المعاملات والبينات والعقوبات
الطبعة : الطبعة الثانية  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   1102
تاريخ النشر :   2009




الكفـارات

الكفارة لغة مشتقة من الكَفر (بالفتح) وهو الستر، فهي تستر الذنب، كما لو حنث في اليمين، فتكون الكفارة ستراً لليمين التي لم يلتزم بها الإنسان.
فالكفارة في الشرع هي جزاء الحنث بالعقد الذي كان قد التزم به الحانِث.
وتنقسم الكفارات - بالنظر إلى أسبابها - إلى عدة أنواعٍ يمكن تلخيصها وفقاً للمذاهب الإسلامية مع أدلتها على النحو التالي:
أولاً: كفارة النذر واليمين والعهد:
كفارة النذر:
النذر في اللغة: الوعد. وفي الشرع: إلزام الإنسان نفسه بفعل شيء، أو تركه لوجه الله تعالى.
قال تعالى: {إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا} [آل عِمرَان: 35]، وقال تعالى: {فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَانِ صَوْمًا} [مَريَم: 26]. وقال عزَّ وجلَّ: {تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ * نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ} [البَقَرَة: 266،270]. وقال سبحانه وتعالى: {وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ} [الحَجّ: 29]، وقال تعالى عن الأبرار: {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا *} [الإنسَان: 7].
وعن الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلّم) أنه قال : «من نذر أن يطيع الله تعالى فليُطعهُ، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصيه»[*].
- قال الشيعة الإمامية:
يشترط في صيغة النذر أن تقترن بذكر الله سبحانه وتعالى، أو بأحد أسمائه الحسنى، وأن يكون النذر خالصاً لوجهه تعالى، وأن يكون الناذر بالغاً، عاقلاً، مختاراً وقاصداً، فلا ينعقد نذر الصبي، ولا المجنون، ولا غير القاصد - كالهازل - ولا الغاصب.
ولا يصح النذر ولا ينعقد إذا تعلق بمحرَّم أو مكروه. فقد نذر رجل في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) أن يقوم فلا يقعد، ولا يستظل، ولا يتكلم، ويصوم، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم): «مُروهُ فليتكلمْ، ويستظل، ويتقعَّد، وليتم صومه»[*].
وإذا لم ينعقد النذر من الأساس فلا كفارة على الناذر. ولا ينعقد نذر الزوجة في غير فعل الواجب وترك المحرَّم، إلا بإذن الزوج، حتى لو نذرت أن تتصدَّق بأموالها. وإذا نذرت من دون إذنه فله أن يحلَّ هذا النذر لقول الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): «ليس للمرأة مع زوجها أمرٌ في عتقٍ، ولا صدقةٍ، ولا تدبيرٍ،ولا هبةٍ ولا نذرٍ في مالها إلا بإذن الزوج، إلاَّ في حجٍّ، أو زكاةٍ، أو برٍّ بوالدَيها، أو صلةِ رحمها»[*].
وإذا انعقد النذر صحيحاً، ثم خالفه الناذر وجبت الكفارة. أما إذا لم ينعقد من الأساس فلا تجب الكفارة عنه.
واختلف فقهاء الشيعة الإمامية في نوع كفارة النذر. فذهب جماعة، ومنهم السيد الحكيم في «منهاج الصالحين» إلى أنها كفارة يمين، وهي: عتق رقبة، أو إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، فإن عجز فصيام ثلاثة أيام متوالية. وذهب جماعة آخرون إلى أنها كفارة الإفطار في شهر رمضان. فقد سئل الصادق (عليه السلام): عمّن جعل لله تعالى أن لا يركب محرَّماً فركبه؟ فقال (عليه السلام): «يعتق رقبة، أو يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستين مسكيناً»[*].
كفارة اليمين:
اليمين لغة: الحلْفُ والقسَم. وشرعاً: الحلْف بالله تعالى وأسمائه الحسنى على فعل شيء، أو تركه في الحال، أو في المستقبل. أما اليمين على ما كان، أو ما حصل، فالأولى تركها مع الصدق، إلا لضرورة. وتحرم مع الكذب حُرمةً شديدةً. وتسمى هذه يميناً كاذبة أو «يميناً غموساً» لأنها تغمس صاحبها في الآثام.
قال الله تعالى: {لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ} [المَائدة: 89].
قال الشيعة الإمامية: يكون اليمين بالله تعالى وأسمائه الحسنى التي لا يشاركه فيها غيره عزَّ وجلّ. فقد قال الإمام محمد الباقر (عليه السلام): «إن لله - سبحانه وتعالى - أن يقسم من خلقه بما يشاء، وليس لخلقه أن يقسموا إلا بالله عزَّ وجلَّ».
واليمين بغير الله تعالى ليست جائزة، ولا تترتب عليها الآثار الشرعية.
أما الحالف فيجب أن تتوفَّر فيه شروط الناذر، أي أن يكون بالغاً، عاقلاً، قاصداً ومختاراً. ولا ينعقد يمين الولد إلا بإذن والده، ولا الزوجة إلا بإذن زوجها. هذا إذا لم يكن اليمين على فعل واجب، أو ترك محرَّم، وإلاَّ فإنه يصح يمين الزوجة مع نهي الزوج.
وتصح اليمين وتنعقد على فعل واجب، أو مستحب، ولا تصح على فعل محرَّمٍ أو مكروه. فقد سئل الإمام محمد الباقر (عليه السلام) عن الرجل يحلف بالأَيمان المغلظة أن لا يشتري لأهله شيئاً؟ قال: «فليشترِ لهم، وليس عليه شيء في يمينه من الحلف»[*]. واتفق فقهاء الشيعة الإمامية على عدم وجوب الكفارة إذا كان خلاف اليمين خيراً. فقد سئل الإمام الصادق (عليه السلام) عن الرجل يحلف اليمين: أن لا يأكل من حلال ثم يأكل، فيرى أن تركها أفضل؟ قال (عليه السلام): «أما سمعت قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم): إذا رأيت خيراً من يمينك فدعها»[*].
ولا تنعقد اليمين بالطلاق، ولا بعدم الزواج كلية، أو بالثانية والثالثة إلا إذا كان الترك أرجح. وإذا تبين الرجحان بعد اليمين فإنها تنحلّ، وتجوز مخالفتها. وإذا حلف قائلاً: «لم أقصد اليمين حقيقة»[*]، أخذ بقوله، لأنه من الأحكام التي تخصه وحده، ولم يتعلق بها حق الغير.
أما يمين اللغو فلا أثر لها إطلاقاً، وهي ما اعتاد الناس عليه من الحلف عند مخاطباتهم ومحاوراتهم، مثل قولهم: لا والله.. بلى والله.. من غير يمين يُقطع به مالٌ، أو يظلم به أحد. فقد قال عزّ من قائل: {لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} [البَقَرَة: 225] كما مرَّ.
أما إذا حلف يمين البراءة كقوله: هو بريء من الله - عزَّ وجلََّّ - أو من رسوله (صلى الله عليه وآله وسلّم)، أو من دين الإسلام إن فعل كذا، أو إذا كان قد فعل كذا، فلا تنعقد هذه اليمين بشيء من ذلك، ولكنها من أشد المحرمات والكبائر. وقد نهى عنها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) بشدَّةٍ كما ورد في الحديث الشريف: «من قال: هو بريء من دين الإسلام، فإن كان كاذباً فهو كما قال، وإن كان صادقاً لم يعد إلى الإسلام سالماً»[*].
وكفارة اليمين هي ما حددتها الآية 89 من سورة المائدة: إذ يخيّر الحانث بين إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم، أو عتق رقبة، فإن عجز عن الإطعام، أو لم يجد عبداً يحرّره، فعليه صيام ثلاثة أيام متوالية.
كفارة العهد:
العهد لغة: الحفظ. وفي اصطلاح الفقهاء: أن يعاهد الله تعالى على فعل شيء أو تركه.
قال تعالى: {وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا} [البَقَرَة: 177]، وهو ثناء عليهم. وقال تعالى: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ} [الأحزَاب: 23].
قال الشيعة الإمامية: يصح العهد من غير قيد، كقوله: أعاهد الله تعالى أن أفعل كذا. كما يصح معلقاً على قيد، كقوله: إن رزقت ولداً فعليَّ عهد الله تعالى أن أفعل كذا... ويصح العهد على الواجب والمستحب، والمباح المتساوي الطرفين، ولا يصح على فعل المحرَّم والمكروه.
ويعتبر في المعاهد ما يعتبر في الحالف من الشروط. وإذا رأى المُعاهد أنَّ مخالفة العهد أولى له وأجدى من الموافقة، انحلَّ العهد واتَّبع المعاهد ما هو أصلح له، ولا كفارة عليه.
وتكون كفارة العهد، كما ذهب المشهور عند فقهائهم: عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكيناً.
فيتضح مما تقدم أن الناذر، والحالف، والمعاهد، بينهم جامع مشترك: وهو إلزام نفسه بفعل شيء، أو ترك شيء. وإذا خالف، مع توفر الشروط، فعليه أن يكفِّر.
أم المذاهب الأربعة فقد بيّنت أحكام كفارة اليمين والنذر على النحو التالي[*]:
- قال الحنفية: تجب كفارة اليمين بأمور هي:
1 - أن يحنث في اليمين المنعقدة بشروطها التامة.
2 - أن يحنث بالنذر غير المعيَّن كما إذا قال: عليَّ نذر لا أفعل كذا، أو أفعله، فإذا حنث تلزمه كفارة يمين.
3 - أن يقول: عليَّ اليمين لأفعلنَّ كذا، وإن لم يذكر «بالله تعالى» فإنها تنعقد يميناً وعليه الكفارة إن حنث.
4 - أن يحرِّم على نفسه شيئاً حلالاً، كأن يقول: هذا الطعام عليَّ حرام، فإن أكله تلزمه كفارة اليمين. أما إذا قال: إن أكلت هذا الطعام فهو عليَّ حرام، فأكله، فإنه لا يلزمه شيء.
5 - إذا حلف للمستقبل تلزمه كفارة اليمين. وإما إن حلف على ماضٍ كانت يمينه «غموساً» إن تعمد الكذب، ولغواً إن لم يتعمد.
6 - إذا تبرأ من الله تعالى، أو من رسوله الكريم، أو من كتاب الله، أو آية منه أو من الكتب السماوية - والعياذ بالله عزَّ وجلَّ - فإنه تلزمه الكفارة. أما إذا قال بأنه بريء من الله - تعالى - إن فعل كذا، فإنه تلزمه الكفارة عن حلف.
7 - أن يقول: صيامي لليهود إن فعلت أو قلت كذا. فإن نوى به القربة كان يميناً، وإن نوى به الثواب، لم يكن.
ـ وقال المالكية: تجب الكفارة بأربعة أمور:
1 - النذر المبهم: وهو الذي لم يعيّن فيه المنذور، كأن يقول: لله ـ تعالى - عليَّ نذر. أو نذرٌ لله تعلى عليَّ إن فعلت كذا، أو إن لم أفعل كذا، فإنه تجب فيه الكفارة إن حنث. أما إن عيَّن المنذور كأن يقول: لله تعالى عليَّ نذر أن أصوم ثلاثة أيام إن نجح ولدي في الامتحان، فإنه يلزمه ما عيّنه باللفظ أو النية.
2 - صيغة اليمين: أن يقول: عليَّ اليمين إن فعلت كذا، فإنه تجب الكفارة عليه بالحنث في ذلك.
3 - الحلف باليمين المنعقدة على برّ: وهي الحلف بالنفي كقوله: والله لا أدخل الدار (وقد سميت يمين برٍّ لأن الحالف بها على البراءة ما لم يدخل الدار).
4 - اليمين المنعقدة على حنث: وهي الحلف بالإثبات، كقوله: والله لأفعلن كذا، كما لو قال مثلاً: «والله لأسافرنَّ»، فهو مطالب بالفعل، ويكون على حنث حتى يسافر، ما لم يقيده بوقت، فإن قيده بوقت معيَّن، بشهرٍ مثلاً، يكون يميناً منعقداً على برٍّ حتى يمضي الشهر، فإذا مضى ولم يسافر حنث، ما لم يوجد مانع شرعي أو عادي، فإن وجد مثل هذا المانع لا يكون حانثاً.
- وقال الشافعية: تلزم الكفارة:
1 - في اليمين المنعقدة بشروطها.
2 - في اليمين الغموس، وهي ما إذا حلف أن له على فلانٍ كذا، وكرر الحلف كاذباً.
3 - في النذر اللجاج كما إذا قال: عليَّ نذر كذا إن كلَّمت فلاناً، فإنه عند وجود المعلق عليه فيه أقوال ثلاثة:
الأول: أن عليه كفارة يمين.
الثاني: أنه يفعل ما سمَّى.
الثالث: أنه مخيَّر بين الكفارة وفعل ما سمَّاه، وهو الأظهر.
4 - إذا قال: إن شفى الله مريضي فعليَّ نذر، لزمته قربة من القرب ويعود تعيينها إليه، لأنه نذر تبرر، فلا تنفع فيه الكفارة بحال. ولو قال: عليَّ اليمين، كان قوله لغواً لا شيء فيه.
5 - إذا قال: إن فعلت كذا فأنا بريء من الإسلام أو من الرسول، أو من القرآن... فإنه ليس بيمين منعقدة بل هو لغو لا شيء فيه. ثم إن قصد بالحلف به إبعاد نفسه عن الفعل، أو لم يقصد شيئاً، لا يكفِّر، بل يكون آثماً، فليستغفر الله عزَّ وجلَّ، وليقل: لا إله إلا الله محمد رسولُ الله. أما أن قصد الرضا بذلك إذا فعله فإنه يكفِّر في الحال.
وقال الحنبلية: تجب كفارة اليمين بأمور وهي:
1 - إذا حنث الحالف باليمين المنعقدة بشروطها التامة.
2 - بالنذر المطلق، وهو الذي لم يعيَّن فيه المنذور. كقوله: لله عليَّ نذر، سواء قال: إن فعلت كذا أو لم يقل، وتجب فيه كفارة اليمين إذا لم ينوِ الناذر شيئاً معيَّناً، فإذا نوى لزمه.
3 - إذا حرَّم على نفسه شيئاً من الحلال غير زوجه، فعليه كفارة اليمين ولا يُحرم عليه شيء.
4 - إذا حلف قائلاً: عليَّ يمينٌ إن فعلت كذا، ولم يفعل، فإنه يكون يميناً إذا حنث.
5 - إذا حلف على ملة غير الإسلام، أو إذا استحل الزِّنا أو شرب الخمر أو ترك الصلاة أو الصيام، فإن فعل فإنه تلزمه كفارة اليمين على قول بعضهم. بينما لا كفارة عليه على قول بعضهم الآخر: لأنه فعل محرَّماً وتلزمه التوبة.
6 - إذا قال: أيمان المسلمين تلزمني إن فعلت كذا، ولم يفعل، فإنه تلزمه كفارة اليمين، ولكن بشرط أن ينوي به اليمين، فإنه نوى به الصلاة، أو الظهار، أو النذر، كان كما نواه، لأن أيمان المسلمين كناية يصح أن يراد بها اليمين بالله تعالى، والطلاق، والنذر، والظهار، والعتق.
ومن حيث شروط كفارة اليمين فإن الحكم الشرعي عند أهل السنة هو إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة. فإن لم يستطع صاحب اليمين أن يفعل واحداً من هذه الثلاثة، فإنه يصوم ثلاثة أيام، ولكن هذا الصيام لا يكون إلا في حالة العجز عن القيام بالإطعام، أو الكسوة، أو تحرير الرقبة. والحالف يكون مخيَّراً في أن يفعل أيها يشاء ما عدا الصيام فلا خيار فيه، ولا ترتيب بين واحد وآخر منها.
ثانياً: كفارة الإفطار في رمضان:
إذا تناول الصائم شيئاً من المفطرات، فقد يفعله عالماً، مختاراً، ذاكراً لصومه، أو ساهياً عنه، أو مكرهاً عليه أو جاهلاً له.
أما العلم مع التذكر فهو مفسد للصوم وموجب للإثم والقضاء والتكفير، كما يأتي بيانه.
أ - أحكام كفارة الإفطار عند الشيعة الإمامية:
في حالة السهو: كمن أكل، أو شرب، أو نحو ذلك من المفطرات، وكان ذاهلاً عن صومه فلا شيء عليه. فعن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، أنَّه سئل عن رجل نسيَ فأكل وشرب، ثم ذكر؟ قال: لا يُفطر، إنما هو شيء رزقه به الله فليُتم صومه»[*].
وفي حالة الإكراه: لذلك لا شيء على من أكره إكراهاً على تناول طعام أو شراب، دون أن يباشره بنفسه. وإذا توعد الصائمَ متوعدٌ قوي إذا لم يأكل أو لم يشرب، وخاف الضرر، فقد ذهب أكثر الفقهاء إلى صحة صومه. بينما قال صاحب العروة الوثقى، والسيد الحكيم في «المستمسك»: «إن حديث الرفع لا يصلح لإثبات الصحة، لأنه نافٍ لا مثبت».
وحديث الرفع الشريف هو قوله (صلى الله عليه وآله وسلّم): «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان ما استكرهوا عليه»[*].ولكنَّ نفي التحريم عن الأكل شيء، وصحة الصوم شيء آخر، والحديث إذاً لا يتعلق بصحة الصوم، وإنما يدل على نفي الإثم والعقاب.
وذهب جماعة آخرون من الفقهاء إلى أن المكره غير مؤاخذ ولا معاقب، وإنه لا كفارة عليه، لأن التكفير إنما يكون عن الذنب ولا ذنب على من أكره على الإفطار، فيبقى على المكره القضاء فقط دون الكفارة.
وأما في حالة الجهل: كما لو تناول الصائم شيئاً من المفطرات جاهلاً أنه مفسد للصوم فعليه القضاء والكفارة، وهو المشهور.
وخلافاً للمشهور ذهب جمع من الفقهاء، ومنهم السيد الحكيم في «المستمسك»، إلى أنه لا شيء على الجاهل. وقد استدلت هذه الجماعة من الفقهاء بأن الإمام الباقر (عليه السلام) سئل عن رجل أتى أهله في شهر رمضان، أو أتى أهله وهو مُحرِم، وهو لا يرى إلا أن ذلك حلال له؟ فقال (عليه السلام): «ليس عليه شيء»[*]. وقال أيضاً (عليه السلام): «أي رجل ركب أمراً بجهالة فلا شيء عليه»[*]. أما من فعل ذلك عن عمد فله حكمٌ آخر، إذ سئل الإمام الصادق (عليه السلام) عن رجل أتى امرأته وهو صائم وهي صائمة؟ فقال: «إن كان استكرهها فعليه كفَّارتان، وإن كانت طاوعته فعليه كفارة، وعليها كفارة. وإن كان أكرهها فعليه ضربُ خمسين سوطاً، نصف الحدّ، وإن كانت طاوعته ضُرب خمسةً وعشرين سوطاً، وضُربت خمسةً وعشرين سوطاً»[*].
وهكذا يتبين مما تقدم أن الكفارة عن الإفطار تكون إما عن الصوم المندوب أو عن الصوم الواجب. والصوم الواجب هو صوم شهر رمضان وقضاؤه، وصوم النذر، وصوم الاعتكاف، وصوم الكفارات (أي عند التكفير عن الإفطار وغيره بالصوم).
وقد ذهب فقهاء الشيعة الإمامية إلى أنه لا شيء على الصائم ندباً سواء أتناول المفطر قبل الزوال أو بعده. وحكم غير المندوب عندهم هو على النحو التالي:
كفارة رمضان:
يجب القضاء والتكفير مُخيّراً بين صيام شهرين متتابعين، أو عتق رقبة، أو إطعام ستين مسكيناً.
ويجب القضاء والتكفير معاً على من تعمد الإفطار في شهر رمضان بالأكل والشرب، والجماع.
ومن أفطر في شهر رمضان على محرَّم (كمن شرب خمراً، أو زنى أو لاط، أو أكل أو شرب من أموال الناس ظلماً وعدواناً) فعليه أن يكفِّر بالجمع بين الخصال الثلاث، أي يصوم شهرين متتابعين، ويعتق رقبةً، ويطعم ستين مسكيناً.
وقد سئل الإمام الرضا (عليه السلام): يا بن رسول االله، قد روي عن آبائك فيمن جامع في شهر رمضان، أو أفطر فيه، ثلاث كفارات، وروي عنهم أيضاً كفارة واحدة، فبأيِّ الحديثين نأخذ؟ قال (عليه السلام): «بهما جميعاً.. متى جامع الرجل حراماً، أو أفطر على حرام في شهر رمضان فعليه ثلاث كفارات: عتق رقبة، وصيام شهرين متتابعين، وإطعام ستين مسكيناً، وقضاء ذلك اليوم. وإن كان نكح حلالاً، أو أفطر على حلالٍ، فعليه كفارة واحدة، وإن كان ناسياً فلا شيء عليه»[*].
ومن الأسباب الموجبة للقضاء والكفارة في شهر رمضان الاستمناء. فلو عبث الرجل مع أهله في شهر رمضان حتى يُمني، كان عليه من الكفارة مثل ما على الذي بجامع، حيث فهم الفقهاء أن هذا العابث كان قاصداً ومريداً الاستمناء. وكذلك على من تعمد البقاء على الجنابة، في شهر رمضان، حتى يصبح، فإن كفارته: عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكيناً.
ولكل من الحامل في أشهرها الأخيرة، والمرضعة القليلة اللبن التي يضر الصوم بولدها.. لكل منهما أن تفطر، وتكفِّر بمدٍّ عن كل يوم، وأن تقضيه.
وعن الحقنة بالمائع قال بعض الفقهاء إنها توجب القضاء فقط. وقال صاحب «المدارك»: لا توجب القضاء ولا الكفارة.
أما تعمُّد القيء في رمضان، فإنه يوجب القضاء فقط، على المشهور عند الفقهاء.
كفارة صوم النذر المعيَّن:
إن نذر أن يصوم يوماً معيَّناً بالذات، لا مطلق يوم من الأيام، ثم أفطر، ولم يفِ بالنذر في ذاك اليوم، فعليه كفارة كبرى وهي صيام شهرين متتابعين، أو عتق رقبة، أو إطعام ستين مسكيناً.
كفارة صوم الاعتكاف:
من اعتكف متعبداً لله تعالى، وصام للاعتكاف، وجامع أيام الصوم، فعليه كفارة كبرى، حتى ولو كان الجماع ليلاً، لا نهاراً، لأن التكفير إنما هو من أجل الاعتكاف، لا من أجل الصوم. ولا تجب الكفارة بغير الجماع إطلاقاً. وأجمع الفقهاء على أن الكفارة لا تجب في غير هذه الأربعة: إفساد صوم رمضان، وقضاء رمضان، وصوم النذر المعيَّن، وصوم الاعتكاف.. أي أنه في صوم النذر غير المعيَّن بأحد الأيام، وصوم الكفارات، والصوم المستحب، لا كفارة على من أفطر.
تعدُّد الكفارة:
إذا تناول المفطِّر الموجب للكفارة أكثر من مرة: كما لو أكل وشرب وجامع، أو أكل مرات، أو شرب مرات، أو جامع مرات، فهل تتعدد الكفارة، أو تكفي كفارة واحدة؟
إذا تناول المفطِّر في أكثر من يوم تعددت الكفارة بتعدد الأيام التي أفطر فيها، وهذا باتفاق الفقهاء.
ولكنهم اختلفوا فيما إذا تكرر ذلك في اليوم الواحد، فذهب جماعة منهم، إلى أن عليه كفارة واحدة بدون فرق بين أن يكون المفطِّر من نوع واحد (كما لو أكل مرات عديدة) وبين أن يكون من أنواع عديدة (كما لو أكل، وشرب، وجامع)..
وهذا هو الصحيح لأن الشارع قد أناط وجوب التكفير بتناول المفطر، لأنه لا معنى لإفطار المفطر.. بمعنى أن الأكل الموجب للكفارة هو الأكل المفسد للصوم، لا مطلق الأكل المحرَّم، فالأكلة الثانية، وإن كانت محرّمة، ولكنها لم تفسد الصوم، بل الأولى هي المفسدة والمحرَّمة في وقت واحد.
الإفطار وسقوط الصوم:
إذا أفطر عامداً في شهر رمضان، ثم سافر، أو تبين أن الصوم غير واجب عليه لمرض أصابه، أو جنون، أو إغماء، أو طرأ الحيض على المرأة في آخر النهار، فهل تجب الكفارة، والحال هذه؟
قال أكثر الفقهاء: تجب الكفارة عليه، ولا تسقط عنه، لأنه أفسد صوماً واجباً من رمضان.
والحق أنه يقتضي التفريق بين وجود العذر حقيقة وواقعاً مثل طروء المرض، أو الجنون أو الإغماء أو الحيض، وبين العذر الذي يفتعله الصائم لكي يفطر كالسفر. ففي الحالة الأولى لا قضاء عليه ولا كفارة، حيث لا تكليف عليه من الأساس، ما عدا الحيض فيجب فيه القضاء، وفي الحالة الثانية يلزمه القضاء والكفارة.
وإذا استكره الرجل زوجته، فأتاها وهو صائم، وهي صائمة فعليه كفارتان، ويُضرب خمسين سوطاً، أي نصف الحد. أما إذا طاوعته فعليه كفارة، وعليها كفارة، ويُضرب خمسةً وعشرين سوطاً، وتُضرب هي أيضاً خمسة وعشرين سوطاً. وإذا أكرهت المرأة زوجها فلا تتحمل عنه شيئاً وقوفاً على محمل النص.
ومن أنكر وجوب صوم رمضان فهو مرتد ويجب قتله. أما من آمن بوجوبه، ولكن تركه تهاوناً واستخفافاً، عُزِّرَ بما يراه الحاكم. فإن عاد عزر ثانية، فإن عاد ثالثة قتل، كما روي عن أهل البيت (عليهم السلام). وقيل: يقتل في الرابعة..
وإذا توجبت الكفارة على الصائم ولكنه عجز عن أدائها، فلم يستطع صيام شهرين متتابعين، ولا عتق رقبة، ولا إطعام عشرة مساكين، ففي مثل هذا العجز كفاه صيام ثمانية عشر يوماً متتابعة، وإن عجز عنها تصدَّق بما يُطيق، وإن عجز عن الصدقة استغفر ربَّه تعالى. قال الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): «كل من عجز عن الكفارة التي تجب عليه في صوم، أو عتق، أو صدقة، أو يمين، أو نذر، أو قتل أو غير ذلك مما يجب على صاحبه فيه الكفارة، فالاستغفار له كفارة، ما خلا يمين الظهار»[*].
مصرف الكفارة:
من أراد أن يكفر بإطعام ستين مسكيناً، دعا هذا العدد من المساكين إلى بيته دفعة واحدة، أو بالتتابع وأطعمهم حتى الشبع، ولا فرق بين الذكور والإناث، ولا بين الصغار والكبار. وله أن يعطي كل واحدٍ منهم مُدّاً من القمح (والمدّ الشرعي أكثر من 8000 غرام بقليل).
وإذا زاد عن المدِّ حُسِبَ كإطعام مسكين واحد. ويمكن أن يعطى لمن يعول أكثر من واحد من الأمداد بقدر ما يُعيل.
أما نوع الطعام للفقراء فيجب أن يكون من الأدام الوسط، مما هو معروف بين الناس، ويختلف ذلك باختلاف البلدان والأوساط.
الكفارة دون القضاء:
تجب الكفارة دون القضاء في الحالات التالية:
الشيخ الطاعن في السن (رجلاً كان أو امرأة) إذا كان في الصوم عليه مشقة، وانهيار في قواه، فله أن يفطر ويكفر عن كل يوم بإطعام مسكين واحد ولا قضاء عليه. أما إن صام فيضاعف له الأجر عملاً بقوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ *} [البَقَرَة: 184]. ومن تطوع خيراً معناه من زاد على إطعام المسكين الواحد.
- من كان مصاباً بداء العُطاش، فإنه يفطر، ويكفِّر بمدّ، ولا يقضي، بدليل قول الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): «الشيخ الكبير، والذي به العطاش، لا حرج عليهما أن يفطرا في شهر رمضان، ويتصدق كل واحدٍ منهما في كل يوم بمُدٍّ من طعام، ولا قضاء عليهما. وإن لم يقدرا فلا شيء عليهما»[*].
- إذا نسي الاغتسال من غسل الجنابة في أيام رمضان وجب عليه الاغتسال وقضاء الصوم والصلاة. فقد سئل الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) «عن الرجل يُجنب بالليل من شهر رمضان، فنسي أن يغتسل حتى تمضي بذلك جمعة أو يخرج شهر رمضان؟ قال (عليه السلام): «عليه قضاء الصلاة والصوم»[*].
القضاء دون الكفارة:
يجب القضاء دون الكفارة في الأمور التالية:
- من أجنب في ليلة من رمضان ثم نام على نية الغسل، ثم انتبه قبل الفجر ونام للمرة الثانية، فعليه القضاء دون الكفارة، لأن نيته كانت منصرفة إلى الغسل والطهارة.
- من أبطل صومه بنية الإفطار، دون أن يتناول شيئاً من المفطرات، ومثله المرائي بصيامه، ولو لساعة من نهار.
فقد سئل الإمام الصادق (عليه السلام): «عن رجلٍ أكل وشرب بعدما طلع الفجر من شهر رمضان؟. قال: إن كان قام فنظر فلم يرَ الفجر فأكل، ثم عاد فرأى الفجر فليُتمّ صومه ولا إعادة عليه. وإن كان قام فأكل وشرب، ثم نظر إلى الفجر فرأى أنه قد طلع الفجر، فليُتمَّ صومه ويقضي يوماً آخر، لأنه بدأ بالأكل قبل النظر فعليه الإعادة[*].
ولو قامت بينة شرعية من عدلين على بقاء الليل، فأكل وشرب معتمداً عليهما، فهل يقضي إذا تبين خلاف ذلك؟ عليه أن يقضي لأن البينة إنما هي سبيل لمعرفة الواقع، وقد اتضح الواقع بعد البينة أن الفجر كان قد طلع، فلا يستدعي ثبوت الواقع سقوط القضاء. ذلك أن الدليل الشرعي قد أناط سقوط القضاء بمباشرة الصائم للبحث والنظر بنفسه، لا بتوسط غيره، إذ لا أثر، في هذه الحالـة، للاعتماد على الغير.
سئل الإمام الصادق (عليه السلام) عن رجلٍ خرج في شهر رمضان وأصحابه يتسحَّرون في بيتٍ، فنظر إلى الفجر، فناداهم أنه قد طلع الفجر، فكفَّ بعضُهم، وظن بعضٌ أنه يسخر، فأكل؟ قال (عليه السلام): «من ظنَّ أنه يسخر فأكل، يُتمُّ صومه ويقضي»[*].
- من صام يومه، وظن أنه الشمس قد غابت، وفي السماء غيوم، فأفطر، ثم انجلى السحاب، فإذا الشمس لم تغب؟ قسم الشيخ الهمداني «في مصباح الفقيه» هذا الصائم إلى أقسام:
الأول: أن يكون قد أقدم على الإفطار بعد أن بحث وتحرَّى، وحصل له العلم والجزم، وهذا لا قضاء عليه، ولا كفارة.
الثاني: أن يقدم على الإفطار بمجرد توهم دخول الليل دون أن يعتمد على أمرٍ معقولٍ، بحيث يُعد في نظر العرف غير مبال ولا مكترث، وهذا عليه القضاء والكفارة.
الثالث: أن يقدم على الإفطار لوجود أمارة موهمة بحيث يظن معها كل إنسان بدخول الليل، وهذا عليه القضاء دون الكفارة، بل إذا تحرَّى وكان في السماء علّة فلا قضاء عليه وإن لم يحصل القطع والعلم، بل يكفي مجرد الظن في هذه الحال.
وللحق أن وجود غيوم في السماء، أو غيره من علَّة مماثلة، لم تعد تؤثِّر على الصائم في أيامنا هذه، بتحديد مواقيت الإفطار من قبل العلماء بصورة مسبقة، وبوجود الساعة لدى الصائم التي تشير إلى الوقت، ثم بوجود المساجد التي تؤذِّن لدخول الغروب. فإذا افترض وكان الصائم في بلد غير مسلم، ولم يكن يعلم مواقيت الإفطار والغروب فإن الأحكام السابقة المتعلقة بالقضاء والكفارة تنطبق حينها عليه. ولذلك يُنصح الصائم في حالات عدم تيقّنه من مغيب الشمس أن يبحث ويتحرَّى، ويسأل أهل البلد الذي هو فيه عن وقت الغروب قبل الإقدام على الإفطار.
- من تمضمض للتبريد، ودخل في جوفه ماء، فإنه يقضي ولا يكفر. أما إذا دخل الماء جوفه رغماً عنه وهو في الوضوء، فلا يقضي.
- من يتعمد القيء فإن عليه القضاء دون الكفارة، ومن غلبه القيء صحَّ صومه، ولا شيء عليه.
ب - أحكام كفارة الإفطار عند المذاهب الأربعة:
إن الصيام المفروض هو صوم رمضان أداءً وقضاء، وصوم الكفارات، وصوم النذور. وعليه فإن الكفارة تجب على من أفسد صوم رمضان قاصداً، متعمداً، لأنه انتهك حرمة الصوم من غير مبيح للفطر. ويكون ذلك سواء أكان الإفطار بأكل ونحوه عند الحنفية والمالكية، أو كان بجماع ونحوه عند الشافعية والحنبلية.
وقد اعتبر الحنفية والشافعية والحنبلية أنَّ الكفارة تكون واجبة على الترتيب الوارد ذكره في القرآن الكريم أي: عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكيناً. وقد استدل الثلاثة[*] على وجوبها بخبر الصحيحين من حديث أبو هريرة أنه جاء رجل إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم): فقال: هلكت يا رسول الله. قال (صلى الله عليه وآله وسلّم): «وما أهلكك»؟ قال: واقعت امرأتي في رمضان. قال (صلى الله عليه وآله وسلّم): «هل تجد ما تعتق رقبة»؟ قال: لا. قال (صلى الله عليه وآله وسلّم): «فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين»؟. قال: لا. قال (صلى الله عليه وآله وسلّم): «فهل تجد ما تطعم ستين مسكيناً»؟ قال: لا.
ثم جلس السائل، فأتى النبيُّ (صلى الله عليه وآله وسلّم) بعَرقٍ[*] فيه ثمر فقال للرجل: «تصدَّق بهذا». فقال: فهل على أفقر منَّا يا رسول الله، فوالله، فما بين لابَتَيْها[*] أهل بيت أحوج إليه منَّا؟ فضحك النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) حتى بانت نواجذه، وقال (صلى الله عليه وآله وسلّم): «إذهب فأطعمة أهلك»[*].
أما المالكية فقالوا: كفارة رمضان على التخيير بين الإعتاق والإطعام وصوم الشهرين المتتابعين. وأفضلها الإطعام، فالعتق، فالصيام.
أنواع الكفارة عند المذاهب الأربعة: الكفارات ثلاث: إما عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكيناً.
والرقبة يجب أن تكون مؤمنة عند المالكية والشافعية والحنبلية. أما الحنفية فلم يشترطوا أن تكون الرقبة مؤمنة في الصيام، بل سليمة من العيوب المضرة كالعمى والبكم والجنون.
وفي حالة عدم وجود رقيق يعتقه فصيام شهرين متتابعين، وبحيث لو أفسد يوماً واحداً في أثنائها، ولو بعذر شرعي كالسفر أو المرض، وجب عليه استئناف الشهرين من جديد لانقطاع التتابع الواجب باتفاق الحنفية والمالكية والشافعية. لكن لا يضر الفطر بنفاس أو حيض أو جنون أو إغماء مستغرق، لأنَّ كُلًّا منها ينافي الصوم لكونه اضطرارياً.
أما الحنبلية فقالوا: الفطر لعذر شرعي كالسفر أو المرض أو الحيض لا يقطع التتابع.
وفي حال عدم استطاعة الصوم لمشقة شديدة ونحوها، عليه إطعام ستين مسكيناً من غير أهله، بحيث يعطي كل واحد مقداراً معيناً من الطعام.
- وقال الحنفية: يكفي في إطعام الستين مسكيناً أن يشبعهم في غداءين أو عشاءين، أو فطور وسحور. أو يدفع لكل فقير نصف صاع من القمح أو قيمته، أو من الشعير، أو من التمر أو الزبيب. والصاع قدحان وثلث بالكيل المصري.
- وقال المالكية: يجب تمليك كل واحد من المساكين مدّاً بمدّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم)، وهو ملء اليدين المتوسطتين، لا مقبوضتين، ولا مبسوطتين. ويكون الطعام من غالب طعام أهل بلد المكفر من قمح أو غيره. ويقدر المدّ بالكيل بثلث قدح مصري وبالوزن برطل وثلث، ويمكن إعطاء أقاربه الذين لا تلزمه نفقتهم إن كانوا فقراء، كإخوته وأخواته وأجداده.
- وقال الشافعية: يعطي لكل واحد مدّاً من الطعام الذي يصح إخراجه في زكاة الفطر كالقمح والشعير، شريطة أن يكون من غالب قوت بلده. والمد: نصف قدح مصري، وهو ثمن الكيلة المصرية. ويجب أن لا يكون في المساكين من تلزمه نفقته إن كان هو المكفر عن نفسه. أمّا إن كفَّر عنه غيره فيصح أن يعتبر عيال المكفِّر من ضمن المساكين.
- وقال الحنبلية: يعطي لكل مسكين مدّاً من قمح، أي رطلاً وثلث الرطل، أو نصف صاع من تمر أو شعير أو زبيب أو أقِطِ (جبن). (والصاع أربعة أمداد، ومقدار الصاع بالكيل المصري قدحان). ولا يجب أن يكون في الفقراء من هو أصل له أو فرع، ولا من تلزمه نفقته، سواء أكان هو المكفِّر عن نفسه، أو كفر عنه غيره.
وقد أوجب الحنفية والشافعية والحنبلية ترتيب الكفارة: العتق، فالصيام، فالإطعام. وخالف المالكية فقالوا: كفارة رمضان على التخيير بين الثلاثة، وأفضلها: الإطعام، فالعتق، فالصيام. وهذا التخيير بالنسبة للحر الرشيد. أما العبد فلا يصح العتق فيه فيكفر بالإطعام إذا أَذِنَ سيدُه، وله أن يكفِّر بالصوم. وأما السفيه فيأمره وليّه بالتكفير بالصوم، فإن امتنع أو عجز كفَّر عنه بأقل الأمرين قيمة: الإطعام أو العتق.
تعدد الكفارة:
تتعدد الكفارة بتعدد الأيام التي حصل فيها ما يقتضيها عند المالكية والشافعية.
أما الحنفية فقالوا: لا تتعدد الكفارة بتعدد ما يقتضيها مطلقاً، سواء كان التعدد في يوم واحد، أم في أيام متعددة، وفي رمضان واحد، أم في سنين مختلفة. ولكن لو فعل ما يوجب الكفارة ثم كفَّر عنه، ثم فعل ما يوجبها ثانيةً، فإن حصل التكرار في يوم واحد كفت كفارة واحدة. وإن حصل في أيام مختلفة كفَّر عما بعد الأول (الذي كفَّر عنه) بكفارة جديدة. وظاهر الرواية هو إن وجبت الكفارة بسبب الجماع تعددت، وإلاَّ فلا تتعدد.
وقال الحنبلية: إذا تعدد موجب الكفارة في يوم واحد، فإن كفَّر عن الأول، لزمته كفارة للموجب الثاني، وإن لم يكفر عن السابق كفته كفارة واحدة عن الجميع.
وباتفاق الحنفية والمالكية والشافعية: أنه إذا عجز عن جميع أنواع الكفارات استقرت في ذمته إلى الميسرة.
أما الحنبلية فقالوا: إذا عجز في وقت وجوبها عن جميع أنواعها سقطت عنه، ولو أيسر بعد ذلك.
ما يوجب القضاء والكفارة[*]:
تتلخص مفسدات الصيام التي توجب القضاء والكفارة في المذاهب الأربعة وفقاً لما يلي:
- قال الحنفية: يوجب القضاء والكفارة أمران:
الأوّل: أن يتناول الأكل والشرب ونحوهما مما يميل إليه الطبع وتنقضي به شهوة البطن، ومنه شرب الدخان والحشيش ونحو ذلك مما فيه شهوة ظاهرة، بدون عذرٍ شرعي.
الثاني: أن يقضي شهوة الفرج كاملة، كالجماع في القبل والدبر عمداً، فإن الكفارة تتوجب على الفاعل والمفعول به. كما تجب الكفارة بمجرد التقاء الختانين وإن لم ينزل. كما تتوجب الكفارة على المرأة التي تمكن صغيراً أو مجنوناً من نفسها.
وشروط وجوب الكفارة في هذين الأمرين هي:
1 - أن يكون طائعاً مختاراً، لا مكرهاً. وأن يكون متعمداً، فلو أفطر ناسياً أو مخطئاً تسقط عنه الكفارة.
2 - أن يكون الصائم المكلَّف مبيتاً للنية في أداء رمضان. فإن بيَّت النية في قضاء ما فاته من رمضان، أو في صوم آخر، فلا كفارة عليه.
3 - أن لا يطرأ عليه ما يبيح الإفطار من سفر أو مرض. أما لو أفطر قبل السفر فلا تسقط عنه الكفارة.
- وقال المالكية: إن موجبات القضاء والكفارة هي كل ما يفسد الصوم بشروط خاصة، ومنها:
1 - الجماع الذي يوجب الغسل، سواء كان فاعلاً أو مفعولاً به.
2 - من تقيَّأ عمداً، وبدون علة، وجب عليه القضاء والكفارة. أما إذا غلبه القيء فلا يفسد صومه، إلا إذا رجع شيء منه.
3 - وصول مائع إلى الحلق من الفم أو الأذن أو العين أو الأنف، سواء كان المائع ماء أو غيره، فإذا وصل عمداً وجبت به الكفارة والقضاء. أما إذا وصل سهواً أو خطأً فإنه يوجب القضاء فقط. وفي حكم المائع: البخُّور وبخار القدر إذا استنشقهما فوصلا إلى حلقه، والدخان (التبغ) الذي اعتاد الناس شربه فإنه مفسد للصوم بمجرد وصوله إلى الحلق. وإذا اكتحل متعمداً في النهار ووصل الكحل إلى حلقه، أو إذا دهن شعره عامداً ووصل الدهن إلى حلقه من مسام الشعر، أو إذا استعملت المرأة الحنَّاء في شعرها عمداً بدون عذر فوجدت طعمه في حقلها، ففي جميع هذه الحالات يفسد الصوم، وتتوجب الكفارة.
4 - وصول أي شيء إلى المعدة، سواء كان مائعاً أو غيره عمداً بدون عذر، سواء وصل من الأعلى، أم من الأسفل من منفذ الدبر.
- وقال الشافعية: ما يوجب القضاء والكفارة ينحصر بشيء واحد وهو الجماع، وشروطه:
1 - أن يكون ناوياً للصوم، فإذا ترك النية ليلاً وأتى امرأته نهاراً لا تتوجب عليه الكفارة لأنه ليس بصائم حقيقة.
2 - أن يكون متعمداً، فلو أتاها ناسياً لم يبطل صومه، وليس عليه قضاء ولا كفارة.
3 - أن يكون مختاراً، فلو أكره على الجماع لم يبطل صومه.
4 - أن يكون عالماً بالتحريم، وليس له عذر مقبول شرعاً في جهله.
5 - أن يقع منه الجماع في صيام رمضان أداء بخصوصه. فلو فعل في صوم النذر أو الكفارة، أو القضاء فلا تجب عليه الكفارة.
6 - أن يكون الجماع مستقلاً وحده في إفساد الصوم، فلو أكل في حال تلبسه بالفعل فإنه لا كفارة عليه، بل القضاء فقط.
7 - أن يكون آثماً بالجماع، بأن كان مكلَّفاً عاقلاً، أما الصبيُّ فإن فعل ذلك وهو صائم فلا كفارة عليه.
8 - إذا كان مسافراً وأصبح صائماً، ثم أفطر في ذلك اليوم بالجماع، فلا كفارة عليه بسبب رخصة السفر.
9 - أن يكون معتقداً صحة صومه: فلو أكل ناسياً، ثم ظن أنه قد أفطر، فجامع بعد ذلك عمداً فلا كفارة عليه، وإن بطل صومه ووجب عليه القضاء.
10 - أن لا يصيبه جنون بعد الجماع وقبل الغروب، فإن أصابه ذلك الجنون فلا كفارة عليه.
11 - أن لا يكون مخطئاً، فلو جامع ظانّاً بقاء الليل، أو دخول المغرب، ثم تبين أنه نهار، فلا كفارة عليه، وإن وجب عليه القضاء والإمساك.
12 - أن يكون الجماع بإدخال الحشفة أو قدرها من القضيب، فلو لم يدخل أو أدخل بعضها وأنزل فعليه القضاء فقط.
13 - أن يكون الجماع في فرجٍ، قبلاً كان أو دبراً، ولو لم ينزل، فلو وطئ في غير فرج فلا كفارة عليه.
14 - أن يكون فاعلاً، لأن الكفارة على الفاعل دون المفعول مطلقاً. وإذا طلع الفجر وهو يأتي زوجه فإن نزع حالاً صح صومه، وإن استمر ولو قليلاً فعليه القضاء والكفارة إن علم بالفجر وقت طلوعه. أما إن لم يعلم فعليه القضاء دون الكفارة.
- وقال الحنبلية: يوجب القضاء والكفارة شيئان:
أحدهما : الوطء في نهار رمضان من قبل أو دبر، سواء كان المفعول به حيّاً أو ميتةً، عاقلاً أو بهيمةً، وسواء كان الفاعل متعمداً أو ناسياً، عالماً أو جاهلاً، مختاراً أو مكرهاً أو مخطئاً. ودليلهم على ذلك أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) أمر المجامع في رمضان بالقضاء والكفارة، ولم يطلب منه بيان حاله وقت الجماع. وسواء كان الفاعل صائماً حقيقة أو لم يبيِّت نيَّة الصيام[*]. ومن كان يجامع وطلع عليه الفجر فنزع وجب عليه القضاء والكفارة.
ثانيهما: إذا باشرت المرأة غيرها، بالمساحقة، وأنزلت وجبت عليها الكفارة.
ما يوجب القضاء دون الكفارة:
- قال الحنفية: ما يوجب القضاء دون الكفارة ثلاثة أشياء:
الأول: أن يتناول الصائم ما ليس فيه غذاء، أو ما في معنى الغذاء وهو الدواء، كما لو تناول أرزاً نيئاً، أو عجيناً، أو ملحاً كثيراً، دفعةً واحدةً، أي كل ما لا يقبله الطبع ولا تنقضي به شهوة البطن.
الثاني: أن يتناول غذاء أو دواء لعذر شرعي كالمرض أو السفر أو الإكراه أو الخطأ. أما النسيان فإنه لا يفسد الصيام أصلاً، فلا يجب فيه قضاء ولا كفارة.
وإذا أفطر عمداً بشبهة شرعية، كما لو أكل عمداً بعد أن أكل ناسياً، أو جامع ناسياً ثم جامع عمداً، أو أكل عمداً بعد الجماع ناسياً.. ففي هذه الحالات لا تجب عليه الكفارة، وإن وجب عليه القضاء، وذلك لشبهة عدم صيامه.
وإذا بيَّت نيَّة الصوم ليلاً، ثم سافر نهاراً ونوى الإقامة ثم أكل يلزمه القضاء دون الكفارة. وكذا إذا أكل أو شرب أو جامع شاكاً بطلوع الفجر، وكان الفجر طالعاً، لوجود الشبهة الشرعية.
الثالث: أن يقضي شهوة الفرج غير كاملة. كما لو أمنى بفخذ أو بطن، أو عبث بالكف، أو إذا وطئت امرأة وهي نائمة، فيجب القضاء دون الكفارة.
ولا يفسد صومه إذا أمنى بسبب النظر بشهوة، أو بسبب التفكر في وقاع، أو احتلم، أو شم الروائح العطرية، أو أخَّر غسل الجنابة حتى تطلع الشمس.
- وقال المالكية: كل من تناول مفطِّراً مفسداً للصوم، ولم تتحقق فيه شرائط وجوب الكفارة، فعليه القضاء فقط، سواء كان الصائم في رمضان، أو في فرض غيره كقضاء رمضان، والكفارات، والنذر غير المعيَّن. وأما النذر المعيَّن فإن كان الفطر فيه لعذر كمرض، أو حيض المرأة أو نفاسها، أو إغماء، أو جنون فلا يجب قضاؤه. وإذا أفطر فيه ناسياً كأنْ نذرَ صومَ يوم الخميس فصام الأربعاء ظنّاً منه أنه الخميس، وأفطر الخميس فعليه القضاء.
وإذا أفطر في صوم المتمتع والقارن إذا لم يجد الْهَدْيَ وجب عليه القضاء.
وكل النوافل لا يجب القضاء على من أفطر فيها إلا إذا كان الفطر عمداً حراماً.
أما ما لا يفسد الصوم، ولا يوجب القضاء فأمور:
- أن يغلبه القيء، ولا يبتلع منه شيئاً.
- أن يصل غبار الدقيق أو الطريق إلى حلق الصائم الذي يزاول أعمالاً من شأنها إدخال الغبار في فمه.
- أن يطلع عليه الفجر وهو يأكل أو يشرب فيطرح الأكل أو الشرب من فمه بمجرد طلوع الفجر.
- أن يغلب عليه المني أو المذي بمجرد نظرٍ أو فكر.
- أن يبتلع ريق فمه، أو ما بين أسنانه من بقايا الطعام، إلا إذا كان الطعام كثيراً عرفاً وابتلعه، ولو قهراً عنه، فإن صيامه يبطل في هذه الحالة.
- أن يضع دهناً على خرَّاجٍ في بطنه متصلاً بجوفه.
- أن يحتلم، فإن الاحتلام لا يفسد صومه.
- وقال الشافعية: ما يفسد الصوم ويوجب القضاء، دون الكفارة، أمور، ومنها:
- وصول شيء من الطعام إلى جوف الصائم كثيراً كان أو قليلاً، ولو قدر سمسمة، أو ماء قليل. ولكن الصوم لا يفسد في مثل هذه الحالات إلا بشروط: أولها أن يكون جاهلاً بسبب قرب إسلامه. ثانيها أن يكون عامداً. ثالثها أن يصل إلى جوفه من طريق معتبر شرعاً كأنفه أو فمه أو أذنه أو قبله أو دبره.
- تعاطي الدخان والتنباك والنشوق، فإنها توجب القضاء دون الكفارة.
- إدخال إصبعه أو جزء منه، حالة الاستنجاء، في قبل أو دبر، دون ضرورة لذلك.
- إدخال عودٍ ونحوه في باطن أذنه، فإنه يفطر، لأن باطن الأذن يعتبر شرعاً من الجوف.
- الزيادة في المضمضة والاستنشاق عن القدر المطلوب.
ـ أكل فضلات الطعام بين الأسنان مع قدرته على تمييزه وطرحه، فإنه يفطر بذلك ولو كان دون الحمصة.
- القيء عامداً، مختاراً، عالماً، فإنه يفطر وعليه القضاء، ولو لم يملأ الفم.
- دخول ذبابة في جوفه، ولو أخرجها، فإن صومه يفسد، وعليه القضاء.
- إذا تجشّأ عمداً فخرج شيءٌ من معدته إلى ظاهر حلقه - وظاهر الحلق هو مخرج الحاء المهملة على المعتمد - .
- إذا بلع النخامة بعد استقرارها في فمه دون أن يطرحها خارجاً.
- الإنزال بسبب المباشرة، أو بسبب التقبيل أو اللمس، فإنه يفسد الصوم ويوجب القضاء فقط. أما الإنزال بسبب النظر أو الفكر، فإن كان غير عادة له، فإنه كالاحتلام لا يفسد الصوم.
- وقال الحنبلية: يوجب القضاء دون الكفارة أمور:
- إذا أدخل شيئاً في جوفه عمداً، سواء كان من الفم أو غيره، كلقمة خبز أو قطعة جبن.
- إذا ابتلع نخامة وصلت إلى فمه، أو وصل الدواء بالحقنة إلى جوفه، أو وصل قيء إلى فمه فابتلعه عمداً، أو أصاب ريقه نجاسه فابتلعه عمداً، ففي كل هذه الأحوال يفسد صومه، وعليه القضاء دون الكفارة.
- إذا وصل شيء إلى دماغه عمداً كالدواء الذي يصل إلى أم الدماغ إذا دواى به الجرح الواصل إليها.
- إذا أمنى بسبب الاستمناء أو التقبيل أو اللمس، أو بأية مباشرة دون الفرج، أو إذا أمذى بنظر ونحوه فإن عليه القضاء في جميع هذه الحالات، إذا كان متعمداً، ولو كان جاهلاً بالحكم.
- إذا احتجم أو حُجِم عمداً وظهر دم، وإلاَّ لم يفطر.
ولا يفسد صومه بشيء من هذه الأمور إذا كان ناسياً، أو مكرهاً.
وأما ما لا يوجب كفارة ولا قضاء، فأمور منها:
- الفصْد ولو خرج الدم، والرعاف، وخروج القيء رغماً عنه.
- وصول الغبار أو الذباب أو نحو ذلك إلى حلق الصائم، بلا قصدٍ، لعدم التحرز عنه.
- إدخال المرأة إصبعها أو غيره في قُبلها.
- الإنزال بالفكر أو الاحتلام فإنه لا يفسد الصوم.
- المضمضة أو الاستنشاق، حتى مع المبالغة لا تفسد الصوم.
- الأكل والشرب والجماع مع الشك بطلوع الفجر أو الظن بغروب الشمس، ولم يتبين الحال، فإن صومه لا يفسد بذلك.
أما إذا تبيّنه فعليه القضاء في الأكل والشرب، وعليه القضاء والكفارة في الجماع. أما إذا أكل أو شرب في وقت يعتقده ليلاً فبان نهاراً، أو أكل ناسياً فظن أنه أفطر، فعاد فأكل عامداً، فإن صومه يفسد، وعليه القضاء فقط.
ثالثاً - أحكام كفارة تأخير رمضان:
- قال الشيعة الإمامية: من أخر قضاء الأيام التي أفطرها في شهر رمضان حتى جاء شهر رمضان التالي: بدون عذر، وجبت عليه الفدية، وهي إطعام مسكين عن كل يوم من أيام القضاء، زيادة على القضاء الذي يبقى ملزماً به. أما إذا أخَّر القضاء لمرض استمرَّ العام كلَّه فليس عليه سوى الفدية. وقد قال تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} [البَقَرَة: 184]. وهكذا يسقط الصوم عن المريض مرضاً مستمراً وعن الشيخ والعجوز وذي العطاش، ويُكتفى منهم بالفدية. ومن نوى الصيام قضاء لما فاته في شهر رمضان، ثم أفطر قبل الزوال فلا شيء عليه إلاَّ الإعادة أي القضاء. وإذا أفطر بعد الزوال فعليه كفارة إطعام عشرة مساكين، فإن عجز صام ثلاثة أيام متتالية. فقد سئل الإمام محمد الباقر (عليه السلام) عن رجل أتى أهله في يوم يقضيه من شهر رمضان؟ قال (عليه السلام): «إن كان قبل الزوال فلا شيء عليه إلا يوماً مكان يوم، وإن كان بعد الزوال فإن عليه أن يتصدق على عشرة مساكين، فإن لم يقدر صام يوماً مكان يوم، وصام ثلاثة أيام كفارة لما صنع»[*] وهذه تسمى عندهم كفارة صغرى.
وقال الأئمة الأربعة: من وجب عليه قضاء رمضان لفطره فيه عمداً، أو لسبب من الأسباب التي أدت إلى الإفطار، فإنه يقضي بدل الأيام التي أفطرها في زمن يباح فيه الصوم تطوعاً. ولا يجزئ القضاء فيما نهي عن صومه كأيام العيد، ولا فيما تعيَّن لصوم مفروض كرمضان الحاضر، وأيام النذر المعين كما قال المالكية والشافعية. أما الحنفية فقد أجازوا قضاء ما فاته من رمضان في الأيام التي نذر صومها (أي النذر المعين)، وعليه قضاء النذر في أيام أخر.
واتفق المالكية والشافعية والحنبلية: على أن من أخَّر القضاء حتى دخل رمضان الثاني وجبت عليه الفدية، زيادة عن القضاء، وهي إطعام مسكين عن كل يوم من أيام القضاء، أي مقدار ما يُعطى لمسكين واحد في الكفارة. وخالف الحنفية فقالوا: لا فدية على من أخَّر قضاء رمضان حتى دخل رمضان الثاني، سواء كان التأخير بعذر أو بدون عذر، وإنما تجب الفدية إذا كان متمكناً من القضاء قبل دخول رمضان الثاني، وإلا فلا فدية عليه.
وقال الحنفية والمالكية والحنبلية: لا تتكرر الفدية بتكرر الأعوام بدون قضاء. وقال الشافعية: بل تتكرر الفدية بتكرر الأعوام.
رابعاً - أحكام كفارة الظهار:
معنى الظِّهار هو أن يقول الرجل لامرأته: أنت عليَّ كظهر أمي. ويبدون أن الظِّهار مأخوذ من الظهر، أي من ظهر المركوب عليه، بحيث يكون فيه تشبيه.
والظِّهارُ عادةٌ جاهليةٌ، كانت تؤدي عندهم إلى تحريم المرأة على زوجها، وعلى غيره تحريماً مؤبداً. وقد أقرَّ الإسلامُ الظِّهار وجعل له حكماً ربّانيًّا، ولم يجعله مؤبداً، بل أقرَّ الرجوع عنه بشروط توجب الكفارة وذلك منعاً للمسلم من استعمال الظهار لما له من مساوئ على حياة الزوجين والعائلة، إذ ليس من الدين أن يعمل الرجل بالظِّهار كلما غضب من زوجته، فيبادئها بالقول سريعاً: أنت عليَّ كظهر أمي، أو مثل أمي، أي ممَّن حُرِّم عليه الزواج منها، إذ يترتب على ذلك عقاب الله تعالى بأداء الكفارة الشاقة.
ودليل الظِّهار قول الله تعالى: {الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ اللاََّّئِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ *} [المجَادلة: 2]. فقد وصف الله - سبحانه وتعالى - الظِّهار بأنه منكر وزور أي تزوير للحقيقة لأنَّ الزوجة ليست كالأمِّ؛ وأما عقابه الدنيوي فهو قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَآسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَآسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً} [المجَادلة: 3-4].
وهكذا فإنه يترتب على من يقول لامرأته: «أنت عليَّ كظهر أمي» تحريم مسِّها مؤقتاً حتى يُخرج الكفارة، أي حتى يؤدي الجزاءَ الذي فرضه عليه الله تعالى، وهو بالتتابع: تحرير رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يطق فإطعام ستين مسكيناً.
والشروط المتعلقة بالرقبة، والصيام، والإطعام قد مرَّ ذكرها في مبحث كفارة إفطار رمضان، مع بعض الفوارق الخاصة بكفارة الظِّهار، وفقاً لما قالت به المذاهب.
- قال الشيعة الإمامية: إذا قال الرجل لزوجته: أنت عليَّ كظهر أمي أمام عدلين، وكانت في طُهرٍ لم يواقعها فيه، بحيث تحتمع جميع شروط الطلاق، فإنها تحرم عليه ولا تحلّ له حتى يكفِّر. وكفارة الظهار واحد من ثلاثة على هذا الترتيب: أن يعتق رقبة، فإن عجز فصيام شهرين متتابعين، فإن عجز فإطعام ستين مسكيناً.
وقد يعجز الإنسان عن أداء كفارة إفطار رمضان، أو كفارة اليمين، أو كفارة النذر، ولا يبقى أمامه إلاَّ الاستغفار وطلب العفو من ربه تبارك وتعالى. ولكنَّ كفارة الظهار لا بدَّ لها من الأداء من قبل أن يتماسَّ الرجل وزوجه، أي من قبل أن يعود إلى وطئها، لأن التحريم المؤقت الذي أوجده الظهار لا يزول إلا بالكفارة.
وحكم الظهار عند الأئمة الأربعة هو نفسه عند الشيعة الإمامية، مع تفصيلات عديدة نوجز بعضها حسب كل مذهب وفقاً لما يلي:
- قال الحنفية: الظهار هو تشبيه المسلم زوجته بالأم ونحوها من المحرمات، أو تشبيه جزء يعبر به عن المرأة كالرأس أو العنق، أو جزء شائع كالنصف والثلث أي بكل جزء يحرم النظر إليه.. فإذا قال لها: أنت أمي أو أختي بدون تشبيه، فإنه لا يكون ظهاراً، ولو نوى به الظهار. وإذا قال لها. أنت عليَّ كظهر أمي شهراً، فإنه يصح، وتجب به الكفارة عند العزم على وطئها خلال ذاك الشهر. وكذا الأمر لو قال لها: أنت عليَّ كظهر أمي إلاَّ يوم الجمعة، فإذا عزم على وطئها في يوم غير الجمعة وجبت عليه الكفارة، فإذا أخرجها يوم الجمعة لا تجزئه لأن يوم الجمعة يباح له فيه وطؤها بدون كفارة.
والظهار يصح من المسلم، أما الذمي فلا يصح ظهاره، وإن كان يصح طلاقه وإيلاؤه، لأن الظهار يوجب تحريم الزوجة قبل الكفارة.
ولا يصح ظهار المسلمة من زوجها فلو قالت له: أنت عليَّ كظهر أبي أو أمي، أو أنا عليك كظهر أمك كان لغواً من القول، لأنها لا تملك التحريم.
ويصح ظهارُ الرجل من الزوجة الكتابية، والصغيرة، والمجنونة، والرتقاء، والمدخول بها وغير المدخول بها، كما يصح الظهار من المطلقة رجعياً لأنها زوجة، ولا يصح من البائنة ولو كانت في العدة.
وتجب على الرجل كفارة الظهار عند عزمه على استباحة وطء الزوجة بصورة مستمرة لا رجوع فيها، وذلك لقوله تعالى: {ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا} [المجَادلة: 3] أي يعودون لتحليل ما حرموه بقولهم، أو يعودون لنقض ما قالوا، ويصح أن يكون المراد: يرجعون عما قالوا، فهذا كله يفيد المعنى وهو أنه إذا عزم على استباحة الوطء وجبت عليه الكفارة. وأما إذا عزم ثم بدا له أنه لا يطأ، لا تجب عليه الكفارة.
- وقال المالكية: الظِّهار تشبيه المسلم المكلف من تحلّ له أو تشبيهُ جزءٍ منها بظهر محرم أو جزئه أو بظهر أجنبية. فلو قال لها: أنت عليَّ كظهر أمي كان ظهاراً، وإذا قال لها: أنت أمي، بحذف كاف التشبيه كان مظهراً، إلا أن ينوي به الطلاق، فإن نوى كان طلاقاً بائناً. أما إذا ناداها بقوله: يا أمي، أو يا أختي فإنه لا يكون مظاهراً، ولكن إذا نوى به الطلاق عُدَّ طلاقاً.
والظِّهار يكون من مسلم مكلف، فلا يصح ظهار الكافر، ولا المسلم إن كان صبياً، أو مجنوناً أو مكرهاً أو سكرانَ بسكر حلال. أما السكران بحرام فإنه يلزمه الظهار كما يلزمه الطلاق. ويصح الظهار من الحائض، والنفساء والمتلبسة بالإحرام. كما يقع الظهار عندما يشمل اللفظ الجزء الحقيقي من يد ورأس، والجزء الحكمي من شعر وريق، فإنه في حكم الجزء لالتصاقه بالبدن. فإذا قال: رأسك عليَّ كرأس أمي، أو قال: شعرك عليَّ كشعر أمي كان ذلك ظهاراً.
وتجب الكفارة بالعود، أي بالعزم على الوطء. فإذا أخرج الكفارة قبل العزم فلا تصح. فإذا وطأها ولو ناسياً تحتمت عليه الكفارة ولو طلقها، أو ماتت، إذ إنها لا تسقط بهما، لأن الكفارة تصير بالوطء حقّاً لله تعالى. ولذلك يحرم عليه أن يطأها أو يستمتع بها بغير الوطء قبل أن يخرج الكفارة. ويجب عليها أن لا تمكِّنه من نفسها، فإن خافت أن يرغمها رفعت أمره للحاكم ليحول بينه وبينها، فإن أمنت منه جاز له أن ينظر إلى وجهها وكفيها، وأن يمكث معها في بيت واحد.
- وقال الشافعية: الظهار تشبيه الزوج زوجته في الحرمة بمَحْرمه. والمراد بالزوج كل من يصح طلاقه فيشمل العبد، والكافر (وذلك خلافاً للحنفية والمالكية). ويشمل ذلك الزوج الخصي، والمجبوب، والسكران، فإن ظهارهم يصح. ولكن لا يصح ظهار الصبي، والمجنون، والمكره، كما لا يصح طلاقهم.
ويصح الظِّهار من الزوجة البالغة، والصغيرة، والمجنونة، والمريضة، والرتقاء، والقرناء،والكافرة، والمطلقة طلاقاً رجعياً لا طلاقاً بائناً، فكلّهن يصح منهن الظهار، ولكنه لا يصح من الأجنبية، والأمة (خلافاً للحنفية والمالكية). ويشمل التشبيه أجزاء المرأة جيدها، أو شعرها أو ظفرها أو نحو ذلك من الأجزاء الظاهرة من الجسم. أما التشبيه بالأجزاء الباطنة كالكبد والقلب فلا يكون ظهاراً وكذلك لا يصح الظهار بالفضلات كالمني، والريق، اللبن.
وتجب الكفارة عندهم، عند العود إلى الوطء على التراضي. أي أنها تجب بالظهار والعود معاً ككفارة اليمين، فإذا ظاهر ثم أخرج الكفارة قبل العود فإنه يصح، لأن الظهار سبب، أما إذا أخرج الكفارة قبل أن يظاهر، فإنها لا تجزي لأنه أخرجها قبل سبب الوجوب. والحاصل أنه إذا مضى زمن عقب ظهار يمكنه أن يقول فيه: أنت طالق، ولم يقل، فإنه يكون عائداً، وتجب عليه الكفارة حتى وإن كانت حائضاً، فإذا قال لها: أنت طالق، وذلك عقب الظهار مباشرة بطل العود وسقطت الكفارة.
- وقال الحنبلية: الظهار هو تشبيه الزوج امرأته بمن تحرم عليه مؤبداً أو مؤقتاً، أو تشبيهه عضواً من امرأته بظهر من تحرم عليه حرمة مؤبدة أو مؤقتة، أو بعضو من أعضائها الثابتة غير الظهر، أو تشبيه امرأته أو عضواً منها برجلٍ، أو بعضو منه. والمراد بالزوج كل من يصح طلاقه مسلماً كان أو كافراً، حرّاً أو عبداً، كبيراً أو صغيراً، بشرط أن يكون مميزاً يعقل الظهار. ولا يصح من المجنون، والمغمى عليه، والنائم. أما السكران بشراب حرام فإن ظهاره يصح لأن طلاقه يصح، إن كان سكره بدواء ونحوه، فإن ظهاره لا يقع كطلاقه.
ويكون الظهار من الزوجة بعقد صحيح سواء كانت بالغة أم صغيرة، حرة أم أمة، مسلمة أم ذمية يمكن وطؤها. وإذا قالت المرأة لزوجها: أنت علي كظهر أبي، أو قالت: إن تزوجتُ فلاناً يكون علي كظهر أبي، فإن ذلك ليس بظهار ولكن يجب عليها بذلك كفارة الظهار، إلا أنها لا تمنع نفسها عن زوجها قبل إخراج الكفارة، لأن حق الزوج لا يسقط بيمينها وإنما وجبت عليها الكفارة تأديباً لها.
والعضو الثابت من المرأة هو الذي يصح به الظهار كاليد والرأس والبطن والظهر. أما الأعضاء التي تزول وتأتي كالشعر، والسن، والظفر، والريق، والدمع، والدم، والعرق فإن التشبيه بها لا يكون ظهاراً.
أما إذا قال الزوج لامرأته: أنت عليَّ كزيد، أو كرأسه (أي إذا شبهها بالرجل الأجنبي أو القريب) فإنه يكون مظاهراً. وهذا خلافاً للحنفية والشافعية، ووفاقاً للمالكية الذين يقولون بصحة الظهار إذا نواه، وكان التشبيه بظهره خاصة. ولا تجب الكفارة عند الحنبلية إلا بالوطء، ولكن يحرم الوطءِ قبل إخراجها، فهي تؤدي قبل وجوبها، لأن إخراجها شرط في حل سبب الوجوب، وهو الوطء، فيؤمر بها من أراد الوطء ليستحله بها.
ويمكن عند الحنبلية إخراج الكفارة قبل وجوبها كإخراج كفارة اليمين قبل الحنث. فإذا مات أحدهما سقطت الكفارة لأنها لم تجب، وكذا إذا طلقها طلاقاً بائناً، ولكن إذا عادت إليه ثانية رجعت الكفارة،، بحيث لا يحل له وطؤها قبل إخراج الكفارة حتى ولو تزوجت غيره ثم رجعت إليه. فإذا وطأها قبل الإخراج استقرت عليه الكفارة فلا تسقط بالموت، ولا بالطلاق. وتجزئه كفارة واحدة.
خامساً - أحكام كفارة صيد المُحْرِم:
قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا} [المَائدة: 95].
وقد اتفق الأئمة جميعاً على أن الصيد المقصود هنا هو صيد البر، مأكولاً كان أو غير مأكول. أما المماثلة في قوله تعالى: {مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} [المَائدة: 95] فهي المماثلة في الخلقة: ففي النعامة بدنة (ناقة) وفي حمار الوحش وشبهه بقرة، وفي الظبي أو الأرنب شاة وما إلى ذلك..
«وذوا العدل» هما عدلان عارفان من أهل الإسلام، بحيث يقارنان بين المصيد وبين أشبه الأنعام به، فيذبحه ويتصدق به.
ومعنى : «هدياً بالغ الكعبة» أن يذبح المحرمُ الحيوان الأهلي المماثل بمكة قبالة الكعبة إن كان محرماً للعمرة، أو بمنىً إن كان محرماً للحج.
أما معنى: {أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ} [المَائدة: 95] فقد قال الشيعة الإمامية هو أن يقوَّم الحيوان المماثل بالنقود، ويشتري به طعاماً، ثم يتصدق به على المساكين، لكل مسكين مدّان، أو يصوم عن كل مدَّين يوماً، وهو معنى: {أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا} [المَائدة: 95] كما روي عن أهل بيت رسول الله (عليهم السلام).
وعليه فإن الشيعة الإمامية يرون بأن من اصطاد شيئاً وهو مُحرِم فعليه أن يفدي بمثله من الأنعام الأهلية، ومع العجز يقوِّمه ويشتري بالثمن طعاماً يتصدق به على المساكين، لكل واحد منهم مدان، ولا يلزمه ما زاد على ستين مسكيناً. ومع العجز يصوم عن كل مدّين يوماً، ومع العجز يصوم ثمانية عشر يوماً.
وقال الحنفية: من اصطاد حيواناً بريّاً، وجبت عليه قيمته، ومثلُهُ مَنْ قَطَعَ حشَيشَ الحرم. فإن اصطاد المُحرم ما لا يجوز له اصطياده قوِّم عليه ما صاده في مكانه أو في مكانٍ قريب منه بمعرفة عدلَين. فإن بلغت قيمته ثمن هدي خيِّر بين أمور ثلاثة: إما أن يشتري بهذه القيمة هدياً يذبحه في الحرم، وإما أن يشتري به طعاماً يتصدق به على المساكين في أي مكان لكل واحد نصف صاع، وإما أن يصوم بدل كل نصف صاع يوماً، ولا يلزم التتابع في هذا الصوم.. وإن لم تبلغ قيمته ثمن هدي خيِّر بين إطعام الفقراء أو الصوم.
- وقال المالكية: إذا اصطاد حيواناً في الحرم فإنه مُخَيِّر بين ثلاثة أنواع من الجزاء:
- مثل الصيد من النعم.
- قيمته من الطعام في يوم إتلافه، وبنفس المحل الذي حصل فيه التلف أو بأقرب الأماكن إليه. وتعطى هذه القيمة لمساكين محل التلف بحيث يأخذ كل واحد مدّاً بمدِّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم).
- صيام أيام بعدد الأمداد التي يقوَّم بها الصيد من الطعام، ويصوم يوماً كاملاً عن بعض المدّ.
ـ وقال الشافعية: من اصطاد حيواناً بريّاً وحشيّاً، أو أتلف حيواناً من هذا النوع كان تحت يده، فإن جزاءه ما ورد في حكمه نقل صحيح عن الشارع، وإلاَّ حكم عدلان خبيران بمثله في الشبه والصورة تقريباً. والفدية الواجبة هي:
- إما أن يذبح مثل الصيد من النعم ويتصدق به على فقراء الحرم.
- وإما أن يشتري بقيمته طعاماً كالطعام الذي يجزئ في صدقة الفطر، ويتصدّق به عليهم.
- وإما أن يصوم يوماً عن كل مدٍّ من الطعام.
وقال الحنبلية: من أتلف صيداً في الحرم بفعله المباشر، أو كان سبباً في إتلافه فإن عليه جزاء هو: أن ينحر من النَّعم ما يماثل الصيد في الخلقة ويتصدق به على مساكين الحرم. وهذا في الأمور التي ورد فيها حكم عن الصحابة. أما ما لم يرد فيه شيء، فإن الصيد يقوَّم بمعرفة حكمين عدلين، وتوزع القيمة على مساكين الحرم.
وعلى كل حال فإنّ من يذهب إلى الحرمين الشريفين سواء كان معتمراً أو حاجّاً، لا يجوز أن يخطر على باله الصيدُ، والقيام به، لأن المفروض به أن يكون متوجهاً بكليته إلى الباري تعالى، يطلب التوبة والعفو والمغفرة، تاركاً وراءه الدنيا ومتاعها، حتى الغالي والنفيس، فلا يجيز لنفسه صيد الحيوان، حتى ولا حمل أداة الصيد. هذا فضلاً عن أن الله تبارك وتعالى - وهذا هو الأساس - قد نهى عن قتل الصيد وقت أن يكون المسلم مُحرِماً. وعلى فرض أنه عصى ربه، وقتله متعمداً، فعندها وجبت الكفارة عليه وفقاً لما تقدم بيانه.
سادساً - أحكام كفارة القتل خطأ:
اتفق الفقهاء على أن من قتل مسلماً بطريق الخطأ، دون أن يتعمد قتله، فعليه أن يدفع الدية إلى أهله، وأن يكفر بعتق رقبة مؤمنة، فإن لم يجد صام شهرين متتابعين، وذلك لقوله تعالى: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ} [النِّسَاء: 92].
قال الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): «إذا قتل خطأ أدَّى ديته إلى أوليائه، ثم أعتق رقبة، فإن لم يجد صام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع أطعم ستين مسكيناً»[*].
أي أن الكفارة إما أن تكون دية مسلمة إلى أهل القتيل مع تحرير رقبة مؤمنة، وإما دية مسلَّمة إلى أهله مع صيام شهرين متتابعين.
سابعاً - أحكام كفارة القتل عمداً:
- قال الشيعة الإمامية: من قتل مسلماً متعمداً، فعليه أن يجمع بين عتق رقبة مؤمنة، وصيام شهرين متتابعين، وإطعام ستين مسكيناً، أي الثلاثة مجتمعة. وإذا لم توجد الرقبة المؤمنة لعتقها وجب عليه الصيام والإطعام.
- وقال الحنفية والمالكية والحنبلية[*]: لا تجب الكفارة في القتل العمد، لأن الحكم الوارد في القرآن الكريم يقتصر على الكفارة في القتل الخطأ، وهي تجبر الذنب غير المقصود، في حين أن القتل العمد يوجب القصاص بشروطه. ودليله أن عمر بن أمية الضمري قتل رجلين، فأدى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) ديتهما ولم يوجب كفارة[*].
- وقال الشافعية: تجب الكفارة في القتل خطأ، وفي القتل شبه العمد، وفي القتل عمداً، سواء أكان المقتول مسلماً، أم ذميّاً أم أجنبيّاً، ودليل الكفارة في القتل العمد ما وري عن واثلة بن الأسقع، أنه قال: «أتينا النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) في صاحب لنا استوجب بالقتل، فقال (صلى الله عليه وآله وسلّم): «أعتقوا عنه رقبة يعتق الله تعالى بكل عضو منها عضواً منه من النار»[*].
وكفارة القتل عند الأئمة الأربعة، هي عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين[*]، فإن عجز عن الصوم كان آثماً وجزاؤه على الله تعالى، وقد استحسن الإمام مالك الكفارة في الجنين، في حين أوجبها أبو حنيفة فيه.
والقتل شبه العمد تجب فيه الكفارة عند الجمهور (غير المالكية)، لأنه ملحق بالقتل خطأ، في حين أن المالكية قالوا: إن القتل شبه العمد مثل العمد لا يوجب كفارة[*].
ثامناً - أحكام كفارة جز الشعر في المصاب:
اتفق الفقهاء على أنه يحرم على المرأة أن تجز شعرها في المصاب. واختلفوا في وجوب الكفارة عليها، فمنهم من قال: إنها تكفر بعتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكيناً. ومنهم من قال: الأقوى عدم وجوب الكفارة عليها لأصل البراءة.
وهذا بخلاف كفارة نتف الشعر من المرأة في المصاب، إذ اتفق الفقهاء على أن عليها، في هذه الحالة، كفارة يمين، أي عتق رقبة، أو إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، ومع العجز صيام ثلاثة أيام.
وإذا شق أحد ثوبه لوفاة زوجه أو ولده، فعليه كفارة يمين، ولا شيء عليه إذا شقه على غيرهما من أقاربه.
تاسعاً - أحكام كفارة وطء الزوجة في الحيض:
لا يجوز للرجل وطء زوجته في الحيض لقوله تعالى: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} [البَقَرَة: 222]. سئل الإمام الصادق (عليه السلام) عن رجل وطأ زوجته في الحيض؟ فقال (عليه السلام): «عليه أن يتصدق بدينار إن كان الحيض بعدُ في أوله، وفي وسطه بنصف دينار، وفي آخره بربع دينار. فإن لم يكن عنده ما يتصدق به، استغفر الله تعالى، ولا يعود، فإن الاستغفار توبة وكفارة لكل من لم يجد السبيل إلى شيء من الكفارة»[*]. والنفساء كالحائض.
وقد روى أحمد وأصحاب السنن الأربعة، عن ابن عباس أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) أوجب على من يأتي امرأته وهي حائض «أن يتصدق بدينار أو نصف دينار». وفي رواية لأحمد أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) جعل النصابَ في الحائض ديناراً، فإن أصابها وقد أدبر الدم عنها، ولم تغتسل، فنصف دينار[*].
عاشراً - أحكام كفارة الاعتكاف:
يحرم على الرجل والمرأة مباشرة الجماع، ليلاً أو نهاراً، في حالة الاعتكاف، حتى اللمس والتقبيل بشهوة. قال الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): «لا يأتي امرأته، ليلاً ولا نهاراً، وهو معتكف»[*]. وإن جامع امرأته، ليلاً أو نهاراً، في غير شهر رمضان فعليه كفارة، وفي شهر رمضان عليه كفارتان. فقد سئل الإمام الصادق (عليه السلام) عن معتكف واقع أهله؟ قال (عليه السلام): «عليه ما على الذي أفطر يوماً في شهر رمضان متعمداً، عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكيناً»[*]. وسئل عن رجل معتكف وطأ امرأته ليلاً في شهر رمضان؟ قال (عليه السلام): «عليه كفارة». قال السائل: فإن وطأها نهاراً؟ قال (عليه السلام): «عليه كفارتان: واحدة للاعتكاف، والثانية للإفطار في شهر رمضان»[*].
ولا كفارة في الوطء عند الحنفية والمالكية والشافعية، وفي ظاهر مذهب الحنبلية، لأن الاعتكاف عبادة لا تجب بأصل الشرع، فلم تجب بإفسادها كفارة كالنوافل.
وخلاصة القول فيما يجب في الكفارات من صيام، أو إطعام، أو كسوة:
1 - الصيام:
يجب التتابع في أيام صوم الكفارة، سواء أكان الواجب ثلاثة أيام، أم شهرين، وإذا أخل بالتتابع، وأفطر قبل الإكمال، وجب أن يستأنف من جديد.. ولكن إذا كان الإفطار لعذر مشروع، كالإكراه والمرض، والحيض، والنفاس، والسفر لضرورة، فإنه يستأنف من حيث انقطع. فقد سئل الإمام الصادق (عليه السلام) عن رجل، عليه صيام شهرين متتابعين، فصام شهراً ومرض؟ قال (عليه السلام): «يبني عليه، الله تعالى حبسه»[*].
قال السائل: امرأة كان عليها صيام شهرين متتابعين، فأفطرت أيام حيضها؟ قال (عليه السلام): «تقضيها»[*] ومعناه أنها تأتي بما بقي، ولا يجب عليها الاستئناف أي البدء من جديد.
ويتحقق التتابع في أن يصوم شهراً متتابعاً، ومن الشهر الثاني يوماً، فإذا صام أول يوم من الشهر الثاني جاز له أن يفطر، ويفرق أيام الصوم بعد ذلك إجماعاً ونصّاً، ومنه قول الإمام الصادق (عليه السلام): «التتابع أن يصومَ شهراً، ويصومَ من الآخر شيئاً أو أياماً»[*].
2 - الإطعام:
يتحقق إطعام المساكين بأحد أمرين:
الأول: أن يدعو العدد من الفقراء دفعة واحدة، أو بالتدريج والتتابع، ويطعمهم، حتى يشبعوا.. ولا فرق بين الذكور والإناث، ولا بين الصغار والكبار.
الثاني: أن يعطي كل نسمة مدّاً[*] من القمح، وما إليه، على أن لا يزيد للنفر الواحد عن المد، وإن زاد استحب، ولكن يُحسب له إطعام مسكين واحد.. أجل، يجوز أن يعطي لمن يعول أكثر من واحد بعدد ما يعول. ويدل على الاكتفاء بالمد قول الإمام الصادق (عليه السلام): «في كفارة اليمين عتق رقبة، أو إطعام عشرة مساكين، والإِدام الوسط الخلّ والزيت، وأرفعه الخبز واللحم، والصدقة المد لكل مسكين، والكسوة ثوبان»[*].
والزيت والخل كانا في عهد الإمام (عليه السلام) من الإدام الوسط، فعلى من يكفّر اليوم بالإطعام أن يقدم للمساكين مما هو معروف بين الناس أنه من الإدام الوسط..
3 - الكسوة:
حددت بعض الروايات الكسوة الواجبة بثوب واحد لكل مسكين، وبعضها حددها بثوبين. ولاختلاف الروايتين قيل: يجب ثوبان مع القدرة، وثوب مع العجز.
والحق أن العبرة بتحقق الكسوة فإن كان الثوب الواحد كبيراً يكسو البدن، كالجبة والقفطان كفى، وإن لم تتحقق كسوة البدن إلاَّ بثوبين كالقميص والسروال فقد تعيّنا، وبهذا يمكن الجمع بين رواية الثوب الواحد، ورواية الثوبين.
4 - مسائل[*]:
1 - لا تجب المبادرة إلى التكفير فوراً إلا مع خوف الفوات.
2 - الكفارة المالية كالإطعام والكسوة يجب إخراجها من أصل التركة، أوصى بها الميت أو لم يوص، تماماً كغيرها من الديون. أما البدنية كالصوم فإن أوصى بها خرجت من الثلث، وإن لم يوص فلا يجب إخراجها.
3 - لا تدفع الكفارة إلى الطفل والمجنون إن كانت دقيقاً أو حبوباً أو ثمرة كالزبيب وما إليه، حيث لا أهلية لهما لقبول التمليك والتملك، وتدفع لوليّهما.
4 - لا تصرف الكفارة إلى من تجب نفقته على الدافع. قال الإمام الصادق (عليه السلام): «خمسة لا يعطون من الزكاة شيئاً: الأب والأم والأولاد والمملوك والزوجة، وذلك أنهم عياله لازمون له» ذلك أنَّ ما يعطيه لعياله يعود إليه بالنتيجة، فيكون كمن تصدق على نفسه.
5 - فيما يتعلق بدفع قيمة الكفارة: يجوز أن يعطي للفقير الثمن، ويوكله بالشراء لنفسه. على أن الإمام الصادق (عليه السلام) سئل عن زكاة الفطر، أيجوز أن يؤديها فضة بقيمة هذه الأشياء التي سماها؟ قال: «نعم. إن ذلك أنفع له، يشتري ما يريد»[*].
إن قول الإمام (عليه السلام): «أنفع له، يشتري ما يريد» دليل عام يشمل الكفارات، وليس خاصّاً بالزكاة.
amitriptylin 75 mg amitriptylin angst amitriptylin hund



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB