأبحاث ترك الفرض، وفعل المحرم. أما ترك الفرض فإن الله تعالى رتب عقوبة عليه. فتارك الصلاة، والممتنع عن صيام رمضان أو عن تأدية الزكاة أو عن أداء حق لآدمي وما شاكل ذلك كل هؤلاء تاركون للفرض. وقد أوعد الله تاركي هذه الفروض بالعذاب.
وأما ترك المحرم فالله تعالى رتَّبَ كذلك عقوبة عليه. فقاذف غيره بالزنى بغير دليل، وكانز المال، والمختلس، والجاسوس، وما شاكلهم، كلهم فعلوا المحرم، وقد أوعد الله فاعل هذه المحرمات بالعذاب، وعلى الحاكم أن يقدِّر عليها عقوبات التعزير، لأنها كلها معاصٍ، إذ ترك الفرض، وفعل المحرم، كل منهما معصية تجب العقوبة عليها.
ومن هذا كله يتبين أن الخليفة حين يرتب عقوبات معينة من عقوبات التعزير فيجب أن يتقيد بما رتب الله عليه عقوبة فحسب، ولا يصح أن يتجاوز ذلك، ويجب أن يحصر عقوبة التعزير بترك الفرض وفعل المحرم، ولا يجوز أن يتعدى ذلك مطلقًا. وأما ما ورد عن الصحابة رضوان الله عليهم من أنهم عاقبوا على ترك بعض المندوبات، وعلى فعل بعض المكروهات، فإن ذلك لا يصلح دليلًا إلا إذا كان إجماعًا، ولم يرو الإجماع في ذلك.
كما أنه لا يجوز أن يعزر على فعل المكروه وترك المندوب أو المباح، كذلك لا يجوز أن توضع عقوبة التعزير بحجة رعاية الشؤون أو باسم المصلحة، إذ إن رعاية الشؤون محصورة فيما جعل للإمام أن يدبره برأيه واجتهاده كتخطيط المدن وكترتيب الموازين وهكذا... وما عدا ذلك فلا حق له. وأما المصلحة فليست دليلًا شرعيًّا فلا ترتب عقوبة بناء عليها.

أنواع العقوبات التعزيرية
التعزير عقوبة جعل للحاكم حق تقديرها ولكن لم يجعل له أن يعاقب بما يشاء، فهناك عقوبات جاء النص صريحًا في النهي عنها فلا يجوز أن يعاقب بها. ثم إنَّ نصوصَ الشرع من الكتاب والسنّة جاءت بعقوبات معينة محددة، وجاء الأمر بإيقاع العقاب بها، واجتهاد الحاكم في التعزير إنما هو في مقداره لا بأي عقوبة يرى. وكون الشارع جاء بعقوبات معينة فإن ذلك يدل على أن إيقاع العقوبات في التعزير محصور بما جاء الشارع به ولا يصح بغيره.
أما العقوبة التي جاء النهي الصريح عنها فهي الحرق بالنار. فالعقوبة بالحرق بالنار لا تجوز. روى البخاري من حديث أبي هريرة: "وإن النار لا يعذب بها إلا الله". وعن عكرمة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "لا تعذبوا بعذاب الله" يعني الحرق بالنار. وعن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال "وإنه لا ينبغي أنْ يُعَذِّبَ بالنارِ إلّا ربُّ النار". فهذا كله صريح في تحريم العقوبة بالحرق بالنار. ويلحق بها ما هو من جنسها مما فيه خاصية الإحراق كالكهرباء.
وأما ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حديث العرنيين من أنه صلى الله عليه وآله وسلم "أمر بمسامير فأحميت فكحلهم" فإن ذلك هو الكي بالنار ولم يرد نهي عنه. وعمل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بإيقاع العقوبة به دليل على جوازه، والمنهي عنه إنما هو الحرق بالنار.
أما العقوبات التي جاء الشارع بالعقاب بها فإنها العقوبات التالية:
1 ـــــــ عقوبة القتل: يجوز للخليفة أن يبلغ في التعزير حد القتل. وإنه وإن كان القتل حدًّا من الحدود، وهو حد الزاني المحصن وحد اللواط، والحديث ينهى عن أن يبلغ الحد في غير الحد، إلّا إنه أي القتل ليس كالجلد حدًّا يمكن أن ينقص عن حده.
2 ـــــــ التعزير: غير أن التعزيرَ بالضربِ والجلدِ لا يجوزُ أنْ يزيدَ على عشر ضرباتٍ أو عشر جلدات، وقد جاء ذلك صريحًا في نصوصِ الحديث. فقد روى البخاري عن عبد الرحمن بن جابر عمن سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "لا عقوبة في عشر ضربات إلا في حد من حدود الله". وروى البخاري عن أبي بردة رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "لا يجلد فوق عشر جلدات إلا في حد من حدود الله". وفي رواية للبخاري قال: سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "لا تجلدوا فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله". وأخرج أحمد عن أبي بردة بن نيار أنه سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله". فهذا يدل على أن الضربَ والجلد لا يجوز أن يزيدا على عشرة أسواطٍ أو عشرِ ضربات، كما هو صريح الحديث. وليس الخليفة أو القاضي حرًّا فيهما، بل هو مقيد بما ورد في نص الحديث. ويؤيد ذلك ما رواه الشالنجي بإسناده النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "من بلغ حدًّا في غير حد فهو من المعتدين". وهذا يحمل على نوع من أنواع الحد ولا يتصور في القتل ولا القطع، فيكون هذا الحديث مؤيدًا لحديث عشرة أسواط.
والرسول صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن أن تبلغ العقوبة في التعزير مقدار الحد، وهذا لا يتصور إلا في الجلد لكنه غير محدد بعدد معين، وعين ذلك بقوله: "فرق عشرة أسواط" فيكون حديث "من بلغ حدًّا" مطلق شائع في أي عدد دون الحد، وحديث "فوق عشرة أسواط" مقيد بعدد مخصوص، فيحمل المطلق على المقيد ويجمع بين الحديثين، ويخصص حديث "من بلغ حدًّا" بحد الجلد لأنه هو الذي يتصور فيه معنى الحديث. وعليه فإنه لا يجوز للإمام أن يزيد عقوبة الجلد والضرب في التعزير على عشرة أسواط أو عشر ضربات.
3 ـــــــ الحبس: الحبس الشرعي هو تعويق الشخص ومنعه من التصرف بنفسه، سواء أكان ذلك في بلد، أم في بيت، أم في مسجد، أم في سجن معد للعقوبة أم غير ذلك. والدليل على أن الحبس عقوبة من عقوبات الشرع ما روي عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده "أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حبس رجلًا في تهمة ثم خلي عنه". وكان الحبسُ على عهدِ النبي صلى الله عليه وآله وسلم في بيت، أو في مسجد، وكذلك الحال كانت أيام أبي بكر، فلم يكن هناك حبس معد للمحكومين، فلما ولي الخلافة عمر اشترى دارًا لصفوان بن أمية بأربعة آلاف درهم وجعلها حبسًا. وقد حبس عمر الحطيئة على الهجو، وحبس صبيغًا على سؤاله عن الذاريات والمرسلات والنازعات وشبههن. وروي عن عثمان رضي الله عنه أنه سجن ضابئ بن الحارس وكان من لصوص بني تميم وفتّاكهم حتى مات في السجن. وروي عن علي بن أبي طالب عليه السلام أنه بنى سجنًا من قصب وسماه نافعًا فنقبته اللصوص، ثم بنى سجنًا من مدر وسماه مخيسًا.
والسجن عقوبة من العقوبات كالجلد والقطع فلا بد من أن يكون مؤلماً للمسجون ألماً موجعًا وأن يكون عقوبة تزجر، ولهذا فإن من الخطأ أن يقال يجب أن نجعل السجون مدارس للتهذيب، فالمدرسة غير السجن، المدرسة للتعليم والتهذيب، لكن السجن لإيقاع العقوبة بالمجرم، فلا بد من أن يكون على حال تكون عقابًا زاجرًا، وأن يكون بناؤه وغرفه وممراته غير بناءِ وغُرَفِ وممراتِ المدارس والمنازل والفنادق وما أشبه ذلك. ويجب أن يكون على شكل يثير الكمد والحزن، وأن تكون غرفه شبه مظلمة بأن تكون إنارتها نهارًا أو ليلًا، وألّا يسمح فيه بفراش وأثاث، بل يجعل للمسجون وطاء خشن من ليف ونحوه، وغطاء خشن من خرق أو خيش ونحو ذلك. وأن يكون طعامه خشنًا وغير كثير، لكنه كافٍ لتغذيته وبقائه متمتعًا بالعافية. ويجب ألّا يمكن أحد من الدخول عليه إلا أقاربه وجيرانه، وألّا يمكثوا عنده طويلًا، إلا إنه يجوز أن يسمح لزوجته أن تبيت عنده إذا رأى مدير السجن أن حال المسجون تقتضي ذلك، أو أن أخلاق المسجون وسلوكه في السجن حسنة. ويمنع من الخروج من السجن إلا لحاجة يقدرها مدير السجن. ولا يضرب ولا يغل ولا يقيد ولا يهان إلا إذا كان قرار القاضي قد نص على ذلك. ومن أظهر التعنت في السجن وُضِعَ في غرفةٍ ضيقةٍ منفردًا (حاشرة) وأقفل عليه الباب وترك له ما يقضي به حاجته، ويلقى إليه الماء والطعام من ثقبة الباب.
ولكن نقل المحبوس إلى هذه الحاشرة لا يكون برأي مدير السجن أو السجان، بل لا بد من أن يكون بقرار من القاضي، لأنها عقوبة تزيد على العقوبة المحكوم بها فتحتاج إلى قرار القاضي. وإذا احتاج الأمر لأن يشدد عليه الحبس أو يخفف فلا بد من أن يرفع الأمر إلى القاضي، وهو الذي يعطي قراره بحسبما يراه. ولا يسجن المجرم إلا في بلده، لأن سجنه في غير بلده يُعدّ تغريبًا فيحتاج إلى قرار من القاضي غير قرار سجنه، وهو عقوبة ثانية.
وتكون السجون أنواعًا بحسب الجرائم المرتكبة، ويعين نوع السجن بقرار القاضي. ولا توجد جرائم سياسية وغير سياسية، ولا تمييز للصحفيين أو المحامين أو ما شاكلهم على غيرهم. بل ينظر لكل فعل قبيح بأنه جريمة. وصغر الجريمة وكبرها راجع لتقدير الإمام لأنه هو الذي يقدرها، فمن قدح بشخص أو ذمه يعاقب على ذلك بغض النظر عن كونه صحفيًّا أو غير صحفي، ومن طعن بالحكم في غير أمر حق يعاقب على ذلك بغض النظر عن كونه سياسيًّا أو غير سياسي.
وتقدير نوع العقوبة يجوز للقاضي أن يفاضل فيه بين الأشخاص فيعاقب شخصًا بالسجن سنة ويعاقب آخر للجريمة ذاتها بالسجن أسبوعًا، وله أن يعاقب شخصًا بوضعه في سجن شديد القسوة، ويعاقب آخر بوضعه في سجن أقل قسوة، مستندًا إلى ما لديه من معلومات عنهما من كون الأول معروفًا بأنه مجرم ومن كون الثاني معروفًا بأنه من الأتقياءِ وأنَّ هذه هفوة أوقعه بها الشيطان أو ما شاكل ذلك.
والمسجون إما أن يكون محكومًا وإما أن يكون موقوفًا، فإن كان محكومًا فلا كلام فيه. وأما إن كان موقوفًا فيجب أن يوضع في أخف السجون لأنه مسجون بتهمة لا بجرم، ويجب أنْ تُحَدَّدَ مدة توقيفه بأقصر مدة ممكنة. وإنْ لزم تجديد توقيفه فيحتاج ذلك إلى قرار من القاضي وإلى سبب يقتنع به القاضي. وإن لم يصدر قرار بتجديد توقيفه يخلى سبيله عند انتهاء مدة التوقيف من غير حاجة إلى أمر إفراج. وإذا نقل القاضي أو عزل أو عين بدلًا منه آخر وجب على القاضي الجديد أن يبدأ عمله بالنظر في حال الموقوفين، فمن تثبت عليه التهمة حكم عليه، ومن برأه أخلي سبيله فورًا. ولا يحبس أي إنسان ولا يوقف إلا بقرار من القاضي.
وليس لعقوبة السجن حد قدّره الشرع لا يجوز أن يتجاوزه أحد كما هي الحال في الجلد، إذ لم يرد في الشرع نص على مدة معينة، فترك تقديرها للخليفة. إلا إنه لما كانت العقوبات زواجر فإنه يراعى في تقدير مدة الحبس للجريمة أن تكون زاجرة للمذنب وغيره، فمن وجب عليه يعزر بما يردعه. ولا يوجد حد أعلى للسجن مطلقًا. فقد روى أنه صلى الله عليه وآله وسلم حكم بالسجن ولم يرو عنه أنه التزم مدة معينة، أو عين مدة معينة، فيبقى الحكم في شأن السجن مطلقًا لأنه ورد مطلقًا.
وأما ما يقوله بعض الفقهاء من أن الحد الأقصى للسجن سنة وأنه لا يجوز أن يزيد على السنة قياسًا على التغريب فإنه قول خاطئ، لأن الحبس لا يقاس على النفي، لاختلاف واقع كل منهما عن الآخر، ولا توجد علة جامعة لهما تصلح للقياس. ولا يقال إن تعريف الحبس ينطبق على النفي، لأن الحبس هو تعويق الشخص ومنعه من التصرف بنفسه، والنفي كذلك تعويق للشخص ومنعه من التصرف بنفسه، لا يقال ذلك لأن النفي ليس منعًا للشخص من التصرف بنفسه بصورة مطلقة بل منعه من التصرف بنفسه في غير المكان المعين، فالمنفي لا يحشر في مكان معين بل يحشر في بلد معين أو ولاية معينة فهو على خلاف السجن. ثم إنَّ النفيَ يَزِيدُ من ناحيةٍ أخرى على السجن إذْ هو تغريبٌ للشخصِ عن وطنهِ أو عن المكان الذي هو فيه إلى مكانٍ آخر، وهذا لا ينطبق على تعريف الحبس. لذلك لا تقدر مدة الحبس بسنة بل يجوز للخليفة أن يُعَيِّنَ للجريمة المدة التي يراها من السجن رادعة للمذنب وغيره، ويجوز للقاضي أن يحكم من هذه المدة التي عينها الخليفة بالمدة التي يراها رادعة للمذنب.
وأما ما ورد من أن المدين الموسر يحبس في المال القليل نصف شهر وفي الكثير شهرين أو أربعة، تبعًا لقدر المال المحبوس فيه، لذلك ليس بتقدير حتمي، لأنه حصل في أوضاع معينة وعلى أشخاص معينين، فلا يصح أن يؤخذ قاعدة ولا أن يطبّق على وقائع أخرى. وعليه يطلق أمر تقدير أعلى مدة يحكم فيها بالحبس للخليفة، ويجوز للخليفة أن يجعل للجريمة المعينةِ أعلى مدة وأقل مدة، ويجوز أن يحدِّد أعلى مدة فقط إذا تبنّى في التعزير تقديرًا معينًا. وإن لم يتبنَّ تقديرًا معينًا كان الأمر للقاضي بتعيين المدة حين ينطق بالحكم.
يجب على الخليفة ألّا يحدد مدة السجن لكل جريمة، لأن هذا من قبيل التبني، والتبني جائز للخليفة وليس بواجب عليه. لكن القاضي يجب أن يحدد المدة التي يحكم بها بالسجن على شخص معين تحديدًا واضحًا بأجل واحد بحيث تكون معلومة لا مجهولة، وبحيث يكون الحكم مبتوتًا لا مترددًا. فيحددها بمدة معينة مثل كذا شهرًا أو كذا يومًا، أو إلى حصول أمر معروف كانتهاء رمضان أو إلى يوم عيد الفطر أو ما شاكل ذلك.
وهذا التحديد للمدة التي يحكم فيها على المذنب بالحبس واجب، حتى تكون العقوبة التي أوقعها القاضي عقوبة معلومة لا عقوبة مجهولة، وذلك لأن الشرط في أن يكون العمل معلومًا ثابتًا في الشرع بالعقود اللازمة والأعمال اللازمة. ففي العقود اللازمة يشترط في البيع والاجارة أن تكون معلومة، وفي الأعمال اللازمة يشترط في الصلاة والنذر أن تكون معلومة. وإيقاع العقوبة من القاضي عمل من الأعمال فلا بد من أن يكون معلومًا. على أن الحكمَ بعقوبةِ السجن حكمُ قاضٍ، وحكم القاضي لا بد من أن يكون معلومًا، ولا يكون معلومًا إذا كانت العقوبة التي أوقعها مجهولة، ولذلك لا بد من ذكر المدة التي يحكم بها بالحبس وتحديدها بمدة معينة، سواء أكان الحكم بجرم أم التوقيف بتهمة.
وعلى هذا فإنه لا يجوز أن يحبس في التهمة إلى أن يستطيع المدعي إيجاد البيِّنة، لأنَّ ذلك غير معروف، بل يجب أن تحدَّدَ له مدة ليجمعَ خلالها البيّنات. وهذه المدة تقدر بقدر ما يحتاج الحصول على البيّنة في ما هو ظاهر ومعلوم لا في ما هو محتمل وموهوم. فإذا قال حتى أحضر شاهدي أو شهودي من بلدة كذا أو من المكان الفلاني، قدرت المدة التي يحتاجها وعيّنت في أمر الحبس، على ألّا تكون بيّنته خارج سلطان الدولة، لأنه إن كانت خارج سلطان الدولة كان إحضارها غير مقطوع به. ويرجع الأمر عندئذٍ للقاضي، فإن رأى أنَّ هناك إمكانية بإحضارها عين المدة التي يراها هو، وإن رأى أن هناك شكًا في ذلك عين أقل مدة يمكن فيها إحضار البيّنة عادة.
وكذلك لا يجوز أن يحكم على أحد بالحبس حتى التوبة، أو بالحبس حتى الموت، لأنه حكم مجهول غير صحيح، إذ هو حكم بعقوبة مجهولة، فلا يعلم متى يتوب، ولا يعلم متى يموت. ولا يقال إنَّ التحديدَ بالموت معلوم وليس بمجهول، إذ هو أمر محقق لا بد من حصوله، لا يقال ذلك لأن المدة التي يقضيها المذنب في هذا الحكم غير معلومة، والحكم ليس بالموت بل بمدة انتهائه يكون بالموت فتكون المدة غير معلومة وبالتالي يكون الحكم بها غير معلوم. ولا يقال إنَّ اللَّهَ حدَّد الحبسَ بالموتِ في قوله تعالى: {فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىَ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ} (النساء: 15) لأن هذه الآية منسوخة بآية النور {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا} الآية، ولذلك لا تصلح دليلًا.
كذلك فإن منع الزوج زوجته من أن تخرج من بيته لا يُعدّ حبسًا شرعًا، فله أن يمنعها من الخروج من بيته في أي وقت يشاء، ولا يُعدّ ذلك حبسًا لها، إذ لو عُدّ حبسًا لعوقب على ذلك، لأن إيقاع العقوبة بالناس خاص بالحاكم ولا يجوز لغيره أن يعاقب، ولأن الله حين جعل للزوج تأديب زوجته حدد أنواع التأديب وهي الوعظ والهجران والضرب غير المبرح {فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ} (النساء: 34). والحبس ليس واحدًا منها فلا يجوز له أن يحبسها. وعلى ذلك فلا دلالة في الآية على جواز العقوبة بالحبس حتى الموت. وأما ما روي من أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "اقتلوا القاتل واصبروا الصابر" فإن معناه من قتل يقتل، ومن قتل شخصًا بحبسه حبسًا يميته من أجل أن يميته فإنه يقتل بالصفة التي قتل بها، أي بحسبه حبسًا يميته من أجل أن يميته لا أنْ يحبس حتى الموت، فهذا نوع من قتل القاتل، وهو جناية وليس تعزيرًا، فلا دلالة فيه على جواز الحبس حتى الموت. وعلى ذلك فالحكم بالسجن المؤبد لا يجوز شرعًا بل لا بد من تحديد المدة التي يحكم بها السجن على شخص معين.
والحبس هو اعتقال وليس تشغيلًا، فالتشغيل شيء آخر غير الحبس، ولذلك فإنه إذا حكم الشخص بالحبس لا يجوز أن يشغل لأن كلمة الحبس لا تشمل التشغيل. ولكن هل يجوز الحكم بالحبس والتشغيل أم يقتصر على الحكم بالحبس؟ والجواب عن ذلك أنه لم يرد نص شرعي يجعل العقوبة تشغيلًا: لا أشغالًا شاقة ولا غير شاقة. لكن ذكر الفقهاء أن المدين المعسر إذا حكم بالحبس فإنه يشغل بأعمالٍ بأجرٍ لسدادِ دينه. وهذا القول حكم عقلي وليس حكمًا شرعيًّا، فلا قيمة له. وبما أن نوع العقوبة التي يحكم بها القاضي مقيد بما ورد به الشرع، ولم ترد عقوبة بالأشغال الشاقة، لذلك لا يعاقب بها وإنما يقتصر على الحبس بمعنى الاعتقال.
4 ـــــــ النفي: هو التغريب أو الإبعاد. وقد جاءت عقوبة النفي في القرآن، قال تعالى: {أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ}. وجاءت عقوبة النفي في الحديث، روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "لعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم المخنثين من الرجال والمترجلات من النساء وقال: اخرجوهم". فهذه الأدلة تثبت أن النفي نوع من العقوبات التي ورد بها الشرع كما أنها تثبت أنه قد جرت العقوبة فيها بالتعزير. وقد سار على ذلك الصحابة رضوان الله عليهم فنفى عمر رضي الله عنه صبيغًا للبصرة بعد جلده، ونفى نصر بن حجاج خشية أن تفتتن به النساء.
والنفي يكون تغريبًا لا توطينًا فلا يصح أن تطول مدته. ولم يرد نص بتحديد حد أقصى لعقوبة النفي، لكن الشرع حين أوقع عقوبة النفي في الزاني غير المحصن جعلها سنة، وهي ليست حدًّا لازمًا فيجوز للإمام أن يضيف النفي إلى الجلد، لكن الشرع لم يجعلها أكثر من سنة، وهذا لا يدل على تحديد حد أقصى للنفي ولكن يستأنس به أن تكون سنة. غير أنه لا يوجدُ ما يمنع زيادتها عن ذلك، شرط ألّا تطول المدة بحيث تُعدّ الإقامة توطينًا لأن ذلك يذهب عنها معنى النفي وهو التغريب.
والنفي إنما يكون داخل حدود الدولة الإسلامية، ولا يصح النفي إلى خارج حدودها، لأنه إخراج من دار الإسلام إلى دار الكفر. ويستحسن أن تتخذ الدولة منافيَ في أمكنة معينة. قال أبو الزناد: كان منفى الناس إلى باضع من أرض الحبشة وذلك أقصى تهامة اليمن، لأن النفي عقوبة والمناسب أنْ تكون عقوبة التغريب موجعة بحيث يحصل فيها الزجر. وروي عن الحسن والزهري في نفي قطّاع الطرق أن نفيهم هو تشريدهم عن الأمصار والبلدان فلا يتركون يأوون بلدًا، يعني ألّا يجعلهم الحاكم يستقرون في بلد فينقلهم من بلد إلى بلد. لكن هذا الرأي يجعلهم كالمسافرين. والأقرب للنفي الذي هو عقوبة أن تكون هناك منافي موحشة بحيث يؤلم النفي إليها وتكون عقوبة تزجر.
5 ـــــــ الهجر: وهو أن يأمر الحاكم الناس ألّا يكلموا الشخصَ مدةً معينةً. ودليله ما حصل مع الثلاثة الذين خُلِّفُوا عندما منع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم المسلمين من التحدث إليهم، وكان ذلك عقوبة لهم. وقد فعل عمر مثل ذلك فإنه لما عاقب صبيغًا بجلده ونفيه أمر الناس ألّا يكلموه.
غير أن هذه العقوبة تستعمل إذا كانت تزجر، أي مع الناس الذين لديهم إحساس ويقدرون معنى هجر الناس لهم. أما الذين ضعف لديهم الإحساس فإن مثل هذه العقوبة لا تؤلمهم ولذلك لا تستعمل معهم.
6 ـــــــ الصلب: وهو يحصل في حالة واحدة إذا كانت عقوبة المجرم القتل فيجوز أن يحكم عليه بالصلب أيضًا، لقوله تعالى: {أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ} وأو بمعنى الواو، أي أن يقتلوا ويصلبوا، أو يقتلوا من غير صلب، ولكن أن يكون الصلبُ عقوبةً وحده لا يصح، لأنه تعذيب، وقد نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن تعذيب الحيوان، والنهي عن تعذيب الإنسان من باب أولى. وأما قولهم إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلب الحي تعزيرًا فإنهم لم يوردوا سنده. وآية الصلب جعلته بعد القتل، والحكم الشرعي أن يجمع مع القتل، أو أن يكون القتل بغيره. وفي عقوبة قطّاع الطرق لم يقل أحد بالصلب وحده. لذلك فإن الصلب للأحياء لا يكون عقوبة من العقوبات، وإنما الصلبُ لمن يقتل فيحكم عليه بالقتل والصلب، فالصلبُ يصاحبُ القتلَ، وعلى هذا الوجه تكون عقوبة الصلب.
7 ـــــــ الغرامة: وهي الحكم على المذنب بدفع مال عقوبة على ذنبه. وهي ثابتة بالسنّة، فقد روى النسائي في حديث عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ومنه: "قال يا رسول الله والثمار وما أخذ منها في أكمامها؟ قال: من أخذ بفيه ولم يتخذ خبنة فليس عليه شيء، ومن احتمل ففيه غرامة مثليه وجلدات نكال" وزاد النسائي في آخر الحديث: "وما لم يبلغ ثمن المجن ففيه غرامة مثليه وجلدات نكال". وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "وكاتم الضالة عليه غرامتها ومثلها معها" وكذلك تعزير مانع الزكاة بأخذ شطر من ماله. فهذا كله يدل على أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أمر بعقوبة الغرامة في التعزير.
ولم يرد حد معين لها، فترك لتقدير الخليفة، أو للقاضي إذا لم يتبين الخليفة فيها مقدارًا معينًا. وإذا عجز المذنب عن دفع الغرامة هل يحبس بمقدارها أم يعفى منها؟ والجواب من ذلك هو أنه إذا حكم بعقوبة معينة فلا يصح أن يعاقب عقوبة غيرها لأن حكم القاضي يجب أن ينفذ كما نطق به، ولذلك لا يحبس عوضًا عن الغرامة، وكذلك لا يعفى منها لأن العفو إلغاء لحكم القاضي، وإذا حكم القاضي فلا يصح إلغاء حكمه. والأولى في مثل هذه الحالة، أي حالة عجز المذنب عن دفع الغرامة، أن تؤخذ من ظاهر ماله إنْ وجد، وإن لم يوجد ينتظر عليه حتى يوجد معه مال فتحصل من قبل الدولة.
8 ـــــــ إتلاف المال: وذلك بإهلاك المال إهلاكًا تامًّا بحيث لا ينتفع به، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالأصنام المعلقة في الكعبة، فإنه أمر بها فحطمت وأتلفت، وكما فعل المسلمون حين نزلت آية تحريم الخمر، فقد أراقوا ما كان لديهم من جرارِ الخمرِ وكسروا جرارها. وروي أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر بإراقةِ الخمر وكسرِ الدِّنان. وقد سار الصحابة على ذلك، فقد روي أنَّ عُمَرَ أراقَ اللبنَ المغشوش.
9 ـــــــ التغيير في عين المال: وذلك بتغيير شكله أو صفته. فقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "أنه نهى عن كسر العملة الجائزة بين المسلمين كالدراهمِ والدنانير إلا إذا كان بها بأس، فإذا كانت كذلك كسرت" أي نهى الرسول عن كسر قطع النقد الفضية أو الذهبية، إلا إذا كانت مغشوشة فإنها حينئذٍ يحكم بكسرها وتفتيتها عقوبة ويعاقب الغاش. وقطع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم رأسَ التمثال فصار كالشجرةِ، وهكذا إذا صار المال على شكل محرم فإنه يغير هذا المال على الشكل الذي تزول به الحرمة، فضلًا عن معاقبة من فعله على الوجه الذي يراه الحاكم.
10 ـــــــ التهديد الصادق: وذلك أنْ يُهَدَّدَ المذنب بإيقاع العقوبة عليه إذا فعل كذا. والدليل على ذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "رحم الله امرءًا علق سوطه بحيث يراه أهله".
11 ـــــــ الوعظ: وذلك أن يعظ القاضي المذنب بتخويفه من عذاب الله. والدليل على ذلك قوله تعالى: {وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ}.
12 ـــــــ الحرمان: وذلك أن يحكم على المذنب بالحرمان من بعض الحقوق المالية التي يستحقها كحرمان النفقة للناشز، وكالحرمان من سلب القتيل، وكالحرمان من حصته في أموال الملكية العامة وهكذا...
13 ـــــــ عقوبة التوبيخ: وهي إهانة المذنب بالقول، وقد ثبت التوبيخ بالسنّة، فقد رُوي أنَّ عبدًا خاصم عبد الرحمن بن عوف إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فغضب عبد الرحمن وسبّ العبد بقوله يا ابن السوداء، فغضب النبي لذلك غضبًا شديدًا ورفع يده قائلًا: "ليس لابن بيضاء على ابن سوداء سلطان إلا بالحق" فخجل عبد الرحمن بن عوف ووضع خده على التراب ثم قال للعبد: طأ عليه حتى ترضى. فهذا كله يدل على أنَّ التوبيخَ والسَّبَّ من العقوباتِ في التعزير.
وقد سار على ذلك الصحابة رضوان الله عليهم، فقد روي عن عمر أنه وبخ عبادة ابن الصامت بأن قال له: "يا أحمق". وعلى هذا يجوز للقاضي أن يوبخ المذنب، ولا يكون ذلك شتمًا من القاضي، بل يكون عقوبة يوقعها على المذنب. وليس لعقوبة التوبيخ لفظٌ معين، بل كل لفظ يُعدّ من قبيل التوبيخ يصح استعماله من قبل القاضي والحاكم، إلا الألفاظ التي تُعدّ من قبيل القذف فلا يجوز استعمالها لورود النهي عنها عامًّا يشمل الحاكم وغيره.
14 ـــــــ عقوبة التشهير: يكون التشهير بمن توقع عليه العقوبة لرفع ثقة الناس منه. وهو إعلام الناس بجرم الجاني وتحذيرهم منه وفضحه على رؤوس الأشهاد. والأصل في عقوبة التشهير قوله تعالى: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ} فإن المقصود هو التشهير بهما وذلك بمشاهدة الناس عقابهما بالجلد تقريعًا وتوبيخًا وفضيحة.
وقد ورد في السنّة ما يدلُّ على عقوبةِ التشهير، فقد روى البخاري عن أبي حميد الساعدي قال: "استعمل النبي صلى الله عليه وآله وسلم رجلًا من بني أسد يقال له ابن الأتبيَّة على صدقة، فلما قدم قال: هذا لكم، وهذا أهدي إلي. فقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "ما بال العامل نبعثه فيأتي يقول: هذا لك وهذا لي، فهلا جلس في بيت أبيه وأُمه فينظر هل يهدى له أم لا، والذي نفس محمد بيده لا يأتي بشيء إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته إن كان بعيرًا له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تبعرُ. ثم رفع يديه حتى رأينا عفرتي إبطيه: ألا هل بلغت ثلاثًا". ووجه الاستدلال بهذا الحديث أنَّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أخبر أنَّ من يأخذُ من الأموالِ العامة ومن يأخذ هديةً لأنه والٍ أو عامل سيعاقبه الله يوم القيامة بفضيحته حيث يأتي يحمل ما أخذه من مال إن كان بعيرًا له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة تبعر، وهذا يعني فضيحة الولاة على رؤوس الأشهاد في ذلك الموقف العظيم. فيكون التشهير مما يعذب به الله، ولم يرد نص أنه خاص بعذاب الله كما ورد في العذاب بالنار، يجوز للحاكم أن يعاقب المذنب بالتشهير به. والحديث دليل على جواز التعزير بالتشهير.
وقد سار الصحابة على ذلك فعزروا بالتشهير. فقد نقل عن عمر بن الخطاب أنه كان يُشَهِّرُ بشاهد الزور بأن يطاف به، كما نقل عن مشهوري القضاة أنهم كانوا يحكمون بالتشهير. وكان القاضي شريح يحكم بالتشهير، وشريح هذا كان قاضيًا على عهد عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما، وهو من مشاهير القضاة.
هذه هي أنواع عقوبات التعزير التي ورد في الشرع دليل على جواز أن يعاقب بها الحاكم، وما عداها من العقوبات لا يجوز للحاكم أن يوقع عقوبة بها ولو لم يرد نص من الشارع في النهي عنها. ذلك لأن العقوبة فعل فلا بد من دليل على جوازه. ولا يقال: لا بد من دليل على منعه من الحكم بعقوبات معينة، لا يقال ذلك لأن الأصل هو عدم العقوبة، فصدور الحكم بعقوبة معينة هو الذي يحتاج إلى دليل. أما أنَّ الأصلَ عدم العقوبة فذلك أنَّ الدليلَ العام قام على كرامة الإنسان وعدم إيقاع الأذى به، وإيقاع عقوبة معينة عليه يحتاج إلى دليل يجيز ذلك، وما لم يقم الدليل على جواز عقوبة بعينها فلا يجوز إيقاعها.
ولا يقال: إنَّ التعزيرَ قد جعل للحاكم مطلقًا من دون قيد فله أن يعزّر بالعقوبة التي يراها، لا يقال ذلك لأنَّ الذي جعل للحاكم هو تقدير مقدار العقوبة، ولم يجعل له غير ذلك. وقد تدخل الشارع في العقوبات فعين أنواعها، أي عين أنواع العقوبات التي يعاقب بها، فصار القاضي مقيدًا بهذه العقوبات، أي إن تعيين الشارع أنواع العقوبات قد قيد القاضي بها فلا يحل له أنْ يعاقب بغيرها، وله أن يختار منها ما يراه زاجرًا. وعليه فإنه يجب على الحاكم حين يوقع عقوبة التعزير أن يتقيد بالأحكام الشرعية، فلا يعاقب إلا بالعقوبات التي جاء الشارع بها. ومن هنا لا يجوز للحاكم أن يوقع عقوبة المصادرة، لأنه لم يرد نص شرعي بجواز العقوبة بها، ولا يقال: إن المصادرة كالغرامة، لأنها عقوبة مالية، إذ هي من جنس الغرامة، لا يقال ذلك لأن المصادرة غير الغرامة، إذ الغرامة دفع مال جزاء على ذنب، وأما المصادرة فهي أخذ عين المال الذي جرى بسببه الذنب، فهذه غير تلك. وأيضًا فإنَّ النَّص الشرعي لم يكن نصًّا على عقوبات مالية حتى يقال هذه عقوبة مالية تدخل تحت نص الشرع، وإنما نص على الغرامة، وعلى تغيير المال، وعلى إتلاف المال، ولم ينص على المصادرة، فيوقف عند حدود النص، ولا يقاس عليه لعدم وجود علة صالحة للقياس. على أن المصادرةَ نزعُ ملكيةِ المال جبرًا عن مالكه، وتمليكه للدولة من دون سبب من أسباب التملك الشرعية، وهذا لا يجوز. أما إذا رأت الدولة تملُّك المال للمنفعة العامة فلها ذلك شرط أن تعوض على صاحب المال تعويضًا عادلًا.
المخالفَاتْ
المخالفاتُ هي عدمُ الامتثالِ لما تصدره الدولة من أوامرَ ونواهٍ. ومعلوم أن الخليفةَ لا يحللُ حرامًا ولا يحرّم حلالًا. وهو لا يوجب مندوبًا أو مباحًا ولا يحرم مكروهًا، وكذلك لا يبيح حرامًا ولا يوجبه ولا يحرم واجبًا أو مندوبًا أو مباحًا. وإنما هو يقوم برعاية شؤون الأمة وتصريف مصالح الناس، بحسب أحكام الشرع. إلا إن الشارع جعل له تصريف كثير من الشؤون برأيه واجتهاده، مثل تصرفه في بيت المال فذلك موكول لرأيه واجتهاده، ومثل تجهيز الجيش فقد جعل أمره موكولًا لرأيه واجتهاده، وتركت له أيضًا أمور تعيين الولاة وإدارة مصالح الناس وتمصير المدن وشق الطرق ودفع الناس بعضهم عن بعض وحماية الحقوق العامة وغير ذلك. فهذه الأمور وأمثالها ترك للخليفة أنْ يصدر الأوامر التي يراها بشأنها، أي أن يسن القوانين التي تلزم لها. وهذه الأوامر أو هذه القوانين تنفيذها فرض على المسلمين ومخالفتها معصية. وما لم ينفذ مما ألزمَ الناسَ به وما خولف به مما نهى الناس عنه يُعدّ مخالفة أي جرمًا يعاقب عليه. وهذه الجرائم تسمّى مخالفات، والعقوبات التي توضع لها تسمّى مخالفات.
وكما جعل الشارع للخليفة حق أمر الناس ونهيهم، وجعل مخالفتهم له معصية، كذلك جعل له حق عقاب الناس على هذه المخالفات وحق تقدير العقوبة التي يراها على هذه المخالفات. وهي تشبه التعزير من ناحية كونها لم ينص الشارع على عقوبة مقدرة لها، ومن حيث إنها تركت للخليفة وللقاضي بصفته نائبًا عن الخليفة، لكنها تخالف التعزير من حيث إنها عقوبة على ترك فعلٍ أمَرَ السلطان به، أو فعلِ أمرٍ نهى السلطان عنه، بخلاف التعزير فهو ترك فعل أمر الله به وفعل أمر نهى الله عنه.
والمخالفات لا تحتاج إلى مدَّع، فالقاضي يملك الحكم في المخالفة فور العلم بها في أي مكان من دون حاجة إلى مجلس قضاء. وله أن يحكمَ في المخالفةِ بمجرد التحقق من حدوثها. وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يعاقب على المخالفات، فقد ضرب رجلًا لأنه وقف في منتصف الطريق ومنع المرور، وكان يعاقب من يخالف أوامره.
أنواع المخالفات
ليس للمخالفات أنواع معينة محصورة، فكل ما يخالف قوانين الدولة يُعدّ مخالفة. والخليفة يقدر أنواع العقوبات التي يراها للمخالفات التي تحصل. فمثلًا ساحات البلدة والطرق العامة له أن يعين لها مسافة معينة وحدًّا معينًا ويمنع الناس من البناء أو الغرس على جوانبها لمسافة كذا مترًا. فإذا خالف أحد ذلك عاقبه بالغرامة أو الجلد أو الحبس أو غير ذلك. ومثلًا له أن يعين مكاييل مخصوصة وموازين مخصوصة ومقاييس مخصوصة لإدارة شؤون البيع والتجارة، ويعاقب من يخالف أوامره في ذلك. ومثلًا له أن يجعل للمقاهي وللفنادق ولدور السينما ولميادين الألعاب وغير ذلك من الأمكنةِ العامة أنظمة خاصةً ينظمُ بها شؤونها، فيعاقب من يخالف هذه الأنظمة، وهكذا.
من الممكن تقدير عقوبات معينة لوقائع معينة في خطوط عريضة كما حصل في التعزير. لكنَّ الوقائعَ الجارية اليوم قد يصيبها تغيير إلى وقائعَ أُخرى، وقد يحصل في بعضها تغيير جذري، ولذلك فإن تقدير عقوبات معينة للوقائع الجارية قد لا يكون دقيقًا، وقد يكون مجافيًا للصواب. وتبقى العقوبات المقدرة للوقائع الجارية إذا أقرت كما هي، وفي حال حصول تغيير في الوقائع توضع تقديرات جديدة بحسب الوقائع الجديدة.


العفو
الجريمةُ إذا وقعت ورُفعت إلى القاضي ولم يفصل بها بعدُ، فإنها حينئذٍ ينظر فيها وهي أمام القاضي هل يؤاخذ مقترفها أم لا؟ وهل يسقط عنه العقاب أمْ لا؟ وهل للقاضي أنْ يعفوَ عن مقترفها أمْ لا؟ وفي ذلك تفصيل:
أما بالنسبة إلى مؤاخذة مرتكب الجريمة فإن العقوبات كلها من حدود وجنايات ومخالفات تطبق على جميع من هم تحت سلطان الدولة إذا حصلت الجريمة أو أحد العناصر التي تؤلفها أو تنتجها في ما للدولة عليه سلطان من أراض وهواء وبحار وأنهار. وتطبّق على جميع من يحملون التابعية الإسلامية بمن في ذلك الخليفة والحكام وأعضاء مجلس الأمة، إذ لا حصانة لأحدٍ ممن يحملون التابعيةَ، سواء أكانوا في البلاد أم خارجها. وعليه فلا عقوبة على أجنبي ارتكب جريمةً خارجَ سلطانِ الدولةِ. ويعاقب كل من يحمل التابعية الإسلامية إذا فعل جرمًا سواء كان ذلك داخل سلطان الدولة أم خارجه. ويعاقب المعاهد والمستأمن إذا فعل جرمًا داخل سلطان الدولة، ويستثنى من ذلك البعثات الديبلوماسية من سفراء ورسل فإن لهم الحصانة.
غير أن هذه العقوباتِ إنما تطبّق على مقترف الجريمة إذا كان مكلفًا شرعًا أي كان بالغًا عاقلًا وفعلها مختارًا. أما إذا كان صبيًّا أو مجنونًا فلا يعاقب لقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم "رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ وعن الصبي حتى يبلغ وعن المجنون حتى يفيق". فهذا صريح في عدم مؤاخذة الصبي والمجنون مؤاخذة البالغ العاقل. وإذا عاقبه القاضي فلا تكون عقوبته مبنيّة على دليل شرعي، بل هي اجتهاد من قبل القاضي.
وأما المكره فإنه ينظر فيه، فإنْ أُكرهَ على الجريمة إكراهَ ملجئ بأَن هُدِّدَ بالقتلِ تهديدًا صادقًا إن لم يقمْ بالفعلِ فلا يؤاخذ، لقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه". والإكراه المعتبر إنما هو الإكراه الملجئ ليس غير، أما لو أُكره بالطَّرد من الوظيفة أو بحبسه أو بغير ذلك فلا يُعدّ ذلك إكراهًا يمنع المؤاخذة، لأنَّ الإِكراهَ الذي يمنع المؤاخذة إنما هو الإكراه الملجئ ليس غير.
وأما بالنسبة إلى إسقاط العقاب عنه فإن الذي يرتكب الجريمة دفاعًا عن دينه أو عن نفسه أو عن ماله أو عن عرضه يسقط عنه العقاب، لأن الدفاع مبرر شرعي في جميع الجرائم ولو كانت جريمة قتل، لقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد". فهذا الحديث يدل على أنه لا عقوبة على من قاتل دون دينه أو دون نفسه أو دون ماله أو عرضه. وإذا قتل في الدفاع عن ذلك كان شهيدًا. وإذا قتل فلا عقوبة عليه بدليل قول الرسول في حديث آخر: "فإن قتلت ففي الجنة وإن قتلت ففي النار"، وقوله لمن قال له: "يا رسول الله إنْ جاء رجل يريد مالي؟ قال: فلا تعطه مالك. قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: قاتله". فهذا أمرٌ له بالقتال دفاعًا عن ماله. ولهذا يُعدّ الدفاع مبررًا لارتكاب الجريمة، وتسقط العقوبة عنه إذا ثبت أنه ارتكب الجريمة دفاعًا عن دينه أو نفسه أو ماله أو عرضه.
وأما بالنسبة إلى العفو فإنه يختلف باختلاف الأفعال. فإن كانت الجريمة من الحدود فلا كلام في عدم جواز العفو عنها ولا بوجه من الوجوه، للأحاديث الكثيرة الواردة في ذلك. فقد روى أبو داود عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فهو مضاد لله في أمره". وروى مسلم عن صفوان بن أمية قال: "كنت نائمًا في المسجد على خميصة لي فسرقت، فأخذنا السارقَ فرفعناه إلى رسولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم فأمر بقطعه. فقلت: يا رسول الله أفي خميصةٍ ثمنها ثلاثون درهمًا؟ أنا أهبها له. قال: فهلا كان قبل أن تأتيني به". وفي رواية لأحمد والنسائي: "فقطعه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم". وروى مالك في الموطأ عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن: "أن الزبير بن العوام لقي رجلًا قد أخذ سارقًا وهو يريد أن يذهب به إلى السلطان فشفع له الزبير ليرسله، فقال: لا، حتى أبلغ به السلطان. فقال الزبير: إذ بلغت به السلطان فلعن الله الشافع والمشفع". فهذه الأحاديث صريحة في الدلالة على عدم جواز العفو في الحدود مطلقًا، لا للخليفة ولا لصاحب الحق، بعد أن تصل القضية إلى الحاكم.
أما في الجنايات فإن للآدمي أنْ يعفوَ عن حقه قبل رفع القضية إلى القاضي وبعده، لما روى أحمد عن أبي شريح الخزاعي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "من أصيب بدم أو خبل ـــــــ والخبل الجراح ـــــــ فهو بالخيار بين إحدى ثلاث: إما أن يقتص أو يأخذ العقل أو يعفو". وهذا القول صريح بجواز العفو من قبل الآدمي عن حقه. وروى الترمذي عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "ما من رجل يصاب بشيء في جسده فيتصدق به إلا رفعه الله به درجة وحط عنه خطيئة".
وقد جاء العفو عن الجنايات في القرآن، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ} (البقرة: 178). وقال تعالى: {وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} (الشورى: 40). فهذه الأدلة توضح أن للآدمي أن يعفو في حقه في الجنايات، لأن العفو في الجنايات يصح من صاحبِ الحق.
وفي الجناياتِ إنْ عفا صاحبُ الحق سقطت العقوبة ولم يبق للدولة مجال للعقوبة. ولا تكون الدولة هي التي قد عفت إنما الذي عفا هو الآدمي صاحب الحق.
وأما إن لم يعف الآدمي صاحب الحق فإنه لا يحل للدولة أن تعفو: لا يصح للقاضي أن يعفو ولا للخليفة أن يعفو، لقوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} أي إن وجود القصاص يحفظ الحياة، وعدمه من حيث هو يؤدي إلى عدم الحياة. والقصاص هنا العقوبة، والحياة علة القصاص فهي تدور مع المعلول وجودًا وعدمًا. وبما أن محافظةَ الدولة على الحياة فرض فيكون العفوُ مؤديًا إلى ترك الفرض وهو لا يجوز. وقد حرم الله على الحاكم العفو عن الحدود صراحة لأنها حق الله، وكذلك حق الله في الجنايات لا تملك الدولة إسقاطه ولا العفو عنه. ولا يجوز للحاكم أن يعفو بل يجب أنْ يُوقِعَ العقوبةَ التي قدَّرها الشارعُ من أجلِ حقِّ الله.
وأما التعزيرُ فإنَّ تقديرَ عقوبته متروكٌ إلى الخليفة وإلى القاضي كونه نائبًا عن الخليفة. وللخليفة أن يخففَ العقوبة وله أن يعفو وليس فرضًا عليه أن يوقع العقوبة. والدليل على ذلك ما رواه أحمد عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: "أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم رجل فقال: يا رسول الله ما تقول في رجل لقي امرأة يعرفها، فليس يأتي الرجل من امرأته شيئًا إلا قد أتاه منها، غير أنه لم يجامعها. فأنزل الله هذه الآية {وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً} (هود: 114) الآية ـــــــ فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: توضأ ثم صلِّ". فهذا رجل ارتكب حرامًا وأقر أمام النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومع ذلك لم يعاقبه وعفا عنه واكتفى منه في رواية بقوله: "توضأ وصلِّ" وفي رواية أخرى قال له: "أصلّيت معنا؟" قال: نعم، فتلا عليه "إن الحسنات يذهبن السيئات". كذلك فإن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لم يعاقب من قال له: إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله، وكذلك لم يعاقب من قال له في حكمٍ حَكَمَ به للزبير: أنه ابن عمتك، مع أن الرسول غضب منه. وهذا دليل على أن الحاكمَ إذا رُفِعَتْ له قضية من قضايا التعزير فإن له أن يعفو عن المجرم.
وكذلك له أن يخفف العقوبة وأن يجعلها أدنى حد، فعن السيدة عائشة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "أقيلوا ذوي العاهات عثراتهم إلا الحدود": وأقال عثرته: ساعده على النهوض من كبوته. وهذا يعني إما بالعفو عنه وإما بالتخفيف عنه. وعن أنس بن مالك أن رسول الله قال: "الأنصار كرشي وعيبتي والناس سيكثرون ويقلون فاقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم" والتجاوز عن المسيء يكون بالعفو عنه فإن التجاوزَ هو الصفح.
وعلى ذلك فإنَّ التعزير يجوز العفو فيه ويجوز تخفيف العقوبة. غير أن ذلك إنما هو للخليفة. أما القاضي فإنه ينظر فيه فإن حدد له الخليفة أدنى حد من العقوبة فإنه لا يجوز له أن يعفو، إذ لا يجوز له أن يعاقب بأقل من الحد الأدنى الذي عينه له الخليفة، وإن لم يعينْ له أدنى حد فإن له كالخليفةِ أن يعفوَ وأن يخففَ العقوبة.
والمخالفاتُ كالتعزير بالنسبة إلى العفو، ويجري فيها ما يجري في التعزير في موضوعِ العفوِ من غير فرقٍ بينهما.
هذا كله في الجريمة إذا رفعت إلى القاضي ولم يحكم بها بعد. أما إنْ حكم بها فإنه لا يجوزُ العفو فيها، إلا في الجنايات إذا عفا صاحب الحق. أما عدم جواز العفو بعد الحكم فإنه في الحدود ظاهر لأنه عفو في الحد، فهو عام سواء قبل الحكم أو بعده. وأما في الجنايات إذا لم يعف صاحب الحق فلأنها كالحدود حق الله، ولا فرق في ذلك قبل الحكم أو بعده. وأما في التعزير والمخالفات فلأن حكم القاضي إذا تم فقد ألزم به المسلمين كافة، ولا يحل نقضه ولا إلغاؤه ولا تغييره ولا تخفيفه مطلقًا. لأن الحكم متى نطق به القاضي لا يرفع مطلقًا، والعفو نقض للحكم ولذلك لا يصح. وأما استثناء الجنايات إذا عفا صاحب الحق فلأن النصوص التي وردت فيها عامة. قال الله تعالى: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ}. وقال صلى الله عليه وآله وسلم: "ما عفا رجل من مظلمة". وهذا عام يشمل ما قبل الحكم وما بعده، ولذلك يستثنى بصريح النص، وما عداه فلا عفو بعد الحكم ولا بوجه من الوجوه.

طبيعةُ النظامِ الإسلاميّ
طبيعةُ بقاءٍ واستمرار
النظام الإسلاميّ يضمن عدم وقوع الانقلابات. والانقلابُ في نظرِ الإسلام هو الانقلابُ على النظامِ وعلى الدولةِ التي تنفذ ذلك النظام. أما استبدالُ رجال الحكم برجال حكم آخرين فلا يسمى انقلابًا مطلقًا. وكذلك ثورة الأمة على رجال الحكم إذا أخلّوا بالشرع ولم يحققوا سيادته لا تُسمّى انقلابًا، بل حركة تحريرية لتصحيح الأوضاع.
فالانقلابُ هو استبدالُ نظام بنظام آخر. وهذا هو المهمُّ في الانقلاب. وقد ضمن الإسلام في نظامه عدم حدوثِ الانقلابات. وذلك أن طبيعةَ النظامِ الإسلامي طبيعة بقاءٍ واستمرار، وتحمل في صلبها الضمانات الكافية لصيانتها من الانقلابات.
وهي ليست في حاجة إلى القوة لضمان عدم وقوع الانقلاب وإنما القوةُ أداة تنفيذية لمقابلة المادة بالمادة، كما تقتضيه طبيعة الكون والحياة والإنسان.
والضمانات الحقيقية من الانقلابِ موجودةٌ في أُسُسِ النظام وفي صلبِهِ، ومُركّزَةٌ في طاقتهِ وتشريعه. وهي ظاهرة ظهور الشمس من المسائل الآتية:
1 ـــــــ إن المبدأ الإسلامي يعملُ من داخلِ النفس وخارجها في الفردِ، والجماعةِ، والدولةِ، بالتشريعِ والتوجيهِ، وبالحرص على سيادة الشرع، ووجود تقوى الله معًا في وقت واحد. وهذه سيادة تشملُ الفردَ والدولةَ والأمةَ، وهذا وحده كافٍ لصيانتهِ من الانقلاب صيانةً أبدية، لأنَّ من يتخذ مبدأه رسالته، فيحيا من أجلها، ويستعد للموت في سبيلها، لا يمكن أن تُحدِّثهُ نفْسُهُ بالانقلاب على هذه الرسالة، ومن كان منافقًا لهذه الرسالة في الدولة، أو كافرًا بها، لا يمكن أن ينقلب عليها ما دامت قد ضمنت فيها سيادة الشرع الذي يعيش في ظله، لأنَّ سيادةَ القانون وحدها متى ضمنت في أمة كانت خير ضمانة من الانقلاب إذا كان القانونُ عادلًا، فكيف بها إذا ضَمَّتْ إليها تقوى الله؟
2 ـــــــ يجعل هذا المبدأ طبيعة عمل الدولة التي تُنفذهُ أنها خادمة للأمة، وليست سيدة عليها. ويتحتمُ عليها القيام بما يتطلبه الفردُ من جميع الأشياء المعاشية، والعلمية، والصحية، وتأمين ما يهيئ له إشباع نواحيه العاطفية أو الغريزية، في حدود مصلحة الجماعة. ونفاذ أحكام الشرع يجعل الأمة تشعر أن بقاءَ هذا الحكم ألزم لها من كل شيء. وهل من الممكن أن يحاولَ فرد أو جماعة، الثورة ضد مبدأ يقولُ فيه رئيسُ الدولة لهم ما يقوله عمر بن الخطاب: "ولكم عليّ أيها الناس خِصَالٌ أذكرها لكم، فخذوني بها: لكم عليّ ألا أجتبي شيئًا من خراجكم ولا ما أفاء الله عليكم إلا من وجهه، ولكم عليّ إذا وقع في يديّ ألّا يخرجَ منه إلّا في حقه، ولكم عليّ ألا ألْقيكم في المهالك ولا أجمّركم في ثغوركم، وإذا غبتم في البعوث فأنا أبو العيال".
نعم أمير المؤمنين أبو العيال إذا غاب أبوهم عنهم! ومثل هذه الدولة التي يضمن نظامها حياةَ أفرادها، ويوجبُ عليها القيام بهذه الضمانة، لا يمكنُ أن تجري محاولة انقلابية فيها، لأنَّ طبيعةَ عملها أي وظيفتها تجعل هذه المحاولة في حكم المستحيل.
3 ـــــــ إن السلطانَ في هذا المبدأ هو للأمة، فهي التي تنيبُ رئيس الدولة عنها، وهي التي تَبْقَى رقيبًا على الدولة في قيامها بواجباتها.
وبذلك كان هذا النوع من الحكم ضمانة طبيعية من الانقلاب. فكل مَنْ تحدّثه نَفسه بإحداثِ أي انقلاب في الدولة لا تكونُ العقبةُ التي أمامه هي رجال الحكمِ فقط، بل تكونُ الأمةُ بأسرها في وجهه. وهذا ما يمنعه من الإقدام على ذلك، وإنْ أقدمَ فقد أقدمَ على الانتحارِ.
4 ـــــــ إن نظرةَ هذا المبدأ نظرة جماعية في عقيدته وعباداته وتشريعاته وأوامره. إنه يجعل الاهتمامَ بالجماعة صِنْوَ الإيمان، فمن لم يهتم بأمرها ليس منها إيمانًا وإسلامًا. قال عليه الصلاة والسلام: "من لم يهتم بأمرِ المسلمين فليس منهم".
ولذلك يُعدّ كلُّ مسلمٍ نفسه مسؤولًا عن الجماعة وليس مسؤولًا عن نفسه فقط، وواجبه الدفاع عنها، ولو لم يدافع عنها سواه. قال عليه الصلاة والسلام: "كل مسلمٍ على ثغرةٍ من ثُغَرِ الإسلامِ فلا يؤتينّ من قبله". ولذلك يصبحُ كل فردٍ في الأمةِ رقيبًا وحارسًا، ولا يمكنُ لمن يحمل هذه المسؤولية بالرقابة والحراسة أن ينقلبَ ضدَّ مسؤوليته. وفي هذا أيضًا ضمانة من الانقلاب.
5 ـــــــ إن الأمة مأمورة بطاعة الدولة أمرًا إلهيًّا، له أثره في نفسها خوفًا من عقاب الله، وأمرًا تشريعيًّا له نتائجه من العقاب الصارم في الدنيا. أما الأمر الإلهي فظاهر في الآيات الكثيرة والأحاديث الجمة التي نصّتْ على وجوبِ طاعةِ وليّ الأمر، والتي جعلت جهنم جزاءً وِفاقًا لمن يخرج على السلطان العادل.
وأما التشريع فإن في هذا النظام زجرًا شديدًا لمن يحاول الخروج على الدولةِ، أو يحاولُ الانقلاب عليها. وقد سميَ الخارجون على الدولةِ البغاة. وحكمهم أن على الدولةِ أن تراسلَهم، فإن لم يرجعوا قاتلتهم وجوبًا، قتالَ تأديب لا قتالَ حرب.
6 ـــــــ إن نظامَ الحكم في الإسلام هو نظام مركزي، ونظام وحدة. فالمركز هو الذي يسيطر على الحكمِ في جميع أجزاء الدولة. ولذلك تكونُ الأقاليم كلها تحت سلطانه، فلا تتمكن من الخروج عن هذا السلطان، ولا تتاحُ لأيِّ إقليمٍ فرصة للاستقلال لتطبيق نظام آخر فيه، وانفصاله عن الدولة. علاوة على أن كل أقليم يُعدّ نفسه مسؤولًا عن الدولة كأنه المركز، لأنه بضعة من جسم الدولة، ويُعدّ الاعتداء على الدولةِ اعتداء عليه، والاعتداءَ على المبدأ في أي جزء من أجزاء الدولة اعتداء على نظامه هو. وهذا الاعتبار نفسه يحبط كلَّ محاولةٍ للانقلابِ في مَهْدِها.
7 ـــــــ لم يذكر لنا الواقع التاريخي محاولة للانقلاب الكلي، سوى محاولة واحدة أو محاولتين، ولم تنجح أيّ منهما. فقد حاول العربُ إثر وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام أن يحدثوا الانقلاب بإلغاء نظام الزكاة، والانفصال عن الدولةِ لا بالحكم فقط بل بالدين، وارتدوا عن الإسلام، ورجعوا إلى دينهم القديم. لكنَّ الإسلامَ كان قويًّا، واستطاعت الدولةُ التي تَقومُ على تنفيذه مع قلة عدد المسلمين وصغر الرقعة التي تسيطرُ عليها سيطرةً تامّةً بالنسبة إلى جزيرة العرب، استطاعت الدولةُ أن تَقضيَ على هذه المحاولة في الحروب المعروفة بحروب الردة، وأعادَت الأمرَ إلى نصابِه، والدولة إلى وحدتِها، والنظام إلى حياته الأولى، بتطبيقه تطبيقًا تامًّا. مع أنه لم يكنْ قد مضى على هذا النظام المدة الكافية التي تجعل له العراقة التامة، والتركز الكامل الذي يحتاج إلى وقتٍ طويلٍ في أي نظام.
وقد حاول بابك الخرمي، أن يحدثَ انقلابًا في بعضِ أجزاء الدولة الإسلامية في إيران، لكن محاولته باءت بالفشل وقضت الدولةُ عليه وعلى أتباعه.
وأما غزو التتار، والحروب الصليبية، والحروب الاستعمارية فهي ليست انقلابًا، بل هي غزو مسلح للإسلام والمسلمين. كذلك ما فعله معاويةُ من نقل الخلافة إلى ملك، وإحداثِ ولاية العهد، فلا يسمّى انقلابًا بل هو انحراف وإساءة للتطبيق في بعض أنظمة الحكم التي كانت مطبّقة في عهد الخلفاء الراشدين. وقد توسّل معاوية لهذا بدعوى الاجتهاد بما يوافقُ المصلحة (أي مصلحته الخاصة) وبإظهاره، خداعًا، الحرص التام على كيانِ الأمة الإسلامية.
ومعاويةُ بنُ أبي سفيان كان يفهمُ رئاسة الدولة أنها ملكٌ وليست خلافة: انتبه إلى قوله حين خطب في أهلِ الكوفة بعد الصلحِ، قال: "يا أهلَ الكوفة أتراني قاتلتكم على الصلاة والزكاة والحجَّ وقد علمتُ أنكم تصلّونَ وتزكونَ وتحجون؟ لكنني قاتلتكم لأتأمّرَ عليكم وعلى رقابكم. وقد آتاني الله ذلك وأنتم كارهون. ألا إنَّ كلَّ مالٍ ودمٍ أُصيبَ في هذه الفتنة فمطلول ، وكل شرطٍ شرطته فتحتَ قدميّ هاتين". نعم استمع إليه وهو يقول ذلك تَجِدْهُ يعلنُ عن نفسه أنه يخالفُ الإسلام حين يعلنُ أنه قاتلَ الناسَ ليتأمّرَ عليهم وعلى رقابهم، ثمّ يتجاوز ذلك إلى ما هو أشد وأنكر حين يقول للناس: كل شرط شرطته فتحتَ قَدَمَيَّ، فهو يعترف صراحة أنه لا يحترم العهدَ، وأنه غير مستعد أن يفي به إذا خالف هواه.
إن طريقة اجتهاد معاوية في الأمور السياسية كانت تقوم على أساس المنفعة الخاصة. ولم يتأثر بالإسلام أي بأوامر الله ونواهيه، بل كان متأثرًا بالنظام الذي كان سائدًا في تلك الأيام عند الدولتين: البيزنطية والساسانية، اللتين كان الحكمُ فيهما وراثيًّا. وقد جعل ولده يزيد ولي عهده، واحْتَال بأخذِ البيعة له في حياته.

الإسلام يساوي بين جميع المواطنين
يرى الإسلام أن الذين يحكمهم هم وحدةٌ إنسانيةٌ بغض النظر عن الطائفة والجنس، فلا يُشترطُ فيهم إلا التابعية. لا توجدُ في الإسلام الأقليات، بل جميع الناس، باعتبار إنساني، هم رعايا ماداموا يحملون التابعية. وكلّ واحد منهم يتمتعُ بالحقوق التي قررها الشرع، سواء أكان مسلمًا أو غير مسلم، وكل من لا يحمل التابعية يُحْرَمُ من هذه الحقوق.
هذا من حيثُ الحكم ورعايةُ الشؤون. أما من حيثُ تطبيقُ الأحكام فإن الإسلام يأخذُ بالناحيةِ التشريعية القانونية لا الناحية الروحية، ذاك أن الإسلامَ ينظرُ للنظام المطبّق على الناس باعتبار تشريعي قانوني، لا باعتبار ديني روحي.
فالذين يعتنقونَ الإسلام يكونُ اعتناقهم له واعتقادهم به هو الذي يُلزمهم بجميع أحكامه، لأن التسليمَ بالعقيدة تسليمٌ بجميعِ الأحكام المنبثقة عنها، فكان اعتقادهم مُلزمًا لهم بجميع ما أتت به هذه العقيدة إلزامًا حتميًّا.
ثم إن الإسلامَ جعل المسلمين يجتهدون في استنباط الأحكام. وبطبيعة تفاوت الأفهام حصل الاختلاف في فهم الأفكار المتعلقة بالعقائد، وفي كيفية الاستنباط، وفي الأحكام والآراء المستنبطة، فأدى ذلك إلى وجود الفرق والمذاهب. وقد حَثّ الرسولُ صلى الله عليه وآله وسلم على الاجتهاد وبَيّن أنّ الحاكمَ إذا اجتهدَ وأخطأ فله أجرٌ واحدٌ وإذا أصابَ فله أجران اثنان.
فتح الإسلامُ إذًا بابَ الاجتهادِ، ولذلك لم يكن عجيبًا أن يكونَ هنالك أهل السنّة والشيعة والمعتزلة وغيرهم من الفرق الإسلامية، ولم يكن غريبًا أن يكون هنالك الجعفرية والشافعية والزيدية والحنفية والمالكية والحنابلة وغيرهم من المذاهب الإسلامية. وجميع هذه الفرق والمذاهب الإسلامية تعتنقُ عقيدةً واحدةً هي العقيدة الإسلامية، وجميع هؤلاء مخاطبون باتباع أوامر الله واجتناب نواهيه، ومأمورون باتباع الحكم الشرعي لا اتباع مذهب معين.
أما المذهب فهو معين للحكم الشرعي يقلده غير المجتهد حين لا يستطيعُ الاجتهاد. هو يأخذُ هذا الحكم بالاجتهاد إن كان قادرًا عليه، وبالاتباع أو التقليد إن كان غير قادر على الاجتهاد. وعلى ذلك فإن جميع الفرق والمذاهب التي تعتقدُ العقيدةَ الإسلامية تطبق على أتباعها أحكام الإسلام.
وعلى الدولةِ ألا تتعرضَ لهذه الفرق الإسلامية، ولا لأتباع المذاهب الفقهية، ما دامت لا تخرجُ على عقيدة الإسلام. والمسلمون مطالبونَ بجميع أحكام الإسلام، إلا إن هذه الأحكام بعضها قطعي ليس فيه إلا رأي واحد كتحريم الربا ووجوب الزكاة، وكون الصلوات المفروضة خمسًا.
وهناك أحكامٌ وأفكارٌ وآراءٌ قد اختلف المسلمون في فهمها. فكان فهمها عند كل مجتهد خلاف فهم الآخر، مثل صفات الخليفة وإجارة الأرض، وتوزيع الإرث وغير ذلك. هذه الأحكام المختلف فيها يتبنى الخليفة رأيًا منها فتصبح طاعته واجبة على الجميع.
أما العبادات فليس للخليفة أن يتبنى منها شيئًا لأن تبنّيه هذا يجعل المشقة على المسلمين في عباداتهم، ولذلك عليه ألّا يأمر برأي معين في العقائد مطلقًا، ما دامت العقيدة التي يعتقدونها إسلامية، وألّا يأمر بحكم معين في العبادات، ما عدا الزكاةُ، ما دامت هذه العبادات أحكامًا شرعية. وفي ما عدا ذلك له أن يتبنى الرأي الذي يراه في المعاملات، جميعها من إجارة وبيع ونفقة وشركة إلخ... وفي العقوبات جميعها من حدود وتعزير.
نعم، إن الخليفةَ ينفذُ أحكامَ العبادات فيعاقبُ تارك الصلاة والمفطر في رمضان، كما ينفذُ سائرَ الأحكامِ سواء بسواء. وهذا التنفيذ هو واجبُ الدولة، لأن وجوب الصلاةِ ليس مجال اجتهاد ولا يُعدّ تبنّــيًا، بل هو تنفيذ لحكم شرعي مقطوع به عند الجميع. ويتبنى لتنفيذ العقوبات على تارك العبادات رأيًا شرعيًّا يُلزمُ الناس بالعمل به. هذا بالنسبة إلى المسلمين.
أما غير المسلمين فيتركون وما يعتقدون وما يعبدون. يسيرون في أمور الزواج والطلاق بحسب أديانهم، وتُعينُ الدولةُ لهم منهم قاضيًا، ينظر في خصوماتهم في محاكم الدولة. أما المطعومات والملبوسات فإنهم يعاملون بشأنها بحسب أحكام دينهم ضمن النظام العام.
هذا وإن المعاملات والعقوبات تنفذ على المسلمين وغير المسلمين سواء بسواء، من غير تمييز أو تفريق على اختلاف أديانهم وأجناسهم ومذاهبهم، فهم جميعًا مكلفون باتباع الأحكام والعمل بها. غير أن تَكْليفَهُم بذلك إنما هو من ناحية تشريعية قانونية، لا من ناحية دينية روحية، فلا يجبرونَ على الاعتقاد بها، لأنهم لا يجبرون على الإسلام، قال تعالى: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ}. وكذلك نهى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عن أن يفتن أهل الكتاب في دينهم.
السياسة الحربية في الإسلام
السياسةُ الحربيةُ هي رعايةُ شؤونِ الحرب على وضع من شأنه أن يجعل النصر للمسلمينَ والخذلان لأعدائهم. وتَبْرُزُ فيها الناحيةُ العملية الآنية، وقد أجاز فيها الشرع أشياءَ حرمها في غيرها وحَرّمَ أشياءَ أجازها في غيرها. لقد أجاز فيها الكذب مع العدو مع أنه حرامٌ معه في غير الحرب. وهكذا جعلت للسياسة الحربية اعتبارات خاصة، منها ما يتعلق بمعاملة العدو، ومنها ما يتعلق بالأعمال الحربية نفسها، ومنها ما يتعلقُ بالجيش الإسلامي، ومنها ما يتعلقُ بغير ذلك.
فيما يتعلقُ بمعاملة العدو، جعل الإسلامُ للخليفةِ وللمسلمين أن يفعلوا بالعدو مثل ما من شأنه أن يفعله العدو بهم، وأن يستبيحوا من العدو مثل ما يستبيحه العدو منهم، ولو كان من المحرمات. قال الله تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ} (النحل: 126). وقد رُوي أن سبب نزول هذه الآية أن المشركين مثلوا بالمسلمين يوم أحد: بقروا بطونهم وشرموا آنافَهم، وما تركوا أحدًا إلا مثلوا به إلا حنظلة بن الراهب. فوقف الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على حمزة وقد مثل به فرأى منظرًا ساءه فقال: "أما والذي أحلف به إن أظفرني الله بهم لأمثلن بسبعين مكانك" فنزلت هذه الآية. فالآية نزلت في الحرب. وهي قد نهت عن الزيادة عن المثل، إلا إنها قد أباحت للمسلمين أن يعاقبوا بمثل ما عوقبوا به.
ومع أن التمثيل حرام، ووردت الأخبار بالنهي عنه إذا لم يمثل العدو بقتلى المسلمين، وإلا فإن للمسلمين أن يفعلوه إذا كان العدو يمثل في قتلاهم.
ومثل ذلك الغدر ونقض العهد فإنه إن فعله العدو أو خيف منه أن يفعله جاز للمسلمين أن يفعلوه. قال تعالى: {تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء} (الأنفال: 58). وعلى هذا فإن الأسلحة النووية يجوز للمسلمين أن يستعملوها في حربهم مع العدو قبل أن يستعملها العدو معهم، لأنّ الدولَ كلها تستبيحُ استعمال الأسلحة النووية في الحرب. مع أن هذه الأسلحة يُحرَمُ استعمالها في الإسلام لأنها تهلكُ البشرَ، والجهادُ هو لإحياء البشر بالإسلام لا لإفناء الإنسانية.
ومما يتعلقُ بالأعمال الحربية حرق الأشجار أو قطعها أو إتلاف أطعمة الأعداء وزرعهم وتخريب دورهم. قال تعالى: {مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ} (الحشر: 5). (لينة: ضرب من النخل). وقد أحرقَ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم نخلَ بني النضير مع تحققه بأنه سيؤولُ إليه.
أما ما رُوي من أنّ أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال لأمير جيش بعثه إلى الشام: "لا تعقرن شاة ولا بعيرًا إلا لمأكلة ولا تحرقن نخلًا"، وقد أقره الصحابةُ جميعًا ولا مخالف له، فإن ذلك هو الأصل في الحرب. والمقصود عدم تخريب العامر وعدم قطع الشجر. ولكن إذا رأى الخليفة أو قائد الجيش أنّ كسبَ المعركة يقضي بذلك جاز في السياسة الحربية التخريب ولو كان محرمًا. قال الله تعالى: {وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ} (التوبة: 120). وهذا الكلام عام في كل شيء، ولم يرد ما يخصص هذه الآية بالذات، من قرآن أو حديث، فتبقى على عمومها.
وفيما يتعلقُ بالجيش الإسلامي يَحقّ للإمام أو لأمير الجيش أن يمنعَ من الذهاب للمعركة المنافقين أو الفساق أو المنخذلين والمرجفين ومن شاكلهم، لقوله تعالى: {وَلَـكِن كَرِهَ اللّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُواْ مَعَ الْقَاعِدِينَ (46) لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ} (التوبة: 46 ـــــــ 47).
مع أن الجيشَ الإسلامي لا يمنعُ من الاشتراك به فاسق ولا منافق ولكن إذا اقتضت السياسة الحربية منعه من الذهاب للمعركة، أو من القيام بعمل معين، أو من تولي أمر معين، فإنه يجوز للخليفة ولأمير الجيش أن يفعل ذلك.
وفيما يتعلق بمعاملة الجيش الإسلاميّ، فالأصل في ذلك الرفق وحسن الرعاية. عن جابر قال: "كان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يتخلّف في المسير فيزجي الضعيف، ويردف ، ويدعو لهم".
إلّا إن السياسة الحربية ومصلحة الإسلام قد تقضيان بغير ذلك أحيانًا، كما حصل مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عند رجوعه من غزوة بني المصطلق، إذ كان عبد الله بن أبي سلولٍ يسعى في إيقاع الفتنة بين المهاجرين والأنصار، ويعملُ على إثارة الجدل والشحناء بينهم، فرجع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بالجيش الإسلاميّ، إلى المدينة، بسرعةٍ فائقة، سائرًا بسيرِ أقوى الجنود، لا بسير أضعفهم كما هو الأمر في الأحوال العاديّة. كلّ ذلك ليقطعَ دابرَ الفتنة، ويردَّ كيدَ المنافقين إلى نحورهم.
وهكذا تقضي السياسة الحربية أن يقومَ الإمامُ بأعمال تقتضيها رعاية شؤون الحرب لكسب المعركة وخذلان العدو والانتصار عليه. إلا إن هذا كُلّهُ مفيد إذا لم يرد نص على عمل معين، فإذا ورد نَصّ خاص فإنه لا يجوز أن يفعلَ ذلك العمل بحجة السياسة الحربية لأن السياسةَ الحربية عامة، إلا أن يَرِدَ نص في أمر يستثنيه من العموم فيتبع النص فيما خصص به.
روى أحمد عن صفوان بن عسال قال: "بعثنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في سرية فقال: سيروا باسم الله وقاتلوا في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، ولا تمثلوا ولا تغدروا، ولا تقتلوا وليدًا". وروي أنه وجدت امرأة مقتولة في بعض مغازي النبي صلى الله عليه وآله وسلم فنهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن قتل النساء والصبيان وقال: "لا تقتلوا الذرية في الحرب. فقالوا: يا رسول الله أوليس هم أولاد المشركين؟ قال: أوليس خياركم أولاد المشركين". وعن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "انطلقوا باسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله، لا تقتلوا شيخًا فانيًا ولا طفلًا صغيرًا ولا امرأة، ولا تغلوا، وضموا غنائمكم وأصلحوا، إن الله يحب المحسنين".
وقد وردت النصوصُ على أنه يجوز أن تفعل هذه الأمور جميعها، وأن يضرب بالمدافع والقنابل من بعيد، وأن يقتل الصبيان والنساء إذا لم يكن الوصول إلى الأعداء إلا بقتلهم لاختلاطهم بهم. عن الصعب قال: "سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن أولاد المشركين أنقتلهم معهم قال: نعم". وروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه نصب المنجنيق على أهل الطائف. والمنجنيق حين يضرب به لا يميز بين المرأة والرجل والطفل والشيخ الكبير... إلى غير ذلك. وهذا يدل على أن الأسلحة الثقيلة كالمدافع والقنابل يجوز استعمالها في الحرب إذا لم يكن الوصول إلى الأعداء إلا بوطء أو بقتل الذرية والنساء، فإذا أصيبوا لاختلاطهم بهم جاز ذلك.
أما فعل كل من هذه الأمور وحده في غير المنجنيق وفي غير حالة عدم إمكانية التمييز بين الأعداء الذين نحاربهم ففيه تفصيل بحسبما ورد في النصوص. فالصبيان يحرم قتلهم مطلقًا في غير الحالتين السابقتين، وكذلك الأجير الذي يكون مع القوم مجبرًا لأنه من المستضعفين، وذلك لورود النهي عن قتلهم بشكل قاطع ولم يعلل بأي علة.
أما النساء فإنه ينظر فيها فإن كانت المرأة تحاربُ جازَ قتلها، وإن لم تكن تحارب لم يَجُزْ قتلها. وروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه مر بامرأةٍ مقتولةٍ يومَ حنين فقال: من قتل هذه؟ فقال رجل: أنا يا رسولَ الله غنمتها فأردفتها خلفي فلما رأت الهزيمة فينا أهوت إلى قائم سيفي لتقتلني فقتلتها، فلم ينكرْ عليه الرسولُ صلى الله عليه وآله وسلم. وبذلك يتبين أن المرأة إذا قاتلت جاز قتلها.
وأما الشيخ الفاني فإنه إذا كان فانيًا لم يبق فيه نفع للكفار ولا مضرة على المسلمين فلا يجوز قتله للنهي عن قتله. وإذا كان العكس يجوز قتله، وذلك لما روي عن سمرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "اقتلوا شيوخ المشركين".
هذه هي الأمور التي ورد بها النص وما عدا ذلك فإنه يجوز. ولا يستفظع أي عمل يفعله المسلمون بعدوّهم ما دام هذا العمل حصل في حالة الحرب، سواء أكان هذا العمل حلالًا أم حرامًا في غير الحرب. ولا يستثنى من ذلك إلا الفعل الذي ورد النص في النهي عنه في الحرب صراحة.
الكذب في الحرب
الكذِبُ كُلّهُ حرام قطعًا بنص القرآن القطعي، وتحريمه من الأحكام المعروفة من الدين بالضرورة. قال تعالى: {لَّعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ}. ولكن ورد نص استثنى من تحريم الكذب أشياء معينة حَصَرها وحَدّدَها فلا يجوزُ تعديها لما روي عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قال: "يا أيها الناس ما يحملكم أن تتابعوا على الكذب كتتابع الفراش في النار. الكذب كله على ابن آدم حرام إلا في ثلاث خصال: رجل كذب على امرأته ليرضيها، ورجل كذب في الحرب فإن الحرب خدعة، ورجل كذب بين مسلمين ليصلح بينهما". هذه الثلاث من المستثنيات من تحريم الكذب بنص صحيح، ولا يحل أن يقعَ الكذبُ في غيرها إذ لا يستثنى من عموم النص إلا ما خصه الدليل. وكلمة "في الحرب" الواردة في الحديث ليس لها إلا معنى واحد وهو حال الحرب الفعلية، فلا يجوز الكذب في غير حالة الحرب مطلقًا. وأما ما صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أنه كان إذا أراد غزوة ورّى بغيرها، فالمراد أنه كان يريد أمرًا ولا يظهره: كأنْ يريد أن يغزوَ جهة المشرق فيسأل عن أمر في جهة الجنوب ويتجهز للسفر فيظن من يراه ويسمعه أنه يريدُ جهة الجنوب. وأما أنه قد صرّح بإرادته الجنوب ومراده المشرق فذلك لم يحصل، ولا يكون على هذا إخبارًا بخلاف الواقع بل هو من قبيل التورية، فضلًا عن أنه داخل في حالة الحرب الفعلية، لأنه ذهاب إلى المعركة لمحاربة العدو فعلًا، وهو من الخدعة الواردة في قوله عليه وعلى آله الصلاة والسلام: "الحرب خدعة".
وقد روي عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "من لكعب بن الأشرف فإنه قد آذى الله ورسوله؟ قال محمد بن مسلمة: أتحب أن أقتله يا رسول الله؟ قال: نعم. قال: فائذن لي فأقول، قال: قد فعلت. قال: فأتاه فقال: إن محمدًا قد عنّانا وسألنا الصدقة ونكره أن ندعه حتى ننظر إلى ما يصير إليه أمره. ولم يزل يكلمه حتى استمكن منه فقتله". إن هذه الحادثة فيها ما يشبه الغدر، وهو مسموح به في حالة الحرب. وإن كانت ألفاظ الحديث نَصّت على أن ما قاله محمد بن مسلمة صدق وليس بكذب، وكلامه تعريضٌ، لكن رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم أذن له أن يقول كل شيء. وهذا الإذن بالكذب تصريحًا وتلويحًا، جائز في حالة الحرب.
ومنه حديث أنس في قصة الحجاج بن علاط في استئذانه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أن يقول عنه ما شاء لأجل استخلاص ماله من أهل مكة. وقد أذن له الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فأخبر أهل مكة كذبًا أن أهل خيبر هزموا المسلمين، وهذا يدخلُ كذلك في حالة الحرب. إذ جواز الكذب لا يقتصر على المعركة ولا على المحاربين بل يجوز للمسلمين أن يكذبوا على الكفار أعدائهم إذا كانوا في حالةِ حرب فعلية معهم.
التجسس
التجسسُ هو تفحصُ الأخبار، يُقالُ في اللغة جس الأخبار وتجسسها: تفحص عنها، ومنه الجاسوس. فإذا تفحص الشخصُ الأخبارَ فقد تجسسها سواء تفحص الأخبار الظاهرة أو المخفية. ولا يُشترطُ في تفحص الأخبار أن تكون مخفية حتى يكونَ الفعل تجسسًا، بل إن التجسس هو تفحص الأخبار ما يخفى منها وما يظهر أي الأسرار وغير الأسرار.
أما من يتتبع الأخبار ليجمعها وينشرها على الناس كمراسلي الجرائد ووكالات الأنباء فلا يُعَدّ جاسوسًا بل يكون مراسلًا، إلا أن يكون عمله التجسس واتخذ مراسلة الجرائد والوكالات وسيلة. ففي هذه الحال يكون جاسوسًا لا لكونه مراسلًا يتتبع الأخبارَ، بل لكون عمله هو التجسس، واتخذ المراسلة وسيلةً للتغطية كما هي الحال مع كثير من المراسلين، ولا سيما الأعداء الحربيين منهم. وأما موظفو دائرة التحري والمكتب الثاني، ومن شاكلهم ممن يتفحص الأخبار فإنهم جواسيس لأن طبيعةَ عملهم تتعلقُ بالتجسس.
هذا هو واقعُ التجسس وواقع الجاسوس. أما حكم التجسس فإنه يختلف باختلاف من يتجسس عليهم. فإذا كان التجسسُ على المواطنين الذين هم رعايا الدولة الإسلامية فهو حرام ولا يجوز، وإذا كان التجسس على الأعداء الحربيين سواء أكانوا حربيين حقيقة أم حكمًا، فإنه جائز للمسلمينَ وواجب على الخليفة. أما كون التجسس على المواطنين حرامًا فثابت بصريح القرآن الكريم. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا} (الحجرات: 12). فنهى الله في هذه الآية عن التجسس. وهذا النهي عام يشمل كل تجسس، سواء أكان تجسسًا لنفسه أم لغيره، وسواء أكان تجسسًا للدولة أم للأفراد، وسواء أكان الذي يقوم به الحاكم أم المحكوم، فالكلام عام يشملُ كل شيء ينطبق عليه أي تجسس، وكله حرام.
وهنا يرد سؤال وهو: هل يجوزُ للمسلم أن يشتغلَ موظفًا في دائرة التحري أو دائرة المباحث أو غيرها من الدوائر التي يكونُ عملها أو من عملها التجسس؟
الجواب عن ذلك: ينظر، فإن كانت الوظيفة للتجسس على المواطنين فلا يجوز، وأما إن كانت الوظيفة للتجسس على الأعداء الحربيين الذين يدخلون بلادنا من مستأمنين ومعاهدين فإنه يجوز، كما أنه يجوز التجسس عليهم في بلادهم. وعلى ذلك فإن وجود دائرة التحري والمباحث أو ما شاكلها ليس بحرام بل هو واجب. والحرام أن توجد الدولة دائرة للتجسس على المواطنين. ولا يقال إن مصلحة الدولة تقتضي أن تعرف أخبار الرعية حتى تكشف المؤامرات وتهتدي إلى المجرمين، لأن على الدولة أن تعرف ذلك عن طريق الشرطة والعسس وليس عن طريق التجسس. وكون العقل يرى أن ذلك الشيء مصلحة أو ليس بمصلحة لا يصلح علة للتحريم أو الإباحة، فما يراه الشرع وحده مصلحة فهو مصلحة.
على أن آيات القرآن الكريم حين تأتي صريحة في تحريم شيء لا يبقى مكان للحديث عما فيه مصلحة لتعليل جعله حلالًا، إذ لا قيمة لذلك أمام نص القرآن الصريح، والقرآن يقول: {وَلَا تَجَسَّسُوا} وهذا يعني النهي عن التجسس، ولا سبيل للذهاب إلى غير ما تدل عليه الآية وما هو صريح في لفظها. ولم يرد أي دليل يخصص عموم هذه الآية أو يستثني منها شيئًا، فتبقى على عمومها تشمل كل تجسس، ويكون التجسس على الرعايا كله حرامًا.
هذا بالنسبة إلى التجسس على المواطنين، أما تجسس المواطنين أي "المسلمين والذميين" على الأعداء الحربيين سواء كانوا حربيين حقيقة أو حكمًا فهو مستثنى من عموم الآية لورود أحاديث بذلك. منها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعث عبد الله بن جحش ومعه ثمانية رهط من المهاجرين، وكتب له كتابًا وأمره ألّا ينظرَ فيه حتى يسيرَ يومين، ثم ينظر فيه فيمضي لما أمره به ولا يستكره من أصحابه أحدًا. فلما سار عبد الله يومين فتح الكتابَ فنظرَ فيه فإذا فيه: "إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزلَ نخلةً بين مكة والطائف فترصد بها قريشًا وتعلم لنا من أخبارهم". في هذا الكتاب يأمرُ الرسولٌ صلى الله عليه وآله وسلم عبدَ الله بن جحش بالتجسس له على قريش وبأن يعلمه من أخبارها. لكنه يجعل التخيير لأصحابه أن يسيروا معه أو لا، أما هو فإنه يأمره أن يمضي. وبهذا يكون الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قد طلبَ القيام بالتجسس من الجميع لكنه عزم على عبد الله وخير الباقين، وهذا دليل على أنَّ الطلبَ بالنسبة إلى أمير الجماعة طلبٌ جازم وبالنسبة إلى غيره غير جازم. وكان ذلك دليلًا على أن تجسس المسلمين على العدو جائز وليس بحرام، ودليلًا على أن التجسسَ واجب على الدولة.
على أن التجسسَ على العدو من الأمور التي لا يستغني عنها جيش المسلمين، إذ لا يتم تكوين جيش للحرب من دون أن تكون معه جاسوسية له على عدوّه، فوجود الجاسوسية في الجيش واجب على الدولة من باب "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب". هذا حكمُ التجسس من حيثُ كونه حرامًا أو جائزًا او واجبًا.
أما حكم عقوبة الجاسوس الذي يتجسس للأعداء الحربيين فتختلف باختلاف تابعية الجاسوس وباختلاف دينه. فالكافرُ الحربي حين يكونُ جاسوسًا فإن حكمهُ القتل بمجرد ثبوت كونه جاسوسًا، وذلك لما رواه سلمة بن الأكوع قال: "أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عين وهو في سفر، فجلس عند بعض أصحابه يتحدث ثم انسل. فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: اطلبوه فاقتلوه. فسبقتهم إليه فقتلته فنفلني سلبه". وفي رواية لأبي نعيم في المستخرج: "ادركوه فإنه عين" وهذا صريح بأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بمجرد أن ثبت لديه أنه جاسوس قال: اطلبوه فاقتلوه.
أما الذمي حين يكون جاسوسًا فإنه يُنظرُ فيه، فإن كان قد شرط حين دخوله الذمة ألّا يتجسسَ وإن تجسس يُقتل، فإنه يُعْمَلُ بالشرطِ. وأما إن لم يشرط عليه ذلك فإنه يجوز للخليفة أن يجعلَ عقوبته القتل، لما رواه أحمد عن فرات بن حبان أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر بقتله، وكان ذميًّا وكان عينًا لأبي سفيان وحليفًا لرجل من الأنصار أي إنه كان معروفًا. فالرسول صلى الله عليه وآله وسلم قال في شأن الكافر الحربي: "اطلبوه فاقتلوه". أما في شأن فرات بن حبان فقد أمر بقتله ولم يطلب من المسلمين أن يقتلوه. وظاهر في ذلك الفرق بينهما بأن الحربي طلب قتله جازمًا، والذمي طلب قتله طلبًا غير جازم، مما يدل على جواز قتل الجاسوس الذمي، وجواز عدم قتله.
وأما الجاسوس المسلم الذي يتجسس للعدو على المسلمين والذميين فإنه لا يقتل، لما روى مسلم عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم "لا يحل دم امرىء مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة". فهذا الحديثُ حَصَرَ القتلَ في هذه الثلاث وما عداها من الذنوب لا يجوز أن يكونَ عقوبتها القتل.
أما بالنسبة إلى المسلم فتكون عقوبته التعزير. وروى البخاري عن علي عليه السلام قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنا والزبير والمقداد بن الأسود وقال: انطلقوا حتى تأتوا روضةَ خاخ فإن بها ظعينة ومعها كتاب فخذوه منها، فانطلقنا تتعادى بنا خيلنا حتى انتهينا إلى الروضة فإذا نحن بالظعينة، فقلنا: اخرجي الكتاب. فقالت: ما معي من كتاب. فقلنا: لتخرجن الكتاب أو لتلقين الثياب، فأخرجته من عقاصها، فأتينا به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإذا فيه أنه مرسل من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس من المشركين من أهل مكة يخبرهم ببعض أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يا حاطب ما هذا؟ قال: يا رسول الله لا تعجل علي إني كنت امرأ ملصقًا في قريش، ولم أكن من أنفسها وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات بمكة يحمون بها أهلهم وأموالهم، فأحببت إذا فاتني ذلك من النسب فيهم أن اتخذ عندهم يدًا يحمون بها قرابتي، وما فعلت ذلك كفرًا ولا ارتدادًا ولا رضا بالكفر بعد الإسلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لقد صدقكم. وهذا الحديث ثابت ويحتج به، وهو دليل على أن الجاسوس المسلم لا يقتل بل يعاقبُ بالحبس وغيره بحسبما يراه القاضي أو الخليفة.
الهدنة
عقد الهدنة بين المسلمين وغير المسلمين جائز لمهادنة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قريشًا عام الحديبية. لكن جوازَ الهدنة مقيد بوجود مصلحة يقتضيها الجهاد أو نشر الدعوة. وذلك أن رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم بلغه قبل مسيره إلى الحديبية أن مواطأة كانت بين أهل خيبر ومكة على غزو المسلمين. وقد بادر بعد رجوعه من الحديبية مباشرة إلى غزو خيبر، وبادر كذلك إلى إرسال الرسل إلى الملوك والأمراء يدعوهم إلى الإسلام، مما يدل على أن هدنة الحديبية كانت لمصلحة تتعلقُ بالجهاد ونشر الدعوة، إذ استطاع بموادعة قريش أن يتفرغ لحرب خيبر ولدعوةِ الملوك والأمراء. ولا تجوزُ الهدنة عند عدم وجود هذه المصلحة، إذ الهدنة ترك القتال المفروض وهو لا يجوز إلا في حال يقع وسيلة إلى القتال لأنها حينئذٍ تكون قتالًا. قال تعالى: {فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ} (محمد: 35).
وإذا تحققت المصلحة لعقد الهدنة يجب تقدير مدة معينة معلومة لها لأنها شرط من شروط صحتها. فإذا لم تُحَدّدْ مدة معينة فيها فسد عقد الهدنة، لأنّ هُدْنَةَ الحديبية قد حُدّدتْ فيها مدة معينة. وإذا عقدت الهدنة وصحت وجب علينا الكف عن الأعداء ومراعاة عقد الهدنة حتى تنقضي مدتها أو ينقضوها هم. ويكون نقضها بتصريح منهم أو بقتالنا، أو فعل شيء مخالف لشروط الهدنة ولم يُنْكِر الباقون منهم ذلك بقول أو فعل. فإذا حصل ذلك تنقضي الهدنة فيهم جميعًا. وكذلك إذا خافتِ الدولةُ خيانتهم لشيء مما ينقض إظهاره الهدنة بأن ظهرت أمارة بذلك، كان هذا نقضًا للهدنة. وإذا حصل شيء من ذلك جازت الإغارة عليهم في كل وقت ليلًا أو نهارًا، لأن نقضَهم للهدنة يبيح للمسلمين أن يقاتلوهم وأن ينقضوا الهدنة معهم. فالرسول صلى الله عليه وآله وسلم لما هادنَ قريشًا ونقضت عهده حل له منهم ما كان محرمًا، فقاتلهم وفتح مكة لأن الهدنةَ عقد مؤقت ينتهي بانقضاء مدته أو بنقضه. قال تعالى: {فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُم} (التوبة: 7) وقال: {وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ} (التوبة: 12). وإذا أخلّ الأعداءُ بشروطِ الهدنة ولم يراعوا اتفاقيتها في تصرفاتهم معنا فقد أحلونا من عهدنا، وبذلك حلت لنا دماؤهم وأموالهم ووجب علينا حربهم، وأن نقاتلهم مذ قاتلونا وأن ننقضَ الهدنة معهم مذ نقضوها.

المعاهدات
للدولة الإسلامية أن تَعْقِدَ معاهداتِ الصلح والهدنة وحسن الجوار والمعاهدات الثقافية والمعاهدات التجارية والمالية وما شابه ذلك من المعاهدات التي تقتضيها مصلحة الدعوة الإسلامية بالشروط التي يُقرّها الإسلامُ. وإذا تضمنت هذه المعاهدات شروطًا لا يقرها الإسلامُ فإنه يبطلُ منها من الشروط ما لا يصح في الإسلام وتبقى المعاهدة نافذة في باقي الشروط. لأن كُلّ شرط يخالفُ الشرعَ باطل ولو رضي به ووافق عليه خليفة المسلمين. فإذا كانت بين الدولة الإسلاميةِ وعدوّها حالة حرب فإنه يجوزُ لها أن تَعْقِدَ معاهدة هدنة أو معاهدة صلح بحسبما يقتضيه الموقف حينئذٍ، وما تتطلبُهُ مصلحة الدعوة. وإذا رأت الدولةُ الإسلامية أن تُسالـمَ وتصادقَ دولةً مجاورةً أو دولة بعيدة منها لأمرٍ تقتضيه الدعوة فإنه يجوز لها أن تفعلَ ذلك. فقد تجد الدولة في الموادعاتِ مع الأعداء أداة لتوصيل الدعوة إليهم، ولإيجاد رأي عام عندهم عن الإسلام، وقد تجد في الموادعات دفع شر كبير أو التوصل إلى عدوّ آخر، ولذلك يجوز للدولة الإسلامية أن تعقدَ مع الدولِ المجاورة معاهدةَ حسنِ جوار، كما يجوزُ أن تعقد مع الدول غير المجاورة معاهدات عدم اعتداء لمدة معينة إذا رأت في ذلك طريقًا للدعوة الإسلامية أو حمايةً للمسلمين أو مصلحةً لهم. وقد عاهد الرسولُ صلى الله عليه وآله وسلم بني مدلج وغيرهم ليؤمن الطرق التي يسلكها جيشه لمحاربة عدوّه. وعاهد يوحنا بن رؤبة في تبوك ليومنَ حدودَ الدولة من جهةِ الروم على حدود بلاد الشام.
وإذا طلب قومٌ من أهل الحرب الموادعة سنين معلومة نظر الخليفة في ذلك فإن رآه خيرًا للمسلمين فعله لقوله تعالى: {وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا} (الأنفال: 61)، وإن لم تكن الموادعة خيرًا للمسلمين فلا ينبغي أن يوادِعَهم.
وإذا طلبَ حاكمٌ الذمة على أن يُتركَ يَحكُمُ في رعيته كما شاء من ظلم واستبدادٍ وغيره مما لا يصلحُ في دارِ الإسلام لم يُجَبْ إلى ذلك لأن التقريرَ على الظلم مع إمكان المنع حرام، ولأن على الذمي أن يلتزم بأحكام الإسلام فيما يرجع إلى المعاملات. وهذا الشرط الذي يطلبه الحاكم هو بخلاف موجب العقد، فهو شرط باطل فإن أعْطِيَ الصلح والذمة على هذا بطل لقوله صلى الله عليه وآله وسلم "كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل". وإن طلب الصلح والذمة ورضي بحكم الإسلام صار ذمة للمسلمين، وصارت نصرته واجبة كنصرة المسلمين.
المعاهدات الاضطرارية
قد تقع الدولةُ الإسلاميةُ في أَزَمَاتٍ داخلية أو خارجية تضطرها لأن تعقد معاهدات لا تؤدي مباشرة إلى حمل الدعوة ولا إلى القتال في سبيل الله، لكنها تسهل إيجاد أوضاع تُمَكن من حملها في المستقبل، أو تحفظُ كِيانَ المسلمين. فمثل هذه المعاهدات تجبر الضرورة على عقدها. ولذلك يجوز للخليفة أن يعقدَها، وتكون نافذة على المسلمين. وتقع هذه المعاهدات في حالتين اثنتين نص عليهما الفقهاءُ وهما:
الأولى: إذا أراد قوم من أهل الحرب الموادعة مع المسلمين سنين معلومة على أن يؤدوا إليهم الخراج كل سنة شيئًا معلومًا شرط ألّا تجري أحكام الإسلام عليهم في بلادهم لم يَجُزْ ذلك، إلا إذا كانت الدولةُ غير قادرة على منع الظلم، ورأت في هذه الموادعة خيرًا للمسلمين فإنه يجوز حينئذٍ عقدها اضطرارًا. وفي هذه الحال لا يكون لهم على الدولة الإسلامية المعونة والنصرة لأنهم بهذه الموادعة لا يلتزمون أحكام الإسلام ولا يخرجون عن أن يكونوا أهل حرب إذ لم ينقادوا لحكم الإسلام فلا يجب على المسلمين القيام بنصرتهم. وهذه المعاهدة المحدودة المدة تجعلُ الأمان لهذه الدولة مضمونًا من الدولة الإسلامية. فمن يدخلها من المسلمين يدخلها بأمان المعاهدة، ولا يجوز له أن يتعرضَ لأهلها. ومن يدخل بلاد المسلمين من رعايا هذه الدولة يدخلها بأمان المعاهدة ولا يحتاج إلى أمانٍ جديدٍ سوى الموادعة، ولا يجوزُ أن يتعرضَ له أحد من المسلمين، ولا يُمنعُ التجارُ من ممارسة التجارة مع هذه الدولة بجميع السّلع إلا الأدوات التي تُستعملُ في الحرب.
الحالة الثانية: أن يدفعَ المسلمون إلى عدوّهم مالًا مقابل سكوته عنهم. وقد ذكر الفقهاء أنه إن حاصر العدوّ المسلمين وطلبوا الموادعة سنين معدودة على أن يؤديَ المسلمون للأعداءِ شيئًا معلومًا كل سنة، فلا ينبغي للخليفة أن يجيبهم إلى ذلك إلا عند الضرورة القصوى، أي عندما يرى أن هذا الصلحَ خير لهم، فحينئذٍ لا بأس بأن يفعله، لما روي من أن المشركين عندما أحاطوا بالخندق وصار المسلمون في بلاء كما قال الله تعالى: {هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً} (الأحزاب: 11) بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى عبيدة بن حصن وطلب منه أن يرجع بمن معه على أن يعطيه كل سنة ثلث ثمار المدينة، فأبى إلا النصف، فلما حضر رسله ليكتبوا الصلح بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قام سيدا الأنصار سعد بن معاذ وسعد بن عبادة رضي الله عنهما وقالا: يا رسول الله أوحي أم رأي أم رأفة بنا؟ قال بل رأفة بكم إني رأيت العرب رمتكم عن قوس واحد، فأحببتُ أن أصرفَهم عنكم. قالا: يا رسول الله كنا نحن وهم في الجَاهليةِ لم يكن لنا ولا لهم دين فكانوا لا يطمعون في ثمار المدينة إلا بشراءٍ أو قرى، فإذا أعزنا الله بالدين وبعث فينا رسوله نعطيهم الدنية؟ لا نعطيهم إلا السيف. فقال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: اذهبوا فلا نعطيكم إلا السيف. فهذا يدل على أن الرسولَ صلى الله عليه وآله وسلم مالَ إلى الصلح في الابتداء لما احَسّ ضعفَ المسلمين. فحين رأى القوة فيهم بما قاله سعد بن معاذ وسعد بن عبادة امتنعَ عن ذلك. وقد دلّ هذا على أنه لا بأسَ من عقدِ معاهدة مع الأعداء يدفع لهم مال بموجبها عند خوف الضرر. هذا لأنهم إذا انتصروا على المسلمين أخذوا جميع الأموال، فدفع بعض المال أهون وأيسر...
نقض المعاهدات
جميع المعاهدات التي تعقدها الدولة الإسلامية يجب أن تكون محددة لأجل معين. ولا يجوز نقضها إلا في الأحوال التي نص عليها الشرع وهي:
أولًا: إذا ظاهر المعاهدُ عدوًّا من أعداءِ المسلمين وناصره عليهم، وذلك كأن يكون بين الدولةِ الإسلاميةِ ودولة أخرى حالة حرب فِعلية فصارت الدولةُ التي بيننا وبينها معاهدة تمد هذا العدو بالمال أو العتاد وتنصرهُ علينا ففي هذه الحال يجوز للدولة الإسلامية أن تنقض المعاهدة لأن الله تعالى يقول: {إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَداً} (التوبة: 4). فإن مفهومه إذا ظاهروا على المسلمين أحدًا جاز للمسلمين نقض المعاهدة معهم.
ثانيًا: أن ينقض المعاهدُ شرطًا من شروطها، وذلك كما حصلَ مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في صلحِ الحديبية، فإن خُزاعةَ دخلت في حماية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وحالفته فنقضت قريش هذا الشرطَ وحرضت بني بكر على خزاعة ثم ندمت وحاولت إبقاء المعاهدة. لكن الرسولَ صلى الله عليه وآله وسلم عدّ هذا النقضَ مبيحًا له نَقْضَ المعاهدة، فنقضها وحاربَهم وفتح مكة.
ثالثًا: إذا خيفَ خيانة المعاهد وغدره يجوزُ نقض المعاهدة. قال الله تعالى: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء} وفي هذه الحال يجب إعلام العدو بنقض المعاهدة معه. ولا يشترط في النقض حصول الغدر بالفعل، بل يكفي مجرد الخوف من العدو لأن يكونَ مبررًا لنقض المعاهدة. ويكتفي بالإعلام حتى يستوي علم الطرفين بالنقض.
رابعًا: أن ينقضَ المعاهدون المعاهدة نقضًا تامًّا، وفي هذه الحال يجبُ نقضُ المعاهدة معهم وضربهم ضربات قاسيةٍ تكونُ درسًا وعبرةً لغيرهم قال تعالى: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللّهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ (55) الَّذِينَ عَاهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ (56) فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} (الأنفال: 55 ـــــــ 57).
هذه هي الأحوالُ الأربعةُ التي يجوزُ للمسلمين فيها أن ينقضوا المعاهدات المعقودة بينهم وبين عدوّهم، ويجوز لهم أن يعودوا إلى قتالهم بعد ذلك. إلا إنه ينبغي في نقضِ المعاهدة أن ينبذَ إليهم على سواء أي على سواء منكم أو منهم في العلم بذلك. ولا يحل قتال الأعداء قبل النبذِ وقبل أن يعلموا بذلك ليعودوا إلى ما كانوا عليه من التّحَصّنِ والاحتراز من الغدر. أما الذين يوفون بمعاهداتهم ويستقيمون فيجب أن يوفي المسلمون معهم بعهدهم ويستقيموا كما استقاموا قال تعالى: {إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ} (التوبة: 4). ومفهومه أن الذين نقضوا من معاهدة المسلمين شيئًا أو ظاهروا عليهم أحدًا فلا تتموا إليهم عهدهم، أما إذا لم يفعلوا ذلك فأتموا إليهم معاهدتهم إلى نهاية مدتها. وقال تعالى: {كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ} (التوبة: 7). ومفهومه إذا لم يستقيموا لكم فلا تستقيموا لهم. أما إذا استقاموا فاستقيموا وأوفوا لهم عهدهم. ومن ذلك يتبين أن الوفاءَ بالمعاهداتِ أمر واجب فإذا انتهت مدتها جاز عدم تجديدها وأنهاؤها. وعليه فإن الاتفاقاتِ الدولية قد حدد الشارعُ أنواعَها وحدد الحالاتِ التي ينتهي العمل بها فيجب التزام ما بَيّنَهُ الشارعُ وحده في المعاهدات والوقوف عند حد الشرع في شأنها مع ترك أمرِ الأسلوبِ والاختيار إلى رأي الخليفة واجتهاده.
ciloxan notice ciloxan bivirkninger ciloxan alkohol



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB