المعاملات والبينات والعقوبات
الطبعة : الطبعة الثانية  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   1102
تاريخ النشر :   2009




الـعـفـو

الجريمةُ إذا وقعت ورُفعت إلى القاضي ولم يفصل بها بعدُ، فإنها حينئذٍ ينظر فيها وهي أمام القاضي هل يؤاخذ مقترفها أم لا؟ وهل يسقط عنه العقاب أَمْ لا؟ وهل للقاضي أنْ يعفوَ عن مقترفها أمْ لا؟ وفي ذلك تفصيل.
أما بالنسبة لمؤاخذة مرتكب الجريمة فإن العقوبات كلها من حدود وجنايات ومخالفات تطبق على جميع من هم تحت سلطان الدولة إذا حصلت الجريمة، أو أحد العناصر التي تؤلفها أو تنتجها، في ما للدولة عليه سلطان من أراض وهواء وبحار وأنهار. وتطبق على جميع من يحملون التابعية الإِسلامية، سواء أكانوا في البلاد أم خارجها. وعليه فلا عقوبة على أجنبي ارتكب جريمةً خارجَ سلطانِ الدولةِ. ويعاقب المعاهد والمستأمن إذا فعل جرماً داخل سلطان الدولة.
غير أن هذه العقوباتِ إنما تطبق على مقترف الجريمة إذا كان مكلفاً شرعاً أي كان بالغاً عاقلاً وفعلها مختاراً. أما إذا كان صبياً أو مجنوناً فلا يعاقب لقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم): «رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ وعن الصبي حتى يبلغ وعن المجنون حتى يفيق»[*]. فهذا صريح في عدم مؤاخذة الصبي والمجنون مؤاخذة البالغ العاقل. وإذا عاقبه القاضي فلا تكون عقوبته مبنية على دليل شرعي وإنما هي اجتهاد من قبل القاضي.
وأما المكره فإنه ينظر فيه، فإنْ أُكرهَ على الجريمة الإكراهَ الملجئ: بأَن هُدِّدَ بالقتلِ تهديداً صادقاً إن لم يقم بالفعلِ فلا يؤاخذ، لقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم): «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه»[*]. والإِكراه المعتبر إنا هو الإِكراه الملجئ ليس غير. أما لو أُكره بالطَّرد من الوظيفة أو بحبسه أو بغير ذلك فلا يعتبر ذلك إكراهاً يمنع المؤاخذة، لأنَّ الإكراهَ الذي يمنع المؤاخذة إنما هو الإكراه الملجئ ليس غير.
وأما بالنسبة لإسقاط العقاب عنه فإن الذي يرتكب الجريمة دفاعاً عن دينه أو عن نفسه أو عن ماله أو عن عرضه يسقط عنه العقاب، لأن هذا الدفاع له مبرر شرعي في جميع الجرائم ولو كانت جريمة قتل، لقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم): «من قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد»[*]. فهذا الحديث يدل على أنه لا عقوبة على من قاتل دون دينه أو دون نفسه أو دون ماله أو عرضه. وإذا قتل في الدفاع عن ذلك كان شهيداً. وإذا قتل فلا عقوبة عليه بدليل قول الرسول في حديث آخر: «فإن قُتلت ففي الجنة وإن قَتلت ففي النار»[*] وقوله (صلى الله عليه وآله وسلّم) لمن قال له: «يا رسول الله إنْ جاء رجل يريد مالي؟ قال: فلا تعطه مالك. قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: قاتله»[*]. فهذا أمرٌ له بالقتال دفاعاً عن ماله. ولهذا يعتبر الدفاع المشروع مبرراً لإسقاط العقوبة عنه إذا ثبت أنه ارتكب الجريمة دفاعاً عن دينه أو نفسه أو ماله أو عرضه.
وأما بالنسبة للعفو فإنه يختلف باختلاف الأفعال. فإن كانت الجريمة من الحدود فلا كلام في عدم جواز العفو عنها ولا بوجه من الوجوه للنصوص القرآنية كقوله تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا} [البَقَرَة: 229]، وقوله تعالى: {وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} [الطّلاَق: 1]، وللأحاديث الكثيرة الواردة في ذلك. فقد روى أبو داود عن ابن عمر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) قال:«من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد لله»[*].. وروى مسلم عن صفوان بن أمية قال: «كنت نائماً في المسجد على خميصة[*] لي فسرقت، فأخذنا السارقَ فرفعناه إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) فأمر بقطعه. فقلت: يا رسول الله أفي خميصةٍ ثمنها ثلاثون درهماً؟ أنا أهبها له، فقال (صلى الله عليه وآله وسلّم): «فهلا كان قبل أن تأتيني به»[*]. وفي رواية لأحمد والنسائي: «فقطعه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم)». وروى مالك في الموطأ عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن: «أن الزبير بن العوام لقي رجلاً قد أخذ سارقاً وهو يريد أن يذهب به إلى السلطان فشفع له الزبير ليرسله، فقال: لا، حتى أبلغ به السلطان. فقال الزبير: إذا بلغت به السلطان فلعن الله الشافع والمشفع»[*]. فهذه الأحاديث صريحة في الدلالة على عدم جواز العفو في الحدود مطلقاً، لا للخليفة ولا لصاحب الحق، بعد أن تصل القضية إلى الحاكم، لأن الحدود حقوق الله تعالى فلا يجوز للعباد التصرف بها.
أما في الجنايات فإن للآدمي أنْ يعفوَ عن حقه قبل رفع القضية إلى القاضي وبعده، لما روى أحمد عن أبي شريح الخزاعي قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) يقول: «من أصيب بدم أو خبل - والخبل الجراح - فهو بالخيار بين إحدى ثلاث: إما أن يقتصَّ أو يأخذ العقل[*] أو يعفو»[*]. وهذا القول صريح بجواز العفو من قبل الآدمي عن حقه. وروى الترمذي وابن ماجه عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) يقول: «ما من رجل يصاب بشيء في جسده فيتصدق به إلا رفعه الله به درجة وحط عنه خطيئة»[*]. وما روي عن أنس أنه قال: «ما رفع إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) أمر فيه القصاص إلا أمر بالعفو»[*].
وقد جاء العفو عن الجنايات في القرآن، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ} [البَقَرَة: 178]، وقال تعالى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} [الشّورى: 40]. فهذه الأدلة توضح أن للآدمي أن يعفو عن حقه في الجنايات، لأن العفو في الجنايات يصح من صاحبِ الحق.
وفي الجناياتِ إنْ عفا صاحبُ الحق سقطت العقوبة ولم يبق للدولة مجال للعقوبة. ولا تكون الدولة هي التي قد عفت إنما الذي عفا هو الآدمي صاحب الحق.
وأما إن لم يعف الآدمي صاحب الحق فإنه لا يحل للدولة أن تعفو: فلا يصح أن يعفو ولا للخليفة أن يعفو، لقوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} [البَقَرَة: 179] أي أن وجود القصاص يحفظ الحياة، وعدم إيقاعه بالجناة يؤدي إلى عدم الحياة.
وأما التعزيرُ فإنَّ تقديرَ عقوبته متروكٌ إلى الخليفة وإلى القاضي باعتباره نائباً عن الخليفة. وللخليفة أن يخففَ العقوبة، وله أن يعفو وليس فرضاً عليه أن يوقع العقوبة. والدليل على ذلك ما رواه أحمد عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: «أتى النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) رجل فقال: يا رسول الله ما تقول في رجل لقي امرأة لا يعرفها، فليس ياتي الرجل من امرأته شيئاً إلا قد أتاه منها، غير أنه لم يجامعها. فقال له النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم):«توضأ ثم صلِّ»[*]. فهذا رجلٌ ارتكب حراماً وأقرَّ أمام النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) ومع ذلك لم يعاقبه وعفا عنه ولعلَّ إقراره كان نوعاً من التوبة حتى كان له ذاك العفو. وفي رواية بقوله: «توضأ وصلِّ» وفي رواية أخرى قال له: «أصليت معنا؟» قال نعم: فتلا عليه «إن الحسنات يذهبن السيئات»[*]. كذلك فإن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) لم يعاقب معتب بن قشير من بني عمرو بن عوف، وكان من المنافقين، الذي قال له: «إن هذه لقسمة ما أريد فيها وجه الله»[*]. وكذلك لم يعاقب (صلى الله عليه وآله وسلّم) من قال له في حكمٍ حَكَمَ به للزبير: «وإن كان ابن عمتك». مع أن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) غضب منه. وهذا دليل على أن الحاكمَ إذا رُفِعتْ له قضية من قضايا التعزير فإن له أن يعفو عن المجرم.
وكذلك للحاكم أن يخفف العقوبة وأن يجعلها أدنى حد. فعن السيدة عائشة أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) قال: «أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا في الحدود»[*]. وأقال عثرته: ساعده على النهوض من كبوته. وهذا يعني أن مساعدته إما أن تكون بالعفو عنه، وإما بالتخفيف عنه. وعن أنس بن مالك أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) قال: «الأنصار كرشي وعيبتي وأنّ الناس يكثرون وهم يقلّون فاقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم». والتجاوز عن المسيء يكون بالعفو عنه، فإن التجاوزَ هو الصفح.
وعلى ذلك فإنَّ التعزير يجوز العفو فيه ويجوز تخفيف العقوبة غير أن ذلك إنما هو للخليفة. أما القاضي فإنه ينظر فيه فإن حدد له الخليفة أدنى حد من العقوبة فإنه لا يجوز له أن يعفو، إذ لا يجوز له أدنى حد فإن له كالخليفةِ أن يعفوَ وأن يخففَ العقوبة.
والمخالفاتُ كالتعزير بالنسبة للعفو، ويجري فيها ما يجري في التعزير في موضوعِ العفوِ من غير فرقٍ بينهما.
هذا كله في الجريمة إذا رفعت إلى القاضي ولم يحكم بها بعد. أما إنْ حكمَ بها فإنه لا يجوزُ العفو فيها، إلا في الجنايات إذا عفا صاحب الحق. أما عدم جواز العفو بعد الحكم فإنه في الحدود ظاهر لأنه عفو في الحد، فهو عام سواء قبل الحكم أو بعده. وأما في الجنايات إذا لم يعف صاحب الحق فلأنها كالحدود حق الله تعالى، ولا فرق في ذلك قبل الحكم أو بعده. وأما في التعزير والمخالفات فلأن حكم القاضي إذا تم فقد ألزم به كافة المسلمين، ولا يحل نقضه ولا إلغاؤه ولا تغييره ولا تخفيفه مطلقاً. لأن الحكم متى نطق به القاضي لا يرفع مطلقاً، والعفو نقض للحكم ولذلك لا يصح. وأما استثناء الجنايات إذا عفا صاحب الحق فلأن النصوص التي وردت فيها عامة، قال الله تعالى: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ} [الشّورى: 40]. وقال عزَّ وجلَّ: {وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [البَقَرَة: 237]. وقال (صلى الله عليه وآله وسلّم): «ما عفا رجل من مظلمة إلا زاده الله تعالى بها عزّاً»[*]. وهذا عام يشمل ما قبل الحكم وما بعده، ولذلك يستثنى بصريح النص، وما عداه فلا عفو بعد الحكم ولا بوجه من الوجوه.

amantadin cena amantadin biverkningar amantadin nedir



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB