المعاملات والبينات والعقوبات
الطبعة : الطبعة الثانية  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   1102
تاريخ النشر :   2009




العلاقات الداخليـة والعـلاقات الدولية

خلق الله تعالى الإنسانَ وفيه غريزة حُبّ البقاءِ، التي كان من مظاهرها الاجتماع، لذلك كان الإنسان كائناً اجتماعياً بطبعه. إلا أن اجتماعَ الناس لا يجعل منهم مجتمعاً، وإنما يجعل منهم جماعة. أما إذا نشأت بينَهم علاقاتٌ لجلب المصالح ودفع المفاسدِ، فإنَّ هذه العلاقاتِ تجعلُ منهم مجتمعاً. ثم إن هذه العلاقات وحدها لا تجعل منهم مجتمعاً واحداً، إلا إذا توحدت نظرتهم إلى هذه العلاقات بتوحيد أفكارِهم، وبتوحيد رضاهُمْ وسخطِهِمْ، كما أنه يجب أن تتوحد معالجتُهم لهذه العلاقاتِ بتوحيدِ النظام الذي يعالجها. فالمجتمع إذاً يتألف من الناس والأفكار والمشاعر والنظام، والعلاقات هي وحدها التي تكوِّن المجتمع.
وبناءً على ذلك فإنَّ المجتمع هو مجموعة من الناس تنشأُ بينهم علاقات حول مصالح معيَّنة، ففرد زائدُ فرد زائدُ فرد الخ... يساوي جماعة، أي ينشأ من مجموع هؤلاء الأفراد جماعة. فإذا نشأت بينهم علاقات حول مصالح معينة، كوّنوا مجتمعاً، وإذا لم تنشأ بينهم تلك العلاقات ظلوا جماعة. فالذي يجعلُ مجموعة الناس تشكلُ مجتمعاً إنما هو العلاقات الدائمية فيما بينهم.
وهذه العلاقات لا تنشأ إلاَّ بدافع المصالح. فالمصلحةُ هي التي تُوجدُ العلاقةَ. ومن غيرِ وجودِ مصلحة لا توجد علاقة. فالناسُ، لقضاءِ مصالحهم، يحتاجُ بعضهم إلى بعض، فتنشأ من قضاء هذه المصالح العلاقات. إلا أنّ هذه المصالح إنما يُعيِّنُها، من حيثُ كونها مصلحة أو مفسدة، مفهومُ الإنسان عن المصلحةِ، فإن رأى الشخصُ أن هذا الأمرَ مصلحة نشأت العلاقة، وإن رأى أن هذا الأمرَ ليس مصلحةً لا تنشأ العلاقة.
فالمسلمُ، مثلاً، يرى أنّ بَيْعَهُ لغير المسلم فرساً يحقق ربحاً إنما فيه مصلحة له، فتنشأ بينهما علاقة، ولكنه يرى أن لا مصلحة له إذا طلب غير المسلم أن يبيعهُ خمراً وهو لا يقدر أن يبيعه فلا تنشأ بينهما علاقة.
فالذي عَيّنَ كون الشيء أنه مصلحة، أو أنه ليس بمصلحة، إنما هو مفهومُ الشخص عن هذا الشيء. والمفاهيمُ هي معاني الأفكار، فتكون الأفكار هي التي أوجدت العلاقة. وشرطها أن توجد عند الاثنين معاً، ولا تقوم علاقة إن وجدت الأفكار عند واحد ولم توجد عند الآخر فإذا كان أحَدُهُما يرى أن هذا الأمرَ مصلحة والآخر يرى أنه ليس بمصلحة، فلا يمكن أن توجدَ بينهما علاقة. وعلى ذلك فإن وحدَةَ الأفكار بين الناس هي التي توجدُ العلاقات بينهم.
غير أنّ وحدة الأفكارِ بذاتها لا تكفي لقيام العلاقات، إذ لا بُدّ أن تكونَ معها وحدة في المشاعر، فالمصلحة التي تهمُّ شخصين، ويشعران تجاهها نفس الشعور هي التي توجد العلاقة. فإذا كان أحدهما يُسرُّ بها، والآخر يَسْخط منها، فلن توجد العلاقة بينهما، بل لا بد أن تتحد مشاعرهما في النظرةِ إلى المصلحةِ، من سرورٍ، وغضب، وحزن، وفرح وما إلى ذلك من المشاعر، بالإضافة إلى جانبِ وحدة الأفكار.
ووحدة الأفكار والمشاعرِ معاً بين الناس لا تكفي بدورها أيضاً لإيجاد العلاقات، بل لا بد أن تكون معها وحدة النظام الذي يعالجون به مصالحهم المشتركة. فإذا رأى شخص، مثلاً، أن مصلحةً ما يجبُ أن تعالج بهذه الطريقة، ورأى الآخر أنها تُعالجُ بطريقة مغايرة لما قاله الأول، فلا تنشأ بينهما علاقة، ولا يتأتى أن تنشأ، إلا إذا اتفقا على كيْفِيّةِ معالجتها، أي على النظامِ الذي يعالجانها به، وحينئذ تنشأ العلاقة.
وهكذا فإن المجتمع ليس عبارة عن مجموعة من الأفراد أو مجموعة من الناس يعيشون بأفكار ومشاعر وأنظمة متغايرة، ولا تجمع بينهم أي وحدة في المصالح المشتركة، وفي الأهداف التي يسعون إلى تحقيقها. بل المجتمع: الناس وما يوحّد بينهم من أفكار ومشاعر وأنظمة تجمعهم حول أهداف بعيدةٍ وغايات مشتركة، وحول مصالح آنيةٍ مشتركة.
هذا هو واقعُ المجتمع كما يُشاهدُ من مجردِ النظر إليه، وكما يشاهدُ بعدَ التدقيق فيهِ، وكما يشاهدُ عند تحليلهِ إلى أجزائهِ التي يتكون منها.
المجتمع الإسلامي في المدينة:
حين قدم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) المدينة كانت تسكنها ثلاث جماعات:
1 - المسلمون: من مهاجرين وأنصار، وقد صاروا الكثرة الغالبة فيها.
2 - المشركون: من الأوس والخزرج الذين لم يسلموا، وكانوا قلة بين أهلها.
3 - اليهود: وقد سكنت جماعة منهم داخل المدينة، وهم بنو قينقاع، بينما أقامت جماعتان في أطرافها، وهما: بنو النضير وبنو قريظة وكلهم يشتركون بالرابطة اليهودية مع سكان خيبر وما جاورها من قرى اليهود الأخرى.
وقد كان اليهودُ، قبلَ الإسلامِ، مجتمعاً منفصلاً عن المجتمع في المدينة، فأفكارُهم ومشاعرُهم متباينةٌ عن أفكار أناسها ومشاعرهم، والنظام الذي يحلون به مشاكلهم ليس نظام المجتمع المديني، ولذلك لا يعتبر اليهود جزءاً من المجتمع في المدينة، وإن كانوا داخلَها أو على مقربةٍ منها.
وأما المشركون فقد كانت الأجواء الإسلامية قد اجتاحتهم، لذلك كان خضوعُهم في علاقاتهم للأفكار وللمشاعر الإسلامية، ولِنظامِ الإسلامِ، أمراً حتمياً، حتى ولو لم يعتنقوا الإسلام.
وأما المهاجرون والأنصارُ فقد جمعهم الإسلامُ وألّف بين قلوبِهِم، فكانت أفكارهم واحدة ومشاعرهم واحدة، وكان تنظيم علاقاتهم بالإسلام أمراً بديهياً. ولذلك بدأ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) يقيم العلاقات بينهم على أساس العقيدة الإسلامية، ودعاهم ليتآخوا في الله تعالى أخوين أخوين، بأخوّةٍ يكون لها الأثر الملموس في معاملاتهم وأموالهم وسائر شؤونهم.. ومن أبرز ما جمعت تلك الأخوَّة في الله تعالى أن كان الرسول نفسه (صلى الله عليه وآله وسلّم) وعلي بن أبي طالب (عليه السلام) أخوين، وكان عمه حمزة بن عبد المطلب ومولاه زيد أخوين، وكان أبو بَكْر وخارجة بن زيد أخوين، وكان عمر بن الخطاب وعتبان بن مالك الخزرجي أخوين (رضي الله عنهم) جمعياً. ولم تقتصر آثار تلك الأخوة على الناحية الإيمانية، بل شملت الناحية المادية أيضاً.
فقد أظهر الأنصار من الكرم والإيثار والعون لإخوانهم المهاجرين ما يزيد أخوة المسلمين قوةً وتوكيداً، فقاسموهم الأموال والأرزاق، وشاركوهم في الحاجات والمتطلبات.. فتأمنت الأجواء التي تتيح تأمين المصالح الخاصة والمشتركة، فانصرف كلٌّ إلى عمله: التجار للتجارة، والزراع للزراعة، والعمال للعمل، والكل توحّدهم دعوةُ الجهاد، وأداء الواجب المقدس. مما أمَّن للرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) أن يقيم المجتمع في المدينة على أسس سليمة وصحيحة تكفل الصمود ضد دسائس اليهود والمنافقين، وتمكّن المسلمين من العيش في تعاضد، وتكافل وتضامن، ووحدة متماسكة تبعث الاطمئنان لمستقبلٍ واعدٍ..
وقد تأثر المشركون بالأجواء الإسلامية إلى الحد الذي جعلهم يخضعون للحكم الإسلامي، بحيث لم يَعُدْ لهم أثر يُذكر في تكوين المجتمع الجديد.
وأما اليهودُ فقد ظلّوا محافظين على خصوصيّاتهم، ومن ثَمَّ، ازداد بعدَ الإسلام، التبايُنُ بين مجتمعِهِم وبين المجتمع الإسلامي. ولذلك حدّد الرسولُ (صلى الله عليه وآله وسلّم) موقفَ المسلمينَ منهم، وما يجبُ أن يكون عليه وضعهمْ في علاقاتِهِمْ مَعَ المسلمين. فقد كتب (صلى الله عليه وآله وسلّم) بين المهاجرين والأنصار كتاباً ذكر فيه اليهود واشترط عليهم شروطاً. فكان ذلك الكتاب منهاجاً حدّدت بموجبه علاقات المسلمين فيما بينهم، والعلاقات بين قبائلِ اليهود والمسلمين، والعلاقات مع الآخرين ممن تبع المسلمين أو عاهدهم على أسس واضحة يكون الإسلام فيها الحَكَم. وبذلك اطمأن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) إلى بناء المجتمع الإسلامي في المدينة.
كيف ينهض المجتمع؟:
إن العلاقات لا تنشأ، ولا تتمُّ وتتوطَّد بين الناس إلا إذا توحدت المشاعر والأفكار واتفقت على نظامٍ معين كما قلنا.. وعندما تقومُ العلاقات، يتكوّنُ المجتمعُ، ويُصبغ بصبغة معيّنةٍ، لا من حيثُ المجموعةُ البشريّةُ المكونةُ فيه فحسب، بلْ منْ حيثُ الأفكار التي حملها هؤلاءِ البشرُ، والنظامُ الذي طُبّق عليهم، والأحداث التي حرّكتْ مشاعرهم. وعندئذٍ نحكُمُ عليهِمْ إلى أيِّ مجتمع ينتمون..
فإذا أردنا أن نتبين أن هذا المجتمع إسلامي الهوية، علينا أن نعرف هل أنَّ الأفكارَ التي يحملها أبناؤه أفكاراً إسلاميّةٌ؟ وهلِ الأحداثُ التي تهزّ مشاعرهم إسلاميّةُ؟ وهلِ النظامُ الذي يطبق عليهم نظام حكم إسلاميّ؟ عند ذاك نستطيع أن نجزم أنّ هذا المجتمع هو إسلاميّ. وهكذا بالنسبةِ للمجتمعات الأخرى التي تعتنق الديمقراطية، أو الاشتراكية أو غيرها من العقائد والنظريات. وفي حال صُبغَ المجتمع بلون معين يكونُ قد حُدّدَتْ أفكارُهُ في كلِّ ما يصدُرُ عنهُ، وفي كلِّ شيءٍ يُطَبّقهُ. وعلى هذا يكونُ سلوكهُ منبثقاً عن اعتقاده ومفهومِهِ. ومن هنا رأينا أنّ العربَ عندما حدّدوا أفكارَهم باعتبارات الإسلامِ، وصبَغُوا مجتَمَعَهُمْ بصبْغَته، قد نهضوا نهضة بلغتْ حدّ الكمالِ. وهكذا الغربُ فإنه عندما حددَ أفكَارَهُ، قد حقّق النَّهْضَة التي أرادها. فالنهضةُ إذاً مرهونةٌ بتحديدِ الفكرِ، وتحديده هو الذي يحقّق النهضةَ. وعندئذٍ ينبثقُ السؤالُ التالي: أيّ تحديدٍ يحقّقُ نهضةً صحيحةً؟ والجوابُ: كلّ تحديدٍ مبنيّ على الفطرةِ الإنسانيةِ، أي الفطرة التي فطر الله تعالى الناس عليها، هو الذي يحققُ نهضةً صحيحةً.
ولعلَّ في النظرة إلى الواقع ما يثبت هذا التصور. فها هي أوضاع العالمِ الإسلامي اليوم، ولا سيما البلاد العربية، تُظهر بصورة جازمة عدم وجودِ أيّةِ نهضةٍ، لأنّ المجتمعَ فيه مشوّشٌ كلّ التشويش، ولا أحد يَستطيع أن يجزمَ بأنَّ المجتمعَ ديمقراطيّ أو اشتراكي أو إسلامي، مع أنّ جلّ أهله من المسلمين، أي أنهم يدينونَ بالإسلام ويحكمونَ بنظامٍ ظاهره ديموقراطيّ، ويدعو بعضهم إلى الاشتراكيةِ، فكان من المفروض، تبعاً لذلك، أن يكون لدى الموجّهينَ: التوجيهُ الصحيح، وتنقيةُ الأجواءِ، وقيادةُ الجيلِ الصاعدِ في الطريقِ القويمِ. وذلك بدلاً من أن يكون هؤلاء الموجهون هُمُ الذين يقرّونَ التشويش، وينحرفون بالأمة عن مسارها الصحيح، فيُصدِرونَ الكتب ويلقونَ المحاضرات ويقومون بتوجيه الأفكار التي تحاول التوفيق بين الإسلام والمبادئ التي ابتدعها الغرب، ومن قبيل ذلك دعواتهم التي تحمل عناوين لها مدلولات فارغة من مثل: الاشتراكية في الإسلام، والديمقراطية في الإسلام والنظام الإسلامي الديموقراطي، والدعوة إلى العلمانية، وسياسة الحوار بين الأديان وما إلى ذلك من الطروحات التي يوحيها الغرب إليهم، ثم يتولون هم تسويقها، وهذا ما جعل البلادَ الإسلاميّةَ بعيدةً كلّ البعدِ عنِ النهضةِ، لأنها تركتْ إسلامَها، ولجأت إلى الاشتراكيةِ أو الديمقراطيةِ التي لم تتقن العمل بها، فكان من الطبيعي، بهذا المزج والتعقيدِ، أنْ تراهمْ لا يعرِفون متى يبدؤونَ، وإذا بدؤوا بشيءٍ لا يعرفون كيف ينتهونَ.
وهكذا يتبين لنا كيف أن المجتمع لا يتم تكوينه إلا بوجود جماعة من الناس لها أفكار ومشاعر متجانسة، ونظام واحد منبثق عن هذه الأفكار والمشاعر.
وسوف نلقي نظرة عامة على النظام الرأسمالي وأهم الأفكار التي يقوم عليها، ومن ثم نتعرف إلى طبيعة النظام الإسلامي وأهم المفاهيم التي يقوم عليها.
المجتمع عند الرأسماليين:
إن الديمقراطية التي أخذ بها النظام الرأسمالي آتية من فكرة أنَّ الإنسانَ هو الذي يضعُ نظامه. ولذلك سادت في المجتمعات الغربية النظرية التي تعتبر الأمة مصدراً للسلطات، أي جعل السيادة للشعب (بينما يرى الإسلام - كما رأينا - أنَّ السيادة للشرع). والديمقراطية الرأسمالية هي مبدأ فردي، يرى بأن المجتمع مكوَّنٌ من أفراد. ولذلك كانت نظرته إلى المجتمع نظرة ثانوية، في حين أن الفرد هو محور النظام، ومن المفروض أن يضمن المجتمع للفرد الحريات الأربع الأساسية وهي:
- حرية الملكية.
- حرية العقيدة.
- الحرية الشخصية.
- حرية الرأي.
وهذه لمحة موجزة عن كل منها:
حرية المُلكِيّة:
وهي ترتكز على الإيمانِ بالاقتصادِ الحرّ الذي قامَتْ عليهِ سياسة البابِ المفتوحِ طبقاً لقاعدة: «دعه يعمل، دعه يمرّ».. أي أنها تقرّر فتحَ جميعِ الأبوابِ، وتهيئةَ كلّ الميادينَ أمامَ المواطن في المجالِ الاقتصادي، فيُباحَ التحلّل للاستهلاكِ والإنتاج معاً، وتُباح الملكية الإنتاجية التي يتكوّن منها رأس المالِ، من غيرِ حدٍّ وتقييد، وللجميعِ على حدٍّ سواء. فكل فردٍ مطلق الحريّةِ في انتهاجِ أيّ أُسلوب، وسلوك أيّ طريق لكسب الثروةِ وتضخيمِها ومضاعفتِها، على ضوءِ مصالِحِه ومنافعهِ الشخصيةِ.
وفي زعمِ بعضِ المُدافعينَ عن هذه الحريّةِ الاقتصاديةِ، أنّ قوانينَ الاقتصادِ السياسيّ التي تجري على أُصولٍ عامّةٍ، كفيلةٌ بسعادةِ المجتمعِ، وحفظ التوازن الاقتصاديّ فيه، وأن المصلحةَ الشخصيّةَ أو المبادرةَ الفردية التي هي الحافز القويّ والهدف الحقيقيّ للفردِ في عملهِ ونشاطِهِ، هيَ خير ضمانٍ للمصلحةِ الاجتماعيةِ العامّةِ، وأنّ التنافسَ الذي يقوم في السوقِ الحرّة، نتيجة تساوي المُنتجينَ والمتَّجرينَ في حصّتهم منَ الحريّةِ الاقتصاديةِ، يكفي وحدَه لتحقيقِ روحِ العدلِ والإنصافِ، في شتى الاتفاقاتِ والمعاملاتِ.
والواقع أن النظام الاقتصادي هو الذي يقوم على رعاية شؤون المال من أجل خدمة الإنسان. إلا أن الغرب، ومن خلال الحرية الاقتصادية التي تقوم على الحرية الملكية، جعل المال يتحكم بعلاقات الناس ببعضهم البعض ويسيِّرها عوضاً عن أن يحوزوا هذا المال ويسيروه هم خدمة لأنفسهم، كما فعل المسلمون عندما طبقوا - سابقاً - النظام الإسلامي في بلادهم.
حرّية العقِيدَة:
وهي تعْنِي أنْ يعيشَ الناس أحراراً في عَقَائدهِمْ، يُفكّرونَ كَمَا يحْلُو لَهُمْ، ويعتقدونَ ما عقَدَتْ عليه قُلوبُهُمْ من تقليدٍ أو تبعيَّة للآباء، أو ما تُمْلِيهِ عَلَيْهِمْ أفكارهم وتصوراتهم ورَغَباتُهُمْ وأهواؤهُمْ بدونِ عائقٍ منَ السلطة. وسواء اعتنق الفرد عقيدة دينية، أم عقيدة وثنية، أو لم يعتنق أية عقيدة، فسيّانِ عندهم ذلك، طالما أنه حرٌّ بما يؤمن أو يعتقد. فالدّولة لا تسلُبُ الفردَ حُرّيته، ولا تمنعه منْ مُمَارسةِ حقّهِ فيها والإعلانِ عن أفكارِهِ ومُعتقداتِه، والدّفاعِ عن وجهاتِ نظرِهِ، لأن السلطةَ أصلاً ما قامت إلاَّ لضمان حرياتهم.
أما الإسلام فقد دعا، بالنسبةِ لِلْعقيدةِ، الإنسانَ للتفكرِ في خَلْقِ السماواتِ والأرضِ، في قوْلِهِ تعالى: {وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً} [آل عِمرَان: 191]. ثمّ دعا للتيقّنِ بحقيقةِ وجودِهِما ومصدَرِهِما كَقَوْلِهِ تعالى: {وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ * وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ *} [الذّاريَات: 20-23]. وبعدَ هذهِ البراهينِ الدّامِغَةِ، والحقائقِ الواضحةِ، جَعَلَ المُسْلِمَ مُقيّداً بالحقيقة، وعاقَبَه مُعَاقَبَةَ المُرْتَدّ إذا ابتعدَ عنها. ومنْ هنا نرى أنّ الإسلام لم يترك لأهْلِ الباطلِ من الكافرين والمشركين والملحدين حُريةَ العقيدةِ وخاصة الدينية، لئلا يَعيِثُوا في الأرض فسَاداً، ويَعْبثُوا في العقيدة كما يشاؤونَ.
الحرّية الشخصية أي «السُّلوك الشخصيّ»:
وهي أن يتصرّف الإنسان كيف يشاء، وعلى نحو ما يريد، ما دام يرى في هذا التصرف سعادته، بشرط أن لا يكون في هذا التصرف تعدٍّ على حريات الآخرين.
ومع اختلافِ المبادئ التي قام عليها النظام الرأسماليّ الديمقراطيّ، والنظام الاشتراكيّ الشيوعيّ، في النظرةِ الأساسيّةِ إلى الكونِ والإنسانِ والحياةِ، يتّفق هذان النظامان على أنّ المُثُلَ العُليا للإنسانِ هيَ القيمُ التي يضعُها الإنسانُ نفسُه، وأنّ السعادَةَ هي الأخذ بأكبرِ نصيبٍ منَ المُتَعِ الجَسَديّة، لأنّها هيَ الوسيلة إلى السّعادةِ، بل هيَ السّعادة ذاتها، كما يظن أصحاب تلك الأنظمة. ولذلك فهم يتفقون على إعطاءِ الإنسانِ حرّيتَه الشّخصيّةَ. مع أنَّ هذه الحريّة الشخصيَّة قد نتج عَنْها فوضى جنسِيّة في المجتمع بلغت حدّاً كبيراً، بحيث سبَّبت ضرراً فادحاً بالأفراد وأثرت سلباً على علاقات المجتمع، وباتت تهدد الأسرة يومياً بالدمار.
حرّيَّة الرأي:
وهي تجعل لكُلِّ فردٍ كلاماً مسموعاً ورأياً مُحْتَرماً في تقريرِ الحياةِ العامّةِ، وَوَضْع خططِها، وسَنِّ قوانِينِها، وتعيينِ السلطاتِ القائِمةِ لِحمايتِها، لأنّ نظامَ الحُكْم فيها يتصل اتصالاً مُباشراً بحياةِ كلِّ فردٍ من أفْرادِها، ويؤثّر تأثيراً حاسِماً في سعادتِه، أو شقائِهِ. وسواءٌ أكانتْ هذهِ الآراء صحيحةً أم خاطِئَةً، بَنّاءةً أم هدّامَةً، فالأمر سيانِ لديهمْ طالما أنها تعبِّر عن رأي الفرد ومعتقده..
وأمّا الإسلام فما أطلق هذه الحرية على هواها، ولا قَيّدها، بلْ مَنَعَ الأخبارَ الكاذبةَ، والآراء المُضلِّلَةَ، وسَمَحَ للآراءِ الصّائِبَةِ البنّاءَة المقومةِ لاعوجاجِ الدولَةِ والرّعيةِ أن يعوَّل عليها ويؤخذ بها. وأكثر من ذلك فقد شجّع الإسلام انتقادَ الحاكِمِ الجائر - ما دامَ النقد صحيحاً - وفضّلَه على كلِّ عملٍ يقومُ به المُسلِمُ لِنَيل رضوانِ الله تعالى. وفي هذا الصدد قالَ رسولُهُ الكريمُ: «أفضلُ الجهادِ عندَ الله كلمةُ عدل عنْدَ سُلطانٍ جائِرٍ»[*]. وقال (صلى الله عليه وآله وسلّم): «سيّدُ الشّهَداء حَمْزَةُ بن عبد المطلب، ورجلٌ قامَ إلى إمام جائِرٍ فأمره ونهاه، فَقَتَلَهُ» أي أن الناصِحَ للسلطان الجائر لايلقى منه إلاَّ القتل، فكان عند ربه تعالى شهيداً[*].
رأي الأكثرية:
في الديموقراطية يجب الأخذ برأي الأكثرية، أما في الإسلام فلا يجوز، في جميع الحالات، الأخذ برأي الأكثرية إذا خالفت الشرع.
ولذلك كان السؤال: هل يجبُ الأخذُ برأي الأكثريةِ بقطع النظرِ عن كونهِ صواباً أو خطأ؟ أمْ يجبُ الأخذُ بالرأي الصوابِ من أي مصدر جاء سواء أكان رأيَ الأكثريةِ، أم رأي الأقليةِ، أو حتى رأي الشخص الواحد؟ ذلك أنه في الديموقراطية يجري الأخذ دائماً برأي الأكثرية، فما تقرره يُعمل به، بينما في الإسلام، هنالك كثير من الحالات التي لا يؤخذ فيها برأي الأكثرية. إن هذا الأمر، أي الأخذ برأي الأكثرية أو عدمه، يحتّم فهو واقعِ هذا الرأي، وفَهْمَ الأدلةِ الشرعيةِ التفصيلية الواردةِ في أخذِ الرأي، وتطبيق الأدلةِ على واقع الرأي تطبيقاً تشريعياً.
ولو تحققنا من واقعِ الآراء في العالمِ، لوجدنا أنه لا يخرُج عن أربعةٍ لا خامسَ لها. وكلّ رأي في الدنيَا يكونُ إمّا واحداً من هذه الآراء، أو متفرّعاً عن أحدهما، أوْ مندرجاً تحتَ واحدٍ منها. وهذه الآراءُ الأربعةُ هي:
1 - أن يكونَ الرأيُ حكماً شرعياً، أي رأياً تشريعياً.
2 - أن يكونَ تعريفاً لأمرٍ منَ الأمورِ: إما تعريفاً شرعيّاً كتعريفِ الحكمِ الشرعيّ ما هوَ، أو تعريفاً لواقعٍ كتعريفِ العقلِ، وتعريفِ المجتمعِ، أو ما شاكلَ ذلك.
3 - أنْ يكونَ رأياً يدلّ على فكر في موضوعٍ، أو على فكرٍ في أمرٍ فنيٍّ، يدركُهُ ذوو الاختصاصِ.
4 - أنْ يكونَ رأياً يُرشِدُ إلى عملٍ من الأعمالِ للقيامِ بهِ.
هذهِ هي الآراءُ في الدّنيا، وهذا هو واقعها.
ولنعد إلى السؤال الأساسي الذي يطرحُ نفسهُ: هل يُرجَّحُ رأيُ الأكثريةِ دونَ النظرِ إلى الصّوابِ والخطأ، أم يؤخذُ بالصوابِ وإن خالفَ رأيَ الأكثرية؟ وحتى نصِلَ إلى الجواب لا بدّ أنْ نستعرضَ الأدلّة التي وردت في السنة النبوية الشريفة، ثُمَّ نطبّق هذه الأدلّةَ على أنواع الآراءِ الأربعة.
فيما يتعلق برأي الأكثرية فإنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) قد جمعَ قبل معركةِ أُحُدٍ أهْلَ الرأيِ منَ المسلمينَ، ورأى بعْدَ المشورَةِ أن يَتَحَصّنُوا بالمدينةِ، وأن يتركوا قريشاً خارجَها، وكان ذلكَ رأي كبارِ الصحابةِ، بينما كانَ رأيُ الفتيانِ ذوي الحميةِ، وهم الأكثرية، ملاقاة العدوّ وقتاله خارج المدينةِ.
وكانتِ الكثرةُ بجانبِ الفتيان، فنزلَ الرسولُ (صلى الله عليه وآله وسلّم) عندَ رأيهمْ، واتبعَ رأيَ الأكثريةِ، وعملَ بهِ، وتركَ رأيه ورأيَ كبارِ الصّحابةِ لأنّهم أقلّية.
وفيما يتعلق برأي الأقلية فإننا نرى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) قد وافق على رأي الشخص الواحدِ، واكتفى به حينَ وجدَ الصوابَ بجانبهِ. وكانَ ذلك حينَ أراد (صلى الله عليه وآله وسلّم) إقامة معسكره في بدر، فاختاروا مكاناً لذلك قريباً من ماء بدر، فلم يرضَ الحبابُ بنُ المنذر بهذا المنزلِ، وقال للرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم):
«يا رسول الله، أرأيتَ هذا المنزلَ، أمنزلاً أنْزَلَكُمْ الله، فليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخّرَ عنهُ، أمْ هو الرّأيُ والحربُ والمكيدةُ؟
قالَ الرسولُ (صلى الله عليه وآله وسلّم): «بل هوَ الحرْبُ والرأيُ والمكيدةُ». فقال الحباب: يا رسول الله، إن هذا ليسَ بمنزلٍ، ثمّ أشارَ إلى مكانٍ أنسب، فلمَّا قام الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) باستكشاف المنطقة بنفسه، ورأى أنَّ أدنى ماءٍ من بدر، وأقربَ مكان إلى المشركين، هو الذي اقترحه الحباب أمرَ بالنزول فيه، أي إنه اتَّبَعَ رأيَ الحباب لأنه رأى فيه الصواب.
وهذا في حين أنَّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) في الحُدَيْبِيةِ تمسّكَ برأيهِ وحدهُ، ولم يأخذْ برأيِ الأقلية، إذ قال لأبي بكرٍ وعمر: «إنّي عبْدُ الله ورسولُه، ولن أُخالفَهُ، ولَنْ يُضَيّعَني».
من ذلك نرى أن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) نزلَ عندَ رأي الأكثريةِ مرّةً، وأخذ برأي الشخص الواحد مرة، وعارض رأي الأقلية مرة.
وإذا طبّقنا الأحكامَ الثلاثة التي استنبطت من فعلِ الرسولِ (صلى الله عليه وآله وسلّم) وقولِه على واقعِ الآراءِ في العالمِ اليومَ، نجدُ ما يلي:
1 - الحُكْمُ الشرعيّ ترجحُ فيهِ قوّةُ الدليلِ فقط، لأنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) رجّحَ ما نزلَ من الوحي، ورفضَ غيرَهُ رفضاً قاطعاً، ولذلكَ قالَ (صلى الله عليه وآله وسلّم): «إني عبدُ الله ورسوله، ولنْ أُخالِفَ أمرهُ».
2 - إنّ التعريفَ إذا كانَ جامعاً مانعاً، أي محيطاً بكلِّ شيء بحيثُ لا يستطيع أحدٌ أن ينقص منهُ شيئاً ولا يزيد عليهِ شيئاً، فهذا الذي يجبُ أن يؤخذ من أي جهةٍ كانت لأنهُ وصفٌ للواقع.
3 - الرأي الذي يدلّ على فكرٍ في موضوع يُرَجّحُ فيهِ جانبُ الصَّوابِ، وذلكَ كمسألةِ النهضةِ مثلاً، أتكون بالرقيّ الفكريّ أو الاقتصاديّ؟ وهل الوضعُ الداخليّ والموقفُ الدوليّ مؤاتيان للقيام بأعمالٍ سياسيةٍ، أو بأعمالٍ عسكريةٍ معَ الأعمالِ السياسيةِ، أم لا؟ إنّ هذا كلّهُ يُرجَع فيهِ إلى الصّوابِ، إذ إنه، مهما كانَ نوعهُ، يدخلُ تحت قولِ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم): «بلْ هو الرأيُ والحربُ والمكيدةُ».
ومثلُهُ الرأيُ الفنيّ: لأنّ الرسولَ حينَ رجعَ إلى رأي الحباب بن المنذر كانَ الحبابُ عليماً بذلكَ المكانِ، فرجعَ إليهِ لخبرتِه. ولذلكَ يُرْجَعُ بالرأي الفنيّ إلى الصّوابِ وإلى أصحاب الاختصاص.
4 - إنّ الرأيَ الذي يُرشدُ إلى القيامِ بعملٍ منَ الأعمالِ، يُرجّحُ فيه رأيُ الأكثريّة، لأن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) نزلَ هو وكبارُ الصحابةِ عندَ رأي الأكثريّةِ الذي لا يخالف حكماً شرعياً.
أما انتخاب رئيس أو عزل والٍ أو إقرار مشروع أو ما شاكلَ ذلك، ففي مثلِ ذلكَ يكونُ رأيُ الأكثريّةِ مُلزِماً بغضِّ النظرِ عن كونهِ صواباً أمْ لا، بل لا يدخل هنا الصواب والخطأ بقدر ما يدخل تشوّف الأمر والترجيح فيه بدل الجزم والقطع.
وعلى ذلك يكونُ الرأيُ الذي يُرَجّحُ فيهِ جانبُ الأكثريّةِ محصوراً في نوعٍ واحدٍ من أنواع الأعمالِ الموجودةِ في العالمِ، وهو الرأيُ الذي يبحثُ في العملِ من أجلِ القيام بهِ.
وهكذا يتبين أنّ هنالكَ فَرْقاً بينَ الرأي الذي يؤدّي إلى فكرٍ والرأي الذي يؤدّي إلى عملٍ.
هذا هوَ حكمُ الشرع في الأكثريةِ. وهذا الحكمُ يخالفُ الأحكامَ القائمةَ في الأنظمة الوضعيّة كلّ المخالفةِ. وحكمُ الله تعالى هذا في خصوص رأي الأكثرية، وحده هو الحقّ، وما عداهُ باطلٌ لا يجوزُ الأخذُ بهِ.
وخلاصة الأمر: إن الدين الإسلاميّ بنصوصهِ ووقائعهِ لا يُوجبُ احترام رأي الأكثرية إذا لم يكنْ متفقاً مع الشرع. وما ذكرناهُ من نزولِ النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) على رأي الأكثريّة تارة، ورأي الواحد أُخرى، دليلٌ على صحّةِ ما نقولهُ.
ولكن الشائع اليومَ أن رأي الأكثريّةِ محترم سواءٌ وافقَ الشرع أم خالفهُ. وما يتقبله المجتمعُ منَ الأوضاعِ الفاسدةِ التي أقرّتها الأكثرية دليلٌ على ذلك.
العلاقات الداخلية.. الإسلام يساوي بين جميع المواطنين
يرى الإسلامُ أن الناس الذين يحكمُهم هم وَحْدَةٌ إنسانيةٌ بغضِّ النظر عن الطائفةِ والجنسِ، والعرق واللون، فلا يشترط فيهم إلا التابعيةَ، لأنه لا توجد في الإسلام أقلياتٌ، بل جميعُ الناس، باعتبار إنسانيٍّ، هم رعايا الدولة الإسلامية ما داموا يحملون جنسيتها، وكلٌّ منهم يتمتعُ بالحقوقِ التي قررها الشرع، سواء أكان الفرد مسلماً أم غير مسلم. وكل من لا يحمل التابعية لا يتساوى في هذه الحقوقِ مع الذي يكون من التابعية، ولوكان مسلماً.
هذا من حيثُ الحكم ورعايةُ الشؤون لقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم): «كلكم راع وكلٌّ مسؤول عن رعيته، الإمام راعٍ ومسؤول عن رعيته..»[*].
أما من حيث تطبيقُ الأحكام فإنّ الإسلام يأخذ بالناحية التشريعيةِ القانونيةِ لا الناحية الروحية، ذلكَ أنه ينظرُ للنظام المطبقِ على الناس باعتبار تشريعيٍّ قانونيٍّ، لا باعتبارٍ دينيٍّ روحي.
فالذين يعتنقون الإسلام يكون اعتقادُهُمْ بهِ هو الذي يُلزمُهُمْ بجميعِ أحكامِهِ، لأنّ التسليمَ بالعقيدةِ تسليمٌ بجميعِ الأحكامِ المنبثقةِ عنها، وإلزامٌ للنفس بجميعِ ما أتت به هذه العقيدةُ إلزاماً حتمياً.
ثم إن الإسلامَ جعلَ المسلمين يجتهدون في استنباطِ الأحكامِ. وبطبيعةِ تفاوتِ الأفهامِ حصل الاختلاف في فهمِ الأفكارِ المتعلقَةِ بالعقائدِ، وفي كيفيةِ استنباطِ الأحكامِ والآراء المستنبطة، فأدى ذلك إلى وجودِ الفرقِ والمذاهب. وقد حث الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) على الاجتهاد، وبين أن الحاكمَ إذا اجتهد وأخطأ فله أجرٌ واحدٌ، وإذا اجتهد وأصاب فله أجرانِ اثنان.
فتح الإسلام إذاً باب الاجتهاد، لذلك لم يكن غريباً أن يكون هنالك الجعفرية والزيديةُ والحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية وغيرها من المذاهب الإسلامية. على أنّ جميع هذه المذاهب الإسلامية تعتنق عقيدة واحدة هي العقيدة الإسلامية، وأن جميع المسلمين، ولأي مذهب انتموا، مخاطبون باتباع أوامر الله تعالى واجتناب نواهيه، ومأمورون باتباعِ الحكمِ الشرعيّ لا اتباع مذهب معين.
أما المذهبُ فهو فهمٌ معينٌ للحكم الشرعي لا أكثر ولا أقل، ويقلده غير المجتهد، أو يسير على فتاويه، حين لا يستطيع الاجتهاد. وهو يأخذ هذا الحكم بالاجتهاد إن كان قادراً عليه، وبالاتباع أو التقليد إن كان غير قادر على الاجتهاد. وعلى ذلكَ فإن جميعَ الفرقِ والمذاهبِ التي تعتقدُ العقيدةَ الإسلامية تُطَبّقُ على أتباعِها أحكام الإسلام.
وعلى الدولةِ ألاَّ تتعرض للمذاهب والفرق الإسلامية، ولا لأتباع المذاهب الفقهية، ما دامت لا تخرج عن عقيدةِ الإسلام، وطالما أن المسلمين مطالبون بجميعِ أحكامِ الإسلام. ولا شك بأن هناك أحكاماً قطعيّةً اتفق المسلمون على وجوبها، فكانت مدار الفهم الواحد والرأي الواحد: كتحريم الربا، ووجوب الزكاة، وكون الصلوات المفروضة خمساً وغيرها من الأحكام القطعية الثبوت، القطعية الدلالة.
وهناك أحكامٌ وأفكارٌ وآراء اختلف المسلمون في فهمها، إذْ قد فهمها كلُّ مجتهدٍ خلافَ فهم الآخر، مثل صفاتِ الخليفةِ، وإجارة الأرض، وتوزيع الإرث، وغير ذلك. فهذه الأحكامُ المختلفُ فيها بالرأي، يتبنى الخليفة رأياً منها فتصبح طاعته واجبة على الجميع.
وعلى الخليفة أن لا يتبنى من العبادات شيئاً، لأن تبنّيه هذا يُحَمِّلُ غير المسلمين مشقّةً في عباداتهم. وليس له أن يأمر برأي معيّن في العقائد مطلقاً، ولا أن يأمر بحكم معين في العبادات - ما عدا الزكاة - ما دامت هذه العبادات أحكاماً شرعية. وفيما عدا ذلك للخليفة أن يتبنى أحكاماً في جميع المعاملات، كالإجارة والبيع والنفقة والشركة، وفي العقوبات جميعها من حدود وتعزير الخ...
نعم، إن الخليفةَ ينفذ أحكامَ العباداتِ فيعاقبُ تارك الصلاة والمفطرَ في رمضانَ، كما ينفذ سائرَ الأحكامِ الإسلامية سواءٌ بسواء. وهذا التنفيذ هو واجبُ الدولة، لأن وجوبَ الصلاةِ ليس مجالَ اجتهادٍ، ولا يعتبر تبنياً، وإنما هو تنفيذ لحكم شرعي مقطوع به عند الجميع. وللخليفة أن يتبنى لتنفيذ العقوبات على تارك العبادات رأياً شرعياً يلزم الناسَ بالعملِ به.
وأما غير المسلمين، فيُتركون وما يعتقدون وما يعبدون، فيسيرون في أمور عباداتهم وأمور الزواج والطلاق حسب أديانهم، وتعين الدولة لهم قاضياً منهم، ينظر في خصوماتهم في محاكم الدولة. أما المطعومات والملبوسات فإنهم يعامَلون بشأنِها حسبَ أحكام دينهم ضمن النظام العام. وأما المعاملاتُ والعقوباتُ فتنفذُ على المسلمين وغير المسلمين سواء بسواء، من غير تمييز أو تفريق على اختلاف أديانهم وأجناسهم ومذاهبهم، فهم جميعاً مكلفون باتباع الأحكام والعملِ بها. غير أنَّ تكليفَهُمْ بذلك إنما هو من ناحية تشريعية قانونية، لا من ناحية دينية روحية، لذلك لا يجبرون على الاعتقاد بها، لأنهم لا يجبرون على الإسلام، قال تعالى: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} [البَقَرَة: 256]. كذلك نهى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) عن أن يفتن أهل الكتاب في دينهم.
طبيعةُ النظامِ الإسْلاميّ طبيعةُ بقاء واستمرار:
وهذه الطبيعة هي التي تضمن عدم وقوع الانقلابات. والانقلابُ في نظرِ الإسلام هو الانقلابُ على النظامِ وعلى الدولةِ التي تنفذ ذلك النظام. أما استبدالُ رجال الحكم برجال حكم آخرين فلا يسمى انقلاباً مطلقاً. وكذلك ثورة الأمة على رجال الحكم إذا أخلّوا بالشرع ولم يحققوا سيادته لا تُسَمّى انقلاباً، بل هي حركة تحريرية لتسوية الأوضاع، وتنصيب المؤهلين للحكم.
فالانقلابُ هو استبدالُ النظام الذي تُحكمُ به الأمة بنظامٍ آخر.
وهذا هو المهمُّ في الانقلاب. وقد ضَمِنَ الإسلام في نظامه عدم حدوثِ الانقلابات. وذلك لأن طبيعةَ النظامِ الإسلامي طبيعة بقاء واستمرار، وتحمل في صلبها الضمانات الكافية لصيانتها من الانقلابات.
بل وطبيعة هذا النظام ليست بحاجة إلى القوة لضمان عدم وقوع الانقلاب، وإنما القوة أداة تنفيذية لمقابلة المادة بالمادة، كما تقتضيه طبيعة الكون والحياة والإنسان.
والضمانات الحقيقية من عدم حصول الانقلاب موجودةٌ في أُسُسِ النظام وفي صلبهِ، ومُركّزةٌ في طاقتِه وتشريعه. وهي ظاهرة ظهور الشمس من المسائل الآتية:
1 - إن المبدأ الإسلامي يعملُ من داخلِ النفس وخارجها في الفردِ كما يعمل من داخل الجماعة ومن داخل الدولةِ، وذلك كله بالتشريعِ والتوجيهِ، وبالحرص على سيادة الشرعِ ووجود تقوى الله تعالى. وسيادة الشرع هذه تشملُ الفردَ والدولةَ، والأمةَ، وهذا وحده كافٍ لصيانة النظام الإسلاميِّ من الانقلاب صيانةً أبدية، لأنَّ من يتخذ مبدأه الإسلامي رسالةً له، فيحيا من أجلها، ويستعد للموتِ في سبيلها، لا يمكن أن تُحَدِّثَهُ نَفْسُهُ بالانقلابِ على هذه الرسالةِ. حتى ولو كان هذا الإنسانُ منافقاً أو كافراً لا يؤمن بالنظام الإسلامي، ولا بالرسالة الإسلامية، فإنه لا يمكن أيضاً أن ينقلبَ على النظام، ما دام قد ضمن له أن يعيش آمناً مطمئناً في ظلّه، إذ إن سيادةَ القانون وحدها متى كانت مضمونةً في أمة، كانت خير ضمانة من الانقلاب إذا كان القانونُ عادلاً، فكيف بها إذا ضمّتْ إليها تقوى الله تعالى؟
2 - يجعل هذا المبدأُ طبيعةَ عمل الدولة التي تُنَفذهُ، أنها خادمة للأمة، وليست سيدة عليها، يتحتمُ عليها القيام بما يتطلبه الفردُ من جميع النواحي المعاشية، والعلمية،والصحية، وتأمين ما يهيئ له إشباع نواحيه العاطفية أو الغريزية، ولكن في حدود مصلحة الجماعة، ونفاذ أحكام الشرع، مما يجعل الأمة تشعر أن بقاءَ هذا الحكم ألزم لها من كل شيء. وهل من الممكن أن يحاولَ فرد، أو جماعة، الثورة ضد مبدأ يقولُ فيه رئيسُ الدولة لهم ما يقوله عمر بن الخطاب (رضي الله عنه): «ولكن عليّ أيها الناس خِصَالٌ أذكرها لكم، فخذوني بها: لكم عليّ ألاَّ أجتبي[*] شيئاً من خراجكم ولا ما أفاء الله عليكم إلا من وجهه. ولكم عليّ إذا وقع في يدي ألاَّ يخرجَ منه إلاَّ في حقه. ولكن عليّ ألاّ ألْقيكم في المهالك ولا أجمركم[*] في ثغوركم[*]، وإذا غبتم في البعوث فأنا أبو العيال».
نعم، الحاكم الإسلامي هو أبو العيال إذا غاب أبوهم عنهم. ومثل هذه الدولة التي يضمن نظامُها حياةَ أفرادِها، ويوجبُ عليها القيام بهذه الضمانة، لا يمكنُ أن تجري محاولة انقلابية فيها، لأنَّ طبيعةَ عملها، تجعل هذه المحاولة في حكم المستحيل.
وهل عَمِلَ الخلفاء الراشدون أبو بكر وعمر وعثمان وعلي (رضي الله عنهم) جميعاً إلا بمقتضى هذا المنهج؟
3 - إن السلطان للأمة، وهي التي تنيب عنها الحاكم الذي يطبق الشرع.
وبذلك كان هذا النوع من الحكم ضمانة طبيعية من الانقلاب. فكل مَنْ تُحدّثُه نَفسُهُ بإحداثِ انقلاب في الدولة لا يقف في وجهه رجالُ الحكمِ فقط، بل تكونُ الأمةُ بأسرها في وجهه. وإنْ أقدمَ فقد أقدمَ على الاَنتحارِ، وهلاك نفسه، ولا يقوِّض أركان الحكم في شيء.
4 - إن نظرة هذا المبدأ نظرة جماعية في عقيدتهِ وعباداتهِ وتشريعاته وأوامره، لأنه يجعلُ الاهتمامَ بشؤون الناس صِنْوَ الإيمان، فمن لم يهتم بأمر الجماعة الإسلامية فليس منها إيماناً وإسلاماً. قال (صلى الله عليه وآله وسلّم): «من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم».
ولذلك يَعتبرُ كُلُّ مسلمٍ نفسه مسؤولاً عن الجماعة وليس مسؤولاً عن نفسه فقط، وواجبه الدفاع عنها، ولو لم يدافع عنها سواه. قال عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «كل مسلمٍ من المسلمين على ثغرةٍ من ثُغَرِ الإسلامِ، الله الله لا يؤتي الإسلام يؤتَيَنَّ من قِبَلِه»[*]. ولذلك يصبحُ كل فردٍ في الأمةِ رقيباً وحارساً، ولا يمكنُ لمن يحمل هذه المسؤولية بالرقابة والحراسة أن ينقلب ضدَّ مسؤوليته. وفي هذا أيضاً ضمانة من الانقلاب.
5 - إن الأمة مأمورة بطاعةِ الدولة لأن ذلك أمرٌ من الله - تعالى - له أثره في نفسها خوفاً من عقابه عزّ وجلّ ولأنه أمرٌ تشريعي له نتائجه بما يفرض من العقاب الصارم في الدنيا. أما أمر الله - سبحانه وتعالى - فظاهر في الآيات الكثيرة والأحاديثِ الجمة التي نَصّتْ على وجوبِ طاعة وليّ الأمر، والتي جعلت جهنمَ جزاءً وفاقاً لمن يخرج على السلطان العادل.
وأما التشريع فإن في النظام الإسلامي زجراً شديداً لمن يحاول الخروج على الدولةِ، أو يحاولُ الانقلاب عليها. وقد سُميَ الخارجون على الدولةِ بالبغاة. وحكمهم أن على الدولةِ أن تراسلهم، فإن لم يرجعوا قاتلتهم، وجوباً، قتالَ تأديب لا قتالَ حرب.
6 - إن نظامَ الحكم في الإسلام هو نظام مركزي، ونظام وحدة. فالمركز هو الذي يسيطرُ على الحكمِ في جميع أجزاء الدولة. ولذلك تكونُ الأقاليم كلها تحت سلطانهِ، فلا تتمكنُ من الخروج عن هذا السلطان، ولا تتاحُ لأيِّ إقليمٍ فُرصته للاستقلال لكي يُطبِّقَ فيه نظاماً خاصاً به، بعد انفصاله عن الدولة. علاوةً على أن كل إقليم يعتبرُ نفسه مسؤولاً عن الدولة كأنه المركز، لأنه بضعة من جسم الدولة، ويَعْتَبرُ أنَّ الاعتداء على الدولةِ اعتداء عليه، والاعتداء على المبدأ في أي جزء من أجزاءِ الدولة اعتداء على نظامه هو. وهذا الاعتبار نفسه يحبط كُلَّ محاولة للانقلاب في مَهْدِها.
أما غزو التتار، والحروب الصليبية، والحروب الاستعمارية وإن وجدت أعواناً لها بين المسلمين، إلاَّ أنهم كانوا أفراداً ولا شأن لهم في المبدأ، أو في النظام، فلا تُعدُّ أعمالهم انقلاباً، وإنما هي عون للغزو المسلح ضد الإسلام والمسلمين. وأما ما فعله معاويةُ من نقل الخلافة إلى مُلك، وإحداثِ ولاية العهد، فلا يسمى انقلاباً وإنما هي إساءة للتطبيق، وانحراف بالحكم عن الطريقة الإسلامية المُثلى التي كانت مطبقة في عهد الخلفاء الراشدين. وقد توَسّلَ معاوية لهذا بدعوى الاجتهاد بما يوافقُ المصلحة (أي مصلحته الخاصة)، وبإظهاره - خداعاً - الحرص التام على كيانِ الأمة الإسلامية.
ومعاويةُ بنُ أبي سفيان كان يفهمُ رئاسة الدولة أنها ملكٌ وليست خلافة. انتبه إلى قوله حين خطبَ في أهل الكوفة بعد الصلح مع الإمام الحسن (عليه السلام)، قال: «يا أهلَ الكوفةِ أتراني قاتلتكم على الصلاة والزكاةِ والحج وقد علمتُ أنكم تُصلّونَ وتُزكونَ وتحجون؟ ولكنني قاتلتكم لأتأمّرَ عليكم وعلى رقابكم. وقد آتاني الله ذلك وأنتم كارهون. ألا إنَّ كُلَّ مالٍ ودمٍ أُصيبَ في هذه الفتنة فمطلول[*]، وكل شرط شرطه الحسن فتحت قدميّ هاتين».. نعم استمع إليه وهو يقول ذلك تجده يُعلنُ عن نفسه، أنه يخالفُ الإسلامَ، حين يعلنُ أنه قاتلَ الناسَ ليتأمر عليهم وعلى رقابهم، وحين يتجاوزُ ذلك إلى ما هو أشد وأنكر، إذ يقول للناس: «كل شرط شرطه الحسن فتحتَ قدميّ» فهو يقول صراحة إنه لا يحترم العهدَ وهو غير مستعد أن يفي به إذا خالف هواه، وكل ذلك خلافاً لما أنزلَ المولى بقوله تبارك وتعالى: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً *} [الإسرَاء: 34] وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لأَِمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ *} [المعَارج: 32].
إن طريقة اجتهاد معاوية في الأمور السياسية كانت تقوم على أساس المنفعة. ولم يتأثر بالإِسلام، أي بأوامر الله تعالى ونواهيه، بل كان متأثراً بالنظام الذي كان سائداً في تلك الأيام عند الدولتين: البيزنطية والساسانية، اللتين كان الحكمُ فيهما وراثياً، فجعل ولده يزيد ولي عهده وفرض أخذ البيعة له في حياته بالاحتيال والقوة والتخويف. ورغم كل أعماله تلك ظل المبدأ الإسلامي هو ذاته، وظلت العقيدة هي ذاتها، لأن لا أحد يقدر على تغيير ما أنزل الله عزَّ وجلَّ، وما فرضَهُ أبدياً إلى يوم القيامة، فلم يستطع أن يغيّر لا في صلاةٍ، ولا في زكاةٍ أو حجٍّ، فكيف بأمور العقيدة!..
استمرار الدولة الإسلامية وعلى رأسها الخليفة:
لم يختلف أحد من المسلمين بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) على تنصيب خليفة، وإنما اختلفوا على مَن يكون الخليفة. كما أنهم لم يختلفوا في وجوب تطبيق الإسلام كله وحمله إلى العالم، بل ساروا كلُّهم على هذا الأساس ينفِّذون أحكامَ الله تعالى ويدعون الناسَ إلى دين الله عزَّ وجلََّّ.
نعم، إن بعض الخلفاء أساءَ تطبيقَ بعض أحكام الإسلام عن سوء فهم، وبعضهم أساءَ عن قصدٍ أو غير قصد، ولكنهم جميعاً كانوا يطبقون الإسلامَ ليس غير. وكانوا جميعاً يقيمون علاقاتهم مع غيرهم من الدول والشعوب والأمم على أساس الإسلام وحمل الدعوة الإسلامية إلى العالم. ولذلك لم تَحُلِ الخلافاتُ الداخليةُ دون امتداد الفتوحات ولم تقف دون نشر الإسلام. بل ظلت الدولة الإسلامية تفتح البلدان لنشر الإسلام طوال أيامها، حتى فُتحت فارسُ والهندُ، والقَفقاس، ووصلت حدودُ الدولةِ الإسلامية إلى الصين وروسيا، وإلى ما وراء بحر قزوين شرقاً، بعد أن كانت قد فُتحت الشام شمالاً، ومصرُ وشمالي إفريقيا وإسبانيا غرباً، كما فتحت الأناضول والبلقان وجنوب أوروبا وشرقيُّها حتى شمال البحر الأسود بما في ذلك القرم وجنوب أوكرانيا. وتقدمت جيوش الدولة حتى وصلت إلى أسوار فيينا في النمسا.
ولم تقعد الدولةُ الإسلاميةُ عن الفتوحات وعن حمل الدَّعوة إلا حين بدأ يدب الوهن إليها، وظهر عليها سوء فهم الإسلام، وحين وصل ضعفُها في فهمه حدّاً كبيراً أدَّى إلى اضطراب تطبيقها للإسلام، وإلى استعانتها في استعارة القوانين من الأنظمة الأخرى على أساس أنّ ذلك لا يخالف الإسلام - كما أشاع ذلك أهل الفكر التابعون للغرب - فقُضي عليها، وبدأت أول خطوة في طريق الزوال.
ولقد كان سيرُ الدولة متمشياً مع قوَّتها الفكرية، وتوفُّرِ قوةِ الإبداع والاجتهاد فيها. ففي القرن الأول امتدت فتوحاتها، وتوسع الاجتهاد فيها، وواجهت مشاكلَ كثيرةً في البلاد المفتوحة استنبطت لها حلولاً. وأدَّى تطبيق الأحكام الشرعية على المسائل الجديدة التي حدثت في فارس والعراق والشام ومصر وإسبانيا والهند والقفقاس وغيرها إلى أن يدخل أهل هذه البلاد بكاملهم في حظيرة الإسلام. وهذا يدل على صدق الاستنباط وقوة الإبداع والاجتهاد، إذ الإسلام مقطوعٌ بصحته، وفهمُه فهماً صحيحاً هو الذي يؤدِّي إلى رؤية الناس له مشرقاً عادلاً في تطبيقه، حَرِيّاً بتعلُّم أحكامه.
وقد استمر هذا الإبداع والاجتهاد والاستنباط حتى القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي). ثم أخذ الإبداع يضعف والاجتهاد يقلّ، وأدَّى ذلك إلى ضعف كيان الدولة. ثم كانت الحروب الصليبية فشُغل المسلمون بها إلى أن انتهت بانتصار المسلمين.
ثم جاء المماليك فحكموا وهم لا يقدِّرون الاجتهاد ولا يُعْنَون بالأفكار، فزاد الضعفُ الفكريُّ واستتبعه الضعفُ السياسي. وزاد الطينَ بلةً غزوُ التتار، وطرحُهم كتب الإسلام في دجلة، وقضاؤهم على ثروة فكرية هائلة.. فنجم عن ذلك الضعفُ الفكريُّ الذي أوقف الاجتهاد، واقتصرَ بحثُ المسائل المستجدة على إصدار الفتاوى، وتأويل النصوص، فهبط المستوى الفكريُّ في الدولة، وأوصَل المسلمين إلى هبوط المستوى السياسي.
ثم جاء العثمانيون وتسلموا الحكم في الدولة الإسلامية، وانشغلوا بالقوة العسكرية وبالفتوحات، ففتحوا إستانبول والبلقان، واندفعوا في أوروبا اندفاعاً قويّاً جعلهم الدولة الأولى في العالم. ولكن المستوى الفكري لم يرتفع، فلم تزد هذه القوة العسكرية عن أن تكون وثبةً ليس لها سندٌ فكري، ولذا ما لبثت أن انحسرتْ قُواها عن البلدان الإسلامية - القديمة والجديدة - شيئاً فشيئاً... إلى أن انتهت.
ولكنها كانت - على أي حال - تحمل الدعوة الإسلامية، وتنشُر الإسلام، إذ دخل من أهل البلدان المفتوحة الملايين من الناس في الإسلام، ولم يزل الكثيرون منهم مسلمين حتى اليوم. نعم لقد تنوَّع فهمُ القائمين على الأمر للإسلام. ونشأ من جرّائه عدمُ تبني الخليفة العثماني أحكاماً معينةً في نظام الحكم مع أنه تبنى في الاقتصاد وغيره أحكاماً معينة، مما جعل لذلك أثراً في تمكين بعض الحكَّام من الخلفاء والولاة، من تسيير الحكم وجهة استبدادية تؤثِّر على وحدة الدولة وعلى قوَّتها. ولكن ذلك لم يؤثِّر على وجودها، فقد كانت الولاية العامة للولاة من جهة، وإعطاؤهم صلاحيات واسعةً نيابةً عن الخليفة من جهةٍ ثانية، سبباً في تحرُّك أحاسيس السيادة فيهم، فصاروا شبه مستقلِّين في الولاية، واكتفوا ببَيعة الخليفة، والدعاءِ له على المنابر، وضَرْبِ النقد باسمِه، وما شاكل ذلك من الأمور الشكلية التي أفقدت الخليفة كل معنًى فعَّال. وبقي أمرُ الحكم في أيديهم ممَّا جعلَ هذه الولايات شبهَ دولٍ مستقلَّة كمثل دولة الحمدانيين، ودولة السلجوقيين وغيرهم وغيرهم.
ولكنَّ هذه الولاية العامة لبعض الولاة لم تؤثِّر على وحدة الدولة باعتبارها ولايةً عامةً على أيّ منطقةٍ من مناطق الدولة الإسلامية المترامية الأطراف. إذ لم ينفرد، في الأصل، أيُّ والٍ عن الخليفة بشيء في سالف عهد الخلافة، بل كان الوالي محاسَباً ومطالباً دائماً، وظلت وحدة الدولة محفوظة لقوة الخلفاء. ولكن لما ضعف الخلفاء، وقبلوا من الولاة بعض الشذوذ في الوضع المكرَّس سابقاً، بدأ يبرز هذا المظهر من الاستقلالية في الولايات، وكان أشبه بمظهر الدولة في الولاية مع كونها ولاية تابعة وجزءاً من كيان الدولة...
ثم وعلى الرغم من كل ذلك، فقد ظلت الدولة واحدةً موحدة، فالخليفة هو الذي يعيِّن الوالي ويعزله. ومهما بلغت قوة الوالي ما كان ليجرؤ على عدم الاعتراف بالخليفة حتى في حال مسيرته نحو الاستقلالية الذاتية. ولم تكن الدولة الإسلامية في يوم من الأيام اتحاد ولايات، حتى في أشد عهود استقلال الولاة، وإنما كانت دولة واحدة لها خليفة واحد، هو وحده صاحب الصلاحية في كل ناحية من نواحي الدولة، في المركز، والولايات، والمدن، والقرى والدساكر، على السواء.
أما ما حصل في عهدٍ من العهود، من وجود خلافة في الأندلس، ونشوء خلافةٍ للفاطميين في مصر، فإن أمره يختلف عن موضوع الولاة. ذلك أن الأندلس قد استولى عليها الولاة واستقلُّوا بها، ولم يبايَع الوالي خليفةً للمسلمين وإنما سمِّيَ فيما بعد بالخليفة على أهل تلك الولاية فقط لا على المسلمين عامة. وظل خليفةُ المسلمين واحداً، وظلَّ الحكم له، وبقيت ولاية الأندلس يُنْظَرُ إليها كولاية غيرِ داخلةٍ في حكم الخليفة، كما كانت الحال في إيران أيام الدولة العثمانية، فلم يكن فيها خليفةٌ ثانٍ، وإنما كانت ولايةً غيرَ داخلةٍ في حكم الخليفة.
وأما نشوء خلافة الفاطميين في مصر فلم تكن خلافة ثانيةً في الدولة الإسلامية أيضاً، وإنما كانت محاولة لنقل الخلافة إلى آل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم). وهذا يشبه إلى حدٍّ كبيرٍ ما فعلَه العباسيون حين أخذوا الحكم من الأمويين، فقد أقاموا حكمهم على قواعد منبثقة عن فهم سياسيٍّ في بلاد فارس والعراق، فبايعوا الخليفة القائم بتنفيذ أفكارهم، بعد أن قضوا على خلافة الأمويين. وكذلك الحال التي حصلت مع الفاطميين فإنهم بايعوا خليفةً عليهم ليتمُّوا توحيدَ الدولة بنقل الخلافة إليهم، وجعلها فيهم فقط، إلى أن انتهت خلافتهم وبقيت خلافةُ العباسيين.
ولهذا لا نسمِّي تغييرَ الحكم من الأمويين إلى العباسيين انقلاباً، وإنما هو تغيير في الحكام، وكذلك لا نسمِّي قيامَ خلافة فاطميةٍ في مصر مع وجود خلافة عباسية في بغداد تعدداً في الخلافة، لأنه كان محاولة لنقل الخلافة من فئة إلى فئة. وعليه فإن الدولةَ الإسلاميةَ استمرَّت في الحكم دولةً واحدة ووحدة لم تتجزأ، ولم تكن دولاً، وإنما كانت هناك محاولات للوصول إلى الحكم رغبة في تنفيذ فهم معين للإسلام في شؤون الحكم. وظلَّت الخلافةُ واحدةً، وظلت الدولةُ الإسلامية واحدة، رغم تعدُّدِ أوضاع الحكم.
وقد ظلَّ المسلمُ ينتقل من بلد إلى بلد بين مشارق الأرض ومغاربها، في بقاع يسود فيها الإسلام، ولم يكن يُسأل عن بلده ولا عن السماح له بالتجوُّل، لأن بلاد الإسلام واحدة وهي جميعها وطنه، وكل بلد من بلاد الإسلام بلده. وليس كما نشاهده اليوم، حيث المسلم من أهل مكة يُعتبر أجنبيّاً في مصر التي فيها الأزهر الشريف الذي يدرِّس الإسلام، وكذلك المسلم المصري يعتبر أجنبياً في مكة المكرمة التي هي قبلة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها. وقس على هذين كلَّ مسلم يخرج من وراء حدود وطنه التي رسمتها القوى الأجنبية المستعمرة لسكان البلاد الإسلامية في كل مكان.
مما تقدم يتبين أن الدولة الإسلامية ظلت تجمع المسلمين في وحدة كاملة، إلى أن قضى عليها العدو المستعمر بوصفها دولة إسلاميةً، بجشعه وجوعه إلى امتصاص دماء الشعوب. وكان ذلك في سنة 1924 ميلادية حين أزال الخلافة الإسلامية من الوجود على يد كمال أتاتورك، وهو من ورائه يسانده ويشد عضده، مكشِّراً عن أنياب الحقد، على الإسلام قبل المسلمين...
رأي ونـداء
إنه، وفي كل نظام للحكم، لا بد أن يتولى رئاسته شخص معين، وأن يكون لهذا الرئيس تسمية معينة. ولكن إذا عدنا إلى الشرع الإسلامي فإننا لا نجد تسمية خاصة ومعينة لرئيس نظام الحكم في الإسلام. ففي تاريخنا الإسلامي نجد أن أبا بكر الصديق (رضي الله عنه) قد سمي «خليفة»، لأنه جاء من بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) وخلفه على حكم المسلمين، ومثله عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب (رضي الله عنهم) جميعاً.. فكان كل واحد منهم رئيساً للدولة الإسلامية. مما يدل على أنه لم يكن لهذا الرئيس اسم معين، أو لقب معين منصوص عليه. ولكن ما هو معروف لدى المسلمين، أن لفظتي «الخليفة» و«أمير المؤمنين» قد أطلقتا على غالبية الأشخاص الذين توالوا على رئاسة الدولة الإسلامية طول بقائها، وأن الأمة قد أطلقت على الخلفاء الأربعة من بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) لقب «الخلفاء الراشدين»، وهي صفة أكثر مما هي تسمية، لأنها تدل على حياة الرشد التي عرفتها عهودهم..
أما وصف رئيس الدولة الإسلامية بالخليفة، ورئاسته العامة على المسلمين بالخلافة فهو ما استمر العمل به دائماً. ولم يكن أكثر من خليفةٍ واحد في آنٍ معاً، لأنه لا يجوز أن يكون للمسلمين خليفتان في وقت واحد، يشتركان في إدارة ورعاية شؤونهم، فكان هنالك خليفة واحد، وواحد فقط يتولى الرئاسة حتى ينتهي عهده. ومعنى هذه الوحدة في الخلافة أنه لا يجوز أن توجد لدى المسلمين دول متعددة، بل يكون لهم دولة إسلامية واحدة وحاكم إسلامي واحد هو الخليفة. ويحرَّم أن تتجزأ ديار الإسلام إلى دويلات، ورئاسات متعددة لقوله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا} [آل عِمرَان: 103]. وع دم التفرقة يعني عدم تعدد الدول الإسلامية، وبالتالي عدم تعدد الرئاسات فيها. وهذا ما جعل الصحابة يجمعون على وحدة الخلافة، مثل إجماعهم على وجوبها.
وإذا خلا مركز الرئاسة في الدولة بأن مات الخليفة أو عزل، وجب على المسلمين أن ينتخبوا من يخلفه ويكون رئيساً مكانه. ونحن نرى أن الترشيح لمنصب الخلافة يكون من قبل مجلس الشورى، الذي يعلن أسماء الذين اختارهم ممن تتوفر فيهم الكفاءة والمؤهلات من أبناء المسلمين جميعاً. ثم تنتخب الأمة أحدهم بالأكثرية، فيصبح المنتخب حاكماً عُرفاً. وبعدها يبايعه المسلمون على العمل بكتاب الله تعالى وسنة رسوله الكريم. وبعد مبايعتهم له يستلم منصبه ويصبح واجباً عليهم طاعته في حدود الإسلام. مما يعني أن المبايعة أمر لا غنى عنه، لأن الشرع جعل الخليفة، في الأصل، نائباً عن الأمة في تنفيذ الشرع، ولذلك أعطاها حق مبايعته، فتكون المبايعة إظهاراً لرغبة الأمة في إنابة الخليفة عنها. فالبيعة إذاً ليست اختياراً للخليفة، ولا انتخاباً، ولا تفويضاً، ولا توكيلاً بالخلافة، وإنما هي الموافقة على الأمر الواقع الذي حصل بالانتخاب، والرضا والتسليم بهذا الانتخاب، ومن ثَمَّ القبول بالخليفة الجديد من الجميع، سواء في ذلك الذين انتخبوه من المسلمين، أو الذين لم ينتخبوه، أو الذين لم يشاركوا في الانتخاب..
وقد اتفق الأئمة والفقهاء على أن البيعة فريضة في عنق كل مسلم لقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم): «من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية»[*]. وهذا يعني أنه من غير الجائز أن يخلوَ المسلمون، في أي عصر، من خليفة يحكم بما أنزل الله الحكيم الخبير، وإن كان واقعنا الحالي بخلاف ذلك، بل ومنذ الوقت الذي جرى فيه القضاء على الخلافة الإسلامية في العشرينات من القرن العشرين.
ولذا فإن المسلمين جميعاً مطالبون بأمرين رئيسيّين في حياتهم: توحيد الكلمة أينما كانوا وحيثما وجدوا، وإعادة نظام الخلافة للحكم، حتى تعزَّ عقيدة التوحيد وتعلو، وتكون كلمة الله - عزَّ وجلَّ - هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى.
أما فيما يتعلق بالأمر الأول فقد رأينا أن وحدة المسلمين تقوم على نبذ الخلافات الطائفية من الصفوف، ونزع التعصب المذهبي من النفوس، ومن ثم الرجوع إلى الدين الحق، إلى الإسلام الذي هو الأصل في وجودنا الإسلامي كله، فنتخلَّص في رجوعنا هذا من كافة أشكال التشتت والانقسام والفرقة، واتباعُنا الإسلام بحقيقته كفيل بأنْ يعيدنا إلى معاني الوحدة والتماسك، وينقلنا من الضعف والفوضى إلى القوة والمنعة، ويفتح لنا أبواب الأمل والرجاء بأن نكون راضين مرضيين من الله سبحانه وتعالى ورسوله الكريم..
وإلاَّ، إذا ما ظلَّ الشقاق يسودنا، والتعصب يغلبنا، والبعد عن الدين يضعفنا، فلنأذن بحرب من الله سبحانه وتعالى، تكون فعالنا هي أسبابها، ونفوسنا هي وقودها، ومصيرنا المحتوم هو جزاؤها!. وما كان الله - عزَّ وعلا - ليظلمنا، ولكن كنا أنفسنا نظلم..
أجل، فليحذر المسلمون من غضب الله العلي القدير إن ظلوا على هذه الكراهية والكيد لبعضهم البعض، غير مدركين أنه الهلاك الذي سوف يقعون فيه!..
إذاً فالأمر الرئيسي الأول في حياتنا هو الرجوع إلى ديننا، ونبذ الخلاف والتعصب، لنحقق وحدة الكلمة والعزة، وإلاَّ فإنَّ الواقع السَّيِّئ، الذي يعيشه المسلمون جميعاً، وبلا تفرقة بين مسلمين هنا. ومسلمين هناك، سوف يزداد سوءاً إلى ما لا نهاية..
أما الأمر الثاني الرئيسي في حياتنا فهو إعادة نظام الخلافة وذلك لعدم وجود القيادة الحكيمة الواحدة، إذ إن الأمة الإسلامية بأسرها، وعلى مستوى الكرة الأرضية كلها، لا توجد لديها القيادة الواحدة الحكيمة، التي تجمع كلمتها، وتوحد رؤيتها، وتحدد مسارها وأهدافها.. ولا يمكن للمسلمين أن تكون لهم مثل هذه القيادة إلا بوجود الخليفة الواحد، لأن الخلافة هي وحدها النظام الإسلامي الذي يعبّر عن وحدة الأمة جمعاء. بل إن الخلافة وحدها هي التي تمكّن لهذه الأمة بين سائر الأمم الأخرى.
ونتساءل: وكيف لا نسعى إلى إعادة الخلافة ومجرد وجودها يعبّر عن الوحدة والتوحيد، بينما الأمم الأخرى تجهد، من جهتها، إلى تحقيق وحدات فيما بينها - من نوع معين - تؤمِّن من خلالها مصالحها؟ فهذه دول أوروبا مثلاً، ما تزال جادة، كما يعلم الجميع، في العلم على إقامة وحدة متكاملة في مجالات التعاون الاقتصادي، والثقافي، والنقدي (وقد وحّدت فعلاً العجلة في جميع الدول التي تنضم إلى الوحدة الأوروبية) وتبادل السلع والخدمات وانتقال الأشخاص.. وكل ما يعبّر عن توحيد الرؤية في مجالات التعاون والمنافع المتبادلة. إن هذه الدول لم تراودها فكرة تلك الوحدة إلاَّ بعدما تبيّن لكل دولة منها أنها عاجزة بمفردها عن الاستمرار في مماشاة الركب الصناعي والحضاري الزاحف أبداً إلى الأمام. ولعل الدليل على ذلك موقف إنكلترا التي رفضت في البداية فكرة السوق الأوروبية المشتركة، بل وحاولت منع قيام ونجاح هذه السوق، ثم عادت ورأت أن موقفها ذاك لا يخدم مصالحها بشيء، بل ولا يخدم مصالح أوروبا، فسارت مع فكرة الوحدة الأوروبية مثل باقي دول أوروبا الغربية.. بل وبعد أن انفرط عقد الاتحاد السوفياتي، ها هي دول أوروبا الشرقية تنضم إلى الوحدة الأوروبية تباعاً..
ثم إن الولايات المتحدة الأميركية قامت، ومنذ البدء، على فكرة الاتحاد، وقد بلغت هذا الأوج من الازدهار والمجد بفعل الاتحاد الفدرالي الذي ارتضته نظاماً لها. وها هي اليوم، وبفعل نظرتها الاتحادية، تحتل زعامة العالم بلا منازع..
وقد رأى العالمُ كلُّهُ الرئيسَ الفرنسيَّ، عشية الذكرى الخمسين لتحرير فرنسا من الاحتلال النازي، يدعو قوات عسكرية ألمانية للمشاركة في احتفال العيد الوطني الفرنسي، معتبراً أن هذه المشاركة هي «خيار المستقبل».. أي خيار التعاون وتوحيد الرؤية والتطلع.
وهذا بخلاف الحزب الاشتراكي في اليمن الجنوبية الذي أعلن الانفصال عن الوحدة اليمنية، لا لشيء إلاَّ من أجل استمراره في الحكم خوفاً على مصالحه الذاتية من الضياع. أما مصير اليمن وأهلها فسيّان لديه.. وهل يمكن أن نفسر مثل هذا التفكير الذي، يدعو إلى التجزئة والانفصال في البلد الواحد، إلا بالجهل والتخلف؟ بينما هناك تفكير غيره يتوجه إلى التقارب والتضامن بين بلدان متعددة لكي تكون النظرة إلى المستقبل مليئة بالأمل المشرق البنّاء.
إنها أمثلة من واقع عام 1994 ميلادية تنمُّ عن الاتجاهات الفكرية لدى قادة الدول وشعوبها. وهي اتجاهات إما أن تكون بنّاءة فتدعو إلى التعاون والوحدة، وإما أن تكون هدّامة فتدعو إلى التفرقة والتجزئة. وشتان ما بين هذه وتلك وتأثيرها على مستقبل الأمم، بل والإنسانية كلها.
نعم، هي أمثلة حية من واقع الحياة نتخذها دليلاً على صدق توجهنا في الدعوة إلى وحدة المسلمين، وإعادة نظامهم الإسلامي الصحيح. ولسنا، نحن المسلمين، أقل بصيرة وبصراً من غيرنا. ولسنا بعاجزين إطلاقاً عن أن نأتي من الخير لأنفسنا ما يرضاه لنا الله سبحانه وتعالى ورسوله الكريم. فلم لا نعيد، والحالة هذه، نظام الخلافة الإسلامية؟ ولم لا نجعل لزاماً في أعناقنا هذه الخلافة؟.
إننا في الحقيقة لم نجتمع يوماً كشعوب متعددة، في دولة إسلامية واحدة إلا في ظل الخلافة. ولم يكن لنا شأن يذكر بين أمم العالم وشعوبها إلا في ظل الخلافة، ولم يرهبنا أعداؤنا، ويخشون من تفوّقنا إلا في ظل الخلافة.
بل ولم تتحقق انتصاراتنا في الماضي، ولم نكن أعزّة في ديننا ونفوسنا إلاَّ في ظل الخلافة..
من أجل ذلك كله كان نظام الخلافة الإسلامية مستهدفاً، على الدوام، من أعداء الإسلام. فالخلافة كمفهوم ديني وسياسي، كانت الفكرة الوحيدة التي أرَّقت أعداءنا جميعاً، وجعلتهم يجمعون على أمرٍ واحد وهو القضاء على هذه الخلافة.. فهم لم يحاربوا رئاسة المسلمين بالتسميات التي أطلقها الفقهاء مثل «الإمامة» أو «إمارة المؤمنين» أو «الرئاسة العامة»، أو بالتسميات التي اتخذتها الأنظمة الحديثة مثل «رئاسة الجمهورية» أو «السلطان» أو «الملك» أو «المجلس الثوري»... ولكنهم حاربوا الخلافة «مفهوماً وتسمية» حتى أمكنهم القضاء على هذا النظام.
وقد حصل ذلك في غفلةٍ من المسلمين لأهمية هذا النظام، والمعاني التي يحملها، والنتائج التي تترتب على وجوده.. إذ إن الاستمرار في تطبيق نظام الخلافة إنما يعني السعي دائماً لإقامة دولة إسلامية واحدة تسودها عقيدة الإسلام، بما تحفل به من المعاني والقيم والمثل الإنسانية السامية.. وهذا ما لم يستسغه التفكير الغربي ولم يألفه بتاتاً، لأنه غلب على هذا التفكير متاع الدنيا وأطماعها، بعدما نسي الآخرة وحسابها!..
أجل، إن الصراع الذي فرضه الغرب على المسلمين، والذي كان من جرائه الحروب الصليبية، ومعزوفة ما يسمى بالمسألة الشرقية، قد انتهى لصالح الغرب بلا جدال.. إذ قد تحوَّل الأمر، وفقاً للمفهوم التقليدي للمسألة الشرقية، من فكرة اتقاء الخطر الإسلامي على أوروبا - كما كانوا يتوهمون - إلى فكرة جعل المسألة المحورية تقوم على فصل الولايات عن الدولة العثمانية، خارج أراضي بلاد الترك، وإنشاء دولة مستقلة عنها، بل ومعادية لها. والهدف من وراء ذلك كله القضاء على نظام الخلافة، الذي كان ما يزال متمثلاً بالخليفة العثماني..
وقد بدأ فعلاً ذلك الصراع بصورة حادة منذ عهد ملكة روسيا كاترين الثانية (1762 - 1796)، التي آلت على نفسها محاربة العثمانيين والقضاء على نفوذهم في أوروبا كلها. وقد تمكنت أن تقتطع من أراضيهم مدينة آزوف، وشبه جزيرة القرم، ثم استولت على الحوض الشمالي للبحر الأسود، وأنشأت مدينة سيباستبول قاعدة لها في شبه جزيرة القرم. كما أنشأت ميناء أوديسا التجاري على البحر الأسود ليخدم أغراضها التجارية والعسكرية في محاربة الدولة العثمانية. وبذلك صارت روسيا صاحبة السيادة في الإمارات الرومانية، ونصَّبت نفسها حامية للمسيحيين في الدولة العثمانية.. ثم اقتطعت بعد ذلك بلاد التركستان، وأكملت احتلالها للقفقاس كله..
ولم يقتصر ذلك الصراع على روسيا القيصرية وحدها، بل وهبَّت الدول الأوروبية الأخرى، التي كانت تملك النفوذ في ذلك الحين، لمعاداة الدولة العثمانية وشنّ الحروب عليها، وتجهيز الجيوش لاحتلال أراضيها.. ففي تموز من عام 1798 ميلادية هاجم نابليون الفرنسي بلاد مصر واستولى عليها. ثم هاجم في شباط عام 1799م الجزء الجنوبي من بلاد الشام، فاستولى على غزة والرملة ويافا، ووقف أمام حصون عكا، ولمَّا لم يحالفه النصر باقتحام تلك الحصون رجع إلى مصر، ثم إلى فرنسا عام 1801م، بعدما منيت حملته بالفشل..
ولكنَّ الغزو الفرنسي لم يتوقف بعد تلك الحملة النابوليونية، بل تتابع على بلاد المسلمين محققاً انتصارات ضخمة وذلك باحتلاله لبلاد الجزائر عام 1830م، ومن ثَمَّ تونس عام 1881م، ومن بعدهما المغرب عام 1912م.. هذا في الوقت الذي احتلت فيه إيطاليا بلاد ليبيا عام 1911؛ فتم بذلك اقتطاع كل شمال إفريقيا عن الدولة الإسلامية..
أما بريطانيا فقد بدأت بالاستيلاء على الهند، وانتزاع سيادة المسلمين عنها، ثم احتلت عدن عام 1839م، وبسطت حمايتها على الحج والمحميات التسع من حدود اليمن الجنوبية إلى شرق الجزيرة. وفي سنة 1882م سقطت مصر بأيدي الإنكليز، وتبعها السودان عام 1898م.
وهولندا أيضاً كانت من تلك الدول الأوروبية الاستعمارية إذ فرضت سيطرتها على جزر الهند الشرقية وغيرها من المناطق لكي تؤمن مع الضغط الإنجليزي إحكام محاصرة أفغانستان، وإيران وغيرهما من دول المنطقة لفرض السيطرة عليها واستلاب خيراتها.
وهكذا استمرت حملات الغرب على العالم الإسلامي في شتى أرجائه، حتى أيقنت الشعوب الإسلامية أخيراً مدى خطر الاستعمار الغربي واستفحاله، وشدة وطأته عليها. وبات الكل يشعر وكأن الحروب الصليبية تعود من جديد، ولكن بأساليب أدهى وأشدَّ هذه المرة،لا سيما بعدما ظهر تعاظم نفوذ الغرب، وقوة سلاحه، وكثرة الجيوش التي يستخدمها..
وقامت حركات للمقاومة في العالم الإسلامي مثل ثورة الجزائر، وحركة المسلمين في الصين، وانتفاضة المهديين في السودان، والثورة السنوسية في ليبيا.. ورغم إخفاقها جميعاً، فإنَّ الغرب لم يتوانَ عن تنفيذ مخططه، بل وظل يعمل بإصرار للقضاء على الخلافة العثمانية، باعتبارها الدولة الإسلامية التي ما تزال تمثل جميع المسلمين..
وبعدما فرغ الغرب من الاحتلالات العسكرية، اعتمد أسلوباً جديداً لتحقيق هدفه، وذلك بتوليد الحركات القومية، وبث المشاعر الإقليمية، وتأجيج النزاعات الطائفية في مختلف أقطار الدولة العثمانية.. وقد نجح بهذا الأسلوب نجاحاً كبيراً أدى إلى انحسار نفوذ الدولة العثمانية عن البلقان، واليونان، وعن كريت وقبرص وأكثر أجزاء البحر المتوسط، وإجلاء المسلمين عن تلك المناطق واضطرارهم إلى اللجوء للعيش في بلاد العرب الإسلامية.
وجاء دور العرب أنفسهم ليظهر بعضهم - بتحريض سري من الغرب - مطالباً بالاستقلال عن الدولة العثمانية وذلك تحت شعار القومية العربية، التي برز كتّاب وأدباء كثيرون يزينون فكرتها للناس، ويوهمونهم بأنها السبيل للتحرير والاستقلال.. وقد رافق تلك الاتجاهات القومية قيام الأحزاب والحركات السياسية في بلاد العرب، بل وداخل بلاد الترك نفسها مثل حزب تركيا الفتاة، وحزب الاتحاد والترقي، وحزب الاستقلال العربي، وحزب العهد... بالإضافة إلى الجمعيات والنوادي التي أنشئت، والمؤتمرات التي عقدت، والتي كان الغرب يغذيها جميعاً، ويحرّضها على المطالبة بالانفصال عن الدولة العثمانية. وهذا ما جعل كيان هذه الدولة يهتزّ من الداخل، وتضطرب أوضاعها، بالإضافة إلى عوامل الضعف التي كانت قد نخرت جسم الدولة بالذات من جراء عوامل وأسباب عديدة وكثيرة لا مجال لذكرها هنا..
وظل هذا الوضع سائداً حتى كانت الحرب العالمية الأولى، فتم الاستيلاء على ما تبقى من بلاد العالم الإسلامي. حتى إذا انتهت الحرب بهزيمة دولة المحور (التي كانت إحداها الدول العثمانية) وانتصار الحلفاء، جرى تقاسم بلاد المسلمين بين الدول الأوروبية، وإخضاعها للاحتلال التام، بما فيها بلاد الترك التي صار يطلق عليها اسم «تركيا»..
وقبعت تركيا تحت نفوذ السيطرة الأوروبية حتى سنة 1921م. ولم يخرج منها الغزاة المستعمرون، إلاَّ بعد أن أخذوا العهدَ على حلفائهم وأزلامهم بالقضاء على الخلافة نهائياً، وإزالة دولة الإسلام من الوجود.. وظهر مصطفى كمال[*] زعيمُ الموالين للغرب، والأداةُ المطواعةُ بيد الغزاة لتنفيذ مآربهم. ومن يتتبع خطواته في الظاهر من خلال سير الأحداث،يجد أن موافقة الحلفاء على طرد اليونانيين من تريس، وجلائهم عن استانبول نفسها، وعن باقي أراضي تركيا، إنما حصل مقابل أن يقضيَ مصطفى كمال على الخلافة. وقد أفصح لسان حاله عما كان يخفيه في باطنه، عندما خاطب الجمعية الوطنية وهو يقول: «أنا لست مؤمناً بعصبةٍ من الدول الإسلامية، ولا حتى بعصبة من الشعوب العثمانية، ولكلٍّ منا أن يعتنق الرأي الذي يراه.. أما الحكومة فينبغي أن تلتزم سياسة ثابتة مرسومة، مبنية على الحقائق. ولها هدف واحد فقط هو أن تحمي حياة الوطن واستقلاله داخل حدوده الطبيعية. فلا العاطفة،ولا الأوهام ينبغي أن تؤثر في سياستنا. وسحقاً للأحلام والخيالات التي كلفتنا غالياً في الماضي»!.
وهكدا أعلن، بل وعمل مصطفى كمال للقضاء على الخلافة الإسلامية تحت ستار استقلال الوطن، متذرعاً بأن الشعب التركي قد عانى في الماضي ودفع غالياً، وأنه شعب مستقل بذاته ولا يشكل جزءاً من الأمة الإسلامية. ولكنه نسي أن الدولة العثمانية قد قامت باسم الإسلام، وأن البلاد المعروفة اليوم بتركيا كانت تتمركز فيها عاصمة الخلافة خلال عدة قرون، وكانت تشكّل جزءاً مهماً وكبيراً من البلاد الإسلامية الواسعة التي كانت تعيش فيها أمة إسلامية لها تاريخها وتراثها وحضارتها، ولها، قبل ذلك كله، دينها الواحد، الذي ارتضاه الله تعالى ديناً للناس كافة {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ} [آل عِمرَان: 19].
وهكذا وبالقضاء على الدولة العثمانية الإسلامية، تم القضاء على الخلافة، بعد أن دامت حوالي أربعة عشر قرناً من الزمان، فغاب حكم خليفة المسلمين الواحد، وما يزال غائباً كنظام وكيان.
هذا ولا بدَّ أن نشير في هذا السياق إلى أمرٍ هامٍّ، وهو أنه عندما أرسل الأزهر الشريف في مصر الإسلامية، وفداً لإقناع مصطفى كمال بإبقاء الخلافة، وأن يكون هو خليفة ويُبايع من المسلمين، رفض رفضاً قاطعاً.. كيف لا، وهو عميل لبريطانيا في ذلك الوقت، وبريطانيا هي التي سعت للقضاء على الخلافة، لأنها الدولة الأشد عداء للإسلام، كما أثبت ذلك تاريخها الطويل.
ولما بلغَ شاعرَ النيل حافظَ إبراهيم بأن كمال أتاتورك ألغى الخلافة، وأصرَّ على عدم إبقائها، اغرورقت عيناه بالدموع، وقال:
لم يبق شيءٌ من الدنيا بأيدينا
إلا بقيةُ دمع في مآقينا
كنا قِلادةَ جيدِ الدهرِ فانفرطتْ
وفي يمين العُلا كنا رياحينا
كانت منازلُنا في العزِّ شامخةً
لم تُشرقِ الشمسُ إلاَّ في مغانينا
فلم نزلْ وصروفُ الدهر ترمُـ
ـقُنا شَذراً وتخدعُنا الدنيا وتُلهينا
حتى غَدوْنا ولا جاهٌ ولا نسبٌ
ولا صديقٌ ولا خِلٌّ يواسينا
لذلك، ولأن وحدة المسلمين واجبة شرعاً والخلافة تبعاً لذلك واجبة شرعاً، فإنَّ علينا نحن المسلمين، إعادة الخلافة، كنظام حكم في الإسلام واجب التطبيق.
لقد قامت أنظمة للحكم في بلادنا الإسلامية في العصر الحديث، بعيدةً عن نظام الخلافة، وإنَّ أعداء الإسلام والمسلمين هم الذين كانوا وراء تلك الأنظمة، حتى لا يكون لدى المسلمين أدنى تفكير بالخلافة، فتمحى من الأذهان، ولا تعود تذكر على الألسن. إذ إن مجرد القول بإعادة الخلافة، ونصب خليفة واحد للمسلمين من شأنه أن يبقى الشعور لدى كل مسلم يدب على وجه الأرض، بأن الخلافة تخصُّه، وبأن الخليفة هو رئيسه، وعليه طاعة أمره..
وإذا كان متعذراً علينا، نحن المسلمين، في ظل الظروف الراهنة، أن نعيد نظام الخلافة إلى الوجود، لأننا ننتظر الإمام المهدي عجَّل الله تعالى مخرجه وفرجه، فلا بأس، ولو بصورة مرحلية، أن يكون لدينا الخليفة الزماني، الذي نمحضه ثقتنا، وإقرارنا بإمامته، واعترافنا برئاسته على المسلمين جميعاً في شؤوننا الدينية والدنيوية.. وأما حكامنا الحاليون، فإننا نتوجه إليهم بنداء خاص وهو العمل على التعاون فيما بينهم من أجل الأهداف المصيرية التي تهم عالمنا الإسلامي بأسره.. وأن يكون من بين هذه الأهداف تعاونهم على منصب الخليفة الزماني، الذي يرأس جميع الأقطار الإسلامية، على أن يبقى الاعتقاد لدينا بأن جميع المسلمين ينتظرون الإمام المهدي (سلام الله تعالى عليه وبركاته) الذي رصده ربُّ العالمين لخلاص الإنسانية، وتطهير الأرض من الفساد الذي عمَّ البر والبحر بما كسبت أيدي الناس. وسوف يكون هو والسيد المسيح عيسى بن مريم (عليهم السلام) اللذين يقومان بهذا الدور العظيم الذي يغيّر مجرى الأحداث، وحركة التاريخ، ويعيد نظام الحكم بما أنزل الله تعالى حقّاً وحقيقة..
وأما كيف يتم اختيار الخليفة الزماني بغياب الإمام المنتظر، فقد قلنا إن رئيس الدولة في نظام الحكم الإسلامي هو الذي تختاره الأمة عن طريق الانتخاب، ويكون ذلك على ثلاث مراحل:
المرحلة الأولى: وهي التي يتم فيها الترشيح لمنصب الخليفة الزماني (أو الإمام). وكان هذا الترشيح يحصل في الماضي من قبل أهل الحل والعقد، ويمكن أن يتولاه اليوم مجلس الشورى، الذي ينتخب انتخاباً ولا يعين تعييناً، وذلك لأن أعضاءه وكلاء في الرأي عن الناس، والوكيل إنما يختار موكلَه، ولا يُفرض الوكيل على الموكِّل مطلقاً. وبما أن أعضاء مجلس الشورى ممثلون للناس - أفراداً وجماعات - في الرأي، فقد أوكل إليهم أمر المرشحين لمنصب الخلافة، ولئن كان من غير الممكن أن يكون الممثل للناس معروفاً منهم جميعاً في المحلة التي يمثلها، في دولة مترامية الأطراف، فإن الناس، مع ذلك، يختارون ممثليهم سواء عرفوهم أم لم يعرفوهم تمام المعرفة، كما هو حاصل في الانتخابات التي تجري حالياً في مختلف أنظمة الحكم حيث لا يكون المرشحون معروفين من الناس جميعاً، ومع ذلك يجري انتخابهم. ثم إن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) لم يكن المسلمون الذين بايعوه في العقبة الثانية معروفين جميعهم لديه، فترك أمر انتخاب النقباء لهم، وقال لهم: «اختاروا لي منكم، اثني عشر نقيباً».
المهم أن الاشخاص الذين يحظون بتأييد مجلس الشورى - بوصفه ممثلاً للناس - هم الذين يتم اختيارهم كمرشحين لمنصب الخليفة الزماني، وبعدها يعلن المجلسُ اسماءَهم على الأمة، ويدعوها لانتخاب أحدهم للمنصب الرفيع.
المرحلة الثانية: وهي التي يجري فيها انتخاب الخليفة الزماني، ثم يعلن مجلس الشورى النتائج، ويفوز من نال الأكثرية من أصوات الناخبين.
المرحلة الثالثة: وهي التي تتم فيها مبايعة الخليفة المنتخَب على كتاب الله - عزَّ وجلَّ - وسنة رسوله الأمين. وتكون هذه المبايعة من جميع أبناء الأمة، سواء الذين انتخبوه أو الذين لم ينتخبوه. وبعد المبايعة يأخذ الخليفة العهدَ على نفسه، وأمام الأمة جمعاء، بأن يعمل بالكتاب والسنة.
والمبايعة سنة نبوية شريفة، ولذلك فهي أمر شرعي. ذلك أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) نفسه، وهو الذي أرسله الله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ *} [التّوبَة: 33] قد أخذ البيعةَ لنفسه عن الناس، في بعض المراحل التي رآها هامة في مسيرة الدعوة التي يحمل، فعقد مع الناس أربع بيعاتٍ كان لها أثرها الفعّال في نشر الإسلام. وهي:
1 - بيعة العقبة الأولى: وقد جرت مع اثني عشر رجلاً من الأوس والخزرج في محلة العقبة، قريباً من مكة المكرمة، وكان أولئك الرجال قد جاؤوا من يثرب لزيارة البيت العتيق.
2 - بيعة العقبة الثانية: وقد كانت بعد مرور سنة على بيعة العقبة الأولى، إذ اجتمع (صلى الله عليه وآله وسلّم) في المحلة ذاتها باثنين وسبعين رجلاً وثلاث نساء من أهل يثرب، وتحدث إليهم، وأبانَ ما يريدُ بيانه، ثم طلب إليهم - كما جاء في الأثر ـ بقوله (صلى الله عليه وآله وسلّم): «تبايعوني على السمع والطاعة في المنشط والكسل،والنفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن تقولوا في الله تعالى، ولا تخافوا لومة لائم، وعلى أن تنصروني فتمنعوني إذا قدمت عليكم بما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم».
واختار أولئك المسلمون، بناءً على طلب النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم)، اثني عشر نقيباً للمبايعة فعلاً وصدقاً، فتقدم النقباء هؤلاء يبسطون أيديهم فوق يده الشريفة وهم يبايعون قائلين: «بايعنا على السمع والطاعة في عسرنا ويسرنا، ومكرهنا ومنشطنا، وأن نقول الحق أينما كنا، ولا نخاف في الله - تعالى - لومة لائم».
3 - بيعة الرضوان: وهي التي تمَّت في الحديبية، إذ خرج النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) للحج، في سنة ست للهجرة، ومعه حوالي ألف وأربعمائة من الناس.
ونزل (صلى الله عليه وآله وسلّم) في الحديبية، وما كان في نيته وإعلانه أن يدخل مكة المكرمة عنوةً وبالقتال، وإنما جاءَ يحج ومن معه مثل سائر العرب. ولكنَّ قريشاً رفضت دخولهم البلدَ وتدخل المبعوثون من قريش لثني النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلّم) عن مقصده، فأبى، ثم عاد واختار عثمان بن عفان (رضي الله عنه) ليذهب ويفاوض قريشاً، ولما طال مكوثه في مكة المكرمة، دون خبر أو علم، اغتاظ المسلمون وظنوا أن المشركين قتلوه، فثارت ثائرتهم يريدون القتال. ولكن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) بحكمته البالغة، والإلهام الرباني، أراد أن يهدئ النفوس الغاضبة، فجمع المؤمنين تحت الشجرة، طالباً مبايعتهم له، فبايعوه على السمع والطاعة. ونزل في تلك البيعة قرآن كريم بقوله تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا *} [الفَتْح: 18]. وبسبب رضوان الله تعالى على المؤمنين، سميت بيعة الحديبية «بيعة الرضوان».
4 - بيعة الفتح: وكانت في السنة الثامنة للهجرة يوم فتح مكة المكرمة. وقد دخل المسلمون البلد الأمين، وعلى رأسهم رسولهم الكريم وقائدهم الحكيم محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) وهم يهللون ويكبرون، حامدين شاكرين المولى العلي العظيم على ما أثابهم من فتح قريب بعد الحديبية، إذ لم تمرَّ إلاَّ سنة واحدة حتى كان ذلك الفتح المبين.
ودخل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) من فوره إلى الكعبة الشريفة يحطّم الأصنام الموضوعة فيها، حتى إذا فرغ منها جميعاً خرج إلى ما حولها من أصنام يزيلها ويزيل معها معالم الشرك إلى أبد الدهر.. ثم راح يطوف حول البيت الحرام سبعة أشواط، وانتقل بعدها إلى السعي ما بين الصفا والمروة سبعة أشواط أيضاً.
ثم صلَّى في الناس صلاة الجماعة، بعد أن أمر بلالاً ليؤذن فوق الكعبة أعزَّها الله تعالى..
واستراحت نفس رسول الهدى، فجلس في مجلسه الكريم وقد تقاطرت الوفود إليه من أهل مكة يبايعونه على الإسلام، والدخول في دين الله الحق.
وفرغ الرجال من مبايعتهم، فتوافدت النساءُ تبايع بدورها على عهدٍ جديد، وطاعة جديدةٍ لله ولرسوله.
وإن لتلك المبايعة من الرجال والنساء معاً أهميةً بالغةً لأنها كرَّست حق المرأة المسلمة في المشاركة بالأمور العامة، بحيث يكون لها الحق في انتخاب الحاكم، ومن ثم إقرار انتخابه بالمبايعة.
هذا في حياة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم).. أما بالنسبة إلى الخلفاء الذين أتوْا من بعده، فلم يتسلّمْ أحدٌ منهم الحكم إلاَّ بعد مبايعته من الصحابة الذين كانوا يعتبرون في ذلك الوقت، أهل «الحل والعقد». وهكذا حصلت المبايعة لكل من أبي بكر، وعمر، وعثمان وعلي (رضي الله عنهم) بعد اتفاق الصحابة على تولية الواحد تلو الآخر..
وهو الأمر نفسه الذي نجده أيضاً في مبايعة الإمام الحسين (عليه السلام).. فقد بعث له أهلُ الكوفة الرسائل الخطية يبايعونه فيها خليفة، فاوفد إليهم مسلم بن عقيل يتثبَّت له من صحة البيعة. فلما بعث له مسلمٌ أن البيعة صحيحة، وأن الناسَ ينتظرونه في الكوفة ليصل إليهم ويباشر الحكم، كان عزمه على الخروج استجابة لرأي تلك الجماعة من المسلمين.. وأعقب ما أعقب خروجه (عليه السلام) في واقعة كربلاء الشهيرة، التي ما تزال أصداؤها تتجاوب في ديار المسلمين حتى اليوم، وستبقى وتزداد مع الزمن، لأنها لم تكن واقعةً قتاليةً بقدر ما كانت مأساةً إسلامية وإنسانية، وموقفاً حاسماً وقاطعاً في نصرة الحق ومحاربة الباطل. وكل ذلك من أجل إعلاء كلمة الله وجعلها هي العليا، وحفظ الإسلام وصونه من عبث العابثين، وفساد المفسدين.
أيها المسلمون!
من الحقائق الثابتة في تاريخنا الإسلامي، أنَّ الانقسام الذي حصل بين المسلمين لم تكن أسبابُهُ دينيةً قطّ، بل كانت مجردَ مصالحَ فردية، ونعراتٍ عائلية، واتجاهاتٍ سياسية - وربما أحقادٍ تاريخية - بدأت تطل برأسها أيام الخليفة عثمان بن عفان (رضي الله عنه) وقد أدّت إلى مقتله. ثم اشتدت جميعها وعنفت في عهد الإمام علي (عليه السلام). وكان من جرائها واقعة الجمل، ثم معركة صفين..
وجاء العهد الأموي - عدا عهد عمر بن عبد العزيز الذي لقب بخامس الخلفاء الراشدين - ليلاحق الناس بالدسيسة والفتنة، ويقودهم بالمكر والنفاق بأشدّ صورهما وأعتاها، وخاصة بعدما أمكن لمعاوية ابن أبي سفيان أن يحول الخلافة إلى منصبٍ وراثيٍّ ضارباً برأي الشورى في الإسلام عرض الحائط. ولكن على الرغم من ذلك كله فإنَّ أدهى ما فعله معاوية إكراه الناس على مبايعة ولده يزيد، وإعلانه حرباً شعواء على كل من رفض أو تراخى عن المبايعة له.
ولم يكن العهد العباسي أفضل من حكم بني أمية. فالأمة كان قد اعتراها الانقسام إلى مذاهب متفرقة، وتفشت بين أبنائها الكراهية والبغضاء مع ما في ذلك من آثار ضارة على المسلمين.. ولم يحاول العباسيون معالجة تلك الأوضاع بروح إسلامية. بل على العكس راحوا يعمّقون الانقسام، وهم يداهنون أصحاب مذهب، أو يكيدون لأصحاب مذهب غيره.. ومرادهم كما هو معروف لدى الحكام الذين طغت عليهم الحياة الدنيا، الحرص على المكاسب السياسية والعائلية، وتحقيق المطامع الشخصية والأنانية. وكان أشنع فعالهم الكيد ـ بصورة خفية أو ظاهرة - لأهل البيت (عليهم السلام)وملاحقة أنصارهم بالأذى والقتل مما أدى إلى زيادة التعصب للمذهب والطائفة، وشدة التفرقة والتفكك، خلافاً لأمر الله تعالى الذي فرض على المسلمين وحدة الكلمة، والتمسك بأهداب الدين، لقوله عزَّ وجلََّّ: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا} [آل عِمرَان: 103].
وتوالت من بعد تلك الحقبة عهود أخرى كان المسلمون خلالها يقَوَوْنَ تارةً، ويضعفون أخرى، ولكنَّ الفرقة المذهبية لم تفارقهم، بل ظلت متشبثة بنفوس الناس وأذهانهم حتى صارت بمثابة القناعة الدينية عند أهل الجهل والتعصب..
ومع ذلك فإنه ماضٍ قد انقضى، ولا سبيل لإنكاره أو تجاهله لأننا ما نزال نكوى بناره حتى اليوم، ولكن هل نبقى عليه؟!.. أبداً، لأنه إذا كان للماضي أسبابه وظروفه، كما للحاضر معطياته وخصوصياته، إلاَّ أنه يجب علينا أن ننبذ الخلافات، ونحارب الانقسامات بجميع ألوانها وشتى أهدافها، وخاصة بين أهل السنة والشيعة، لكن نعود إلى طاعة الله وطاعة الرسول، كما يأمر بذلك، ويفرض علينا ديُننا بالذات الذي يجمع ولا يفرق، ويقوي ولا يضعف، ويعز ولا يذل. أجل، لقد بعدت بين المسلمين المسافات، ونشؤوا على الخلافات التي غذتها النفوس الخبيثة، ولكنَّها جميعها لم تمسَّ جوهر الإسلام بشيء قطّ: والدليل أن كل المسلمين، على اختلاف مذاهبهم، يؤمنون - والحمد لله - بحقيقة وجود الله تعالى، الواحد الأحد الفرد الصمد، وبنبوة محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) وكونه رسولاً للناس كافة. كما أن كتابهم واحد، وصلاتهم واحدة، ومعتقداتهم الأساسية واحدة من حيث الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، والتصديق بالغيب ويوم الحساب، وبالثواب والعقاب، والجنة والنار، إلى سائر المعتقدات التي تقوم عليها شريعتهم الغرّاء.
وما ينبغي أن يُطَمْئِنَ المسلمين أكثر هو أن المذاهب التي نشأت في السابق، والتي يسيرون عليها إلى الآن، قد وجدت بفضل أولئك المجتهدين من الأئمة، الذين أنعم الله تعالى عليهم بنعمة العلم والتفقّه في الدين، فاستنبطوا من الأحكام الشرعي ما رأوه أقرب دليلاً إلى الكتاب والسنة. ومن الطبيعي ألاَّ يمسّ هذا الاستنباط العقيدة بشيء أبداً، بل هو على العكس - وكما قلناه مراراً وتكراراً - غنى للأمة، لأنَّ بين يدي أبنائها اجتهادات متنوعة تتيح مجال الاختيار لاعتناق المذهب الذي يطمئنُّ إليه المسلم، والعمل بالحلول التي أوجدها المجتهد للمسائل والأمور التي يعايشها.. وسواء كان اطمئنان المسلم إلى هذا المذهب أو غيره عن قناعة أو وراثة، فلا شيء يمنعه من تطبيق الحلول المعتمدة في مذاهب أخرى على مسائل معينة، وهذا يكون في الحالات التي يوجد فيها تباين في الآراء بين المجتهدين. بينما المسائل الأخرى التي لا خلاف حولها، وهي كثيرة، قد اتفق عليها الأئمة جميعاً، وهي تبعث على اطمئنان المسلمين ووحدة تطبيقهم للأحكام المتعلقة بتلك المسائل.. ويقيناً أنه حتى في حالة اختلاف آراء الفقهاء في الاجتهادات التي أعطوها فإن ذلك ليس مدعاة للتفرقة بين معتنقي المذاهب، أو سبيلاً للتعصب إلى مذهب دون آخر، بل هو تسهيل لأمور المسلمين، ومعالجة لأوضاعهم وأحوالهم الحياتية.
أيها المسلمون!
من واجب كل مسلم شرعاً أن ينبذ الخلاف، وأن يعمل على وحدة المسلمين. وهو فرض عين وليس فرض كفاية، وإلاَّ كان المسلم مأثوماً عند ربه لأنه خرج عن طاعة الله تعالى وطاعة الرسول الكريم. وويل لكل عاصٍ منا في أمرٍ يتعلق بكيان الأمة، ووحدة مصيرها. إذ كيف سيلقى الله عزَّ وجلَّ ورسوله الكريم وقد عمل على تفرقة المسلمين وإضعافهم، بدلاً من العمل والجدِّ على توحيد كلمتهم وتقويتهم؟
وإنني وأنا المسلم - والحمد لله - أراني مشدوداً إلى هذا القرآن المبين، أتفكر بما فيه من المعاني البديعة، والعظات الجليلة، والهداية الرشيدة، فأحمد الله تعالى على ما هداني.. وأراني أتفكر في هذا النبي الأمي العربي الكريم الذي بعثه الله تعالى رحمةً للعالمين، فأرسى الدين الحنيف نبراساً في دنيا الأرض، وحكم بما أنزل الله سبحانه وتعالى، فعاش الناسُ في زمانه حقيقة الإيمان وذاقوا حلاوة اليقين، ونشأت منهم أمة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتعمل من أجل الصلاح والإصلاح.. أراني أتفكر في ذلك كله فأجد الدهشة تأخذني، وتأخذ كل مسلم صادق، لهذه الفرقة بين المسلمين، وهم ما هم عليه من غنىً ديني لا يعرفونَ كيف ينتفعون به، وينفعون الآخرين..
أجل، لا أنكر أن عوامل الضعف عديدة ومتنوعة، وموجودة في النفوس بسبب التوارث وعدم الوعي، ولا أنكر أن تلك العوامل قد أبعدتهم عن التفكير بأمور دينهم فصار همهم أن يعيشوا من أجل العيش فقط، حتى ولو كان هذا العيش في كنف كيانات هزيلة.. ولكن أما آن الأوان لأن نطرح عنا، ومن نفوسنا عوامل الضعف، وأن نعود إلى إسلامنا الحق، فنهتدي بنوره، ونجعله الوسيلة والأمل ليس لهدينا وحدنا، بل وهدي البشر جميعاً؟..
أيها المسلمون!
ما أجمل اليوم الذي تصحون فيه من هذه الكبوة، ومن هذا الجهل ومن غلبة حبِّ الدنيا الذي طغى على عقولكم وقلوبكم، فتحيَوْن في رحاب الإيمان، وفي تطبيق أحكام الإسلام قولاً وفعلاً. ويحمل دعاتنا هذا الدينَ من جديد إلى مشارق الأرض ومغاربها، سيما وأن الناس بانتظاره لأنهم بحاجةٍ شديدةٍ إليه، فيقبلون عليه طائعين مختارين لأنهم سيجدون فيه الخلاص.. وعندها يرتفع ذكر الله عزَّ وجلَّ في كل بقعة وناحية، وتصفو النفوس، وتطمئن القلوب لنداء العزّة الإلهية «الله أكبر لا إله إلا الله». وتقام الصلوات، وتنتشر الأعمال الصالحات، ويتعانق التكبير والتهليل من أهل الأرض مع تسابيح أهل السماوات، فينعم الكون كله بتوحيد الله تعالى خالق السماوات والأرض، ذي العزة والجلال والإكرام.
الإسلام دين السلام في العلاقات الداخلية والخارجية
لا سلام ولا استقرار في العالم إلا بتطبيق الإسلام.
فالإسلام بقدر ما يدعو للسعي إلى الآخرة، فإنه يقدّر الحياة البشرية ويكرِّمها ويصونها، ومن أجل ذلك فهو يحبِّب إلى الناس زينة الحياة الدنيا لأنها من عطاء الله الخالق العظيم. ومن ثَمَّ فهو يحرِّرهم من عوامل خوف هذه الحياة، ويرسم لهم الطريقة المثلى، لتعيش الإنسانية فيها وهي متجهة إلى أهدافها من الرقي والتقدم، وناعمةٌ بظلال الأمن الوارفة، إن داخلياً في علاقاتِ الجماعة الواحدة مع بعضها البعض، وإن خارجياً في علاقاتها مع غيرها من الجماعات الأخرى.
ولفظ الإسلام - الذي هو اسم الدين القيّم على الحياة - مأخوذ من مادة السلام، لأن السلام والإسلام، يلتقيان في المبنى والمعنى، فطوبى للأرض بهما.
وربُّ هذا الدين من أسمائه الحسنى «السلام»[*]، لأنه يؤمِّنُ الناس بما شرع لهم من أحكام، وبما خط من مناهج، وهي في أساسها معانٍ للرجاء والطمأنينة والسلام.
ومحمد رسول الله حامل هذه الرسالة هو حامل راية السلام، لأنه يحمل إلى البشرية جمعاء، الهدى، والنور، والخير، والرشاد. فكان (صلى الله عليه وآله وسلّم) كما يحدّث عن نفسه، بالقول: «إنما أنا رحمة مهداة»[*]. وكما يحدث القرآن عن رسالته بقول الله عزَّ وجلَّ: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ *} [الأنبيَاء: 107].
ثم إنَّ تحية المسلمين، التي تؤلف القلوب، وتقوي الصِّلات، تربط الإنسان المؤمن بأخيه الإنسان هي لفظة مباركة بقول: «السلام عليكم». وقد جعل الله تعالى هذه التحية، وبهذا اللفظ، لإشعار المسلمين والناس أجمعين، بأن الإسلام هو دين السلام، وأهله هم أهل السلم والسلام.
وأولى الناس بالله تبارك وتعالى، وأقربهم إليه من بدأهم بالسلام.
وما بذلُ السلام للعالَمِ، وإفشاؤه إلاَّ جزء من الإيمان.
وإن تحيَّة أهل الجنة، واستقبال الملائكة لهم هي: «سلام، سلام»، «ادخلوها اليوم بسلام آمنين» والجنة ذاتها اسمها «دار السلام».
علاقة المسلمين بالآخرين:
إن علاقة المسلمين بغيرهم هي علاقة تعارف، وتعاون، وبر، وعدل. وفي هذه التعارف المفضي إلى التعاون يقول الله سبحانه وتعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ *} [الحُجرَات: 13].
ويقول سبحانه وتعالى يوصي المؤمنين بالبر والعدل: {لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ *} [المُمتَحنَة: 8].
ومن مقتضيات هذه العلاقة تبادل المصالح، واطِّراد المنافع، وتقوية الصِّلات الإنسانية.
ولهذا فإن المسلمين لا يتصرفون تصرفاً في السلم أو الحرب لا يليق بالفضائل الإسلامية، أو يتنافى مع الخوف من الله تعالى وخشيته في السر والعلن، واستعداد المسلم لتحمّل مسؤولية عمله يومَ القيامة يومَ لا ينفع مال ولا بنون إلاّ من أتى الله (تعالى) بقلب سليم.
ومن مقتضيات هذه العلاقة أيضاً أن المسلمين، كما قرر فقهاؤهم، يحرمون قتل الآمنين غير المقاتلين، وانتهاك الأعراض، لأن العرض، مثل النفس المحترمة، من حرمات الله (عزَّ وجلَّ) في الأرض فلا تباح الأنفس والأعراض كيفما اتفق، وكذلك كان حكم التحريم الذي لا يتغيّر باختلاف الأشخاص والأجناس والأديان.
ولا يتبدل حكم التحريم مهما تباعدت الأمصار، وتغيرت الظروف، فلا تعتبر المعاصي والمحرمات حلالاً، سواء وجد المسلمون في دار الإسلام أم في دار الحرب، لأن مقتضى الدين وحُسنَ الخلق يصاحبان المسلم أينما كان، ورعاية الحرمات واجب أساسي وأصيل في الشريعة الإسلامية. فعن ابن عباس، أنَّ رجلاً سأله: إنّا نصيب في الغزو من أموال أهل الذمة الدجاجة والشاة فهل يحل لنا ذلك؟ قال له ابن عباس: فماذا تقولون؟ قال الرجل: نقول: ليس علينا في ذلك بأس. قال ابن عباس: «هذا كما قال أهل الكتاب: ليس علينا في الأميين سبيل. إنهم إذا أدوا الجزية لم يحل لكم أكل أموالهم إلا بطيبة أنفسهم».
الموالاة المنهي عنها (عدم محالفة الكافرين)
وتلك المعاني المتقدمة عن علاقات التعاون والبر والسلام بين المسلمين وغيرهم من الأمم والشعوب لا تدخل في نطاق النهي عن موالاة الكافرين، الذين أخرجونا من ديارنا وظاهروا على إخراجنا، أن نتولاهم بقوله تعالى: {إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَولَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ *} [المُمتَحنَة: 9] وذلك كما فعل بنا اليهود عندما أخرجونا من ديارنا في فلسطين، هم ومن عاضدهم، وظاهرهم على إخراجنا بتنفيذ سياستهم وبإعطائهم السلاح والمال وجميع وسائل الدعم اللازمة، حتى مكنوهم من ذلك. فهؤلاء هم الذين ينهانا الله تعالى عن موالاتهم. والنهي عن موالاة الكافرين بشكلٍ عام يقصد به النهي عن محالفتهم ومناصرتهم ضد المسلمين كما يقصد به النهي عن الرضا بما هم فيه من الكفر. ولأن مناصرة الكافرين على المسلمين فيها ضرر بالغ بالكيان الإسلامي، وإضعافٌ لقوة الجماعة المؤمنة، كما أن الرضا بالكفرِ كفرٌ يحظره الإسلام ويمنعه. أما الموالاة بمعنى المسالمة، والمعاشرة الجميلة، والمعاملة بالحسنى، وتبادل المصالح، والتعاون على البر والتقوى، فهذا مما دعا إليه الإسلام، وحبَّبه إلى الناس.
هذا هو الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم، ولا تتبدل هذه العلاقة إلا إذا عمل غير المسلمين - من جانبهم - على تقويض هذه العلاقة وتمزيقها بعداوتهم للمسلمين، وإعلانهم الحرب عليهم، فتكون المقاطعة أمراً دينياً وواجباً إسلامياً، فضلاً عن أنها عمل سياسي عادل، فهي معاملة بالمثل.
والقرآن الكريم يوجه أنظار أتباعه إلى هذه الحقيقة، ويحكم فيها الحكم الفصل، فيقول عزَّ من قائل: {لاَ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ} [آل عِمرَان: 28].
وقد تضمنت الآية الكريمة المعاني الآتية:
أولاً: التحذير من الموالاة والمناصرة للأعداء، لما فيها من التعرض للخطر.
ثانياً: إن من يفعل ذلك فهو مقطوع عن الله عزَّ وجلَّ لا يربطه به رابط.
ثالثاً: إنه في حالة الضعف والخوف من أذى الأعداء تجوز الموالاة ظاهراً ريثما يعدّ المسلمون أنفسهم لمواجهة الذي يتهددهم.
متى تشرع الحرب:
وإذا كانت القاعدة هي السلام، والحرب هي الاستثناء، فلا مسوغ لهذه الحرب - في نظر الإسلام - مهما كانت الظروف، إلا في إحدى حالتين:
الحالة الأولى: حالة الدفاع عن النفس، والعرض، والمال، والوطن عند الاعتداء. وذلك كما يأمر به الله تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ *} [البَقَرَة: 190].
وكما يأمر به الرسول الكريم لما روي عن سعد بن زيد، أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم)، قال:
«من قُتل دون ماله فهو شهيد. ومن قُتل دون دمه فهو شهيد. ومن قُتل دون دينه فهو شهيد. ومن قُتل دون أهله فهو شهيد». رواه أبو داود والترمذي والنسائي.
بل وفي ذلك توكيد قرآنيّ بقول الله سبحانه وتعالى: {وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا} [البَقَرَة: 246].
الحالة الثانية: حالة الدفاع عن الدعوة إلى عقيدة التوحيد - وهي الدعوة الحق إلى الله العلي الكبير - إذا وقف أحد في سبيلها، واستعمل لذلك الوسائل والأساليب العدوانية، وذلك بتعذيب من آمن بها، أو بصدِّ من أراد الدخول فيها، أو بمنع الداعي من تبليغها، فيصبح القتال مشروعاً في مثل هذه الحالات، والأدلة على ذلك:
أولاً: أن الله سبحَانه وتعالى يقول: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ} [البَقَرَة: 190-191].
أي أن المؤمنين مأمورون أن يقاتلوا في سبيل الله - أي في سبيل الحقّ بمختلف مضامينه في العقيدة والمبدأ والمعاش والمعاد - الذين يبدؤون بالاعتداء عليهم وقتالهم، أما الذين لا يباشرون عليهم عدواناً فلا يجوز قتالهم ابتداء، لأن الله تعالى نهى عن الاعتداء، وحرم البغي والظلم في قوله عزَّ من قائل: {وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ *} [البَقَرَة: 190].
وتعليل النهي عن العدوان. «إنَّ الله لا يحب المعتدين» دليل على أن هذا النهي محكم غير قابل للنسخ، لأن هذا إخبار بعدم محبة الله عزَّ وجلَّ للمعتدين، والإخبار لا يدخله النسخ لأن الاعتداء هو الظلم، والله سبحانه وتعالى لا يحب الظلم وأهله.
ثم إن لهذا القتال المشروع غاية ينتهي إليها، وهي منع الظالمين والمعتدين أن يفتنوا المؤمنين والمؤمنات عن دينهم، فلا يؤذونهم، ولا يضرّونهم بشيء، بل يتركونهم وخيارهم في الإيمان ولذلك كان منع الفتنة ابتداء على المؤمنين، حيث لا توجد مثل هذه الفتنة.
ثانياً: يقول الله سبحانه: {فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً *} [النِّسَاء: 90].
فالقومُ الذين لم يقاتلوا بني قومهم، ولم يقاتلوا المسلمين، واعتزلوا محاربة الفريقين، وكان اعتزالهم هذا اعتزالاً حقيقياً يريدون به السلام، فهؤلاء ما جعل الله (تعالى) للمؤمنين عليهم سبيلاً بالقتال أو الاعتداء وما إلى ذلك..
ثالثاً: أن الجنوح إلى السَّلم أمرٌ واجبٌ إذا جنح العدوّ إليها، حتى ولو كان جنوحُهُ هذا خداعاً ومكراً. قال سبحانه وتعالى: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ} [الأنفَال: 61-62].
السياسة الحربية في الإِسلام:
السياسةُ الحربيةُ هي رعايةُ شؤونِ الحرب على وضع من شأنه أن يجعل النصر للمسلمينَ والخذلان لأعدائهم. وتَبْرُزُ فيها الناحيةُ العملية بشكل واضح. ذلك أنَّ الشرع قد أجاز فيها أشياءَ حرمها في غيرها، وحَرّمَ أشياءَ أجازها في غيرها. فقد أجاز فيها الكذب مع العدو مع أنه حرامٌ معه في غير الحرب. أي أن الشرع جعل للسياسة الحربية اعتبارات خاصة، منها ما يتعلق بمعاملة العدو، ومنها ما يتعلق بالأعمال الحربية نفسها، ومنها ما يتعلقُ بالجيش الإِسلامي، ومنها ما يتعلقُ بغير ذلك من الأمور التي تقتضيها هذه السياسة.
- في ما يتعلقُ بمعاملة العدو، جعل الإسلامُ للخليفةِ وللمسلمين أن يفعلوا بالعدو مثل ما من شأنه أن يفعله العدو بهم، وأن يستبيحوا من العدو مثل ما يستبيحه العدو منهم، ولو كان ذلك من المحرمات. قال الله تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ *} [النّحل: 126]. وقد رُوي في سبب نزول هذه الآية أن المشركين مثَّلوا بالمسلمين يوم أُحد: بقروا بطونهم وجدعوا آنافَهم، وما تركوا أحداً إلا مثلوا به إلا حنظلة بن الراهب. فوقف المسلمون على قتلاهم، وأضمروا ليفعُلوُنّ بالمشركين ما فعلوا بإخوانهم، فنهى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) عن ذلك ودعا إلى الصبر إلاَّ أنَّ الآية الكريمة نزلت في الحرب. وأباحت للمسلمين أن يعاقبوا بمثل ما عوقبوا به.
ومع أنَّ المُثلة حرامٌ شرعاً، ووردت الأخبار بالنهي عنها، إلا أنه أجيز للمسلمين أن يفعلوها إذا كان العدو يمثّل في قتلاهم وذلك إعمالاً للنص: {فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} [النّحل: 126]. والمثلة من أشد العقوبات إيلاماً للنفس، فجازت في حالة المثلة بمقاتلي المسلمين. وقد قال بعض الحنفية: «وإنما تُكره المثلة بعد الظفر به، أما قبله فلا بأس بها».
ومثل ذلك أيضاً الغدر ونقض العهد، فإنه إن فعله العدو أو خيف منه أن يفعله جاز للمسلمين أن يفعلوه. قال تعالى: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْخَائِنِينَ *} [الأنفَال: 58]. وعلى هذا فإن الأسلحة النووية يجوز للمسلمين أن يستعملوها في حربهم مع العدو قبل أن يستعملها العدو معهم، وخاصة مع الدول أو الأعداء التي تستبيحُ استعمال الأسلحة النووية في الحرب. مع أن هذه الأسلحة يُحَرم استعمالها في الإِسلام لأنها تهلكُ الحرث والنسل، أي البشرَ والشجر والمدثر، والجهادُ هو لإحياء البشر بالإِسلام لا لإِفناء الإنسانية، وإهلاك مقومات حياتها..
- وفي ما يتعلقُ بالأعمال الحربية وما تستتبعه من أعمال فإن الأصل في معاملة العدو. عدم المثلة، وعدم الغدر، وعدم السرقة من الغنيمة كما ذهب إليه غالبية الفقهاء في المذاهب الخمسة. أما غيرها من الأعمال الأخرى مثل حرق الأشجار أو قطعها، أو إتلاف أطعمة الأعداء وزرعهم، وتخريب دُورهم وهدمها عليهم فقد قال تعالى: {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ *} [الحَشر: 5]، (لينة: ضرب من النخل). وقد أمر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) بأن يقطعوا نخلَ بني النضير لأنه كان يشكل عائقاً أمام المسلمين لتنفيذ خطتهم في غزوة أولئك اليهود وتأديبهم، وقال تعالى: {يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ} [الحَشر: 2].
أما ما رُوي من أنّ أبا بكر الصديق (رضي الله عنه) قال لأمير جيش بعثه إلى الشام: «لا تعقرنَّ شاة ولا بعيراً إلا لمأكلة ولا تحرقنَّ نخلاً» - وقد أقره الصحابةُ جميعاً ولا مخالف له - فإنه من القواعد الأساسية في الحرب. والمقصود عدم تخريب العامر وعدم قطع الشجر. ولكن إذا رأى الخليفة أو قائد الجيش أنّ كسبَ المعركة يقضي بذلك جاز في السياسة الحربية التخريب ولو كان حرماً، قال الله تعالى: {وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ} [التّوبَة: 120]. وهذا الكلام عام في كل شيء، ولم يرد ما يخصص هذه الآية بالذات، من قرآن أو حديث، فتبقى على عمومها.
- وفي ما يتعلق بالجيش الإِسلامي فإنه يَحقّ للإِمام أو لأمير الجيش أن يمنعَ من الذهاب للمعركة المنافقين أو الفساق أو المعوِّقين والمُرجفين ومن شاكلهم، لقوله تعالى: {كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ * لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً وَلأَوْضَعُوا خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ} [التّوبَة: 46-47].
مع أنه عموماً لا شيء يمنع من أن يشارك في الجيش الإسلامي أناسٌ غير المؤمنين الصادقين مثل الفاسقين والمنافقين. ولكن إذا اقتضت السياسة الحربية منعهم من الذهاب للمعركة، أو من القيام بعمل معين، أو من تولي أمر معين، فإنه يجوز للخليفة ولأمير الجيش أن يمنعهم من ذلك.
- وفي ما يتعلق بكيفية معاملة الجيش الإسلاميّ، فالأصل في هذه المعاملة الرفق وحسن الرعاية. فعن جابر قال: «كان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) يتخلّف في المسير فيزجي[*] الضعيف، ويردف[*]، ويدعو لهم»[*].
إلاّ أن السياسةَ الحربيةَ ومصلحةَ الإسلام قد تقضيان بغير ذلك أحياناً، كما حصل مع الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) عند رجوعه من غزوة بني المصطلق، إذ إنَّ عبد الله بن أبي سلولٍ، وهو من رؤوس النقاق يومئذٍ، كان يسعى في إيقاع الفتنة بين المهاجرين والأنصار، ويعملُ على إثارة الجدل والشحناء[*] بينهم، فرجع الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) بالجيش الإسلاميّ، إلى المدينة، معجِّلاً بسيرِ أقوى الجنود، لا بسير أضعفهم، كما هو الأمر في الأحوال العاديّة.. وكان ذلك ليقطعَ دابرَ الفتنة، ويردَّ كيدَ المنافقين إلى نحورهم.
وهكذا تقضي السياسةُ الحربيةُ أن يقومَ الإِمامُ بأعمال تقتضيها رعايةُ شؤون الحرب لكسب المعركة وخذلانِ العدو والانتصارِ عليه. إلا أن هذا كُلَّهُ مقيد إذا لم يرد نصّ على عملٍ معين. فإذا ورد نَصّ خاص فإنه لا يجوز أن يُفعلَ ذلك العملُ بحجة السياسة الحربية لأن السياسةَ الحربية عامة، إلا أن يَرِدَ نصٌّ في أمرٍ يستثنيه من العموم فيتبع النص فيما خصص به.
والقاعدة فيه ما رواه أحمد عن صفوان بن عسال قال: «بعثنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) في سرية فقال: سيروا باسم الله وقاتلوا في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، ولا تمثِّلوا ولا تغدروا، ولا تقتلوا وليداً». وروي عن ابن عباس بلفظ: «ولا تقتلوا امرأة ولا وليداً ولا شيخاً»[*]. وروي أنه وجدت امرأة مقتولة في بعض مغازي النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) فنهى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) عن قتل النساء والصبيان وقال: «لا تقتلوا الذرية في الحرب». وعن أنس أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) قال «انطلقوا باسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله، لا تقتلوا شيخاً فانياً ولا طفلاً صغيراً ولا امرأة، ولا تغلّوا (لا تخونوا في المغنم)، وضموا غنائمكم وأصلحوا، وأحسنوا إن الله يحب المحسنين»[*].
وقد وردت نصوص أخرى تدلُّ على أنه يجوز أن تُفعلَ تلك الأمور جميعها، وأن يضرب بالمدافع والقنابل من بعيد، وأن يقتلَ الصبيانُ والنساءُ إذا لم يكن بالإمكان الوصول إلى الأعداء إلا بقتلهم لاختلاطهم بهم. فقد روي عن الصعب أنه قال: «سألت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) عن أولاد المشركين أنقتلهم معهم؟ قال: يجوز قتلهم في حالة الاضطرار، وعدم إمكانية تفادي ذلك أو في حالة مشاركة صبيان المشركين في القتال. وروي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) أنه نصب المنجنيق في خيبر والطائف. والمنجنيق حين يضرب به لا يميز بين المرأة والرجل والطفل والشيخ الكبير.. وهذا يدل على أن الأسلحة الثقيلة كالمدافع والقنابل يجوز استعمالها في الحرب، وإن أدَّت إلى قتل الذرية والنساء، فإذا أصيبوا لاختلاطهم بالأعداء كان ذلك بسبب الحرب واستعمال تلك الوسائل المدمرة بها.
أما فعلُ كلّ من هذه الأمور وحده في غير المنجنيق أو أي سلاح آخر، وفي غير حالة عدم إمكانية التمييز بين الأعداء الذين نحاربهم، ففيه تفصيل حسب ما ورد في النصوص: فالصبيان يحرم قتلُهم مطلقاً في غير الحالتين السابقتين، وكذلك الأجير الذي يكون مع القوم مجبراً لأنه من المستضعفين، وذلك لورود النهي عن قتلهم بشكل قاطع ولم يعلل بأي علة.
أما النساء فإنه ينظر في الأمر: فإن كانت المرأة تحارب جازَ قتلها، وإن لم تكن تحارب لم يَجُزْ قتلُها. وروي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) أنه مر على امرأةٍ مقتولةٍ يومَ حنين فقال: من قتل هذه؟ فقال رجل: أنا يا رسول الله أردفتها خلفي فأرادت قتلي فقتلتها، فلم ينكرْ عليه الرسولُ (صلى الله عليه وآله وسلّم)[*]. وبذلك يتبين أن المرأة إذا قاتلت جاز قتالها وقتلها.
وأما الشيخ الكبير فإنه إنْ كان فانياً لم يبق فيه نفع للكفار، ولا مضرةٌ منه على المسلمين فلا يجوز قتله، للنهي عن قتله، وإذا كان العكس يجوز قتله. وذلك لما روي عن سمرة أن النبيَّ (صلى الله عليه وآله وسلّم) قال: «اقتلوا شيوخ المشركين»[*] أي الذين فيهم نفع للأعداء. وقد روي أن ربيعة بن رفيع السُّلمي أدرك دريد بن الصمة يوم حنين، فقتله، وهو شيخ كبير ولكن لديه دراية كبيرة في الحرب، فبلغ ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) ولم ينكر عليه[*].
هذه هي الأمور التي ورد بها النص. وما عدا ذلك فإنه يجوز. ولا يُستفظعُ أيُّ عمل يفعله المسلمون بعدوّهم ما دام هذا العملُ حصل في حالة الحرب، ولن يتورع العدو عن فعله بالمسلمين، سواء أكان هذا العمل حلالاً أم حراماً في غير الحرب. ولا يستثنى من ذلك إلا الفعلُ الذي ورد النصُّ في النهي عنه صراحةً في الحرب.
الكذب في الحرب:
الكِذبُ كُلّهُ حرام قطعاً بنص القرآن القطعي، وتحريمه من الأحكام المعروفة من الدين بالضرورة. قال تعالى: {لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ *} [آل عِمرَان: 61]. ولكن ورد نص استثنى من تحريم الكذب أشياءَ معينةً حَصَرها وحَدّدَها فلا يجوزُ تعديها لما روي عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) أنه قال[*]: «يا أيها الناس. ما يحملكم أن تَتَابَعُوا على الكذب كتتابُعِ الفراش في النار. الكذبُ كله على ابن آدم حرامٌ إلا في ثلاث خصالَ: رجل كذب على امرأته ليرضيها، ورجل كذب في الحرب فإن الحرب خدعة، ورجل كذب بين مسلمين ليصلح بينهما». هذه الثلاث من المستثنيات من تحريم الكذب بنص صحيح، ولا يحل أن يقعَ الكذبُ في غيرها إذ لا يستثنى من عموم النص إلا ما خصه الدليل. وكلمة «في الحرب» الواردة في الحديث ليس لها إلا معنى واحد وهو حالة الحرب الفعلية. فلا يجوز الكذب في غير حالة الحرب الفعلية مطلقاً. وأما ما صح عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) من أنه كان إذا أراد غزوة ورّى بغيرها، فالمراد أنه كان يريد أمراً ولا يظهره: كأنْ يريد أن يغزوَ جهة المشرق فيسأل عن أمرٍ في جهة الجنوب ويتجهز للسفر فيظن من يراه ويسمعه أنه يريدُ جهة الجنوب. وأما أن يصرّح ويعلن أنَّ غايته الجنوب، وهو ينوي المشرق فذلك لم يحصل، فلا يكون سؤاله، على هذا، إخباراً بخلاف الواقع، إنما هو من قبيل التورية. علاوة على أنه داخل في حالة الحرب الفعلية، لأنه ذهاب إلى المعركة لمحاربة العدو فعلاً، وهو لو على فرض حصوله يكون من باب الخدعة الواردة في قوله عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «الحرب خدعة»[*].
وقد روي عن جابر أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) قال: «مَنْ لِكعب بن الأشرف فإنه قد آذى الله ورسوله؟ قال محمد بن مسلمة: أتحب أن أقتله يا رسول الله؟ قال: نعم. فأتى كعباً فقال له: إن «محمداً» قد عنّانا[*] وسألنا الصدقة ونكره أن ندعه حتى ننظر إلى ما يصير إليه أمره»... ولم يزل يكلمه حتى استمكن منه فقتله[*]. على أن ما قاله محمد بن مسلمة يتبيّن أنه صدق وليس بكذب، وكلامه تعريضٌ، علماً بأنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) أذن له أن يقول كل شيء. وهذا الإِذن بالقول تصريحاً وتلميحاً، جائز في حالة الحرب.
ومنه حديثُ أنس في قصة الحجاج بن علاط في استئذانه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) أن يقول عنه ما شاء لأجل استخلاص ماله من أهل مكة. وقد أذن له الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم)، فأخبر أهل مكة كذباً أن أهل خيبر هَزَموا المسلمين. وهذا يدخلُ كذلك في حالة الحرب، إذ إنَّ جواز الكذب لا يقتصر على المعركة ولا على المحاربين بل يجوز الكذب على الأعداء من الكفار، في أي وقت، إذا كانوا في حالةِ حربٍ فعليَّةٍ مع المسلمين.
التجسس:
التجسسُ هو تفحُّصُ الأخبار، يُقالُ في اللغة جسَّ الأخبار وتجسسها: تفحص عنها، ومنه الجاسوس. فإذا تفحص الشخصُ الأخبارَ فقد تجسسها، سواء أتفحص الأخبار الظاهرة أم المخفية. ولا يُشترطُ في تفحص الأخبار أن تكون مخفية حتى يكونَ الفعل تجسساً، بل إن التجسس هو تفحص الأخبار، ما يخفى منها وما يظهر، أي الأسرار وغير الأسرار.
أما من يتتبع الأخبار ليجمعها وينشرها على الناس كمراسلي الجرائد ووكالات الأنباء فلا يُعَدّ جاسوساً بل يكون مراسلاً، إلا أن يكون عمله هو التجسس، واتخذ المراسلة وسيلةً للتغطية كما هي الحال مع كثيرٍ من المراسلين، ولا سيما الأعداء الحربيين منهم. وأما موظفو أجهزة الأمن السرية على اختلافها التي تتحرّى عن مختلف الأمور التي تدخل في وظائفها، ومن شاكلهم ممن يتفحص الأخبار، فإنهم جواسيسُ لأن طبيعةَ عملهم تتعلقُ بالتجسس.
هذا هو واقعُ التجسس وواقع الجاسوس. أما حكمُ التجسس فإنه يختلف باختلاف من يجري التجسسُ عليهم. فإذا كان التجسسُ على المواطنين الذين هم رعايا الدولة الإسلامية فهو حرام. وإذا كان التجسس على الأعداء الحربيين سواء أكانوا حربيين حقيقة أم حكماً، فإنه جائز للمسلمينَ.
أما كون التجسس على المواطنين حراماً فثابت بصريح القرآن الكريم. قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلاَ تَجَسَّسُوا} [الحُجرَات: 12] فنهى الله سبحانه وتعالى في الآية عن التجسس. وهذا النهي عام يشمل كل تجسس، سواء أكان تجسساً لنفسه أم لغيره، وسواء أكان تجسساً للدولة أم للأفراد، وسواء أكان الذي يقوم به الحاكم أم المحكوم، فالكلام عام يشملُ كل شيء ينطبق عليه أيُّ تجسس، وكله حرام.
وهنا يرد سؤال وهو: هل يجوزُ للمسلم أن يشتغلَ موظفاً في دائرة التحري أو دائرة المباحث، أو غيرها من الدوائر التي يكونُ عملها أو بعض عملها، التجسس؟
الجواب على ذلك ينظر فيه: فإن كانت الوظيفةُ للتجسس على المواطنين فلا يجوز كما قلنا. وأما إن كانت الوظيفة للتجسس على الأعداء الحربيين الذين يدخلون بلادنا من مستأمنين ومعاهدين فإنه يجوز، كما أنه يجوز التجسس عليهم في بلادهم.
وعلى ذلك فإن وجود إدارات وأجهزة للتجسس ليس بحرام بل هو واجب. والحرامُ أن تُوجِدَ الدولة دائرةً للتجسس على المواطنين. ولا يقال هنا إن مصلحة الدولة تقتضي أن تعرف أخبار الرعية حتى تكشفَ المؤامرات وتهتدي إلى المجرمين، لأن على الدولة أن تعرفَ ذلك عن طريق الشرطة والعسس، وليس عن طريق التجسس. وكون العقل يرى أن ذلك الشيء مصلحةٌ أو ليس بمصلحة لا يصلح علةً للتحريم أو الإباحة، فما يراه الشرع وحده مصلحة فهو مصلحة.
على أن آيات القرآن الكريم حين تأتي صريحةً في تحريم شيء لا يبقى مكانٌ للحديث عما فيه مصلحة لتعليل جعله حلالاً، إذ لا قيمة لذلك أمام نص القرآن الصريح. والقرآن يقول: {وَلاَ تَجَسَّسُوا} [الحُجرَات: 12] وهذا يعني النهي عن التجسس، ولا سبيل للذهاب إلى غير ما تدل عليه الآية وما هو صريح في لفظها. ولم يرد أيُّ دليل يخصص عموم هذه الآية أو يستثني منها شيئاً، فتبقى على عمومها تشمل كل تجسس، ويكون التجسس على رعايا الدولة كله حراماً.
هذا بالنسبة للتجسس على المواطنين. أما تجسس المواطنين من المسلمين والذميّين على الأعداء الحربيين، سواء كانوا حربيين حقيقة أم حكماً، فهو مستثنى من عموم الآية لدرء الخطر عن دولتهم، ولورود أحاديث بذلك. ومنها أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) بعث عبد الله بن جحش ومعه ثمانية رهط من المهاجرين، وكتب له كتاباً وأمره أن لا ينظرَ فيه حتى يسيرَ يومين، ثم ينظر فيه فيمضي لما أمره به ولا يستكره من أصحابه أحداً. فلما سار عبد الله يومين فتح الكتاب يقرأه فإذا فيه: «إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزلَ نخلةً بين مكة والطائف فترصدَ بها قريشاً وتعلمَ لنا من أخبارهم». في هذا الكتاب يأمر الرسولُ (صلى الله عليه وآله وسلّم) عبدَ الله بنَ جحش بالتجسس له على قريش وبأن يعلمه من أخبارها. ولكنه لم يذكره وأصحابه بل ذكره وحده، ويجعل التخيير لأصحابه أن يسيروا معه أو لا، أما هو فإنه يأمره أن يمضي. وبهذا يكون الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) قد طلبَ القيام بالتجسس من الجميع ولكنه عزم على عبد الله وخيَّر الباقين. وهذا دليل على أنّ الطلبَ بالنسبة لأمير الجماعة طلبٌ جازم وبالنسبة لغيره غير جازم. وكان ذلك دليلاً على أن تجسسَ المسلمين على العدو جائزٌ وليس بحرام.
وذلك أن التجسس على العدو من الأمور التي لا يستغني عنها جيش المسلمين، إذ لا يتم تكوين جيش للحرب دون أن تكون معه جاسوسية له على عدوه. فوجود الجاسوسية في الجيش واجبٌ على الدولة من باب «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب». هذا حكمُ التجسس من حيثُ كونه حراماً أو جائزاً أو واجباً.
أما حكم عقوبة الجاسوس الذي يتجسس للأعداء الحربيين فتختلف باختلاف تابعية الجاسوس وباختلاف دينه. فالكافرُ الحربي حين يكونُ جاسوساً فإن حكمَهُ القتلُ بمجرد ثبوت كونه جاسوساً، وذلك لما رواه سلمةُ بنُ الأكوع عن أبيه، قال: «أتى النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) عينٌ[*] من المشركين وهو في سفر، فجلس عند أصحابه يتحدث ثم تفتل. فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم): «اطلبوه واقتلوه. فقتله فنفله[*] سلبه».[*] وفي رواية لأبي نعيم في المستخرج: «ادركوه فإنه عين» وهذا صريح بأن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) بمجرد أن ثبت لديه أنه جاسوس قال: اطلبوه فاقتلوه.
أما الذميُّ حين يكون جاسوساً فإنه يُنظرُ فيه، فإن كان قد شرط حين دخوله الذمة أن لا يتجسسَ وإن تجسس يُقتل، فإنه يُعْمَلُ بالشرط. وأما إن لم يشرط عليه ذلك فإنه يجوز للخليفة أن يحاسبه بما يراه مناسباً للمصلحة، أو أن يجعلَ عقوبته القتل، لما رواه أحمد عن فرات بن حبان أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) أمر بقتله، وكان ذمياً وكان عيناً لأبي سفيان وحليفاً لرجل من الأنصار، أي أنه كان معروفاً. فالرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) قال في شأن الكافر الحربي: «اطلبوه فاقتلوه» كما في خبر سلمة بن الأكوع الذي مر ذكره. أما في شأن فرات بن حبان فقد أمر بقتله ولم يطلب من المسلمين أن يقتلوه. وظاهر في ذلك الفرق بينهما بأن الحربي طلب قتله جازماً، والذمي طلب قتله طلباً غير جازم، لأن الأمر بقتله قد ينفذ، وقد يحدث ما يلغي تنفيذه، مما يدل على جواز قتل الجاسوس الذمي، وجواز عدم قتله.
وأما الجاسوسُ المسلمُ الذي يتجسسُ للعدو على المسلمين والذميين فإنه لا يقتل، لما روى مسلم عن ابن مسعود قال[*]: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم): «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأنّي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة».فهذا لحديثُ حَصَرَ القتلَ في هذه الثلاث، وما عداها من الذنوب فلا يجوز أن يكونَ عقوبته القتل. مما يدل على أن عقوبة المسلم الجاسوس تكون التعزير وليس القتل.
وقد روى البخاري عن علي (عليهم السلام) أنه قال: بعثني رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) أنا والزبير والمقداد بن الأسود، وقال: انطلقوا حتى تأتوا روضةَ خاخ فإن بها ظعينةً (الظعينة: المرأة في الهودج) ومعها كتاب فخذوه منها. فانطلقنا تتهادى بنا خيلنا حتى انتهينا إلى الروضة فإذا نحن بالظعينة، فقلنا: أخرجي الكتاب. فقالت: ما معي من كتاب. فقلنا: لتُخرِجِنَّ الكتاب أو لتُلقِنَّ الثياب، فأخرجته من عقاصها. فأتينا به رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) فإذا فيه أنه مرسل من حاطبِ بنِ أبي بلتعة إلى ناسٍ من المشركين من أهل مكة يخبرهم ببعض أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم). فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) يا حاطب ما هذا؟ قال: يا رسول الله لا تعجل عليّ إني كنت امرأً ملصقاً في قريش، ولم أكن من أنفسها، كان من معك من المهاجرين لهم قرابات بمكة يحمون بها أهلهم وأموالهم، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يداً يحمون بها قرابتي، وما فعلت ذلك كفراً ولا ارتداداً ولا رضا بالكفر بعد الإسلام. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم): «لقد صدقكم». وهذا الحديث ثابتٌ ويحتجُّ به، وهو دليل على أن الجاسوس المسلم لا يقتل، وإنما يعاقبُ بالتعزير أو بالحبس وغيره وقد يعفو عنه - كما عفا الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) عن حاطب - القاضي أو الخليفة[*] حسب ما يراه.
الهـدنـة:
الهدنة أو الموادعة هي عقد مصالحة بين المسلمين وأهل الحرب على ترك القتال مدة معينة بعوض أو غيره. وعاقدها هو الخليفة أو نائبه باتفاق الفقهاء. وهي تقوم على الإيجاب والقبول بين الإمام أو نائبه وحاكم الأعداء.
وهذا العقد بين المسلمين وغير المسلمين جائز لمهادنة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) قريشاً عام الحديبية. ولكنَّ جوازَ الهدنة مقيد بوجود مصلحة يقتضيها الجهاد أو نشر الدعوة. وذلك أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) بلغه قبل مسيره إلى الحديبية أن مواطأةً كانت بين أهل خيبر ومكة على غزو المسلمين. وقد بادر بعد رجوعه من الحديبية مباشرة إلى غزو خيبر، وبادر كذلك إلى إرسال الرسل إلى الملوك والأمراء يدعوهم إلى الإسلام، مما يدل على أن هدنة الحديبية كانت لمصلحة تتعلقُ بالجهاد ونشر الدعوة، إذ استطاع بموادعة قريش أن يتفرغ لحرب خيبر، ولدعوةِ الملوك والأمراء.
وقد تكون مصلحة المسلمين في عقد الهدنة عندما يكونون في حالة ضعف، والأعداء أقوياء، أو لإقرار الإسلام ورجاء نشره بين أناسٍ كافرين. فوجود المصلحة شرط أساسي باتفاق الفقهاء. ولا تجوزُ الهدنة عند عدم وجود هذه المصلحة، لأن الهدنة معناها ترك القتال المفروض، فلا تجوز إلا أن تكون وسيلة إلى قتال جديد أو إلى سلم محقق. وشرطها وجود مصلحة للمسلمين، قال تعالى: {فَلاَ تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ} [محَمَّد: 35] وقال عزَّ وجلَّ: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} [الأنفَال: 61].
وقد اتفق الفقهاء على أنه إذا تحققت المصلحة لعقد الهدنة فيجب تقدير مدة معينة معلومة لها، لأنها شرط من شروط صحتها. ولا تصح المهادنة إلى الأبد من غير تحديد مدة، لأنها عقدٌ مؤقّت.
فإذا لم تُحَدّدْ مدةٌ معينةٌ فيها فسد عقدُ الهدنة. وهُدْنَةُ الحديبية قد حُدّدتْ فيها مدةٌ معينةٌ لإيقاف الحرب وهي عشر سنين[*].
وفي تحديد المدة ذهب الشيعة الإمامية إلى أنه إن كان هناك ضعفٌ بالمسلمين فإن مدة الهدنة لعشر سنين فقط. فإن لم يقو المسلمون طوال تلك المدة فلا بأس أن يجدِّد الإمامُ مدةً مثلها أو دونها على أمل أن يقووا، وإذا انقضت المدة والحاجةُ باقيةٌ استؤنف العقد.
وهذا أيضاً ظاهرُ كلام الإمام أحمد من أنه يجوز عقد الهدنة على أكثر من عشر سنين، إذا رَأى الإمام أن فيه المصلحة بعد اجتهاده.
وقال الحنفية والمالكية: ليس للهدنة مدة معينة. أما تقدير المدة فراجع إلى اجتهاد الإمام قدر الحاجة. وإن المهادنةَ عقدٌ جاز لمدة عشر سنين، فتجوز الزيادة عليها كعقد الإجارة.
وإذا عُقدتِ الهدنةُ وصحّت وجب علينا الكفُّ عن أذى الأعداء وإعطاؤهم الأمانَ على أنفسهم ونسائهم وأولادهم وأموالهم. وتبقى مراعاة عقد الهدنة قائمةً حتى تنقضيَ مدتها أو ينقضوها هم. ويكون نقضها بتصريحٍ منهم أو بقتالنا، أو فعل شيء مخالفٍ لشروط الهدنة ولم يُنْكِر الباقون منهم ذلك بقولٍ أوْ فعل. فإذا حصل ذلك تنقضي الهدنة فيهم جميعاً. وكذلك إذا خافت الدولةُ خيانتهم لشيء مما ينقضُ إظهاره الهدنة، بأن ظهرت أمارة بذلك، كان هذا نقضاً للهدنة. ولذلك اعتبر الحنفية أن الهدنة لا تنتقض إلا بخيانة العدو[*]. والخيانة ما ناقض العهد مما هو مشروطٌ فيه، أو جرى به العرف والعادة، مثل مقاتلةِ المسلمين أو مظاهرةِ عدوّ عليهم.
وقال الجمهور: تنتقضُ الهدنة من العدوّ بقتال أو بمناصرةِ عدوٍّ آخر، أو قتلِ مسلم، أو أخذِ مال، أو التجسس على المسلمين، أو الزِّنا بمسلمة ونحوها. وإذا حصل شيء من ذلك جازت الإغارةُ عليهم في كل وقت ليلاً أو نهاراً، لأن نقضَهم للهدنة يبيح للمسلمين أن يقاتلوهم وأن ينقضوا الهدنة معهم. فالرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) لما هادنَ قريشاً ونقضت عهده حلّ له منهم ما كان محرماً، فقاتلهم وفتح مكة لأنّ الهدنةَ عقدٌ مؤقتٌ ينتهي بانقضاء مدته أو بنقضه. قال تعالى: {فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا} [التّوبَة: 7] وقال تعالى: {وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ *} [التّوبَة: 12].
وإذا أخلّ الأعداءُ بشروطِ الهدنة ولم يراعوا اتفاقيتها في تصرفاتهم معنا فقد أحلونا من عهدنا، وبذلك حلت لنا دماؤهم وأموالهم ووجب علينا حربهم، وأن نقاتلهم مذ قاتلونا وأن ننقضَ الهدنة معهم مذ نقضوها.
المعاهـدات:
للدولة الإسلامية أن تَعْقِدَ معاهداتِ الصلح والهدنة وحسن الجوار والمعاهدات الثقافية والمعاهدات التجارية والمالية، وما شابه ذلك من المعاهدات التي تقتضيها مصلحة الدعوة الإِسلامية، ولكن بالشروطِ التي يُقِرّها الإسلامُ. وإذا تضمنت هذه المعاهدات شروطاً لا يقرها الإسلامُ فإنه يبطلُ منها من الشروط ما لا يصح في الإِسلام وتبقى المعاهدة نافذة في باقي الشروط. لأن كُلّ شرط يخالفُ الشرعَ باطلٌ ولو رضي به ووافق عليه خليفة المسلمين.
فإذا كانت بين الدولة الإسلامية وبين عدوها حالةُ حربٍ فإنه يجوزُ لها أن تَعْقِدَ معاهدة هدنةٍ أو معاهدةَ صلحٍ حسب ما يقتضيه الموقف حينئذ، وما تتطلبُهُ مصلحة الدعوة. وإذا رأت الدولةُ الإسلامية أن تُسالمَ وتصادقَ دولةً مجاورةً أو دولةً بعيدةً عنها لأمرٍ تقتضيه الدعوة فإنه يجوز لها أن تفعلَ ذلك. فقد تجد الدولة في الموادعاتِ مع الأعداء أداةً لتوصيل الدعوة إليهم، ولإِيجاد رأي عامّ عندهم عن الإِسلام. وقد تجد في الموادعات دفع شر كبير أو التوصلَ إلى عدو آخر. ولذلك يجوز للدولة الإسلامية أن تعقدَ مع الدولِ المجاورة معاهدةَ حسنِ جوار، كما يجوز أن تعقد مع الدول غير المجاورة معاهداتِ عدم اعتداءٍ لمدة معينة، إذا رأت في ذلك طريقاً للدعوة الإسلامية، أو حمايةً للمسلمين أو مصلحةً لهم. وقد عاهد الرسولُ (صلى الله عليه وآله وسلّم) بني مدلج وغيرهم ليؤمِّنَ الطرق التي يسلكها جيشه لمحاربة عدوه. وعاهد يوحنا بن رؤبة في تبوك ليؤمِّنَ حدودَ الدولة من جهةِ الروم على حدود بلاد الشام.
وإذا طلب قومٌ من أهل الحرب الموادعةَ سنين معلومة، نظر الخليفةُ في ذلك، فإن رآه خيراً للمسلمين فعله لقوله تعالى: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا} [الأنفَال: 61]، وإن لم تكن الموادعة خيراً للمسلمين فلا ينبغي أن يوادِعَهم.
وإذا طلبَ حاكمٌ الذمةَ على أن يُتركَ يَحكُمُ في رعيته كما شاء، فإذا كان في حكمه نوع من الظلم والاستبداد وغيره مما لا يصلحُ في دارِ الإسلام، لم يُجَبْ إلى ذلك، لأن التقريرَ على الظلم مع إمكان المنع حرام، ولأن على الذمي أن يلتزم بأحكام الإسلام في ما يرجع إلى المعاملات. وهذا الشرط الذي يطلبه الحاكم هو بخلافِ موجب العقد، فهو شرطٌ باطلٌ، فإن أُعْطِيَ الصلحَ والذمةَ على هذا بطل لقوله (صلى الله عليه وآله وسلّم): «كل شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل»[*]. وإن طلب الصلحَ ورضيَ بحكم الإِسلام صار ذمة للمسلمين، وصارت نُصرتُهْ واجبةً كنصرة المسلمين.
المعاهدات الاضطرارية:
قد تقع الدولةُ الإِسلاميةُ في أَزَمَاتِ داخليةٍ أو خارجيةٍ تضطرها لأن تعقد معاهداتٍ لا تؤدي مباشرةً إلى حمل الدعوة ولا إلى القتال في سبيل الله، ولكنها تسهّلُ إيجادَ ظروفٍ تُمَكّن من حملها في المستقبل، أو تحفظُ كِيانَ المسلمين. فمثل هذه المعاهدات تجبر الضرورة على عقدها. ولذلك يجوز للخليفة أن يعقدَها، وتكون نافذةً على المسلمين. وتقع هذه المعاهدات في حالتين اثنتين نص عليهما الفقهاءُ وهما:
الأولى: إذا أراد قومٌ من أهل الحرب الموادعةَ مع المسلمين سنين معلومة على أن يؤدوا إليهم الخراجَ كلَّ سنة شيئاً معلوماً، شرط أن لا تجري أحكامُ الإِسلام عليهم في بلادهم، لم يَجُزْ ذلك. إلا إذا كانت الدولةُ غير قادرةٍ على منع الظلم، ورأت في هذه الموادعة خيراً للمسلمين، فإنه يجوز حينئذ عقدُها اضطراراً. وفي هذه الحال لا يكون لهم على الدولة الإسلامية المعونةُ والنصرةُ، لأنهم بهذه الموادعة لا يلتزمون أحكام الإِسلام، ولا يخرجون عن أن يكونوا أهل حرب، إذ لم ينقادوا لحكم الإِسلام فلا يجب على المسلمين القيامُ بنصرتهم. وهذه المعاهدة المحدودة المدة تجعلُ الأمان لهذه الدولة مضموناً من الدولة الإسلامية. فمن يدخلها من المسلمين يدخلها بأمان المعاهدة، ولا يجوز له أن يتعرضَ لأهلها. ومن يدخل بلاد المسلمين من رعايا هذه الدولة يدخلها بأمان المعاهدة ولا يحتاج إلى أمانٍ جديدٍ سوى الموادعة، ولا يجوزُ أن يتعرضَ له أحد من المسلمين، ولا يُمنعُ التجارُ من ممارسة التجارة مع هذه الدولة بجميع السّلع إلا الأدوات التي تُستعملُ في الحرب.
الحالة الثانية: أن يدفعَ المسلمون إلى عدوهم مالاً مقابل سكوته عنهم، إذا كان في الدفع مصلحةٌ للمسلمين، لأن المقصود في المعاهدة هو دفعُ الشر والخطر، فيجوز بأية وسيلة، وهذا باتفاق الفقهاء[*]. وقد ذكر الفقهاء أنه إن حاصر العدوّ المسلمين وطلبوا الموادعة سنين معدودة على أن يؤدّيَ المسلمون للأعداءِ شيئاً معلوماً كلّ سنة، فلا ينبغي للخليفة أن يجيبهم إلى ذلك إلا عند الضرورة القصوى، أي عندما يرى أن هذا الصلحَ خيرٌ لهم، فحينئذ لا بأس بأن يفعله، لما روي من أن المشركين عندما أحاطوا بالخندق وصار المسلمون في بلاء كما قال الله تعالى: {هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيدًا *} [الأحزَاب: 11] بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) إلى عيينة بن حصن وطلب منه أن يرجعَ بمن معه على أن يعطيه كلّ سنة ثلثَ ثمار المدينة، فأبى إلا النصف، فلما حضر رسله ليكتبوا الصلح بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) قام سيدا الأنصار سعدُ بن معاذ وسعدُ بن عبادة (رضي الله عنه) وقالا: يا رسول الله أوحيٌ أم رأيٌ أم رأفةٌ بنا؟ قال: بل رأفةٌ بكم. إني رأيت العرب رمتكم عن قوس واحد، فأحببتُ أن أصرفهم عنكم. قالا: يا رسول الله كنا نحن وهم في الجَاهلية ولم يكن لنا ولا لهم دين، فكانوا لا يطمعون في ثمار المدينة إلا بشراءٍ أو قِرى، فإذا أعزنا الله بالدين وبعث فينا رسوله نعطيهم الدنية؟ لا نعطيهم إلا السيف. فقال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) لرسل ابن حصن: اذهبوا فلا نعطيكم إلا السيف. فهذا يدل على أن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) مالَ إلى الصلح ابتداءً لما أحَسّ ضعفَ المسلمين، وحين رأى القوة فيهم بما قاله سعد بن معاذ وسعد بن عبادة امتنعَ عن ذلك. وقد دلّ هذا على أنه لا بأسَ من عقدِ معاهدة مع الأعداء يدفع لهم المسلمون بموجبها مالاً عند خوف الضرر. هذا لأنهم إذا انتصروا على المسلمين أخذوا جميع الأموال، فدفعُ بعض المال أهونُ وأيسر...
نقضُ المعاهدات:
جميع المعاهدات التي تعقدها الدولة الإسلامية يجب أن تكون محددة لأجلٍ معين. ولا يجوز نقضُها إلا في الأحوال التي نص عليها الشرع وهي:
أولاً: إذا ظاهر المعاهدُ عدواً من أعداءِ المسلمين وناصره عليهم، وذلك كأن يكون بين الدولةِ الإِسلاميةِ وبين دولةٍ أخرى حالةُ حرب فِعلية، فصارت الدولةُ التي بيننا وبينها معاهدةٌ تمدُّ هذا العدو بالمال أو العتاد وتنصرهُ علينا، ففي هذه الحال يجوز للدولة الإسلامية أن تنقضَ المعاهدةَ لأن الله تعالى يقول: {إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدْتُّمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا} [التّوبَة: 4] فإن مفهومه إذا ظاهروا على المسلمين أحداً جاز للمسلمين نقض المعاهدة معهم.
ثانياً: أن ينقضَ المعاهدُ شرطاً من شروطها، لما رواه البيهقي وغيره[*] أنَّ خُزاعة دخلت بموجب صلح الحديبية في عهد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) وحالفته، فنقضت قريشٌ هذا الشرط عندما حرضت بني بكر بن عبادة وشاركتهم في مهاجمة بني خزاعة وتقتيلهم. فاعتبر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) هذا النقضَ مبيحاً له نَقْضَ المعاهدة، فنقضها وحاربَهم وفتح مكة.
ثالثاً: إذا خيفَ خيانةُ المعاهد وغدرُه يجوزُ نقض المعاهدة. قال الله تعالى: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ} [الأنفَال: 58]. وفي هذه الحال يجب إعلام العدة بنقض المعاهدة معه. ولا يشترط في النقض حصول الغدر بالفعل، بل يكفي مجردُ الخوف من العدو لأن يكونَ مبرراً لنقض المعاهدة. ويُكتفى بالإعلام حتى يستوي علم الطرفين بالنقض.
رابعاً: أن ينقضَ المعاهدون المعاهد نَقضاً تامّاً. وفي هذه الحال يجبُ نقضُ المعاهدة معهم، وضربهم ضرباتٍ قاسيةً تكونُ درساً وعبرةً لغيرهم. قال تعالى: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَآبِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ * فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ *} [الأنفَال: 55-57].

هذه هي الأحوالُ الأربعةُ التي يجوزُ للمسلمين فيها أن ينقضوا المعاهداتِ المعقودةَ بينهم وبين عدوهم، ويجوز لهم أن يعودوا إلى قتالهم بعد ذلك. إلا أن ينبغي في نقضِ المعاهدة أن ينبذ «إليهم على سواء» أي على سواء منكم أو منهم في العلم بذلك. ولا يحل قتال الأعداء قبل النبذِ وقبل أن يعلموا بذلك ليعودوا إلى ما كانوا عليه من التّحَصّن والاحتراز من الغدر.
أما الذين يوفون بمعاهداتهم ويستقيمون فيجب أن يوفي المسلمون معهم بعهدهم ويستقيموا كما استقاموا قال تعالى: {إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدْتُّمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ} [التّوبَة: 4]. ومفهومه أن الذين نقضوا من معاهدة المسلمين شيئاً أو ظاهروا عليهم أحداً فلا تتموا إليهم عهدهم، وأما إذا لم يفعلوا ذلك فأَتِمُّوا إليهم معاهدتهم إلى نهاية مدتها. وقال تعالى: {كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدْتُّمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ} [التّوبَة: 7]. ومفهومه: إذا لم يستقيموا لكم فلا تستقيموا لهم. أما إذا استقاموا فاستقيموا وأوفوا لهم بعهدهم.
ومن ذلك يتبين أن الوفاءَ بالمعاهداتِ أمرٌ واجبٌ فإذا انتهت مدتها جاز عدمُ تجديدها وإنهاؤها. وعليه فإن الاتفاقاتِ الدوليةَ قد حدد الشارعُ أنواعَها وحدد الحالاتِ التي ينتهي العمل بها، فيجب التزام ما بيَّنَهُ الشارعُ وحده في المعاهدات والوقوف عند حد الشرع في شأنها مع ترك أمرِ الأسلوبِ والاختيار إلى رأي الخليفة واجتهاده.

ciloxan notice ciloxan bivirkninger ciloxan alkohol



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB