عالمية الإسـلام وماديـة العولمـة
الطبعة : الطبعة الثانية  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   300
تاريخ النشر :   2010




الفصل السادس - طريقة الإسلام في خطابه القرآني

صراع الأفكار بين الإقرار والإنكار
حقيقة وجـود الله علم وإنكار وجـوده جهـل
قدرة العقل على اكتشاف الحقائق

طريقة الإسلام في خطابه القرآنيّ
صراع الأفكار بين الإقرار والإنكار
حقيقةُ وجودِ الله عِلْمٌ وإنكارُ وجودِهِ جهلٌ:
إنّ الناسَ يجادلون في حقيقة وجود الله قديماً وحديثاً ولا يزالون حتى تقوم الساعة. ولكنّ جدالهم هذا يُجيب عليه سبحانه وتعالى بأنه جدالٌ غيرُ مَبْنِيٍّ على أُسسٍ علمية ولا هدايةٍ فكريَّة، وليس لهم كتابٌ مضيءٌ يستنيرون به، بقوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدىً وَلاَ كِتَابٍ مُنِيرٍ *}.
والمعنى أَنَّ الذي يُجادلُ في حقيقة وجود الله بغير علم لا يتّبع أدلّةَ العقل المستنير، وإنما يتّبع هَوَى النفس أو أدلّةَ التقليد. وفي هذا دلالةٌ على أنَّ الجدال بالعلم صوابٌ وبغير العلم خطأ، لأن الجدال بالعلم يؤدي إلى اعتقاد الحق وبغير العلم يؤدي إلى اعتقاد الباطل.
ونرى أنه إذا انتهى السجال الجَدليّ إلى التسليم بحقيقة وجود الله فإن هذا التسليم لكي يكون إيماناً صحيحاً عليه أن يُقرَّ بحقيقةٍ أخرى لا تقل شأناً عن الأولى، وهي إفراده سبحانه بالوحدانية إلى جانب إفراده بالألوهية والربوبيّة. ويتأتّى ذلك من طريق التفكُّر في الكون وما فيه من شواهدَ تدلُّ على أنه وحده المُوجِدُ المُنْعِم، لا يُلْجَأُ إلا إليه، ولا يُعْتَمَدُ إلا عليه. ويترتّب على هذا الإيمان استشعارُ العبد عبوديَّتَه لله والعملُ بما أمر به والانتهاءُ عَمّا نهى عنه.
وهكذا نجد أنه كما يقتضي الإيمان بوحدانية الله كذلك يقتضي إفرادُه بالمعبوديّة والانقيادُ لشرعه، على مستوى الفرد بصفته عبداً لله تعالى وعلى مستوى الجماعة، بصفتها مكلفة تنفيذ الأحكام الشرعية. فبإفراد الله عزّ وجلّ بالألوهية والربوبية يكتمل إيمانُ الفرد المؤمن، وبإفراده بالسيادة والمرجعية للشرع الإسلاميّ يكتمل إيمانُ الدولة والمجتمع.
قدرة العقل على اكتشاف الحقائق:
إن الإيمانَ بحقيقة وجود الله تعالى وبوحدانيته محصّلةٌ فكريّة لا سبيل إلى إنكارها، وهي إنْ دلّت على شيء فإنها تدلّ على أنّ العقل السليم لا بُدَّ له من اكتشاف حقائق الأشياء. نقول هذا بغضّ النظر عن تصريح مَن عقَلَهَا أو إخفائِهِ لها، لأن إخفاء الحقائق لا يعني أن العقل ليست له القدرة على اكتشافها، أو أنه أخفق في فهمها، وإنما يعني أنه جَرَى سَتْرُها من قِبَلِ مَن عَقَلَها بسبب ما يراه من مصلحة له في عدم الكشف عنها.
ولذلك نرى أن الناسَ مختلفون في مذاهبهم بين مُنْكِرٍ للحقائق ومقرٍّ بها، وبعبارة أوضح: بين مؤمن بالحقائق وكافرٍ بها. والمؤمن في هذا المقام هو مَن عَمِلَ بما انتهى إليه عقله، والكافر هو مَن خانَ عملُهُ عَقْلَه.
وعلى هذا انقسم الناسُ بين مؤمنين وكافرين، مصدِّقين ومكذّبين. وهم على هذه الشاكلة {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ} منذ القِدَم، ولا غَرابَةَ في ما هم عليه، فتلك سنةٌ من سُنَن الاختيار بين الشر والخير.
ونحن نجدُ من خلال ما أخبرنا به القرآن الكريم أمثلةً لهذه السنن، كما نجد في التاريخ نسخاً مكرَّرةً من هذه النماذج البشرية، حتى أن بعضها لا يتورّع عن المغالاة في تحدّيه العقل وانقلابه على الحقائق، أو التصريح بتفضيل مصالحَ ماديةٍ مقابلَ الامتناع عن الإقرار بالحق.
وأظهر مثال على ذلك ما كان عليه أبو جهل (عمرو بن هشام) وعبد اللّه بن أمية المخزوميّ في الجاهلية من تعنّت واستكبار، وهما من أكابر أهل الشرك في مكة. وقد رُويت عنهما في هذا الصدد هذه الروايةُ التي يتجلَّى فيها الإصرارُ على عدم الإعتراف بالحقائق إذا كان لا يحقق منافعَ ماديةً مباشرة.
فعن ابن عباس، أنَّ مشركي مكة، وفيهم أبو جهل (عمرو بن هشام)، وعبد اللّه بن أمية المخزوميّ جلسوا خلف الكعبة ثم أرسلوا إلى النبيّ (ص) فأتاهم فقال له عبد اللّه بن أمية: «إنْ سَرَّك أن نتبعك فسَيِّرْ لنا بالقرآن جبالَ مكة، فأذهِبْها عنا حتى تنفسح فإنها أرضٌ ضيقة، أو اجعل لنا فيها عيوناً وأنهاراً حتى نغرسَ ونزرع، فلستَ كما زعمت أهونَ على ربك من داودَ حيث سخَّر له الجبال تسبّحُ معه. أو سخّرْ لنا الريح فنركبها إلى الشام فنقضي عليها مسيرتنا وحوائجنا ثم نرجع من يومنا، فقد سُخِّرت الريحُ لسليمان كما زعمت لنا فلست أهونَ على ربك من سليمان. أو أحْيِ لنا جَدَّك قُصَيًّا أو مَنْ شِئْتَ من مَوْتانا لنسأله أحَقٌّ ما تقول أم باطلٌ فإن عيسى كان يُحيي الموتى ولستَ بأهونَ على الله منه(+). فأنزل الله سبحانه وتعالى: {وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْأَسْ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ *}.
وفي الآية حذف جواب «لو» لأنَّ في الكلام دليلاً عليه، وتقديره: لو أن قرآناً على هذه الصفة من تسيير الجبال وتقطيع الأرض وتكليم الموتى، لكان هذا القرآن لعلو مكانته وعظيم أمره وجلال قدره، وهذا غايةٌ في التذكير ونهايةٌ في الإنذار.
ولذا نجد الله سبحانه يخاطب رسوله كاشفاً سرائر هذا الصنف من البشر فيقول سبحانه: {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لاَرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ *} أي لو كنت تقرأ كتاباً أو تكتب كتاباً لوجد المبطلون طريقاً إلى اكتساب الشك في أمرك وإلقاء الريبة في نبوّتك، ولقالوا إنما تقرأ علينا ما جمعته من كتب الأولين، ولكن لمَّا ساويتهم في المولد والمنشأ ثم أتيتهم بما عجزوا عنه وجب أن يعلموا أنه من عند الله تعالى وليس من عندك، إذ لم تجرِ العادة أنْ ينشأ الإنسانُ بين قوم يشاهدون أحواله من صغره إلى كبره ويرونه في حَضَره وسفره لا يتعلم شيئاً من غيره، ثم يأتي من عنده بكتابٍ يعجز الكل عن الإتيان بمثله أو بسورة واحدةٍ من سوره {وَقَالُوا لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ * وَقَالُوا لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ *}، بيّن سبحانه أن في إنزال القرآن الكريم دلالةً واضحةً ومعجزةً ناصعةً وحجةً بالغة، ولو أظهر الله سبحانه الآياتِ التي اقترحوها ثم لم يؤمنوا بعد نزولها لاقتضت الحكمة إهلاكهم بعذاب الاستئصال كما حدث للأمم السابقة، قال تعالى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ *قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ *}.
ونرى أنه من خلال الخطاب الإسلاميّ نكتشف في القرآن الكريم قوَّةَ الحجّة ونتعلم كيفيةَ محاصرة الباطل. فقوة الحجة متأَتّيةٌ من انجلاء حقائق الأشياء، وعلى أساسها يكون الإيمان بها وإبلاغها، وهذا وحده كافٍ لمغالبة الخصوم ليعيدوا النظر في مزاعمهم. فعلى مَن يَنْدبُ نفسه لحمل الدعوة أن يرقى بمعارفه القرآنية ويتفهم معانيَ الأفكار التي تثيرها آياته، وأن يكون على يقين أن {هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}. فإذا تسلّح الداعية بهذا اليقين خطا الخطوةَ الأهمّ في اعتماد الطريقة القرآنية والسنّة النبوية لعرض وجهة نظر الإسلام ومنهجه في خطابه.
ويقوم هذا الخطابُ الإسلاميُّ على ما يلي:
1 ـ تدبُّر القرآن وتعلُّمُ طريقته:
إن تعاملَ الداعية مع محيطه ينبغي أن ينطلقَ من فهمٍ عميقٍ لطريقة الإسلام التي نجدها في القرآن الكريم، وبمقتضى خطابه الذي يتضمن إلى جانب الطريقة الأسلوبَ والمنهجَ، إضافة إلى تدبّر المعاني، والإحاطة بأسباب نزول الآيات، ومعرفة دقائق اللغة العربية التي ينبغي أن يتقنَ الداعيةُ التلفظَ بها إتقاناً لافتاً، ليتأتّى له امتلاكُ الثقة في نفسه، وليتأكدَ من قدرته على صياغة الأفكار التي يطرقُها صياغةً متينةً تمكنه من إبلاغها الآخرين الذين يريدهم أن يتأثروا بها ويدركوها. وهو ما يُعتبر واجباً شرعياً على الداعية التقيدُ به والعملُ بموجبه، وإلاّ عُدَّ إهماله وعدم المحافظة عليه إهمالاً للواجب وعدم اهتمامٍ بتحقيق الهدف الذي يعمل جاهداً للوصول إليه. ويجب أن لا يغيب عن باله ولو للحظة واحدةٍ أنّ ما من حرف في القرآن الكريم إلا وله معناه ودلالته، وما من ترتيب في كلامه إلا وُضع حيث وُضِعَ لقصد. ثم إن هذا الأمر تزداد أهميته عندما يكون الداعية عضواً في جماعة تعمل من أجل الإسلام واستنئناف العمل به، وبالأخص في مجال الفكر السياسيّ. وهو ما يوجب عليه الاهتمام بالتفصيلات التي تبرز حرصه على الدقة في الفهم، فتكون له ظهيراً في دعوته، وتزيل من أمامه الكثيرَ من العقبات، وتمهد له الطريقَ للوصول إلى مبتغاه.
إذن على الداعية أن يتبنى طريقة الخطاب الإسلاميّ التي يجدها في القرآن الكريم، وأن يتعلم منهجه وأسلوبه.. ولا يتأتى له ذلك إلاّ بملاحظة سياق ونسج وتركيب آياته واستقرائها استقراءً واعياً. فالداعية يختلف عن غيره من الأشخاص العاديين لكونه حاملَ دعوة، وهو ما يوجب عليه النظر إلى هذه الصفة نظرةً جِدِّيَّة، وأن يكون تصرفه مع نفسه صارماً إزاءها، فلا يكتفي بحفظ الآيات واستظهارها والاقتصار على فهمها فهماً سطحياً، بل عليه أن يكون حاضراً في ذهنه قولُ رسول الله (ص) مخاطباً ابن عباس: «يا ابن عباس إذا قرأتَ القرآنَ فرتّلْه ترتيلاً، قال ابن عباس: كيف أرتله يا رسولَ الله، قال: بَيّنْه تبييناً ولا تنثُرْهُ نثْرَ الدَّقل(+) ولا تهذَّهُ(+) هَذَّ الشعر، وقفوا عند عجائبه وحرِّكوا به القلوب، ولا يكونَنَّ همُّ أحدكم آخرَ السورة»(+).
ففهم القرآن فهماً صحيحاً معمقاً من أهم واجبات الداعية. فبفهمه الصحيح المعمّق يتمكن من امتلاك ناصية الإقناع، ويستطيع أن يجذب العقول والقلوب إليه. وعلى الداعية كذلك أن يدرك أنه يعيش حالياً في وسط يعج بالدعوات المناقضة لدعوته، وفي هذا الوسط من الأفكار الحديثة ما لا يجد له ـ من حيث الألفاظ والموضوعات ـ ردوداً جاهزة لديه، ولكن الخطاب القرآنيّ يعلّمه طريقة الردِّ عليها ومناقشتها، وهذه الطريقة لها من الثبات والوضوح ما يجعل الداعية ـ إذا أحسن توظيفها ـ قادراً على الإمساك بدفة المناقشة، وتغليبِ لغة العقل في الحوار. وما عليه إلا أن يقدح الذهن ويحرك الجهد لتفعيل عملية استنباط الأفكار من خلال تعلمه طريقةَ الإسلام في الخطاب التي يجدها في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة.
2 ـ كيف نتعلم الخطاب الإسلاميَّ في القرآن الكريم؟
لقد ردَّ القرآن الكريم على المضلين وأصحاب الأفكار الباطلة داحضاً حججهم، بعد أن ذكر أفكارهم كما هي، وبذلك نلحظ ذكر أفكار الخصوم في مطالع الآيات وفي أكثرَ من موضع ومقام، ثم الردَّ عليها إما في خواتم الآيات أو في آيات تلتها. والشواهد على ذلك كثيرة نورد بعضاً منها. قال تعالى: {وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا *قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا *أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا *يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً *}.
وقال تعالى: {وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ * وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ * وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلاَ سَاءَ مَا يَزِرُونَ *}.
إن نصوصَ القرآن واضحةُ الدلالة في مخاطبة الآخرين، فهي تبدأ بعرضِ ما لديهم من المعتقدات والأفكار وإخراجِ كل ما في صدورهم، ثم يكون الردُّ عليها بإظهار بطلانها. وهي نفسها طريقة النبيّين والمرسلين في التصدي للمعتقدات التي كان يعتنقها أقوامهم، وكان كل رسول يُبعث بلسان قومه، فيبين لهم ما يجول في أفكارهم، وبطلانَ ما يدور على ألسنتهم، ويدحضها بالحجج والبراهين ليهديَهم إلى طريق الحق.
ثم إن طريقةَ القرآن الكريم واضحةٌ لناحية أنها تدخل فوراً ـ بعد عرض عقائدِ الآخرين وأفكارِهم ـ إلى تبيان خَطَل وبطلان تلك العقائد والأفكار، وذلك بالرد البليغ والبرهان الساطع. وهي الطريقة التي انتهجها الأنبياء والمرسلون صلوات الله عليهم أجمعين. فإبراهيم عليه السلام قَدَّم لبني قومه البراهينَ الحسيّةَ على زيف عبادة الأوثان، وشعيبٌ عليه السلام بيّن لقومه سوءَ عادة تطفيفِ الكيل والميزان، وموسى عليه السلام أقام الحجَّةَ على فرعونَ ومَلئه بإبطال فكرة السحر، وعيسى عليه السلام امتشق سلاحَ المحبة لدحض الفكر الماديّ الذي كان الناسُ يحملونه في عصره.
وذلك كله يعني أن أنبياء الله ورسله كانوا يعايشون الواقع وما تحفل به حياة أقوامهم من العقائد والقضايا. وهذا ما يجب على الداعية الإسلاميّ أن يعانيه في واقع الحياة اليوم، بحيث يكون عليه في طرحه الإسلامَ بديلاً عن جميع العقائد والنظم الأخرى، وفي ردِّه على دعوات وأفكار الخصوم، أن يركّز في دعوته على المعالجات الموصلة إلى تغيير الواقع الذي تعيشه الأمة، بل وتعيشه سائر الأمم الأخرى؛ أما إذا كان الواقع أو بعض منه صالحاً فعليه أن يعمل على تثبيته..
وعلى حامل الدعوة أن يحذر، إذا سئل سؤالاً شرعياً ثبت عن طريق النقل، أن يجيب عليه عقلياً، كالسؤال عن الربا أو الخمر، فإن بعض الناس يسأل عنهما ويريد جواباً عقلياً، فعلى الداعيةِ أن يُفهِمَ ذلك البعض أن سؤاله شرعيّ ولا يجوز أن يكون الجواب عليه إلاّ شرعياً، لأن الإيمان بأن القرآن من عند الله داخلٌ في العقيدة، والعقيدة لا يمكن إلا أن تكون ناجمةً عن العقل، أما الأحكام الشرعية المحسوسةُ والأشياء والأمور التي هي غير محسوسة فهي جميعها أمور نقلية، أو بعبارة أخرى، فالإيمان بأن القرآن الكريم هو من عند الله عقليّ، والإيمان بما جاء به القرآن الكريم هو نقليّ.
وفي الردّ العقليّ الواردِ في قوله تعالى: {أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} نجد أن موضوعَهُ الأساسيَّ هو معالجة قضية الكفر بحقيقة وجود الله تعالى، أو الشرك به والعياذ بالله. وهي القضية التي بُعث جميع الأنبياء والرسل لنفيها وإزالتها من النفوس، بحيث كانوا يقدمون لأقوامهم الحججَ والبراهينَ كي يعبدوا الله إلهاً واحداً لا شريكَ له، وفي ذلك يقول تعالى على لسان نبيّه موسى (ع): {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ * أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ * قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ}.
وهنا نتبين أن مهمة الداعية إبلاغُ دعوته على أساس تقديم البراهين والأدلة العقليّة، وقد أشارت الآية إلى ذلك في {جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ}. فالشاكُّ في وجود الله يجب أن يُناقَشَ نقاشاً عقلياً مبنياً على الحجج والبراهين التي تجعله متفاعلاً مع ما يُطرح عليه من مواضيعَ وأفكارٍ. وإذا لم يُناقَش على هذا الأساس فسيظلّ في حلٍّ من الخضوع للمسلمات العقلية، وله الحجة على مَن لا يناقشه على أساس عقليّ. فعلى الداعية أن يدرك أنه في اعتمادهِ طريقةَ النقاش العقليّ لا بُدَّ بالغٌ الغايةَ في نقاشه، وعليه معرفة أنه من خصائص العقل السليم التسليمُ بالحجج الصائبة والبراهين العقليّة السليمة. وهذا ما نستنتجه من الآية الكريمة {وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ}، أي أن القوم على الرّغمِ من معرفتهم بأن رسلهم مرسلون من الله تعالى فهم لا يريدون الإيمانَ وإنما يُصِرُّونَ على الكفر، والكفر هنا معناه سَتْرُ الحقيقة، فسترهم للحقيقة يعني العزوفَ عن التسليم بها، وذلك دأبُ العقول المريضة والمستكبِرة.
3 ـ معرفةُ الداعية بقضايا العصر:
لذلك، كان على الداعية، وهو ينتهج طريقة القرآن في الخطاب،أن يكون مطلعاً على مختلف الجوانب الفكرية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، التي تدور من حوله، وفي العالم، طالما هو يحتاج إليها في دعوته. ولن يتسنى له النجاحُ في دعوته إن لم يكن مطّلعاً على مختلف شؤون وقضايا العصر الذي يعيش فيه أي أن يكون فعلاً ابنَ عصره، وحتى تكون له القدرة على عرض ما لدى الآخرين ومناقشتهم، وإلا عُدَّ جاهلاً، ولم يُستجبْ لدعوته.
على الداعية، مثلاً أن يعرف ما يتعلّق بمبدإ فصل الدين عن الدولة الذي يعتنقه الغرب بأسره، وماذا تعني «الديموقراطية» أو «القومية» أو «الوسطية» أو «الحداثة» أو «العولمة» أو المفاهيم التي تقوم عليها «فكرة التعايش بين الأديان» أو الدعوات حول «حقوق المرأة» أو قضايا «البيئة والطبيعة» وإلى ما هنالك من قضايا ومشاكل تواجهُ الناسَ في الشرق والغرب على السواء.. فضلاً عن معرفته بالمناهج والأساليب والوسائل التي يستخدمها الحكام وأصحاب النفوذ لخدمة المصالح التي يتوخَّوْنها، والتي غالباً ما تكون ضد كرامة الإنسان، وحقوقه وسبل عيشه، بل والتي تهدف في ثناياها وخفاياها، لإبعاده عن ربه، وجعله في صراع مرير مع كل ما يحيط به.
كذلك على الداعية ألا يشغلَ باله أو يجعلَ مدار تفكيره القضايا والمسائلَ والمواضيعَ القديمةَ التي هي مثار خلاف بين المسلمين، والتي قد يكون في إثارتها ضررٌ على الأمة أكبرُ من نفعها، وألا يعتمد أساساً ونهجاً على ما قاله السابقون، إلا القدوة الصالحة الذين تشهد سيرتهم بالإخلاص لدينهم، لأن التركيزَ على الآثار السابقة قد تجعل دعوته عرضةً للجدال الذي لا يؤدي إلى جدوى، في حين أن الأمة تحتاج إلى معالجة واقعها وتوفير الحلول للمشاكل التي تعاني منها.
4 ـ النقاش متى يكون عقلياً.. ومتى يكون بمرجعية إسلامية:
إن القرآن الكريم يربي فينا ملكة استنباط المعاني ويعلمنا كيفية النفاذ إلى نفوس الآخرين الذين يجادلون في الله بغير علم لمواجهتهم مواجهة فكرية، كما يعلمنا كيفية المجادلة بصورة موضوعية، والتي تحتاج إلى صبرٍ وسعة صدر، فالمجادلة إنما تكون عقلية عندما يكون الموضوع عقلياً كقوله تعالى: {قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ *}، فالشكُّ في وجود الله سبحانه مُتَأتٍ من عدم قناعة الشاكّ الكافية بوجود الله سبحانه، فكان الردّ استنكارياً عدا كونه عقلياً، يزعزع فكرة الشك، التي لم يكتف باستنكارها، وإنما تجاوز ذلك إلى استهجانها. ذلك أنه لا يمكن للعقل إلا أن يجزم بوجود الله، لأن وجوده حقيقيّ، ومتأتٍ من إعمال العقل الذي يدل على أن جميع ما في الوجود والكون من مشهود وملموس إنما هو مخلوق، وما دام مخلوقاً فإن وجود خالق له أمر لا بد من التسليم به. ولأن العقل كما لا يقبل إلا أن يقر بوجود صانع للطائرة والصاروخ والكرسيّ والقلم، فإنه من غير المعقولِ أن لا يقرَّ العقل بحتمية وجود خالق لما نشاهده ونلمسه في هذا الكون الفسيح، الذي يدل كل شيء فيه على وجود إله واحد هو الله تعالى. وكما أنه لا بد للمصنوعِ أن يدل على الصانع فإن المخلوق يدل على الخالق، وذلك حكم قطعيّ تقتضيه طبيعة التكوين في الأشياء، وتقود إليه طوعاً وكرها بديهيات الاستنتاج التي تنشأ عن كل ما هو مشاهد وملموس(+). وهنا يبرز السؤال المهم: من أين تأتي فكرة إنكار أن الأشياء مخلوقة لخالق، وما السبب في إنكار وجود الله تعالى، إذا كان العقل قد سَلَّم ـ نتيجة مراقبته الأشياء ـ بوجود خالق لها... لماذا يريد بعض الناس الكفر... وما هو الغرضُ من كفرهم؟
نجد الإجابة على هذه النزعة الإنكارية في قوله تعالى مخاطباً رسوله الكريم: {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ *كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ *فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ *}. فالله تعالى بيّن الحق وضرب فيه الأمثال ليتبين الناسُ الحقَّ ويتبعوه، ولكن المنكرين للحق لو رأوا أيَّ آيةٍ مُبْصِرة لا يؤمنون بها، استخفافاً واستكباراً.
لذا طبع الله تعالى على قلوبهم وختم على سمعهم لعنادهم ومخالفتهم، فهم لا يعون ولا يرعوون.
5 ـ الرد على المعتقدات الباطلة:
وطريقة القرآن في خطابه أنه بعد أن يبطلَ حُجَجَ الخصوم ويُسفِّهَ معتقداتهم الفاسدة يقدم البدائل الصالحة. وهي الطريقة المجدية لبناء الإنسان، لأنه بعد هدم الباطل لا بد من إقامة البناء على أساس الصلاح والحق. وهذه الطريقة يدعوها العلماء «التروية بعد التخلية» أو «الملء بعد التفريغ». وهي التي تؤدي إلى توضيح حقيقة وحدانية الله سبحانه ونبذ ما عداه، وإثبات ربوبيته. وشاهدها ما جاء على لسان يوسف عليه السلام في قوله تعالى: {يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ *}.
أو كما جاء في قوله سبحانه: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لاَ انْفِصَامَ لَهَا}. ولذا فإنه ما لم يُعمل على تخلية النفس من الأهواء المضرّة والأفكار الفاسدة والمعتقدات الباطلة لن يكون الإيمان بالله تعالى مستقرًّا في قلب المسلم.
ومن طريقة الإسلام في الخطاب أنه عند مناقشته الأفكار إنما يناقش ما يطابق الواقع. ولكي يكون الفكر صادقاً، متفاعلاً مع الناس، ينبغي أن يلامس الواقع ملامسة حيّة، وإلا تحوَّل إلى فكر خياليّ بعيد عن قضايا الناس واهتماماتهم، وهو ما نتعلمه من قوله تعالى: {هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ}، وقوله سبحانه: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ *}.
ولذلك فإن القرآن الكريم يحمل على الأفكار المبنية على أساسٍ خاطىء، ومن هنا كان على الداعية الإسلاميّ أن يناقش واقع الحياة عند الناس، وأن تكون حججه وبراهينه مطابقةً لهذا الواقع، وهو يمتلك الأساسَ الفكريَّ الصحيحَ المبنيَّ على كتاب الله وسنة رسوله.
كذلك على الداعية الإسلاميّ أن يعتمد على الفطرة في خطابه العام وعند بيان حججه، فالفطرة التي فطر الله الناس عليها هي عبادة الله وتقديسه، ولكن البيئةَ غيرَ الصالحةِ والأفكارَ المضلةَ هي التي أبعدت الإنسان عن الفطرة السليمة، فكان على الداعية أن يعيد من يدعوهم إلى الأصل السليم، ويخاطبهم على أساس أن عقولهم لا بد أن تعود إلى الرشد وتعيد النظر في المعتقدات الفاسدة التي تَبَنَّوْهَا أو ورثوها. ولذلك يجب أن يدور النقاش في تبيان حقيقة وجود الله من خلال ما يُرى من آثار مخلوقات الله، وهي الطريقة الوحيدة المطابقة للواقع، وهناك مئات الآيات في القرآن الكريم التي تُبيِّنُ لنا ذلك، كما في قوله سبحانه: {أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا *رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا *وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا *وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا *أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا *وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا *مَتَاعًا لَكُمْ وَلأَِنْعَامِكُمْ *}.
غير أن الإيمان بالله تعالى، هو إيمان بوجوده، بربوبيته وبوحدانيته لا بتصور ذاته، لأن العقول تقصر عن إدراك ذاته. وينبغي أن يقنع العقل بأنه أعجز من أن يتمثل ذات الله، فخالق الإنسان الذي خلق فيه السمع والبصر.. أعلم بقدرة هذه الحواسِّ التي كوَّنها فيه، وأنها أعجز من أن تتمثله سبحانه وتعالى تَمَثُّلَ ذات، وفي ذلك قال تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} وقال: {لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ}، وقال: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا *}، فذات الله لا تدركها مخلوقاته، والإيمان الحق إنما يكون بحقيقة وجوده تعالى لا بتصور ذاته. وعلى الداعية في هذا المقام الابتعادُ عن أي طريقةٍ غيرِ طريقة القرآن في إثبات وحدانية الله، فلا يُفتتن ببعض العلوم التي قد تصوّر للبعض أنها قادرة على إثبات وجوده تعالى، مثل علم الكلام أو أيّ علم آخر في تفريعاته اللغوية وفي اعتماده على العلوم الحديثة والتأويلات الفلسفية.
6 ـ الدعوة إلى تطبيق الأحكام الشرعية:
وإذا كان من المهام الأساسية التي يدعو إليها الداعية الإسلاميّ الدعوةُ إلى تطبيق الأحكام الشرعية فإنه ينبغي أن يكون الحرصُ على التأكيد والإلتزام بها من أهم المهام، لأنها الغاية التي من أجلها أرسل الرسل، وأنزلت الشرائع، وهي المدارُ الذي يتجلى من خلاله الإيمانُ بالله تعالى وإفرادُهُ وحده بالعبودية، قال تعالى: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ *} وقال: {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ *}.
7 ـ النقاش مع المسلمين وغير المسلمين:
ولكن الداعية في حركته المتواصلة بين الناس إما أن يواجه في نقاشه مسلماً ليصحح له مفهوماً أو يدعوَه إلى مؤازرته في دعوته، وإما أن يناقش غير مسلم..
ففي النقاش مع غير المسلم للأحكام الشرعية يجب أن لا يعتمد الداعية الطريقة العقلية لإثبات حجة الحُكْم، لأن العقل وحده لا يصح أن يكون حكَماً في الأحكام الشرعية، ولأن التصديق بصحة هذه الأحكام إنما يأتي من التصديق بالقرآن والسنة، وذلك هو الأساس الفكريّ الذي تبنى عليه العبادات والعقود والمعاملات. ومن هنا كان من غير الجائز البحثُ مع غير المسلم إلا بالعقيدة دون الأحكام الشرعية وفروعها. وما يحصل في بعض البرامج التلفزيونية أو في الندوات واللقاءات من حوارات تجري بين مسلمين وغير مسلمين حول صحة الأحكام الشرعية، فإن ذلك يخالف طريقة الإسلام في إثبات صحة الحكم الشرعيّ، التي تفرض البحث أولاً في الأساس الفكريّ، أي في العقيدة التي تنبثق عنها. فمتى استقرّ الرأي على العقيدة جاز بعده الإنطلاقُ للبحثِ فيما يبني على هذه العقيدة من أحكام.
وهذا الأمر لا ينطبق فقط على العقيدة الإسلامية، بل وعلى كل عقيدة أو مبدأ آخر. فالمبدأ الرأسماليّ مثلاً يقوم على عقيدة فصل الدين عن الحياة، ولذلك كانت قوانينه وأنظمته ونظرته لمعالجة شؤون الحياة مبنيةً على عقيدته، وبدون هذه العقيدة التي تشكل الأساس الفكريّ للمبدأ يكون من غير جدوى البحثُ في صحة القوانين والأنظمة والنظريات والتصورات التي تشكل الفروع لهذا المبدأ. لذلك يكون من الخطأ مناقشةُ الأحكام الشرعية مع غير المسلمين قبل الاتفاق على قضية الإيمان بحقيقة وجود الله تعالى ووحدانيته وبحقيقة نزول القرآن الكريم وبنبوة محمد (ص) .
أما إذا كان البحث في الأحكام الشرعية مع شخص مسلم، فلا حاجة هنا إلى التركيز على الأساس الفكريّ لتلك الأحكام، أي على الاعتقاد الجازم والإيمان الخالص بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، فهذا الأساس هو واحد لجميع المسلمين، وهم يؤمنون بأن الله سبحانه وتعالى هو المشرّع الذي شرع لهم الأحكام الشرعية، وبينت لهم السنة النبوية الشريفة كيفية تطبيقها، فلا يحتاج الأمر إلى البحث في صحتها ومشروعيتها، وإنما يجري البحث في المصادر والأصول التي تحكم فهم الحكم الشرعيّ فقط.
8 ـ شروط قبول الحكم الشرعيّ:
إذا كانت الأصول شرعية، فحينئذٍ يجري البحث في طريقة الاستنباط التي تعتبر أنّ من شروط قبول الحكم الشرعيّ أن يكون ناجماً عن اجتهاد صحيح. أما مخالفة المسلمين بعضهم بعضاً في بعض الأحكام الشرعية فعلى حملة الدعوة احترامُ الخلاف في وجهات النظر في ما بينهم ما دام الحكم الشرعيّ مستنبطاً بالطريقة الصحيحة، وما دامت شبهة الدليل واضحةً فيه، ويبقى أن تتم المناقشة على أساس أي الأحكام أقوى دليلاً وأدق فهماً، وبالتالي أكثر مطابقة للكتاب والسنة.
ولا غرو بأن طريقة الاجتهاد في الإسلام قد فرضتها طبيعة هذا الدين، وتكاد تكون واحدة لدى جميع المسلمين، وهي تقوم على فهم الواقع الذي يراد تطبيق الحكم الشرعيّ عليه، أو على فهم المسألة التي يُراد معالجتها، ثم استحضار الأدلة الشرعية المتعلقة بالواقع، وبعد ذلك يصار إلى إظهار طريقة الاستدلال التي اعتُمد عليها في مفهوم الحكم الشرعيّ. وهنا لا بد من استخدام بعض العلوم الشرعية اللازمة لعملية الاستنباط كالناسخ والمنسوخ، والعام والخاصّ، والمجمل والمفصّل، والمطلق والمقيد، ودلالة المنطوق والمفهوم، ونصوص الأحكام الشرعية المتعلقة بالوضع الذي يجري البحث في معالجته. وذلك على ما نراه في كتب الفقه وكتب علم الأصول التي قام عليها علم المجتهدين الأوائل والذين جاءوا من بعدهم.
بقي أن نؤكد أن البحث في الأحكام الشرعية لا يستقيم إلا إذا كان مبنياً على التصديق الجازم بأن تلك الأحكام إنما هي منزلة من لدن الله المشرع الحكيم. وبمقتضى هذا التصديق يصبح الموضوع مدار اهتمام الداعي والمدعو، وهذا ما يهدينا إليه كثير من آيات القرآن الكريم حيث قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينِ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُبِيناً *}.
إذن، على الدعاة حمل الدعوة الإسلامية كما حُملت من قبل على هَدْي القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة.
9 ـ اليهودُ شرُّ الخصوم:
إنّ الفهمَ الدقيق للطريقة القرآنية معنىً ومبنىً، يقود إلى تكوّن قواعد وأفكار تمكن الداعية من بلورة خطابه الإسلاميّ وتجعله متمكناً ومن المؤثّرين في دعوته، ويتعزَّز تكوُّنه الأمثل بربط فهمه للقرآن بالسنّة النبوية المطهّرة. وبهذا الربط الذي لا بدّ منه تتوضّح عنده الناحية العملية، لأن السنّة هي المبينة للقرآن الكريم. أي أنه بمثل هذا الربط المعبَّر عنه بالكتاب والسنّة، يكون الفهم الدقيق قد أخذ مساره الصحيح الذي من خلاله يؤدّي الداعية عمله بنجاح، ويحقّقُ ما يريده الله سبحانه وتعالى ورسوله الكريم (ص) ، وقد قال تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ *}، كما قال: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ *}، وقال: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ *}، فاقتران الكتاب بالسنة التي هي أفعال الرسول (ص) وأقواله وما أقرَّ ممّا لا خلاف عليه. وإنْ طُلب منه الدليل فدليله في الصلاة: نصُّها في القرآن الكريم وهيئتها في السنة النبوية الشريفة.
واستناداً إلى هذا الفهم الدقيق يعلمنا القرآن الكريم كيفية مخاطبة الخصوم، ويعرفنا نفسياتهم وما طُبعَ فيها من نوازع وأهواء. وشرُّ أولئك الخصوم اليهود الذين وصفهم الله تعالى في كتابه المجيد بالمفسدين، ولعنهم فباءوا بغضبه إلى يوم الدين، فإنه عز وجلّ يحذرنا منهم ومما جبلوا عليه من حبّ المعصية وكراهيتهم وإلقاءِ العدوة والبغضاء بينهم إلى يوم القيامة، كما يتبين من قوله تعالى: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ *}، {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ *}، ومن قوله الحكيم: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا}، كما يقول: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ *كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ *}.
فالركون إلى اليهود وموادَّتهم أمر لا طائل منه، ولا يفيد في شيء، اللهمَّ إلا إذا كانت مواصلتهم من الأمور القَسْرِيَّة كالوقوع في الأسر، ودفع أذى أو شر لا قِبل في تحمّله. أما معاهدتهم على الصلح أو التعامل معهم بالحسنى وما يعبَّر عنه في لغة العصر بالتطبيع، فذلك أشبه ما يكون حرثاً في بحر، وقد سبقت كلمة الله فيهم. ومن أصدق من الله قولاً؟
ثم إنه إذا كان لنا أن نستشهد على استغلالهم للمعاهدات فليس ثمة أدلّ من هذه الحادثة على سوء أدبهم حتى في حق الله عز وجل. فقد روي أن يهودياً يُدْعَى فنحاص التقى أبا بكر الصديق رضي الله عنه فوقف وسلم عليه، فراح أبو بكر يبين له بعض الآيات التي نزلت في بني إسرائيل، حتى إذا انتهى أجابه فنحاص: أتدعوني يا أبا بكر للإيمان بربكم الفقير الذي يريد أن يستقرض من أموالنا؟ إشارة منه إلى الآية الكريمة: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ *}، فما كان من أبي بكر بعد أن سمع وقاحته وسوء أدبه مع خالقه إلا أن لطمه على وجهه.. وعندما علم اليهود بما حدث بين أبي بكر وفنحاص جاءوا إلى رسول الله (ص) يشكون أبا بكر ـ عوضَ أن يؤنبوا فنحاص على وقاحته ـ ويذكرونه بالمعاهدة التي وقّعت بينهم. ولما وجدهم رسول الله (ص) موافقين على مقالة صاحبهم أخرجهم من حضرته ولم يستمع لما قصدوه من شكواهم، وأنزل الله سبحانه وتعالى قوله: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ *}، الآية.
10 ـ تأكيد الداعية على اجتماع كلمة المسلمين:
يؤكد القرآن الكريم على وحدة الكلمة بين المسلمين واجتماع أمرهم على الحق {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا}، ويُحذّر من تفرقهم فيقول تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ *}(+)، لذلك نرى أن النزاع سبيل إلى الفُرقة، والفُرقة تؤدي إلى الخصومة التي بدورها تؤدي إلى التسبب في الهزيمة، وهو ما أصبح حقيقة نلمسها لمس اليد في هذه الفترة التي نعيش فصولها في تاريخنا الحديث، بعد سقوط الخلافة الإسلامية.
11 ـ طرحُ الداعية قضية الأسرة والحثُّ على الزواج:
يحق لنا القول إن الإسلام في معالجاته للإنسان، من حيث كونه مخلوقاً لديه غرائز وحاجات عضوية، قد «برمج» له حياته من الناحية النظرية وترك له حرية الاختيار في قبول أو رفض هذه البرمجة من الناحية العملية؛ ونبّهه سبحانه إلى أنه بقَدْر اتّباعه البرنامج وتطبيقه ما تضمّنه من مناهج وإرشادات بقدر ما تُكتب له النجاةُ من الوقوع في الزلل في حياته الدنيوية والفوزُ بالنعيم المقيم في الآخرة. وهذا أقصى ما يؤمله الإنسان من وجوده وانتمائه إلى عالم الأحياء.
وباعتبار الزواج ملبياً لحاجة من الحاجات العضوية في الإنسان، وبالتالي ركناً أساسياً في الإنسال وعمارة الأرض، فقد أولى الإسلام عناية خاصة لهذه المسألة الحيويّة وبيّن ما يترتب عليها من مسؤوليات جسام، وجعلها من أجَلّ ما يقتضيه التديّن، صوناً للأسرة، ومن ثَمَّ حفاظاً على سلامتها.
لذلك فقد رغّب الإسلامُ المسلمين بالتزاوج فيما بينهم، ومن المزايا التي اعتمدها حثّه على التزوج من المرأة البكر، الولود، فعن أنس أن النبيَّ (ص) قال: «تزوّجوا بكراً وَلوداً، ولا تزوّجوا حسناءَ جميلةً عاقراً».
وعندما اشتدت سواعد المسلمين وأنعم الله عليهم وأعزّهم في الجزيرة العربية كلها راح البعض منهم لا يزوّج ابنته إلا من كان صاحب جاهٍ أو مال أو حَسَبٍ عريض فقعد الذي لا يملك شيئاً من هذا عن الزواج، وقعدت تبعاً لذلك الفتيات الأبكار في بيوت أبائهن، حينذاك صعد الرسول (ص) المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
«أيها الناس، إن جبرائيل (عليه السلام)، أتاني عن اللطيف الخبير فقال: إن الأبكار بمنزلة الثمر على الشجر إذا أدرك ثمارُها فلم تُجّتَنَ أفسدَتْه الشمسُ، ونثرته الرياح. وكذلك الأبكار إذا أدركنَ ما يدرك النساء فليس لهنّ دواءٌ إلا البعولة، وإلا لم يُؤْمَنْ عليهن الفساد لأنهن بشر... فقام إليه رجل فقال: يا رسول الله، فمن نزوّج؟ قال (ص) : الأكْفاء، فقال الرجل: ومن الأكفاء؟ فقال الرسول (ص) : المؤمنون بعضهم أكفاء بعض، المؤمنون بعضهم أكفاء بعض»(+)، وقد ميز الرسول (ص) بين امرأة وأخرى، فقال: «أفضل نساء أمتي أصبحُهنّ وجهاً وأقلُّهنَّ مهراً»(+).
وقد ثبت أيضاً من قول رسول الله (ص) : «المؤمنون بعضهم أكفاء بعض» أنّ جميع المسلمين، رجالاً ونساءً، بعضهم أكفاءُ بعض، ولا قيمة للفوارق إلا في الخُلُقِ والدين، ولا قيمة للفوارق المادية أو الاجتماعية التي يأخذ بها بعض الناس عند تزويج بناتهم، فيمنعون هذا التزويج أحياناً كثيرة.
وقد طبق رسول الله (ص) بالفعل عدم التمايز في التزويج بين المؤمنين، فزوّج ابنة خالته زينب بنت جحش، التي هي من ذؤابة قريش، إلى زيد بن حارثة وهو مولى أعتقه وتبنّاه رسول الله (ص) . وعن عبد اللّه بن بريدة، عن أبيه، قال: «جاءت فتاةٌ إلى رسول الله (ص) فقالت: «إن أبي زوجني ابن أخيه ليرفع بي خسيستَه»، قال عبدُ اللّه: فجعل رسول الله (ص) الأمر إليها، فقالت: «قد أجَزْتُ ما صنَعَ أبي، ولكن أردتُ أن أُعِلَّمَ النساء أن ليس إلى الآباء من الأمر شيء»(+). وقولها هذا يعني أن أباها قد زوّجها ابن عمها ليرفع شأنه بتزويجه منها، وأنها لم تكن راضية به، لا لأنها تراه غير كفء لها، بل لأنها لم تكن ترضاه وتقبل به، ومع ذلك عادت وقبلت بملء إرادتها ورضاها، لأن الأمر يعود إليها وحدها، وليس للآباء أن يُكرِهوا بناتهم على الزواج من أحد.
وعن أبي حاتم المزنيّ(+) أن رسول الله (ص) قال: «إذا أتاكم مَن ترضَوْنَ دينه وخلقَه فأنكحوه إلا تفعلوا تكنْ فتنة في الأرض وفساد كبير... قالوا: يا رسول الله، وإن كان فيه؟ قال (ص) : «إذا جاءكم من ترضَوْنَ دينه وخلقَه فأنحكوه. قالها ثلاث مرات». وعن حنظلة بن أبي سفيان الجمحيّ عن أمه أنها قالت: «رأيت أخت عبد الرحمن بن عوف تحت بلال»، أي أنها تزوجت منه.. وهو زواج قرشية من إنسان فقير معدم، أصله عبد حبشيّ، ولكن إيمانه وصحبته للرسول (ص) جعلاه كفؤاً لتلك المرأة ذات الأصل العريق.
وهذه الأدّلة صريحة واضحة تدلّ على أنّ الفوارقَ المادية أو المعنوية بين الزوجين ليست هي موضعَ الاعتبار في الإسلام، بل المعوَّل عليه الدينُ والخلُق لقول رسول الله (ص) «إذا اتاكم من تَرضَوْنَ دينه وخُلُقَهُ فأنكحوه». وأما ما روي عن النبيّ (ص) من أنه قال: «لا تنكحوا النساء إلا من الأكفاء، ولا تزوّجوهنّ إلا من الأولياء» فهي رواية ضعيفة، والنص القطعيّ هو ما جاء في القرآن الكريم في قوله تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} وفي قول رسول الله (ص) : «لا فضل لعربيّ على أعجميّ إلا بالتقوى».
نداء إلى كل مسلم ومسلمة:
لقد وهب الله تعالى الإنسان من الملكاتِ والقُدْرات ما جعله سيّدَ المخلوقاتِ على الأرضِ. والناسُ في واقعِ حياتهم ذوو طبائع مختلفةٍ واتجاهاتٍ متباينةٍ تجعلهم على درجاتٍ من التفاوت في القوة والضعف، في مُجْمَلهم، مُهيأون لإخراج ما تفرزه قدراتهم إلى دائرة الحسّ وتحويله إلى مُنتج. وذلك من فضل الله على عباده، وفي الوقت نفسه حُجَّةٌ له عليهم لأنَّ خَلْقَهم إنما هو لغاية. وهذه الغاية هي أن تكون حركتهم في الحياة سائرة في مَدار عبوديّتهم لله تعالى، وهي الغاية التي من أجلها كان إخراجُهم من العدم وإيجادهم في دائرة الحياة.
لذلك فإن الإنسان الذكيّ هو الذي أدرك ببصيرته أنه مخلوق لخالق هو الله تعالى، وأن وجوده في هذه الحياة وجود مؤقَّت، لأنه ليس لبشريٍ أن يخلِّد في هذه الدنياو إذ كل ما فيها إلى فناء، وأنه محكوم بالمسير إلى حياة أخرى، هي معاده بعد رحلته الأولى التي يثبت فيها قَدْر التزامه بعبوديته لخالقه ربِّ السموات والأرض وربِّ كل شيء، وفيها جزاؤه على ما قدم من عمل في دنياه: فإمّا إلى نعيم مقيم وإمّا إلى جحيم دائم.
وإذا ما توصّل الإنسان ببصيرته إلى هذه المعادلة يكون إدراكُهُ قد بلغ غاية الرُّقيّ، ويكون في كل حركة من حركاته حاملاً عبء تلك المعادلة، فإذا فكّر فكَّرَ في طاعة الله، وإذا عَمِل عَمِلَ في سبيل الله، وإذا غضب غضب لله، وإذا أحبّ أحبَّ لله، فأحبّه الله وكرَّمَه.
هذه الصفات باختصار هي صفات الداعية المسلم الذي أدرك معنى وغاية وجوده في الحياة الدنيا، وقد قال عز من قائل {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ *}.. فالدعوة إلى الإسلام عبادة، والعمل لاستئناف العمل به مهمّة المدركين لمواقعهم في دائرة التكليف، لا سيما في زمنٍ تراجع فيه العمل بشرع الله الحنيف، فلم يعد في بلاد المسلمين من يحمل هذا الدين إلى العالم، وحتى باتت الدعوة إلى جعل الإسلام مرجعيةً للحكم ومنهجاً عاماً في جميع شؤون الحياة أمراً مستهجناً.. بل يُتَّهَمُ المنادون به بالرجعية والتخلف الفكريّ، حتى من قِبَل مسلمين يتولّون مسؤولياتٍ هامةً في المجتمع وفي إدارة شؤونه.
فالله نسأل أن يلهمنا جميعاً الصوابَ للعمل بما يرضيه تعالى عنا، وأن يُقَيِّضَ للإسلام دعاةً يتقنون الخطابَ الإسلاميَّ في حمل الدعوة داخل مجتمعاتهم.. وفي كل مكانٍ في العالم أجمع، وأن يجعلنا ممن قال فيهم رب العزة في كتابه المجيد: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ} واللهُ وليُّ التوفيق.



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB