المعاملات والبينات والعقوبات
الطبعة : الطبعة الثانية  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   1102
تاريخ النشر :   2009




الـحـدود

من المسلمات التي لا يجوز أن تقبل الجدل هو أن الإسلام - في جوهره وأحكامه الشرعية - ثابت لا يتغير ولا يتطور بتغير الظروف والأزمان، ذلك لأن التطور، لغةً، معناه التحولُ من طور إلى طور، أو من حال إلى حال. قال الله تعالى: {وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا *} [نُوح: 14]، وأطوار هذا الخلق كما اتفق عليه أكثر المفسرين هي أن الله سبحانه وتعالى خلقكم أيها الناس: نطفةً، ثم علقةً، ثم مضغةً، ثم عظاماً، ثم كسا العظام لحماً، ثم أنشأكم خلقاً آخر فتبارك الله أحسن الخالقين.. وهي أيضاً الأطوار من حيث كونكم صبياناً، فشباناً، فشيوخاً، ثم تردون إلى أرذل العمر، حتى لا يعلم أحدكم، من بعد علمٍ شيئاً.
ولكنَّ هذا المفهوم للتطور، يختلف كل الاختلاف عن مفاهيم النشوء والارتقاء التي جاء بها الغرب، وغزت الجيل الصاعد من أبناء أمتنا. وهو أيضاً لا يدخل في مفهوم التحولات التي حصلت في شتى الميادين، ولا سيما الاكتشافات الصناعية والتقنية التي لمس معها الإنسان التحسن في الأنماط المعيشية التي فتنته، ووسائل المواصلات التي أذهلته، والآلات الميكانيكة والإلكترونية التي أدهشته، ووسائل الترفيه التي أبهجته.. إلى ما هنالك من التحولات التي شهدها العالم وبخاصة منذ بدايات القرن الماضي، وتقدمها الهائل في نهاياته.. والتي جعلت معظم شعوب الأرض تنقاد إلى الغرب، وما أنتجه، ليس فقط على صعيد الاكتشافات المادية، بل وعلى صعيد المفاهيم والنظريات والأفكار.
وكان المسلمون من جملة الناس الذين بهرهم الغرب، وجعلهم يأخذون أفكاره ونظرياته، ويعملون بها وفقاً لطرقهم الخاصة، دونما وعيٍ أو إدراك لمدى توافقها أو تعارضها مع إسلامهم..
وقد وعى أبعادَ تلك المشكلة التي راحت أخطارها تتزايد يوماً بعد يوم، عدد من المفكرين الإسلاميين، فحاولوا التصدّي لها، فكان أحدهم، إذا حاول الاعتراض على أفعال أولئك الذين فتنهم الغرب، وإفهامهم أن ما يقلّدونه به إنما هو مخالفٌ للشريعة الإسلامية في كثير من الأمور، أجابوه بإصرار: أتريد أن تعود بنا إلى الوراء؟!..
ولا نشك بأن كثيراً من هؤلاء المسلمين الذين يرون بأن الإسلام مرن ويتطوّرُ بحسب الظروف والأوضاع، هم من الذين يؤمنون بأحقِّية الإسلام، وبأنه الحقُّ الذي بعثه الله تعالى ليخرج الناس من الظلمات إلى النور.. لا نشك بذلك أبداً. ولكن مقولتهم: إن الإسلام يتطور مع الزمان، ويسير دائماً مع الأفكار التقدمية، فلا يجدر بنا أن نفوِّت علينا الاستفادة مما أنتجه غيرنا.. هذه المقولة تجعلهم يقعون في المحظور بحيث يصبح من لا يأبه للإسلام، ومن يغار عليه، سواء بسواء..
ولكنَّ تلك الأمور «التقدمية» التي بهرت هذه الفئة من المسلمين، حتى طغت عليهم، لم تكن وليدة ساعتها، بل إن مثل هذا النمط من التفكير قد نشأ منذ أواخر القرن التاسع عشر، أي أيام الانحطاط الفكري لدى المسلمين. فصار مألوفاً لدى أصحاب «الفكر التقدمي» ما يشيعه المغرضون من أنَّ الإسلام مرن ومتطور، وأنه يماشي الأفكار التحررية والتقدمية، ويساير الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في كل زمان ومكان، والمعنى أنه يتأثر بالنظريات والتطورات وينقاد لمفاهيمها، وكأنه في تطوّره تبع لها!... وقد وجد الاستعمار في هذا «الطعم» الذي ابتلعه كثيرٌ من المسلمين الفرصة سانحةً للقضاء على التشريع الإسلامي وطمس معالمه، فقام بتغذية تلك الأفكار حتى طغت على السلوك العام لدى المسلمين، وطبعت في أذهانهم، وصارت تتحكم في تصرفاتهم.. فإذا ذكَّرت أولئك «التقدميين» بأحكام الشرع قالوا: إنها كانت لزمن معين، والإسلام يفرض على الإنسان أن يجاري عصره، ويعمل بما يلائم زمانه ومكانه!..
ولو أننا سلمنا جدلاً بمقولتهم تلك، فمعناه أن مفاهيم الإسلام، بل وأحكامه لا تتّسم بأي ثبات أو استقرار، بل هي عرضة للتغيّر بحسب ما هو منتشر بين الناس، فيمكن قياساً على ذلك أن يتعاطى المسلم - والعياذ بـالله تعالى - شرب الخمر إذا عاش في بلدٍ غير إسلامي، أو يمكن له أن يعاشر الخليلات، ويطأ المحصنات، كما هو شائع في أكثر المجتمعات التي لا تدين بالإسلام، أو التي لا تعمل بأحكامه الشرعية والإنسانية!... وهنا نسأل: هل هذا ما يريدونه من التطور، ومجاراة العصر التي يزعمون؟!.. وهل هذا هو التقدم والتمدن والمرونة التي ينشدون؟!..
أليس أولئك هم ذاتهم الذين اخترعوا التبريرات التي جعلتهم يقبلون بوجود البنوك الربوية، والشركات المساهمة، ومؤسسات التأمين، والتعامل معها جميعاً؟!.. بل ورأينا أكثر من ذلك، عندما تجرأ البعض وأصدر الفتاوى، بأن على الإسلام أن يقبل بهذه التبريرات لأنها تمثل المصلحة الواقعية، التي أضحت لا غنى عنها، حتى يمكن للمسلم أن يعيش في ظل المستجدات، وإلاَّ كان متخلفاً، ولا يستطيع مسايرة الركب!..
غريب أمر هذه التبريرات!. بل والأغرب تلك البدع التي يضلّلون بها عقول الشباب وهم ينشرون على مسامعهم أقاويل من مثل: إنَّ على الإسلام أن يبيح للنساء الاختلاط بالرجال دون أي قيد أو شرط لأن المرأة هي عنصر فاعل في المجتمع، وهي تشكل نصف أعضاء المجتمع!... يقولون بهذا الاختلاط، حتى وإن كان لغير حاجة يقرّها الشرع، بل لأنه من متطلبات العصر.. ومثلُه قولهم إنَّ تعدد الزوجات انتهى حكمُهُ لأن الزمن لم يعد يستسيغ ذلك. أو قولُهم إن قطع يد السارق لا يجوز البحث به لأنه لا يناسب ذوق هذا الزمن.. أو قولُهم إن حدَّ القذف ورجم الزاني أو جلده أصبح من الأمور الرجعية، في عصر الحرية الشخصية... إلى ما هنالك من الحجج الواهية التي لا تستند إلى أي أساس صحيح.. وكل ادعاءاتهم تلك تتخفّى تحت ستار قاعدة شرعية - هم ابتدعوها - ومقولتها: «إن الإسلام يتغير بتغيّر الزمان والمكان»..
رويداً!.. رويداً!.. أيها المفتونون!... ليس في الإسلام شيء من ذلك. لا، بل إنَّ الإسلام براءٌ من تلك القاعدة ومثيلاتها براءة تامة، وهي محض افتراء وتجنٍّ عليه، لأنه وإن كان هذا الدين يأخذ بعين الاعتبار كل المحدثات في الحياة الإنسانية، إلاَّ أن ذلك لا يعني أن نغيّر في الأحكام الشرعية، ونسخِّرها لأغراض دنيوية، لا تأتلف في الأصل مع طبيعة الإنسان، والغاية من استخلافه. فالإسلام لا يقيم أي وزنٍ أو اعتبار للظروف والأحوال التي تخالف الأحكام التي شرَّعها الشارع الأعظم، بل ولا يرضى الحقُّ نفسه لهذا الدين القيّم أن يتخلى عن هويته، وعن صبغته التي صبغَهُ الله تعالى بها لأمورٍ هي من صنع البشر، وهي عقيمة في المنظار العام للمصلحة الإنسانية... ومن أجل ذلك فإن كل ما خالف الإسلام لا بد من إزالته، وكل ما أمر به الإسلام لا بدَّ من تمكينه وجعله موضع التطبيق، فواقع المجتمع الإنساني لا بد أن يكون مقيداً بأوامر الله تعالى ونواهيه.
ولا يحل للمسلمين أن يتكيَّفوا مع متطلبات الزمان والمكان بطريقة عشوائية، وبالرضوخ لظروف الحياة التي يهيمن عليها ما يخالف دينهم.. إنَّ عليهم أن يعالجوا جميع الأوضاع من خلال القرآن المبين، والسنة النبوية الشريفة، وأن يؤمنوا كل الإيمان بأن الإسلام طرازٌ خاصٌّ في الحياة، متميز عن غيره من الأديان كل التمييز.. وهو يفرض على المسلمين أن يعيشوا حياة يحكمها شرع واحد هو شرع الله، لأنَّ شرع الله (تبارك وتعالى) شرع أصيل وثابت، لا يتحوَّل ولا يتغيَّر، ويوجب عليهم التقيّد بأحكامه تقيّداً يجعلهم لا يطمئنون فكرياً ونفسياً إلاَّ للعيش في ظل شرع الله، ولا يشعرون بالسعادة الفردية والجماعية إلاَّ وفقاً لمنهاج الله...
نعم إن للإسلام مفاهيمه عن الحياة وهي تشكل الاتجاه القويم في المسار الإنساني. فقد جاء في خطوط عريضة، أو معانٍ عامةٍ تعالج جميع مشاكل الإنسان في الحياة. وهذه المعاني العامة هي التي تستند إليها جميع الأفكار الرئيسية التي تشكل مقياساً لتبنى عليه جميع الأفكار الفرعية، فيكون الإنسان من جرّاء ذلك قادراً على أن يستنبط بالفعل علاجاً لكلّ مشكلة قد تعترضه، فيكون الإسلام بذلك قد حدَّد للإنسان الأفكار، ولكنه لم يحدَّ عقله، بل أطلقه وحثه على إعمال الفكر، واستخدام العلم، وفي الوقت نفسه قيَّد سلوكه في الحياة بأفكار معينة.. فجاءت نظرة المسلم للحياة الدنيا نظرة أملٍ باسمٍ، وجدّية واقعية. كما جاءت نظرة تقدير لهذه الحياة، مفصَّلة على قدرها من حيث إنها يجب أن تُنال، وأن تعاش بالمقدار اللازم لها، وليس من حيث إنها غاية، بل ولا يصح أن تكون غاية... وما سعيُ الإنسان في مناكبها، والأكل من خيراتها - وهي رزق الله تعالى الواسع - والتمتع بالزينة التي أخرجها لعباده، سوى وسيلة لا غاية، على أساس أن الدنيا دار ممرّ، والآخرة دار مقرّ، فتكون الآخرة هي الهدف، ورضوان الله الكريم هو الغاية. قال عليٌّ أمير المؤمنين (عليه السلام) عن الدنيا: «ففيها اختُبرتم ولغيرها خُلقتم». وقوله هذا يُعبّر عن حقيقة الحياة الدنيا من أنها دار اختبار وابتلاء للإنسان، بينما الحياة هي الآخرة، وهي الدائمة والأزلية. ولكنَّ نوعَ الحياة الآخرة يتوقف على عمل الإنسان في هذه الدنيا وعلى مدى تقيّده بأوامر الله تعالى ونواهيه!.
فالإسلام إذاً قد أنزله الله تعالى ديناً قيّماً على الحياة، ونظاماً متكاملاً لرعاية شؤون الناس ومصالحهم في الدنيا، وتأمين فوزهم في الآخرة.. ولذلك أراد الله العلي العظيم، ومن خلال هذا الدين، أن يكون هيكل المجتمع الإسلامي قائماً على أعمدة ثمانية هي التي تتمثل بحدود الله - عزَّ وجلَّ ـ. وهي الحدود التي يكمل فيها بنيانه، وتتقوَّى بها علائقه وروابطه، وتشتد قواه وعزائمه، وتنتظم أموره وشؤونه، فلا يخالطه ضعف وانحطاط، ولا تجرفه نوازع وأهواء.. فإذا اختلَّ أحدُ هذه الأعمدة، التي تقوم عليها أركان الشرع الأساسية، اهتزَّ سائر أجزاء الهيكل، وتقوِّضت أسس بنيانه. ولعلَّ في المثال الحسي ما يقرّب هذه الفكرة من الأذهان، ويعطي الصورة الواضحة عن كيفية بناء المجتمع الإسلامي.. فلو أن فاحشة الزِّنا تفشت بين الناس، لا سمح الله تعالى، لضاعت الأنساب وهُتكت الأعراض، وصار مثَلُ الإنسان في المجتمع كمثل الحيوان في الغابة، لا عقل لديه يوجِّه، ولا حياء يمنع، ولا إيمان يردع. ولو أن جريمة السرقة شاعت بين أبناء المجتمع لباتت الأموال والأرزاق في خطر دائم، وحرم السارقون أصحاب المال من الانتفاع بملكيتهم الخاصة، بل وقد يعيش هؤلاء المالكون بعد سرقة أموالهم في الفقر والجوع وسخط العيش.. هذا لو أخذنا السرقة بمعناها الفردي المحدود. أما السرقة بمعناها الواسع، فحدّث ولا حرج، وهي التي تكون بتسخير المصالح العامة، والقيام بالصفقات المشبوهة وسرقة أموال الدولة، ودعم المشاريع التي يقوم بها أصحاب النفوذ بطريقة سرية كالاحتكارات ونحوها.. وفي ذلك كله استلاب للأموال العامة والخاصة بصورة خفية، وتحقيق للأغراض والمطامع الشخصية، مع ما يرافق ذلك من نفاق واحتيال.. وكذلك الأمر فيما لو تعاطى غالبُ أبناء المجتمع معاقرة الخمر، فهل يبقى مجتمعهم سليماً معافىً أم أن جرائم القتل والسرقة، وحوادث السير وغيرها تزداد وتكثر. وأين كرامة الإنسان وقد ذهب السكر بعقله واتزانه؟ وأين جِدّية الإنسان، وكيف يمكن له أداء واجباته في عمله، أو وظيفته، وفكره مخمور لا يعي ماذا يفعل؟ بل وأين هذه الأسرة النظيفة المستقيمة والآباء يُعوِّدون الأبناء - وربما منذ الصغر - على معاقرة الخمر؟ وهل يمكن للأبوين السكيرين أن يمنعا أبناءهما من تعاطي المخدرات، أو القيام بأية فاحشة أخرى؟
ولنتمثل وضعاً أكثر شمولية: فإذا ما ازداد البغاة في الأمة وقويت شوكتهم، ووُجدت في أيديهم الوسائل (مثل المال والسلاح) فهل يبقى هنالك من أمانٍ واستقرار في المجتمع؟ وهل يبقى من تكافل وتضامن بين أبناء هذا المجتمع؟ بل وهل تبقى الدولة قوية، منيعة، تصون أعناق الناس وأعراضهم وممتلكاتهم؟
هذه الأمثلة قد تبين أهمية الحدود في الشرع الإسلامي، وقد أطلقنا عليها وصف الأعمدة للبرهان على أهميتها في بناء الحياة الإنسانية. وهذه الأعمدة أو هذه الحدود هي كما قلنا ثمانية: أربعة منها هدفها الحفاظ على الإنسان في المجتمع، وهي: حد الزِّنا (للحفاظ على النسل الإنساني)، حد القذف (للحفاظ على كرامة الإنسان وصون عرضه)، حد الخمر (للحفاظ على عقل الإنسان)، حد القصاص (للحفاظ على النفس الإنسانية).
وأربعة أخرى هدفها صون المجتمع والدولة على حد سواء، وهي: حد السرقة (لصون المال)، حد قطاع الطرق (لسلامة الأمن)، حد الردة (لصون الدين)، حد البغي (لبقاء الدولة).
وعندما شرَّع ربُّ العالمين هذه الحدود، أوجب على المسلم عدم الاقتراب منها أو تعدّيها، فقال في محكم التنزيل العزيز: {الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * فَلاَ تَقْرَبُوهَا} [البَقَرَة: 185،187]، {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا} [البَقَرَة: 229]. فإن خاف المسلم أوامر ربه تعالى، واقترب من حدوده أو تعداها، فقد ظلم نفسه وأوجب عليها العقاب، لقوله تعالى: {وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} [الطّلاَق: 1].
والرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) قال: «الحلال بيّنٌ والحرام بيّنٌ وبينهما الشبهات، فاتقوا الله ربكم في الشبهات، فمن ابتعد عن الشبهات ابتعد عن الحرام، كراع يرعى حول الحمى ليوشك أن يقع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإنَّ حمى الله في أرضه محارمُه»[*].
من هنا كانت الضرورة تفرض على جميع أبناء المجتمع الإسلامي العمل على منع كل ما من شأنه أن يقوِّض البناء الإسلامي القائم على حدود الله تعالى، لأنها وحدها التي تحمي المجتمع، كما تحمي الإنسان نفسه، فما هي أحكام هذه الحدود؟
أنـواع الحـدود:
قد تباينت آراء الأئمة حول أنواع الحدود:
- فقال الشيعة الإمامية: إن أسباب الحد سبعة: الزِّنا، وما يتبع الزِّنا (كاللواط والمساحقة والقياد)، والقذف، وشرب الخمر، والسرقة، وقطع الطريق، والارتداد.
- وقال الحنفية: الحدود خمسة، هي: حد السرقة، وحد الزِّنا، وحد الشرب، وحد السكر، وحد القذف[*]. أما قطع الطريق فهو داخل في مفهوم السرقة بالمعنى الأعم.
- وقال المالكية والشافعية والحنبلية: الحدود سبعة، هي: حد السرقة، وحد الزِّنا، وحد القذف، وحد شرب المسكر، وحد الحرابة، وحد القصاص، وحدة الردة.
معنى الحـدود:
- قال الشيعة الإمامية: أصل الحدّ ما يحجز أو يحجب بين شيئين فيمنع اختلاطهما، فحد الدار منتهاها الذي يميزها عما حولها، وحد الشيء منتهاه، أو المحيط به، المفرِّق له عن غيره.
وتطلق الحدود، في الاصطلاح الشرعي، ويراد بها المعاصي. ولذلك فهي تطلق على شرائع الله تعالى ومحارمه، لأن حدود الله - عزَّ وجلَّ - محارمه. كما يطلق عليها معنى العقوبات المقدرة شرعاً في معاصٍ لتمنع من الوقوع في معاصٍ مثلها. وعندما يكون الحدّ من الحقوق الخالصة لله تعالى، كحد الزِّنا - واللواط والسحاق - وشرب الخمر. فإن الحاكم هو المطالب بهذا الحق، والمستوفي له، والمسؤول عن استيفائه. أما إذا كان في الحد حق للناس، كحد القذف والسرقة فإن الحاكم لا يقيمه بمجرد علمه إلاَّ إذا التمسه وطالب به صاحب الحق، لأنه منوط بإرادته، فإذا فعل وثبت البينة على الفاعل، أقام الحاكم عليه الحد.
- وقال فقهاء المذاهب الأربعة: الحد في اللغة المنع. وحدود الله تعالى هي أحكامه، أي ما حدَّه وقدَّره. وحدود الله هي أيضاً محارمه، وسميت العقوبات حدوداً لكونها مانعة من ارتكاب أسبابها.
وعند الحنفية: إن الحدَّ في الشرع عقوبة مقدرة، واجبة ومقررة حقّاً لله تعالى، أي لصالح الجماعة. ولذا فلا يسمى التعزير حداً لأنه ليس بمقدر، وكذلك القصاص لا يسمى حدّاً لأنه، وإن كان مقدراً، لكنه حق العباد فيجري فيه العفو والصلح. وسميت العقوبات حدوداً لأنها تمنع من الوقوع في مثل الذنب.
وعند باقي الأئمة من أهل السنة: إنَّ الحدَّ هو اللفظ الذي يطلق على كل عقوبة مقدرة شرعاً، سواء أكانت مقررة لرعاية حق الله تعالى، أم لحق الأفراد.
وقد وردت الأدلة على الحدود في القرآن الكريم، وفي سنة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) كما سنبين ذلك. ولكن ما يمكن قوله الآن وبصورة إجمالية، هو أن التعدّي على الحدِّ إنما يؤدي إلى ارتكاب المعصية. وبما أن الشارع الأعظم قد حدَّ للمعاصي حدوداً، أي عقوبات معينة، فقد وجب التقيد بهذه الحدود، وتطبيقها تطبيقاً كاملاً.
هذا، إلى أن الحدود وضعت في الأصل لصيانة المجتمع الإسلامي. ولو أن جميع الناس يطبقونها لكانت حماية لكل المجتمعات الإنسانية لأنها ليست مقاييس معينة من وضع الإنسان، بل هي تشريع إلهي فيه أوامر الله - عزَّ وجلَّ - ونواهيه. وهي بهذه الصفة تكون ثابتة، لا تتغير ولا تتبدل على الإطلاق، مثلها كمثل سائر أحكام الإسلام، التي تعبّر عن مفاهيم ومضامين، هي الذروة في السمو والعظمة لمصلحة الإنسان..
والحدود يجب الحفاظ عليها، وتطبيقها تطبيقاً كاملاً. ومن أجل ذلك فرض الله سبحانه وتعالى عقوبات صارمة على مخالفتها، صوناً للفرد وللجماعة على حد سواء، باعتبار أن عناية الإسلام بالفرد لا تقل عن عنايته بالجماعة. فالمجتمع الإسلامي يجب أن تتضافر فيه جميع الجهود لبنائه سليماً من المشاكل والعثرات والمخاطر التي قد يتعرض لها. وما لم تتناسق الأعمال والغايات وتتوحد الرؤية بين أبنائه جميعاً، كل على قدر استطاعته ومسؤوليته، فلا يمكن اعتباره مجتمعاً إسلامياً، وتنتزع عنه الصفة الإنسانية. ولهذا كان التقيد بأوامر الله تعالى ونواهيه هو ما يحقق ذلك الهدف الكبير في بناء مجتمعنا. وخير ما يعبّر عنه قول الإمام محمد الباقر (عليه السلام): «إن الله تبارك وتعالى لم يَدَعْ شيئاً تحتاج إليه الأمة إلى يوم القيامة إلاَّ أنزله في كتابه وبيَّنه لرسوله (صلى الله عليه وآله وسلّم)، وجعل لكل شيء حداً وجعل عليه دليلاً يدل عليه، وجعل على من تعدَّى الحدَّ حدّاً»[*].
وهذا ما يؤكد أهمية الحدود، وضرورة تطبيقها حفاظاً على المجتمع بأناسه وكيانه ومقوماته جميعاً.. فالواقع يدل على أن الأفراد، وأحياناً بعض الفئات في المجتمع، ترتكب المعاصي، والتجاوزات والمخالفات، بحيث تتعدَّى حدود الله عزَّ وجلَّ، غير هيّابة ولا وجلة من عقاب الدنيا والآخرة.. فهل يترك هؤلاء العابثون المفسدون، الضالّون على هواهم دون عقوبات تردعهم؟ وماذا يحل بالمجتمع عندئذٍ؟ إن هذا يبرز أحد الوجوه الرئيسية للحدود، وذلك بوجوب معرفتها واحترامها والعمل بموجبها، وبالتالي من أجل التقيد بتلك الحدود وعدم التعدي عليها. وكان على أولياء الأمر خاصة، وعلى الجماعة عامة، أن يأخذوا على أيدي أهل السوء حتى ينجو المجتمع.. بمعنى أن الجماعة عندما ترى الفساد والشر والفحشاء تنتشر في المجتمع، وتسكت عنها، فإن الأمراض والمشاكل والعثرات سوف تحلُّ بهذا المجتمع لا محالة وتؤدي إلى هلاكه. أما إذا تداركت الجماعة ذلك، ومنعت أسبابه، واعتمدت المعالجات التي أنزلها رب العالمين، فإن المجتمع سوف يصلح، وفي صلاحه أمنه واستقراره وخيره. فكان على المؤمنين واجب رعاية حدود الله تعالى، والعمل على تطبيقها، وفرض العقوبات المقررة عليها،حتى يعيش الناس في كنف المجتمع الإسلامي الراقي، النظيف، المثال للمجتمعات الإنسانية.
وبكلمة مختصرة يجب على المؤمنين وأولي الأمر أن يضربوا على أيدي العابثين في الحدود حتى ينجّوا المجتمع بأسره.
ولقد وعى المسلمون الأوائل أهمية إقامة الحدود في الدنيا، لما تجبر عنهم من عقوبات الآخرة، فطبقوها على أنفسهم. ومن أجل ذلك اعترفت امرأة من جهينة بالزِّنا فعوقبت بالرجم حتى ماتت. فكان اعترافها أعظم توبة لها، وقال عنها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم): «لقد تابت توبةً لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم...»[*].
وهذا يدل على أن الاعتراف، أو الإقرار أو التوبة من الضرورات للعاصي لإسقاط عقوبة الآخرة عنه، أي أن من يقدم على الإقرار بذنبه، ويتوب عما فعل، مطالباً بإقامة الحد عليه، إنما يفعل ذلك ليبرأ، ويدفعَ عنه عذاب الآخرة. ولقد حفَّز الإيمانُ بـالله تعالى واليوم الآخر كثيراً من المسلمين على أن يأتوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم)، أو أحد الخلفاء الراشدين، وهم يقرّون بما ارتكبوا من جريمة، أو معصية، أو ذنب، أو مخالفة، حتى يوقع عليهم الحدَّ المقرر شرعاً، أو المقدّر اجتهاداً، لكي يجبروا ما ارتكبوا، ويأملوا بسقوط عذاب الآخرة. وروعة فعلهم ذاك تتجلَّى بدافع الإيمان، وباحتمال الألم على تنفيذ العقاب، مهما كان فيه من أذىً أو شدة، لأنه عذاب أين هو من عذاب الآخرة وشدته..
وعليه فالعقوبات زواجر وجوابر: فهي زواجر لأنها تزجر الناس وتمنعهم من ارتكاب الجرائم عندما يشاهدون القصاص الذي يوقع بمرتكبي الجريمة، وهي جوابر لأن القصاص عندما يقع على مرتكب الجريمة في الدنيا، فإنه يمنع عنه عذاب الله تعالى في الآخرة، فيكون قد جبر أي سوَّى ما أفسد، وأصلح نفسه.
والعقوبات تفرض على أربعة أنواع: الحدود، والجناية على النفس (أو القتل)، والجناية على ما دون النفس (أو التعزير) والمخالفات.. ولكل منها أحكامها في القرآن والسنة والاجتهاد.. ولكن ما تجدر الإشارة إليه هنا هو أن العقوبات المتعلقة بالحدود لا تطلق إِلاَّ على المعاصي التي فيها حق لله تعالى، أي أن الحدود هي حقوق الله عزَّ وجلَّ، فلا يملك أحد إسقاط الحد فيها، أي إسقاط حق الله تعالى، لا الحاكم ولا نائبه، ولا أحد من البشر، إلاَّ في حالة واحدة هي العفو من ولي المجنى عليه، فلا يطبق في هذا العفو، إذا اكتملت شروطه، القصاص، بل يعاقب الجاني تعزيراً وكفارة بحسب نوع الجرم الذي ارتكبه.
وهذه الحدود هي:
- القذف.
- الخمر.
- الزِّنا واللواط والسحاق.
- السرقة.
- الأمن أو حد قطاع الطرق.
- الارتداد أو حدّ المرتد.
- البغي.
- الجناية على النفس أو القتل.
وإليكم أحكامَ كلِّ منها:
حـد القـذف
معنى القذف وعقوبته:
القذف لغة هو الرمي، وشرعاً هو اتهام بالزِّنا. فاتهام المؤمنات الغافلات المحصنات محرَّم، ما لم يأتِ القاذف بأربعةِ شهداء. وقد ورد تحريمه في الكتاب والسنة.
فالقذف محرّم في القرآن المجيد لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ *} [النُّور: 4]، وقال عزَّ وجلَّ: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاَتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ *} [النُّور: 23] ومعنى المحصنات في هذه النصوص العفائف. ولكن لفظة المحصنات وردت في القرآن المبين بأربعة معانٍ:
الأول: العفائف كما في الآيتين المذكورتين.
الثاني: المتزوجات، قال تعالى: {مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ} [النِّسَاء: 25].
الثالث: الحرائر، بمقابل الإماء، قال تعالى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [المَائدة: 5]، وقال تعالى: {فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} [النِّسَاء: 25].
الرابع: المسلمات،قال تعالى: {فَإِذَا أُحْصِنَّ} [النِّسَاء: 25]، قال ابن مسعود: إحصانها: إسلامها. فتكون كلمة «المحصنات» من الألفاظ المشتركة بين عدة معانٍ، والمراد بها: المسلمات العفائف الحرائر المتزوجات.
أما حد القذف فهو ثمانون جلدة، على أن يكون القاذف مكلفاً مختاراً، وأن تكون المحصنة قد جمعت شروط الإحصان. والشروط التي توجب القذف في المحصنة خمسة: العقل، والبلوغ، والحرية، والإسلام، والعفة عن الزِّنا.
والشرط الأساسي الوحيد لإقامة حدّ القذف هو: أن لا يأتي القاذف ببيّنة على قذفه. والبينة هي أربعة شهود. كما يشترط عدم الإقرار من المقذوف، لأن إقراره هو بمعنى البينة. فإن كان القاذف زوجاً، وجب امتناع المقذوف عن اللعان.
وزيادة على عقوبة القاذف التي هي ثمانون جلدة، فإنه لا تقبل شهادته أبداً، كما أمرنا بذلك ربُّ العالمين: «ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً»، هذا فضلاً عن كون القاذف «فاسقاً» و«ملعوناً في الدنيا والآخرة»، وكل ذلك بدليل النص القرآني الكريم. إلا أن الحنفية رأوا قبول شهادة القاذف إذا تاب.
أما في السنة فقد روي أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) قال: «اجتنبوا السبع الموبقات. قالوا: وما هنَّ يا رسول الله؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلّم): «الشرك بالله عزَّ وجلَّ، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات»[*].
أركان حد القذف:
للقذف الذي يترتب عليه الحد الشرعي ثلاثة أركان:
1 - الصيغة: اتفق جميع الأئمة على أن من يرمي أحداً بالزِّنا، رجلاً كان المقذوف أم امرأة، يتوجب عليه الحد إن لم يأتِ بالبينة. ويتحقق القذف باللفظ الصريح، شرط أن يكون القاذف عارفاً به. أما معرفة المقذوف فليست بشرط.
وقال الشافعية[*] إذا قذف شخص آخر باللواط، فهو قذف بوطء يوجب الحد، فأشبه القذف بالزِّنا. أما إذا قال له: يا لوطي وأراد بذلك على أنه عادة أهل لوط، فلا يحد لأنه يحتمل ذلك. أما إذا أراد بقوله إنه يعمل عمل قوم لوط وجب الحدّ.
والقذف باللواط موجب للحد عند الإمامية والمالكية والشافعية والحنبلية.
التعريض بالقذف:
- قال الشيعة الإمامية: إذا قال له: يا فاسق أو غير ذلك، وهو بريء أو مستهتر غير متجاهر لم يُقم عليه الحد، وإنما يعزّره الحاكم بما يراه. سئل الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) عن رجل قال لآخر: يا فاسق؟ فقال (عليه السلام): «لا حدَّ عليه، ويعزر»[*].
وإذا قال له: يا فاسق، وكان كذلك، وفي الوقت نفسه غير مبالٍ، بل مستهتر ومتجاهر بالفسق، فلا حدَّ ولا تعزير على القائل، بل له الأجر على ذلك. قال الإمام الصادق (عليه السلام): «إذا جاهر الفاسق بفسقه فلا حرمة له ولا غيبة»[*]. وفي السنة النبوية الشريفة: «إذا رأيتم أهل البدع والريب من بعدي فأظهروا البراءة منهم، وأكثروا من سبهم، وباهتوهم كي لا يطمعوا في الفساد في الإسلام، ويحذرهم الناس، فيكتب الله لكم بذلك الحسنات، ويرفع لكم الدرجات»[*].
وإذا قال له: يا بن الزانية، أو يا زوج الزانية، أو يا بن الزاني، أو يا بن اللوطي، فليس للمقول له أن يطالب بإقامة الحد على القائل، حيث لم ينسب الفاحشة إليه، وإنما نسبها إلى الأم، أو الزوجة، أو الأب، ولكل من هؤلاء الحق أن يطالب بإقامة الحد، لأنه المقذوف بالذات، دون المقول له.. ولهذا الأخير أن يطلب من الحاكم أن يؤدب القائل ويعزره، حيث قال له ما يكرهه.
- وقال الحنفية: التعريض بالقذف لا يوجب الحد، وإن نوى به القذف، إذ هو بمنزلة الكناية المحتملة للقذف ونحوه. ولا يحد الشخص مع الاحتمال. لقوله (صلى الله عليه وآله وسلّم): «ادرؤوا الحدود بالشبهات»[*]. وكذلك لا يحد بالألفاظ المشتركة بين الزِّنا وغيره، أو بما يدل صراحة على وطء غير الزِّنا.
- وقال المالكية: التعريض بالقذف يوجب الحد، إن دلت القرائن على أن تعريضه كان القذف بالزِّنا، ومثال القرينة: الخصومة بينهما، فالقذف هنا كان كناية تقوم مقام اللفظ الصريح، وإن كان هذا اللفظ مقولاً بالاستعارة.
- وقال الشافعية: التعريض إن نوى به القذف، وفسره به، وجب الحد، فهو بمنزلة الكناية، وهي توجب الحد. وإن لم ينوِ به القذف لم يجب الحد سواء أكان التعريض في حال الخصومة أم غيرها، لأنه يحتمل القذف وغيره[*]. ومن الكناية عندهم، أن يقول: يا فاجر ونحو ذلك..
- أما الحنبلية فقد اختلفت الروايات عن الإمام أحمد، ففي رواية أن التعريض بالقذف لا حدَّ عليه، وفي رواية أخرى أن عليه الحد بدليل فعل عمر (رضي الله عنه)[*].
شروط القاذف:
اتفق جميع الأئمة على أن القاذف لا يقام عليه الحد الكامل إلا إذا كان عاقلاً، بالغاً، فلا حدَّ على المجنون.
- قال الشيعة الإمامية: يعزر القاذف إذا كان مجنوناً أو صبياً إذا رأى الحاكم ذلك حتى لا يؤذيا أحداً. ولا فرق بين أن يكون المقذوف بالغاً عاقلاً، أو صبياً أو مجنوناً. قال الإمام الصادق (عليه السلام): «لا حدَّ لمن لا حدَّ عليه»[*].
- وقال فقهاء السنة: لا فرق بين كون القاذف مسلماً، أو كافراً التزم حقوق المسلمين من ذميٍّ أو معاهد. واشترط الشافعية أن يكون القاذف مختاراً غير مُكرَه.
كما اتفق الأئمة على أن الحدَّ يقام على القاذف - إن لم يثبت ما قذف به - بأربعة شهود. فإن أتى بأربعة وشهدوا معه فلا حدَّ عليه.
واشترط أبو حنيفة أن يأتي الشهود جماعة، فإن شهادة الواحد منفرداً، تخرجه عن كونه شاهداً، بل وتحيله قاذفاً يستوجب الحد. كما أجاز الحنفية أن يكون الزوج أحد الشهود الأربعة.
وقال المالكية والشافعية والحنبلية: إن إطلاق الآية يجعل الانفراد بالشهادة مقبولاً، بل تفريقهم أولى لأنه أبعد عن التهمة والتواطؤ.
شروط المقذوف:
قال الشيعة الإمامية: يشترط في المقذوف العقل والبلوغ والإسلام، وعدم التظاهر والتجاهر بالزِّنا. فمن قذف مجنوناً، أو صبياً، أو غير مسلم أو متجاهراً فلا يحد الحدَّ الكامل، حتى ولو كان القاذف كاملاً، ولكنه يعزَّر بما يراه الحاكم. فقد سئل الإمام الصادق (عليه السلام) عن الرجل يقذف الصبية أيجلد؟ قال (عليه السلام): «لا حتى تبلغ»[*]. وسئل عن أهل الذمة والكتاب: هل يجلد المسلم الحد في الافتراء عليهم؟ قال (عليه السلام): «لا، ولكن يعزر»[*]. وإذا قذف الابنُ الكامل أباه يقام عليه الحد، وإذا قذف الأبُ ابنه فلا يقام عليه الحد، ولكن يعزر، لا من أجل حق الابن، بل لأنه فعل محرماً. فقد سئل الإمام محمد الباقر (عليه السلام) عن رجل قذف ابنه بالزِّنا؟ قال (عليه السلام): «لو قتلَهُ ما قُتل به، وإن قذفه لم يجلد»[*].
- وقد اتفقت المذاهب الأربعة على أنه يشترط في المقذوف شرطان[*]:
1 - أن يكون المقذوف محصناً، رجلاً كان أو امرأة، مع توفر شروط الإحصان وهي: العقل، والبلوغ، والحرية، والإسلام، والعفة عن الزِّنا. فلا حدَّ على من يقذف الصبي والمجنون والرقيق والكافر، ومن لا عفة له عن الزِّنا.
ولدى الشافعية[*]: أنه لا حدّ على الوالد إذا قذف ولده، ولا حدَّ على الجد إذا قذف ولد ولده، ولا على أمه ولا جدته وإن علت، لأن الحدَّ عقوبة تجب لحق الآدمي، فلم تجب للولد على الوالد كالقصاص. وإن قذف زوجته، فماتت، وله منها ولد، سقط الحد، لأن المطالبة حق للولد، وليس له هذا الحق على والده. أما إن كان لها ابن آخر من غيره، فوجب له الحد، لثبوت حقه فيه.
2 - أن يكون المقذوف معلوماً، فإن كان المقذوف مجهولاً لا يجب الحد، كما لو قال لجماعة: «ليس فيكم زان إلاَّ واحد»، فالمقذوف هنا مجهول ولا حدَّ في المجهول.
ومن شروط القذف لدى الحنفية والمالكية والحنبلية أن يحصل في دار العدل، فإن حصل في دار الحرب أو البغي فلا يجب الحد. لأنه ليس للإمام ولاية على الدارين[*]. وقال الشافعية: «يستحقُّ الباغي الحدَّ».
كما اشترط أصحاب المذاهب الأربعة أن يكون القذف غير معلق على شرط، أو مضافاً إلى وقت، فإن كان كذلك، لا يجب الحد. فإذا قال رجل لآخر: «إذا دخلت هذه الدار فأنت زانٍ» فلا حد عليه، وكذلك إذا قال له: «أنت زانٍ غداً» فلا حد عليه[*].
كيفية إقامة حد القذف:
قال الشيعة الإمامية: يُضرب القاذف ضرباً وسطاً، وهو مُرْتَدٍ ثيابه. وذلك لقول الإمام الصادق (عليه السلام): «يُضرب المفتري بين ضربين - أي الخفيف والشديد - ويضرب جسده كله فوق الثياب»[*]. وقال أيضاً: «إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) قال: الزاني أشدُّ ضرباً من شارب الخمر، وشارب الخمر أشدُّ ضرباً من القاذف، والقاذف أشد ضرباً من التعزير»[*].
وقالوا: ويُشهّر القاذف ليعلم الناس بحاله، فيجتنبوا شهادته، كما يشهر شاهد الزور.
وإذا مات المقذوف قبل أن يستوفي الحد من القاذف، أو يعفو عنه، ورث حق المطالبة بإقامة الحد ورثة المقذوف، وهم الذين يرثون المال من الذكور والإناث، عذا الزوج والزوجة. وذلك بالإجماع عليه، مضافاً إلى النصوص العامة والخاصة.
- وقال الحنفية: إن حد القذف فيه حق للعبد، وحق لله تعالى، إلاَّ حق الله تعالى فيه غالب، لأن القذف جريمة تمسُّ الأعراض، وفي إقامة الحد صيانة لهذه الأعراض، ودفع الفساد عن الناس، مما يحقق المصلحة العامة[*].
أما الإمام مالك فمرة قال: إن حد القذف حق للآدمي فيجوز فيه العفو، ومرة قال: فيه حقان: حق لله تعالى وحق للعبد، ويغلب فيه حق الإمام إن وصل إليه أمر الحد، إذ لا يملك بعده المقذوف العفو عن الحد، إلا إذا أراد الستر على نفسه، تغليباً لحق ولي الأمر إذا وصل إليه الحد. ولكنّ المشهور عند الإمام مالك أن المقذوف يجوز له أن يعفو عن القاذف قبل بلوغ الأمر إلى الإمام أو نائبه، أو بعد بلوغه إليه إن أراد المقذوف ستراً على نفسه.
- وقال الشافعية والحنبلية: «إن حد القذف حد خالص للآدمي المقذوف، لأن القذف جناية على عرض المقذوف، وعرضه حقه، فكان البدل (وهو العقاب) حقه كالقصاص»[*].
إثبات القذف:
قال الشيعة الإمامية: «يثبت القذف بشهادة رجلين عدلين، ولا تقبل فيه شهادة النساء لا منفردات ولا منضمات. ويثبت أيضاً بالإقرار مرتين من المقذوف الكامل، فلا عبرة بالتالي بإقرار الصبي، ولا المجنون، ولا المكره. وإذا انتفت البينة والإقرار، فلا حد، ولا تعزير. فكل ما يوجب التعزير من حقوق الله - سبحانه وتعالى - يثبت بشاهدين، ويثبت الموجب للتعزير بالإقرار مرتين، لا مرة واحدة».
وقد ذهب الشيعة الإمامية إلى القول بأن هنالك عدداً من الموجبات التي تعفي القاذف من العقوبة، أو التي يسقط معها الحد بعد ثبوته وتحققه، وهي:
1 - قيام البينة الشرعية على ثبوت ما رمى به القاذف المقذوف من الزِّنا أو اللواط.
2 - إقرار المقذوف بالزِّنا، ولو لمرة واحدة. (ولا يشترط الإقرار أربع مرات إلاَّ لثبوت حد الزِّنا واللواط).
3 - عفو المقذوف عن القاذف، فإذا عفا سقط عنه الحد، لأنَّ هذا الحد من حقوق الآدميين القابلة للسقوط بالإسقاط فقد قال الإمام محمد الباقر (عليه السلام): «لا يعفى عن الحدود التي هي في يد الإمام، أما ما كان من حقوق الناس فيه حد، فلا بأس أن يُعفى عنه»[*].
وإذا عفا المقذوف، فليس له العدول والمطالبة بإقامة الحد بعد العفو لأن السابق لا يعود. سئل الإمام الصادق (عليه السلام) عن رجل يفتري على الرجل، فيعفو عنه، ثم يريد أن يجلده بعد العفو؟ قال (عليه السلام): «ليس له أن يجلده بعد العفو»[*].
4 - اللعان، فإذا رمى زوجته بالزِّنا، ثم لاعنها سقط عنه الحد.
5 - الصلح، فإذا اصطلحا على أن يسقط المقذوف حقه لقاء شيء يدفعه القاذف صح الصلح، وسقط الحد، لأن هذا الصلح لا يحلل حراماً، ولا يحرم حلالاً، فيشمله قول الإمام (عليه السلام): «الصلح جائز ما لم يحلل حراماً، أو يحرم حلالاً»[*].
6 - انتقال حق المطالبة بالحد من المقذوف إلى القاذف بالإرث. فإذا قذف إنسانٌ أحدَ أقاربه الذين يرثهم بالنسب، لا بالسبب، ثم توفي المقذوف قبل الاستيفاء، ينتقل الحق إلى الوارث القاذف، ويسقط عنه تلقائياً.
7 - التقاذف. إذا تقاذف اثنان كاملان غير متجاهرين سقط عنهما الحد وعُزّرا. وقد ورد في صحيح ابن سنان أنّ الإمام الصادق (عليه السلام) سئل عن رجلين افترى كل منهما على صاحبه؟ فقال (عليه السلام): «يُدرأ عنهما الحد، ويعزران»[*].
- وقال فقهاء المذاهب الأربعة: تثبت جرائم الحدود كلها عند القاضي بالبينة أو بالإقرار، على أن تتوفر لذلك شروط معينة، بعضها يتعلق بوسيلة الإثبات، أي البينة والإقرار، وبعضها يتعلق بشرط الخصومة[*]، أي رفع الدعوى، ويتبين ذلك مما يلي:
شروط البينة:
يشترط في البينة لإثبات القذف، الذكورة والأصالة، فلا تقبل شهادة النساء، ولا الشهادة على الشهادة، ولا كتاب القاضي.
ولا يشترط عدم التقادم في حد القذف، فإذا تأخر الشهود، ثم عادوا وشهدوا بعد زمن، تقبل شهادتهم. لأن التأخير في حد القذف لا يدل على الضغينة والتهمة، ولأن التأخير في أداء الشهادة قد يكون بسبب تأخر المدعي في رفع الدعوى[*].
ويشترط في الإقرار بالقذف، كما في سائر الحدود، البلوغ والنطق، فلا يصح إقرار الصبي في الحدود، ولا إقرار الأخرس سوى بالكتابة أو الإشارة.
ولا يشترط تعدّد الإقرار بالقذف، مثلما لا يشترط عدم التقادم أيضاً[*].
واتفق الحنفية على أن حد القذف يثبت بعلم القاضي في زمان القضاء ومكانه. واختلفوا في غير زمان القضاء ومكانه[*]، فقال المتقدمون منهم: له أن يقضي بعلمه في الواقعة، وقال المتأخرون: لا يجوز له أن يقضي بعلمه مطلقاً في المنازعات. وقال الحنفية أيضاً: إذا لم يكن للمدعي بينة على القذف، وطلب من القاضي أن يستحلف القاذف بالله تعالى على ما قذفه، فلا يحلف، لأن المقصود من الاستحلاف أن يقضي بالنكول عند عدم الحلف، والنكول يكون قائماً مقام الإقرار، ولكن الحد لا يقام بما هو قائم مقام غيره[*].
وقال المالكية والشافعية والحنبلية: يحلف، وإذا نكل لا ترد اليمين على المدعي في الحدود. وزاد الإمام أحمد: وإنما يقضي القاضي على المدعى عليه بالنكول عن المين، وبإلزامه بادعاء المدعي.
صلاحيات القاضي في إثبات القذف:
إذا رفعت دعوى القذف إلى القاضي، فإما أن يقر القاذف، أو ينكر. فإن أنكر، وطلب المقذوف من القاضي التأجيل لإقامة البينة التي يدعيها تجاه من قذفه، فإن القاضي يؤجله إلى أن يقوم من مجلسه، ويحبس القاذف في تلك الفترة، فإن أحضر البينة قبل قيام الحاكم من مجلسه، كان ذلك، وإلاَّ خلَّى سبيله.
ولا يجوز عند الحنفية، في فترة الانتظار إلى آخر مجلس الحاكم، أن يأخذ كفيلاً بنفس المدعي، لأن المقصود من الكفالة إقامة الكفيل مقام المكفول عنه في إيفاء الحد، وهذا لا يتحقق في الحدود والقصاص.
وقال صاحبا أبي حنيفة، والشافعية: يأخذ القاضي من المدعى عليه كفيلاً بنفسه إلى ثلاثة أيام، ليأتي بالبينة، ولا يحبسه، لأنه إذا كان الحبس جائزاً في الحدود، فالكفالة أولى، فلما جاز الحبس، فالكفالة أحق بالجواز[*].
وإن قال المقذوف:لا بينة لي، أو بيّنتي غائبة.. فإن القاضي يخلي سبيل القاذف،ولا يحبس بالاتفاق لعدم التهمة[*].
أما صلاحيات القاضي بعد إثبات القذف:
فإن أقام المقذوف البينة على صحة القذف، أو أقر القاذف، فإن القاضي يطب منه أن يقيم البينة عن صحة قدفه. فإن أقام أربعة شهود على معاينة الزِّنا، أو على إقرار المقذوف بالزِّنا، وذلك أربع مرات بين يدي الإمام، سقط الحد عن القاذف، ويقام حد الزِّنا على المقذوف، لأنه ظهر أن القاذف صادق في مقالته[*].
وإن عجز القاذف عن إقامة البينة، يقام عليه حد القذف.
وقد رأى صاحبا أبي حنيفة أن القاذف يؤجل يومين أو ثلاثة، ويؤخذ منه كفيل، لأنه يحتمل أن يكون صادقاً في إخباره أن له بينة في البلاد، وربما لا يمكنه الإحضار في ذلك الوقت، فيحتاج إلى التأخير إلى المجلس الثاني، وأخذ الكفيل لئلا يفوت حقه.
وإذا ضُرب القاذفُ بعضَ الحدّ، ثم حضر الشهود، وشهدوا على صدق مقالته، قبلت بينته، وبطل الحد الباقي، ولا تبطل شهادته، ويقام حد الزِّنا على المقذوف.
وإن ضرب القاذف الحد بتمامه، ثم شهد الشهود على صدق مقالته، تقبل شهادتهم. ويظهر أثر القبول في استرداد عدالة القاذف وقبول شهادته، لأنه تبين أنه لم يكن محدوداً في القذف حقيقة، حيث ظهر أن المقذوف لم يكن محصناً. لأن من شرائط الإحصان: العفة عن الزِّنا.
قال الشافعية[*]: إن ادعت المرأة على زوجها أنه قذفها وأنكر، فشهد شاهدان أنه قذفها، جاز أن يلاعن، فإنكاره للقذف لا يكذب ما يلاعن عليه من الزِّنا، لأنه يقول: إنما أنكرت القذف، وهو الرمي بالكذب، أو ما كذبت عليها لأني صادق أنها زنت، فجاز أن يلاعن.
حـد الشراب والمسكر
المراد بالشراب هنا كل مسكر، مهما اختلف نوعه أو طعمه أو لونه أو رائحته. وليس للشارع حقيقة خاصة في معناه، إذ المرجع في معرفته وتشخيصه هو العرف. فكل ما من شأنه أن يكون نوعه، قليله أو كثيره، مسكراً فهو حرام، سواء أصدق عليه اسم الخمر، أم أي اسم آخر، وسواء أكان الاسم عربياً أم أعجمياً، وكان في عهد الشارع، أم حدث بعده. ولذلك وجب في كل مسكر من الأشربة ما يجب في الخمر من الحد، لأنها حرام، ولأنَّ العبرة في ثبوت التحريم والحد أن تكون طبيعة الشراب مسكرة. فإذا افترض أن شخصاً شرب من المسكر أرطالاً، ولم يسكر فإنه يحدّ، وإن لم يؤثر فيه الشراب شيئاً، ما دام الشيء الذي شربه من شأنه أن يسكر. وكذلك فإن من شرب القليل من المسكر يُحدّ أيضاً.. وهذا ما قال به معظم المذاهب.
- قال الشيعة الإمامية: يحرم شرب المسكر سواء أكان خمراً أم أي مسكر آخر، وقليله وكثيره سواء في التحريم، وهو يوجب الحد، وذلك لقول الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) عندما سئل عن رجل شرب حسوة خمر فقال: «يجلد ثمانين جلدة، قليلها وكثيرها حرام»[*].
وقوله (عليه السلام) في رواية ثانية: «الحد في الخمر أن يشرب منها قليلاً أو كثيراً»[*].
والمراد في قول الإمام مطلق الشراب المسكر، من غير استثناء. ولذا فإن الفقاع المأخوذ من الشعير يكون شربه حراماً وموجباً للحد، وإن لم يكن من شأنه وطبيعته السكر، لأنه يدخل في فئة الخمر. وقد سئل عنه الإمام الكاظم (عليه السلام) فقال: «فيه حدّ شارب الخمر»[*]. وفي رواية ثانية: «لا تقربه فإنه من الخمر»[*].
وكذلك النبيذ فإنه كالخمر حكمهما واحد، وإن كان البعض يدَّعي بأنه ليس من شأنه الإسكار. وقد ثبت عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: «يضرب شارب الخمر ثمانين، وشارب النبيذ ثمانين»[*].
يُستنتج من ذلك أن الشراب ليس بحرام إلاَّ إذا كان مسكراً. وعليه فإن الفقاع (البيرة) والنبيذ هما حرام حتى ولو قيل إن فيهما عدم الإسكار، ما دام كل منهما يدخل في تعريف الخمر، كما في النصوص الواردة عن الإمام الصادق (عليه السلام).
- والحنفية يعتبرون أن الشرب المحرم له نوعان من الحد وهما: حد الشرب، وحد السكر. أما حد الشرب: فهو الذي يجب بشرب الخمر خاصةً، قليلها أو كثيرها، وسواء أحصل السكر منها أم لم يحصل، وذلك لقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم): «من شرب الخمر فاجلدوه»[*]. والخمر عندهم هو ماء العنب النيء الذي جرى تخميره، وقد سميت خمراً لأنها تخمّر العقل، أي تستره، أو لأنها تخامر العقل أي تخالطه.
وأما حدُّ السكر فهو الذي يجب عندما يحصل السكر من تناول الأشربة الأخرى غير الخمر.
والأشربة المسكرة عند الحنفية هي سبعة أنواع[*]:
1 - الخمر: وقد قال عنه أبو حنيفة بأنه ماء العنب النيء بعدما غلى واشتد وقذف بالزبد، وسكن عن الغليان وصار صافياً، لأن معنى الإسكار لا يتحقق إلا بالقذف بالزبد.
أما الأئمة الثلاثة والصاحبان فقالوا: إذا غلى واشتد فهو خمر، وإن لم يسكن عن الغليان، لأن معنى الإسكار يتحقق بدون القذف بالزبد.
2 - السَّكَر: هو نقيع التمر الطري الذي لم تمسسه النار، أو هو النيء من ماء الرطب (ثمر النخل الناضج) إذا غلى واشتد وقذف بالزبد وسكن غليانه عند أبي حنيفة، وإذا غلى ولم يسكن غليانه، على الخلاف السابق، عند الأئمة الثلاثة والصاحبين.
3 - الفضيخ: وهو النيء من ماء البُسْر اليابس (والبسر ما قد أزهى من ثمر النخيل ولم يبدُ فيه إرطاب)، إذا غلى واشتد وقذف بالزبد، أو لم يقذف، على الاختلاف السابق.
4 - نقيع الزبيب: وهو ماء الزبيب بعد نقعه بالماء، من غير طبخ، واشتد وقذف بالزبد، أو لم يقذف على الاختلاف السابق.
5 - الطلاء أو المثلَّث: وهو ماء العنب المطبوخ إذا ذهب ثلثاه وبقي ثلثه وصار مسكراً. وهو محرم عند أبي حنيفة وأبي يوسف إذا أُريد بشربه اللهو والطرب، ويباح شربه إذا كان للتقوية أو التداوي. أما عند الصاحبين وباقي الأئمة فهو محرم بصورة مطلقة.
6 - الباذَق أو المنصَّف: وهو المطبوخ من ماء العنب حتى ذهب أقل من الثلث أو أقل من النصف وصار مسكراً.
7 - الجمهوري: هو الطلاء الذي يغلي فيه الماء حتى يرق ويعود إلى المقدار الذي كان في الأصل، ثم يطبخ أدنى طبخة، ويصير مسكراً. وهو محرم عند أبي حنيفة وأبي يوسف إذا قصد بشربه اللهو، ومحرم مطلقاً عند بقية الأئمة.
- وقال المالكية والشافعية والحنبلية مثل قول الإمامية: كل شراب أسكر كثيره، فقليله حرام وهو خمر، وحكمه حكم عصير العنب المسكر في تحريمه، وفي وجوب الحد على شاربه[*] لقول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم): «كل مسكر خمر، وكل خمر حرام»[*].
أما السكر الذي يتعلق به وجوب الحد والحرمة فهو:
- عند أبي حنيفة: الذي يزيل العقل، بحيث لا يفهم السكران شيئاً، ولا يعقل شيئاً، ولا يفرق بين الرجل والمرأة، وبين الأرض والسماء. لأن الحدود يؤخذ في أسبابها بأقصاها درءاً للحد، لقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم): «ادرؤوا الحدود بالشبهات»[*]، فما بلغ غاية السكر وأكمله يكون موجباً للحد.
أما عند الأئمة الثلاثة، والصاحبين، فإن السكران هو الذي يكون غالب كلامه الهذيان، واختلاط الكلام. فالسكران في متعارف الناس اسم لمن هذى وخلط في كلامه، ولا يعرف ثوبه من ثوب غيره، ولا نعله من نعل غيره. «وقول الصاحبين مال إليه أكثر المشايخ، وعليه الفتوى». كما قال بذلك بعض الفقهاء.
- وأما عند الشيعة الإمامية، فقد جرى تعريف للشارب، وليس للسكران، فقالوا: المراد بالشارب من تناول شيئاً من المسكر، صرفاً كان أم ممزوجاً بغيره من مأكول أو مشروب، قليلاً كان أم كثيراً، لأن الحرام هو عين الشراب بالذات حيثما وجد، حتى ولو كان مستهلكاً في غيره.
حـرمـة الخمـر:
حرمت الخمر في سورة المائدة بقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسَرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ *} [المَائدة: 90-91]. فلما نزلت هذه الآية قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم): «حرمت الخمر». وفي حديث أبي سعيد أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) قال: «إن الله حرم الخمر فمن أدركته هذه الآية وعنده شيء فلا يشرب ولا يبع». قال أبو سعيد: «فاستقبل الناس بما كان عندهم منها طرق المدينة فسفكوها»[*].
والمراد «بالخمر» التي وردت في القرآن الكريم: كل شراب مسكر. وليست الخمر خاصة بما يتخذ من العنب فقط، بل تشمل كلّ ما يتخذ من غير العنب أيضاً من الأشربة المسكرة.
وعلى هذا فإن الخمر لها معنى شرعي غير معناها اللغوي. وهذا المعنى الشرعي هو الذي أشار إليه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) بقوله: «كل مسكر خمر، وكل خمرٍ حرام»[*].
ولم يعلل الشرع النهي عنها بل أمر باجتنابها، أي حرمها من غير تعليل لأنها خمر لا لعلة من العلل. سيما وقد ورد حديث يدل على أنها حرمت لأنها خمر. فقد روى ابن عباس عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) قال: «حرمت الخمرة لعينها والمسكر من كل شراب»[*] أي حرمت لأنها خمر، وحرم المسكر من كل شراب لأنه مسكر. وقال الإمام الصادق (عليه السلام): كل مسكر من الأشربة يجب فيه ما يجب في الخمر من الحد[*].
مقدار عقوبة شارب الخمر:
عقوبة شارب الخمر الجلد. فيجب الحد على من شرب الخمر، أو شرب مسكراً. وقد روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) أنه قال: «من شرب الخمر فاجلدوه...»[*]. وقد ثبت أن كل مسكر خمر. فيتناول الحديث قليله وكثيره.
وقد انعقد إجماع الصحابة على جلد شارب الخمر، واتفقوا على ثبوت حد الشارب، فأجمعوا على أنه لا ينقص عن أربعين جلدة.
فقد أخرج مسلم عن أنس قال: «إن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) أُتي برجل قد شرب الخمر فجلده بجريدتين نحو أربعين». وعن الزهري: «أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) لم يفرض في الخمر حداً، وإنما كان يأمر من حضره أن يضربوه بأيديهم ونعالهم حتى يقول: ارفعوا».
وعن أمير المؤمنين علي (عليه السلام) في شارب الخمر أنه قال: «إنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذي، وإذا هذي افترى، وعلى المفتري ثمانون جلدة»[*]. فهذه الأحاديث صريحة في أن الصحابة كانوا يجلدون شارب الخمر أربعين، ويجلدونه ثمانين، وأن عملهم استقر على هذين الحدين. أما الأربعون فثابتة بنص الحديث. فهم إذاً قد جلدوا أربعين عملاً بنص الحديث لا باجتهادهم بدليل قول علي (عليه السلام): «جلد النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) أربعين». وأما الثمانون فقد اعتمدوها باجتهادهم، لما فهموه من جواز الزيادة على الأربعين.
هذان الحدان هما حدّا شارب الخمر، ولا يجوز غير هذين الحدين مطلقاً، لأنه لم يرد عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) ولا عن الصحابة، رضوان الله عليهم، أنه جرى جلد في غير الأربعين والثمانين، لأنه حد وليس تعزيراً، ولأنه ثبت أحد هذين المقدارين عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) والآخر عن الصحابة. ويجب أن يقتصر الأمر على أخذ هذين المقدارين ليس غير.
أما الشروط لحدِّ الشرب أو السكر عند المذاهب فهي كما يلي..
- قال الشيعة الإمامية: يحد الشارب بشروط أربعة، وهي: أن يكون عاقلاً، بالغاً، مختاراً، مسلماً، وعالماً بأن هذا الشراب الذي تناوله حرام. فلا حدَّ على الصبي والمجنون، لأن القلم مرفوع عنهما، ولا على المكره لحديث: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان ما استُكرهوا عليه»[*]. ولا على غير المسلم إذا شرب في بيته وبلده، أما إذا شرب متجاهراً في بلاد المسلمين فعليه الحد. قال الإمام محمد الباقر (عليه السلام): «قضى عليّ أمير المؤمنين (عليه السلام) أن يجلد اليهودي والنصراني في الخمر والنبيذ المسكر ثمانين جلدة إذا أظهرا شربه في مصر من أمصار المسلمين، وكذلك المجوسي. ولم يعرض لهم إذا شربوها في منازلهم وكنائسهم»[*].
ولا حدَّ أيضاً على من شرب جاهلاً بالحكم، كما لو علم بأنها خمر أو بيرة أو نبيذ، وجهل بالتحريم لقرب عهده بالإسلام، أو لأي سبب يجعله جاهلاً بتحريم المسكر، لأن الجهل بالحكم عن غير تقصير عذر. ومثله لو شرب جاهلاً بالموضوع، كما لو تناول مائعاً على أنه خلّ فبان خمراً.. وأيضاً لا حدَّ على المضطر لقوله تعالى: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ} [البَقَرَة: 173].
- وقال الأئمة الأربعة: يشترط لحد السكر ثمانية شروط، وهي:
1 - العقل، فلا يحد المجنون.
2 - البلوغ، فلا يحد الصغير.
3 - الإسلام، فلا يحد الكافر.
4 - عدم الإكراه، فلا يحد المستكره.
5 - عدم الاضطرار، فلا يضطر إلى شربه لغصّةٍ مثلاً.
6 - العلم بأنه خمر وأنه محرم. فقال الحنفية والشافعية والحنبلية: لا تقبل دعوى الجهل بالحرمة ممن نشأ بين المسلمين. أما المالكية فقد اختلفوا حول قبول دعواه، أو عدم قبولها.
7 - العلم بأنه خمر، فإن شرب منه وهو يظنه شراباً آخر، فلا حدَّ عليه لجهله بالموضوع.
8 - التحريم بحسب مذهبه: فقد اختلف العلماء حول من يشرب النبيذ وفقاً لمذهبه، هل عليه حدٌّ أم لا؟
وقال الحنبلية: إن الحد على السكر إنما يلزم من شربها إذا كان عالماً أن كثيرها يسكر، أما غيره فلا حدَّ عليه، لأنه غير عالم بتحريمها، ولا قاصد إلى ارتكاب المعصية بها، فأشبه من زُفَّت إليه غير زوجته.
مما يتبين معه أن إجماع الأئمة كائن على الشروط السبعة السابقة، والاختلاف فقط هو على التحريم بحسب المذهب لبعض أنواع المسكر.
إثبات شرب الخمر:
اتفق جميع الأئمة على أن شرب الخمر يثبت بشهادة رجلين عدلين، وأضاف بعضهم: مسلمين عدلين. ولا تقبل شهادة النساء إطلاقاً، لا منفردات، ولا منضمات.
وتباينت آراؤهم حول الإقرار:
- فقال الشيعة الإمامية: يثبت الشرب بالإقرار مرتين، على أن يكون المقر عاقلاً، بالغاً مختاراً، وذلك لقول الإمام علي (عليه السلام): «من أقرَّ عند تجريد - أي عند تجريده من ثيابه ليُضرب - أو حبسٍ أو تخريفٍ فلا حدَّ عليه».
- وقال الأئمة الآخرون: يثبت الشرب بالإقرار مرة واحدة، ويكفي في إقرار وشهادة أن يقال: فلان شرب خمراً.
أما أبو يوسف فقد قال: يشترط في إقرار الشرب، كما في السرقة، أن يكون مرتين بمجلسين، اعتباراً لعدد الإقرار بعدد الشهود.
وحول إثبات الشرب بالرائحة:
- قال الشيعة الإمامية: لا يثبت الشرب برائحة الفم، أو بوضع الإنسان على حالة السكر، كذهاب العقل وما إليه، إذ من الجائز أن يكون قد شرب للتداوي، أو جاهلاً، أو مكرهاً، أو لأية شبهة، والحدود تدرأ بالشبهات.
- وقال الحنفية والشافعية والحنبلية (مثل قول الإمامية): لا حدَّ على من وجدت منه رائحة الخمر أو تقيأها. لأن الرائحة يحتمل أن تأتي من المضمضة وحسبها ماء، أو من ظنه أنها لا تسكر، أو لأنه كان مكرهاً أو مضطراً أو غالطاً، أو شرب شراب التفاح فإنه يكون منه كرائحة الخمر. وإذا احتمل ذلك لم يجب الحد بالشك، لأن الحد يدرأ بالشبهة، ولا يستوفيه القاضي بعلمه أيضاً[*].
- وقال المالكية: يجب الحد بالرائحة إذا شمها شاهدان عدلان في فمه أو تقيأها، وشهدا بذلك عند الحاكم، لأن ابن مسعود جلد رجلاً وجد منه رائحة الخمر[*]، وتشبيهاً للشهادة على الرائحة بالشهادة على الصوت[*].
صورة الجلد:
اتفقت المذاهب باستثناء الشافعية، على أن مقدار الحد في حال ثبوت الشرب، هو ثمانون جلدة، وتكون صورة الجلد، كما يلي:
- قال الشيعة الإمامية: إذا كان الشارب امرأة ضربت وعليها ثيابها. وإذا كان رجلاً جُرِّد من ثيابه إلا ما يستر العورة، ثم ضرب على جسده دون الوجه والفرج. وإذا شرب مراراً حدَّ مرة واحدة، وإن تنوع الشراب. وإذا أقيم عليه الحد ثلاث مرات، قُتل في الرابعة.
وقد أجمع فقهاء الإمامية على أنه إذا تاب الشارب قبل أن تقوم البينة على شربه سقط عند الحد، وإذا تاب بعدها لم يسقط الحدّ على ما هو المشهور عندهم.
- وقال الأئمة الآخرون: يضرب في حد الخمر بالأيدي والنعال وأطراف الثياب. والسوط الذي يضرب به سوط بين سوطين (أي ليس خفيفاً ولا شديداً)، وهو لا يمدّد، ولا يجرِّد، ولا تشدّ يده.
أحكام الخمر:
ورد في كتب فقهاء السنة[*] مباحث عن أحكام الخمر، وأبرزها الأحكام التالية:
1 - الخمر محرَّمة العين لأنها رجس من عمل الشيطان كما وصفها الله تعالى: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ *} [المَائدة: 90]، فكان محرَّماً شربها، قليلاً كان أم كثيراً. والرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) قال: «حرمت الخمر بعينها قليلها وكثيرها، والمسكر من كل شراب»[*].
ويعتقد البعض أنه يمكن شرب الخمر للتداوي. وهذا خطأ يجب تداركه ممن يأخذ به. فـالله تعالى لم يجعل شفاءً للإنسان فيما حرَّم عليه. والرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) قال: «إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرَّم عليكم»[*]. وقال (صلى الله عليه وآله وسلّم): «الخمر أم الخبائث»[*]. وقال (صلى الله عليه وآله وسلّم) أيضاً: «لعن الله الخمر وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه وآكل ثمنها»[*].
2 - يكفر مستحلها، لأن حرمتها ثابتة بدليل مقطوع به وهو النص القرآني في الآيتين 90 و91 من سورة المائدة.
3 - يحرم على المسلم تمليكها وتملكها بسائر أسباب الملك، لأنه انتفاع بالخمر، وهي محرمة الانتفاع على المسلم. فقد روى مسلم عن أبي سعيد الخدري أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) قال: «إن الله تعالى حرم الخمر، فمن أدركته هذه الآية، وعنده منها شيء، فلا يشرب ولا يبع» قال: فاستقبل الناس بما كان عندهم منها في طريق المدينة، فسفكوها[*].
4 - لا ضمان على متلفها إذا كانت لمسلم، لأنها ليست متقومة في حق المسلم وإن كانت مالاً في حقه.
5 - الخمر نجسة نجاسة مغلظة. حتى أنه في رأي الحنفية لو أصاب الثوبَ أكثرُ من قدر الدرهم يمنع جواز الصلاة فيه.
6 - يحد شارب الخمر قليلاً شرب أم كثيراً، لقول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم): «ما أسكر كثيره فقليله حرام»[*]، ولإجماع الصحابة (رضي الله عنهم) على ذلك.
وإن حد شرب الخمر وحد السكر مقدَّر - عند جمهور الفقهاء - بثمانين جلدة في الأحرار، لقياس الصحابة على حد القذف. بينما هو مقدر - عند الشافعية - بأربعين جلدة، لأن عثمان (رضي الله عنه) جلد الوليد بن عقبة أربعين. وقال علي (عليه السلام): «جلد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) في الخمر أربعين، وأبو بكر أربعين، وعمر ثمانين»[*].
7 - إذا تخلل العنب بنفسه يحل شرب الخل لقول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم): «نعم الإدام الخل»[*].
حـد الـزَّنـا
الزِّنا له معنى واحد في اللغة والشرع. وقد عرفه ابن عابدين على أنه «وطء الرجل المرأة في القبل في غير الملك وشبهته»! وجاء في كتاب التعريفات: إنه الوطء في قُبُلٍ خالٍ عن ملك وشبهة.
وعرفه الحنفية بأنه: «الوطء في الحرام في قبل المرأة الحية المشتهاة في حالة الاختيار في دار العدل ممن التزم أحكام الإسلام»[*].
وقد ورد عن بعض الفقهاء أن حدّ الزانية والزاني مائة جلدة للمحصَن وغير المحصَن سواء، ولا فرق بينهما، لقول الله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأَفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ} [النُّور: 2]. وقالوا: لا يجوز ترك كتاب الله بطريق القطع واليقين لأخبار آحاد يجوز الكذب فيها، لأن هذا يفضي إلى نسخ الكتاب بالسنة وهو غير جائز. ويقول عامة أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء الأمصار في جميع الأعصار: إن غير المحصَن يجلد مائة جلدة، والمحصَن يرجم حتى يموت.
ولقد روي عن جابر بن عبد الله أن رجلاً زنى بامرأة فأمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) به فجلدوه، ثم أخبروه أنه محصن فأمر به فرجم... وغير ذلك من الأحاديث الصحيحة فإنها أضافت إلى حدِّ الجلد لغير المحصن الرجم للمحصن، وجعلت حد الرجم هذا حكماً عاماً من غير أن تخالف أو تنسخ القرآن، لأن تخصيص القرآن بالسنة جائز وواقع في آيات كثيرة جاءت عامة، وجاء الحديث وخصصها.
والحكم الشرعي الذي تدل عليه الأدلة الشرعية، أي الكتاب والسنّة، هو أن عقوبة الزِّنا تكون في جلد غير المحصن مائة جلدة عملاً بكتاب الله، وتغريبه عاماً عملاً بسنة رسول الله. إلا أن التغريب جائز وليس بواجب، وهو متروك للإمام، إن شاء جلده ونفاه سنة، وإن شاء جلده ولم ينفه. ولكن لا يجوز أن ينفيه ولا يجلده لأن عقوبته هي الجلد.
وأما عقوبة المحصن[*] فهي رجمه حتى يموت عملاً بسنة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) التي جاءت مخصصة لكتاب الله. ويجوز في المحصن أن يجمع عليه الجلد والرجم، فيجلد أولاً ثم يرجع، ويجوز أن تفرد عليه عقوبة الرجم فلا يجلد لأن عقوبته الواجبة هي الرجم عملاً بالسنة النبوية.
وأما دليل عقوبة المحصن في الأحاديث، فبالإضافة إلى ما ورد عن عبادة بن الصامت، قد ورد عن الشعبي: «أن عليّاً (رضي الله عنه) حين رجم المرأة ضربها يوم الخميس ورجمها يوم الجمعة، وقال جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم)».
ويشترط في الجلد والرجم أن تنفى الشبهة عن وقوع الفعل، بأن يكون حراماً محضاً، وأن يكون الفاعل مختاراً أي ألاَّ يكون مكرهاً على الزِّنا الإِكراه الملجئ، وأن يكون بالغاً عاقلاً، فلا حد على صبي ولا مجنون ولا سكران من غير إرادة منه، وأن يثبت الزِّنا عليه ببينة الزِّنا الواردة في الأدلة الشرعية، لما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم): «ادفعوا الحدود ما وجدتم لها مدفعاً»[*].
ومتى ثبت الزِّنا وجبت المبادرة بالحد، ولا يصح تعطيله، ولا الشفاعة فيه.
شروط حد الزِّنا:
لا يتحقق مفهوم الزِّنا الموجب للتحريم والحد إلاَّ بتوفر الشروط التالية:
1 - الإدخال: اتفق جميع الأئمة على أن الوطء يكون بإدخال الحشفة في القبل، فلا يتحقق الزِّنا بالضم والتقبيل والتفخيذ، وإن كان هذا محرماً ويوجب التعزير.
وقد تباينت آراؤهم حول الوطء في الدبر في الأنثى والذكر. فقال جمهور الأئمة وصاحبا أبي حنيفة يعتبر زنا، أما الإمام أبو حنيفة فلا يسمي الوطء في الدبر زنا، وبالتالي فإنه لا يوجب الحدّ عنده، وإنما يوجب التعزير.
2 - البلوغ.
3 - العقل: فإن زنى عاقل بمجنونة، أو مجنون بعاقلة حدَّ العاقل منهما. سئل الإمام الصادق (عليه السلام) عن امرأة مجنونة زنت؟ قال (عليه السلام): «إنها لا تملك أمرها ليس عليها شيء»[*]، وقال (عليه السلام): «ليس عليها رجم ولا نفي».
وتباينت آراؤهم أيضاً حول الإكراه بالنسبة إلى الرجل، إذ قيل لا يعقل تحقق الوطء منه مع الإكراه، لأن القضيب لا ينتشر في مثل هذه الحالة، ومع عدم الانتشار لا يمكن الإدخال الذي هو شرط لتحقق مفهوم الزِّنا، فقال الشيعة الإمامية (وأبو حنيفة فيما استقر عليه رأيه) والمالكية والشافعية[*]: لا حد ولا تعزير على الرجل المكره على الزِّنا.
وقال الحنبلية: يقع عليه الحد طالما حصل الانتشار منه لأنه دليل على عدم الإكراه.
والحق أن الواطئ يجب أن يكون مختاراً، رجلاً كان أو امرأة، ولا مجال للريب بأنه لا حدّ على الرجل مع الإكراه، لنفس الأسباب بالنسبة للمرأة المستكرهة.
أجل إذا أكرَهَ الرجلُ المرأة فإنَّ عليه مهرها، إذ على حد تعبير بعض الفقهاء: «إذا اغتصب الرجل أَمَةً فعليه عشر ثمنها، فإذا كانت حرة فعليه الصداق». وإذا حملت منه أُلحق الولد بهما.
وعلى هذا قال الشيعة الإمامية والحنفية ومحققو المالكية والشافعية: إن المستكره على الزِّنا لا يقام عليه الحد، ولكن عليه الصداق. أما الإمام مالك والحنبلية فيوجبون عليه الحد والصداق جميعاً.
4 - العلم وانتفاء الشبهة: كل من وطأ امرأة متوهماً أنها حلال، وهي محرمة عليه، يسقط عنه الحد سواء أكان جاهلاً بالحكم فقط (كما لو علم أنه رضع معها من لبن واحد وجهل بتحريم العقد عليها) أم كان جاهلاً بالموضوع فقط (كما لو علم بتحريم العقد على الأخت من الرضاع، وجهل بأن هذه أخته من الرضاع) وسواء أكان جهله عن قصور أم عن تقصير.
وعليه، فإنَّ كل من يدعي الاشتباه والجهل يقبل منه من غير بينة، ما دام ذلك ممكناً في حقه، بحسب المعتاد. ويسقط الحد في كل موضع يتوهم فيه الحلال، كمن وجد على فراشه امرأة فظنها زوجته فوطأها..
قال الإمام الصادق (عليه السلام): «لو أن رجلاً دخل في الإسلام، وأقرَّ به، ثم شرب الخمر، وزنى، وأكل الربا، ولم يتبين له شيء من الحلال والحرام لم أقم عليه الحد، إذا كان جاهلاً، إلا أن تقوم عليه البينة أنه قرأ السورة التي فيها الزِّنا والخمر والربا،وإذا جهل ذلك أعلمته وأخبرته، فإن ركبه بعد ذلك جلدته، وأقمت عليه الحد»[*].
وقد أضاف الفقهاء بعض الشروط الأخرى لتحقق الزِّنا:
ومنها: أن المرأة تجلد عند الشيعة الإمامية إذا زنى بها غير البالغ، بينما لا تحد عند المذاهب الأخرى.
ومنها: أن يزني بآدمية كما قال أئمة المذاهب الأربعة، فلا حد عليه إن أتى بهيمة، ولكن يعزّر.
ومنها: أن تكون المرأة حية، فلا يحدّ واطئ الميتة عند الحنفية والشافعية والحنبلية، ويحد في المشهور عند المالكية.
طـرق الإثبـات:
اتفق جميع الأئمة على أن الزِّنا يثبت بالإقرار أو بالشهادة.
1 - الإقـرار:
- قال الشيعة الإمامية: لا يثبت الإقرار بالزِّنا إلا بالتكرار أربع مرات، أي بأن يقرَّ على نفسه أربع مرات، سواء أكان رجلاً أم امرأة، مع كمال المُقِرّ بالبلوغ والعقل والاختيار. وقد استدلوا على ذلك بحادثة ماعز بن مالك إذ أتى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) معترفاً بالزِّنا، فأعرض عنه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم)، فأعاد ثانية وثالثة ورابعة، وسيدنا محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) يحاوره ويحاول في كل مرة أن يجد لديه عذراً، ولكن ماعزاً أصرَّ، فسأله الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم): ما تريد بهذا القول؟ قال: أريد أن تطهرني. فأمر به، فرجم[*].
وإذا أقر بما يوجب الرجم كالمحصن، ثم أنكر ورجع عن إقراره سقط الرجم. وإذا أقر على نفسه بما يوجب الجلد، لا الرجم كغير المحصن، ثم أنكر ورجع عن إقراره لم يسقط الحد.
وإذا أقرّ بما يوجب الحد، ثم تاب فللحاكم العادل أن يعفو عنه، أوله أن يقيم الحد عليه، من غير فرق بين أن يكون الحد رجماً أو جلداً.
وإذا حملت امرأة ولا بعل لها لم تحد إلاَّ أن تقر بالزِّنا أربعاً، أو تقوم عليها البينة، لاحتمال الاشتباه والإكراه.
- وقال الحنفية والحنبلية: يشترط في الإقرار أن يكرره الزاني أربع مرات مع كونه بالغاً عاقلاً، طلباً للتثبت في إقامة الحد[*].
وزاد أبو حنيفة وأصحابه: وأن يكون في مجالس متفرقة.
- وقال المالكية والشافعية: يكفي في الإقرار مرة واحدة لإقامة الحد، لأن الإقرار إخبار، والخبر لا يزيد رجحاناً بالتكرار.
أما بالنسبة إلى المرأة الحامل بالزِّنا فلم يأخذ الحنفية والشافعية بإثبات الزِّنا بالقرائن. بينما جعل المالكية الحمل علامة على الزِّنا.
وقال الحنبلية: تحد الحامل بالزِّنا، وزوجها بعيد عنها إذا لم تدّع شبهة. ولا يثبت الزِّنا بحمل المرأة وهي خليّة لا زوج لها.
وباتفاق الجميع أن المرأة الحامل لا يقام عليها الحد لا رجماً ولا جلداً، وإنما تؤجل إلى أن تضع حملها، والمرضع حتى تفطم وليدها، والرجوع عن الإقرار جائز عند الأئمة الأربعة.
2 - الشـهـادة:
اتفق جميع الأئمة على أن الزِّنا يثبت بالبيّنة وهي شهادة أربعة شهود عدول، ذكور، أحرار، مسلمين، سواء أكان الزِّنا موجباً للجلد، أم موجباً للرجم، لقوله تعالى: {وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ} [النِّسَاء: 15]؛ وقوله تعالى في حد القذف: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ} [النُّور: 4].
وأوجب الأئمة جميعاً اتفاق الشهود الأربعة على الشيء المشهود به فعلاً، وجهة، ومكاناً وزماناً، حتى يُقام الحد. ولكنَّ آراءهم تباينت حول إقامة الحد على الشهود..
- قال الشيعة الإمامية: إذا نقص عددهم عن الأربعة، أو اختلفوا بجهة من الجهات، لم تقبل شهادتهم، وحُدّوا حدَّ القذف. فقد ورد عن علي أمير المؤمنين (عليه السلام) أن ثلاثة شهدوا على رجل بالزِّنا، فقال: أين الرابع؟ قالوا: سوف يجيء. قال (عليه السلام): «حدوا الشهود فليس في الحدود نظر ساعة»[*].
- وقال الأئمة الأربعة أيضاً: إذا كان الشهود دون الأربعة في مجلس الحكم، وقع عليهم حد القذف.
وقد برهن ذلك الحنفية بقولهم: إذا شهد ثلاثة، وقال الرابع: رأيتهما في لحافٍ واحد، ولم يزد، حُدَّ الثلاثة حَدَّ القذف.
وقد اشترط أبو حنيفة اتحاد مجلس الشهادة، أي أن يكون الشهود مجتمعين، ويؤدوا الشهادة في مجلس واحد، فإن جاؤوا متفرقين يشهدون واحداً بعد الآخر فلا تقبل شهادتهم. وقال مالك وأحمد: إذا جاء الشهود الأربعة متفرقين، والحاكم ما يزال في مجلس الحكم، ولم يقم، تقبل شهادتهم. وإن جاء بعضهم، بعد أن قام الحاكم من مجلسه، وقع عليهم حد القذف[*]. وقال الشافعي: إذا شهدوا بالزِّنا متفرقين ولو واحداً بعد الآخر وجب الحدّ على الزاني، بقوله تعالى: {لَوْلاَ جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ} [النُّور: 13] إذ إن المهم هو اتحاد شهادة الشهود، سواء في مجلس واحد، أو في مجالس، كسائر الشهادات[*].
وتباينت آراء الفقهاء أيضاً حوله جنس الشهود لناحية الذكورة والأنوثة.
- فقال الشيعة الإمامية: تقبل الشهادة من ثلاثة رجال وامرأتين. أما إذا شهد عليه رجلان، وأربع نسوة، فلا تجوز شهادتهم، ولا يرجم، ولكن يجلد حد الزاني، أي أن الزِّنا الموجب للجلد فقط، دون الرجم، يثبت بشهادة رجلين وأربع نسوة.
وقالوا: يؤخذ بشهادة الزوج شريطة أن يتخذ صفة الشاهد، لا صفة القاذف. كما قالوا: إذا قبض الحاكم الزاني والزانية بالجرم المشهود، أقام عليهما الحد، دون حاجة إلى بيّنة أو شهود. وإذا انتفت البيّنة والإقرار فلا يمين على من أنكر.
وقال الحنفية: لا تقبل شهادة النساء بحال في الزِّنا، كما لا تقبل شهادة الفاسق.
وعن الإحصان قال الحنفية: يثبت الإحصان بشهادة الرجال مع النساء.
هذا وقد أشار بعض الفقهاء إلى أن الأولى بالزاني أن يستتر ويتوب، ولا يفضح نفسه، كما روي عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) أنه قال: ما يضرب أحدكم إذا قارف هذه السيئة أن يستر على نفسه، كما ستر الله تعالى عليه. وذلك لما جاء في الحديث الشريف: «أيها الناس، من ارتكب شيئاً من هذه القاذورات فاستتر، فهو في ستر الله تعالى. ومن أبدى صفته أقمنا الحدَّ عليه»[*].
نعم، إن المقصد من وراء ذلك التوبة وطلب الاستغفار، والرجاء إلى العلي القدير العفو عن هذا الذنب العظيم. أما في هذه الدنيا فإن الستر فيه حماية للأسرة، وصيانتها من الضياع والشتات.. هذا إلى أن الأفعال التي تفضح صاحبها كثيراً ما تؤدي إلى اليأس، وربما التمادي في الغي، بينما الأفعال المستورة، قد تذهب السيئة منها مع الأيام، ويرجع صاحبها إلى ربِّه وضميره.
وقد جاء في روايات عن أهل البيت أن على الإمام أن يزوج الزانية رجلاً يمنعها من الزِّنا. فعن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) أن عليّاً أمير المؤمنين (عليه السلام) قضى في امرأة زنت وشردت، أن يربطها أمام المسلمين بالزوج القوي كما يربط البعير الشارد بالعقال[*]. وذلك كي يسد حاجتها ويمنعها عن الزِّنا. وهذا ما يجب أن يُعتمد في الدولة الحديثة، إذ إن عليها أن تؤمن لأفرادها ما يساعدهم على إقامة الحياة الزوجية، حتى تقضي على الجريمة والفحشاء، وذلك بدلاً من النظريات العقيمة حيناً، أو العقوبات الزاجرة حيناً آخر، وجميعها لا تفيد إلاَّ إلى مدى قصير..
الزنـا بـذات محرم:
أجمع الفقهاء على أن من زنى بذات محرم من النسب، كالأم والأخت وبنت الأخ والعمة والخالة ونحو ذلك وجب قتله متزوجاً كان أم غير متزوج، لقول الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلّم): «من وقع على ذات محرم فاقتلوه»[*].
أما إذا وقع الزِّنا على ذات محرم مصاهرة ورضاعاً كمن زنى بأم زوجته، أو أختها، أو أخته بالرضاعة، فالمشهور أنه لا يقتل، لأن النص على ذات المحرم خصّ المحرمة نسباً، لا مصاهرة أو رضاعاً. ويعاقب معاقبة الزاني.
زنـى غير المسلم:
- قال الشيعة الإمامية: إذا زنى غير المسلم بامرأة مسلمة يُقتل، سواء أكان ذلك بإرادتها أم لا، متزوجاً كان أم غير متزوج. وإذا زنى غير المسلم بامرأة غير مسلمة، فالحاكم المسلم مخير بين أن يحكم فيهما بموجب شرع الإسلام، وبين أن يعرض عنهما، فيسلما حينئذ إلى أهل ملتهما، للعمل بمقتضى ما يعتقدون. وذلك لقول رب العالمين: {فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ *} [المَائدة: 42].
- وقال الحنفية والمالكية: الإسلام من شروط الإحصان، فلا يحد الذمي إذا تحاكم إلى القاضي المسلم، ولا تحصن المسلمة ذمياً.
- وقال الشافعية والحنبلية[*]: الإسلام من شروط الإحصان، فيحدّ الذميّ إذا تحاكم إلى القاضي المسلم. وإن تزوج المسلم ذمية صارا محصنين. فقد روي أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) أمر برجم يهوديين زنيا، وهذا يتوافق مع عموم قوله (صلى الله عليه وآله وسلّم): «الثيب بالثيب رمياً بالحجارة»[*].
زنـا الإحصـان:
اتفق جميع الأئمة على أن حد الزاني المحصن (أو المحصنة) هو الرجم، لما ثبت في السنة المتواترة وفي الإجماع على ذلك. قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم): «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني،والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة»[*].
وهذه أهم شروط الإحصان بحسب المذاهب:
- قال الشيعة الإمامية: الإحصان في اللغة المنع، والمراد به هنا أن يكون الإنسان البالغ العاقل متزوجاً بـالعقد الدائم،وأن يطأ في القبل، وأن يتهيأ للزوج الوطء متى يشاء، فإذا لم يكن متزوجاً، أو كان ولكن لم يحصل وطء، أو حصل ثم غاب عنها أو غابت عنه، أو امتنعت عنه لسبب من الأسباب فلا يترتب عليه حكم الإحصان.
ولا تكون المرأة محصنة إلا بهذه الشروط، ما عدا التمكن من الوطء فإنه يعتبر في حق الزوج خاصة دون الزوجة. سئل الإمام محمد الباقر (عليه السلام) عن معنى المحصن؟ قال:«من كان له فرج يغدو عليه ويروح فهو محصن»[*].. وسئل ابنه الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) عن رجل يتزوج بالمتعة، أتحصنه؟ قال: «لا، إنما ذاك على الشيء الدائم عنده»[*]، وفي رواية أخرى: «لا يكون محصناً حتى يكون عنده امرأة يغلق عليها بابه»[*]. وسئل الإمام الصادق (عليه السلام) عن قول الله عزَّ وجلَّ: «والمحصنات من النساء»؟ فقال: «هن ذوات الأزواج». قال السائل: والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم؟ قال (عليه السلام): «هنَّ العفائف»[*].
والمطلقة الرجعية بحكم الزوجة ما دامت في العدة، لبقاء العصمة بينها وبين المطلق، بخلاف الطلاق البائن لانقطاع العصمة به.
وقد أجمع فقهاء الإمامية على أنه إذا زنى الرجل المحصن أو المرأة المحصنة فيعاقبان بالرجم. وإذا كان الزاني المحصن شيخاً أو شيخة جلد، ثم رجم، لقول الإمام الصادق (عليه السلام):«إذا زنى الشيخ والعجوز جلداً، ثم رجما عقوبة لهما، وإذا زنى (الصغير) من الرجال رجم ولم يجلد إذا كان أحصن، وإذا زنى الشاب الحدث السن جلد، ونُفي سنة من مصره»[*]. وقال الإمام في رواية ثانية: «الرجم حدُّ الله الأكبر، والجلد حد الله الأصغر، فإذا زنى الرجل المحصن رجم، ولم يجلد».
وإذا زنى البالغ بالبالغة،أو زنى البالغ بغير البالغة عوقب غير البالغ بالتعزير لا بالحد، وعوقب البالغ بحد الجلد المنصوص عليه شرعاً، محصناً كان أو غير محصن. فقد سئل الإمام الصادق (عليه السلام) عن غلام صغير لم يدرك عشر سنين زنى بامرأة؟ قال: «يجلد الغلام دون الحد، وتجلد المرأة الحد كاملاً». قال السائل: فإن كانت محصنة؟ قال: «لا ترجم، لأن الذي نكحها ليس بمدرك، ولو كان مدركاً رجمت»[*].. وفي رواية ثانية: أنه سئل عن غلام لم يبلغ الحلم وقع على امرأة، أي شيء يُصنع بهما؟ قال: يضرب الغلام دون الحد، ويقام على المرأة الحد. قال السائل: جارية لم تبلغ وجدت مع رجلٍ يفجر بها؟ قال (عليه السلام): «تضرب الجارية دون الحد، ويقام على الرجل الحد»[*].
وقال الشيعة الإمامية: من وجد مع زوجته رجلاً يزني بها فله قتلهما معاً، ولا شيء عليه بينه وبين الله تعالى، لقول الإمام الصادق (عليه السلام) عن رجل دخل دار غيره ليتلصّصَ أو للفجور فقتله صاحب الدار: «من دخل دار غيره هدر دمه». وذلك عملاً بقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم): «أيما رجل اطلع على قوم في دارهم لينظر إلى عوراتهم ففقأوا عينه أو جرحوه فلا دية عليهم»[*].
- وقال الحنفية: الإحصان نوعان: إحصان الرجم وإحصان القذف. أما شروط إحصان الرجم فهي:العقل والبلوغ والحرية والإسلام، والنكاح الصحيح، والدخول في النكاح الصحيح على وجه يوجب الغسل، ولو من غير إنزال، وكون الزوجين جميعاً على هذه الصفات وقت الدخول[*]. فإذا اختل شرط من هذه الشروط وجب الجلد دون الرجم. فمثلاً لو دخل الزوج العاقل، البالغ، الحر، المسلم بزوجته المجنونة فقد اختل أحد شروط الإحصان، ولم يعد محصناً ما لم يحصل دخول بعد إزالة الجنون.
- وقال مالك: شروط الإحصان البلوغ والإسلام والحرية والوطء في عقد صحيح وحالة جائز فيها الوطء[*].
وقال الشافعية: إن إقامة حد الرجم يشترط فيه وطء المكلف الحر في نكاح صحيح[*].
زنـا غير المحصن:
- قال الشيعة الإمامية: إذا زنى الذكر غير المحصن عوقب بأمور ثلاثة: مائة جلدة، وحلق شعر رأسه، ونفيه عن بلده سنة كاملة.
وإذا زنت غير المحصنة عوقبت بمائة جلدة فقط، ولا جزَّ عليها، ولا نفي على ما هو المشهور بين الفقهاء.
- واتفق الأئمة الأربعة على أن عقاب الزاني أو الزانية غير المحصن مائة جلدة لكل منهما. ولكن تباينت آراؤهم في النفي:
- فقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يضم التغريب (أي النفي) إلى الجلد. والنفي ليس بحدّ، وإنما هو موكول إلى الإمام، فإن رأى مصلحة فيه نفاه، كما أن له حبسه حتى يتوب.
- وقال مالك: يغرب الرجل لمدة سنة، أما المرأة فلا تغرَّب لئلا تقع في الزِّنا مرة أخرى بسبب التغريب. ولا تغريب على العبيد.
- وقال الشافعي: لا بد من التغريب مع الجلد لكل زان، ذكراً كان أو أنثى، حراً كان أو عبداً.
- وقال أحمد: يجمع بين الجلد والتغريب عاماً لمسافة تقصر فيها الصلاة. ولا تغرب المرأة إلا مع زوج أو محرم.
صـورة الرجـم:
- قال الشيعة الإمامية: تحفر حفرة، وتوضع فيها المرأة إلى صدرها، والرجل إلى حقويه، ثم يرمي الناس على الزَّاني بأحجار صغار.. هذا بعد أن يغتسل، ويتحنط، ويلبس الكفن، ويصلى عليه صلاة الميت.
وإذا هرب الزاني من الحفرة وجب إعادته إليها، إن كان قد ثبت عليه الزِّنا بالبينة، ولا يعاد بل يترك وشأنه إن كان هو الذي أقر على نفسه بالزِّنا. قال الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): «إذا كان هو المقر على نفسه، ثم هرب من الحفيرة بعدما يصيبه شيء من الحجارة لم يرَدّ، وإن كان قد قامت عليه البينة، وهو جاحد، ثم هرب، رُدَّ، وهو صاغر، حتى يقام عليه الحد»[*].
- واتفق الأئمة الأربعة على أن الزاني يقام عليه حد الرجم قائماً، دون أن يحفر له، أو يربط إلى شيء، سواء ثبت الرجم بالإقرار أم بالبينة.
وتباينت آراء المذاهب الأربعة حول الحفر للمرأة:
- فقال الحنفية: الخيار للإمام إن شاء حفر لها، وإن شاء لم يحفر. أما الحفر فلأنه سترٌ لها.
- وقال الشافعية: يستحب الحفر للمرأة إن ثبت عليها الزِّنا بالبينة، على خلاف ثبوت زناها بالإقرار فلا يحفر لها حتى تتمكن من الهرب إن رجعت عن إقرارها.
- وقال المالكية: لا يحفر للمرأة لعدم ثبوته.
- وقال الحنبلية: أكثر الأحاديث على عدم الحفر.
صـورة الجلـد:
- قال الشيعة الإمامية: يجلد الرجل وهو واقف، ويجرد من ثيابه حين الضرب إن قبض عليه حين الزِّنا عارياً، وإلاَّ فلا يجرد من ثيابه. أما المرأة فتجلد جالسة، ولا تجرد من ثيابها إطلاقاً.
قال الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): «يُضرب الرجل الحدَّ قائماً، والمرأة قاعدة، ويضرب على كلِّ عضوٍ ويترك الرأس والمذاكير»[*].
واتفق الأئمة جميعاً على أن الجلد يكون بالسوط، ولا يكون فيه معنى الشدة التي تفضي إلى الهلاك، حتى أن الجلاد يجب ألاَّ يرفع يده إلى ما فوق رأسه.
أما حول مكان الجلد من الجسم:
- فقد قال أبو حنيفة والشافعي[*]: يضرب سائر الأعضاء ويبقى الفرج والوجه. وزاد أبو حنيفة: الرأس. ودليلهم قول علي (رضي الله عنه) للجلاد: «اضربه واعط كل عضو فيه حقه، واتق وجهه ومذاكيره»[*].
وقال أبو حنيفة: ينزع عن الرجل ثيابه إلا الإزار، وذلك في كل الحدود والتعزير إلا حد القذف.
وقال الشافعي: لا يجرد المحدود في الحدود كلها إلا من الفرو أو الجبّة.
- وقال مالك: يضرب في الحدود الظهر وما يقاربه، ويجرد الرجل في الحدود كلها[*].
- وقال أحمد: يضرب في الأعضاء كلها ما عدا ثلاثة: الرأس والوجه والفرج من الرجل والمرأة جميعاً، ولا يجرد الرجل.
الإشهاد على إقامة الحد:
- قال الشيعة الإمامية:يستحب أن يشهد إقامة الحد طائفة من الناس، لأجل الردع والزجر، ولقوله تعالى: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ *} [النُّور: 2].
أما عن رمي الزانية والزاني فقال بعضهم: لا يرميهما بحجر إلاَّ المطهرون. ولكن ذهب الأكثرية إلى أن هذا ليس بشرط، وبخاصة مع التعذر، أو عدم الإمكان.
أما الشهود، والحاكم الذي حكم بالرجم، فيجب حضورهم،حيث أفتى أكثر الفقهاء بأن الزِّنا إن كان قد ثبت بالبينة فأول من يبدأ بالرجم الشهود. وإن كان قد ثبت بالإقرار فأول من يبدأ به الإمام. فقد جاء عن أهل البيت (عليهم السلام): إذا أقر الزاني المحصن كان أول من يرجمه الإمام، ثم الناس، فإذا قامت البينة، كان أول من يرجمه أهل البينة، ثم الإمام، ثم الناس.
- وقال الحنفية والحنبلية: يجب أن تقام الحدود كلها على ملأ من الناس، لقوله تعالى: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ *} [النُّور: 2]، لأجل زجر الناس[*].
- وقال المالكية والشافعية: يستحب حضور الجماعة، وأن يكونوا أربعة على الأقل[*].
ويستحب عند الجميع أن يُحضر الإمام عند إقامة الحدود طائفة من الناس لقوله تعالى: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ *} [النُّور: 2][*].
وقال الجمهور من مذاهب السنة: إذا مات المرجوم يغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن[*]، لأن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) قال في ماعز: «اصنعوا به ما تصنعون بموتاكم»[*].
أ - أحكام أخرى في حدّ الزِّنا:
وقتُ الجلد: لا يقام الحد جلداً لا في شدة الحر، ولا في شدة البرد. عن الحسين بن محمد قال: مررت مع الإمام الصادق (عليه السلام)، وإذا برجل يضرب بالسياط، فقال (عليه السلام): «سبحان الله، في مثل هذا الوقت يضرب؟». قلت له: وهل للضرب وقت؟ قال (عليه السلام): «نعم، إذا كان في البرد، ضُربَ في حرِّ النهار، وإذا كان في الحرِّ، ضرب في برد النهار»[*]. وإذا كان عقاب المريض الرجم، رجم من غير تأخير، لأن مآله إلى الموت على كل حال. وإذا كان عقابه الجلد أمهل المريض حتى يبرأ، خشية أن يؤدي به الجلد إلى الموت. قال الإمام الصادق (عليه السلام): «أُتي علي أمير المؤمنين برجل أصاب حداً، وبه قروح في جسده كثيرة، فقال: أمهلوه حتى تبرأ، لا تنكؤوها عليه فتقتلوه»[*].
وما قيل عن المريض، يقال عن المرأة المستحاضة، إن في الرجم، وإن في الجلد، لأنها مريضة بفساد الدم، فلا يقام عليها حدّ الجلد حتى ينقطع الدم. وهذا بخلاف الحائض، فلا يؤخر حدها لأن حيضها دليل على صحة مزاجها.
وعند جمهور أهل السنة: لا يقام الحد في الحر الشديد، ولا في البرد الشديد، ولا يقام على المريض[*]. بينما عند الإمام أحمد: يقام[*].
ب - الإصرار على الزِّنا:
قال الفقهاء: يرجم المحصن منذ البداية. أما غير المحصن فإنه يجلد مائة جلدة، فإن عاد ثانية جلد أيضاً، وإن عاد جلد، وفي الرابعة يقتل. وهذا ما عليه الإجماع عند الفقهاء لقول الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): «الزاني إذا زنى يجلد ثلاثاً، ويقتل في الرابعة»[*].
ج - الشهادة بالزِّنا على البكر:
إذا شهد أربعة عدول على امرأة بالزِّنا قُبُلاً، فقالت: أنا بكر، فكشف عليها أربعة نسوة فوجدنها بكراً فعلاً، سقط الحد عنها، وعن الشهود، والمشهود عليه بأنه زنا بها، وذلك بسبب الشبهة التي يدرأ بها الحدّ.
قال الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): أتى رجل إلى أمير المؤمنين علي (عليه السلام) بامرأةٍ بكر زعم أنها زنت، فأمر النساء فنظرن إليها، فقلن هي عذراء. فقال: «ما كنت لأضرب من عليها خاتم الله تعالى»[*].
د - التوبة أفضل طهارة:
جاءت امرأة إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فأقرت عنده على نفسها بالزِّنا أربع مرات،وطلبت أن يطهرها بالرجم.
وأمر بالناس فاجتمعوا إليه، فأمر بحفر حفرة لها، أدخلها فيها، ثم نادى بالناس بأعلى صوته: «أيها الناس! لا يُقم الحدَّ من كان لله تعالى عليه حد، فمن كان لله تعالى عليه مثلُ ما على هذه المرأة، فلا يقيم عليها الحد، فانصرف الناس»[*].
أجل.. لقد رجعت هذه المرأة إلى ربها وضميرها، فأرادت التوبة، وطلبت من الإمام أن يطهرها، كي تلقى ربها سبحانه وتعالى وهي مطهرة من ذنوب هذه الحياة الدنيا وخطاياها. ورأى الإمام (عليه السلام) ببصيرته الثاقبة صدق هذه المرأة، وخلوص نيتها لله تعالى، فلم يشأ أن يرجمها من هم في مثل خطاياها، ولذا أوقع عليهم الحجة بألاَّ يقيم عليها الحدَّ من كان لله تعالى عليه حدّ، أو أي من حقوق الله عزَّ وجلَّ..
وفي شريعتنا السمحاء،لا طهارة أفضل من التوبة. فمن أقيم عليه الحد لذنب ارتكبه، زناً كان أو غيره، فلن يعاقبه الله تعالى عليه مرة ثانية، لأنه سبحانه وتعالى أعدل من أن يجمع بين عقابين على ذنب واحد.
وإذا تاب المذنب قبل أن تقوم عليه البينة يسقط عنه الحد، سواء أكان رجماً أم جلداً، ولا يجوز إقامته عليه إطلاقاً. أما إذا تاب بعد أن تقوم عليه البينة، فلا يسقط عنه..
اللـواط
معنـاه:
اللواط معناه في اللغة اللصوق، تقول: هذا لاط بهذا، أي لصق به، والمراد به هنا الفعل الشنيع. وسمي لواطاً، لالتصاق اللوطي بالملوط به، أو لأنه فعلُ قوم لوط. قال تعالى: {إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلاَ تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِي إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ * وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ *} [الشُّعَرَاء: 161-166].
حرمتـه:
اللواط أشد تحريماً من الزِّنا. قال الإمام الصادق (عليه السلام): «حرمة الدبر أعظم من حرمة الفرج، إن الله تعالى أهلك أمة بحرمة الدبر، ولم يهلكها بحرمة الفرج».
طرق الإثبات:
يثبت اللواط الموجب للحد بالطرق التالية:
1 - إقرار الفاعل أو المفعول به أربع مرات على شريطة أن يكون عاقلاً بالغاً مختاراً، كما هي الحال في الزِّنا. وبديهة أن إقرار الفاعل لا يسري إلى المفعول به،وكذا إقرار المفعول به، لأن الإقرار نافذ بحق المقر وحده.
2 - شهادة أربعة رجال عدول. ولا تقبل شهادة النساء إطلاقاً، لا منضمات ولا منفردات. وإنما قبلت شهادتهن منضمات مع الرجال في الزِّنا لمكان النص.
وإذا انتفت البينة والإقرار فلا يمين على المنكر، لأنه مستثنى من قاعدة اليمين على من أنكر.
3 - علم الحاكم، فإنه يقيم الحد على الفاعل والمفعول به إذا قبضهما بالجرم المشهود، تماماً كما هي الحال في الزاني والزانية، «لأن علم الحاكم أقوى من البينة».
هذا إذا كان الحق من حقوق الله تعالى كحد الزِّنا واللواط وشرب الخمر وترك الصلاة أو الصوم، لأن الحاكم هو المطالب بهذا الحق، والمسؤول عنه، والمستوفي له. أما إذا كان فيه حق للعباد، كحد القذف والسرقة فإن الحاكم لا يقيمه لمجرد علمه، إلا إذا التمسه وطالب به المستحق، لأنه منوطٌ بإرادته.
حـد اللـواط:
- قال الشيعة الإمامية: حدُّ اللواط على الفاعل والمفعول به، هو القتل، شريطة أن يدخل الذكر أو شيء منه في الدبر، وأن يكون كل منهما عاقلاً، بالغاً مختاراً، ودونما فرق بين أن يكون محصناً أو غير محصن؛ أو أن يكون مسلماً أو غير مسلم.
- وحكم اللواط عند الحنفية أنه ليس زنا، لأنه لا يؤدي إلى اختلاط الأنساب، ولا تنتج عنه المنازعات التي تؤدي، أحياناً، إلى قتل اللائط.
- أما عند المالكية والشافعية والحنبلية فاللواط يحمل معنى الزِّنا، وهو يوجب الحد، فـالله سبحانه وتعالى قد أغلظ العقوبة على فاعله في كتابه المبين.
وحد اللواط عند الإمام أبي حنيفة التعزير فقط. أما عند المالكية والحنبلية (في أظهر الروايتين عن الإمام أحمد) فإنه يوجب الرجم، سواء أكان اللائط محصناً أم غير محصن، لقول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم): «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به»[*]، وفي لفظ: «فارجموا الأعلى والأسفل»[*].
وأما عند الشافعية فإن حد اللواط هو حد الزِّنا، وفرقوا بين المحصن الذي يعاقب بالرجم، وغير المحصن الذي يعاقب بالجلد والتغريب، وذلك قياساً على حد الزِّنا، لأن الفعل في كل منهما إيلاج محرم في فرج محرم[*].
والواقع، أن عقوبة اللواط غير عقوبة الزِّنا، لأن الزِّنا غير اللواط، ويختلف كل منهما عن الآخر، بل إن اللواط ليس نوعاً من أنواع الزِّنا حتى يقال إنه يدخل تحت عموم الأدلة الواردة في الزِّنا.
وإتيان المرأة في دبرها لا يكون لواطاً ولا يسمونه لواطاً، لأن اللواط ليس الإِتيان في الدبر بالمفهوم المطلق، وإنما هو إتيان الرجل الرجل.
وأما قوله (صلى الله عليه وآله وسلّم): «إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان، وإذا أتت المرأة المرأة فهما زانيتان» فقد أسنده محمد بن عبد الرحمن، ولكن كذبه أبو حاتم، وقال البيهقي: «لا أعرفه والحديث منكر». ولو فرض صحته فإن المراد منه التشبيه أي «كالزانيين» بدليل أنه لم يثبت عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) أنه رجم في اللواط أو أنه حكم فيه. ولكن ثبت عنه أنه قال: «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط، فاقتلوا الفاعل والمفعول به»[*].
أما الحكم الشرعي في عقوبة اللواط فهو القتل سواء أكان محصناً أم غير محصن، فكل من ثبت عليه اللواط سواء أكان فاعلاً أم مفعولاً به يقتل حدّاً. والدليل على ذلك السنة وإجماع الصحابة.
التوبـة من اللـواط:
إذا تاب قبل أن تقوم عليه البينة سقط عنه الحد، فاعلاً كان أو مفعولاً به. أما إذا تاب بعد البينة لم يسقط عنه الحد.
وإذا أقر، ثم تاب، كان الخيار للإمام، فله أن يعفو، وله أن يعاقب.
وإذا لاط عاقلٌ بالغٌ بصبي أو مجنون يعاقب العاقل البالغ بالقتل، ويُترك تأديب الصبي والمجنون إلى نظر الحاكم فيعاقبهما بما دون الحد.
ومن قَبّل غلاماً بشهوة أدَّبهُ الحاكم وعزره بما يراه، لأنه ارتكب محرَّماً.
حكم إتيـان المرأة:
إتيان المرأة في دبرها حرام، فيحرم على الرجل أن يأتيَ المرأة في دبرها. واعتبره بعض الأئمة مكروهاً كرهاً شديداً، واعتبره البعض الآخر من الزِّنا. وهو وإن كان لا يسمى لواطاً ولكنه كاللواط. وقد يقال اللواط بالمرأة فيفهم منه إتيان المرأة في دبرها، قال الله تعالى: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} [البَقَرَة: 222] فهو نص بتقييد إتيان المرأة من حيث أمر الله إتيانها وهو الفرج لأن ذلك يعقبُ الذريّة. ومفهومه أن لا تأتوها من غير المكان الذي أمركم الله تعالى إتيانها منه. وهذا راجع إلى ما أمر الله سبحانه به من النكاح في مثل قوله تعالى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ} [النِّسَاء: 3] وقوله تعالى: {وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ} [النُّور: 32] وقوله تعالى: {فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ} [النِّسَاء: 25] وهو الزواج لأجل الإنجاب. فالأمر نصَّ على أن يأتي الرجالُ النساءَ في المكان الذي أمر الشرع به وهو الفرج.

ولذلك قال عزَّ وجلَّ: {فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ * نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} [البَقَرَة: 222-223] فإن هذه الآية {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ} [البَقَرَة: 223] بيان لما قبلها وهو قوله: {فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} [البَقَرَة: 222] أي هي بيان للمكان الذي أمر الله به وهو الفرج. وقوله: (حرثكم) كناية عن مكان الزرع، وقوله: {أَنَّى شِئْتُمْ} [البَقَرَة: 223] أي كيف شئتم لأن «أنى» معناه «كيف» ولا تستعمل بمعنى «من أين» إلا في النادر القليل. ولو فُرِضَ أنها تستعمل في المعنيين فإن قوله: (حرثكم) قرينة على أن معناها هنا «كيف» وليس «من أين». وهذه القرينة جاءت في موضعين، فإنه قال: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ} [البَقَرَة: 223] وهذا كاف بأن معنى كونهن حرثاً أن يؤتين في مكان الحرث، ولكنه أعاد كلمة الحرث عند أمره: {فَأْتُوا حَرْثَكُمْ} [البَقَرَة: 223].
فكأن الله تعالى يقول: لا حرج عليكم في إتيان النساء بأي كيفية شئتم من موضع الحرث، فقوله: {فَأْتُوا حَرْثَكُمْ} [البَقَرَة: 223] نص في الإِتيان في الفرج.
فيحرم على الرجل إتيان امرأته في دبرها، إلا أن الشرع لم يجعل له حداً مقدراً من العقوبة، لذلك فلا يدخل هذا الأمر في باب الحدود وإنما يدخل في باب التعزير.
السـحـاق
ويطلق عليه لفظ المساحقة من باب المفاعلة. وفي اللغة السحق معناه: الشدة في الدق، ويراد به شرعاً: وطء المرأة لامرأة أخرى، أو فعل امرأة بغيرها.
وهو من أشد الكبائر وأعظم المحرمات.
حدّ السحاق:
السحاق حرام بالإجماع. وقد ذهب المشهور عند الفقهاء إلى أن حدَّ السحاق مائة جلدة للفاعلة والمفعولة مع العقل والبلوغ والاختيار، محصنة كانت، أو غير محصنة. فقد سئل الإمام الصادق (عليه السلام) عن المساحِقة؟ قال: حدها حد الزاني[*]. فإذا عطفنا هذه الرواية على رواية أخرى عن أبيه الإمام الباقر (عليه السلام) التي قال فيها: المساحِقة تجلد[*]، كانت النتيجة أن المساحِقة تعاقب بمائة جلدة، لأنها حد الزاني غير المحصن.
وإذا تكررت المساحَقة تُقتل الفاعلة والمفعولة في الرابعة، لأن السحاق من الكبائر التي يُقتل المصرّ عليها في الرابعة.
ويسقط حد السحاق بالتوبة قبل إقامة البينة لا بعدها. ومع الإقرار والتوبة يكون الحاكم مخيراً بين إقامة الحد، والعفو، تماماً كما هي الحال في الزِّنا واللواط، لأن الجميع من باب واحد.
ويثبت السحاق بشهادة أربعة رجال عدول، ولا تقبل شهادة النساء منضمات مع الرجال، ولا منفردات.. وأيضاً يثبت بالإقرار أربعاً من البالغة الرشيدة المختارة، تماماً كما هو الشأن في الزِّنا.
الحمل بالمساحقة:
إذا واقع رجل زوجته، ولما قام عنها ساحقت بكراً، فانتقلت نطفة الزوج من الزوجة إلى البكر، وحملت. فما هو الحكم في الحد ومهر البكر والحمل؟
للفقهاء في ذلك أقوال. والصواب أن كلاًّ من الفاعلة والمفعولة تُحد مائة جلدة، للنص على أنها حد السحاق من غير فرق بين المحصنة وغيرها كما تقدم، وأن على الزوجة الفاعلة أن تغرم للبكر مهر أمثالها، لأنّها السبب في ذهاب بكارتها. وليست البكر بزانية، لأن الزانية أذنت في افتضاض بكارتها بخلاف هذه.
أما الحمل فإنه يلحق بالزوج صاحب الماء، لأنه تولد من مائه، ولا موجب لانتفائه عنه. وأيضاً يلحق بأمه، لأنه ولدها حقيقة، ولا دليل على نفيه عنها.
حـد القـوادة:
القواد هو الذي يجمع بين الرجل والمرأة، أو بين الذكر والذكر على الحرام. وقد أجمعوا على أن حدَّ من يفعل ذلك خمس وسبعون جلدة رجلاً كان، أو امرأة، لقول الإمام الصادق (عليه السلام) يضرب ثلاثة أرباع حد الزاني خمسة وسبعين سوطاً، ويُنفى من المصر الذي هو فيه[*].
قال صاحب المسالك «ليس في الباب من الأخبار سوى هذه الرواية». وقال جماعة من الفقهاء: إن الرجل القواد يضرب، ويحلق رأسه، ويُشهَّر، ويُنفى من بلده. أما المرأة القوادة فتضرب فقط، ولا حلق عليها، ولا تشهير، ولا نفي، وذلك للأصل، ومنافاة النفي لما يجب من ستر المرأة.
وتثبت القوادة بالإقرار مرتين مع كمال المقر بالعقل والبلوغ والاختيار، وبشهادة رجلين عدلين. قال صاحب الجواهر: «بلا خلاف ولا إشكال.. ولا تثبت بشهادة النساء منفردات أو منضمات».
حـد السـرقـة
حد السرقة يقوم على قطع اليد لقول الله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا} [المَائدة: 38].
وهذا الحد ثابت في السنة النبوية الشريفة لحديث المخزومية إذ كانت تستعير المتاع وتجحده - وقيل سرقت - فأمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) بقطع يدها، فجاء أهلها يستنجدون بأسامة بن زيد ليكلِّم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) بشأنها، فلما فعل قال له (صلى الله عليه وآله وسلّم): «يا أسامة لا أراك تتكلَّم في حد من حدود الله تعالى». وفي رواية: «لا أراك تشفّع في حد من حدود الله تعالى». ثم خاطب (صلى الله عليه وآله وسلّم) الناس فقال: «إنما أهلك من قبلكم بأنه إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه، والذي نفسي بيده لو كانت فاطمة بنت محمد لقطعتها»[*]. وقد روي هذا الحديث عن السيدة عائشة، وقالت: «فقطع النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) يد المخزومية. وكانت تأتي بعد ذلك فأرفع حاجتها إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم)، فتابت وحسنت توبتها»[*].
تعريف السرقة:
هي أخذ مال الغير مستتراً من غير أن يكون مؤتمناً عليه. وقد أجمع الفقهاء على أنه ليس في الخيانة، ولا الاختلاس قطْع[*]. أي أن السرقة هي أخذ مالٍ على وجه الاختفاء من مالكه، شرط أن يكون هذا المال نصاباً يُقطع عليه، وأن يُخرجه من حرز مثله، وأن لا تكون في هذا المال شبهة.
وتتحقق السرقة سواء أُخذ المال ليلاً أم نهاراً، من مكانٍ عام أم خاص. وسواء أكان آخذ المال مقنعاً متخفياً، أم ظاهراً سافراً. وسواء أكان يحمل سلاحاً أم أعزل من السلاح. فكل أخذٍ للمال على سبيل الاختفاء يعتبر سرقة.
شروط حد السرقة:
لا يُقطع على السرقة إلا إذا استكملت شروطها الشرعية التي جاءت بها النصوص الصحيحة. فلا يجب القطع إلاَّ بسبعة شروط:
الشرط الأول: أن ينطبق على الأخذ تعريف السرقة، أي أخذ المال على وجه الاختفاء أو الاستتار. فإن اختطف الآخذ أو اختلس أو انتهب أو خان أو اغتصب لم يكن سارقاً ولا قطع عليه، لما رواه دواد عن جابر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) أنه قال: «ليس على خائنٍ ولا منتهبٍ ولا مختلسٍ قطع»[*].
والخائن هو الذي يأخذ المال خفية عن صاحبه، بينما هو يظهر له الود والصداقة والمحافظة عليه، أي أنه يظهر له غير ما يبطن في نفسه. والمختلس هو الذي يقوم بالاختلاس الذي هو نوع من الخطف والنهب، فهو يستخفي في ابتداء اختلاسه، أو يستغل صاحب المال فيخطفه منه ويذهب بسرعة جهراً.
والمنتهِب هو المغير يقوم بالغارة والسلب على وجه الغلبة والقهر[*] ويأخذ المال جهرة، وعلى مرأى من الناس بحيث يمكنهم أن يأخذوا على يديه، ويخلّصوا حق المظلوم، أو يشهدوا له عند الحكم.
فهؤلاء جميعاً: الخائن والمختلس والمنتهب لا قطع عليهم لحديث جابر. وبخلافهم النشَّال الذي يمدُّ يده إلى جيوب الناس ومحافظهم في الحافلات والمتاجر والطرقات والأسواق، فهو يقطع لأنه يأخذ المال على وجه الاختفاء، فينطبق عليه تعريف السرقة.
الشرط الثاني - تحقق النصاب في المسروق: يثبت القطع في قليل المسروق وكثيرة لعموم قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا} [المَائدة: 38][*]. فإن لفظ السارق والسارقة اسم جنس معرَّف «بالألف واللام»، فهو من ألفاظ العموم فيشمل كل سارق.
ولكن ما تدل عليه النصوص اشتراط النصاب، وذلك لحديث السيدة عائشة الذي أوقفه مالك، وأسنده البخاري ومسلم إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) من أنه قال: «تقطع اليد في ربع دينار فصاعداً». وفي لفظ: «لا تقطع يد السارق إلاَّ في ربع دينار فصاعداً»[*]. وقد روى مالك عن نافع عن ابن عمر أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم):«قطع في مجنٍّ قيمته ثلاثة دراهم»[*].
فهذه الروايات صحيحة الدلالة في النص على النصاب فتعتبر مخصصة لعموم الآية.
إذاً فالإجماع كان على اشتراط النصاب، ولكن الفقهاء اختلفوا في قدره اختلافاً كثيراً:
- قال الشيعة الإمامية: يجب أن تبلغ قيمة المسروق ربع دينار ذهباً خالصاً مضروباً عليه السكة على حد تعبير الفقهاء القدامى والجدد لقول الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلّم):«لا قطع إلا في ربع دينار»[*]. مثله عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام). وعليه فمن سرق ما قيمته دون الربع دينار فلا يُحدّ، وإنما يعزَّر بما يراه الحاكم، ويُرجع المسروق.
- وقال الحنفية: نصاب السرقة دينار أو عشرة دراهم، أو قيمة أحدهما[*]، لقول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم):«لا قطع فيما دون عشرة دراهم»[*] ولقوله (صلى الله عليه وآله وسلّم):«لا تقطع اليد إلاَّ في دينار، أو في عشرة دراهم»[*].
- وقال المالكية والشافعية والحنبلية: نصاب السرقة ربع دينار شرعي من الذهب، أو ثلاثة دراهم شرعية خالصة من الفضة، أو قيمة ذلك من العروض والتجارات والحيوان. وتقويم الأشياء المسروقة، عدا الذهب والفضة، يكون عند المالكية والحنبلية بالدراهم، وعند الشافعية بالربع دينار. ودليل هؤلاء قوله (صلى الله عليه وآله وسلّم):«تقطع اليد في ربع دينار فصاعداً»[*]. وأن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم):«قطع في مجنّ قيمته ثلاثة دراهم»[*]. وأن الربع دينار يقوَّم بالثلاثة دراهم[*].
وهكذا يتبين أن منشأ الخلاف: هو تقدير ثمن المجنّ الذي قُطع السارق به في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) فالحنفية يقولون: كان ثمنه ديناراً وباقي الفقهاء يقولون: كان ثمنه ربع دينار.
والأدلة الصحيحة هي التي تجعل حد السرقة، ربع دينار شرعي وما فوق.
الشرط الثالث: أن يكون المسروق مالاً متقوماً[*]، أي ما كان له قيمة يضمنها متلفه عند اعتدائه عليه، وأن يكون الشارع قد أذن بتملكه، فإن سرق ما لا يعتبر مالاً فلا يقطع. فلو سرق شخص صبياً حراً لا تقطع يده لأن الحُر ليس بمال[*]، وإنما يعزر. ولو سرق مالاً غير محترم أي لم يأذن الشارع بتملكه فإنه لا يقطع. فلا قطع في سرقة الخمر والخنزير من المسلم لأنها ليست مالاً محترماً. أما سرقتها من غير المسلم ففيها القطع لأنه يحق لغير المسلمين في عقيدتهم تملك الخمر والخنزير فهي بالنسبة إليهم مال محترم. ويقع في سرقة آنية الخمر إذا بلغت نصاباً.
ولا يقطع لو سرق شيئاً غير مملوك أو شيئاً سائباً، لأنه لا يعتبر مالاً.
قال الحنفية: لا قطع فيما كان أصله مباحاً في دار الإسلام، لأن الأشياء المباحة يشترك فيها الناس جميعاً. فبالنظر للشبهة التي فيها لكل مالك، لا يقطع سارقها مراعاة لأصلها[*].
وقال المالكية والشافعية والحنبلية: يقطع سارق الأموال سواء أكانت مما أصله مباح، كالصيد والماء والحطب والحشيش، أو غير مباح لعموم الآية الكريمة، وعموم النصوص الواردة في اشتراط النصاب، ولأنها مال مُحرز.
وقد تباينت آراء الفقهاء حول المصحف الشريف:
- قال الشيعة الإمامية: يقطع في سرقة المصحف الشريف، وكتب العلم إذا بلغ ثمن تكلفتها نصاباً.
- وقال الحنفية والحنبلية: لا يقطع سارق المصحف الشريف، لأن أخذه يؤوَّل على أنه أخذه للقراءة.
- وقال المالكية والشافعية: يقطع بسرقة المصحف لأنه مال متقوم. واستثنى الشافعية المصحف الموقوف على القراءة، فقالوا: لا قطع فيه كالسرقة من بيت المال، لوجود الشبهة فيه[*].
الشرط الرابع: أن يكون المال المسروق في حرز، فمن سرق مثلاً سيارة من مرآب مقفل يحد، ويرجع السيارة إلى صاحبها، ومن سرقها من الطريق، في مكانٍ مهجور فلا يحد، بل يعزر بما يراه الحاكم، ويرجع السيارة، وعليه فإن من وجد باباً مفتوحاً، أو حرزاً مهتوكاً فلا قطع عليه، وذلك لقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم): «لا قطع في ثمر ولا كَثَر (طَلْعُ النخل)[*] حتى يؤويه الجرين (موضع التمر الذي يجفّف فيه) ففيه القطع»[*]. وروى الترمذي والنسائي وأبو داود وابن ماجة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد لله بن عمر أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) سئل عن الثمر المعلق فقال: «من أصاب بفيه من ذي حاجةٍ غير متخذٍ خُبنة[*] فلا شيء عليه. ومن سرق منه شيئاً بعد أن يؤويه الجرين[*] فبلغ ثمن المجن[*] فعليه القطع»[*]. وفي رواية: «لا قطع في ثمر معلق ولا في حريسة جبل، فإذا أواه المراح أو الجَرين فالقطع فيما بلغ ثمن المجن»[*].
وقد روى أيضاً أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه قال: سمعت رجلاً من مزينة يسأل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) عن الحريسة التي توجد في مراتعها؟ فقال (صلى الله عليه وآله وسلّم):«فيها ثمنها مرتين وضرب نكال[*]، وما أخذ من عطنه[*] ففيه القطع إذا بلغ ما يؤخذ من ذلك ثمن المجن». فهذه الروايات تدل جميعها على أن الحرز شرط في القطع. فالحريسة (وهي الماشية التي ترعى وعليها حرس) إذا أخذت من المرعى فلا قطع بأخذها لأنها لم تؤخذ من حرز مثلها، وإذا أخذت من مراحها (زريبتها) أو ما شاكل ذلك مما هو حرز مثلها ففيها القطع. والثمر إذا أخذ عن الشجر، بشرط ألاَّ يُخفي منه بقدر النصاب، فلا قطع بأخذه، فإذا أخذ من المكان الذي يحفظ فيه، وهو الجرين، ففيه القطع. وهو يشتمل ليس على الجرين وحسب بل كل مكان يحفظ فيه الثمر بعد قطفه.
وبصورة عامة، كل مكان يدخله الناس من غير إذاً فلا حد على من سرق منه. وكل مكان خاص لا يدخله أحد إلا بإذن صاحبه يطبق عليه حد السرقة. وعلى هذا فقد اتفقت المذاهب الخمسة على أن لا يحد الوكيل ولا الأجير ولا الضيف ولا الخادم إذا خانوا، لوجود الإذن لهم بالدخول، لأن الإذن بالدخول أخرج الموضع من أن يكون حرزاً في حقهم[*]. قال الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): «الأجير والضيف أمينان لا يقع عليهما حد السرقة». وقد اشترط الإمام مالك في الخادم، الذي يجب أن يدرأ عنه الحد، أن يكون يلي الخدمة لسيده بنفسه[*].
وقد تباينت آراء الأئمة حول سرقة النقب والكسر:
- فقال الشيعة الإمامية: كل من أخذ المال من حرز، حتى ولو لم ينقب البيت، ويكسر القفل، كمن تسلق الحائط ودخل من النافذة، وسرق أمتعة البيت أو بعضها، فإنه يُحد بالإجماع.
وقالوا: إذا كسر القفل شخص، وفتح الباب، وجاء الثاني وسرق المال، فلا حد عليهما، حتى ولو جاءا بقصد السرقة، لأن الأول لم يسرق، والثاني لم يأخذ من الحرز، ولكن على الأول إصلاح ما أفسد، وعلى الثاني إرجاع ما أخذ، بعد أن يعزّر.
- وذهب أبو حنيفة في الاتجاه نفسه الذي قال به الشيعة الإمامية، وهو أنه إذا نقب شخصان حرزاً، ودخل أحدهما، وقرَّب المتاع إلى النقب وتركه، فأدخل الآخر يده من النقب وأخرجه، فلا قطع عليهما، لأن الداخل لم يخرج شيئاً، والمخرج لم يهتك الحرز، فلم تتم السرقة من أي واحدٍ منهما.
- وقال مالك: يُقطع المُخرج خاصة لأنه السارق.
- وقال الشافعية: يقطع المخرج، حتى ولو تعاونا في النقب وانفرد أحدهما بالإِخراج. لكن لو وضعه الناقب في وسط النقب فأخذه المخرج وهو يساوي نصابين، لم يقطع الاثنان في الأَظْهر. ولو نقب شخص وأخرج غيره المسروق فلا قطع على واحد منهما[*].
- وقال أحمد: يقطع كل منهما لأنهما اشتركا في هتك الحرز وإخراج المتاع فلزمهما القطع، كما لو حملاه معاً فأخرجاه[*].
اشترك جماعة في سرقة:
اتفق جميع الأئمة على أنه إذا اشترك جماعة في سرقة، وحصل كل واحد منهم على مقدار نصاب، فعلى كل واحد منهم القطع. وتباينت آراؤهم حول الاشتراك في مسروق يشكل كله نصاباً، فقال أبو حنيفة والشافعي: لا يقطع كل واحد منهم[*] لأن كل واحد منهم لم يسرق نصاباً، وقد استدل الشافعي بقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم):«لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعداً». فإذا سرقوا أكثر من نصاب، بحيث يصيب كل واحد منهم مقدار نصاب، فإنه يجب القطع.
وقال المالكية: إذا اشترك السارقان أو أكثر في سرقة نصاب، وكان لكل واحد قدرة على حمله بانفراده، فلا يقطع أحدٍ. وإن كانوا يحتاجون في إخراجه إلى تعاون بعضهم، فيقطعون جميعاً، ويصيرون كأنهم حملوه على دابة فإنهم يقطعون إذا تعاونوا على رفعه عليها.
- وقال الحنبلية: إذا اشترك الجماعة في سرقة قيمتها ثلاثة دراهم قطعوا لضرورة حفظ المال، فإن الواحد والجماعة يستوون في هتك الحرز، وسرقة النصاب، فاستوى فيه الواحد والجماعة كالقصاص.
وحول متى يقدر المسروق: قال أبو حنيفة: يقدّر المسروق يوم الحكم عليه بالقطع. وقال مالك: يوم السرقة[*].
الشراكة في المال والدار:
إذا كان المال المسروق شراكة بين السارق وغيره ينظر: فإن كان ما أخذه بمقدار نصيبه أو أقل فلا حد عليه، وإن كان آثماً، للتصرف من غير إذاً الشريك. وإذا كان المأخوذ أكثر من سهمه، ويزيد عنه بمقدار النصاب، فإنه يُحد شريطة أن لا يدعي شبهة كما لو قال: ظننت أن سهمي بهذا القدر فأخذته، وكان ذلك ممكناً في حقه.
وإذا كانت الدار مشتركة بين عدة سكان، كالغرف المؤجرة في المنازل لأكثر من واحد، فسرق المتاع من غرفة، يقطع عند الحنفية إذا كانت الدار عظيمة بحيث يستغني كل مستأجر عن صحن الدار. ويقطع عند المالكية والشافعية بإخراج المتاع ولو لم يخرجه من جميع الدار. ويقطع عند الحنبلية إذا كان الباب مغلقاً.
السرقة من بيت المال:
اتَّفَقَ جميع الأئمة على أنه إذا أخذ بمقدار نصيبه فلا حد، وإلاَّ أقيم عليه الحد كما هو الشأن في المال المشترك. فقد سئل الإمام الصادق (عليه السلام) عن رجل سرق من الغنيمة؟ فقال (عليه السلام): «إن كان الذي أخذ أقل من نصيبه دُفع إليه تمام ماله، وإن كان قد أخذ مثل الذي له فلا شيء عليه، وإن كان أخذ فضلاً بِقَدر ربع دينار قطع»[*].
والسارق من بيت المال لا يقطع لوجود الشبهة فيه[*]. فقد كتب عامل لعمر (رضي الله عنه) يسأله عمن سرق من بيت المال، فبعث له قائلاً: «لا تقطعه فما من أحدٍ إلاَّ وله فيه حق». وفي رواية أن ابن مسعود سأل عمر (رضي الله عنه) عمن سرق من بيت المال فقال: «أرسله فما من أحد إلا وله في هذا المال حق». وقد روى الشعبي أن رجلاً سرق من بيت المال، فلما بلغ عليّاً (عليه السلام) قال: «إن له فيه سهماً»، أو أنه قال: «ليس على من سرق من بيت المال قطع». وبالطبع كل معصية ليس فيها قطع ففيها تعزير.
وهذا الحكم يجب أن تراعى فيه الأوضاع الحالية حيث لا وجود لبيت مالٍ للمسلمين. فالذي عليه الحال اليوم هو الإنفاق من الخزينة العامة للصالح العام، فمن قام باختلاس الأموال العامة فإن القوانين الوضعية قد تضمنت العقوبات التي تقع على السارق، وهي بطبيعة الحال لا قطع فيها، لأن القطع حكم إسلامي، فلا يطبق إلا بوجود الدولة الإسلامية، وعودة بيت مال المسلمين.
سرقة الأكفان:
- قال الشيعة الإمامية: من حفر قبراً وسرق كفن الميت أقيم عليه الحد. قال الإمام محمد الباقر (عليه السلام): «يقطع سارق الموتى كما يقطع سارق الأحياء». وسئل عن رجل نبش امرأة فسلبها ثيابها، ووطأها؟ قال (عليه السلام): «إن حرمة الميت كحرمة الحي، تقطع يده لنبشه، ويقام عليه الحد في الزِّنا، فإن أحصن رجم، وإن لم يحصن، جلد مائة».
- وقال الحنفية: لا يقطع سارق القبر، ولو كان القبر في بيت مقفل، لأنه ليس بحرز بنفسه أصلاً، إذ لا تحفظ فيه الأموال عادة[*].
- وقال المالكية والشافعية والحنبلية: القبر حرز، وعلى النبَّاش القطع[*]، وذلك لما قالت السيدة عائشة: «سارق أمواتنا كسارق أحيائنا»[*]. وروى البراء بن عازب أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) قال: «ومن نبش قطعناه»[*]. واستثنى الشافعية القبر الموجود في البرية، فقالوا: لا قطع فيه لأنه ليس بحرز للكفن.
الشرط الخامس - ارتفاع الشبهة: وهذا أيضاً شرط متفق عليه، فإن عدم وجود شبهة في الأخذ يوجب الحد، أما مع وجودها فلا قطع. ومثالها أن يتوهم أن الذي أخذه هو ملك له، فيتبين أنه مال الغير. لا سيما وأن الشبهة تنفي تكامل فعل السرقة الذي يوجب الحدّ، عملاً بقاعدة «الحدود تدرأ بالشبهات». وعلى هذا فلا قطعَ إذا سرق الأب من مال ابنه، وإن سفل، لأنه له شبهة الملك فقد جاء في الأثر أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) قال: «أنت ومالك لأبيك». وكذا لا يقطع من سرق مال الأب والجد وإن علا، لوجود المباسطة في الدخول في الحرز[*]. ومن الفقهاء من ألحق الأم بالأب، لأنها أحد الأبوين.
أما فيما يتعلق بمال الزوجية فإن الزوج يقطع إذا سرق من مال زوجته مما أحرزته دونه، والزوجة إذا سرقت من مال زوجها ما أحرزه دونها. ولا بأس أن تسرق الزوجة مقدار النفقة إذا منعها عنها، فإن هنداً قالت للنبي (صلى الله عليه وآله وسلّم): «إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني وولدي إلاَّ ما أخذته سراً». قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم): «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف»[*]. وعلى هذا فقد رأى الشيعة الإمامية والحنفية والحنبلية أنه لا قطع في حال السرقة من أحد الزوجين، ومن الأصل والفرع في الأقارب. والإمام أبو حنيفة قال: «لا يقطع ذو الرحم المحرَّمة»[*].
وقال الإمام مالك: «إذا كان كل من الزوجين ينفرد ببيت فيه متاعه فالقطع على من سرق من مال صاحبه». أما مذهبه في القرابات فهو أن لا قطع على الأب فيما سرق من مال الابن فقط. ويقطع ما سواهم من القرابات[*].
وقال الإمام الشافعي: «الاحتياط أن لا قطع على أحد الزوجين لشبهة الاختلاط وشبهة المال». ومذهبه في القرابات أنه لا يقطع عمود النسب الأعلى والأسفل، يعني الآباء، والأجداد (وإن علوا)، والأبناء وأبناء الأبناء (وإن سفلوا)[*].
الشرط السادس: أن يكون السارق بالغاً، عاقلاً، باتفاق الجميع، فلا حدَّ على الصبي، ولا على المجنون، وذلك لأن القطع عقوبة استدعتها جناية، وفعل الصبي والمجنون لا يوصف بأنه جناية. وإذا تكررت السرقة من الصبي عدة مرات، يؤدبه الحاكم بما يراه مناسباً على كل مرة، دون أن يحده.
وأضاف بعض المذاهب (الإمامية والشافعية والحنبلية) شرط الاختيار لأنه لا حدَّ على المكره لحديث: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه»[*]. وأن يكون السارق ملتزماً أحكام الإسلام، فلا حد على الحربي لأنه لم يلتزم حكم الإسلام.
ومن الشروط أيضاً لثبوت الحد على السارق ألاَّ يكون فعله في عام المجاعة. فإذا سرق الجائع مأكولاً، حيث لا يجد وسيلة لسد حاجته إلاَّ السرقة، فلا حدَّ عليه، لقول الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): «لا يقطع السارق في عام مُسْنِت» (جدب) أي مجاعة. وفي رواية ثانية: «لا يقطع السارق سنة المحل في شيء يؤكل مثل اللحم والخبز وأشباهه»[*].
طرق إثبات السرقة:
- قال الشيعة الإمامية: تختلف طرق الإثبات بالنظر إلى ثبوت الحد، والغرم وهو المال المسروق، على النحو التالي:
1 - إذا شهد رجلان عدلان ثبت الحد، والغرم، لإطلاق أدلة الأخذ بقولهما، وأن تشهد البينة أن السارق أخذ من حرز، وأن المال المسروق يبلغ النصاب، وأن يصفا السرقة وصفاً يميزها إن كانت غائبة، أو يشيرا إليها إن كانت حاضرة، وأن لا يختلفا في الشهادة اختلافاً يجعلهما متناقضين. فإن اختلفا كأنْ شهد أحدهما أنه سرق يوم الخميس، والآخر يوم الجمعة، أو شهد أحدهما أنه سرق دراجة عادية، والآخر دراجة نارية، فإنه لا قطع لعدم اكتمال نصاب الشهادة.
2 - يثبت الغرم فقط بشاهد ويمين، وبشاهد وامرأتين، لأنه من الحقوق المالية، أما الحد فلا يثبت باليمين، ولا بشهادة النساء على الإطلاق.
3 - إذا أقر السارق مرة واحدة بالسرقة، وكان بالغاً، عاقلاً، مختاراً ثبت الغرم فقط. وإذا أقر مرتين ثبت الغرم والحد، وإذا رجع بعد الإقرار مرتين، وأكذب نفسه ثبت الغرم دون الحد، ولا بد أن يكون الإقرار مقروناً بالوصف أي أن يصف السارق الشيء الذي سرقه لاحتمال أن يكون سرق مالاً لا قطع فيه، وهو يظن القطع.
قال الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): «لا يقطع السارق حتى يقر بالسرقة مرتين، فإن رجع ضَمِنَ السرقة، ولم يقطع إذا لم يكن شهود»[*].
4 - إذا رأى الحاكم رجلاً يسرق فالواجب أن يزجره وينهاه، ولا يقطعه.
- وقال فقهاء المذاهب الأربعة:
تثبت السرقة عند القاضي بأحد أمرين: البينة أو الإقرار وهذه شروطهما.
شروط البينة:
يُشترط لقبول البينة شروط عامة تعرف في باب الشهادات وشروط خاصة في الحدود والقصاص وهي:[*]
1 - الذكورة، فلا تقبل فيها شهادة النساء.
2 - العدالة، فلا تقبل فيها شهادة الفساق.
3 - الأصالة، فلا تقبل فيها الشهادة على الشهادة، لوجود الشبهة.
4 - عدم تقادُم العهد، إلا في حد القذف والقصاص، فلو شهدوا بالسرقة بعد حين لم تقبل شهادتهم، للشبهة.
5 - الخصومة أو الدعوى ممن له يد صحيحة: بأن كان صاحب ملك، أو صاحب يد أمانة، أو يد ضمان. فلو شهدوا أنه سرق مال فلان الغائب من غير خصومة من المسروق منه، لم تقبل شهادتهم، ولكن يحبس السارق، لأن إخبارهم أورث تهمة، ويجوز الحبس بالتهمة.
وحق الخصومة ثابت لمن له يد صحيحة في حق ثبوت ولاية استرداد المسروق وإعادته إلى أيديهم، وفي حق القطع عند جمهور الحنفية. بينما قال زفر: لا تعتبر خصومة غير المالك في حق القطع، ولا يقطع السارق بخصومة الأمين، أو الضامن.
وباتفاق الحنفية: لا تعتبر خصومة السارق الأول في حق القطع بالنسبة للسارق الثاني: لأن يده ليس يد ملك، ولا يد ضمان، ولا يد أمانة، فصار الأخذ من يده كالأخذ من الطريق. وأما في حق الاسترداد ففيه روايتان: الأولى أن للسارق الأول الاسترداد، والثانية: ليس له الاسترداد، إذ ليس له يد صحيحة[*].
وقال مالك: إنَّ حدَّ القطع لا يفتقر إلى مطالبة المسروق منه، وذلك صيانة لحق المجتمع، ومحافظة على أموال الناس[*].
ولا تثبت السرقة عند القاضي بالنكول عن الحلف من المدعى عليه، ولا تثبت أيضاً بعلم القاضي.
ومذهب الشافعية والحنبلية في أظهر الروايتين كالحنفية في افتقار حد القطع إلى مطالبة المسروق منه، لأن المغلب عندهم في القطع حق المخلوق[*].
شروط الإقرار:
تثبت السرقة عند القاضي بالإقرار، لأن الإنسان غير متهم في الإقرار على نفسه بالإضرار بها.
وعند الحنفية والمالكية والشافعية: يكفي لوجوب القطع الإقرار مرة واحدة.
وعند الحنبلية: لا يقطع إلا بالإقرار مرتين، كما أن عدد الشهود اثنان. روى أحمد عن أبي أمية المخزومي أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) أُتيَ له بلص فاعترف اعترافاً ولم يوجد معه المتاع، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم): «ما إخالك سرقت؟». قال بلى مرتين أو ثلاثاً. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم): «اقطعوه»[*]. مما يتبين معه أن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) أراد أن يثبَّت أن المال المسروق هو من السرقة التي قطع فيها، وأن السارق أقرَّ أكثر من مرة، إذ لما أجابه أكثر من مرة أمر بقطعه.
ويندب للقاضي الذي يقر أمامه السارق تلقين المسقط للحد، والمبالغة في الاستثبات، والإقرار يكفي فيه مرة واحدة ككل إقرار. أما ما ورد من تكرار الإقرار فالمراد منه التثبُّت، وليس شرطاً في الإقرار.
وإذا سرق مرات عدة، دون أن يُظفر به لإقامة الحد عليه، ثم قبض عليه، وثبت بالبيّنة أو بالإقرار جميع السرقات.. إذا كان كذلك أقيم عليه حدٌّ واحد، باتفاق الجميع، وهو قطع اليد اليمنى فقط. فقد سئل الإمام الباقر (عليه السلام) عن مثل هذه الحالة التي تعددت فيها السرقة مرات عدة، وجاءت البينة فشهدت عليه؟ فقال (عليه السلام): «تقطع يده بالسرقة الأولى، ولا تقطع رجله بالسرقة الأخيرة، وذلك لأن الشهود شهدوا جميعاً في مقام واحد بالسرقة الأولى والأخيرة قبل أي يقطع بالسرقة الأولى»[*].
هذه هي شروط القطع في السرقة، فإذا استوفت السرقة هذه الشروط قُطِعَ السَّارِقُ. ولا يكتفى بقطع يده بل ويجب أن يرد المال المسروق لصاحبه. فقد أخرج أبو داود عن الحسن بن سمرة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم):«من وجد عين ماله عند رجل فهو أحق به ويتبع البيع من باعه»[*]. وهذا عام يشمل السارق والمغتصب والمختلس والخائن. وأخرج أحمد عن الحسن عن سمرة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم): «إذا سُرق من الرجل متاع أو ضاع له متاع فوجده بيد رجل بعينله متاع هو أحق به، ويرجع المشتري على البائع بالثمن»[*]. وهذا نص في أن المال المسروق يُرد لصاحبه. فإذا كانت العين قد تلفت أو استهلكت، ضمنها وعليه أن يدفع ثمنها لصاحبها. وإن كانت العين قد نقصت بغير استعمال كتعثث الثوب وكتلف آلات السيارة أو ما شاكل ذلك فيجب أخذ الأرش[*]. ومثل ذلك لو كان النقص بالاستعمال. وإذا كانت العين ذات منفعة كسيارة أو فرس فإن له أن يطالب السارق بمنفعتها مدة بقائها في يده، سواء انتفع بها بالفعل أم لم ينتفع بها.
القطع:
يختلف حد السرقة بالقطع، بالنظر لإقامته مرة واحدة أو أكثر. وهذه آراء المذاهب في ذلك..
كيفية القطع في السرقة الأولى:
- قال الشيعة الإمامية: إذا ثبت عليه ما يوجب الحد للمرة الأولى، بحيث لم يجر عليه الحد من قبل فتقطع أصابعه الأربع من يده اليمنى فقط، ويترك له الراحة والإبهام. ودليلهم على ذلك خبر هلال، فقد سأل الإمام الصادق (عليه السلام): من أين تقطع اليد؟ فقال له (عليه السلام): «تقطع الأربع أصابع، وتترك الراحة والإبهام يعتمد عليهما في الصلاة، ويغسل بهما وجهه للصلاة»[*]. وبهذا يتحقق القطع الذي أمرت به الآية.
- وقال الأئمة الأربعة: تقطع اليد اليمنى للسارق في السرقة الأولى. ولكن جمهور أهل السنة اختلف في مكان القطع، فقال بعضهم: إن مكان القطع في اليد هو من الكوع أو مفصل الزند (الرسغ)، لما روي عنه (صلى الله عليه وآله وسلّم) أنه قطع من مفصل الزند[*]. وقال بعضهم الآخر: تقطع الأصابع فقط.
القطع في السرقة الثانية:
اتفق جميع الأئمة على أنه إذا قطع، ثم عاد للسرقة ثانية بعد القطع، تقطع رجله اليسرى من مفصل القدم. ويترك له العقب يعتمد عليها (والعقب يقال: للكعب والكاحل، وهو أصل الساق). وقد روى البيهقي عن علي (عليه السلام) أنه كان يقطع من خنصر القدم ويبقى له الكعب يعتمد عليه.
والسؤال: إذا كان السارق للمرة الأولى مقطوع اليد اليمنى، ولم يكن له إلا شماله، فما هو الحكم؟
قيل: تقطع يده اليسرى. وقيل: بل رجله اليسرى. وكلا القولين خروج عن موضع الإذن الشرعي في القطع.. لأن النص القرآني الكريم مفسَّر بالنصوص الصحيحة أن القطع يكون لليد اليمنى. وقطع الرجل اليسرى لا يجوز إلا في الحد الثاني، فإذا كانت اليمين معدومة فإنه يسقط عنه الحد بسقوط موضوعه، فيبقى التعزير المنوط بأمر الحاكم.
القطع في السرقة الثالثة:
- قال الشيعة الإمامية: إذا سرق للمرِة الثالثة بعد أن قطعت يده اليمنى، ورجله اليسرى، حبس مؤبداً حتى يموت، أو يتوب توبة نصوحاً، وأنفق عليه من بيت المال إن لم يوجد لديه، ولا يقطع منه شيء. قال الإمام محمد الباقر (عليه السلام): «لقد قضى عليٌّ أمير المؤمنين (عليه السلام)محمد في السارق: إذا سرق قطعت يمينه، ثم إذا سرق مرة أخرى قطعت رجله اليسرى، ثم إذا سرق مرة أخرى سجن وتركت رجله اليمنى يمشي عليها، ويده اليسرى يأكل بها، وإني لأستحي من الله تعالى أن أتركه لا ينتفع بشيء، ولكن أسجنه حتى يموت»[*].
- وقال الحنفية والحنبلية: يقف القطع في الرجل، وإنما عليه في الثالثة الغرم فقط[*]. أي أنه يضمن المسروق ويعزَّر، ثم يحبس حتى يتوب. وقد استدلّوا بما روي عن علي (عليه السلام) أنه أُتي بسارق، فقطع يده، ثم أتي به ثانية وقد سرق، فقطع رجله، ثم أتي به ثالثة، فقال (رضي الله عنه): «لا أقطعه، إن قطعت يده فبأي شيء يأكل، بأي شيء يتمسح، وإن قطعت رجله فبأي شيء يمشي، إني لأستحي من الله عزَّ وجلَّ»، فضربه بخشبة وحبسه[*].
- وقال مالك والشافعي: إن سرق ثالثة قطعت يده اليسرى، ثم إن سرق رابعة قطعت رجله اليمنى. وهو مروي عن عمر وأبي بكر[*]. ثم يعزر[*] عند المالكية والشافعية، لأنَّ ما فعله معصية ليس فيها حد ولا كفارة فعزر فيها.
والحق أنه لم يثبت حديث قطع اليد اليسرى، والرجل اليمنى لحديث ابن عباس: «أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) قطع الرجل بعد اليد»[*].
توبة السارق:
إذا تاب السارق من تلقاء نفسه، وقبل أن تثبت السرقة عليه عند الحاكم بالبينة أو الإقرار، فلا حد عليه لقول الإمام الصادق (عليه السلام): «إذا جاء من قِبل نفسه تائباً إلى الله سبحانه، ورد سرقته على صاحبها فلا قطع عليه»[*].
وإذا تاب بعد قيام البينة لم يسقط الحد لقول الإمام علي (عليه السلام)، «إذا قامت البينة فليس للإمام أن يعفو»[*].
وإذا تاب بعد الإقرار مرتين كان الحاكم مخيراً بين أن يقطع يده أو يعفو عنه.
حق الله وحق العبد[*]:
من الجرائم ما يستدعي ارتكابها التعدي على حق الله تعالى فقط، كالزِّنا بغير المتزوجة، واللواط، وشرب المسكر، فإن من يفعل شيئاً من هذه الموبقات فقد اعتدى على حق الله - عزَّ وجلَّ - أي الحق العام، لأن الزِّنا واللواط حصل برضا الطرفين، ولا طرف ثان في شرب المسكر.. والوجه في أن هذا الفعل تعد على حق الله تعالى أن الفاعل قد خالف أمره سبحانه، واستهان بحرماته عزَّ وجلَّ، ونشر الفساد في الأرض الذي يضرُّ بالمجتمع والصالح العام.. وبديهة أن كل ما يمس الصالح العام بسوء فهو تعدٍّ على حق الله تبارك وتعالى.
ومن الجرائم ما يستدعي ارتكابها التعدي على حق الله والعبد معاً، كالقذف والسرقة فإن فيهما جهة شخصية، وهي الضرر والأذى لشخص معين. وأيضاً فيهما مخالفة لأمر الله، وإضرار بالمجتمع والصالح العام، لانتشار الفساد في الأرض.
ويفترق كل من الحقين عن الآخر بأن الحق الخاص يجوز العفو عنه، ولا يجوز العفو عن الحق العام إلا إذا ثبت بالإقرار كما ورد في فقرة توبة السارق.
ويفترقان أيضاً بأن إقامة حد الله المحض لا تتوقف على المطالبة، ولا يرثه أحد. أما إقامة حدّ السارق والقاذف فتتوقف على المطالبة، وينتقل حق المطالة إلى الورثة. وأيضاً يقيم الحاكم حد الله بمجرد علمه، ولا يقيم الحد به في حقوق الناس.
وقد اتفق الأئمة على أنه إذا أقيم الحد على السارق والعين قائمة فعليه أن يعيدها لصاحبها، ولا يسقط عنه بحال عند الشيعة الإمامية لقول الإمام أبي جعفر (عليه السلام): «السارق يُتبع بسرقته، وإن قطعت يده، ولا يُترك أن يذهب بمال امرئ»[*].
وقد اختلف الأئمة الأربعة في ضمان العين المسروقة إن كانت تالفة:
فقال الحنفية: لا يجتمع على السارق وجوب الغرم (الضمان) مع القطع، إذ لا يجتمع مع القطع شيء. فإن اختار المسروق منه الغرم لم يقطع السارق، وإن اختار القطع لم يغرم السارق. لأن الله سبحانه وتعالى جعل القطع كل الجزاء، فلو أوجبنا الضمان، لصار القطع بعض الجزاء، فيكون نسخاً لنص القرآن[*]. والرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) قال: «إذا قطع السارق فلا غرم عليه»[*].
- وقال المالكية: إن كان السارق موسراً عند القطع، وجب عليه القطع والغرم. وإن كان معسراً وجب عليه القطع فقط، ولا يغرم بسبب فقره وفاقته[*].
- وقال الشافعية والحنبلية: يجتمع القطع والضمان، فيُرد ما سرق لمالكه، وإن تلف فيرد بدله، سواء كان موسراً أم معسراً، قطع أم لم يقطع، لأن الضمان يجب لحق آدمي، والقطع يجب لحق الله تعالى[*].
قطع الطريق أو حد الحرابة
تعريف قاطع الطريق أو المحارب:
هو من جرَّد السلاح لإخافة الناس في برٍّ أو بحرٍ، ليلاً أو نهاراً، في أماكن السكن أو غيرها.
والمراد بالسلاح كل ما من شأنه أن يخيف الناس، حتى ولو كان عصا أو حجارة، وإن لم يحصل منه اعتداء على أحد بسلبٍ أو قتل أو إهانة.
وقد عرَّف بعض الفقهاء الحرابة على أنها كل فعل يُقصد به أخذ المال على وجه تتعذر معه الاستعانة عادة[*].
ويتم قطع الطريق بالخروج على المارة لأخذ مالهم بالغلبة بحيث يتحقق قطع الطريق، سواء أكان هذا القطع من واحد أم من جماعة، ويكون هذا الأمر من فعل قطّاع الطرق عادةً[*].
شروط قطع الطريق:
1 ـ يُشترط في قاطع الطريق أن يكون عاقلاً بالغاً، فلا حدَّ على الصبي والمجنون، لأن الفعل هنا جناية، وفعل الصبي والمجنون لا يعد جناية.
وقد اشترط الحنفية الذكورة. فلو كان بين قطاع الطرق امرأة لا يقام عليها الحد. بل وعند الإمام أبي حنيفة وتلميذه محمد لا يقام الحد على الرجال الذين مع المرأة، لأن قطع الطريق قد حصل ممن يجب عليه الحد وممن لا يجب (وهو المرأة) فامتنع عنهم جميعاً. أما أبو يوسف فقال: إذا باشرت المرأة مع الرجال، فيحدُّ الرجال من دونها. والسبب في عدم وجوب الحد عليها هو عدم المحاربة منها. أما الجمهور فقد أوجبوا الحدّ على الرجل والمرأة، فيقام حد الحرابة على جميع المكلفين الملتزمين ولو كان بينهم أنثى، فإنهم يعرضون للناس بسلاح أو غيره، فيغصبون مالاً محترماً مجاهرة[*].
2 - ويُشترط في المقطوع عليه الطريق أن يكون مسلماً أو ذميّاً فإن كان حربياً مستأمناً فلا حدّ على القاطع، وأن تكون يده صحيحة: بأن كانت يد ملك أو يد أمانة أو يد ضمان، فإن لم تكن كذلك كيد السارق، لم يجب الحد على القاطع[*].
وأما حكم الردء أو العون إذا اجتمع محاربون فباشر بعضهم القتل وأخذ المال، وبقي بعضهم ردءاً وعوناً لهم فهو كما يلي:
- قال الحنفية والمالكية والحنبلية: إنَّ الردء حكمهم حكم المحاربين لوجود المحاربة باشر بعضهم القتل أم لم يباشر.
أما الشافعية فقالوا: لا يجب على الردء غير التعزير بالحبس والتغريب ونحوهما، لأن المدار في المحاربة على المباشر، لا على من كان ردءاً له[*].
3 - ويُشترط في المال المقطوع له أن يكون مالاً مأخوذاً، متقوّماً، ليس لأحدٍ فيه حق الأخذ ولا تأويل التناول، ولا تهمة التناول، مملوكاً لا مُلك فيه للقاطع، ولا تأويل الملك، ولا شبهة الملك، محرزاً مطلقاً ليس فيه شبهة الإباحة، ولا فيه لكل من القاطعين نصاب كامل أي عشرة دراهم أو ما كان مُقَدّراً بها[*].
إثبات قطع الطريق:
- قال الشيعة الإمامية: تثبت هذه الجناية بالإقرار مرة واحدة، لأن إقرار العقلاء على أنفسهم جائز، ولا دليل على وجوب التكرار هنا، وإن كان لازماً في الزِّنا واللواط والسرقة والقذف لمكان الدليل الخاص.. وأيضاً تثبت بشهادة رجلين عدلين، ولا تقبل شهادة النساء على الإطلاق.
ولا تقبل شهادة اللصوص بعضهم على بعض، لأن اللصوصية من الكبائر، وشرط الشهادة العدالة.. وأيضاً لا تقبل شهادة المسلوبين بعضهم لبعض على اللصوص وقطاع الطريق، لمكان العداوة. فقد سئل الإمام الصادق (عليه السلام) عن رفقة كانوا في طريق، فقطع عليهم وأُخذ اللصوص، فشهد بعض الرفقاء لبعض؟ فقال (عليه السلام): «لا تقبل شهادتهم إلا بإقرار اللصوص، أو شهادة من غيرهم عليهم»[*].
ولا شك بأن تقدير الشهادة هنا وبهذه الجناية بالذات ترجع إلى نظر الحاكم وتقديره، حتى ولو لم يكن لتقديره أي أثر في غيرها من الجنايات.
- وقال فقهاء المذاهب الأربعة: يكون إثبات قطع الطريق عند القاضي بالبيّنة، أو بالإقرار، بعد خصومة صحيحة (رفع الدعوى ممن له يد صحيحة). ولا يثبت بعلم القاضي ولا بالنكول[*] أي بامتناع الخصم عن حلف اليمين إليه من القاضي. ويشترط الحنبلية وأبو يوسف تكرار الإقرار مرتين[*].
الحد على قطّاع الطريق:
- قال الشيعة الإمامية: يُترك للحاكم الخيار في نوع العقوبة التي يوقعها بقاطع الطريق، فإن شاء قتل، وإن شاء صلب، وإن شاء قطع يده اليمنى مع رجله اليسرى، وإن شاء نفاه من بلده إلى بلد آخر. قال تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلاَفٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ} [المَائدة: 33].
ولفظ «أو» للتخيير. قال الإمام الصادق (عليه السلام): «ذاك إلى الإمام: إن شاء قطع، وإن شاء صلب، وإن شاء نفى، وإن شاء قتل»[*].
والمراد بلفظ «من خلاف» في الآية الكريمة أن يخالف الحاكم في القطع بين يد المجرم ورجله، فلا يقطعهما من جانب واحد، بل يقطع اليد اليمنى، والرجل اليسرى، كما هي الحال في عقوبة السارق إذا حُدّ مرتين.
وإنما يخير الحاكم بين قتل المحارب الذي قطع الطريق، أو صلبه، أو قطعه من خلاف، أو نفيه من البلاد إذا لم يكن قد قتل شخصاً طلباً للمال. أما إذا فعل ذلك فيتعين قتله على كل حال، حتى ولو عفا ولي المقتول عنه. قيل للإمام أبي جعفر محمد الباقر (عليه السلام): أرأيت لو أراد أولياء المقتول أن يأخذوا الدِّية، ويدعوه، ألَهُمْ ذلك؟ قال (عليه السلام): «لا، عليه القتل»[*].
وقال الحنفية: إنْ أخذ قطّاع الطرق المال فقط، تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف. وإن قَتلوا فقط قُتلوا. وإن قتلوا وأخذوا المال كان الإمام بالخيار إن شاء قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ثم قتلهم أو صلبهم، وإن شاء لم يقطع، وإنما يقتل أو يصلب.
وإذا أخافوا المارّة فقط دون قتل، أو دون أخذ للمال، يُنفون من الأرض، أي أنهم يُحبسون ويعزرون[*].
- وقال الإمام مالك[*]: الأمر في عقوبة قطّاع الطرق راجع إلى اجتهاد الإمام ونظره ومشورة الفقهاء بما يراه أتمَّ للمصلحة وأدفع للفساد. وليس ذلك على هوى الإمام:
1 - فإن أخاف القاطع السبيل فقط كان الإمام مخيراً بين قتله أو صلبه أو قطعه من خلاف أو ضربه ونفيه.
2 - وأما إذا قتل، فلا بد من قتله، وليس للإمام التخيير في قطعه، ولا في نفيه، وإنما التخيير في قتله أو صلبه.
3 - وأما إذا أخذ المال، ولم يقتل، فالإمام مخيّر بين قتله أو صلبه أو قطعه أو نفيه، يفعل ذلك بما يراه أتم للمصلحة ولا يحكم فيه بالهوى.
ودليله أن حرف «أو» المذكور في الآية 33 من سورة المائدة يقتضي التخيير.
- وقال الشافعية والحنبلية[*]: إن أخذ قطاع الطرق المال فقط قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف. وإن قتلوا ولم يأخذوا المال، قتلوا ولم يصلبوا. وإن قتلوا وأخذوا المال، قتلوا وصُلبوا. وإن أخافوا، نُفوا من الأرض.
ودليلُهم على هذا الترتيب ما روي عن ابن عباس من قصة أبي بردة الأسلمي بهذه الكيفية[*].
حدّ قطع الطريق وتوبة القاطع:
قال الشيعة الإمامية: إذا تاب قاطع الطريق من تلقاء نفسه، وقبل أن يُقبض عليه، سقط عنه الحدّ، والحق العام الذي يسميه الفقهاء حق الله عزَّ وجلَّ لقوله تعالى: {إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ *} [المَائدة: 34]. وقد خرج في عهد الإمام عليٍّ أمير المؤمنين (عليه السلام) حارثة بن زيد محارباً، ثم تاب، فقبل الإمام توبته.
وبديهة أن التوبة قبل الظفر تسقِط عنه الحق العام فقط، أما الحقوق الخاصة للناس فلا تسقط، ويُطالَب بها، فإن سلب مالاً فعليه إرجاعه، وإن قتل شخصاً فلأوليائه أن يقتلوه به إن شاؤوا.
وإذا تاب بعد القبض عليه والظفر به، فلا تجديه التوبة شيئاً في سقوط الحد، والعقوبة الدنيوية، وإن كانت السبيل إلى مغفرة الله تعالى وعفوه في الدار الآخرة.
- وقال الأئمة الأربعة: إنّ حدَّ الحرابة من حدود الله تعالى الخالصة فيجري فيه التداخل، ولا يحتمل العفو والإسقاط والإبراء والصلح.
وتباينت آراؤهم حول اجتماع الغرم والقطع: فقالوا، باتفاق الجميع، إذا أخذ المحاربون المال وأقيمت فيهم حدود الله تعالى، فإن كانت الأموال موجودة رُدَّت إلى مالكها.
أما إذا كانت تالفة أو معدومة:
- فقال الحنفية: لا يجمع بين الحد والضمان لقول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم): «إذا أقيم الحد على السارق فلا غرم عليه» ولأن التضمين يقتضي التمليك، والملك يمنع الحد، فلا يجمع بينهما[*].
- وقال المالكية والشافعية والحنبلية: يجتمع الحد والضمان كما في السرقة، لأن المال عينٌ يجب ضمانها بالرد لو كانت باقية، فيجب من ثَمَّ ضمانها إذا كانت تالفة، كما لو لم يقم عليه الحد، ولأن الحد والغرم حقان واجبان لمستحقين، فجاز اجتماعهما كالجزاء والقيمة في الصيد الحرمي المملوك[*].
وقد اتفق الأئمة الأربعة على أن توبة القاطع قبل قدرة السلطان عليه، تُسقط عنه الحد[*]، لقوله تعالى: {إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ *} [المَائدة: 34]. ويترتب على سقوط الحد بالتوبة، أو على عدم وجوب الحد لمانع (كفقدان النصاب مثلاً) ردُّ المال إذا كان المال موجوداً لصاحبه، وإن كان هالكاً أو مستهلكاً يجب ضمانه.
وقال الحنفية: إذا قَتَل قاطع الطريق بالسلاح وجب عليه القصاص، وإن قتل بعصا أو حجر أو نحوهما فالدية لورثة المقتول. أما عند الجمهور فيجب القصاص في القتل العمد سواء أكان بسلاح، أم بغيره. والجراح فيها قصاص، والأرش فيما لا يمكن منه القصاص[*].
ولا بد من الإشارة أخيراً إلى حكم كل من اللصِّ، والمزوِّر، والمحتال، ومن يطلع على العورات وذلك بصورة وجيزة على النحو الذي يلي:
قتل اللص:
من دخل دار غيره للتلصص أو الفجور، ولا سبيل لصاحب الدار إلى دفعه والخلاص منه ومن شره إلا بالقتل جاز له قتله، وإذا قتله فدمه هدر. قـال الإمـام الصادق (عليه السلام): «من دخل على مؤمن داره محاربـاً له فدمه مباح في تلك الحال للمؤمن، وهو - أي دمه - في عنقي»[*].. وفي رواية ثانية: «إذا دخل ـ عليك اللص فإن استطعت أن تبدره وتضربه فابدره واضربه».. وفي ثالثة: «اللص محارب لله ورسوله، فما عليك منه فهو علي»[*].. وفي رابعة: «من دخل دار غيره فقد أهدر دمه، ولا يجب عليه - أي على قاتله - شيء».. وفي خامسة: «إن الله ليمقت العبـد يدخل اللص على بيته فلا يقاتل».. إلى غير ذلك من الروايات التي تحث على قتل اللص بصراحة ووضوح.
وهي - كما رأيت - مطلقة وغير مقيدة بتوقف الدفع والخلاص من اللص على قتله.. ولكن الفقهاء قيدوها بذلك.. ولا دليل لديهم على هذا القيد إلا ما رأوه من أنهم لو ابتلوا بذلك لم يقتلوا اللص[*].
المزوِّر والمحتال:
إن عقوبة الذين يحتالون بالكذب والتزوير على ابتزاز الأموال واختلاسها، كما قال صاحب الجواهر وغيره، هي: «يده، تماماً كالسارق». فقد سئل الإمام الصادق (عليه السلام) عن رجل قال لآخر: أرسلني إليك فلان بكذا وكذا، فصدقه وأعطاه، ثم تبين كذبه؟ فقال الإمام (عليه السلام): «إن وجد عليه بينة أنه لم يرسله قطعت يده». قال السائل: أرأيت لو زعم أنه حملته على ذلك الحاجة؟ قال الإمام (عليه السلام): «يقطع، لأنه سرق مال الرجل»[*].
«وبالرغم من اعتراف الفقهاء بصحة هذه الرواية وصراحتها فإنهم أعرضوا عنها، وقالوا: لا يقتل المزور المحتال، بل يعزر بما يراه الحاكم.. ولم يفسروا إعراضهم عن الرواية بشيء معقول.. إلاَّ أن يكون ذلك ناجماً عن ورعهم واحتياطهم»[*].
الاطّلاع على العورات:
من تطلّع في بيت إنسان من ثقب أو شق باب ونحوه فعلى صاحب البيت أن يزجره أولاً، فإن أصرَّ فله أن يضربه، أو يرميه بحصاة وما أشبه. وإذا تضرر بذلك المتلصص المتجسس فلا شيء على صاحب البيت. قال صاحب الجواهر: «الإجماع على ذلك، لقول الإمام (عليه السلام): «عورة المؤمن على المؤمن حرام.. ومن اطّلع على مؤمن في منزله فعيناه مباحتان للمؤمن في تلك الحال»[*] وفي الحديث النبوي الشريف: «من اطلع عليك، فحذفته بحصاة ففقأت عينه فلا جناح عليك»[*].
أحكام المرتـد
معنى الـردة:
الرِّدة في اللغة، هي الرجوع عن الشيء إلى غيره. وهي شرعاً: الرجوع عن دين الإسلام إلى الكفر سواء بالنية أو بالفعل أو بالقول، وسواء كان القبول استهزاءً أو عناداً أو اعتقاداً.
وقد اتفق جميع الفقهاء على أن المرتد هو من كان مسلماً عاقلاً بالغاً، ثم رجع عن دين الإسلام وارتدّ إلى الكفر.
والارتداد: أفحش وأفظع أنواع الكفر على الإطلاق.
قال تعالى: {وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ *} [البَقَرَة: 217].
وقال تعالى: {كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ *} [آل عِمرَان: 86].
وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} [المَائدة: 54].
وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً *} [النِّسَاء: 137].
وجاء في الحديث، عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلّم): «من بدل دينه فاقتلوه»[*]. وقوله (صلى الله عليه وآله وسلّم): «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة؟»[*].
وقال الإمام أبو جعفر الباقر (عليه السلام): «من رغب عن الإسلام، وكفر بما أنزل على محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) بعد إسلامه فلا توبة له. وقد وجب قتله، وبانت منه امرأته، وقسم ما ترك على ولده»[*]. إلى غير ذلك من الأحاديث والروايات.
حقيقة الارتداد والمرتد[*]:
اتفق جميع الأئمة على أن الارتداد يحصل بجحود الإسلام بعد الإيمان به، وبكل فعل أو قول يشعر بقصد التحقير والإهانة لما ثبت في دين الإسلام بطريق القطع والجزم عند جميع المسلمين على اختلاف مذاهبهم، أصلاً كان هذا الشيء، كالإيمان بالله تعالى والرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) واليوم الآخر، أم فرعاً كوجوب الصوم والصلاة، والحج والزكاة.
ويتحقق الارتداد من مسلم بالغ عاقلٍ إما بفعل دالّ عليه، مثل عبادة غير الله تعالى، كعبادة الأصنام والسجود لها، وعبادة الشمس والقمر... وإما بقولٍ دالٍّ على الخروج من الإسلام، والاستهانة بالشرع والاستهزاء به: سواء أكان عناداً أم سخرية، أم اعتقاداً، مثل أن يقول: الله ليس بموجود، أو له شريك... أو يقول: محمد ليس على حق، والإسلام ليس بحق، ونحو ذلك.. أو ينكر ما عُلم من الدين ضرورةً، مثل إنكار وجوب الصلاة والزكاة، وبالجملة ما يدل على قصده إهانة الشرع، وعدم اعتقاد أنه حق، وعدم الاعتداد به فعلاً كان أم قولاً، معتقداً بالإهانة أم غير معتقد، بل مجرد الهزل والمزاح، وعدم الاعتداد - أي الاهتمام - بشأن الإسلام في تحقق الارتداد. ولا عبرة بفعل الصبي وقوله ما لم يبلغ، ولا المجنون ما لم يفق، ولا المكره ما لم يرتفع الإكراه، ولا السكران ما لم يذهب السكر.
شروط الارتداد وأحكامه:
- قال الشيعة الإمامية: يقسم المرتد إلى قسمين: المرتد عن فطرة، والمرتد الملِّي. ولا يتحقق الارتداد بكلا قسميه إلا مع العقل والبلوغ والاختيار، فلا عبرة بارتداد الصبي، حتى ولو كان مراهقاً لحديث: «رُفع القلم...» وغيره، ولكنه يؤدب بما يرتدع به.. وأيضاً لا عبرة بردة المجنون حال جنونه مطبقاً أو أدوارياً ولا بردة المكره الذي رفع التكليف عنه. لقوله تعالى: {إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ} [النّحل: 106].
قال الرازي في تفسيره الكبير: «روي أن أناساً من أهل مكة فُتنوا فارتدوا عن الإسلام بعد دخولهم فيه. وكان فيمن أكره فأجرى كلمة الكفر على لسانه مع أنه كان بقلبه مصراً على الإيمان عمار، وأما أبواه ياسر وسمية، وصهيب، وبلال، وخباب، وسالم، فهؤلاء عُذبوا بأنواع العذاب، ولم يتلفظوا بلفظة تسيءُ إلى الإسلام ولا إلى شخص رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم). فأما سمية فقيل: ربطت بين بعيرين، ووخزت في قلبها بحربة، وقالوا لها: إنك أسلمت من أجل الرجال، وقتلت وقتل ياسر، وهما أول قتيلين قتلا في الإسلام. وأما عمار فقد أعطاهم ما أرادوا بلسانه مكرهاً، فقيل: يا رسول الله عماراً كفر. فقال: كلا، إن عماراً مُلئ إيماناً من قرنه إلى قدمه، واختلط الإيمان بلحمه ودمه. فأتى عمار رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) وهو يبكي، فجعل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) يمسح عينيه، ويقول: مالك؟ إن عادوا لك فعد لهم بما قُلت»[*].
وعند الشيعة الإمامية: إنّ حكم المرتد عن فطرة، أنه إذا تاب قُبلت توبته في الواقع، ولم تُقبل في الظاهر. ومعنى قبولها في الواقع أن الله سبحانه يسقط العقاب عنه يوم القيامة، لأنه مكلف في حال ارتداده بالإسلام، لبلوغه وكمال عقله، فلو لم تُقبل توبتُه وكان معاقباً على كل حال لكان مكلفاً بما لا يطيق، وهو محال وباطل في مذهب الإمامية.
ومعنى عدم قبول توبته في الظاهر أنه يُقتل على كل حال، حتى ولو أسلم، وتَبين منه زوجته في الحال، وتعتد منه عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرة أيام من حين ارتداده، وتقسم أمواله بين ورثته، وذلك لقول الإمام الصادق (صلى الله عليه وآله وسلّم): «كل مسلم بين مسلمين ارتد عن الإسلام، وجحد محمداً (صلى الله عليه وآله وسلّم) نبوته وكذّبه، فإن دمه مباح لكل من سمع ذلك منه، وامرأته بائنة منه يوم ارتد، فلا تقربه، ويقسم ماله بين ورثته، وتعتد امرأته عدة المتوفى عنها زوجها، وعلى الإمام أن يقتله، ولا يستتيبه»[*]..
وفي رواية ثانية عن الإمام موسى الكاظم (عليه السلام): «إذا ارتد المسلم يقتل ولا يستتاب[*]».
وأما حكم المرتد عن ملة فإنه إذ تاب تُقبل توبته ولا يقتل، وإن أصر على الارتداد قتل. فقد سئل الإمام الصادق (عليه السلام) عن مسلم تنصر؟ قال: «يُقتل ولا يستتاب»[*]. قال السائل: فنصراني أسلم، ثم ارتد عن الإسلام؟ قال الإمام (عليه السلام): «يستتاب، فإن رجع، وإلا قتل»[*].
وتعتد زوجته في الحال عدة الطلاق، فإن تاب قبل انقضاء العدة فهو أملك لها، وإن تاب بعدها بانت منه، وانقطعت العصمة بينهما. ولا تُقسم أمواله على ورثته إلا بعد قتله أو موته، ولكنه يُمنع من التصرف بها، وإن عاد إلى الإسلام رُفع عنه المنع. والحاكم هو الذي يحجز على أمواله ويمنعه من التصرف فيها.
وقد أجمع فقهاء الشيعة الإمامية على أن المرأة إذا ارتدت لا تقتل بحال، سواء كان ارتدادها عن فطرة، أو عن ملة.
وإذا تابت تقبل توبتها، ويُخلى سبيلها، وإذا بقيت مصرة على الارتداد تخلد في السجن مع الأشغال الشاقة، ويُضيَّق عليها في المأكل والمشرب والملبس، وتُضرب أوقات الصلاة.
- وقال فقهاء أهل السنة: إنّ شروط صحة الردة اثنان: العقل والبلوغ، والاختيار أو الطواعية.
الشرط الأول - العقل والبلوغ: فقد اتفق الفقهاء على عدم صحة ردة المجنون والصبي الذي لا يعقل. أما السكران، الذي أذهب السكر عقله، فلا تصح ردته استحساناً عند الحنفية، وهو لا يصح عقده ولا قصده تشبيهاً له بالمعتوه، ولأنه زائل العقل فلم تصح ردته كالنائم، ولأنه غير مكلف، فلم تصح ردته كالمجنون[*].
وبحسب مذهب الشافعية، والحنبلية (في أظهر الروايتين عن الإمام أحمد): تصح ردة السكران المتعدي بسكره، كما يصح طلاقه وسائر تصرفاته، ولأن الصحابة أوجبوا عليه حد الفرية التي يأتي بها في سكره سكران، وأقاموا مظنة الافتراء مقامه[*]. ولكن لا يقتل وهو سكران إن ارتد حتى يستتاب بعد صحوه ومرور ثلاثة أيام.
أما البلوغ فليس بشرط عند أبي حنيفة والمالكية والحنبلية، فتصح ردّة الصبي المميز، لكن عند أبي حنيفة وتلميذه محمد: لا يقتل ولا يضرب، وإنما يعرض عليه الإسلام جبراً عند البلوغ.
وقال الشافعية وأبو يوسف: البلوغ شرط، فلا تصح ردة الصبي المميز، ولا المجنون لعدم تكليفهما، فلا يعتد بقولهما واعتقادهما.
أما عن إسلام الصبي المميز فقد اتفق جمهور الفقهاء على صحته وردته، بينما لا يصح إسلامه ولا ردته عند الشافعية.
والواقع أن إسلام المميز صحيح بدليل إسلام علي (عليه السلام) وهو صغير. ويرجح رأي الشافعية في عدم صحة ردة المميز إذ لا تكليف قبل البلوغ.
أما بخصوص ردة المرأة، فقد اتفق الفقهاء على أن الذكورة ليست بشرط، فتصح ردة المرأة.
الشرط الثاني: الاختيار أو الطواعية: اتفق الفقهاء على أن ردة المكره لا تصح إذا كان قلبه مطمئناً بالإيمان.
قال الحنفية: لو أكره مسلم على قول كلمة الكفر على اللسان مثل السب، أو التبرؤ عن دينه، أو الخضوع إلى طقسٍ من الطقوس التي يحرّمها الإسلام، أو إتلاف مال المسلم، ففي هذه الحالات وأشباهها التي لا تباح، فإنه يرخص للمسلم فعلها عند الإكراه التام، وإذا امتنع المسلمُ المستكرَهُ عن فعلها حتى قتل كان مثاباً ثواب الجهاد. أما إن كان الإكراه ناقصاً، فلا يرخص بتلك الأمور أبداً، ويحكم بكفر فاعلها، وإن كان قلبه مطمئناً بالإيمان.
- وقال المالكية: لا يباح للمسلم التلفظ بكلمة الكفر على لسانه إلا في حالة الإكراه على القتل فقط. أما التهديد بقطع عضو من أعضائه فلا يعتبر مبيحاً لإجراء كلمة الكفر على اللسان.
- وقال الشافعية والحنبلية: في الأرجح عندهم، يجوز التلفظ بالكفر عند الإكراه الناقص، لأن الكثير من حوادث الإكراه على الكفر في بدء الإسلام، كانت إكراهاً ناقصاً.
والترخيص بإجراء كلمة الكفر عند الإكراه التام ثابت بقوله تعالى: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ *} [النّحل: 106].
وأحكام المرتد عن الأئمة الأربعة هي كالتالي:
قتل المرتد: اتفق الأئمة الأربعة على وجوب قتل المرتد لقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم): «من بدل دينه فاقتلوه»[*] وقوله (صلى الله عليه وآله وسلّم): «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة»[*].
أما المرأة المرتدة فقد قال الحنفية: إنها لا تقتل، ولكنها تجبر على الإسلام، وإجبارها يكون بحبسها إلى أن تسلم أو تموت، وتضرب في كل ثلاثة أيام مبالغة في حملها على الإسلام. ودليل الحنفية على عدم جواز قتل المرأة المرتدة قول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم):«لا تقتلوا امرأة»، وهو حديث صحيح مثل حديث نهي النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) عن قتل النساء، ولأن القتل لدفع شر الحرابة لا بسبب الكفر، إذ جزاؤه أعظم من القتل عند الله تعالى، فيختص القتل لمن يتأتى منه المحاربة، وهو الرجل دون المرأة لعدم صلاحية بنيتها[*].
وقال المالكية والشافعية والحنبلية: تقتل المرأة المرتدة. ودليلهم ما وقع في حديث معاذ: «أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) لما أرسله إلى اليمن قال له: أيما رجل ارتد عن الإسلام فادْعه، فإن عاد، وإلا فاضرب عنقه، وأيما امرأة ارتدت عن الإسلام فادْعها، فإن عادت، وإلا فاضرب عنقها»[*].
والاستتابة قبل القتل: تستحب عندالحنفية، ويعرض على المرتد الإسلام، ولكنه ليس واجباً لأن دعوة الإسلام قد بلغته، فإن أسلم كان خيراً، وإن أبى فإن أمره إلى الحاكم: إن تأمل توبته أو طلب التأجيل أجله ثلاثة أيام، وإن لم يتأمل توبته أو لم يطلب هو التأجيل قتله في الحال.
وقال جمهور العلماء: تجب استتابة المرتد والمرتدة قبل قتلهما ثلاث مرات.
ولا يقتل المرتد إلا الإمام أو نائبه، فإن قتله أحد بلا إذاً منهما، أساء وعزر ولكن لا ضمان بقتله.
حكم مال المرتد:
اتفق الأئمة الأربعة على أن المرتد إذا أسلم تكون أمواله على حكم ملكه السابق. أما إذا مات، أو قتل، أو لحق بدار الحرب، فإن أمواله تزول عن ملكه. وعند الأئمة الأربعة أيضاً أن أموال المرتد تصبح بمجرد الردة موقوفة، أي يحجر عليه بالارتداد إلى أن يتقرر مصيره.
حكم ميراث المرتد:
إذا مات المرتد أو قتل، فإنه يبدأ بقضاء دينه وضمان جنايته ونفقة زوجته وقريبه لأن هذه الحقوق لا يجوز تعطيلها.
وما بقي من ماله:
- قال أبو حنفية: كل ما اكتسبه في حال إسلامه ينتقل إلى ورثته لوجود الكسب قبل الردة. أما ما اكتسبه في حال ردته فيكون فيئاً يوضع في بيت مال المسلمين، ولا يورث.
- وقال المالكية والشافعية والحنبلية: ما بقي من مال المرتد يكون فيئاً لجماعة المسلمين ويجعل في بيت المال لقول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم): «لا يرث المسلم الكافر، ولا يرث الكافر المسلم»[*].
- وقال محمد وأبو يوسف (صاحبا أبي حنيفة): كل مال للمرتد يملكه ورثته، سواء أكان الكسب قبل الردة أم بعدها، لأن المرتد لا تزول ملكيته عن أمواله، وإنما ملكه باق له، فتنتقل أمواله إلى ورثته بالموت أو ما في معناه. ويعتبر للتوريث أثر رجعي إلى ما قبيل ردته، فيجعل كأنه اكتسبه في حال الإسلام، فورثه ورثته منه حال الإسلام، فينطبق شرط توريث المسلم من المسلم.
البغي والبغـاة
تعريف البغي:
وردت عـدة تعريفـات للبغي لدى المذاهب على النحو التالي:
- قال الشيعة الإمامية: البغي هو ظلم جماعـة لجماعـةٍ مسلمة يكون فيه اعتداء بدون وجه حق، بحيث يجب على المسلمين، والإمام الحاكم خاصة، ردع البغاة وإرجاعهم إلى طاعة الله تعالى.
- وقال الحنفية: البغاة قوم لهم شوكة ومنعة، خالفوا المسلمين في بعض الأحكام بالتأويل، وظهروا على بلدة من البلاد، وكانوا في عسكر وأجروا أحكامهم. وضروا مثلاً عليهم بالخوارج الذين خرجوا على علي (عليه السلام) واستحلوا دمه ودماء المسلمين وأموالهم وسبي نسائهم[*].
- وقال المالكية: البغاة هم الذين يقاتلون على التأويل، والذين يخرجون على الإمام، أو يمتنعون من الدخول في طاعته، أو يمنعون حقاً وجب عليهم كالزكاة وشبهها[*].
- وقال الحنبلية: هم الخارجون على إمام ولو عدل بتأويل سائغ، ولهم شوكة[*].
حد أهل البغي:
وواقع الأمر أن أهل البغي هم الذين خرجوا على الدولة الإسلامية ولهم شوكة ومنعة، أي هم الذين شقوا عصا الطاعة على الدولة وشهروا في وجهها السلاح وأعلنوا حرباً عليها. ولا فرق في ذلك بين أن يخرجوا على خليفة عادل أو خليفة ظالم. وسواء خرجوا على تأويل في الدين أو أرادوا لأنفسهم دنيا فإنهم كلهم بغاة ما دام شهروا السيف في وجه سلطان الإسلام.. وعلى الخليفة أو من ينيبه عنه في الولاية أن يراسل هؤلاء فيسألهم ما ينقمون من السلطان، فإن ذكروا مظلمة أزالها، وإن ادعوا شبهة كشفها، وإن التبس[*] عليهم الأمر فاعتقدوا أن ما فعله مخالف للحق وهو ليس كذلك، عليه أن يبين لهم دليله ويظهر لهم وجه الحق. لأن الإسلام أمر المسلمين أن يشهروا السيف في وجه الحاكم إذا رأوا كفرا بواحاً عندهم فيه من الله (تعالى) برهان، أو إذا لم يطبق أحكام الإسلام، فقد يجوز أن يكون البغاة قد خرجوا لشيء من ذلك إجابة لطلب الشرع.. فيجب على السلطان عندئذٍ أن يبين لهم وجه يشتبهون فيه، فإن رجعوا عن البغي تركهم - ولا يجوز بقاؤهم على خروجهم - وإن لم يرجعوا قاتلهم وجوباً، ولكن لا قتال حرب، بل قتال تأديب. ولذلك يحرم قتالهم بما يعم إتلافهم إلا لضرورة. فلا يصح أن يضربوا بالطائرات ولا بالقنابل المحرقة ولا بالمدافع الثقيلة، إلا إذا كانت هناك ضرورة قصوى تقتضيها الأساليب التأديبية لا الأساليب الحربية. ويحرم قتل ذريتهم أو قتل الهارب منهم. ومن ترك القتال منهم تُرك. وإذا قتلوا أحداً لا يُقتلون به، وإذا أُسر منهم أحدٌ حُبِسَ وعُومل معاملة المذنب لا معاملة الأسير لأنه ليس بأسير. وأموالهم لهم لا يحل أخذ شيء منها، لأنهم رعية اقتضى تأديبهم اتباع أسلوب القتال معهم، ولذلك لا يعتبر قتالهم حرباً ولا جهاداً.
والأصل في حد البغاة قول الله سبحانه وتعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ *} [الحُجرَات: 9] فهذه الآية قد اعتبرت البغاة مؤمنين، فلم يخرجوا بالبغي عن الإيمان. ولكنها أمرت صراحة بوجوب قتالهم، وفي إسقاط قتالهم إذا فاؤوا إلى أمر الله تعالى، وفي أنهم قد أسقطت عنهم التبعة في ما أتلفوه في قتالهم سواء أكان مالاً أو نفساً. وهي تدل في قوله تعالى: {فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} [الحُجرَات: 9] على وجوب مراسلتهم، والاتصال بهم للوقوف على مطالبهم قبل قتالهم.
أي أن النص القرآني يثبت الحد على البغاة، ويبيّنه حتى يرجعوا، ولكن بعد مراسلتهم ومحاولة إزالة ما دفعهم إلى الخروج من مظلمةٍ أو شبهةٍ أو خطأ فهمٍ، أو ما شاكل ذلك.
وإذا تمركز أهلُ البغي في جزءٍ من البلاد الإسلامية، ونصَّبوا قضاةً لهم يقضون بين الناس، وأقاموا حكاماً يحكمون الناس، مطبقين أحكام الإسلام، فإنَّ حكم قضاتهم نافذ كحكم أهل العدل، وتصرفات حكامهم كتصرفات أهل العدل، ما دامت سائرة حسب أحكام الشرع. فإذا قدِر الخليفة عليهم أو رجعوا إلى حظيرة الدولة كانت جميع أحكامهم نافذة، لأنها أحكام إسلامية من حكام نصبوا بناء على شبهة الخروج. وما دام البغاةُ مؤمنين - بحسب النص القرآني - ولا يصح التعرض لهم إلا بما لا بد منه لتأديبهم فقط، فتصرفاتهم كلها تعتبر كتصرفات سائر المسلمين الآخرين ممن هم في طاعة الخليفة وتحت سلطان الدولة. وقتالهم إنما هو حدّ من حدود الله تعالى ولكن ذلك لا يقلّل من اعتبارهم واعتبار أحكامهم، ما داموا مسلمين ويطبقون الإسلام.
أحكام البغاة عند الأئمة
ولا تختلف أحكام البغاة، عند أئمة المذاهب، عما ورد ذكره، إلا بقليل.
ولذلك اتفق الأئمة على أن معالجة أوضاعهم تكون بالطرق التالية:
يأمر الإمام بدعوتهم للطاعة، فإن لم يستجيبوا، ولم تكن لديهم منعة، أخذهم وحبسهم حتى يتوبوا.
وإن كانت لهم منعة وأبوا الرجوع إلى التزام الطاعة وهم يحملون السلاح فقد وجب قتالهم. ويكون من نتائج هذا القتال:
- قال الشيعة الإمامية: إنَّ مقتضيات العدل ألاَّ يخاف المسلمون من قتال أية طائفة، أو جماعة إسلامية تبغي على الأخرى، وذلك من أجل ردها إلى وحدة الصف وحظيرة الأخوة الإسلامية، وإزالة كل خروج على الأصل، أي على روح الجماعة والتعاون والتلاحم والوحدة. ويكون قتالهم قتال تأديب. لا قتال إفناء، لذلك لا يجوز أن يجهز على جريحهم، ولا يقتل أسيرهم، ولا يتعقب فارٌّ ترك المعركة وألقى السلاح، ولا تؤخذ أموالهم غنيمة، لأنهم مسلمون.
- وقال الحنفية: يدعوهم الإمام إلى التزام الطاعة، ودار العدل، والرجوع إلى رأي الجماعة أولاً. فإن أبوا قاتلهم أهل العدل حتى يهزموهم أو يقتلوهم، ويجوز قتل مُدْبِريهم، وأسراهم، والإجهاز على جريحهم. وذلك بخلاف رأي جمهور الفقهاء[*]. وقد استدلوا على ذلك بالنص القرآني: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا} [الحُجرَات: 9].. وبما قاله رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام): «إنك تقاتل على التأويل، كما تقاتل على التنزيل»[*].
ولا بأس أن يقاتل البغاة بسلاحهم. وأما أموالهم فيحبسها عنهم الإمام إلى أن يزول بغيهم، فإذا زال ردها إليهم، لأن أموالهم لا تحتمل التملك بالاستيلاء لكونهم مسلمين[*].
وقد اتفق جميع الأئمة: على أن لا ضمان على البغاة المتأولين لما أتلفوه حال الحرب من نفس أو مال. لأن تضمينهم يفضي إلى تنفيرهم من الرجوع إلى الطاعة، فلا يشرع كتضمين أهل الحرب. كما اتفقوا على أنه لا إثم ولا كفارة على أهل العدل بقتلهم أهل البغي، ولا يضمنون ما أتلفوه عليهم.
وما جَبَاهُ أهل البغي من البلاد التي خرجوا عليها من الخراج والعشر، لا يأخذه الإمام ثانية، لأن ولاية الأخذ له باعتبار الحماية، ولم يحمهم. فإن صرف البغاة هذا المال في حقه، أجزأ من أخذ منه لوصول الحق إلى مستحقه، وإن لم يكونوا صرفوه في حقه أفتي أهله فيما بينهم وبين الله تعالى أن يعيدوا دفعه، لأنه لم يصل إلى مستحقه.
وقال الحنفية: إذا قطع البغاة الطريق فلا يجب عليهم الحد، وإذا سرق الباغي لا يقطعه الإمام، لعدم ولايته على دار البغي، أي أنه لا تقام الحدود على البغاة عند الحنفية، لعدم ولاية الإمام على دار البغي.
- وقال المالكية والحنبلية: لا ضمان على البغاة فيما أتلفوه حال الحرب من نفس أو مال، ولا تقام عليهم الحدود.
- وقال الشافعية: حكم البغاة في ضمان النفس والمال والحد في غير حال الحرب حكم أهل العدل. وإن ارتكب الباغي جريمة القتل، لا يجوز قتله ويجوز العفو عنه لقول الإمام علي (عليه السلام) بعد أن جرحه ابن ملجم: «أطعموه واسقوه واحبسوه، فإن عشت فأنا ولي دمه، أعفو إن شئت، وإن شئت استقدت»[*].
استعانة البغاة بالكفار:
يحرم على أهل البغي - كما يحرم على سائر المسلمين - الاستعانة بالكفار على قتال المسلمين، سواء أكانوا أفراد أم دولة. لأنه إذا كان يحرم قتال المسلم للمسلم، فإن حرمة استعانة المسلم بالكافر لقتال المسلم أشد. وإذا كان الله تبارك وتعالى قد أرشدنا إلى أن قتال المسلم للمسلم كالكفر في عظم الذنب كما بيّنه قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم): «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر»[*] فإن الاستعانة بالكافر على المسلم أشد. إلا أنه مع حرمة ذلك لا يخرج أهل البغي عن كونهم مؤمنين، ولا يُغيَّر حكم الله تعالى في حقهم، فيبقون معتبرين بغاة، ويعاملون معاملة البغاة ولو استعانوا بالكفار.
أما الكفار الذين استعان بهم البغاة فإن حكمهم يختلف باختلاف أحوالهم. فإن استعان أهل البغي بالكفار لمساعدتهم في الحرب، وأمنوهم، أو عقدوا لهم ذمة، فإنهم يظلون كفاراً محاربين في نظر الإِسلام، ولا يؤخذ في الاعتبار تأمين البغاة لهم، ولا عقدهم للذمة، لأنها أمور خاصة بالخليفة المبايَع بيعةً شرعية، وهم لا يملكون ذلك. ولهذا يقاتل المسلمون البغاةَ قتالَ تأديبٍ بينما يُقاتَلُ الكفارُ المحاربون الذين معهم قتال حرب، ويجاهَدون جهاداً شرعياً، ويحارَبون حرباً لا هوادة فيها. وتطبق في حقهم حالة الحرب، فيؤخذ أسيرهم أسيراً، ويعامل معاملة الأسرى، وتؤخذ أموالهم غنائم، وتُطَبّق في حقهم جميع أحكام الجهاد، وكل ما ينطبق على أهل الحرب.
وكذلك الحال إذا كان هؤلاء الكفار مستأمنين، لأنهم إذا أعانوا البغاة فقد نقضوا عهدهم وصاروا كأهل الحرب. إلا أن هذا يطبق عليهم إذا فعلوا ذلك مختارين طائعين، أما إذا أعانوهم مكرهين خوفاً من أذاهم وبطشهم فإنهم حينئذٍ يعاملون معاملة البغاة، لا معاملة المحاربين.
أما إن كان الكفار الذين استعان بهم البغاة من أهل الذمة فإن إعانتهم لهم لا تخرجهم عن كونهم من أهل الذمة، سواء أعانوهم مختارين أو مكرهين، لأنهم رعية من رعايا الدولة الإِسلامية، فيطبق في حقهم حكم البغاة، ويقاتلون قتال تأديب لا قتال حرب. ولا يقال إنهم في إعانتهم على الدولة الإِسلامية نقضوا عهدهم، فإن ذلك يصح في حال أعانوا كفاراً، أو دولة كافرة على الدولة الإِسلامية، وبإعانتهم البغاة لا يكونون قد نقضوا عهدهم، لأن عهدهم هو عقد ذمة لهم في أعناق المسلمين، ولأن عهدهم ليس عهداً مؤقتاً كالمستأمنين، بل هو عهد مؤبد، لا يجوز نقضه لخوف الخيانة منهم، ولا يجوز نقضه لإِعانتهم مسلمين على مسلمين.
أما إذا خرج أهل الذمة وحدهم على الدولة وحاربوها، فإنهم حينئذ يكونون قد نقضوا عهدهم المؤبد وصاروا أهل حرب، فيقاتَلون قتال حرب، وتُطبق في حقهم جميع أحكام الحرب. وإذا جرى التغلب عليهم وسحقهم فإنهم يعاملون معاملة الكفار المحاربين: فأموالهم غنائم، وأسراهم أسرى حرب، وللإِمام أن يفعل بهم ما يفعله بأهل الحرب.
وبصورة عامة إن الحكم مع الذميين يختلف باختلاف الواقع الذي يكونون فيه، ولا بد أن يكون لكل واقع حكمه الخاص الذي ينطبق عليه في الإِسلام.
القصاص والجنايات
(القتل وعقوبته)
المراد بالقصاص أن يستوفي الإنسانُ حقّه ممن اعتدى عليه بمثل ما اعتدى.. ويسمى أيضاً بالقَوَد، يقال: أقاد القاتل بالقتيل، أي قتله به. وقد نص الشارع عليه في الكتاب والسنة عموماً وخصوصاً، ولم يترك أمر تقديره إلى نظر الحاكم وغيره.
والجنايات جمع جناية. وهي، لغةً، التعدي على بدنٍ أو مالٍ أو عرض، واصطلاحاً، التعدي على البدن مما يوجب قصاصاً أو مالاً. وأطلقت على العقوبات التي تقع على هذا التعدي. فالجناية تطلق على نفس الجريمة، وتطلق على العقوبة التي تفرض على هذه الجريمة، وتطلق على كسر السّنِّ كما تطلق على القتل العمد، وتطلق على الجرح كما تطلق على القتل شبه العمد. وهكذا، فكل واحدة فيها يقال لها جناية، وعقوبة كل واحدة منها يقال له قصاص. ومن أعظم الجنايات - بمعنى الجرائم - القتل، ومن أعظم الجنايات - بمعنى العقوبات - عقوبة القتل.
ولذلك كان القتل محرماً ويستوجب القصاص أي العقوبة المقدرة من الشارع. ومن أبرز الأحكام المعلومة من الدين بالضرورة تحريم القتل بغير حق. لقوله تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا *} [الإسرَاء: 33].
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم): «لو اجتمعت ربيعة ومضر على قتل رجل مسلم قيدوا به»[*]. وقال (صلى الله عليه وآله وسلّم): «قتل المؤمن أعظم عند الله تعالى من زوال الدنيا»[*]، وقوله (صلى الله عليه وآله وسلّم): «إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا»[*].
وأما الدليل على القصاص، فقد ورد في هذه الآيات البيّنات، قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ *} [البَقَرَة: 178-179].
وقال تعالى: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البَقَرَة: 194].
وقال تعالى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ} [المَائدة: 45].
وقال تعالى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ *} [الشّورى: 40].
وقد حددت السنة النبوية الشريفة عقوبة القتل العمد، فقال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم): «العمد قَوَد، إلا أن يعفو ولي المقتول»[*]، ويعني أن القتل العمد يوجب القَوَد (أي القصاص) إلا عند العفو.
أنواع القتل:
تباينت آراء الأئمة حول أنواع القتل، فقال الشيعة الإمامية والشافعية والحنبلية: إن القتل ثلاثة أنواع: قتل عمد، وشبه عمد، وخطأ. وتوضيحها عند هذه المذاهب كالتالي:
- مذهب الشيعة الإمامية: وقد اتفق علماؤهم على أن قتل العمد يتحقق من العاقل البالغ إذا قصد القتل من فعلٍ يستدعي القتل في الغالب، كالضرب بأداة قاتلة، أو الإلقاء من شاهق، أو في النار، أو البحر، أو خنقه، أو أطعمه السم، وما إلى ذلك مما يحصل به إزهاق النفس عادة.
واتفقوا أيضاً على أن من ضرب غيره ضرباً مبرحاً، حتى قتل فهو عامد، وإن لم يقصد القتل بالذات، لأنَّ قصدَ الفعل القاتل قصدٌ للقتل. ويعضد ذلك النصوص المعتبرة المستفيضة، منها أن الإمام الصادق (عليه السلام) سئل عن رجل ضرب رجلاً بعصا، فلم يرفع الضرب عنه حتى مات، أيُدفع لأولياء المقتول؟ - أي ليقتلوه قصاصاً - قال (عليه السلام): «نعم.. ويجهز عليه بالسيف»[*]. فيكفي أن يكون الشيء الذي استعمله مما يُسبب القتل عادة حتى يعتبر قتلاً عمداً، وإن ادّعى الفاعل الجهلَ لم تُسمع دعواه.. إذ لو سُمعت بطلت أكثر الجرائم في القتل. ولكن لو ضربه بشيء لا يحصل به القتل عادة، كالضرب بحجر أو عصا، أو وكزه فمات بسبب ذلك، فإنَّ هذا الفعل إذا اقترن منذ البداية بقصد القتل فهو عمد، وإلا فلا عمد. قال الإمام الصادق (عليه السلام): «إنما الخطأ أن يريد شيئاً فيصيب غيره، أما كل شيء قصدت إليه فأصبته فهو عمد».. وفي رواية ثانية: «كل من اعتمد شيئاً فأصابه، بحديد: أو حجر أو عصا كبيرين، أو بوكزه، هذا كله عمد». فقوله (عليه السلام) «اعتمد شيئاً» يعني القصد العمد.
والخلاصة: إن ضابط قتل العمد أن يقصد الفعل والقتل، أو يقصد الفعل الذي يقتل مثلُه في الغالب، وإن لم يقصد القتل.
أما إذا فعل فعلاً لا يوجب القتل عادة، ولم يكن القتل من قصده، ومع ذلك حصل القتل فلا يكون عمداً موجباً للقصاص. وعليه تكون عناصر قتل العمد ثلاثة: والفعل، والقصد، سواء اتجه القصد إلى القتل مباشرة، أو إلى الفعل القاتل غالباً.
مذهب الشافعية والحنبلية: ويقوم على أن القتل العمد، إن مباشرة أو تسبباً، هو قصد الفعل العدواني على الشخص بما يقتل غالباً من جارحٍ أو مثقف، كحديد وسلاح وخشبة كبيرة، وإبرة في مقتل، أو غير مقتل كفخذ وإلية إن حدث تورم وألم واستمر حتى مات. ومثله قطعُ إصبع إنسان فسرت الجراحة إلى الجسد ومات.
وشبه العمد هو قصد الفعل العدواني على الشخص بما لا يقتل غالباً، كضرب بحجرٍ خفيف، أو لكمةٍ بيد، أو بسوط، أو عصا صغيرة، ولم يوال بين الضربات، وألا يكون الضرب في مقتل أو المضروب صغيراً أو ضعيفاً، وألا يكون حَرٌّ أو بَردٌ يساعد على الهلاك، وألاَّ يشتد الألم ويؤدِّي إلى الموت. فإن كان شيء من ذلك فهو عمد، لأنه يقتل غالباً. ولا قصاص في شبه العمد، وإنما فيه دية مغلظة.
والخطأ هو القتل الحادث بغير قصد الاعتداء، لا للفعل ولا للشخص، كأن وقع شخص على آخر فمات، أو رمى شجرة أو دابة، فأصابت الرمية إنساناً فمات، أو رمى آدمياً فأصاب غيره فمات.
أما أنواع القتل وأحكامه عند الحنفية والمالكية فهي كما يلي:
مذهب الحنفية: يعتبر الحنفية أن للقتل خمسة أنواع: عمد، وشبه عمد، وخطأ، وما جرى مجرى الخطأ، والقتل بالتسبب.
- فالعمد ما قصد فيه القاتل عمداً ضرب غيره بسلاح كالسيف، والسكين والرمح والرصاص، أو ما أجري مجرى السلاح في تفريق أجزاء الجسد، كالمحدد من الخشب، والحجر، والنار، والإبرة في مقتل.
وذلك لأن العمد معناه القصد وهو أمر خفي لا يمكن الاطلاع عليه، ولا معرفته إلاَّ بدليل يدل عليه وهو استعمال الآلة القاتلة، فجعلت الآلة دليلاً على القصد، وأقيمت مقامه باعتبارها مظنة لوجوده.
- وشبه العمد عند أبي حنيفة، أن يتعمد الضرب بما ليس بسلاح ولا ما أجري مجرى السلاح، أي بما لا يفرق الأجزاء، كاستعمال العصا، والحجر والخشب الكبيرين، أي أن القاتل بالمثقل يعتبر شبه عمد، لأنه لا يقتل به غالباً، ويقصد به التأديب.
وقال الصاحبان: القتل بالمثقل كالحجر العظيم والخشبة العظيمة عمد. وشبه العمد: أن يتعمد ضربه بما لا يقتل غالباً كالحجر والخشب الصغيرين، أو كالعصا الصغيرة، أو اللطمة.
وبناء عليه يكون الإمام أبو حنفية وصاحباه متفقين على أن الضرب بما لا يغلب فيه الهلاك، كالعصا والحجر الصغيرين، والوكز واللطم، يكون شبه عمد. أما الحجر الكبير والعصا الكبيرة، ونحوهما كالإلقاء من سطح أو جبل ولا يرجى منه النجاة، فهو شبه عمد عند أبي حنيفة، وعمد عند الصاحبين.
- والقتل الخطأ: هو الذي لا يقصد به القتل أو الضرب، وهو نوعان:
1 - خطأ في القصد أو ظن الفاعل كأن يرمي شخصاً يظنه صيداً فإذا هو إنسان، فالخطأ في القصد.
2 - خطأ في الفعل نفسه كأن يرمي غرضاً (هدفاً) أو صيداً فيصيب إنساناً أو يقصد رجلاً فيصيب غيره، فالخطأ راجع إلى أداة الرمي.
- وما أجري مجرى الخطأ: وهو المشتمل على عذر شرعي مقبول، كانقلاب نائم على آخر فيقتله.
- والقتل بالتسبب: وهو الحادث بواسطة غير مباشرة، كمن حفر حفرة في ملك عام بغير إذاً السلطان فوقع فيها إنسان ومات. أو كمن وضع حجراً أو خشباً على قارعة الطريق، فعثر به إنسان فمات. ومثل شهود القصاص إذا رجعوا عن شهادتهم بعد قتل المشهود عليه[*].
- مذهب المالكية: لقد أنكر الإمام مالك القتل شبه العمد، ولذا فإن المشهور في مذهبهم أن القتل على نوعين[*]: عمد وخطأ لأنهما المذكوران فقط في القرآن الكريم.
فأما القتل العمد فيكون إما مباشرة أو تسبباً، كأن يقصد القاتل ضربُه مباشرة بمحدَّدٍ أو مثقلٍ، أو يقصد قتله تسبباً بإحراق أو تغريق أو خنق، أو سُمٍّ، أو غيرها كمنع الطعام أو الشراب عنه، وهو يقصد موته، فمات. أو إن قصد مجرد التعذيب، وكان ذلك لعداوة أو غضب لا على وجه التأديب.
وأما الخطأ: فهو ألاَّ يقصد القتل ولا الضرب، كما لو سقط إنسان على غيره فقتله، أو رمى صيداً فأصاب إنساناً. أو إذا ضربه على سبيل اللعب أو التأديب بقضيبٍ ونحوه، لا بسيفٍ ونحوه، فمات فهو من القتل الخطأ.
تلك هي أنواع القتل حسب المذاهب الخمسة. ومنها يتبين اتفاق الأئمة على أن القتل العمد هو الذي يكون مع توفر القصد الجرمي للقتل، وهذا الذي يوجب القصاص، بينما في الأنواع الأخرى تؤخذ ظروف كل حادث وملابساته مع نية الفاعل وأداة الجريمة للقول بوجوب القصاص أو عدمه.
القتل بالمباشرة:
ومعنى المباشرة أن يترتب القتل على فعل القاتل مباشرة، ومن غير واسطة شيء آخر[*] كالجرح والذبح بالسكين والخنق..
وقد اتفق الفقهاء على أن القتل بطريقة المباشرة موجب للقصاص. واشترط الحنفية[*] لإيجاب القصاص أن يكون القتل مباشرة لا تسبباً.
والمباشرة إما أن تكون من قاتل واحدٍ فوجب القصاص منه، وإما أن يشترك جماعة في القتل، ويكون هذا الاشتراك في القتل في حال التعاقب أو في وقت واحد.
قتل الجماعة بالواحد:
وهو يعني أن يشترك جماعة في قتل شخص واحد، فيقتضي القصاص منهم على ما اتفقت عليه المذاهب مع بعض الاختلاف في التفاصيل:
- قال الشيعة الإمامية: قد تكون الجريمة اعتداء على النفس، وقد تكون اعتداء على ما دونها. فإذا اشترك أكثر من واحد في قتل النفس المحترمة عوقب كل واحد عقوبة القتل.. ويعتبر اشتراك الجميع في القصد إلى القتل، وأن يستند القتل إلى فعل الكل، بحيث يكون لفعل كل واحد أثر في القتل. ولا يعتبر التساوي والاتحاد في الفعل كماً ولا كيفاً: فلو ضربه واحد سوطاً واحداً، والآخر مائة سوط، واستند الموت إلى جميع الضربات فهما شريكان في القتل. وكذا إذا ضربه واحد بحجر والآخر بالعصا، واستند الموت إليهما. أجل، لا يعتبر التساوي في عدد الجناية بل لو جرحه واحد جرحاً، والآخر مائة جرح، أو ضرباه بسوط كذلك، ثم سرى الجميع - أي أثّر الجميع في القتل - فالجناية قصاصٌ عليهما بالسوية.
وقد اتفق الفقهاء على أنه لو اشترك جماعة في قتل واحد قتلوا به جميعاً. واحتجوا على ذلك بالنص وبأن القصاص شُرّع لحقن الدماء، فلو لم يجب القتل عند الاشتراك لاتخذ ذريعة إلى سفكها.
ثم إن اتفق وليُّ المقتول مع القتلة على الديّة وزعت عليهم بنسبة عددهم، فإن كان القاتل اثنين فعلى كلٍّ منهما النصف. وإن لم يحصل اتفاق على الدية، واختار قتلهما معاً فعليه أن يدفع لورثة كل واحد نصف الدية. وإن اختار قتل أحدهما دون الآخر فقد استوفى حقه، ولكن على من تُرِك أن يدفع لورثة المقتول نصف الدية.
وإذا اشتركوا في قطع عضو كاليد والرجل أو قلع العين، فالحكم في ذلك كحكم الاشتراك في قتل النفس. قال صاحب الشرائع والجواهر: «يقتص من الجماعة في الأطراف - أي الأعضاء - كما يقتص في النفس بلا خلاف ولا إشكال. فلو اجتمع جماعة على قطع يد رجل، أو قلع عينه، فله القصاص منهم جميعاً». قال الإمام محمد الباقر (عليه السلام) في رجلين اجتمعا على قطع يد رجل: «إن أحب أن يقطعهما أدى إليهما دية يد يقتسمانها، ثم يقطعهما، وإن أحب أخذ منهما دية يد، وإن قطع يد أحدهما رد الذي لم يقطع على الذي قُطعت يدُه ربع الدية». أي نصف دية اليد.
- وقال الأئمة الأربعة: يجب شرعاً قتل الجماعة بالواحد، سداً للذرائع، فلو لم يقتلوا لما أمكن تطبيق القصاص أصلاً، إذ يتخذ الاشتراك في القتل سبباً للتخلص من القصاص.
وأول حادثة من هذا القبيل حدثت أيام عمر (رضي الله عنه). وهي أن امرأة بمدينة صنعاء، غاب عنها زوجها، وترك عندها ابناً له من غيرها. واتخذت تلك المرأة لنفسها خليلاً، وخافت أن يفضحها الابن فاتفقت مع خليلها، وخادمها، ورجل آخر على قتله، وقطعوه إرباً ورموه في بئر. وظهر الأمر واعترف القتلة، فكتب أمير اليمن إلى عمر (رضي الله عنه)، فكتب إليه عمر (رضي الله عنه): «أن اقتلهم جميعاً». وقال. «والله لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعاً»[*]، (تمالأ: ساعد).
أما الاشتراك في القتل فيكون في حالتين:
أولاً: القتل المباشر على التعاقب: كأن يشق رجل بطن آخر، ثم يأتي آخر فيجهز عليه وذلك بأن يحز رقبته أو يردِيه بالرصاص. فالقصاص على الثاني إن كان عمداً، وإن كان خطأ فالدية على عاقلته (قرابته من جهة الأب)، لأنه هو القاتل، أما الأول فعليه التعزير فقط.
ثانياً: القتل المباشر حالة الاجتماع:
- قال الحنفية: يجب القصاص على كل المشتركين إذا باشروا القتل، لأن كل واحد منهم يعد قاتلاً عمداً، كأن تحدث جراحات معاً من عدة جناة، فيجرح كل منهم جرحاً مهلكاً، أو يطلق كل منهم عياراً نارياً، فيصيب المجنى عليه إصابة قاتلة.
- وقال المالكية والشافعية والحنبلية[*]: تقتل الجماعة غير المتمالئين (الذين لم يساعدوا) بالواحد، إذا كان فعل كل واحد من الجماعة صالحاً للقتل. وكذلك يقتل عندهم المتمالئون (المساعدون) على القتل بالواحد إن قصد الجميع الضرب وإن لم يصلح فعل كل واحد من الجماعة للقتل. لئلا يتخذ التمالؤ (المساعدة دو الاشتراك الفعلي) ذريعة إلى درء القصاص. وهذا هو الأصح عند الشافعية والحنبلية. إلا أنهم يخالفون المالكية في اشتراط كون كل مشترك في ارتكاب الفعل له صفة الفاعل للجريمة. ويكفي عند المالكية حضور الجميع، وإن لم يتولَّ القتل إلا واحد، إذا كان الضارب مستعداً للضرب، ولو لم يضرب، وإنما كان رقيباً.
وخلاصة القول: إن جميع المذاهب متفقة على أنه إذا باشر الجميع القتل يقتل الجميع.
وأما الشريك الذي لم يباشر فعلاً من أفعال القتل، وإنما شارك في الاتفاق على القتل دون أن يحضر، أو كان محرضاً، أو معيناً على القتل دون مباشرة القتل، فيعاقب بالتعزير، ومنه القتل إن شاء الإمام عند غير المالكية، ويعاقب بالقصاص عند المالكية.
قتل الواحد بالجماعة:
- قال الشيعة الإمامية: إذا قتل اثنين أو أكثر عدواناً ثبت لكل واحد من أولياء المقتولين حق القصاص على القاتل. فإن اجتمعوا واتفقوا على قتله، وقتلوه فقد استوفوا حقهم منه، ولا شيء لهم عليه من ماله، إذ لا يجني الجاني أكثر من نفسه. وهذا بلا خلاف بين الفقهاء إذ ليس لهم عليه إلا نفسه.
وإذا عفا أحد الأولياء مجاناً أو بعوض فللذي لم يعفُ أن يقتص، لأن سقوط حق إنسان لا يستدعي سقوط حق الآخر. ولا فرق في ذلك بين أن يكون الجاني قتل الجميع على التعاقب الواحد بعد الآخر، أو دفعة واحدة، كما لو ألقى عليهم قنبلة، أو هدم عليهم بيتاً، أو أطلق عليهم الرصاص من سلاح أوتوماتيكي وما أشبه.
وإذا قتل القاتلَ أحدُ الأولياء من غير استئذان من الآخرين، فقد استوفى حقه منه، ولا شيء عليه، وللآخرين الدية من مال الجاني، إن كان له مال، لقول الإمام عليٍّ (عليه السلام): «لا يُطَلُّ دم امرئ مسلم»[*].
وتسأل: إذا مات القاتل عمداً قبل الاقتصاص منه، فهل تؤخذ الدية من ماله؟
الجواب: إن الأصل عدم الدية في مال القاتل، لأن الواجب في قتل العمد هو القصاص، وإن الدية لا تجب إلا صلحاً، ولا موضوع للقصاص بعد موت القاتل، ولا صلح على الدية، كي تجب. ولكن يجب الخروج عن هذا الأصل لمكان النص الدال على وجوب الدية في ماله إن كان له مال، وإلا أخذت الدية من أرحامه الأقرب فالأقرب.
قال صاحب المسالك:
«ذهب أكثر الفقهاء إلى ذلك، لقوله تعالى: {فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً} [الإسرَاء: 33] وقول الإمام عليٍّ (عليه السلام): «لا يُطلُّ دم امرئ مسلم» (يُطلّ: يهدر). وسئل الإمام الصادق (عليه السلام) «عن رجل قَتل آخر عمداً ثم هرب، ولم يُقدر عليه، حتى مات؟ قال: إن كان له مال أخذت منه الدية، وإلا أخذت من الأقرب فالأقرب»[*].
- وقال الأئمة الأربعة: يقتل الواحد بالجماعة قصاصاً. ولا يجب عند الحنفية والمالكية مع القوَد شيء من المال، فليس للجماعة إلا القصاص، لأن الجماعة لو قتلوا واحداً قُتلوا به، فكذلك إذا قتلهم واحدٌ قُتل بهم. وحق أولياء المقتول في القتل مقدور الاستيفاء لهم، فلو أوجب معه المال، لكان زيادة على القتل، وهذا لا يجوز.
وأما الشافعية فقالوا: لا يقتل القاتل إلا بواحد، سواء اتفق أولياء الدم على طلب القصاص، أو لم يتفقوا، لأن المماثلة مشروطة في القصاص، ولا مماثلة بين الواحد والجماعة، فلا يجوز أن يقتل الواحد بالجماعة، وإنما يقتل الواحد بالواحد، وتجب الديات للباقين. واشتراك أولياء الدم في حق المطالبة بالقصاص لا يوجب تداخل حقوقهم كسائر الحقوق.
وبناء عليه، إن قتل واحدٌ جماعةً على الترتيب، قتل بأولهم، إن لم يعفُ لسبق حقه. وإن قتلهم معاً دفعة واحدة، كأن جرحهم أو هدم عليهـم جـداراً، فمـاتـوا في وقت واحـد، أو أشـكل أمـر المعيـة والترتيب، فيقتص من الجاني لواحد من القتلى بالقرعة وجوباً، وللباقين من المستحقين الديات لتعذر القصاص عليهم، كما لو مات الجاني مثلاً.
وقال الحنبلية: إن اتفق أولياء القصاص على القود أو قتل الجاني قتل بهم، وإن أراد أحدهم القود، والآخر الدية، قتل لمن أراد القود، وأعطي الباقون الدية من مال الجاني، سواء قتلهم دفعة واحدة أو دفعتين. والدليل قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم): «فمن قتل له قتيل فأهله بين خيرتين: إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا أخذوا العقل»[*]، أي الدية، ولأن الجنايات المتعددة لا تتداخل في حالة الخطأ، فلا تتداخل في حالة العمد.
القتل بالتسبب:
عند الشيعة الإمامية:
قال الشيعة الإمامية: القتل بالتسبب أو التسبيب هو أن يأتي المسبب بفعل يتولد منه شيء آخر يترتب عليه الموت، كمن حبس غيره، ومنع عنه الطعام والشراب، حتى مات جوعاً وعطشاً، فإن الموت قد استند مباشرة إلى الجوع والعطش، وهما قد استندا إلى الحبس، فيكون الحابس هو المسبب للقتل، وبالتالي يصدق عليه أنه عامد.
وقد أعطى الشيعة الإمامية أمثلة على القتل بالتسبيب، كما ذكرها صاحب الشرائع والجواهر، ومنها:
1 - القتل بالحبس: إذا حبسه أمداً لا يستدعي الموت في الغالب، ثم أطلقه، ومات بعد إطلاقه، وتبين أن الموت يستند في النهاية إلى حبسه، إذا كان كذلك يُنظر: فإن كان قد قصد من حبسه القتل فهو عمد، وإن لم يكن القتل من قصده فليس بعمد، تماماً كما لو ضربه أو وكزه بعصا فمات.. أجل، لو كان ضعيفاً لمرضٍ، أو صِغرٍ، يموت مثله فهو عمد، حتى ولو لم يقصد القتل.
2 - الإلقاء في مهلكة: إذا رماه في الماء أو في النار، فإن كان لا يستطيع الخروج فهو عمد موجب للقصاص، وإن تبين، أنه قد كان بإمكان الملقى أن يخرج، ومع ذلك تعمد البقاء، وتقصد عدم الخروج، حتى مات فلا قصاص ولا دية على من ألقاه، لأنّ المقتول هو الذي أعان على نفسه. قال صاحب الجواهر: «ليس سبباً للضمان، مع فرض قدرته على التخلص».
3 - التسميم: إذا قدم طعاماً مسموماً لغيره فأكله ومات، يُنظر: فإن كان الآكل عالماً بالسم فلا قود ولا دية على من قدم الطعام. قال صاحب الجواهر: «بلا خلاف ولا إشكال، لأنه هو قاتل نفسه بمباشرته، عالماً بالحال، لا المقدم».. أجل، إذا كان الآكل طفلاً صغيراً غير مميز فعلى المقدّم القصاص.. أما إذا كان الآكل غير عالم بالسم فهو من أظهر الدلائل لقتل العمد بالتسبيب، لمكان التغرير.
4 - الجرح مع سبب آخر للقتل: إذا جرحه ثم عضه كلب ونحوه فمات بسبب الجرح والعض معاً، بحيث يكون كل منهما جزءاً من السبب للموت، وهما معاً سبب كامل له، إذا كان كذلك فولي المقتول بالخيار بين أن يأخذ نصف الدية من الجارح، وبين أن يقتله على شريطة أن يدفع نصف ديته لورثته، لأن الجرح جزء السبب، وليس سبباً كاملاً.
5 - القتل تحريضاً: إذا حرّض عليه كلباً فقتله، فإن كان من عادة الكلب قتل الإنسان قُتل المحرض، حتى ولو لم يقصد القتل مباشرة، لأنه قد قصد الفعل القاتل، وإن لم يكن ذلك من عادة الكلب إن كان المحرض قاصداً القتل قُتل، وإلا فعليه الدية.
6 - الإلقاء من علو والقتل من الغير: إذا ألقاه من شاهق فضربه آخر بالسيف، أو أطلق عليه الرصاص فمات قبل أن يصل إلى الأرض، كان الضارب بالسيف، أو مطلق الرصاص هو القاتل دون الملقي.
7 - المشاركة في القتل: إذا أمسك به شخص، وقتله آخر قُتل المباشر للقتل، وسجن الممسك مؤبداً. وإذا وقف ثالث عيناً (مراقباً) للممسك والقاتل، وحارساً لهما سُملت عيناه، لأن عليّاً أمير المؤمنين (عليه السلام) قضى في رجل أمسك، وآخر قتل، وثالث كان عيناً لهما، أن يسجن الممسك، حتى يموت، وأن يقتل القاتل، وأن تُسمل عينا الثالث. قال صاحب الجواهر: «تُفقأ عيناه بالشوك، أو تُكحلان بمسمار محمى بالنار»[*].
8 - الإكراه على القتل أو القطع: إذا قال الظالم القادر لمن هو دونه مقدرة: «اقتل زيداً، وإلا قتلتك»، وتأكد المقول له أنه مقتولٌ لا محالة إذا لم يفعل، فماذا يصنع؟
اتفق الفقهاء على أنه لا يجوز أن ينفّذ المكره إرادة الظالم، إذ لا يجوز أن يدفع ضرر القتل عن نفسه بإدخاله على الغير. قد ثبت عن أهل البيت (عليه السلام): «إنما جعلت التقية ليحقن بها الدماء، فإذا بلغ الدم فلا تقية». وعلى هذا، فإذا امتنع المكره عن القتل، ونفّذ الظالم إرادته وقتل المكره كان حكم الظالم القتل، أما إذا نفذ المكره إرادة الظالم وقتل زيداً قُتل به قصاصاً، لأنه المباشر للقتل، ولا أثر هنا للإكراه. أما الظالم المكرِه فلا قتل ولا دية ولا كفارة عليه، بل يحبس مؤبداً. فقد سئل الإمام الباقر (عليه السلام) عن رجل أمر رجلاً بقتل آخر؟ فقال (عليه السلام): «يُقتل الذي قتله، ويحبس الآمر في السجن، حتى يموت»[*].
هذا، إذا كان المقول له، أي المأمور بالقتل، عاقلاً بالغاً. أما إذا كان صغيراً أو مجنوناً فإن القصاص على الآمر المكرِه لأن الصغير والمجنون بالنسبة إلى المكرِه تماماً كالآلة الصماء.
وعلى الإجمال إن الفقهاء يقولون: إن الإكراه على قتل النفس لا يجعل القتل جائزاً بحال، ولا يرفع الخطاب التكليفي، ولا الخطاب الوضعي.
القتل بالتسبب عند المذاهب الأربعة:
السبب هو ما يؤثر في الموت لا بذاته ولكن بواسطة، كمن شهد زوراً على بريء بالقتل، أو أكره رجلاً على قتل آخر، ونحوهما...
وحكم القتل بالتسبب إجمالاً عند المذاهب الأربعة هو كما يلي:
- قال الحنفية: لا يوجب القصاص[*]، لأن القتل تسبباً لا يساوي القتل مباشرة، والعقوبة قتل مباشر. فمن حفر حفرة أو بئراً على قارعة الطريق، فوقع فيها إنسان، ومات، لا قصاص على الحافر، لأن القتل هنا كان بالسبب (وهو الحفر) وليس بالمباشرة.
- وقال المالكية والشافعية والحنبلية[*]: يجب القصاص بالسبب، إذا قصد المتسبب إحداث الضرر، وهلك المقصود المعين بالسبب المتخذ، كما في حالة الحفر، وحالة رجوع الشهود عن شهادتهم.
الإكراه على القتل:
قال أبو حنيفة ومحمد: إن الإكراه على القتل يوجب القصاص على المكرِه لأنه قتل مباشرة، ولأن الإكراه يجعل المستكره آلة بيد المكرِه، ولا قصاص على الآلة، لقوله (صلى الله عليه وآله وسلّم): «عفي، عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه»[*].
وقال أبو يوسف: لا قصاص على أحد سواء المكرِه والمستكرَه للشبهة وإنما عليه التعزير، لأن المكرِه ليس بمباشر للقتل، وإنما هو مسبب له، وإنما القاتل هو المستكرَه.
- وقال المالكية والشافعية والحنبلية[*]: يجب القصاص على المكرِه والمستكرَه جميعاً، لأن المكره تسبب في القتل بما يفضي إليه غالباً، والمستكره مباشر القتل عمداً عدواناً، مُؤْثِراً في فعله استبقاء نفسه.
بعض حالات القتل بالتسبب:
1 - التسميم:
- قال الحنفية[*]: إذا دس شخص لآخر السم في طعام أو شراب، فأكله أو شربه ولم يعلم به، ومات منه، يلزمه الاستغفار والحبس والتعزير، لارتكابه معصية بتسببه بقتل النفس، وتغريره بالمجنى عليه.
أما في حالة الإكراه على تناول السم، كما لو ناول شخص السم لآخر وأكرهه على شربه، فالفعل قتل شبه عمد، تجب الدية على عاقلته (العاقلة: هم القرابة من قِبَلِ الأب).
- وقال المالكية[*]: التسميم أو تقديم سموم موجب القصاص، إن مات متناوله، وكان مقدمه عالماً بأنه مسموم، وإلا فلا شيء عليه إن كان غير عالم لأنه معذور.
- وقال الشافعية[*]: يُعدُّ تسميم الصبي غير المميز (دون السابعة) والمجنون قتلاً عمداً موجباً للقصاص، وكذلك يجب القصاص إن سقى السم بالغاً عاقلاً مكرَهاً، فمات، لأنه سبب يقتل غالباً.
فإن سقاه مميزاً أو بالغاً عاقلاً في غير حالة الإكراه، ولم يعلم المتناول حال الطعام، فهو في الأصح قتل شبه عمد، يوجب الدية لا القصاص، لأن آخذه تناوله باختياره من غير إلجاء.
- وقال الحنبلية[*]: يعتبر التسميم قتلاً عمداً موجباً للقصاص إذا كان مثله يقتل غالباً، لأن التسميم كثيراً ما يتخذ طريقاً إلى القتل، فيوجب القصاص. وبدليل أن يهودية أتت النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) بشاة مسمومة، فأكل منها النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) وبشر بن البراء بن معرور، فلما مات بشر، أرسل إليها النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم)، فاعترفت، فأمر بقتلها[*].
2 - الإلقاء في مهلكة:
إذا جمع أحدهم بين إنسان وحيوان مفترس في مكان ضيق، أو إذا رمى عليه حية فلدغته، أو رماه أمام كلب فنهشه، فهل يعتبر فعله قتلاً عمداً، فيسأل عنه، أم لا يسأل عنه؟
- قال الحنفية[*]: لا قودَ فيه ولا دية: وإنما يعزر ويُضرب ويُحبس إلى أن يموت. ويروى عن أبي حنفية: أنَّ عليه الدية. وإن فعل ذلك بصبيّ فعليه الدية. وإن ربط صبياً وألقاه في الشمس أو البرد حتى مات، فعلى عاقلته الدية.
- وقال المالكية[*]: الفعل العدواني في هذه الحالة قتل عمد فيه القود، سواء أكان فعل الحيوان بالإنسان مما يقتل غالباً كالنهش، أم مما لا يقتل غالباً ومات الآدمي من الخوف. ولا يقبل الادعاء أنه قصد بفعله اللعب.
- وقال الشافعية[*]: إن جمع بين شخص وبين السبع في مكانٍ ضيق صغير، أو أغراه به، أو أمسكه وعرضه لمجنون فقتله، وجب عليه القود، لأن السبع يقتل إذا اجتمع مع الآدمي في موضع ضيق. أما إن كتّف رجلاً وطرحه في أرض واسعة مثل البرية حيث يوجد السبع، أو إذا كتفه وألقاه بين يدي السبع فقتله، لم يجب القود بل التعزير، لأنه سبب غير ملجئ.
- وقال الحنبلية[*]: إن جمع الحيوان المفترس أو المتوحش بالإنسان ما يقتل به غالباً، أو فعل به فعلاً يقتل مثله، فالفعل قتل عمد موجب للقصاص.
وعلى هذا، إن ألقاه مكتوفاً بين يدي أسد أو نمر، فقتله، فهو عمد.وإن جمع بينه وبين حية في مكان ضيق، فنهشته، فقتلته، فهو عمد. ولو لسعه عقرب قاتل فهو عمد.
3 - التغريق والتحريق:
- قال الحنفية: التحريق بالنار قتل عمد، لأن النار كالسلاح في تفريق أجزاء الجسد، فتشق الجلد، وتعمل عمل الذبح. وألحقوا بالنار المغلي أو الحار، والمعدن المصهور، والتنور أو الفرن المحمي وإن لم يكن فيه نار[*].
أما التغريق بالماء الكثير فهو عند الإمام أبي حنيفة قتل شبه عمد، لأنه كالقتل بالمثقل. وعند الصاحبين: هو قتل عمد موجب للقود، لأنه مما يقتل به غالباً، واستعماله دليل العمدية[*]. وقد استدلا بقوله (صلى الله عليه وآله وسلّم): «من غرَّق غرقناه»[*].
واتفق علماء الحنفية: أنه لو كان الماء قليلاً لا يقتل غالباً، أو عظيماً تمكن النجاة منه بالسباحة، والملقى بالماء يحسن السباحة، فالقتل شبه عمد.
- وقال المالكية[*]: إن التحريق والتغريق قتل عمد موجب للقصاص، إذا كان التغريق عدواناً أو لعباً لمن لا يحسن العوم، أو عدواناً لمن يحسن العوم، وكان الغالب عدم النجاة لشدة برد، أو طول مسافة، فغرق. فإن كان التغريق لمن يحسن العوم لعباً، فعليه دية مخففة (مخمسة) لا مغلظة.
- وقال الشافعية والحنبلية[*]: إذا ألقى أو طرح شخصٌ غيره في نار أو ماء، لا يمكنه التخلص منه لكثرته، أو لعجزه عن التخلص لأنه لا يحسن السباحة، أو مع إحسانها وكان مكتوفاً أو ضعيفاً أو مريضاً أو صغيراً، فمات، كان القتل عمداً موجباً للقصاص. وإن ألقاه في ماء مغرق فالتقمه حوت، وجب القصاص، في الأظهر عند الشافعية، لأنه ألقاه في مهلكه. وعند الحنبلية فيه وجهان، أصحهما وجوب القود على الملقي.
أما إذا كان الماء يسيراً غير مغرقٍ والتقمه الحيوان فلا قصاص، وعليه دية القتل شبه العمد، لأنه هلك بفعله. وإن أمكنه التخلص من الغرق بسباحة أو تعلق بزورق، ولكنه لم يفعل، فلا قود عند الحنبلية، وفي الأظهر عند الشافعية، لأنه مهلك لنفسه. كذلك لا دية في الأظهر عند الشافعية إذا ألقاه في نار يمكنه الخلاص منها، فمكث فيها حتى مات. والفاعل يلزم بضمان الدية عند الحنبلية لأن جانٍ بالإلقاء المفضي إلى الهلاك.
4 - الخنق:
- قال الإمام أبو حنفية: الخنق قتل شبه عمدٍ موجب للدية، لأنه ليس وسيلة معدة للقتل، ولأن شرط القتل استعمال آلة معدة للقتل غالباً.
وقال الصاحبان: هو قتل عمد موجب للقصاص، لأنه وسيلة معدة للقتل، شرط أن يستمر الجاني في فعل الخنق بمقدار الوقت الذي يموت فيه الإنسان. فإن لم يتحقق هذا الشرط فلا قصاص باتفاق الحنفية[*].
- وقال المالكية[*]: الخنق هو قتل عمد، سواء قصد به الجاني قتل المجنى عليه، فمات، أم قصد به مجرد التعذيب، ما دام هنالك عدوان. فإن كان على وجه اللعب أو التأديب فهو من القتل الخطأ.
- وقال الشافعية والحنبلية[*]: الخنق قتل عمد فيه القصاص، إن قام به الجاني خلال الفترة التي يموت في مثلها غالباً، فمات. وإن فعله الجاني في فترة لا يموت في مثلها غالباً، فمات، فهو عمد الخطأ أي شبه العمد، إلا أن يكون ذلك يسيراً في العادة بحيث لا يتوهم الموت منه، فلا يوجب ضماناً، لأنه بمنزلة لمسه.
وإن خنقه وتركه متألماً مثلاً حتى مات، فيه القود، لأنه مات من جرّاء جنايته. وإن تنفَّس وصحَّ بعدئذٍ، ثم مات، فلا قود، لأن الظاهر أنه لم يمت بالخنق.
5 - القتل بالترك أو الحبس بدون طعام وشراب:
إذا حبس شخص إنساناً في مكان، ومنع عنه الطعام أو الشراب، أو الدفء في الشتاء القارس، حتى مات جوعاً أو عطشاً أو برداً، في مدة يموت في مثلها غالباً، وتعذر عليه الطلب، ففيه آراء:
قال أبو حنيفة: لا شيء على الحابس، لأن الموت حدث بالجوع، وليس بالحبس.
وقال الصاحبان: تجب عليه الدية، لأنه قاتل شبه عمد، لأن الطعام والشراب والدفء من لوازم الإنسان، وتتوقف عليها حياته، فمن منعه إياها أهلكه بمنعه. ولذا فإن الحبس ليس وسيلة معدة للموت، وإن كان في ذاته وسيلة قاتلة غالباً[*].
- وقال المالكية[*]: القتل في هذه الحالة كالخنق يعدُّ قتلاً عمداً، ما دام قد صدر على وجه العدوان.
- وقال الشافعية والحنبلية[*]: القتل حينئذ يُعَدُّ عمداً موجباً القصاص، إذا مضت مدة يموت مثله فيها غالباً من الجوع أو العطش. فإذا تعمده الإنسان، فقد تعمد القتل، بحسب المدة التي يختلف فيها حال المحبوس قوة وضعفاً، وبحسب الزمان حراً وبرداً. فإن كان لا يموت في مثلها غالباً كان القتل شبه عمد عند الحنبلية.
6 - القتل تخويفاً أو إرهاباً:
إذا حدث القتل تخويفاً أو إرهاباً، كما في الحالات التالية مثلاً:
لو شهر سيفاً في وجه إنسان، أو دلاه من مكان شاهق، فمات من روعته، أو ذهب عقله.
ولو صاح إنسان بصبي أو مجنون أو معتوه صيحة شديدة، وهو على سطح أو حائط ونحوهما، فوقع فمات، أو ذهب عقله.
ولو تغفل أحد عاقلاً بالغاً، فصاح به، فأرعبه، فمات أو ذهب عقله.
ولو طلب الحاكم امرأة إلى مجلس القضاء، فأجهضت جنينها فزعاً، أو زال عقلها.
ولو ألقى على إنسان حية، ولو كانت ميتة، فمات فزعاً ورعباً.
- قال الحنفية: ففي كل هذه الحالات وأمثالها: لا ضمان لديته، لعدم وجود السبب الكافي للضمان، إذ ليس السبب متصلاً بالنتيجة قطعاً، وذلك إذا لم يكن التخويف فجأة. فإن كان الصياح ونحوه على إنسان فجأة، فمات من صيحته، أو قال له: قع، فوقع، فهو قاتل له قتلاً شبه عمد، فتجب الدية[*].
- وقال المالكية[*]: يكون المتسبب، في تلك الحالات، قاتلاً عمداً يجب عليه القصاص إن كان على وجه العداوة، وعليه الدية إن كان على وجه اللعب أو التأديب.
- وقال الشافعية والحنبلية[*]: إن فعل عمداً، ما ذكر في تلك الحالات، فهو قتل شبه عمد موجب الدية، وإلاَّ، أي إن لم يفعله عمداً، فهو قتل خطأ، لأنه سبب إتلافه.
الشروط الواجب توفرها للقصاص من القاتل:
قال الشيعة الإمامية: إنه متى تحقق قتل العمد بالمباشرة أو التسبيب جاز لولي المقتول أن يقتص من القاتل، وذلك مع توافر الشروط اللازمة لذلك، كما في الحالات التالية:
1 - أن يتساوى القاتل والمقتول بالحرية والرق، (ولا موضوع لهذا الشرط بعد أن أصبح الرق غير موجود اليوم، وصار الناس جميعهم أحراراً).
2 - المساواة بين القاتل والمقتول في الدين، فيُقتل المسلم بالمسلم، وغير المسلم بغير المسلم.
3 - أن لا يكون القاتل أباً للمقتول، إجماعاً ونصّاً، ومنه قول الإمام الصادق (عليه السلام): «لا يقاد الرجل بولده إذا قتله، ويُقتل الولد إذا قتل والده»[*] وتُقتل الأم بولدها، ويُقتل الولد بأمه.
4 - أن يكون القاتل كاملاً بالعقل والبلوغ، فلا قصاص على المجنون، ولا على الصبي، حتى ولو كان مميزاً، وتؤخذ دية المقتول من العاقلة، سواء أكان المقتول عاقلاً بالغاً، أم غير عاقل ولا بالغ. قال الإمام الصادق (عليه السلام): «عمد الصبي وخطأه واحد»[*]. وفي رواية ثانية: «إن علياً أمير المؤمنين (عليه السلام) سئل عن مجنون قتل رجلاً عمداً.. فجعل الدية على قومه، وجعل عمده وخطأه سواء».
وإذا كان القاتل عاقلاً حين القتل، ثم طرأ عليه الجنون لم يسقط عنه القصاص. وذهب المشهور إلى أن العاقل البالغ إذا قتلَ الصغيرَ قتل به.
واتفق الفقهاء على أن العاقل إذا قتل المجنون لا يقتل به. فقد سئل الإمام أبو جعفر الصادق (عليه السلام) عن رجل قتل رجلاً مجنوناً؟ فقال: «إن كان المجنون أراده فدفعه عن نفسه فقتله فلا شيء عليه من قود ولا دية، ويُعطى ورثته الدية من بيت مال المسلمين، وإن قتله من غير أن يكون المجنون أراده فعليه الدية في ماله، يدفعها إلى ورثة المجنون، ويستغفر الله، ويتوب إليه»[*].
واختلفوا في السكران إذا قَتَلَ: هل يُقتل أم لا؟ ذهب أكثر الفقهاء إلى أنه يُقتل، لأنه سكر مختاراً مع علمه بالتحريم، فيحكم عليه بحكم الصاحي.
وهذا مجرد استحسان. والصواب أن السكران بحكم المجنون والنائم ما دام فاقداً لشعوره.. أجل، هو معاقب على السكر وارتكاب الحرام.. ولكن عقابه على السكر شيء، وترتب جميع أحكام الصاحي عليه شيء آخر.
5 - أن يكون المقتول غير مباح، فمن قتل الزاني المحصن واللواطي والمرتد عن الإسلام فلا قود ولا دية عليه، لأن هؤلاء يجب قتلهم شرعاً، لقول الإمام الصادق (عليه السلام): «من قتله الحد فلا دية له»[*].
وكذا من قتل شخصاً دفاعاً عن النفس، أو قطع عضواً أو جرح غيره استيفاء لحق القصاص من غير أن يعتدي، فمات المقطوع والمجروح بسبب القطع أو الجرح، فإنه لا شيء على القاتل المدافع عن نفسه، ولا على القاطع والجارح قصاصاً.
وإذا قتل شخص آخر، وجاز قتله قصاصاً لولي المقتول، ولكن جاء أجنبي فقتله فإنه يثبت لولي المقتول الثاني حق القصاص على الأجنبي. أما ولي المقتول الأول فيُعطى الدية من مال المقتول الثاني الذي هو القاتل الأول. تماماً كما لو مات القاتل حتف أنفه قبل أن يُقتص منه، وسبقت الإشارة إليه في الحديث عن قتل الواحد بالجماعة.
المرأة والرجل:
إذا قتلت المرأة رجلاً عمداً كان ولي المقتول بالخيار بين أن يأخذ منها الدية إن رضيت هي، وبين أن يقتلها، فإذا اختار القتل فلا يغرم أهلها شيئاً.
وإذا قتل الرجل امرأة كان وليها بالخيار بين أن يأخذ الدية، إن رضي الرجل، وبين أن يقتله على أن يدفع لورثته نصف الدية 500 دينار، إجماعاً ونصاً. ومنه قول الإمام الصادق (عليه السلام): «إذا قتل الرجل المرأة تعمداً، وأراد أهل المرأة أن يقتلوه فذاك لهم إذا أدوا إلى أهله نصف الدية، وإن قبلوا الدية فلهم نصف دية الرجل، وإن قَتلت المرأةُ الرجل قُتلت به، وليس لهم إلا نفسها»[*].
وإذا اشتركت امرأتان في قتل رجل قتلتا به، ولا شيء لورثتهما. فقد سئل الإمام أبو جعفر الباقر (عليه السلام) عن ذلك؟ فقال: «تقتلان به. ما يختلف فيه أحد»[*].
عقوبات القتل العمد عند الأئمة الأربعة:
اتفق الفقهاء على أن القتل عمداً تجب فيه على القاتل أمور ثلاثة: الأول: الإثم العظيم إذ نص القرآن الكريم على تخليده في نار جهنم. والثاني: القود لآية القصاص. والثالث: الحرمان من الميراث لحديث: «لا يرث القاتل شيئاً».
وقد اعتبروا أن العقوبات المترتبة على القتل العمد هي: أصلية، وبدلية (عن الأصلية) وتبعية.
أولاً: العقوبة الأصلية - القصاص:
معنى عقوبة القصاص شرعاً مجازاة الجاني بمثل فعله. ويلزم القصاص سواء أكان القتل مع سَبْقِ الإصرار والترصد أم لا. ويشترط لوجوب القصاص شروط في القاتل، وفي المقتول، وفي فعل القتل، وشرط في ولي القاتل.
أ - شروط القاتل:
يشترط في القاتل لإيقاع القصاص به أربعة شروط:[*]
1 - أن يكون مكلفاً (عاقلاً بالغاً) فلا قصاص على الصبي أو المجنون، لأن القصاص عقوبة على جناية، وفعلهما لا يوصف بالجناية. وكذا زائل العقل بسبب يُعذر فيه كالنائم والمغمى عليه، وهؤلاء جميعاً ليس لهم قصد صحيح، فهم كالقاتل خطأ.
أما السكران بشراب محرم فقد اتفق الأئمة الأربعة[*] على وجوب الاقتصاص منه. لأن القصاص منه حق آدمي، وقياساً على إيجاب حد الشرب عليه، وسداً للذرائع أمام المفسدين الجناة، إذ لو لم يقتص منه لشرب ما يسكره، ثم قتل، وسرق، وزنى، وهو بمأمن من العقوبة.
2 - أن يكون متعمداً القتل، أي إزهاق نفس المجنى عليه، لقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم): «العمد قود»[*] أي القتل العمد يوجب القود. ولم يشترط المالكية العمد بالذات، وإنما يكفي عندهم وجود العدوان.
3 - أن يكون تعمد القتل محضاً: أي لا شبهة في عدم إرادة القتل. فلا يكتمل وصف العمد مع وجود شبهة انتفاء قصد القاتل، كما في حالة تكرار الضرب بما لا يقتل عادة، بحيث لا يراد به القتل، وإنما التأديب والتهذيب.
4 - أن يكون القاتل مختاراً، فلا قصاص على المستكره على القتل عند الحنفية. وقال الجمهور: على المستكره والمكرِه القصاص.
ب - شروط المقتول[*]:
1 - أن يكون معصوم الدم أو محقون الدم أي يحرم الاعتداء على حياته. فلا يقتل مسلم ولا ذمي بالكافر الحربي، ولا بالمرتد، ولا بالزاني المحصن، ولا بالزنديق، ولا بالباغي، فكل واحد من هؤلاء مهدور الدم، مباح قتله.
وتكون العصمة عند الحنفية بالإسلام، والإقامة في دار الإسلام. فمن أسلم في دار الحرب وبقي مقيماً فيها، فلا يقتص من قاتله هناك. والعصمة لمحقون الدم يجب أن تكون على التأبيد لإخراج المستأمن إذ لا يقتص من قاتله.
وأما العصمة عند الجمهور فتكون بالإيمان (الإسلام)، أو الأمان بعقد الذمة أو الهدنة. فمن قتل مسلماً في دار الحرب عامداً، عالماً بإسلامه، فعليه القود، سواء أكان قد هاجر أم لم يهاجر إلى دار الإسلام.
ويتفق الجمهور مع الحنفية في أن عصمة المستأمن مؤقتة أثناء الأمان فقط لأن في دمه شبهة الإباحة، فهم يقولون: لا يقتل مسلم بكافر سواء أكان مستأمناً، أم ذميّاً أم معاهداً، لأن الكافر ليس بمحقون الدم على التأبيد، فأشبه الحربي[*].
2 - أن لا توجد رابطة الأبوَّة والبنوَّة، فلا قصاص على أحد الوالدين (الأب أو الجد، والأم أو الجدة وإن علوا) بقتل الولد أو ولد الولد، وإن سفلوا، لقوله (صلى الله عليه وآله وسلّم): «لا يقاد الوالد بالولد»[*]، ولأن في القصاص من الأب شبهة آتية من حديث: «أنت ومالك لأبيك»[*].
واتفق الأئمة الأربعة على أن الأب وإن لم يقتل بابنه، إلا أنَّ عليه الدية. واستثنى المالكية حالة واحدة وهي أن يكون القتل ناجماً عن تحقق إرادة قتل الأب لابنه، وألاّ تكون أية شبهة إرادة لتأديبه وتهذيبه: كأن يضجعه فيذبحه، فيقتل به لعموم القصاص بين المسلمين.
واتفق الأئمة أيضاً على أن الولد يقتل بوالده لعموم القصاص ووجوبه على كل قاتل، إلاَّ ما استثني بخصوص الوالد بولده.
3 - شرط التكافؤ: قال الحنفية لا يشترط أن يكون المقتول متكافئاً للقاتل في الإسلام والحرية، وإنما يكفي التساوي في الإنسانية لعموم آيات القصاص بدون تفرقة بين نفس ونفس، مثل قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} [البَقَرَة: 178]، وقوله سبحانه: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} [المَائدة: 45]، ولعموم الحديث «العمد قَوَد» وصوناً لحق الحياة، وتحقيق ذلك في قتل المسلم بالذمي أبلغ منه في قتل المسلم بالمسلم. وروي أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) أقاد مؤمناً بكافر، وقال (صلى الله عليه وآله وسلّم): «أنا أحق من وفى بذمته»[*]، ولأن العبد آدمي معصوم الدم فأشبه بالحر، والقصاص يتطلب فقط المساواة في العصمة.
- وقال جمهور المالكية والشافعية والحنبلية: يجب أن يكون المقتول متكافئاً للقاتل في الإسلام والحرية، فلا يقتل قصاصاً مسلم بكافر، ولا حر بعبد لقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم): «لا يقتل مسلم بكافر»[*]. وقوله (صلى الله عليه وآله وسلّم): «المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، ولا يقتل مؤمن بكافر»[*]، وقوله (صلى الله عليه وآله وسلّم) في العبد: «لا يقتل حر بعبد»[*]، وقول علي (عليه السلام): «من السنة ألا يقتل حر بعبد»[*].
واتفق الفقهاء على أنه يقتل الرجل بالأنثى، والكبير بالصغير، والعاقل بالمجنون، والعالم بالجاهل، والشريف بالوضيع، وسليم الأطراف بمقطوعها وبالأشل، أي أنه لا يشترط التكافؤ في الجنس والعقل والبلوغ والشرف والفضيلة وكمال الذات أو سلامة الأعضاء[*].
وحول قتل الباغي بالعدل قصاصاً وبالعكس: قال الحنفية والمالكية والحنبلية[*] في وجهٍ هو الراجح: لا يقتل الباغي بالعدل وبالعكس، لأن كلًّا منهما غير معصوم الدم في زعم الآخر، لاستحلاله الدم بتأويل. أما الشافعية[*] - وفي الأصح عندهم - أنه لا يتحتم قتل الباغي بالعدل، ويجوز العفو عنه لقول علي (عليه السلام) بعد أن جرحه ابن ملجم قبل استشهاده: «أطعموه واسقوه واحبسوه، فإن عشت فأنا ولي دمه: أعفو إن شئت، وإن شئت استقدت، وإن مت فاقتلوه ولا تمثلوا به». وقال الشافعية والحنبلية: يكره للعادل أن يتعمد قتل ذي رحمه من أهل البغي. وأضاف الإمام الشافعي: وحكم دار البغي دار الإسلام، فإذا جرى فيها ما يوجب إقامة حد، أقامه الإمام إذا استولى عليها.
وحول قتل الغيلة: وهو القتل لأخذ المال، سواء أكان القتل خفية، أم ظاهراً على وجه يتعذر معه الغوث (وهو القتل حرابة) فإن حكمه عند الحنفية والشافعية والحنبلية كبقية أنواع القتل الأخرى في القصاص والعفو عنه، واشتراط التكافؤ بين القاتل والمقتول. بينما حكمه عند المالكي أنه يقتل القاتل غيلة بسبب الفساد والحرابة، لا قصاصاً، ولا يشترط فيه التكافؤ، فيقتل الحر بالعبد، والمسلم بالكافر، ولا عفو فيه، ولا صلح، وصلح ولي القتيل مردود، والحكم فيه إلى الإمام.
ج - شروط القتل:
- قال الحنفية[*]: يشترط في نفس القتل الموجب للقصاص أن يكون مباشرة لا تسبباً، فإن كان تسبباً ففيه الدية. وقد وردت الأمثلة على القتل بالتسبب سابقاً.
وقال باقي المذاهب - في الجملة ـ: يجب القصاص بالسبب كالمباشرة، لأنهما متماثلان. وقد رأينا آراء هذه المذاهب عند البحث في القتل مباشرة وبالسبب.
د - شرط ولي القتيل:
اشترط الحنفية[*] في ولي القتيل صاحب الحق في القصاص: أن يكون معلوماً، فإن كان مجهولاً لا يجب القصاص. لأن القصد من إيجاب القصاص هو التمكين من استيفاء الحق، والاستيفاء من المجهول متعذر ويتعذّر الإيجاب له. وخالف في هذا الشرط باقي الأئمة.
الاستيفاء من القاتل:
- قال الشيعة الإمامية: إذا ثبت القتل فإن كان خطأ أو شبه عمد تعينت الدية، ولا قصاص، وإن كان عمداً فالأصل هو القصاص دون الدية. وليس لولي المقتول أن يلزم الجاني بالدية ما دام باذلاً نفسه للقتل، ولا للجاني أن يلزم ولي المقتول بالدية إن أصرَّ على القتل قصاصاً، لقوله تعالى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} [المَائدة: 45].
وعلى هذا الأساس فإن المشهور لدى فقهاء الشيعة الإمامية هو أن قتل العمد يوجب القصاص لا الدية عيناً ولا تخييراً. قال صاحب المسالك: «الواجب في قتل العمد بالأصالة هو القود، وهذا هو المشهور بين الفقهاء، ومنهم الشيخان - أي الشيخ المفيد والشيخ الطوسي - والأتباع والمتأخرون».
أجل، للقاتل وولي المقتول أن يصطلحا، ويتفقا على مبلغ من المال بمقدار الدية، أو أقل، أو أكثر عوضاً عن القتل والقصاص.
وعن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: «من قتل مؤمناً متعمداً أقيد به إلاَّ أن يرضى أولياء المقتول بالدية وأحبَّ ذلك القاتل». وفي رواية ثانية: العمد كل ما عمد فيه الضرب ففيه القود، لأنه متلف، يجب به البدل من جنسه، ولا يعدل إلى غيره إلا بالتراضي.
وفي هذه الرواية بيان للسبب الموجب للقصاص، وأنّ المِثْلَ هو الأصل، ولا ينتقل إلى غيره إلا لسبب موجب، كالتراضي، أو تعذّر الاستيفاء بالمثل. وسئل الإمام الصادق (عليه السلام) عن المؤمن يقتل المؤمن متعمداً هل له توبة؟ فقال: إن كان قَتَلَه لإيمانه فلا توبة له، وإن كان قتله لغضبٍ أو لسببٍ من أمر الدنيا فإن توبته أن يقاد فيه، وإن لم يكن علم به انطلق إلى أولياء المقتول فأقرَّ عندهم بقتل صاحبهم، فإن عفوا عنه فلم يقتلوه أعطاهم الدِّية وأعتق نسمة وصام شهرين متتابعين وأطعم ستين مسكيناً توبةً إلى الله عزَّ وجلَّ»[*].
ويستحب لأولياء المقتول العفو عن القاتل، قال تعالى: {فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ} [المَائدة: 45]. وقال سبحانه: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} [الشّورى: 40]. وإن لم يعفوا، وطلبوا القصاص بأجمعهم قُتل الجاني.
صورة القتل:
أما صورة القتل فهو أن تضرب عنقه بالسيف، وما إليه من الآلات الحادّة، ولا يجوز بغيرها مهما كان نوع الجناية، حتى ولو كانت حرقاً، أو خنقاً، أو تسميماً، أو إغراقاً، وغير ذلك. ويجب أن تكون الآلة حادة تجنباً للتعذيب، وغير مسمومة، كي لا يستند القتل إلى غير ضرب العنق، للحديث النبوي: «إذا قتلتم فأحسنوا القِتل»[*].
واتفق فقهاء الشيعة الإمامية على أن الزوج والزوجة لا يرثان حق القصاص: فليس للزوج أن يطالب بقتل قاتل زوجته عمداً، ولا للزوجة أن تطالب بقتل قاتل زوجها عمداً. وأقرباء القتيل من أبيه هم الذين يرثون حق القصاص، ولهم المطالبة بقتل القاتل. أما أقرباء القتيل من أمه ففيه خلاف، إذ قال البعض من الفقهاء: إنهم لا يرثون القصاص، لأن أكثرية الفقهاء قالوا بأن قرابة الأم لا يرثون من الدية، فالأولى أن لا يرثوا القصاص. وإذا كان ولي القتيل صغيراً أو مجنوناً فعلى وليهما أن يراعي مصلحتهما من تعجيل القصاص أو تأجيله أو المصالحة على مبلغ من المال.
وقد أجمع فقهاء الشيعة الإمامية على أن عفو البعض لا يسقط حق الباقين في القصاص، ولكن يجب على من يقتص بالقتل أن يعطي لورثة القاتل مقدار نصيب من عفا من الدية. فقد سئل الإمام الصادق (عليه السلام) عن رجل قتلته امرأة، وله أب وأم وابن، فقال الابن: أريد قتله بأبي، وقال الأب: أنا عفوت، وقالت الأم: أنا أريد الدية؟ فقال الإمام (عليه السلام): «فليعط الابن أم المقتول السدس من الدية - لأنه سهمها - ويعطي ورثة القاتل السدس من الدية، وهو حق الأب الذي عفا عنه، ويقتله».. وفي رواية ثانية في قتيل له وليان، فعفا أحدهما دون الآخر: «إن الذي لم يعفُ إن أراد القتل رد نصف الدية على أولياء المقتول»[*].
وإذا اتفق بعض أولياء القتيل مع القاتل على إسقاط حقه في القصاص لقاء مبلغ معين، وقبضه منه، وأصر الولي الآخر على القتل والقصاص جاز له ذلك، على شريطة أن يرد لورثة القاتل مقدار ما أخذ الذي أسقط حقه في القصاص، إذ ليس على الجاني أكثر من نفسه.
واتفقوا على أنه إذا بادر أحد الأولياء، واقتص من الجاني قبل أن يستأذن من الولي الآخر ضمِن حصته من الدية.
إذن الحاكم:
هل يجب على الولي أن يستأذن في القصاص من الحاكم الشرعي؟
الجواب: كلا، لأن القصاص من الحقوق الخاصة، ولذا يسقط بالإسقاط.
الحامل:
سبق أن الحامل لا يقام عليها الحد من الزِّنا وغيره، حتى تضع حملها، ويحصل الأمان والاطمئنان على حياة طفلها، وكذلك أيضاً لا يقتص منها إلا بعد الوضع. قال صاحب الجواهر: «حتى ولو كان الحمل من الزِّنا بلا خلاف أجده». وإذا توقفت حياة الصبي عليها وجب الانتظار إلى أن يستغني عنها.
الإثبات:
يثبت القتل بالطرق التالية:
1 - ذهب أكثر الفقهاء إلى أن القتل يثبت بالإقرار مرة واحدة من العاقل البالغ المختار. قال صاحب المسالك: «لعموم: إقرار العقلاء على أنفسهم جائز، وحمله على الزِّنا والسرقة وغيرهما مما يعتبر فيه التعدد قياس مع وجود الفارق، لأنه حق آدمي، فيكفي فيه المرة كسائر الحقوق».
وإذا أقر الإنسان أنه هو القاتل عمداً وحده دون سواه، فجاء آخر، وقال: بل أنا القاتل عمداً وحدي دون سواي، وبقي كل منهما مصرّاً على قوله، إذا كان كذلك يخير الولي بين أن يقتص من أيهما شاء، لأن كلًّا من الإقرارين نافذ في حق المقر، ولا يمكن الجمع بينهما.
وكذا الحكم إذا قال أحدهما: أنا قتلته عمداً، وقال الآخر: أنا قتلته خطأ. فقد سئل الإمام الصادق (عليه السلام) عن رجل وجد مقتولاً، فجاء به رجلان إلى وليه، فقال أحدهما: أنا قتلته عمداً، وقال الآخر: أنا قتلته خطأ؟ فقال الإمام: «إن هو أخذ بقول صاحب العمد فليس له على صاحب الخطأ سبيل، وإن أخذ بصاحب الخطأ فليس له على صاحب العمد سبيل»[*].
2 - يثبت ما يجب القصاص به نفساً وطرفاً (أي عضواً من الجسد) بشهادة رجلين عدلين، ولا تُقبل النساء لا منفردات ولا منضمات، لقول الإمام عليٍّ الرضا (عليه السلام): «لا تجوز شهادتُهُنَّ في الطلاق ولا في الدم».
ولا يثبت القصاص بشاهد ويمين. قال صاحب الجواهر: «هذا هو المشهور، بل في كتاب الرياض الاتفاق عليه»[*].
أما ما تجب به الدية فقط دون القصاص: كالقتل أو قطع الطرف خطأ، فإنه يثبت بشاهد ويمين، أو شاهد وامرأتين، لأنه من الشهادة على المال، لا على الدماء.
اللـوث[*]:
3 - ويثبت القتل باللوث، وهذا مثاله: إذا ادعى شخص على آخر بأنه القاتل، وعجز عن إقامة البينة، وأنكر المدعى عليه القتل، ولا قرينة يظن معها صدق الدعوى، إذا كان كذلك طُبقت قاعدة «البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر».. كغيرها من الدعاوى.
قال صاحب المسالك: «وصورتها أن يوجد قتيل في موضع لا يُعرف من قتله، ولا تقوم عليه بينة، ويدعي الولي على واحد، أو جماعة، ويقترن بالواقعة ما يشعر بصدق الولي في دعواه، ويقال له اللوث».
وذكر الفقهاء أمثلة لذلك: منها أن يوجد القتيل متشحطاً بدمائه، وإلى جانيه رجل في يده سلاح يقطر دماً.
ومنها: أن يوجد في دار لا يدخلها غير أهلها، فإن ذلك يوجب التهمة، حتى ولو لم يكن بينهم وبين القتيل عداوة.
ومنها: أن يشهد عدل واحد بالقتل، أو جماعة من غير العدول، أو النساء، أو الصبيان بحيث يحصل الظن من شهادتهم.
ومنها: أن يوجد القتيل في محلة بينه وبين أهلها عداوة، فمجرد العداوة لا تكفي ما لم يكن معها قرينة ثانية.
القتيل في الأمكنة العامة[*]:
إذا وجد قتيل في مكان عام، أو في فلاة، ولم يعرف قاتله، ولم يحصل لوث على شخص معين فديته على بيت المال. قال صاحب الجواهر: «بلا خلاف مضافاً إلى النصوص المستفيضة أو المتواترة، منها قول الإمام الصادق (عليه السلام): إن وجد قتيل بأرض فلاة أديت ديته من بيت المال. وقوله أيضاً: إن عليّاً أمير المؤمنين قال: من مات في زحام الناس يوم الجمعة، أو يوم عرفة، أو على جسر لا يعلمون من قتله فديته من بيت المال». إلى غير ذلك من الروايات.
- وقال أصحاب المذاهب الأربعة: يجب القصاص من القاتل إلاَّ إذا عفا عنه ولي القتيل. فإذا عفا، هل يلزم القاتل بالدية أم لا؟
- قال الحنفية والمالكية، والشافعية (في مذهبهم الراجح عندهم)، وفي رواية عن الإمام أحمد: موجب القتل العمد هو القود عيناً أي متعيناً، لقوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} [البَقَرَة: 178]، ولقوله (صلى الله عليه وآله وسلّم): «من قتل عمداً فهو قود»، ولأن القصاص بدل شيء متلف، فتعين الجزاء من جنسه، كسائر المتلفات.
أما بخصوص الدية فقد قال الحنفية والمالكية والشافعية على المذهب: لو عفا ولي القتيل عن القصاص مطلقاً أي دون مطالبة بالدية، لا يلزم الجاني بالدية جبراً عنه، وإنما له باختياره أن يدفعها في مقابل العفو عنه. وللولي أن يعفو مجاناً أو يقتص، أي ليس إن أراد إلاَّ القود، لا الدية. ويجوز العفو على الدية أو أقل أو أكثر برضا الجاني، وتعد الدية حينئذٍ بدلاً عن القصاص. ولو تعدد الأولياء، فبادر أحدهم بقتل الجاني دون أخذ رأي الآخرين، سقط حقهم في القصاص، ولا دية لهم. ولا يجوز للقاضي الجمع بين القصاص والدية جزاء عن فعل واحد.
- وقال الحنبلية، كما في رواية عن الإمام أحمد هي الراجحة عندهم، وفي قول عند الشافعية: ليس القصاص واجباً عيناً وإنما الواجب في القتل العمد أحد شيئين: القصاص أو الدية، وللولي خيار التعيين: إن شاء استوفى القصاص، وإن شاء أخذ الدية من غير توقف على رضا القاتل. ويعتبر التعزير بدلاً عن الدية. ودليلهم قوله تعالى:{فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} [البَقَرَة: 178]، ومعناه فليتتبع القاتل، وليؤد القاتل الدية، فالله تعالى أوجب الاتباع بمجرد العفو، ولو أوجب القصاص عيناً في القتل العمد، لم تجب الدية في العفو المطلق.
وأضاف الحنبلية أدلة أخرى، منها قول ابن عباس: «كان في بني إسرائيل القصاص، ولم يكن فيهم الدية، فأنزل الله تعالى هذه الآية: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} [البَقَرَة: 178] [*]. وعن أبي هريرة مرفوعاً: «من قتل له قتيل، فهو بخير الناظرين: إما أن يُودي، وإما أن يقاد»[*].
أما صاحب الحق في القصاص فهو عند الحنفية والحنبلية، والصحيح عند الشافعية[*]: كل وارث يرث المال، سواء أكان من ذوي الفروض أم العصبة، أي جميع الورثة نساءً ورجالاً، أزواجاً وزوجات.
وقال المالكية[*]: مستحق القصاص هو العاصب الذكر، أي جميع العصبة بالنفس، يقدم الأقرب فالأقرب من العصبة في إرثة إلا الجد والإخوة، فهم في درجة متساوية في القصاص والعفو. ولا دخل في القصاص للبنات والأخوات والزوجات والزوج، لأن القصاص لرفع العار، فاختص بالعصبات كولاية الزواج.
وقد تكون المرأة مستحقة القصاص عند المالكية بثلاثة شروط هي:
1 - أن تكون وارثة المقتول كبنت أو أخت، فخرجت العمة والخالة ونحوهما.
2 - ألاَّ يساويها عاصب في الدرجة أو في القوة: بأن لم يوجد أصلاً، أو وجد عاصب أنزل منها درجة، كالعم مع البنت أو الأخت. فتخرج البنت مع الابن، والأخت مع الأخ، لا كلام لها معه في عفو ولا قود.
3 - أن تكون في درجة، بحيث لو كان معها رجل في نفس الدرجة ورث بالتعصيب، فتخرج الأخت لأم، والزوجة، والجدة لأم[*].
أما في حال تعدد الورثة:
- فقال أبو حنيفة ومالك[*]: يثبت القصاص لكل وارث على سبيل الاستقلال والكمال، خاصة وأن حق القصاص لا يتجزأ، وما لا يتجزأ من الحقوق إذا ثبت لجماعة، يثبت لكل واحد منهم على سبيل الكمال، كأنه ليس معه غيره، كولاية التزويج وولاية الأمان.
- وقال الشافعية والحنبلية (في ظاهر المذهب) والصاحبان[*]: إن حق القصاص يثبت لكل وارث على سبيل الشركة، لأن الحق في القصاص أصلاً هو للمقتول، وبما أنه بالموت عجز عن استيفاء حقه بنفسه، فيقوم الورثة مقامه بالإرث عنه، ويكون مشتركاً بينهم، كما يشتركون في إرث المال.
هذا وقد اعتبر فقهاء الشافعية أن للقتل العمد عقوبة أصلية ثانية وهي الكفارة[*]. أما باقي المذاهب فقالت بعدم وجوب الكفارة في القتل العمد، بل عقوبته القتل في الدنيا، وجزاؤه جهنم في الآخرة.وسوف يأتي الحديث على ذلك في باب الديات.
أداة القتل في النفس:
تباينت آراء المذاهب الأربعة حول الأداة الواجب استعمالها لتنفيذ القصاص:
- فقال الحنفية، والحنبلية (في الأصح عندهم)[*]: هي السيف ونحوه، وأية وسيلة يمكن استعمالها في القتل، إذ عندما تتوافر شروط القصاص، فمن له قود قاد بالسيف، ولا يفعل بالمقتصّ منه كما فعل هو إذا كان القتل بغير السيف، لأنه مُثْلة، وقد نهي عن المثلة، ولأن فيه زيادة زيادة تعذيب. فلو قام ولي القتيل بإلقاء الجاني في بئر، أو قتله بمثقل كحجر أو نحوه، عُزِّر، وكان مستوفياً حقه في القصاص. وقد استدلوا على استعمال السيف بقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم): «لا قود إلاَّ بالسيف»[*].
- وقال المالكية والشافعية: يقتل الجاني بالقتلة التي قتل بها، أي بمثل الفعل الذي فعله بالقتيل، سواء ضربه بالسيف أو بالحديد، أو بمثقل، أو رماه من شاهق أو خنقه، أو أغرقه، أو أحرقه، أو صدعه إلى ما هناك من أفعال قد يتم بها القتل. لكن إن عدل الولي عن هذه الوسائل إلى السيف جاز، بل هو أولى للخروج من الخلاف. ويتعين السيف إذا كان القتل قد حصل بفعل السحر أو الخمر أو اللواط لأن هذه أمور محرمة لعينها، فوجب الدول عن استعمالها إلى السيف.
وقد ذهب الفقهاء حديثاً إلى القول بأن القصد من استعمال السيف كونه أسرع أداة في القتل، وأيسر وسيلة لتفادي الألم والعذاب. ولكن يجوز شرعاً استعمال وسيلة أخرى أسرع من السيف، وأبعد عن المثلة، مثل المقصلة التي هي من قبيل الأداة المحددة، أو استعمال الكرسي الكهربائي لأنه يسرع في الصعق، أو الشنق لعدم إسالة الدم من المقتصّ منه، أو الاعتماد على إيقاف القلب، أو الإعدام بغاز معين شبيه بالمخدر.
ثانياً: العقوبة البدلية في القتل العمد (الدية والتعزير):
فأما عقوبة الدية فسوف يأتي الحديث عليها في باب الديات...
وأما عقوبة التعزير، التي تطبق في حال سقوط القصاص إما بالعفو من ولي القتيل، وإما بموت الجاني، فقد تباينت آراء الأئمة حولها من حيث الوجوب أو الجواز:
فقال الحنفية والشافعية والحنبلية[*]: لا يجب التعزير في القتل العمل بعد دفع الدية، وإنما يترك الأمر إلى الحاكم يفعل بالجاني ما يراه مناسباً للمصلحة، فيؤدبه بالحبس أو الضرب أو التأنيب..
وقال المالكية[*]: يجب تعزير القاتل عمداً إذا يقتص منه، وذلك بأن يجلد مائة جلدة، وأن يحبس سنة عملاً بأثر ضعيف عن عمر (رضي الله عنه).
ويمكن أن يكون التعزير عند الحنفية والمالكية بالحبس مدة الحياة.
ثالثاً: العقوبة التبعية للقتل العمد:
وتكون بالحرمان من الإرث والوصية، وذلك عملاً بقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم): «ليس لقاتل ميراث»[*]. وفي رواية: «لا يرث القاتل شيئاً[*] وقوله (صلى الله عليه وآله وسلّم): ليس لقاتل وصية[*] وعليه فإذا قتل الوارث مورثه، أو الموصى له الموصي حرم من الميراث والوصية وفقاً لما يلي:
الحرمان من الميراث:
- قال الحنفية والشافعية والحنبلية[*]: إن القتل عدواناً وبغير حق، الذي يقوم به البالغ العاقل، عمداً أو خطأ يمنع من الميراث. ويشترط الحنفية لذلك أن يكون القتل مباشرة لا تسبباً. بينما لا يفرق الشافعية والحنبلية بين المباشرة والتسبب.
وقال المالكية[*]: إن القتل العمد، ومثله شبه العمد (المقرر استثناء لديهم) يمنع من الميراث، سواء أكان القتل مباشرة أم بالتسبب، وأما القتل الخطأ فلا يحرم من الميراث.
الحرمان من الوصية:
- قال الحنفية والمالكية والحنبلية: إن القتل المانع من الميراث هو مانع أيضاً من الوصية.
- وقال الشافعية: لا يعتبر القتل مانعاً من الوصية، وإن كان مانعاً من الإرث.
القتل شبه العمد وعقوبته:
- قال أبو حنيفة: القتل شبه العمد هو أن يتعمد الجاني الضرب بما ليس بسلاح أو ما في حكمه، كالقتل بالمثقل من عصا أو حجر أو خشب كبير.
- وقال الشافعية والحنبلية: القتل بالمثقل عمد. وشبه العمد: أن يتعمد الجاني الضرب بما لا يقتل غالباً كالحجر والخشب الصغير والعصا الصغيرة.
- أما عند المالكية: (وهم لا يقولون بالقتل شبه العمد إلاَّ في حالات خاصة) فإن هذا القتل شبه العمد هو في حكم العمد، إلا في حالة قتل الأب ابنه فهو شبه عمد عندهم[*]. وذلك كأن يقذف أبٌ ابنه بسيف أو عصا، فيقتله، كما فعل رجل من بني مدلج بابنه، ففرض عمر (رضي الله عنه) على الأب دية مغلظة مثلثة: 30 حقة و30 جذعة، و40 حوامل.
وعقوبات القتل شبه العمد هي أيضاً مثل القتل العمد على أنواع ثلاثة: أصلية، وبدلية وتبعية:
أولاً - العقوبة الأصلية: هناك عقوبتان أصليتان للقتل شبه العمد وهما: الدية والكفارة:
أما الدية فسوف يأتي البحث عنها في باب الديات.
وأما الكفارة فإنها تتوجب، عند الجمهور (غير المالكية) في القتل شبه العمد، لأنه ملحق بالخطأ المحض في عدم القصاص، وتحمل العاقلة الدية. وتأجيلها يكون لثلاث سنين.
أما المالكية فيعتبرون القتل العمد مثل غير العمد، لا يوجب كفارة.
ثانياً - العقوبات البدلية في القتل شبه العمد (الحرمان من الميراث والوصية).
إذا سقطت الدية لسبب ما، حل محلها التعزير. وجمهور الفقهاء (غير المالكية) يتركون الخيار في التعزير للحاكم، كما في تعزير القتل عمداً.
أما المالكية فيقولون إن على الحاكم أن يعزر القاتل بما يراه مناسباً.
ثالثاً - العقوبة التبعية في القتل شبه العمد:
يعاقب القاتل في شبه العمد، كما في القتل العمد، بعقوبتين أخريين غير الدية، وهما الحرمان من الميراث والحرمان من الوصية عملاً بعموم الحديثين: «ليس للقاتل ميراث» و«وليس لقاتل وصية».
القتل الخطأ وعقوبته:
- قال الحنفية: القتل الخطأ هو الذي لا يقصد به القتل أو الضرب، وهو خطأ في القصد أو الظن، وخطأ في الفعل كما لو رمى شخصاً وهو يظنه صيداً، وما أجري مجرى الخطأ كما لو انقلب نائم على آخر فقتله.
- وقال جمهور المالكية والشافعية والحنبلية: هو القتل بغير قصد الاعتداء كما لو رمى شخصاً فأصاب غير فمات.
وقد اتفق الأئمة على أن لا قصاص في الخطأ وشبه الخطأ، ولا تعزير. أما عقوبته فهي الدية والكفارة، والحرمان من الميراث والوصية (كما سبق تبيانه).
كما اتفق الفقهاء[*] على أن دية الخطأ على العاقلة مؤجلة في ثلاث سنين، عملاً بقضاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) بدية الخطأ على العاقلة[*]، وبفعل عمر وعلي (رضي الله عنه) بجعل هذه الدية على العاقلة في ثلاث سنين[*]. أما من لم يقدر على دفع الدية فيجب عليه صيام شهرين متتاليين عملاً بالنص القرآني.
الجناية على ما دون النفس (الأعضاء والجروح):
تقدم في الفصل السابق أن الجريمة الموجبة للقصاص على نوعين: قتل النفس، وما دون القتل، (كقطع العضو، أو الجرح من غير قطع). وتقدم الكلام فيما سبق عن النوع الأول، ونتكلم في هذا البحث عن النوع الثاني، أي على الجناية على ما دون النفس، وهي كل اعتداء على الجسد بالقطع أو الجرح أو الضرب مع بقاء النفس على قيد الحياة.
وقد تباينت آراء الأئمة في نوع القصاص أو العقوبة المتوجبة بحسب موضع الاعتداء من الجسد ونوعه.
مذهب الشيعة الإمامية:
1 - الجروح والقطع: إذا جرح شخصٌ آخرَ فقد يكون مع الجرح قطع أو إبانة، كقطع اليد أو الرجل أو الأذن، وما إلى ذلك، وقد لا يكون معه قطع أو إبانة، كجرح الظهر والبطن. ثم إن القطع قد يكون من مفصل، بحيث يبقى العضو الذي كان متصلاً بالمقطوع سالماً، وقد لا يكون كذلك.. وليس من ريب أن القصاص يجري في الجروح، سواء أكان معها قطع أم لم يكن، والأصل فيه قوله تعالى: {وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} [المَائدة: 45] أي متقاصة مثلاً بمثل، حيث تكون المماثلة ممكنة، كما يأتي:
شروط القصاص في الجرح، تماماً مثل شروط القصاص في القتل. فمن يُقتص منه في قتل النفس يُقتص منه فيما دون النفس، ومن لا يُقتص منه في قتل النفس لا يقتص منه فيما هو دونها. فالشروط الخمسة في قصاص القتل وهي: المساواة في الدين، والحرية، وأن يكون القاتل بالغاً عاقلاً، والمقتول محقون الدم، والقاتل ليس بأب، هذه الشروط لا بد من توافرها في الجناية على ما دون النفس. وأيضاً يتحقق العمد بالمباشرة والتسبب، وبترتب الجرح مع قصده وإن لم تكن الآلة جارحة في الغالب، أو بقصد الضرب المؤدي إلى الجرح في الغالب أيضاً، وإن لم يكن الجرح مقصوداً حسبما تقدم في قتل النفس دون تفاوت.
المماثلة بين الجرحين:
إذا جرح إنسان آخر اقتُص منه مثلاً بمثل، لقوله تعالى: {وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} [المَائدة: 45] والقصاص هو المماثلة. أي كل عضوٍ بمثله تماماً، أو كل جرحٍ بمثله أيضاً. وهذا مع توافر الشروط لقصاص القتل، ويزيد عليها هنا، في الجروح والأعضاء:
أولاً: أن يكون الجرح في اللحم لا في العظم، فإِذا كان في العظم امتنع القصاص، وتعين الأرش لعدم الوثوق بالمماثلة، أو لعدم إمكانيتها. ومعنى الأرش هنا تقدير العضو قبل الجناية عليه وبعدها، وهو المعبر عنه بتدارك العطل والضرر، ويُرجع في تقديره إلى أهل الخبرة، ويسمى هذا الأرش، أو من يقدره بالحكومة.
ثانياً: أن يكون الجرح الذي هو قصاص - بديل - عن غيره، في محل الجرح الآخر، وفي مساحته طولاً وعرضاً، لا عمقاً على حد تعبير الفقهاء.
ثالثاً: أن لا يستدعي القصاص في الجرح التعرض لهلاك نفس المقتص منه، أو تعطيل عضو آخر من أعضائه، أو كسر عظم، فإن استدعى شيئاً من ذلك ففيه الحكومة، ولا يقتصّ منه.
2 - الأطراف: سبق أن شروط القصاص في القتل لا بد من توافرها في قصاص الطرف والجرح. ويشترط في قصاص الطرف شروط إضافية أخرى وهي:
أولاً: أن يتساوى عضو الجاني مع عضو المجنى عليه في السلامة والعيب، فإذا كان عضو الجاني سليماً، وعضو المجنى عليه سقيماً، فلا قصاص، (فلا تقطع اليد الصحيحة مثلاً بالشلاء)، بل تتعين الدية. فقد سئل الإمام الصادق (عليه السلام) عن رجل قطع يد رجل شلاء؟ قال (عليه السلام): عليه ثلث الدية.
وإذا رضي الجاني أن تُقطع يده الصحيحة بدلاً عن اليد المعيبة التي قطعها فلا يعتبر رضاه. ولا يجوز قطعها بحال ما دام الشارع لم يوجب ذلك. ولكن تُقطع اليد الشلاء بالصحيحة.. فالضابط أن العضو السليم يُقتص له من السقيم، ولا يُقتص للسقيم من السليم[*].
ثانياً: التساوي في المحل، فتُقطع اليمين باليمين، واليسرى باليسرى، والإبهام بمثلها، والسبابة كذلك.
وفي جميع الحالات لا يجوز القطع إذا خيف على نفس المقتص منه، أو على عضو آخر من أعضائه، أو على عقله، وما إلى ذاك، لأن العقل لا يجيز إدخال الضرر على الجاني بما يزيد عن جنايته.
ويثبت القصاص في الجرح والقطع بالإقرار مرة واحدة من البالغ العاقل المختار، وبشهادة رجلين عدلين، ولا تقبل النساء منفردات ولا منضمات، ولا يثبت بشاهد ويمين.. أجل، قطع الخطأ وجرحه يثبت بشاهد ويمين، وشاهد وامرأتين، لأنه من الشهادة على المال دون القصاص.
3 - الضرب: قال صاحب مفتاح الكرامة في المجلد العاشر، باب القصاص: «لا قصاص في الضرب الذي لا يجرح، كالرفس بالرجل واللطم والوكز، والضرب بسوط أو عصا. فإن حصل بها انتفاح - أي ورم - أو مرض فالحكومة. وإن حدث تغيير لون، فإن كان احمراراً في الوجه فدينار ونصف، وإن كان اخضراراً فثلاثة دنانير، وإن كان اسوداداً فستة، وإذا كانت هذه التغيرات فعلى النصف مما في الوجه، وإن لم يحدث شيء سوى الألم فالتعزير».
ومعنى هذا أنه لا قصاص إلا في القطع والجرح الذي معه قطع، لقوله تعالى: {وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} [المَائدة: 45]، فإن الجروح تشمل كلَّ جرحٍ سواء أكان معه قطع، أم لم يكن، ولا تشمل الضرب..
4 - القصاص بين الرجل والمرأة: يُقتص للرجل من الرجل مثلاً بمثل، ويُقتص للمرأة من المرأة كذلك، وأيضاً يُقتص للرجل من المرأة إذا جنت هي عليه مثلاً بمثل، فإذا قطعت يده قُطعت يدها، ولا تعطيه شيئاً. تماماً كما لو قتلته عمداً فإنها تُقتل به، وليس لولي الرجل المقتول أكثر من نفس المرأة القاتلة كما جاء في النص.
والسؤال: وهل يُقتص من الرجل للمرأة مثلاً بمثل إذا هو جنى عليها؟
ويستدعي الجواب التفصيل التالي:
1 - أن يقتلها عمداً، فإنه يقتل بها، على شريطة أن يعطي وليها لورثة الرجل القاتل نصف دية الرجل، وإذا قتلها خطأ أعطى وليها نصف ديتها.
2 - أن يقطع منها إصبعاً، أو اثنتين، أو ثلاثاً عمداً، فإنها تستوفي منه، وتقطع ثلاثاً من أصابعه قصاصاً مثلاً بمثل، ولا ترد عليه شيئاً من المال، وإن شاءا أن يصطلحا على مبلغ من المال فلهما ذلك. وإن قطع أصابعها الثلاث خطأ فلا قطع، ولها ديةُ ثلاث أصابع كاملة. تماماً كما لو قطعت هي منه ثلاث أصابع، من دون تفاوت، لا في القصاص، ولا في مقدار الدية.
3 - أن يقطع منها أربع أصابع عمداً، فإن لها، والحال هذه، أن تقطع منه أربع أصابع مثلها، على شريطة أن ترد عليه دية إصبعين، وقد كانت في الماضي عشرين من الإبل، ولها أن تتفق معه على مبلغ من المال عوضاً عن أصابعها الأربع. وإذا قطع أصابعها الأربع خطأ أعطاها دية إصبعين فقط، وإذا قطعت هي منه أربع أصابع عمداً فله أن يقطع منها مثلها قصاصاً، وإذا قطعتها منه خطأ أخذ منها دية أربع أصابع بالتمام.
وهنا سؤال يفرض نفسه، ويتبادر إلى كل ذهن: كيف تساوت المرأة مع الرجل إذا قطع منها اصعبين، أو اثنتين، أو ثلاثاً مثلاً بمثل قصاصاً ودية، عمداً وخطأ من غير تفاوت، وافترقت عنه إذا قطع منها أربعاً فتأخذ منه دية اصبعين في قطع الخطأ.. وإذا قطعها عمداً تقطع هي منه أربعاً بعد أن ترد عليه دية إصبعين.. مع العلم أنها إذا قطعت هي منه أربعاً خطأ دفعت له دية الأربع كاملة، وإذا قطعتها عمداً اقتص منها مثلاً بمثل من غير رد.. بل أعظم من هذا أن تأخذ منه عن دية الثلاث خطأ دية ثلاث أصابع، وعن دية الأربع دية إصبعين؟!.
الجواب: يكمن في قاعدتين شرعيتين ثبتتا بالنص صراحة، وأجمع الفقهاء على العمل بهما:
القاعدة الأولى: إن دية المرأة في قتل النفس على النصف من دية الرجل، فإذا قتلته هي دفعت لوليه دية كاملة، وإذا قتلها هو دفع لوليها نصف الدية، وإنها تقتل به بلا شرط في قتل العمد، ولا يقتل بها إلا بشرط أن ترد إلى ورثته نصف الدية. وهذه القاعدة - كما رأيت - فرقت بين الرجل والمرأة في قتل دية وقصاصاً من حيث الشروط وعدمها.
القاعدة الثانية: إن الرجل والمرأة يتساويان قصاصاً ودية. في العمد والخطأ فيما هو دون قتل النفس، أي في الجرح والقطع، إلا إذا بلغت دية الجرح والقتل ثلث دية الرجل فأكثر، فإذا بلغت ديتها الثلث رجعت دية جرحها وعضوها إلى نصف دية جرح الرجل وعُضوه، وتصير هي كنصف الرجل، حتى أن دية الأربع أصابع كدية الإصبعين بعد أن كانت تماماً كالرجل قبل أن تبلغ دية الجرح الثلث.. وعلى هذا فإذا جرحها الرجل، أو قطعها عمداً، وأرادت الاقتصاص يُنظر: فإن كانت دية الجرح والقطع دون دية ثلت الرجل اقتصت منه بلا قيد وشرط، وإن كانت الدية بمقدار الثلث اقتصت بشرط أن ترد عليه نصف دية الجرح أو القطع.. وإذا جرحها أو قطعها خطأ يُنظر كذلك، فإن كانت الدية دون الثلث أخذتها منه تماماً كما يأخذ الرجل منها، وإن كان الجرح والقطع بمقدار الثلث فليس لها إلا نصف دية العضو والجرح.
مثلاً: إذا اقطع هو منها أربع أصابع عمداً فليس لها أن تقطع منه أربعاً إلا إذا ردت عليه دية اصبعين، لأن دية الأربع أكثر من ثلت دية الرجل، كما يأتي، وإذا قطع الأربع منها خطأ فليس لها إلا دية اصبعين.. وكذا إذا قطع يدها عمداً، فإنها تقطع يده على أن ترد عليها نصف دية اليد، لأن ديتها أكثر من ثلث دية النفس، وهكذا بالنسبة إلى العين والأذن، وما أشبه. والسر الأول والأخير هو النصُّ فقط لا غير.
قال الإمام الصادق (عليه السلام): «المرأة والرجل سواء إلى أن تبلغ ثلث الدية، فإذا بلغت ذلك تضاعَف جراح الرجل على جراح المرأة ضعفين».. وفي رواية ثانية عن إبان بن ثعلب: قلت للإمام الصادق (عليه السلام): ما تقول في رجل قطع إصبعاً من أصابع المرأة، كم فيها؟ قال: عشر من الإبل. قال إبان: قطع اثنتين؟ قال الإمام: عشرون. قال إبان: قطع ثلاثاً؟ قال الإمام: ثلاثون. قال إبان: قطع أربعاً؟ قال الإمام: عشرون.. وهنا قال إبان: يا سبحان الله! يقطع ثلاثاً، فيكون عليه ثلاثون! ويقطع أربعاً، فيكون عليه عشرون!! فقال الإمام: مهلاً يا إبان.. إن هذا حكم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم).. إن المرأة تقابل الرجل إلى ثلث الدية، فإذا بلغت الثلث رجعت إلى النصف.. يا إبان إنك أخذتني بالقياس.. والسنة إذا قيست محق الدين[*]. فقول الإمام (عليه السلام): هذا حكم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) صريح في أن عقولنا لا تدرك لهذا الحكم سراً، وأنه تعبدي محض.
مذاهب الأئمة الأربعة:
الجناية على ما دون النفس عند الحنفية، والمالكية - الذين لا يقولون بشبه العمد: إما عمد أو خطأ. فالعمد هو ما تعمد فيه الجاني الفعل بقصد العدوان، والخطأ هو ما تعمد فيه الجاني الفعل دون قصد العدوان كمن يلقي حجراً فيصيب به رأس إنسان فيشجه.
ولذلك اعتبر الحنفية أنه لا شبه عمد فيما دون النفس. أي أنه ينظر فيه إلى النتيجة المترتبة على الإتلاف، وليس على الآلة المستعملة كما في القتل العمد، فتستوي الآلات كلها في دلالتها على قصد الفعل، وتستوي عندهم العقوبة في العمد وشبه العمد بدليل قولهم: «ما يكون شبه عمد في النفس فهو عمد فيما سواها»[*].
وقال الشافعية والحنبلية[*] بشبه العمد فيما دون النفس، كأن يضرب رأس إنسان بحجر صغير لا يشج غالباً فيتورم الموضع إلى أن يتضح العظم. ويقولون: «لا قصاص إلا في العمد، لا في الخطأ وشبه العمد». وعقوبة شبه العمد عندهم كعقوبة الخطأ.
أولاً: عقوبة الجناية على ما دون النفس عمداً:
الجناية عمداً على ما دون النفس إما أن تكون على الأطراف بقطعها أو تعطيل منافعها، أو تكون بإحداث جُرح في غير الرأس وهي الجراح، أو في الرأس والوجه وهي الشجاج.
وعقوبة إبانة الأطراف (أو قطعها) تكون إما بالقصاص أو الدية والتعزير بدلاً عنه. وعقوبة تعطيل منافع الأعضاء في الواقع العملي: الدية أو الأرش (وهو المال الواجب المقدر شرعاً في الجناية على ما دون النفس من الأعضاء) وعقوبة الجراح والشجاج: القصاص أو الأرش أو حكومة العدل.
1 - عقوبة إبانة الأطراف (أو قطعها):
الأطراف عند الفقهاء هي: اليدان والرجلان، ويلحق بها أو يجري مجراها الأصبع، والأنف، والعين، والأذن، والشفة، والسن، والشعر، والجفن، ونحوها. ولذلك نبحث في عقوبة القصاص، وعقوبة التغرير وعقوبة الدية في حال إبانة الأطراف.
أ - عقوبة القصاص في إبانة الأطراف:
يشترط الفقهاء لتطبيق القصاص في الطرف والجُرح، ولغيرهما مما دون النفس، الشروط العامة للقصاص في النفس، ويضاف إليها شروط خاصة.
والشروط العامة عند الحنفية[*] هي أن يكون الجاني عاقلاً بالغاً، متعمداً مختاراً، غير أصل للمجنى عليه، وكونه المجنى عليه معصوماً ليس جزءاً للجاني ولا ملكه، وكون الجناية مباشرة لا تسبباً، وأن يكون القصاص ممكناً بإمكان المماثلة.
وأضاف الجمهور[*]: أن يكون المجنى عليه متكافئاً مع الجاني، وكون الجناية مباشرة أو تسبباً بلا فرق.
وبناء عليه تكون موانع القصاص العامة ما يأتي:
1 - الأبوة: اتفق الأئمة الأربعة على أنه يمتنع القصاص من الوالد لولده فيما دون النفس، كالنفس، لحديث: «لا يقاد الوالد بولده».
2 - انعدام التكافؤ: قال الحنفية: إن حالتي انعدام التكافؤ بين الجاني والمجنى عليه، في جناية ما دون النفس هما: الاختلاف في الجنس، وعدم التماثل العددي، فلا قصاص فيما دون النفس بين الرجل والمرأة، لأن دية المرأة نصف دية الرجل، فلا تماثل بينهما في دية الأطراف التي تعتبر كالأموال، فإذا امتنع التماثل والمساواة بين إرشي المرأة والرجل، امتنع القصاص بين طرفيهما.
وإذا تعدد الجناة كأن قطعوا يد رجل، أو قلعوا سنه، فلا قصاص عليهم، لعدم المماثلة بين الأيدي واليد، وعليهم دية الطرف المقطوع[*].
وقال الحنفية أيضاً بعدم القصاص بين الحر والعبد، وبالعكس، ولا بين العبيد أنفسهم، لعدم التماثل، أو للتفاوت في القيمة.
- وقال جمهور المالكية والشافعية والحنبلية: إن حالتي انعدام التكافؤ هما: الحرية والإسلام كما في قصاص النفس. فلا قصاص بالقطع من الحر للعبد، ويقطع العبد بالحر، والعبد بالعبد.
ويقتص الرجل بالمرأة وبالعكس، وتقطع الأيدي الكثيرة باليد الواحدة.
ولا قصاص فيما دون النفس من المسلم للذمي الكافر، ولكن يقطع الذمي بالمسلم عند الشافعية والحنبلية لعدم التكافؤ في النفس، ولا يقطع الذمي بالمسلم عند المالكية لأن القصاص فيما دون النفس يقتضي المساواة بين الطرفين، ولا مساواة بين المسلم والكافر مطلقاً[*].
3 - صفة الاعتداء: قال الحنفية والمالكية: يقتص من الجاني إذا توفرت صفة الاعتداء، إذ يكفي مجرد قصد الاعتداء بأي آلة ممكنة حتى يطبق القصاص. فحكم شبه العمد فيما دون النفس له حكم العمد عند الحنفية والمالكية.
- وقال الشافعية والحنبلية: إن كون الاعتداء شبه عمد لا يوجب القصاص، كأن يلطم شخص غيره فيفقأ عينه، أو يرميه بحصاة فيشل يده، فلا قصاص في هذه الحالة، وإنما تجب الدية المقررة شرعاً للعين أو اليد.
4 - أن يكون الفعل تسبباً عند الحنفية، إذ يشترطون للقصاص بالجناية على النفس أو ما دون النفس أن تكون الجناية مباشرة لا تسبباً، ويخالفهم الجمهور فيه.
5 - أن تكون الجناية واقعة في دار الحرب عند الحنفية، فلا قصاص عندهم في النفس أو ما دون النفس إذا وقعت الجناية في دار الحرب، لعدم ولاية الإمام عليها، ويخالفهم الجمهور فيه.
6 - تعذر استيفاء القصاص: اتفق الفقهاء على أنه يمتنع القصاص فيما دون النفس عند تعذر الاستيفاء، لأن القصاص يتطلب المماثلة، فإذا انعدم التماثل ينتقل القصاص إلى الدية[*].
أما الشروط الخاصة للقصاص في الجناية على ما دون النفس فهي ترجع إلى أمر واحد وهو عدم تحقيق التماثل. ومقتضاه تحقيق التماثل بين الجناية والعقوبة في أمور ثلاثة: التماثل في الفعل، والتماثل في المحل (أو الموضع والاسم)، والتماثل في المنفعة (أو الصحة والكمال)[*].
وأضاف الحنفية: إنَّ التماثل في الأرشين راجع إلى انعدام التكافؤ بين المرأة والرجل، وبين الحر والعبد، باعتبار أن ما دون النفس له عندهم حكم الأموال.
واتفق الأئمة على أنه لا قصاص في كسر العظام كعظم الصدر أو الصلب أو العنق، ويجب فيها كالأرش كاملاً، لأن التماثل غير ممكن[*].
والدليل على التماثل قوله تعالى: {وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} [المَائدة: 45]. وقوله عزَّ وجلَّ: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} [النّحل: 126]. وقوله سبحانه وتعالى: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البَقَرَة: 194]. فلا تصح، بالاستناد إلى هذه النصوص، الزيادة في القصاص على قدر الجناية[*].
ب - عقوبة التعزير في إبانة الأطراف
- يرى الحنفية والشافعية والحنبلية أنه لا موجب للتعزير مع القصاص فيما دون النفس، لأن الله تعالى جعل العقوبة في قوله عزَّ وجلَّ: {وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} [المَائدة: 45] هي القصاص دون غيره، فمن أضاف غيرها فقد زاد على النص بدون دليل.
- وقال المالكية: يتوجب التعزير (أو الأدب على حد تعبيرهم) في الجناية على ما دون النفس، بحسب اجتهاد الحاكم، سواء في حالة الخطأ الذي لا قصاص فيه، أو العمد الذي فيه القصاص، فتقطع يد الجاني مثلاً أو يعزر (يؤدب)، سواء في الأطراف أو الشجاج أو الجراح.
ج - عقوبة الدية أو الأرش في إبانة الأطراف
- اتفق الأئمة الأربعة على أنه إذا امتنع القصاص لسبب من الأسباب وجبت الدية بدلاً عنه. كما تجب أيضاً عند الشافعية والحنبلية بصفة عقوبة أصلية - وليس بدلية - إذا كانت الجناية شبه عمد.
وتجب الدية كاملة بإزالة جنس المنفعة كإتلاف اليدين. ويجب الأرش بإزالة بعض المنفعة كإتلاف يد واحدة أو إصبع واحدة. والدية الكاملة بدلاً من القصاص، تتوجب في الجناية العمدية أو في حالة الجناية خطأ بإزالة منفعة العضو أو قطعه، أو بتعطيل منفعته (إذهاب معناه) مع بقاء الهيكل أو الصورة.
والأعضاء التي تجب فيها الدية أربعة أنواع:
النوع الأول:ما لا نظير له في البدن: الأنف، اللسان، الذكر أو الحشفة، الصلب إذا انقطع المني، مسلك البول، مسلك الغائط، الجلد، شعر الرأس، شعر اللحية أو الرأس أوا لحاجبين إذا لم ينبت بعدئذٍ.
النوع الثاني: الأعضاء التي في البدن فيها اثنان: اليدان، الرجلان، العينان، الأذنان، الشفتان، الحاجبان اذا ذهب شعرهما نهائياً ولم ينبت، والثديان، والحلمتان، والأنثيان (الخصيتان) والشُّفران، الإليتان، واللَّحيان.
وقد ورد الحديث عن معاذ: «وفي اليدين والرجلين الدية» وحديث سعيد بن المسيب عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم): «في العينين الدية، وفي اليدين الدية، وفي الرجلين الدية، وفي الشفتين الدية، وفي الأذنين الدية، وفي الأنثيين الدية»[*]، وفي اليد الواحد نصف الدية لما روى مالك والنسائي في حديث عمرو بن حزم: «وفي اليد خمسون»[*].
النوع الثالث: الأعضاء التي في البدن منها أربعة: أشفار العينين (وهي حروف الأجفان التي يثبت عليها الشعر وهو الهدب) إذا لم تنبت، والأهداب (وهي شعور الجفون) إذا لم تنبت.
النوع الرابع: ما في البدن منه عشرة: أصابع اليدين، وأصابع الرجلين، وفي كل أصبع عشر الدية، وفي كل أنملة ثلث الدية، إلا أنملة الإبهام ففيها نصف ديتها باتفاق المذاهب الأربعة.
وأما الأسنان ففيها الدية، وفي كل سن خمس من الإبل أو خمسمائة درهم ما لم تصل إلى مقدار الدية لحديث ابن حزم: «وفي السن خمس من الإبل».
2 - عقوبة تعطيل منافع الأعضاء (أو إذهاب المعاني):
يعاقب الجاني إذا عطل منفعة عضو غيره أو أذهب معناه مع بقاء هيكله، كذهاب البصر أو السمع، أو الذوق أو الشم، أو اللمس، أو المشي أو البطش أو النطق أو العقل، أو شلل اليد أو الرجل، أو القدرة على الجماع.
والقاعدة في عقوبة هذه الجنايات هي محاولة القصاص، كلما أمكن من الناحية العملية، فإن لم يمكن القصاص وجبت الدية أو الأرش المقدر شرعاً[*].
وعلى هذا تجب الدية في: البصر، والسمع، والشم، والذوق، وإذهاب الكلام، وذهاب العقل، وذهاب الجماع.
وعند الشافعية والحنبلية: إن كل منفعة عضو مضمونة بمفردها، تكون مضمونة عند الاجتماع كما لو ذهب مشي الرجل ومنيه فعليه ديتان.
3 - عقوبة الشجاج:
الشجاج هي جراحات الرأس والوجه خاصة. وقد عددها الحنفية إحدى عشر شجة[*]، بينما قال جمهور الفقهاء غير الحنفية: إن الشجاج عشرة.
وعقوبة الشجاج إما عقوبة أصلية وهي القصاص إذا أمكن، أو عقوبة بدلية وهي الأرش.
أ - القصاص في الشجاج: اتفق الفقهاء على أن تنفيذ القصاص يتوجب كلما أمكن استيفاؤه، أما إذا لم يكن بالإمكان استيفاؤه فوجب الأرش، وعليه يجب القصاص في كل شجة يمكن فيها المماثلة. كما اتفقوا على أن في الموضحة القصاص لعموم قوله سبحانه وتعالى: {وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} [المَائدة: 45]، لأنه لا يمكن استيفاء القصاص فيها على سبيل المماثلة، إذ لها حد تنتهي إليه السكين، وهو العظم. ويعتبر قدر الموضحة بالمساحة طولاً وعرضاً في قصاصها، لا بحجم الرأس كبراً وصغراً، لأن الرأسين قد يختلفان في ذلك.
ولا خلاف في أنه لا قصاص فيما بعد أو فوق الموضحة لتعذر استيفاء القصاص فيها على وجه المماثلة أو المساواة.
ب - الأرش في الشجاج: الأرش هو التعويض المالي الواجب بالجناية على ما دون النفس، وهو نوعان:
الأرش المقدر: هو ما حدد له الشرع مقداراً مالياً معلوماً، كما في تفويت بعض منفعة الجنس فيكون الأرش نصف الدية مثل قطع يد أو رجلٍ واحدةٍ أو قلع عين أو أذن واحدة. وقد يكون الأرش ربع الدية كما في الجفن الواحد. وقد يكون نصف عشر الدية (أي خمساً من الإبل) كما في السن أو الضرس.
والأرش غير المقدر: هو حكومة العدل، أي ما لم يحدد له الشرع مقداراً معلوماً، وترك أمر تقديره إلى القاضي.
والقاعدة في حكومة العدل: أن ما لا قصاص فيه من الجنايات على ما دون النفس، وليس له أرش مقدر، ففيه الحكومة عند الحنفية[*] والشافعية[*].
ويرى أئمة المذاهب الأربعة أنه ليس في موضحة غير الرأس والوجه أرش مقدر، كما أنه ليس فيما دون الموضحة من الشجاج أرش مقدر أيضاً، بل فيه حكومة عدل، إذ ليس فيه أرش مقدر في الشرع، ولا يمكن إهداره، فوجب فيه حكومة عدل.. وأخرج عبد الرزاق في مصنَّفه عن الحسن وعمر بن عبد العزيز أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) لم يقض فيما دون الموضحة بشيء[*].
4 - عقوبة الجراح:
الجراح ما كان في سائر البدن عدا الرأس والوجه. وهي نوعان: جائفة أي التي تصل إلى الجوف من الصدر، أو البطن، أو الظهر ونحوها، وغير جائفة أي التي لا تصل إلى الجوف كالرقبة أو اليد أو الرجل.
أ - القصاص في جراح العمد:
- قال الحنفية[*]: لا قصاص في شيء من الجراح إذا لم يمت المجروح، سواء أكانت الجراحة جائفة أم غيرها، لأنه لا يمكن استيفاء القصاص فيها على وجه المماثلة. فإن مات المجروح بسبب الجراحة وجب القصاص، لأن الجراحة صارت بالسراية نفساً.
- وقال المالكية[*]: يجب القصاص في جراح العمد كلما أمكن التماثل ولم يخش منه الموت، لقوله تعالى: {وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} [المَائدة: 45]. وتكون المماثلة بأن يقيس أهل الطب والمعرفة طول الجرح وعرضه وعمقه ويشقون مقداره في الجارح.
- وقال الشافعية والحنبلية[*]: يقتص في كل جرح ينتهي إلى عظم، كالموضحة في الرأس والوجه، وجرح العضد والساعد والفخذ والساق والقدم، لأنه يمكن استيفاؤه على سبيل المماثلة من غير حيف ولا زيادة، لانتهائه إلى عظم، لأن الله سبحانه وتعالى نص على القصاص في الجروح.
وقد رأى جمهور الحنفية والمالكية والحنبلية أنه لا يجوز القصاص في الأطراف والجراح إلا بعد برء الجرح، لما روى جابر أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) «نهى أن يستفاد من الجارح حتى يبرأ المجروح»[*]. لأن الجراحات ينظر إلى مآلها، لاحتمال أن تسري إلى النفس، فيحدث القتل، فلا يعلم أنه جرح إلا بالبرء.
- وقال الشافعية[*]: إن كان القصاص في الطرف فالمستحب ألا يستوفى إلا بعد استقرار الجناية بالاندمال، أو بالسراية إلى النفس، فإن استوفي قبل الاندمال جاز.
وقد اتفق الأئمة على تأجيل القصاص لعذر كأن يؤخر القصاص في الطرف أو في النفس عن المرأة الحامل حتى تضع حملها وترضع وليدها، ويستغني عنها ولدها.
وقال المالكية: يؤخر القصاص فيما دون النفس لعذر كبرد شديد أو حرٍّ يخاف منه الموت.
ب - الأرش في جراح العمد:
- إذا تعذر تنفيذ القصاص في الجراح، لعدم إمكان تحقيق المماثلة وجب الأرش. والأرش هنا: هو الأقل من الدية. ففي الجائفة ثلث الدية لحديث عمرو بن حزم: «وفي الجائفة ثلث الدية». وفي غير الجائفة: حكومة عدل.
ج - دية جراح المرأة:
- قال الحنفية والشافعية[*]: الجناية على ما دون النفس في المرأة تقدر بحسب ديتها، وبما أن دية المرأة نصف دية الرجل، فتكون جراحها وشجاجها نصف جراح الرجل وشجاجه، إلحاقاً لجُرحها بنفسها.
- وقال المالكية والحنبلية[*]: دية جراح المرأة كدية جراح الرجل فيما دون ثلث الدية الكاملة، فإن بلغت الثلث أو زاد عليها رجعت إلى نصف دية الرجل.
ثانياً - عقوبة الجناية على ما دون النفس خطأ:
إن عقوبة الجناية على ما دون النفس خطأ، هي الدية أو الأرش[*]. والدية المقصودة هنا هي الكاملة، والأرش المقصود هنا هو الأقل من الدية. وليس هناك أية عقوبة بديلة أخرى.
ولكن الدية أو الأرش المقدر (لا حكومة العدل عند الحنفية) في حال الخطأ: كانت العاقلة هي التي تتحملهما فيما زاد عن نصف عشر الدية عند الحنفيّة، أو عن ثلث الدية ولو في الطرف أو الجرح عند المالكية والحنبلية.
وعند الشافعية: تتحمل العاقلة كل التعويض الواجب، حتى حكومة العدل قل مقدارها أو كثر.
ويلاحظ أنَّ عمدَ الصبي والمجنون عند الجمهور - غير الشافعية - هو خطأ تتحمله العاقلة[*]. والأظهر عند الشافعية أن عمد الصبي هو عمدٌ إذا كان مميزاً، وإلا فهو خطأ. لكن لا قصاص عليه في حالة العمد، وتجب الدية في ماله، ولا تتحملها عنه عاقلته[*].
amitriptylin 75 mg anmeldelsemedicin.site amitriptylin hund



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB