المعاملات والبينات والعقوبات
الطبعة : الطبعة الثانية  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   1102
تاريخ النشر :   2009




الـصـلـح

تعـريفـه:
عرّف بعض الفقهاء الصلح بأنه عقدٌ شُرِّعَ لقطع التنازع بين المتخاصمين بتراضيهما. وعرَّفه آخرون بأنه «عقد وضع لرفع المنازعة»[*]، أو هو «معاقدة يتوصل بها إلى الإصلاح بين المختلفين»[*]. والمفهوم من هذه التعاريف أن الصلح لا بد أن يسبقه قيام نزاع بين المتخاصمين. وأنه لا يصح إذا وقع دون سبق التخاصم، مع أن كثيراً من الفقهاء قال: بجوازه وصحته ابتداءً دفعاً لتخاصم محتمَل. ويدل على ذلك قوله تعالى: {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} [النِّسَاء: 128].
وغير بعيد أن يكون هذا التعريف مبنياً على الغالب. فإن أكثر ما يكون الصلح بعد الخصومة والمنازعة، لأن الحكمة من تشريع الصلح هي فض النزاع، وإعطاء الحق كله أو بعضه لصاحبه.
أما مقومات العقد، أو أركانه، فهي عند المذاهب كالآتي:
- قال الشيعة الإمامية: يتقوَّم الصلح بالصيغة، والمتصالحين، والعوَض الذي اصطلحا عليه، والشيء المُصالح عنه، وهو الذي اختلفا فيه، أو خيف حدوث الاختلاف من أجله.
- وقال الأئمة الأربعة: للصلح أربعة أركان: المتصالحان وهما العاقدان، والصيغة من الإيجاب والقبول، ومصطلح عنه أو محل النزاع، ومصطلح عليه أو بدل الصلح.
مشروعية الصلح:
ذكر الفقهاء أدلة كثيرة على شرعية الصلح، منها قوله تعالى: {وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} [النِّسَاء: 128]. وقوله عزَّ وجلَّ: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} [الحُجرَات: 9]. وقوله سبحانه وتعالى:{ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً} [البَقَرَة: 208].

وقول الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلّم): «الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً أحل حراماً، أو حرم حلالاً»[*].
وقول الإمام الصادق (عليه السلام): «لأَنْ أُصلح بين اثنين أحبّ إليّ من أن أتصدق بدينارين»[*].. وقال للقائم على غلته: «إذا رأيت منازعة بين اثنين فافتدها من مالي»[*].
والحق أن شرعية الصلح لا تحتاج إلى دليل، لأنها من ضرورات الدين التي يُستدل بها، ولا يُستدل لها، لأن الخير والصلاح لا يحتاجان إلى دليل على شرعيتهما ورجحانهما.
طبيعة عقد الصلح: تساءل الفقهاء عن عقد الصلح: هل هو عقد مستقل بنفسه، أم أنه فرع من عقد آخر؟
- قال الشيعة الإمامية: إن الصلح عقد قائم بنفسه، ومنفرد في حكمه، وغير تابع لغيره، لأن الأصل في كل عقد الاستقلال، وعدم التبعية، حتى ولو أفاد في بعض الحالات معنى عقد آخر. ومثل هذا الالتقاء في المعنى لا يستدعي أن يكون فرعاً عمَّا التقى معه بجهةٍ من الجهات..
ثم إن للصلح خصائص كثيرة، يلتقي في بعضها مع بعض العقود، ويفترق عنها جميعاً في أنه صالح لنقل الأعيان والمنافع، وإبراء الذمة، وقطع المنازعات، وأنه يجوز مع العلم والجهل، ومع الإقرار والإنكار كما سيأتي بيانه.
- وقال بعض أئمة المذاهب[*]: إن عقد الصلح غير قائم بنفسه، وإنما هو فرع من غيره، ويعتبر بالشيء الذي يقع عليه، فيكون بيعاً إذا وقع على مبادلة مالٍ بمال، بل هو بيع بلفظ الصلح، ويسمى صلح معاوضة. ويكون هبة إذا تضمن ملك العين بلا عوض، كأنْ يدّعي أحدُهما عيناً في يد الآخر ويصالح على بعضها، فيكون الباقي هبة. ويكون إجارة إذا وقع على منفعة بعوض كسكنى في دار معيَّنة، أو أداء خدمة في مدة محددة. ويكون عارية إذا كانت المنفعة بلا عوض، كما لو جرى الصلح على منفعة العين التي يدّعي إعادتها، سواء أكانت إعارة مؤقتة أم مطلقة. ويكون إبراءً إذا جرى الصلح بإسقاط دين أو جزءٍ من دين.
أنواع الصلح:
اتفق الأئمة جميعاً على أن الصلح أنواع[*]: صلح بين المسلمين وأهل الحرب، وصلح بين أهل العدل وأهل البغي، وصلح بين الزوجين إذا خيف الشقاق بينهما. قال الله تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} [الحُجرَات: 9]، وقال عزَّ وجلَّ: {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} [النِّسَاء: 128].
والصلح بين المتخاصمين في الأموال نوعان: صلح على إقرار وصلح على إنكار. وهذه آراء المذاهب في هذين النوعين منه:
- قال الشيعة الإمامية: يصح الصلح مع الإقرار والإنكار، كما عليه الإجماع لدى الفقهاء، مضافاً إليه عموم أدلة الصلح، كقوله تعالى: {وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} [النِّسَاء: 128]، وما إلى ذلك من عموم الأدلة[*]...
ولكن الفقهاء فرَّعوا على ذلك: أنَّ المدَّعى عليه إذا قال للمدعي: «صالحني»، لم يكن هذا إقراراً منه، لأن الصلح يجتمع مع الإنكار... وأن المدعى عليه إذا أقر بالحق المدعَى به يجوز الصلح عليه بقيمته، وبأقل منها أو أكثر، وبالتساوي، ما دام التراضي متحققاً من الطرفين. وهذا ما يطبق في الإقرار لأحد الشريكين: فلو كانت عين في يد شخص، وادَّعاها اثنان بسبب موجب للشركة بينهما، كما لو قالاً: «هي إرث من أبينا»، فصدق صاحب اليد أحدهما بمقدار حقه دون الآخر، فيكون هذا المقدار الذي أقرَّ به لأحدهما شركة بين الاثنين، ولا يختص بالمقَرّ له وحده، لاتحاد السبب، وهو الشركة التي تنطبق على الكل والبعض.
فإذا أجريَ الصلح بين من كانت العين في يده، وبين المقَرّ له على النصف، وأخذ هذا العوض، فإن أجاز الصلح شريكه الثاني شاركه بالعوض، وإن لم يجز صح الصلح في الربع خاصة، وبطل في الربع الذي هو حصة الشريك، لأن الصلح على مال الغير لا يجوز إلا بإذنه.
وما دام الصلح لتفادي التنازع المحتمل، فلا يقع الصلح مع الإقرار بالحق، لأن المقِرّ إن أدَّاهُ كاملاً يكون هذا وفاءً منه، وإن زاد عليه تكون الزيادة هبة، وإن تنازل المقرّ له عن كلِّ حقِّه أو بعضه كان هذا إبراءً... ومهما يكن فالنتيجة واحدة، وهي الصحة والجواز عند الجميع، ولا اختلاف إلاَّ بالتسمية. وهذا ما سوف يتبين بصورة أوضح فيما بعد وإذا وقع الصلح بعد الإنكار فإن كان المدعي مبطلاً في دعواه، وعالماً بكذبه فيها، وإنما صالحه المدعى عليه اتقاءً للخصومة، وافتداء للدعوى الكاذبة.. إن كان كذلك يصح الصلح ظاهراً، ويبطل واقعاً، أي يحرم على المدعي الكاذب أخذ المال الذي وقع الصلح عليه، لأنه أكلٌ للمال بالباطل، مع العلم بأن كُلًّا من المصطلحين ملزم قضاءً بعقد الصلح.
وإذا أسند المدعي دعواه إلى شبهة أو قرينة يخرج بها عن الكذب يصح الصلح ظاهراً وواقعاً. مثال ذلك. أن يرى إنسان بخطِّ مورثه أن له مالاً على فلان، فيقيم الوارث الدعوى عليه بناء على ذلك، وتتجه اليمين على المدعى عليه، فإذا صالح هذا الوارثَ على إسقاط الدعوى بمال فيأخذه حلالاً، لأن للمدّعى عليه سبيلاً للتخلص من الصلح، وعدم دفع المال، بحلف اليمين، ومع ذلك اختار الصلح عن رضا وطيب نفس.
وإن كان المدعي مُحقاً في دعواه، وأنكرها المدعى عليه، كي يرضى المحق ببعض حقه، ورضي هذا بالبعض خوفاً من فوات الكل، أو دفعاً للخصومة والشقاق، يصح الصلح ظاهراً ويبطل واقعاً، ويحرم على المدعى عليه أكل ما تبقى من الحق، لأنه أكلٌ للمال بالباطل. قال الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): «إذا كان للرجل على الرجل دين فماطله، حتى مات، ثم صالح ورثته على شيء فالذي أخذه الورثة لهم، وما بقي فهو للميت يستوفيه منه في الآخرة، فإن لم يصالحه على شيء حتى مات، ولم يُقض عنه فهو كله للميت يأخذه به»[*].
وسئل حفيده الإمام علي الرضا (عليه السلام) عن رجل أودع عنده غير مسلم أربعة آلاف درهم فهلك، أيجوز للرجل أن يصالح ورثته، ولا يعلمهم كم كان؟ فقال الإمام: «لا يجوز، حتى يخبرهم»[*].
وبالإيجاز: إن الصلح يصح ظاهراً، ويقطع النزاع، ولا يجوز لأحد الطرفين مطالبة الآخر بشيء. ولكنه لا يغير الواقع عما هو عليه فعلى من يعلم بشغل ذمته للمُصالحِ الآخر أن يدفع له الحق كاملاً، كما أنَّ من أخذ بالصلح شيئاً لا حق له فيه يجب عليه إرجاعه إلى صاحبه، فالمعيار لصحة الصلح واقعاً هو وصول الحق إلى أهله، لا مجرد صيغة الصلح.
- وقال الأئمة الأربعة: الصلح في الأموال، بين المدعي والمدعى عليه يقسم إلى ثلاثة أنواع:
1 - صلح مع إقرار المدعى عليه:
وهذا الصلح يقسم بدوره إلى نوعين[*]:
النوع الأول: صلح على جنس الحق، مثل أن يقر له بدينٍ فيضع عنه بعضه، أو بعينٍ فيهب له بعضها، ويأخذ الباقي فيصح إن لم يكن بشرط، مثل أن يقول: على أن تعطيني الباقي، أو يمنعه حقه بدونه.
النوع الثاني: صلح على غير جنس الحق، وهو معاوضة، وذلك مثل أن يعترف له بعينٍ في يده، أو دين في ذمته، ثم يعوضه عن ذلك بما يجوز تعويضه به. وهو ثلاثة أقسام: معاوضة وإبراء وهبة كما سوف يأتي.
ويتفرع على ما تقدم مسائل كثيرة منها:
- لو صالح عن الحق بأكثر منه من جنسه، مثل أن يصالح عن دية الخطأ أو قيمة متلف بأكثر منها من جنسها، لا يصح كما قال الإمام الشافعي (رضي الله عنه).
وقال الإمام أبو حنيفة: يجوز لأنه يأخذ عوضاً عن المتلف فجاز أن يأخذ أكثر من قيمته، كما لو باعه بذلك العوض.
- لو صلح على المائة الثابتة بالإتلاف بمائة مؤجلة لم تصر مؤجلة كما قال الشافعي، بينما قال أبو حنيفة وأحمد تصير جائزة. وقال المالكية: الصلح عليها غير جائز.
- لو صالح عن بيت على أن يسكنه فيه، أو يبني له فوقه غرفة لم يصح.
- لو قال له: أقِرَّ لي بديني وأعطيك منه مائة، فإن أقرَّ صح الإقرار ولم يصح الصلح.
- وإن صالح امرأة لتقر له بالزوجية لم يصح.
- وإن صالح عما في الذمة بشيء في الذمة لم يجز التفرق قبل القبض لأنه بيع دين بدين، وقد نهى عنه الشارع.
2 - صلح مع إنكار المدعى عليه:
وهو أن يكون للمدعي حق لا يعلمه المدعى عليه فيصطلحان على بعضه. قال أبو حنيفة ومالك وأحمد: هو جائز وشرط جوازه أن يعتقد المدعي أن دعواه حق، وأن يعتقد المدعى عليه أنه لا حق عليه، ولكنه يدفع بعضه أو شيئاً منه إلى المدعي قطعاً للخصومة[*].
وقال الشافعي: لا يصح لأنه عاوض على ما لم يثبت له فلم تصح المعاوضة كما لو باع مال غيره، ولأنه عقد معاوضة خلا عن العوض في أحد جانبيه فبطل، كالصلح على حد القذف. ودليل الشافعية أن المدعي إن كان كاذباً، فقد أخذ من المدعى عليه ماله وهو حرام عليه، وإن كان صادقاً في دعواه، فقد عاوض على ما لم يثبت له فلم تصح المعاوضة، كما لو باع مال غيره.
وأما المدعى عليه فإنه يدفع ما ادَّعاه المدعي درءاً للخصومة ودفعاً للضرر الذي قد يتعرض له من المخاصمة وحضور المحاكم. وهذا ما يقره الشرع إذ يبذل المال لدفع الشرّ عنه، لا سيما وأن الشرع لا يمنع المدعي من أخذ المبذول عوضاً عن حقه الثابت له، سواء أكان هذا المبذول من جنس أم من غير جنسه، وسواء أكان بقدر حقه، أم دونه.
3 - الصلح مع سكوت المدعى عليه:
إذا سكت المدعى عليه دون أن يقر أو ينكر، ثم صالح على المال المدعى به، جاز هذا الصلح عند الحنفية والمالكية والحنبلية، ولم يجز عند الشافعية لأنهم يعدّون الساكت منكراً، فيعامل معاملة المنكر.
حكم الصلح مع الإقرار[*]:
من اعترف بحق وامتنع عن أدائه حتى صولح على بعضه فالصلح باطل، لأنه هضم للحق، إذ يكون قد صالح على بعض ماله ببعض، وهذا محال سواء كان بلفظ الصلح، أو بلفظ الإبراء، أو بلفظ الهبة المقرون بشرط.
هذا وقد تقدم أن بعض الفقهاء اعتبر الاعتراف بشيء وقضاءه من جنسه يعد وفاء، وإن كان من غير جنسه فيعد معاوضة، وإن أبرأه من بعضه واستوفى البعض الآخر فهو إبراء، وإن وهب له بعض العين وأخذ باقيها فهي هبة، وليس ذلك عندهم صلحاً.. بينما الإمام الشافعي وبعض فقهاء الحنبلية سموه صلحاً. وقلنا إن خلافهم هو في التسمية فقط، أما المعنى فمتفق عليه وهو يقوم على وفاء الحق وإسقاطه على وجه يصح. وذلك ثلاثة أقسام: معاوضة وإبراء وهبة[*].
القسم الأول: المعاوضة، وتكون عندما يعترف له بعين في يده أو دين في ذمته، ثم يتفقان على تعويضه عن ذلك بما يجوز تعويضه وهو ثلاثة أنواع:
أحدها: أن يعترف له بأحد النقدين فيصالحه الآخر على ما اعترف ولو بنقد آخر. ومثاله أن يعترف له بمائة درهم فيصالحه عنها بعشرة دنانير. وهذا صرف يقتضي له توفر شروط الصرف من التقابض في المجلس ونحوه...
ثانيها: أن يعترف له بعروض فيصالحه على أثمان، أو أن يعترف له بأثمان فيصالحه على عروض، فهذا بيع تثبت فيه أحكام البيع. وإن اعترف له بدين فصالحه على موصوف في الذمة لم يجز التفرق قبل القبض لأنه بيع دين بدينٍ.
ثالثها: أن يصالحه على سكنى دار، أو على أن يعمل له عملاً معلوماً فيكون ذلك إجارة لها حكم سائر الإجارات. وإذا تلفت الدار قبل استيفاء شيء من المنفعة انفسخت الإجارة ورجع بما صالح عنه، وإن تلفت بعد استيفاء شيء من المنفعة انفسخت بما بقي من المدة ورجع بمقدار ما بقي.
القسم الثاني: الإبراء، وهو أن يعترف له بدين في ذمته، فيقول له: قد أبرأتك من نصفه فأعطني ما تبقى، فيصح إذا كانت البراءة مطلقة من غير شرط. فقد جاء في الأثر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) طلب من المدين أن يضع شطراً من دينه، فقال له: سمعاً وطاعة يا رسول الله. فقال له (صلى الله عليه وآله وسلّم): «قم فأعطه»..
القسم الثالث: الهبة وهو أن يكون له في يده عين فيقول: قد وهبتك نصفها فأعطني بقيتها فيصح ويعتبر له شروط الهبة. أما إذا جعل الهبة مشروطة فلا يصح على مذهب الشافعية، لأنه إذا شرط في الهبة الوفاء جعل الهبة عوضاً عن الوفاء به فكأنه عاوض بعض حقه ببعض، وإن أبرأه من بعض الدين أو وهب له بعض الدين بلفظ الصلح لم يصح على قول بعض أصحاب الإمام الشافعي. وقال أكثرهم: يجوز الصلح عليه.
الصلح عن المجهول:
- قال الشيعة الإمامية: لا يشترط العلم بما تنازعا فيه واصطلحا عنه، ديناً كان أو عيناً، أمكن العلم به أو تعذَّر. فقد سئل الإمام الباقر (عليه السلام) في رجلين كان لكل منهما طعام عند صاحبه، ولا يدري كلُّ واحدٍ منهما كم له صاحبه، فقال كل واحدٍ منهما لصاحبه: لك ما عندك، ولي ما عندي؟ قال (عليه السلام): «لا بأس بذلك إذا تراضيا، وطابت به أنفسهما»[*].
وهناك سؤال وهو أن الجهل يستلزم الغرر، والغرر يبطل المعاملة، أفلا ينبغي بطلان الصلح إذا جهل بالمصالح عنه؟ أجاب بعض فقهاء الإمامية على هذا التساؤل بأن دليل جواز الصلح مع الجهل هو الإجماع. ثم إن قول الإمام الصادق (عليه السلام): «لا بأس إذا تراضيا بذلك وطابت به أنفسهما» إنما يشمل حالة الجهل، مع إمكان العلم أو عدمه، وعليه تكون أدلة النهي عن الغرر - في حال ثبوتها - مختصة بغير الصلح..
أجل، لا يشترط العلم بالمصالح عنه، لأن الصلح مبني على التساهل والتسامح، وتنازل صاحب الحق عن بعضه. فكما لا يشترط في الإسقاط والإبراء أن يكون الحق معلوماً، فكذلك الأمر في الصلح.
هذا، وإن الصلح لو لم يجز مع الجهل بالمصالح عنه لامتنعت أكثر فوائده[*].
- وقال الحنفية والحنبلية: يصح الصلح عن المجهول، سواء كان عيناً أم ديناً، إذا كان مما لا سبيل إلى معرفته. وقد نقل عن الإمام أحمد أنه إذا اختلط قفير حنطة بقفير شعير وطحنا، فإن عرف قيمة دقيق كل منهما، بيع وأعطي كل واحد منهما قيمة ماله، إلاَّ أن يصطلحا على شيء ويتحالاّ ..
وعلى هذا فإنه يجوز للرجلين أن يتصالحا على ما كان بينهما من المعاملة والحساب الذي قد مضى عليه زمن طويل، ولا يعلم كل واحد منهما بما عليه لصاحبه.
وقد روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) أنه قال في رجلين اختصما في مواريث درست: «إسْتَهِما، وتوخيا، وليحلل أحدكما صاحبه»[*]. وهذا صلح على المجهول، ولأنه إسقاط حق فصح في المجهول كالعتاق والطلاق، ولأنه إذا صح الصلح مع العلم، وإمكان أداء الحق بعينه، فصحته مع الجهل أولى. ولو لم يجز الصلح لأفضى ذلك إلى ضياع المال على تقدير أن يكون بينهما مال، ولا يعرف كل منهما قدر حقه فيه. وهذا الصلح ليس بيعاً، ولا فرع بيع وإنما هو إبراء.
- وقال المالكية: لا يجوز الصلح في الدين إن كان مجهولاً، بل يجب أن يعرف المدعي مقدار ما يصالح عنه.
- وقال الشافعي: لا يصح الصلح على مجهول، لأنه فرع البيع، ولا يصح البيع على مجهول.
شروط الصلح:
- قال الشيعة الإمامية: يشترط في الصلح:
1 - العقد، وهو من مقوماته. وينعقد بتوافق الإيجاب والقبول. ويصح بكل ما يدل على التراضي، ولا يعتبر فيه لفظ خاص. والإيجاب والقبول يصحّان من كل من المصطلحين..
ولكن الأفضل أن يكون الموجب هو المدعي، والقابل هو المدعى عليه.
2 - أن يكون كل من المصطلحين أهلاً للتصرف في الحق الذي يقع عليه الصلح من العقل والبلوغ والرشد.
3 - أن يكون محل الصلح، أي المصالح عنه وعليه موجوداً، ومشروعاً لا يحلل حراماً، ولا يحرم حلالاً.
هذا وقد اتفق فقهاء الإمامية على أن عقد الصلح لازم من الجانبين، فلا يجوز لأحدهما العدول عنه إلا برضا الآخر.. كما اتفقوا على أن خيار المجلس لا يثبت في الصلح، لأن الأثر: «البيّعان بالخيار ما لم يتفرقا» مختص بالبيع. واختلفوا فيما عداه من الخيارات. فقال بعضهم: «يثبت في الصلح خيار الرؤية والعيب، وخيار التأخير، وما يفسد ليومه لمكان الضرر، فكان المدار على الضرر.. وحيث يجوز الفسخ للعيب فلا أرش». وقال بعضهم الآخر: «كل خيار يثبت في البيع فإنه يثبت في الصلح إذا كان دليله قاعدة نفي الضرر، أو غيرها مما يصلح لتناول الصلح كخيار الغبن، وتخلف الوصف، وعدم الوفاء بالشرط، واشتراط الخيار، ونحو ذلك، بخلاف ما اختص دليله بالبيع، كخيار المجلس، وخيار الحيوان.. ولو ظهر في العين عيب يجبر بالفسخ».
وعلى هذا فإن وقع الصلح على معاوضة دخله خيار الشرط، وإن وقع على إسقاط الدعوى قبل ثبوتها لم يثبت فيه خيار. فلا يكون هنالك فرق في خيار الشرط بين وقوع الصلح على معاوضة، وبين وقوعه على إسقاط الدعوى. إذ لا مانع من أن يقول له: صالحتك بألف على ما أَدعيه عليك مما لمورثي في ذمتك شريطة أن لا يتبين أنه أكثر من ذلك.. بل لو لم يشترط ذلك، ثم تبين الغبن الفاحش يثبت له الخيار، لوقوع الضرر.
وعند الأئمة الأربعة للصلح أركان وشروط، يمكن إيجازها على النحو التالي:
- قال الحنفية: إن ركن الصلح هو الإيجاب والقبول، فإذا قال أحدهما: صالحتك على كذا، وقال الآخر: قبلت أو رضيت (أو ما يدل على القبول والرضا) تم عقد الصلح.
- وقال المالكية والشافعية والحنبلية: إن أركان الصلح أربعة: عاقدان (متصالحان) وصيغة (إيجاب وقبول) ومصطلح عنه (محل الصلح) ومصطلح عليه (بدل الصلح).
أما الشروط فمنها ما يتعلق بالمصالح، ومنها ما يتعلق بالمصالح عليه، ومنها ما يتعلق بالمصالح عنه.
شروط المصالح[*]:
- يشترط في المصالح أن يكون عاقلاً فلا يشترط البلوغ. ولا ينعقد صلح المجنون، ولا الصبي إلا إذا أذن له وليُّه، وكانت له منفعة ظاهرة، وليس عليه ضرر ظاهر، سواء كان ولي الصبي في حالة الضرر الظاهر، مدعياً أم مدعى عليه، لأنه إن كان للمدعي بينة جاز الصلح، وإن لم تكن للمدعي بينة لم يجز، إذ يقع عندها تبرعاً بمال الصبي مما يفضي إلى الضرر به.
- ويشترط في المصالح عن الصغير أن يملك التصرف في ماله كالأب والجد والوصي.
- وألاَّ يكون المصالح مرتدّاً أو مرتدَّة كما قال أبو حنيفة. في حين أن صاحبيه (محمد وأبا يوسف) أجازا شرط المرتدّ، لأن تصرفاته عندهما نافذة.
شروط المصالح عليه:
يشترط في بدل الصلح الذي يتم التعاقد عليه ما يلي:
1 - أن يكون مالاً[*]، فلا يصح الصلح على الخمر والميسر والصيد المحرَّم... وما إلى ذلك مما لا يعتبر مالاً للمسلم، لأن في الصلح معنى المعاوضة، فما لا يصلح عوضاً في البيوع لا يصلح بدلاً للصلح. والمال المصالح عليه يمكن أن يكون عيناً أو ديناً أو منفعة أي كل ما تقع عليه المعاوضات.
2 - أن يكون المال متقوماً، فلا يصح صلح المسلم على مالٍ غير متقوم كالخمر والخنزير ونحو ذلك مما ليس مالاً متقوماً للمسلم[*].
3 - أن يكون المال مملوكاً للمصالح، فلا ينعقد الصلح على ما ليس مملوكاً له[*].
شروط المصالح عنه:
يشترط في محل عقد الصلح ما يلي:
1 - أن يكون حقّاً للإنسان سواء كان هذا الحق مالاً (عيناً أو ديناً)، أو حقّاً ليس بمال (كالقصاص والتعزير). ومثال الحق غير المالي أن يمسك بالسارق، ويريد جرَّه إلى القاضي لمحاكمته، فيغريه ويصالحه على مبلغ من المال على أن يتركه. ويقع هذا الصلح باطلاً، لأنه يتعلق بحقٍّ من حقوق الله تعالى، وليس حقّاً للإنسان، كما أنه يقع صلحاً على تحليل حرام، مما يخالف الدين والشرع. وكذلك لو أغوى شخصاً كي لا يشهد ضده في المحكمة، أو أن يسكت فلا يشهد بالحق، لقاء مبلغ من المال يصالحه عليه، فيقع هذا الصلح باطلاً لحرمته أصلاً.
وقد اتفق الأئمة الأربعة على أن الصلح جائز عن التعزير، وعن القصاص في النفس، أو في جزء من الجسم، لأن التعزير والقصاص من حقوق الإنسان. ويكون بدل الصلح فيهما عيناً أو ديناً، مع شرط قبض المال في المجلس حتى لا يفترقا بلا قبض، فيكون افتراقاً عن دين بدين[*] الذي هو غير جائز.
ويجوز أن يكون بدل الصلح عن القصاص قدر الدِّية، أو أكثر أو أقل، لقول الله تعالى: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} [البَقَرَة: 178].
أما بدل الصلح في القتل الخطأ وشبه العمد فلا يصح على أكثر من الدية أو الأرش، لأنهما مقدران شرعاً بمقدار معلوم فلا تجوز الزيادة عليه، وإلاَّ كانت الزيادة رباً، وهو حرام.
2 - أن يكون المصالح عنه حقّاً للمُصالح، فإذا لم يكن حقاً له بطل الصلح[*].
الصلح القهري:
ذكر الفقهاء في باب الصلح مسائل عن تزاحم الحقوق المتنازع فيها، ولا يمكن الجمع بينها كاملة، ولا يحسم التنازع إلا بتنازل أحد الطرفين عن تمام حقه، أو تنازل كل منهما عن جزء منه، ومع ذلك أصر المتنازعان على عدم التنازل عن شيء، وعندئذٍ يتولى الحاكم عملية القسمة بينهما قهراً بالعدل والإنصاف جمعاً بين الحقين، حتى كأن المتخاصمين قد اصطلحا على ذلك مختارين. والفقهاء يسمون هذه القسمة الجبرية بالصلح القهري. ونعرض فيما يلي طرفاً من مسائلها، كما جاءت في بعض كتب فقه الإمامية، وفي كتابي المغني والشرح الكبير (وقد جمعا في طبعة واحدة صدرت في بيروت عام 1392هـ). ومن تلك المسائل:
مسألة الدرهمين:
اثنان معهما درهمان، فقال أحدهما لصاحبه: هما لي وليس لك فيهما شيء. وقال الآخر: هما بيني وبينك، لك درهم ولي درهم. ولم يصطلحا على شيء. ورفعا الأمر إلى الحاكم. فعلى الحاكم أن يعطي درهماً ونصف الدرهم لمدَّعيهما معاً، ونصف درهم لمن يدعي أحدهما، استناداً إلى الإمام الصادق (عليه السلام) سئل عن قوله في رجلين كان معهما درهمان، فقال أحدهما: الدرهمان لي، وقال الآخر هما بيني وبينك.. فقال: «أما الذي قال: هما بيني وبينك فقد أقر بأن أحد الدرهمين ليس له، وأنه لصاحبه، ويُقسم الآخر بينهما»[*].
ووجه العدل والإنصاف في هذه القسمة أنه لا سبيل إلى غيرها إذ لو أعطينا كلاًّ منهما درهماً لعملنا يقول من يدَّعي المناصفة، وأهملنا قول مدعيهما معاً، ولو لم نعطِ مدَّعي المناصفة شيئاً لعملنا بقول مدّعيهما دون قول الآخر، وكلاهما ترجيح بلا مرجِّح.. فلم يبق إلا أن يختص مدَّعيهما معاً بدرهم، لاعتراف صاحبه بأنه لا حق له فيه، وإنما التنازع بينهما في درهم واحد، وكل منهما يدَّعيه لنفسه دون الآخر، فيقسم بينهما بالسوية، وتكون النتيجة أن يأخذ مدَّعي الدرهمين درهماً ونصفاً، ومدَّعي المناصفة نصف درهم.
وتجدر الإشارة إلى أن الحاكم إنما يجري هذه القسمة مع عدم البينة لأحد المتنازعين، وبعد أن يحلف مدَّعي الدرهمين أن صاحبه لا يستحق فيهما شيئاً، ويحلف أيضاً مدعي المناصفة أن الآخر لا يستحق الدرهمين.. أما إذا وجدت البيِّنة لأحدهما دون الآخر فيتعيَّن العمل بها، وإذا حلف أحدهما،ونكل الآخر، أُخذ بقوله.. وتجري القسمة التي ذكرناها إذا أقام كل منهما بيِّنة، ولا رجحان لإحداهما عن الآخرى، أو حلفا معاً، أو نكلا معاً.
ولا يختص هذا الحكم في الدرهمين فقط، بل يجري كذلك في كل عين ادعى أحد المتخاصمين أنها له وحده، وادَّعى الآخر أنها مناصفة، مع إثبات يد الاثنين على العين.
الروشن:
الروشن ما يخرج من وجه الحائط ويشبه الرف، ويسمى الشُّرفة. ويجوز لصاحب الدار أن يخرج روشناً أو ميزاباً فوق الطريق العامة النافذة التي يُخرَج منها إلى غيرها، ولا يحق لأحد معارضته، جاراً كان أو غير جار، شريطة أن لا يضر بأحد من المارة لأن هواء الطريق ليس ملكاً لمعيَّن والكل فيه سواء. وليس للجار أن يحتج بأن صاحب الدار يشرف عليه من الروشن، لأن الإشراف غير محرم، إنما المحرم هو التطلع، ولو مع عدم الإشراف..
وقال جماعة من الفقهاء: إذا كانت الطريق مقطوعة، أي لا يخرج المار منها إلى غيرها، فلا يجوز لأحد إخراج الروشن فيها إلا بإذن سكان هذه الطريق جميعاً. وإذا لم يأذنوا، أو أذن البعض دون البعض، فلا يجوز أن يُخرج شيئاً فوق الطريق لأنها ملك للجميع.
وقال أبو حنيفة: يجوز من ذلك ما لا ضرر فيه، وإن عارضه رجل من المسلمين وجب قلعه (هدمه).
وقال مالك والشافعي والأوزاعي، ومحمد وأبو يوسف وغيرهم: يجوز ذلك إذا لم يضر بالمارة. ولا يملك أحد منعه لأنه ارتفق بما لم يتعيَّن ملك أحد فيه من غير مضرة، فكان جائزاً كالمشي في الطريق والجلوس فيها.
مسألة أغصان الشجرة وعروقها:
رجل غرس شجرة في أرضه، فامتدت عروقها أو أغصانها إلى ملك الجار، فعلى صاحب الشجرة تفريغ ملك الغير مما امتدَّ إليه بكل سبيل. وإن امتنع صاحب الشجرة فللجار أن يتولَّى ذلك بنفسه على أن يعطف الأغصان إن أمكن، وإلا قطعها، ولا يتوقف ذلك على إذاً الحاكم الشرعي، لأن سبيل هذا الحكم سبيل دابة دخلت في دار الغير أو زرعه فإن له إخراجها دون مراجعة الحاكم[*]..
وهذا مذهب الإمام الشافعي (رضي الله عنه) أيضاً.
أما إذا صالحه على إبقاء الأغصان (أو العروق) بعوض معلوم، فقد أجاز بعض الحنبلية ذلك نظراً للحاجة إلى الصلح لكون ذلك يكثر في الأملاك المتجاورة، والقطع إتلاف وضرر.
مسألة عمارة المشترك وفتح الباب في الحائط المشترك:
إذا كان حائط أو بيت أو عين ماء شركة بين اثنين أو أكثر، وأصاب الشيء المشترك خلل، وأراد بعض الشركاء عمارته وإصلاحه، وامتنع الآخر، فهل يجبر الممتنع، أو لا؟
للفقهاء في ذلك أقوال. والذي نراه أن ينظر: فإن كان الشيء المشترك قابلاً للقسمة كان للشريك طلب الإفراز وانتهاء الشركة بالقسمة، وإن لم قابلاً للقسمة رفع الشريك الأمر إلى الحاكم باعتباره ولي الممتنع. والحاكم ينظر بدوره في الأمر فإن رأى أن طالب التعمير والإصلاح يتضرر من تركه أمر شريكه الآخر بالإذن له، فإن امتنع أذن له الحاكم لحديث «لا ضرر ولا ضرار»، وإن لم يتضرر من ترك التعمير فيمتنع التصرف فيه من غير إذاً الشريك[*].
ولا يجوز فتح طاقة أو باب في الحائط المشترك إلا بإذن الشريك، كما لا يجوز أن يزرع فيه وتداً ولا يستره ولا يتصرف فيه أي تصرف يضر بالشريك. وكذلك الأمر في حائط جاره بطريق أولى. وإن صالحه على شيء من ذلك بعوض جاز.
مسألة التنازع على السقف:
كالدار المؤلفة من طابقين: أرضي لشخص، وعلوي لشخص آخر، فادّعيا سقف الأرضي الذي هو أرض للعلوي فمن يكون المالك له؟
- قال الشافعي: إن تنازعا السقف تحالفا وكان بينهما. وقال أبو حنيفة: هو لصاحب السفلي لأن السقف على ملكه فكان القول قوله. أما مالك فقد نقل عنه روايتان: إحداهما تقول بأنه لصاحب العلوي، والأخرى تقول إنه لصاحب السفلي.
وقال بعض فقهاء الإمامية: الأقوى الاشتراك بينهما.. فإن كان لأحدهما بينة دون الآخر فهو له، وإلا فإن حلفا معاً، أو نكلا معاً قسم بينهما، وإن حلف أحدهما، ونكل الآخر فهو للحالف.
الصلح مع أجنبي:
إذا ادَّعى رجل على آخر بدَين أو عين، فإن لصاحب الدعوى أن يصالح عنها أجنبيّاً ثالثاً ليس طرفاً في الدعوى كليةً. وتكون النتيجة لهذا الصلح أن يقول الأجنبي للمدعى عليه: إن الحق الذي عليك لفلان صار مستحقاً لي بالصلح. وله أن يقيم البيِّنة على ثبوت هذا الحق، ويطلب اليمين من المدعى عليه إن أنكر. ولا فرق في ذلك بين اعتراف المدعى عليه بالحق قبل الصلح أو عدم اعترافه، ولا بين أن يكون الأجنبي المصالح عالماً ثبوت الحق في ذمة المدعى عليه، أو لا.
وعلى هذا فإن صالح عن المنكر أجنبي صح، سواء اعترف للمدعي بصحة دعواه أم لم يعترف، وسواء كان بإذنه أم بغير إذنه.
ولا يخلو الصلح من أن يكون على دين أو عين. فإن كان على دين صح، سواء كان بإذن المنكر أم بغير إذنه، لأن قضاء الدين عن غيره جائز بإذن وبغير إذن. فإن عليّاً (عليه السلام) وأبا قتادة قضيا عن الميت، فأجازه النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم). وإن كان الصلح عن عين بإذن المنكر فهو كالصلح منه، لأن الوكيل يقوم مقام الموكل. وإن كان بغير إذنه فهو افتداء للمنكر من الخصومة، وإبراء له من الدعوى، وذلك جائز.
وإن صالح الأجنبيُّ المدعيَ لنفسه لتكون المطالبة له، فإن لم يعترف للمدعي بصحة دعواه كان الصلح باطلاً، لأنه يشتري منه ما لم يثبت له، ولم تتوجه إليه خصومة يفتدي منها. وإن اعترف له بصحة دعواه، وكان المدعى به ديناً، لم يصح لأنه اشترى ما لا يقدر البائع على تسلمه، ولأنه بيع للدين من غير من هو في ذمته.
وإن كان المدعى به عيناً، وقال الأجنبي للمدعي: أنا أعلم أنك صادق فصالحني عنها، فإني قادر على استنقاذها من المنكر.. قال الشافعية والحنبلية: يصح، لأنه اشترى منه ملكه الذي يقدر على تسليمه. ثم إن قدر على انتزاعه استقر الصلح، وإن عجز جاز الفسخ لأنه لم يسلم له المعقود عليه، فكان له الرجوع إلى بدله.




Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB