المعاملات والبينات والعقوبات
الطبعة : الطبعة الثانية  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   1102
تاريخ النشر :   2009




الحـاكـم والحكم على الأشياء والأفعال

الحكم على الأشياء والأفعال:
إنَّ من أهمّ الأبحاث المتعلقة بالحكم، وأولاها وألزمها بياناً، معرفَةَ مَنِ الذي يرجعُ له إصدارُ الحكم، أي مَنْ هو الحاكمُ؟ إذ على معرفتِهِ تتوقّفُ معرفةُ الحكم ونوعِهِ. والمرادُ بالحاكمِ مَنْ يملكُ إصدارَ الحكم على الأفعالِ والأشياءِ من حيث مدى تطابقها وانسجامها، أو مخالفتها وتصادمها لأنظمة الكون والحياة والإنسان.. لأن كلَّ ما في الوجود من المحسوساتِ لا يخرجُ عن كونه أفعالاً للإنسان، أو أشياءَ ليست من صُنْعِ الإنسانِ. ولمّا كَان الإنسانُ بوصفِهِ يحيا في هذا الكونِ، هو مدار الاهتمام والبحث فإنَّ إصدارَ الحكمِ كان متعلقاً به ومن أجله، ولذا لا بدَّ من الحكم على أفعال الإِنسانَ وعلى الأشياء المتعلّقة بها. فمن هو الذي له وحدَهُ أنْ يصدرَ الحكمَ على ذلكَ؟ هل هو الله - تبارك وتعالى - أم الإنسانُ نفسه؟ وبعبارةٍ أخرى هل هو الشّرعُ أم العقلُ؟ لأنّ ما يدلّنا على حكم الله تعالى هو الشرع، وما يدلّنا على حكم الإنسان هو العقلُ، فأيهما المصدرُ أو صاحب الولاية ليحكم إذاً؟
أما موضوعُ إصدارِ الحكمِ على الأفعالِ والأشياء فهو الحسنُ والقبحُ، لأنّ المقصودَ من إصدار الحكم أمران: الأول هو تعيينُ موقف الإنسان تجاه الفعلِ لناحية: هل يفعَلُهُ أم يتركه، أم يخَيّرُ بينَ تركِهِ وفعلِهِ؟ والثاني هو تعيين موقفهِ تجاهَ الأشياءِ المتعلقة بها أفعالهُ لناحية: هل يأخذُها أم يتركها، أم يخيّرُ بينَ الأخذِ والتركِ؟ وكلُّ هذا متوقفٌ على نظرِتِه للشيء: هل هو حسنٌ أم قبيحٌ، أم ليس بالحسنِ ولا بالقبيحِ؟ ولهذا كان موضوعُ الحكمِ المطلوب هو الحسن والقبح، فهل الحَكمُ بالحسن والقبح هو للشّرعِ أم للعقل إذْ لا ثالثَ لهما في إصدارِ الحكم؟.
والجوابُ على ذلك هو أنّ الحكمَ على الأفعال والأشياء إمّا أن يكونَ من ناحيةٍ معرفة واقعها وما هو هذا الواقع، أي مدى ملاءمتِها لطبع الإنسانِ وميولِه الفطريةِ أو منافرتها له، وإما من ناحية المدحِ على فعلها والذمِّ على تركِها، أي من ناحية الثّوابِ والعقابِ.
إنَّ الحكم على الأشياء يتناولها من الناحيتين التاليتين:
1 - مِنْ حيث واقعها.
2 - مِنْ حيثُ ملاءمتها لطبعِ الإنسانِ ومنافرتها له.
بينما الحكم على الأفعال لا يكون إلا من حيث الثوابُ والعقابُ أو المدحُ والذم.
فأمّا الحكمُ الأول أي الذي يتناول الأشياء من حيث واقعها، ومدى ملاءمتها للطّبع ومنافرتها له، فلا شكَّ أنَّ ذلك كلّهُ إنّما هو للإنسانِ نفسهِ أيْ هو للعقلِ لا للشّرع، فالعقلُ هو الّذي يحكمُ على الأشياء في هاتين الناحيتين، دونما حكم للشرع، لأنه لا دخلَ للشّرع فيهما. وذلك مثل: العلمُ حسنٌ والجهلُ قبيحٌ، فإنّ واقعَهما ظاهرٌ منه الكمال والنّقصُ، ومثل: إنقاذُ الغريقِ حسنٌ وتركهُ يهلكُ قبيحٌ، فإن الطّبعَ يميلُ لتحسين العلم ولإسعافِ المشرفِ على الهلاكِ ويأنف من الجهل، ومن عدم إسعاف الغريق.. فهذا وما شاكَلهُ يعودُ إلى طبعِ الإنسانِ وفطرتِهِ وهو يشعرُ به ويدركهُ، ولذلكَ كان إصدارُ الحكمِ على الأشياء من هاتين الناحيتين هو للإنسانِ أي أن الحاكم فيهما هو عقل الإنسان.
وأما الحكمُ الثاني، أي الذي يتناول الأفعال من ناحية المدح أو الذمِّ في الدنيا، والثوابِ والعقابِ عليها في الآخرة، فلا شكَّ أنَّهُ لله ـ عزَّ وجلَّ - وحدَهُ،وليس للإنسانِ، أي هو للشّرع وليس للعقلِ. وذلك كحسْنِ الإيمان وقبح الكفرِ، وحسنِ الطّاعةِ وقبحِ المعصيةِ، وحسن الصوم وقبح الإفطار، وحسن الطهارة وقبح النجاسة، وهكذا.. والسبب في ذلك يعود إلى أنَّ العقلَ لا يحكم إلاَّ بالاستناد إلى إحساسٍ وواقعٍ ومعلوماتٍ سابقةٍ ودماغٌ. فالإحساسُ جزءٌ جوهريٌّ من مقوّماتِ العقلِ. فإذا لم يحسّ الإنسانُ بالشّيء لا يمكنُ لعقلهِ أن يصدرَ حكماً عليه، لأنَّ حكم العقلِ على الأشياء مقيَّدٌ بكونِها محسوسة، ويستحيل عليه إصدارُ حكمٍ على غير المحسوسات. فكون الظّلم مما يُمدَحُ أو يُذمُّ ليس بشيء محسوس يخضع لحواس الإنسان، فلا يُترك إلى العقل ليمعن فيه إعمالاً وتفكيراً، وبالتالي فلا يمكنُ للعقل إصدار حكم عليه، وإن كان الإنسان يشعر بفطرته أنَّ مدحَ الظلم مكروهٌ، وأن ذمَّهُ مقبولٌ. وبما أن الشعور وحده لا يكفي، ولا ينفع لكي يتاح للعقل أن يحكم على الفعل أو الشيء فقد صار العقل غير قادر على أن يحكم عليهما بالحسن أو القبح، وبالتالي بالمدح أو الذم. إذ هو لا يتأتى له أصلاً إصدار مثل هذا الحكم، بل يستحيل عليه ذلك. فلا يجوزُ إذاً أن يُترك له إصدارُ هذا الحكم أي في الوقت الذي يستحيلُ عليه ذلك. كما لا يجوزُ أن يُجعلَ إصدارُ الحكم بالمدح والذمِّ لميولِ الإنسانِ الفطريّةِ، لأن هذه الميولَ تصدرُ الحكم بالمدح على ما يوافقها، وبالذّمِّ على ما يخالفها. وقد يكونُ ما يوافقها مما يذمُّ كالزِّنا واللواط والاسترقاقِ، وقد يكونُ ما يخالفها مما يمْدحُ كقتالِ الأعداء، والصّبرِ على المكارِهِ وقولِ الحقّ حتى في حالاتِ تحقّق الأذى البالغ، وهو ما يتمثل في كلمة الحق عند سلطانٍ جائرٍ التي قد تؤدي إلى الهلاك..
ولذلك كان جعلُ الحكمِ للميولِ والأهواء خطأ محضاً، ويأتي مخالفاً للواقع. فكان من غير الجائز أبداً أن يُجعلَ للإنسان إصدارُ الحكم بالمدحِ والذمّ. وعليه فالذي يصدرُ حكمَهُ بالمدحِ والذمّ هو الله سبحانُه وتعالى وذلك من خلال ما شرعه للناس، وليس من خلال رغباتهم وميولهم وأهوائهم، حتى ولا من خلال عقولهم القاصرة عن الإتيان بأحكام مثل التي أنزلها الله العليم الحكيم. ثم إنه لو تُرِك للإِنسانِ أن يحكمَ على الأفعال والأشياء بالمدح والذمِّ لاختلف الحكمُ باختلاف الأشخاصِ والأزمان. لأنه ليس في مقدورِ الإنسانِ أن يحكم عليها حكماً ثابتاً ونهائياً، غير قابل لأي تبديل أو تحويل. إذ من المشاهد المحسوس أنَّ الإِنسان يحكمُ على أشياء بأنها حسنةٌ اليومَ، ثمّ يحكمُ عليها العكس غداً. وقد يكونُ حكم على أشياء أنها قبيحةٌ، ثمّ يعودُ فيحكم عليها نفسها بأنها حسنة. وبذلك يختلف الحكمُ على الشّيء الواحِد، ولا يكونُ أبداً حكماً ثابتاً، فيحصلُ الخطأ في الحكم، ولذلك لا يجوزُ أن يُجعلَ للعقل أي للإنسان الحكمُ بالمدحِ والذمِّ، إذاً، فلا بدَّ أن يكونَ الحكمُ على أفعال العباد على الأشياء المتعلّقة بها من حيثُ المدح والذمُّ هو لله سبحانَهُ وتعالى وليس للإنسان. وحكم الله - عزَّ وجلَّ - يكون من خلال الشّرع، لا بواسطة العقل، وإن كان العقل الأداة الوحيدة لفهم شرع الله سبحانه وتعالى.
هذا من حيثُ الدّليلُ العقليّ على الحسنِ والقبحِ. أما من حيثُ الدّليلُ الشرعيُّ فإنَّ الشّرعَ التزم التحسين والتقبيح في أي أمرٍ باتّباعِ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) وذمِّ الهوى. ولذلك كان من المقطوع به شرعاً أن الحسَن ما حسّنه الشّرعُ والقبيحَ ما قبّحهُ الشّرعُ، من حيثُ الذمُّ والمدحُ. والحكمُ على الأفعال والأشياء المتعلقة بها، بالمدح والذمِّ هو لتعيينِ موقفِ الإنسان منها. فالشرع بالنّسبة للأشياء يبيّن: هل هي حلالٌ فيُجَوِّزُ له أَخْذَها، أو هي حرام فيوجب عليه تركها، ولا يتصورُ غير ذلك من حيثُ من الواقع. وبالنّسبةِ لأفعالِ الإِنسان يبين له: هل يُطلبُ منه أن يقومَ بها، أو يُطلبُ منه أن يتركها، أو يُخيّرُ بين الفعلِ والترك.. ولما كان هذا الحكم على هذا النحو لا يكون إلاَّ للشرع، لذلك يجب أن تكونَ الأحكامُ العائدة لأفعال الإِنسانِ، من حيث الحلال والحرام، والأحكامُ المتعلقة بالأشياء من حيث الحسن والقبح راجعةً للشّرع لا للعقل، أي للشرع الذي أنزله الله تعالى رحمةً للعالمين.
كمال الشريعة الإسلامية:
إن الإيمانَ بالإسلام ديناً لله تعالى، وشريعة لعباده على أنها شريعة كاملة، ليس مجرد أمانيّ أو تصورات، وإنما هو الإيمان الحق القائم على قول الله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المَائدة: 3]، وقوله تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ} [النّحل: 89] فتعبير: «تبياناً لكل شيء» يظهر التمام والإكمال والكمال، فسبحان الله على ما أنزل، وأكمل وأتم!...
وهذا الإيمان بأنَّ الشريعة الإسلامية كاملة ومتكاملة، يقتضي أن يقابله العمل الكامل بمنهج هذه الشريعة، لأن الإيمان وحده لا يكفي بل يجب أن يقترن دائماً بالعمل، وبالعمل الصالح وحده، لأن الله ـ سبحانه وتعالى - عندما يذكر المؤمنين بوصفٍ أو إخبارٍ يقول عنهم {الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [الرّعد: 29][*]، أي أنه تبارك وتعالى جعل هاتين الصفتين متلازمتين، لا تنفصل إحداهما عن الأخرى: {الَّذِينَ آمَنُوا} [الرّعد: 29] و{وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [الرّعد: 29]... للتأكيد على ما للإيمان والعمل الصالح من أثر في حياة الإنسان، وأنه لولاهما لما كان لهذه الحياة معنىً ولا مغزى.
والرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) الذي يتلقى عن ربه عزَّ وجلَّ، يزكّي نفوسنا بمعاني الآيات القرآنية التي تربط وتوثّق الصلة بين الإيمان والعمل، وذلك عندما يقول (صلى الله عليه وآله وسلّم): «ليس الإيمان بالتمنّي ولا بالتحلّي ولكن ما وقر في القلب وصدَّقه العمل»[*].
وعلى هذا بات مؤكداً أن الشريعة الإسلامية إنما يقوم كمالها على الجمع ما بين الإيمان والعمل الصالح.. وقد أحاطت بجميع الأفعال والأشياء إحاطة تامة شاملة، بحيث لا يمكن أن تطرأ مسألة أو مشكلة، أو تحدث حادثة، أو تقع واقعة إلاَّ وكان لكل منها حكم في الشريعة الإسلامية. وهذا يشمل ما مرَّ في الماضي، أو يعرض في الحاضر، أو قد يحدث في المستقبل. إنها لم تهمل شيئاً من أفعال العباد مهما كان بسيطاً إلا ولها حكمٌ بشأنه.. وهي إما تنصِّب للشيء أو للفعل دليلاً من الكتاب والسنة، وإمّا أن تضع أمارة من القرآن أو الحديث تُنبِّه المكلَّف على مقصدها منه، والباعثِ على تشريعه، بحيث يكون منطبقاً على الدليل أو الأمارة. ولذلك لا يمكن شرعاً أن يوجد فعل للعبد ليس له دليل أو أمارة لبيان حكمه، وذلك لعموم قوله تعالى: {تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ *} [النّحل: 89]. وفي الآية الكريمة بيانٌ بالنصِّ الصريح بأن الله - تبارك وتعالى - قد أكمل هذا الدين وأتمَّهُ.
فإذا زعم زاعمٌ أن بعض الوقائع خالية من الحكم الشرعي، فإنه يعني أن هناك شيئاً لم يبيّنه الكتاب والسنة، وأن هذه الشريعة لم يكمِّلها الله تعالى، بدليل وجودِ فعلٍ لم يذكر حكمه، فهي إذاً شريعة ناقصة.. باطلٌ مثل هذا الزعم، ومعارضٌ لنص القرآن الكريم. فلو وُجدت أحاديث عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) بهذا المعنى، أي أنَّ هناك أفعالاً للعباد لم تأتِ الشريعة بحكمٍ لها - وهذا أمر مستبعد على الإطلاق، وهو مجرد فرض لا غير - نقول حتى لو فرض ووجدت مثل تلك الأحاديث فإنها تُردُّ درايةً، ويحكم بأنها مختلقة ومدسوسة، لأن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) لا ينطق عن الهوى، ولأن أحاديث من هذا القبيل تتعارض مع النص القرآني. وأي خبر آحاد الكتابَ أو السنّة يُردُّ دراية. ولهذا لا يحق لمسلم بعد التبصّر والتفقّه في الآيتين[*] اللتين تدلان على كمال الشريعة الإسلامية أن يظن بوجود واقعة واحدة من أفعال الإنسان لم يبين الشرع لها محل حكم ولا بوجه من الوجوه. أما إذا قصَّر العقل عن إدراك الدليل أو الأمارة، أو لم يستطع تبيانهما فهذا ليس قصوراً في الشريعة، وإنما هو إهمال الإنسان أو عدم جدِّيته بالبحث والتنقيب، أو عدم اهتدائه إلى الحكم، حيث يكون غير قادر بعد لإدراك حقائق الإسلام والوقوف على مقاصده، وبالتالي عدم قدرته على الغوص في معاني الكتاب والسنة لاستنباط الحكم الشرعي المقتضى.
وانطلاقاً من كمال الشريعة الإسلامية وجب أن يكون نظام الحكم في الإسلام هو النظام الأمثل والأكمل، فما هي المفاهيم والقواعد التي يقوم عليها هذا النظام؟
نظام الحكم في الإسلام:
قال الله تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ} [آل عِمرَان: 19].
والدين الذي ارتضاه الخالق العظيم لعباده وجب أن يكون الدينَ الحق، ومنهجُه منهجَ الحق. والحق أصيل في بناء هذا الوجود، لأن المولى عزّ وجلَّ هو الحق، ومن وجوده - عزَّ شأنه وعلا - يستمد كل موجود وجوده..
والقرآن الكريم هو الذي يهدي إلى تلك الحقائق الأزلية، الثابتة والمطلقة وذلك في قوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ *} [الحَجّ: 62]. ثم إن هذا الكون قد خُلقَ بالحق، فلا يتلبس بخلقه الباطل: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ} [إبراهيم: 19]. فالحق قوام الوجود كله، فإذا حادَ عنه فسد وهلك.
ومن الحق تأتي كلُّ المعاني والقيم والتصورات والأفكار والمشاعر التي تهدف إلى صلاح الأرض، وهداية الإنسان. ولذلك كانت الحياةُ الإنسانية قائمة على منهج الحق، على هذا المنهج الإلهي الذي يحتوي على التصور الشامل الكامل للوجود، ولغاية الوجود، والوجود الإنساني بالذات..
وهذه المعاني والحقائق والمفاهيم التي جاء بها الإسلام إنما هي من الأسس الثابتة التي تبنى عليها العقيدة الإسلامية، باعتبارها العقيدة الحق التي ارتضاها رب العالمين ديناً، ومبدأ، ومنهجَ حياةٍ للناس كافة. فكان على الأمة الإسلامية التي تعتنق هذه العقيدة، وتؤمن بهذا المبدأ أن تسير على المنهج الإلهي، وأن تتولى قيادة البشرية، وترتفع بها إلى المستوى الذي يليق بخلق الإنسان وكرامته، حتى تتمتع البشرية بأعظم نعمة وأجلّها في وجودها الدنيوي.. وإلاَّ فقدت البشرية كلَّ نجاح وفلاح حين تُحرَم من تلك النعمة، أو حين يُحال بينها وبين ما أراده لها ربُّها الكريم من الرفعة، والصلاح، والسعادة والكمال.. ولذلك كان من حق البشرية أن تُبلَّغ إليها العقيدةُ الإسلامية، وأن تُدعى إلى تطبيق المنهج الإلهي الكامل، ثم يترك للناس الخيارُ في قبولِ الإسلام: عقيدةً ونظاماً، والسير على منهج الله تعالى القويم فيكون لهم الفوز في الدنيا والآخرة.. أو في اعتناق عقائد أخرى، هي من صنع البشر، وتتعارض في كثيرٍ من أمورها مع سنن الله تعالى في خلقه البشري، ولا تحفل بما أراده ربُّ العالمين، مما يؤدي بهؤلاء الناس إلى الوقوع في الخسران المبين.. فكان على المسلمين أن يبيّنوا للناس جميعاً نظام الحكم في الإسلام حتى يعرفوه، وحتى يعملوا على اتباعه.
ونظام الحكم في الإسلام، وإن كان معروفاً بأنه نظام دولة، لكنه لا بد أن يُعلم أيضاً أنه نظام خاص لدولة خاصة. ومعرفته لا بد أن تكون على هذا الوجه حتى يجري تطبيقه على هذا الأساس. وهذا النظام في الحكم الإسلامي إنما يختلف عن أنظمة الحكم الأخرى بأن سلطة التشريع فيه تستمد وجودها من الشرع وأحكام الله تعالى، بينما سلطة التشريع في الأنظمة الديموقراطية تكون مستمدة من الشعب، شأنها في ذلك شأن سائر السلطات الأخرى في الدول الحديثة حيث توجد ثلاث سلطات:
السلطات التشريعة: وهي التي تتمثل في نواب ينتخبهم الشعب ويمارسون هذه السلطة من خلال إصدار القوانين والتشريعات العامة في البلاد.
السلطة الإجرائية: وهي تتألف من رئيس الجمهورية والوزراء ـ في معظم الأنظمة الديموقراطية - ويناط بها أمر تنفيذ القوانين التي تصدر عن السلطة التشريعية، ووضع الأنظمة اللازمة، كي تقوم بمختلف وظائف الدولة ونشاطاتها عبر المؤسسات العامة، وسائر الأجهزة الإدارية والفنية والعسكرية التي تخضع لها وتنفذ أوامرها وتعليماتها.
السلطة القضائية: وهي التي تتولى إحقاق الحق، ونصب موازين العدل لأجل الفصل في المنازعات والخصومات، والحكم بموجب ما تخوّلها به صلاحياتها القانونية في القضاء.
وهذه السلطات تستمد وجودها واختصاصاتها من دستور البلاد وسائر القوانين والأنظمة الأخرى المرعية الأجراء. ويبقى الدستور هو المعوَّل عليه، في كل شيء، باعتباره القانون الأساسي والذي يسمو على سائر القوانين الأخرى. ولذلك حظي الدستور باهتمام العلماء والباحثين القانونيين، فانكبوا على دراسة مصادره وعلى بيان حقيقته وماهيته. وقد أعطاه الفقهاء تعاريف شتى، واعتبروه بأنه القانون الأساسي الذي يحدد شكل الدولة، وشكل الحكم، وعدد السلطات واختصاصاتها وحقوق الأفراد وواجباتهم، بالإضافة إلى القواعد والأحكام التي تتناول الشؤون العامة في البلاد.
وعلى الرغم مما يراه بعض الفقهاء من أن تحديد مصادر الدستور هو من أصعب الأمور التي تواجه الباحثين، إلاَّ أن هناك شبه إجماع على أن للدستور مصادر عديدة، ومنها:
- المصدر التشريعي الذي يعتبر المنبع، وعنه يتفرع القانون الأساسي وسائر القوانين الأخرى. ويشتمل هذا المنبع على العُرف والعادة والدين وآراء الفقهاء، واجتهادات المحاكم وقواعد العدل والإنصاف.
- المصدر العيني أو الواقعي وهو الذي يأخذ بعين الاعتبار أوضاع المجتمع وحاجاته الأساسية، وكل ما يحتاج لحفظه وصيانته، فيصاغ على شكل مبادئ وأحكام وقواعد تنظم الدولة والمجتمع، ويخضع الأفراد لقوتها الإلزامية التي تعبّر عن مصالحهم.
- المصدر التاريخي وهو عبارة عن القواعد والمعاني والأفكار التي تُستوحى من دساتير بلدان أخرى، وُضعت عَبْرَ تاريخها الطويل، بحيث تعود وتترجم نصوصاً وأحكاماً بما يتلاءم مع أوضاع البلد الذي يأخذها، وتعتبر مصدراً إضافياً للدستور.
ويتولى وضع الدستور عادة هيئة تسمى الجمعية التأسيسية، أو أية هيئة أخرى تكلف بذلك، ويجري تصديقه وإقراره من قبل المراجع المختصة أي السلطة التشريعية، والملك، أو رئيس الدولة الخ... هذا في أنظمة الحكم الحديثة التي تقوم على مفاهيم الديموقراطية والحرية، أو على مفاهيم الديموقراطية الجماعية، وما إلى ذلك من النظريات التي جعلوها أساساً للحكم والسلطان.
أما في نظام الحكم في الإسلام فالأمر ليس على غِرار ما هو معمول به في الأنظمة الديموقراطية. وأول مظاهر الاختلاف تكمن في أنَّ مصدر الدستور وسائر القوانين الأخرى في النظام الإسلامي يعود إلى الكتاب والسنة. وهذه قاعدة أصيلة في المفهوم الإسلامي لا يمكن أن تحول أو تزول، أي أن مصدر التشريع مستمد من كتاب الله وسنة رسوله.. ولكن هذا الأمر غير واضح في أذهان المسلمين، لأنهم لا يفرِّقون بين مصدر الدستور وبين منشأ الدستور.. فالقرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة هما مصدر الحكم في الإسلام. أما منشأ الحكم فهو الاجتهاد الذي يعني استنباط الأحكام الشرعية من قبل أهل العلم والفكر والرأي الذين يبلغون مرتبة الاجتهاد. وهذا الاجتهاد القائم على استنباط الأحكام الشرعية، هو حق لجميع المسلمين القادرين عليه، بل هو فرض عليهم، ولكنه فرض كفاية، إذا قام به البعض سقط عن الكل، وعلى شرط ألاَّ يخلو عصرٌ من مجتهد، وإلاَّ أثم المسلمون جميعاً...
وعلى هذا فإن القرآن ليس دستورَ المسلمين كما يشاع ويتردَّدُ على ألسنة الناس. وإن كان ظنهم بذلك هو عن حسن نيةٍ والحمد لله، إلاَّ أن تفكيرهم بذلك إنما مرده إلى عدم التمييز أو التفريق بين مصادر التشريع الإسلامي ومنشأ هذا التشريع، كما قلنا وأكدنا، ولذلك كان من الخطأ الواضح القول بذلك، لأن الدستور الوضعي في أنظمة الحكم هو عبارة عن قانونٍ قابل للتغيير والتبديل والتعديل، بينما مصدر أو ينبوع الدستور الإسلامي، وسائر القوانين والتشريعات الأخرى التي تبنى عليه، هو القرآن الكريم الذي لا يتغير ولا يتبدَّل أبداً، والسنة النبوية الشريفة. وعليه لو قلنا إن القرآن هو دستورنا الإسلامي نكون قد حكمنا بأن القرآن قابل للتغيير والتبديل، كما الحال بالنسبة إلى الدساتير، وهذا - والعياذ بالله الحكيم الخبير - خطأٌ فادح وخطير لا يرتضي أحد من المسلمين لنفسه الوقوع فيه.. ففي أساس معتقداتنا، وصدق إيماننا - والحمد لله - أن القرآن هو كتاب الله المبين، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو تنزيل من لدن العزيز الحكيم، يبقى أبدَ الدهر، محفوظاً بأمر ربِّه من عبث العابثين، ودسّ المفسدين، وحفظُه دائمٌ إلى ما يشاء الله تعالى، لقوله عزَّ وجلَّ: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ *} [الحِجر: 9].
لذلك يجب أن يفهم بوضوح أن دستورنا وتشريعاتنا إنما هي مرتكزة على الكتاب والسنة والاجتهاد. كما يجب أن يفهم، وبكل تأكيد، أننا نحن المسلمين إنما نعايش، في ظل أنظمة متنوعة للحكم، واقعاً مغايراً لنظامنا الإسلامي، فمن الضروري أن نتغلب على ما ألفناه من أنواع الحكم هذه، وأن نرتفع عن واقعنا السيئ وعن جميع أنظمة الحكم الموجودة في العالم، وأن لا نحاول أن نشابه أو نوازن بين نظام الحكم الإسلامي المتميز، وبين أنظمة الحكم الأخرى، لأن علينا أن نعالج مشاكل العصر بنظام الإسلام، فهو وحده الصالح لكل عصر ومصر، ولكل مكانٍ وزمان. ولا نريد أن نعالج نظام الحكم في الإسلام على حسب مشاكل العصر، لأننا في هذه الحال لا يمكننا أن نستأنف الحياة الإسلامية ونعيشها، كما عاشها أسلافنا في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم)، عندما أقام دولة الإسلام حقّاً وفعلاً، وطبَّق نظاماً كاملاً في الحكم، بحسب الأسس والقواعد التي بُني عليها هذا النظام وفقاً لشرع الله تعالى.
ومن خلال أحكام القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، يمكن أن نتبين أن هنالك أربع قواعد رئيسية لتطبيق نظام الحكم في الإسلام، وهذه القواعد هي:
1 - السيادة للشرع.
2 - السلطان للأمة.
3 - وجود خليفة واحد «فرض على المسلمين».
4 - تبني إقامة الأحكام الشرعية حق للخليفة وحده، ويكون الحكم مركزياً والإدارة لا مركزية.
وسوف نوضِّح ماهية كل من هذه القواعد وفقاً لما يلي..
القاعدة الأولى: السيادة للشرع:
قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَومِ الآخِرِ} [النِّسَاء: 59]. والمراد بالتنازع في الآية الكريمة هو تنازع الأمة مع أولي الأمر، أو تنازع الأفراد أو الجماعات فيما بينهم. ومعنى رده إلى الله والرسول هو رده إلى حكم الله تعالى، ورسوله الكريم، أي إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله الكريم. فإنَّ جميع ما يصدر من تشريعات في نظام الحكم الإسلامي يكون مرتكزاً على أوامر الله تعالى ونواهيه في الكتاب، وعلى سنة رسوله الكريم من قولٍ أو فعل أو إقرار، ثم يأتي بعدهما الاجتهاد الذي يستقي الدليل من الكتاب والسنة.. فما من عمل يقوم به الإنسان تجاه نفسه وتجاه الآخرين، أو تقوم به الجماعة في نطاق مصالحها العامة، وما من قانون يُسنُّ أو نظام يصدر إلاَّ ويجب أن تكون جميعها مبنيةً على شرع رب العالمين، الذي أنزله على عباده خيراً ورحمة بهم في الدنيا والآخرة.وباطلٌ كلُّ ما يشرِّع أهل الأرض ما لم يكن منبثقاً عن شرع الله تعالى.. فالاختصاص التشريعي في الإسلام إذاً هو لله تعالى ولرسوله الكريم وذلك تصديقاً لقوله عزَّ وجلَّ: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزَاب: 36] وقوله عزَّ وعلا: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا *} [النِّسَاء: 65].
ولمَّا كان التشريع من عند الله سبحانه وتعالى، فقد صار لزاماً أن تكون الحاكمية المطلقة له عزَّ وجلَّ، وأن يحكم الإنسان وفقاً لأوامره تعالى ونواهيه، كما بيّنها الكتاب والسنة، وأن يجعل نظام الحكم الذي يختاره قائماً على حكم الله وحده، كما تبيّن ذلك الآية القرآنية الكريمة، بقوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ} [المَائدة: 48]. مما لا يحتاج الأمرُ بعدُ إلى تبيانٍ أو دليل!... لقد أنزل الله تعالى الكتاب (القرآن) بالحق، وفيه قواعد الحكم وأسسه، ومنهاجه وأحكامه، وهو مصدق لما أنزل الله عزَّ وعلا الكتب السماوية من قبل، وفيه زيادة عنها وإكمال لها بما يتوافق مع النضوج الفكري للإنسان في آخر مراحلة، مما يجعل على أهل الكتاب، من يهود ونصارى، واجب الحكم بما أنزل الله تعالى، لأنه هو الحق.. فضلاً عن المسلمين الذين فُرِضَ عليهم إقامة حكم الله العزيز الحكيم في دنيا الأرض..
ثم يؤكد القرآنُ الكريم هذا الأمر بآيات أخرى وذلك بقوله تعالى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ} [الأنعَام: 57]، وقوله تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ *} [المَائدة: 50].
ولو أخذنا التاريخ الإسلامي شاهداً ودليلاً، لوجدنا أن رسول الإسلام، سيدنا محمداً (صلى الله عليه وآله وسلّم) لمَّا أقام نظام على أوامر الله تعالى ونواهيه، استطاع المسلمون أن ينتقلوا من الضعف إلى القوة، وأن يكونوا أعزَّاء في ديارهم، رحماء فيما بينهم، كما أمكنهم أن يقيموا الحق والعدل، أن ينشروا الخير والصلاح في كل موقع وطأته أقدامهم، ولذلك كان المجتمع الإسلامي يؤمئذٍ مثالاً للمجتمعات البشرية.
نعم لقد قامت الدولة الإسلامية على شرع الله تعالى وحكمت بطاعة الله ورسوله، فعرفت الأرض، في تلك البقعة التي قامت عليها الدولة أمثل تطبيق للمنهج الإلهي، وكان حكم الإسلام أروع صورة لكل حكم وأكمله.
ولذلك كانت الأمة الإسلامية خير أمة أخرجت للناس، فأبناؤها - والمؤمنون خاصة - يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويقيمون الصلاة، ويؤمنون بالله العزيز الحكيم، ويدعون إلى الصلاح، ويسارعون في الخيرات، ويقيمون العدل، ويحققون المساواة، ويهدون للتي هي أقوم... وقد استمر المسلمون على تلك الحياة الرفيعة، من بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم)، في عهد الخلفاء الراشدين (رضوان الله تعالى عليهم)... حتى بدأت مطالب الدنيا، ومصالح الأشخاص تطغى على النفوس، فبدأت معها عوامل الضعف تظهر في الدولة الإسلامية، حتى انتهى الأمر بالمسلمين إلى ما هم عليه اليوم.
ونحن نتلمَّس تلك الحقائق من تاريخنا المشرق الوضَّاء لنرى كيف كنا في الأوج يوم كنا نطبق شرع الله تعالى، ونجعل السيادة لهذا الشرع وحده، أي يوم حكمنا بطاعة الله وطاعة رسوله وأولي الأمر منا، ويوم أن كانت العناية الإلهية تأخذ بيدنا لنحافظ على الإسلام، ونتمسك به: عقيدةً، ومبدأً ونظاماً.
وعلى هذا فإن أول قاعدة ينبغي أن نعمل بها، إن أردنا تطبيق نظام الحكم في الإسلام، أن نجعل السيادة للشرع، وللشرع وحده..
القاعدة الثانية: السلطان للأمة:
إن تنفيذ أحكام الله تبارك وتعالى، وتطبيق الإسلام بصورة كاملة، هو تكليف عام يقع على عاتق جميع المسلمين. وإنه ليتعذر على الفرد وحده، أو على عدد قليل من الأفراد وحدهم القيام بأعباء هذا التكليف. أجل، على الفرد أداء بعض الفرائض والأحكام كالحج، والصوم، والصلاة والزكاة المأمور بها إطاعةً لقوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} [آل عِمرَان: 97] وقوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} [البَقَرَة: 183] وقوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ *} [البَقَرَة: 36] وقوله تعالى: {وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البَقَرَة: 43] فيؤدي كل مسلم تلك الفرائض إما بصورة فردية كقيامه بالصلاة أو الصوم مع أفراد عائلته في منزله، وإما بصورة جماعية كصلاة الجماعة في المسجد، أو أداء الحج؛ ولكنه ييقى عاجزاً عن أن يطبق بصورة إفرادية جميع الأحكام الشرعية. فهو مثلاً غير قادر على أن يقيم حدَّ الزِّنا من تلقائه، ما لم تطبق الأصول المفروضة له، كإعطاء الأمر من الحاكم، ومن ثم مشاركة جماعة من المسلمين في التنفيذ، امتثالاً لقوله عز وجل: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأَفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ *} [النُّور: 2] والأمة هي المسؤولة في الأصل عن تطبيق الإسلام كاملاً، ومن هنا كان القول إن «السلطان للأمة» إلاَّ أنه يستحيل أن يمارس جميع أفراد الأمة مثل هذا التطبيق بصورة مباشرة، فكان على الأمة أن تختار ممثلين عنها، تنيبهم في ممارسة كافة السلطات والاختصاصات العامة، ويكون اختيارهم على أساس الجدارة والكفاءة والاستحقاق، يقول الله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} [النُّور: 55]، أي أن أصل الحكم لله تعالى ولكنَّه يستخلف الذين آمنوا وعملوا الصالحات في الأرض للقيام بشؤون هذا الاستخلاف، أي بشؤون الحكم، وعلى أنْ يزوّدهم بالسلطة اللازمة لقوله تعالى: {وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ} [الأعرَاف: 10] أي جعلنا لكم فيها السلطان، أو السلطة للحكم. فهذا هو مضمون القاعدة الثانية التي يقوم عليها نظام الحكم في الأرض، أي أن الله سبحانه وتعالى قد استخلف فئة معينة من الناس، فجعلهم خلفاءَ يقومون بأحكام أوامره ونواهيه، على أنّ يتحلّى هؤلاء بالإيمان والعمل الصالح (على ما يمثلان من الأمور المعنوية والمادية كافة) في تطبيق حكمه (عزَّ وعلا) وسياسة الناس وفقاً لمضامين هذا الحكم، كما بيّنها الإسلام في أجلِّ صورها وأبعادها ومراميها..
ذلك أن الإسلام ليس ديناً لاهوتياً من الناحية البحتة المتزمتة، بل على العكس هو يحارب الاستبداد الديني والتعصب الطائفي، ويترك للإنسان مجالاً واسعاً لاختيار العقيدة الدينية الصالحة لقوام حياتِهِ، عملاً بإحدى قواعد الإسلام الأصيلة «لا إكراه في الدين».. وبذلك لا يوجد في الإسلام جماعة تتمتع بامتيازات معينة يطلق عليها اسم «رجال الدين»، بينما يعتبر سائر المسلمين أدنى مرتبة من تلك الجماعة.. كلا، ليس في الإسلام شيء من ذلك، لأن جميع الذين يعتنقون هذا الدين هم سواسية في الحقوق والواجبات، ولكنهم يتمايزون عن بعضهم بدرجة الإيمان والتقوى، وبالعمل الصالح الذي يخدم أنفسهم، ويخدم مجتمعهم، ويخدم أمتهم، ويخدم دينهم على قاعدة طاعة الله وطاعة الرسول. ولذلك فإن الإسلام إذ يأمر بتطبيق المنهج الإلهي، النابع من وحدة العقيدة والمبدأ، يجعل الأمة هي المسؤولة عن تنفيذ شرع الله تعالى، امتثالاً لقوله عز وجل: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ} [النِّسَاء: 59].
ومن البديهي أن طاعة الله - عزَّ وجلَّ - وطاعة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) هي الالتزام بما شرعه المولى العلي الكبير، وما جاءت به السنة النبوية الشريفة. أما طاعة أولي الأمر فهي امتدادٌ لطاعةِ الله والرسول، ما دام هؤلاء يرعون شؤون الناس ويديرونها وذلك من خلال العمل بأوامر الله تعالى ونواهيه، وبالسنة النبوية، أي بتطبيق الشرع الإسلامي وفقاً للكتاب والسنة.
ورعاية شؤون الناس أمر لا بد أن تقوم به فئة أو جماعة معينة من المسلمين حتى لا يكون للناس حجة على الله (عزَّ وجلّ) وحتى يوجدَ دائماً من يعرف كيف يطبق الأحكام الشرعية، ليظل حكم الله العزيز الحكيم قائماً في دنيا الأرض من خلال هذه الفئة المسلمة التي تمارس الإسلام حقاً وحقيقة.
وعلى هذا فإن نظام الحكم في الإسلام يتميز عن سائر أنظمة أهل الأرض الأخرى، بكون مصادر التشريع فيه هي الكتاب والسنة وبأن الحاكمية المطلقة هي لله تعالى. وقد استخلف - سبحانه وتعالى ـ المؤمنين الذين يُناطُ بهم الأمر لإقامة قواعد الحكم وتطبيقه. فكان بذلك الحكم لله وحده، والأمة هي التي تتقبل الحكم ويقع على عاتقها التطبيق، ولكنها تبايع من يمارس هذا الحكم باسمها..
وهذا كله بخلاف نظريات الغرب حيث يقوم نظام الحكم فيه على قاعدة السيادة للأمة، والأمة مصدر السلطات، وهما الأساس لكل المفاهيمِ ولكل الأنظمة الديموقراطية، التي حكم الغرب بموجبها. فلما احتلَّ العالمَ الإسلاميَّ حكمَهُ، وما زال يَحكمُهُ بنظرياته وأنظمته، التي تعتبر قطعاً، وجميعها دون استثناء، بعيدة عن حكم الله تعالى... وقد ظهرت تلك النظريات مثل السيادة للأمة، والأمة مصدر السلطات والسيادة للشعب، وغيرها في أوروبا بعد الصراع الدامي الذي اجتاحها في القرون الوسطى، واستمرَّ من جراء عدم وجود القواعد والأسس الثابتة المستقاة من المنهج الإلهي (على الرغم من زعمهم أنهم حكموا بالتوراة والإنجيل) وذلك ظلَّ قائماً لعدة قرون لاقت أوروبا خلالها الويلات والنكبات..
ذلك أن أوروبا كان يحكمها ملوك، أقاموا حكمهم بشكل استبدادي وتعسفي على نظريّة الحقِّ الإِلهيّ، وهي أن للملكِ حقّاً إلهيّاً على الشّعب وهو يستمد سلطته مباشرة من الله - عزَّ وجلَّ - وله السلطان وحده، وبيده كافة السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية. أما الشعبُ فهو رعيّةُ الملكِ، ولا حقَّ له لا في التشريعِ ولا في السلطةِ ولا في القضاء. والناسُ ينظرِ الملكِ عبيدٌ لا رأيَ لهم ولا إرادةَ وإنما عليهم التنفيذُ والطّاعة، ولذلك استبدَّ أولئك الملوكُ بالشعوبِ أيّما استبداد. فضجَّ الناسُ في كلّ مكانٍ وقامتِ الثوراتُ، ولكنّ الملوكَ كانوا يخمدونها بالقوة ولكن إلى فترات من الزمن فقط. حتى هبت شعوب أوروبا تطلب بإصرار وعناد التخلص من ظلم الملوك وجورهم. وقد ساهم العلماءُ والمفكرون مساهمة فعّالة في إعداد النفوس للثورة حتى وصلت الحالة إلى قلب أنظمة الحكم. وبرزت في تلك الأثناء نظريات متعددة للقضاءِ على الحقِّ الإِلهيّ الذي يدّعيه الملوكُ، وكان من أهمّها النظريتان اللتان هما موضوعُ هذا البحث: «السيادةُ للأمّةِ والأمةُ مصدرُ السلطات». ورأى المفكرون وأصحاب الرأي عندهم أنه لا بد من إلغاء الحقِّ الإلهيّ المزعوم إلغاءً تامّاً، وجعلِ التّشريعِ والسّلطةِ للشعب أو للأمّة. فصار البحثُ في كون الشعب هو صاحب السيادة، وليس عبداً للملوك وأهوائهم، وأنّه هو الذي يختارُ الحاكمَ الذي يريدُ. فنشأت هاتان النظريتان، واستقر مفهومهما في النفوس، ووجد من جرائهما النظام البرلماني الديمقراطي كتطبيق عملي للنظريات الفلسفية والسياسية والاجتماعية التي ظهرت، ولا سيما في انكلترا وفرنسا، التي كانت تنادي بالحدّ من سلطان الملوك، ووضع القوانين والتشريعات التي تقرر حقوق الأفراد وصيانتها..
أما نظريّة السيادةِ فقد قالوا إنّ الفردَ يملكُ الإِرادةَ ويملكُ التنفيذَ، فإذا سُلبتْ إرادتهُ وصارَ تسييرُها بيدِ غيرِه كان عبداً، وإذا سَيَّر إرادتَهُ بنفسهِ كان سيّداً. والشعبُ يجب أن يسيّرَ إرادتَهُ بنفسه لأنه ليس عبداً للملكِ بل هو حرٌّ. وما دام الشعبُ هو السيّد، ولا سيادةَ لأحدٍ عليه، فهو الذي يملكُ التشريع وهو الذي يملكُ التنفيذ. فنادوا بحكم الشعب، ورفعوا شعار حكم الشعب ومن الشعب وإلى الشعب.
فالعبوديّةُ تعني أن يُسيَّر بإرادةِ غيرِه. ولتحرير الشعب من العبوديّةِ لا بدّ أن يكونَ له وحدَه حقُّ تسييرِ إرادتِهِ: فيكون له الحقُّ أن يسنَّ القانونَ الذي يريد، وأن يُلغيَ أو يُبطلَ التشريعَ الذي يريد.
وقد شبت نيرانُ ثوراتِ التحرير ونجحت، وأُزيلَ الملوكُ وزالَ معهم الحقُّ الإِلهيُّ الذي كانوا يدّعونَهُ، ووُضِعت نظريّةُ «السيادةُ للأمّةِ» موضعَ التّطبيق، وصارَ الشّعبُ هو الذي يشرّع. ثم وجدت المجالسُ النيابيةُ لتنوبَ عن الأمةِ بمباشرة السيّادة. ولذلك تسمعُهم يقولون: مجلسُ النوابِ سيد نفسِهِ لأنه يمثّلُ الشعبَ، وأنَّ السيادة للشّعبِ.
والسّيادةُ تعني تسييرَ الإِرادةِ وتنفيذَها. إلاَّ أنّ الشعبَ إذا استطاع أن يباشرَ السيادةَ بإيجادِ وكلاء عنه لمباشرةِ التّشريع، فإنّه لا يستطيعُ أن يباشرَ السلطةَ بنفسهِ، لذلكَ لا بدَّ أن يُنيبَ عنه من يباشرُ السّلطةَ فأوكلَ أمرُ التنفيذ لغيرِ الشعب، على أن يقومَ الشعبُ بإنابتهِ عنه، فَوُجدت من ذلكَ نظريةُ: الأمةُ مصدرُ السلطات. أي أنها هي التي تُنيب عنها من يتولى السلطةَ فيها، أي من يتولّى التنفيذَ، والفرقُ بين السّيادةِ والسلطةِ، هو أنَّ السّيادةَ تشمَلُ الإِرادةَ والتنفيذَ، أي تشمَلُ تسييرَ الإِرادةِ وتشمَلُ القيامَ بالتنفيذ، بخلافِ السلطةِ فإنها خاصّةٌ بالتنفيذِ ولا تشمَلُ الإِرادة. ولذلك كان التّشريعُ للأمّةِ بواسطةِ نوّابٍ عنها، ومن هنا لا يقالُ إنّ الأمةَ مصدرُ التشريع. بل يُقالُ إن التشريعَ للأمّةِ وهي التي تباشره بنفسِها. أمّا السّلطةُ فإنَّ الأمّةَ لا تستطيعُ مباشرتها بنفسِها لتعذُّرِ ذلك عمليّاً فكان لا بد أن تعطيَ التنفيذ لغيرِها ليباشرَهُ نيابةً عنها. ومن هنا لم تكنِ السّلطةُ للأمّةِ بل يباشرُها الحاكمُ والقاضي بتفويضٍ منها وإنابةٍ عنها. وكانت هي المصدرَ الأساسيَّ للسلطة.
وهذا كلّه بخلاف الحكم الإسلاميّ الذي هو حكم الله، ومن الله وإلى الناس كافة. أي أن الفارق الجوهري هو أن الشارع الأعظم، في الإسلام، هو الله والأمة تنفذ شرع الله، بينما الناس، في الغرب، هم الذين يشرّعون وينفذون، وفقاً للقواعد الوضعية التي يشنُّونها..
وهذا الواقع للأمّةِ في الغرب من حيثُ كونها سيدة نفسِها يخالفُ واقعَ الأمّةِ الإِسلاميّةِ. فالأمّةُ الإِسلاميّةُ مأمورةٌ بتسييرِ جميعِ أعمالها بأحكام الشرّع. فالمسلمُ عبدٌ لله تعالى، فلا يملك أَن يُسيِّر إرادتَهُ، ولا أن ينفِّذَ ما يريدُ، وإنما تُسيَّرُ إرادتُهُ بأوامرِ الله تعالى ونواهيهِ، وعلى العبد التنفيذ. ولذلك فالسيادةُ في الإِسلام ليستْ للأمّةِ وإنما هي للشّرع، أما التنفيذُ، أي السلطانُ فهو للأمة. ولما كانت الأمّةُ لا تستطيعُ مباشرةَ السّلطانِ بنفسها كانَ لا بدّ لها أن تنيب عنها من يباشر هذا السلطان، وقد عيّن الشّرعُ كيفيّةَ مباشرتِها له بنظامِ الخلافةِ.
القاعدة الثالثة: وجود خليفة واحد واجب على المسلمين:
إن وجود خليفة واحد هو فرض على المسلمين، وبالتالي فهو واجب شرعي على الأمة الإسلامية، لأن الخليفة هو الذي ينوب عن الأمة في الحكم، وهو الذي يكون «رئيس الدولة» في نظام الحكم الإسلامي. بمعنى أن الرئيس الذي تختاره الأمة ليتولى شؤونها الدينية والدنيوية هو الذي يكون خليفة، ويحكم بما أنزل الله تعالى.
ومن هنا كان الاهتمام عظيماً لدى المسلمين بهذا المنصب الرفيع، إذ يقع على عاتق الخليفة تطبيق أحكام الشرع، ونشر الدعوة الإسلامية في العالم، وتولي شؤون الأمة وإدارة مصالحها بمعاونة أجهزة الحكم الأخرى. ومن هنا أيضاً كانت الخلافة عامة، ينضوي تحت لوائها جميع المسلمين، حتى ولو عاشوا في مجتمعات عديدة، وكانوا ينتمون إلى شعوب وقبائل متفرقة.. فلا دول متعددة في الإسلام، بل دولة واحدة، وعلى فرض وجود دول إسلامية عديدة، فإن هذه الدول لا يسعها إلاَّ تطبيق نظام واحد وهو نظام الحكم في الإسلام وقواعده واحدة، وأسسه واحدة، فلا اختلاف بين نظام دولة وأخرى، ولا تباعد بين مفاهيم دولة وأخرى. ولذلك فإن تلك الدول - إن وجدت - فهي خاضعة لنفس الحاكم الذي هو خليفة المسلمين كافة.
ونحن لا نقول هذا إلاَّ تطبيقاً للإسلام. وقد وردت في القرآن والحديث نصوص كثيرة دالة على الاستخلاف، وعلى وجوب طاعة أولي الأمر الذين يتولون هذا الاستخلاف كما ذكرنا سابقاً. وقد قال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم): «من أطاعني فقد أطاع الله تعالى، ومن عصاني فقد عصى الله تعالى، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعصِ الأمير فقد عصاني»[*].
والأمير في عهد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) كان ينوب عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) في حكم الإمارة المولَّى عليها، ولذلك كان يعتبر نائباً عن ولي الأمر. وكذلك الأمر فإن الخليفة كان وليَّ الأمر على المسلمين، ونوابه في الولايات ينفذون أوامره وطاعته. وبذلك يكون ولي الأمر في الأصل هو الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) ومن بعده الخليفة. ووليُّ الأمر، وفقاً للآية الكريمة والحديث الشريف هو رئيس الدولة الإسلامية، الذي يجب أن يكون خليفة، مبايعاً من الأمة بأسرها في مشارق الأرض ومغاربها. ومبايعته لا تكون أولاً وآخراً إلا لتطبيق الشرع ورعاية شؤون المسلمين، فالرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) قال: «من مات وليس في عنقه بيعة فقد مات ميتة جاهلية»[*].
وقد أطلق فقهاء المسلمين على الخليفة بعض التسميات مثل الإمام، أو الحاكم، أو رئيس الدولة، وكلها ولا شك تعني المسؤول الأعلى في النظام الإسلامي الذي تكون له الولاية العامة في أمور الدين والدنيا معاً.
كما عرفوا الخلافة تعاريف عديدة، ولكنها أيضاً تتقارب في المعاني.. فقال التفتازاني: «الخلافة هي رئاسة عامة في أمور الدين والدنيا خلافة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم)»[*].
وقال الماوردي: «الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا»[*].
وهذ الخلافة هي أهم مقومات نظام الحكم في الإسلام.
فمن ناحية المبدأ الإسلامي الخلافة هي رئاسة عامة في أمور الدين والدنيا معاً.. وهي بذلك تختلف عن أنظمةِ الحكم في الغرب التي تقوم على نظرية الديموقراطية التي تبعد الدين كلياً عن أمور الحكم.
وعلى الرغم من أن معاوية بن أبي سفيان قلب الخلافة من نظام للشورى، إلى نظام وراثي، وأن هذا الانقلاب بصيغته الإرثية، كانت له آثارٌ ونتائجُ سيئةٌ للغاية على المسلمين، إلاَّ أنَّ الخلافة، كمفهومٍ، لم تتغيّر، بل استمرت حتى نهاية عهد الدولة العثمانية في العقد ـ الثاني من القرن العشرين الميلادي، كما سنرى - وظل الخليفة خليفة واحداً لجميع المسلمين.
ووجود الخليفة في عصرنا هذا، بات ضرورة تفرضها ظروف الحياة العامة على المسلمين، وهذه الأحوال التي وصلوا إليها. إذْ في إعادة الخلافة عودة إلى حكم الله تعالى، حتى تُزاحَ عن كاهل المسلمين وأعناقهم أنظمةُ الحكم السياسية التي تقوم على نظريات وتصورات غايتها - ولو ظاهرياً وتشريعياً - الاهتمام بشؤون الناس الدنيوية وحسب، بينما هي في الحقيقة مراعاة لمصالح ذوي النفوذ والمطامع، بدليل ما تعاني من جرائها شعوب العالم بأسره - بما فيهم المسلمون - وبصورة خاصة الشعوب المتخلفة، التي زينوا لها مبدأ الديموقراطية نظاماً للحكم، فأخذته ليكون وبالاً عليها، وأقلُّ ما فيه أنه جعل الاستعمار الخفي يسيطر على خيرات بلادها وثرواتها، ويتلاعب بمصائرها بما يخدم مصالحه.. أجل إن أنظمة الحكم السياسية القائمة حالياً، في كل دنيا الأرض تقريباً، هي أنظمة دنيوية لا اعتبار فيها للدين وارتباطه بالحياة من مختلف جوانبها. وإنَّ البدعة الكبيرة التي يفاخر بها الغرب هي نظرية (فصل الدين عن الدولة)، أي عن شؤون الحكم، دون مراعاة ما للدين من تأثير في نفوس الناس، وأفكارهم، ومشاعرهم، وأنماط عيشهم.. وهذا ما كان من جرائه انعدام الإيمان في العقول وتعطيل غريزة التدين في القلوب، وانهيار الفضائل والأخلاق القويمة، وانغماس الناس في الماديات الزائفة، الزائلة، التي طغت على كل شيء حتى بات الإنسان عبداً لها.. وذلك كله عائد لكون تلك الماديات لا تفرق بين حلال وحرام، ولا ترعى في الناس إلاًَّ[*] ولا ذمَّة. مما أنتج هذه الأوضاع الشاذة التي تعيشها المجتمعات في وقتنا الراهن، في ظل أنظمة الحكم القائمة..
من هنا كانت العودة إلى الإسلام ضرورة للناس. فالإسلام لا يفرق بين الدين والدولة. والحاكم الذي يدير شؤون الناس لا يمكنه أن يتدبَّر سياسة حكيمة رشيدة إن لم يعرف شرع الله تعالى. ثم ما قيمة السياسات والأنظمة إن لم تكن قائمة على شرعة الله (تعالى) ومنهاجه؟!
نعم ليس الأمر كما يحلو لأعداء الإسلام أن يصوروه للناس، فالإسلام هو دين ودنيا، والإنسان المستخلف من الله (تعالى) في الأرض، عليه أن يحكم بما أنزل الله (عزَّ وجلّ) لا أن يعتبر أفكاره وتصوراته هي المقياس الأول والأخير لكل شيء، فيبتدع أنظمةً للحكم تتناسب مع مقياسه. وهذا هو الفارق الكبير بين معتقدات المسلمين الذين يريدون إقامة نظام الحكم في الإسلام على شرع الله العلي الكبير، وبين معتقدات غيرهم الذين أقاموا أنظمتهم وفرضوها على العالم كله من مسلمين وغير مسلمين، وفقاً لما رأوه أضمن لمصالحهم.
وإنَّ من نعم الله تعالى علينا أن هدانا لأن نكون مسلمين، وفرض علينا - سبحانه وتعالى - أن نعيش في ظل نظام إسلامي يكون على رأسه خليفةٌ مُبايعٌ من الأمة، يحكم بما أنزل الله عزَّ وجلَّ، فيحفظ الدين، ويضع في أولويات اهتماماته إعداد المؤهلين من أبناء الأمة ليكونوا دعاة للإِسلام، حتى يعرف الناسُ هذا الدين على حقيقته فيهتدوا إليه، ويجدوا فيه الطريق الوحيد للخلاص من المشاكل التي منها يعانون، وتصحيح الأوضاع التي فيها يتخبطون!..
وخلاصة القول إن الخلافة أمر يفرضه الدين وتفرضه ضرورات الحياة، ولا يقوم نظام الحكم في الإسلام إلاَّ على أساس الخلافة.
آراء المذاهب في الخلافة الإسلامية:
لا بد لنا قبل معرفة الآراء التي ظهرت في المذاهب الإسلامية حول الخلافة، من التوضيح بأن همَّ الفقيه أو صاحب المذهب كان تفسير الأحكام الشرعية أو الاجتهاد في استنباط أحكام شرعية جديدة بالاستناد إلى أدلتها في الكتاب والسنة. وكان الفقهاء يرون بأن المكلف في تنفيذ وتطبيق الأحكام الشرعية هو الإمام العادل، لأن لفظة «إمام» تعني مَن يؤم الناس، أو يتقدم عليهم، أو من تكون له الرئاسة عليهم وقيادتهم، وكذلك الأمر في لفظتي: الحاكم أو الأمير. ولذا كانوا يطلقون على «الخليفة» لقب الإمام أو «أمير المؤمنين»، أي صاحب الولاية أو الرئاسة العامة على المؤمنين..
والأمر اليوم هو نفسه في الماضي، حيث يُطلق لفظ «الإمام» على كلِّ عالم أو فقيه أو رجل دين تجتمع فيه مواصفات المجتهد أو القائد للجماعة، كما يُطلقُ على إمام المسجد الذي يؤم المؤمنين في الصلاة.
ولعلَّ عدم استعمال لفظتي «الخلافة» و«الخليفة» واعتماد لفظتي «الإمامة» و«الإمام» راجعٌ إلى اعتقاد المسلمين بأن نصب «خليفة» على المسلمين بات غير مقدور عليه، وذلك لأسباب عديدة، وأبرزها عدم إمكانية عقد البيعة من جميع المسلمين لشخص واحد، ووجود الأنظمة السياسية المتباينة في البلاد الإسلامية، وتفرَّق المسلمين إلى مذاهب متعددة، حتى في تفسير الأحكام الشرعية وتطبيقها.. إضافة إلى استمرار محاربة الخلافة من أعداء الإسلام، والمسلمين التابعين، حتى لا تكون لهم قيادة موحدة، وحتى لا يُجمعوا على رأي واحد في القرارات المصيرية.. من هنا كان الإجماع لدى مختلف الفقهاء والمذاهب على وجوب الإمامة.
قال الفقيه الأندلسي ابن حزم: «اتفق جميع أهل السنة، وجميع المرجئة، وجميع الشيعة، وجميع الخوارج على وجوب الإمامة، وأن الأمة واجب عليها الانقياد لإمام عادل يقيم بين أفرادها حكم الله - عزَّ وجلَّ - ويسوسهم بأحكام الشريعة التي جاء بها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم)»[*].
أما الأدلة على وجوب الإمامة فقد تباينت الآراء حولها. وقد اعتمد القائلون بوجوب الإمامة منها شرعية ومنها عقلية..
1 - الأدلة الشرعية:
- قال الشيعة الإمامية: الإمامة واجبة شرعاً لأنها ركن من أركان الدين. واستدلوا على ذلك بقول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ} [النِّسَاء: 59]، كما استدلوا على ذلك بما ورد في السنة وهي أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) قد أشار إلى قيام اثني عشر إماماً من بعده، يكونون من ذريته.
- وقال أكثر أهل السنة: الإمامة واجبة شرعاً باعتبارها من أصول الحكم في الإسلام، أي أن نظام الحكم في الإسلام لا يقوم إلاَّ بوجود إمام عادل تكون له الرئاسة العامة على المسلمين، كما هو الشأن في سائر الأنظمة الحديثة التي لا يقوم الحكم فيها إلا بوجود رئيس للدولة.
2 - الأدلة العقلية:
اتفق جميع الأئمة على أن الحكم يجب أن يكون بما أنزل الله تعالى، وهذا أمر من الله عزَّ وجلَّ لرسوله الكريم أنزله عليه في محكم كتابه المبين بقوله تعالى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} [المَائدة: 49]، فكان من الواجب قيام خليفة، أو إمام يحكم بما أنزل الله تعالى.
ثم إن قيام إمام يتولى قيادة الناس وإدارة شؤونهم أمر يفرضه الوجود البشري. فلم تخلُ جماعة في التاريخ من وجود قائد أو زعيم، ولم تتكون عشيرة أو قبيلة إلا وكان لها شيخ يرأسها، ولم تقم أمة أو تنشأ دولة إلاَّ وكان لها رئيس ومعه قادة وحكام وهذه أمور بديهية في حياة الناس، على مدار الزمان، طالما أن الأفراد في الجماعات لهم مصالحهم الخاصة، والجماعة لها مصالح هي المصالح العامة، فإذا لم يوجد النظام الذي يؤمن التوفيق بين المصالح الخاصة والعامة، ويرتّب الأوضاع وينظّمها بما يكفل العيش الجماعي، فلا يكون ثمة استقرار في حياة الناس، ولا نهضة ولا عمران ولا إصلاح.. بل على العكس يسود التنازع والتخاصم، وتشتد الصراعات والأضاليل مما يؤدي إلى هلاك الأفراد والجماعات.. ولذلك وجدت منذ القدم أنظمة الحكم التي تقوم على وجود الحاكم الذي يتولى الرئاسة أو القيادة العامة. وهي القاعدة نفسها التي تطبق على المسلمين وتجعل الإمامة واجبة عقلاً.
قال الماوردي: تجب الإمامة عقلاً لما في طباع العقلاء من التسليم لزعيم يمنعهم من التظالم، ويفصل بينهم في التنازع والتخاصم، ولولا الولاة لكانوا فوضى مهملين، وهمجاً مضاعين. وقديماً قال الشاعر:
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم
ولا سراة إذا جُهالهم سادوا[*]
ثم إنّ الأطوار التي تمرُّ بها حياة الناس نحو التقدم، وخاصة مع تقدّم العصور والأزمان، يؤدي إلى زيادة المتطلبات والمشاكل، وكثرة المنازعات والأهواء والمخاصمات، وتعارض الحقوق والواجبات.. مما يفرض بالضرورة وجود السلطان الذي يمنع التصادم والتناحر، ويحقق النظام والانتظام.. وصاحب السلطان عند المسلمين هو الإمام العادل. وقد أبان ذلك ابن خلدون عندما قال: «إن الإمامة ركن الدين وقاعدة الإسلام».
كيفية اختيار الإمام:
- قال الشيعة الإمامية: إن نصب الإمام كان بنص من الشارع الأعظم. فقد أمر الله - عزَّ وعلا - رسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلّم) أن يبلِّغ الوحي الذي أنزل عليه في الإمام الذي يخلفه في المسلمين، كما في سائر أمور الوحي، وذلك بقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} [المَائدة: 67]. فيرى الشيعة الإمامية أن هذه الآية هي للتلبيغ عن الإمام الذي يتسلم الحكم ويكون خليفة لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم)، وقد بلَّغ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) عن عليّ أبي طالب (عليه السلام) أنه هو وليُّ المؤمنين من بعده (صلى الله عليه وآله وسلّم)، أي الإمام الحاكم من بعده، وذلك عندما أعلن ذلك على الأمة في غدير خمّ، في الرجوع من حجة الوداع، كما سنرى بعد قليل.. وهم يؤيدون هذا الرأي بنصوص قرآنية عديدة ومنها:
قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [الحُجرَات: 1]. وقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزَاب: 36].. فهذه النصوص واضحة الدلالة على أن الأمر كله لله تعالى، وما قضى به عزَّ وجلَّ، وما قضى به رسولُهُ (صلى الله عليه وآله وسلّم) ليس للناس خيار فيه.
أما النص على إمامة عليّ (عليه السلام) بالذات، فبالإضافة إلى النصوص العامة السابقة في الإمامة ورد هذا التخصيص لإمامته في قوله تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ *} [المَائدة: 55]. وقد جاء في روايات كثيرة صحيحة على أن عليّاً (عليه السلام) كان يصلي في المسجد، فدخل رجل يطلب صدقة، فمدّ إليه عليٌّ يده لينزع خاتماً كان يضعه في إصبعه، فسحبه السائل وأكمل علي (صلى الله عليه وآله وسلّم) صلاته، فنزلت هذه الآية المباركة {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ *} [المَائدة: 55] إذ ربط النص بين إيتاء الزكاة ووقت الركوع، وهي حالة خاصة جداً ويندر حصولها، فاختص بها عليٌّ (عليه السلام) لأنها وقعت معه، فكانت دليلاً على إمامته..
وقوله تعالى: {قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} [الشّورى: 23]. إذاً فالقرابة هي قرابة النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم)، وقرابة علي (عليه السلام) بل وقربه منه، معروفة في الإسلام. ولكن ما يؤكد هذه القربى ويجعل لها دلالة خاصة هو أن أكثر الناس قرابة للرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) وأشدّهم التصاقاً بنفسه، كانت ابنته فاطمة الزهراء (عليها السلام) ومن الطبيعي أن يتبعها في ذلك زوجها علي وولداهما الحسن والحسين (عليهم سلام الله جميعاً).
وتتعزز هذه الصلة الوثيقة لهؤلاء الأشخاص برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) وقرباهم منه بأحداث كثيرة مرّت في حياته الشريفة:
1 - إن ابنته فاطمة وزوجها علي وابنيهما الحسن والحسين (عليه السلام) هم أهل بيته وعترته الذين أقام فيهم المباهلة مع وفد نجران في أول شوال من السنة العاشرة للهجرة. ذلك أنه بعد الاجتماعات التي عقدها رسولُ الإسلام مع أحبار نجران رأى أن يدعوهم إلى المباهلة امتثالاً لقوله تعالى: {فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ *} [آل عِمرَان: 61]. وقد شهد الناس، ومنهم جميعٌ من الصحابة الأخيار، مجيء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) إلى مكان اجتماع المباهلة، عند مقبرة البقيع في المدينة المنورة، وقد قدم محتضناً حفيده الحسين، وآخذاً بيد حفيده الحسن، ومن خلفه ابن عمه علي وزوجه فاطمة (سلام الله تعالى عليهم) فأقعدهم (صلى الله عليه وآله وسلّم) تحت الكساء، وأعلن على الملأ أن هؤلاء هم أهل بيته، وقد جاء بهم للمباهلة مع وفد نجران، كما يفرض ذلك النص القرآني في قوله تعالى: {فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ} [آل عِمرَان: 61]...
فكان الحسن والحسين (عليهم السلام) بوصفهما حفيدي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) يمثلان الأبناء.
وكانت ابنته فاطمة الزهراء (عليها السلام) تمثل النساء.
وكان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) نفسه ومعه علي (عليه السلام) يمثلان الأنفس.
فكانت تلك المباهلة من أهم الأدلة على «المودة في القربى»، لما لهذه الجماعة الصغيرة من عميق الأثر في حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم).
2 - إن هذا الأثر العميق في نفس الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) لقرابته يؤكده بقوله «فاطمة بضعة مني من أغضبها أغضبني». فهذه الابنة التي جعلها الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) بضعة منه تلتصق حياتها بحياة زوجها (عليه السلام) وبحياة ولديها الحسن والحسين (عليهم السلام) فهم يتأثرون بها كما تتأثر هي بهم، ولذا فلا يمكن لشيء يغضب بضعة محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) إلاَّ أن يغضب من تلتصق حياتها بهم، وهو تأكيد جديد على وجوب «المودة في القربى»...
3 - إن علياً (عليه السلام) قد لازم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) طوال حياته: فقد كفله الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) منذ نعومة أظفاره، فعاش معه في بيته، حتى إذا بعث رسولاً (صلى الله عليه وآله وسلّم) كان علياً ما يزال في السابعة من عمره - ومنهم من يقول: كان في العاشرة - فهداه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) إلى الإسلام، وراح يتدرج في مهبط الوحي، ويتلقى عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) آيات الله تعالى ويحفظها، ويتخلّق بخلقه العظيم، حتى استوى شخصية إسلامية فذَّة، تجمّلت بمعاني الإسلام، وتخلّقت بأخلاق النبوة، واستقامت على التقوى ورجاحة العقل، وصدق القلب واللسان...
وتلك الصفات والسجايا برزت آثارها الهامة في حياة الدعوة الإسلامية:
- فكان عليٌّ (عليه السلام) هو الذي افتدى النبيَّ (صلى الله عليه وآله وسلّم) بنفسه عندما نام في فراشه بمكة ليلة الهجرة، وقد دبّرت قريش المؤامرة لقتله.
- وكان علي (عليه السلام) أخاً لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) يوم آخى بين الصحابة في مكة، وبين المهاجرين والأنصار في المدينة، تلك المؤاخاة التي قامت على رابطة الإيمان والإسلام، دون أية رابطة أخرى.
- وكان هو بطل المعارك التي شكلت مفاصل ومنعطفات في مسيرة الدعوة، كما في معركة بدر، ومعركة أحد، ووقعة الخندق، ووقعة خيبر والأحزاب، إلى غيرها من الوقائع القتالية الجهادية والإنسانية التي برز فيها علي (عليه السلام) ربيباً لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) حقاً، ومؤمناً متفانياً في سبيل الإسلام ونصرته صدقاً.
فكان من الطبيعي، مع تلك الفضائل التي يمتاز بها، والتي تُثبتها الأدلة والشواهد الواردة في كتب سيرة النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلّم) أن يعهد الله تعالى من بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) إلى علي (عليه السلام) بالخلافة، والنبي مطمئن لهذا العهد على سير الدعوة وعلى المسلمين من بعده..
وبالإضافة إلى ذلك، فقد أورد الشيعة الإمامية أدلة أخرى تؤكد الإمامة لعلي (عليه السلام) من بعد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) وأبرزها ثلاثة:
1 - حديث الراية: فقد حدثت غزوة خيبر في الشهر الحرام من السنة السابعة للهجرة. وقد حاصر المسلمون حصون اليهود سبعة أيام، لم يتمكنوا خلالها من اقتحامها. فجمع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) خيرة صحابته وقال لهم: «أما والله لأدفعنَّ غداً بلوائي (أو رايتي) إلى رجل يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله لا يرجع حتى يفتح الله تعالى عليه»[*].
وبالفعل فقد دفع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) رايته إلى علي (عليه السلام) في اليوم التالي، وتمكَّن من فتح حصن خيبر، وتحقيق النصر للمسلمين.
2 - حديث المنزلة: فقد عزم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) في الخروج إلى غزوة تبوك - في شهر رجب من سنة تسع هجرية - واستخلف على المدينة عليّاً(عليه السلام)، وذلك تقديراً من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) بأنه الأكفأ على رد فتنةٍ، أو إحباط مؤامرة قد يفتعلها المنافقون وأعوانهم، وقد تجر إلى وبالٍ على المسلمين... ولكنَّ عليّاً (عليه السلام) الذي لا يريد أن تفوته غزوة من غزوات رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) شق عليه الأمر، فوقف بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) غير راغب في استخلافه على المدينة، لكي يشارك في الجهاد، وهو أبو الزند والسيف.. وقف والحزن يملأ جوارحه، وقال لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم): «بأبي أنت وأمي يا رسول الله، أتخلفني مع النسوة والصبيان»؟ فنظر إليه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) وقد أدرك مكنونات نفسه، وقال له: «يا علي، أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبيَّ بعدي. يا علي! إنه لا ينبغي أن يبقى في المدينة إلاَّ أنا أو أنت».
3 - حديث غدير خم: فقد نزل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) بالمسلمين، وهو في طريق العودة من حجة الوداع - سنة عشر هجرية - في محلة تدعى «غدير خم»، وهي محلة قريبة من الجحفة.. وبعد صلاة الظهر، أمر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) أن يبقى المسلمون على جمعهم، ولا يتفرقوا، لأنه يريد أن يبلّغهم أمراً هامّاً. ووقف الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) خطيباً في المسلمين، يثني كعادته، على ربه تعالى ويحمده، حتى إذا فرغ من الثناء والحمد، خاطب جموع المسلمين وقال:
»أيها الناس! ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟».
قالوا: بلى يا رسول الله.
قال (صلى الله عليه وآله وسلّم): «ألستم تعلمون أني أولى بكل مؤمن من نفسه؟».
قالوا: بلى يا رسول الله.
فأخذ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) بيد عليّ (عليه السلام) ورفعها حتى يرى الناس جميعاً، ثم قال (صلى الله عليه وآله وسلّم): «من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله»[*].
فكان هذا الحديث الدليل القاطع على ولاية علي (عليه السلام). وتقدم المسلمون يهنئونه، وكان أول المهنئين الصحابيين الجليلين عمر وأبا بكر (رضي الله عنه) إذ تقدم كلّ منهما من علي (عليه السلام) كما هو مشهور في كتب السيرة يقول له: «بخٍ بخٍ لك يا علي، أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة». ثم كانت المبايعة لعلي (عليه السلام) من جميع المؤمنين الذين حضروا تلك التولية. ومن الثابت في تاريخ الدعوة الإسلامية، أن ختام الوحي كان بعدها تماماً، إذ أنزلت آخر آية في القرآن الكريم بقول الله عز وجل: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً} [المَائدة: 3].
وبالاستناد إلى تلك الأدلة من الكتاب والسنة رأى الشيعة الإمامية أن الإمامة فرض على المسلمين. وهي توجب في الإمام العصمة في أمور الدين والدنيا. إذ العصمة التي يفرضها الشرع، هي مفروضة من قبل العقل أيضاً، لأن الإمام هو خليفة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم)، فيشترط فيه من الصفات ما يؤهله لحمل الناس على الطاعات، ونهيهم من المحظورات، وإبعادهم عن المعاصي.
والإمام يجب أن يكون عادلاً لأنه حجة الله تعالى في الأرض، فقد بَعَثَ سبحانه وتعالى: {رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا *} [النِّسَاء: 165]، ولا بدَّ من بعد الرسل من وجود الإمام في كل زمانٍ حتى تبقى حجة الله تعالى على الناس قائمة، فلا ينقطع العمل بأوامر الله تعالى ونواهيه، ولا تخلو الأرض من الحكم بما أنزل الله تعالى. وهذا كله لا يكون إلاَّ بوجود الإمام المعصوم، العادل، الحجة على الناس.. فإذا لم يوجد الخليفة، أو الإمام المعصوم، فلا بد من وجود الحاكم الزماني نيابة عن الإمام، ووجوده ضرورة بحكم الشرع، وبحكم العقل.. فكانت تلك أدلة الشيعة الإمامية على وجوب الإمامة شرعاً وعقلاً..
- رأي أهل السنة:
ورد في كتاب (أصول الفكر السياسي): «وقد أجمع علماء الفقه الإسلامي - عدا الشيعة - على أن «الإمامة عقد». أي أن الإمامة تثبت بالاختيار والاتفاق لا بالنص والتعيين..»[*] وتابع المؤلف قائلاً: «وحيث إن القرآن ليس فيه نص على الخلافة ولمن تكون، فلم يكن هنالك أمام المسلمين إلا طريق واحد وهو الاختيار، أي أن الأمة هي التي تختار من يتولى أمورها عن طريق البيعة الصحيحة القائمة على الرضا»[*].
وعلى هذا الأساس أجاز فقهاء السنة أن يعهد الخليفة بالولاية إلى شخص معين، أو أن يحدد الصفات التي يجب أن تتوفر في من يخلفه بعد وفاته، سواء أكان من ذوي القربى أم لم يكن، على شرط أن تتم له البيعة من الأمة. قال الماوردي[*]: وأما انعقاد الإمامة بعهد من قبله، فهو مما انعقد الإجماع على جوازه، ووقع الاتفاق على صحته. وقد استدل على هذا الإجماع بأمرين:
الأول: أن الخليفة أبا بكر (رضي الله عنه) عهد بالولاية إلى عمر (رضي الله عنه) من بعده. وقد وافق المسلمون على هذا العهد، وتسلم عمر (رضي الله عنه) الخلافة أمام سمع الناس وبصرهم.
الثاني: أن عمر (رضي الله عنه) أوكل إلى ستة من الصحابة الأبرار اختيار أحدهم ليتولى الخلافة من بعده. وقد قبل هؤلاء الصحابة المهمة واختاروا عثمان (رضي الله عنه) خليفة على المسلمين؛ ثم جرت مبايعته من جمهور الصحابة.
كما اعتبر أيضاً فقهاء السنة أن الإمامة لا تورث وفقاً لما انعقد عليه الإجماع لديهم، وكما عبر عنه ابن خلدون بقوله: «وأما أن يكون القصد بالعهد حفظ التراث على الأبناء، فليس من المقاصد الدينية، إذ هو أمر من الله يخص به من يشاء من عباده، وينبغي أن تحسن فيه النيّة ما أمكن، خوفاً من العبث بالمناصب الدينية»[*]. وهذا ما أكده ابن حزم أيضاً عندما اعتبر: «أن الإمامة لا يجوز التوارث فيها».
بل وذهب فقهاء أهل السنة إلى أبعد من ذلك فقد أجازوا انعقاد الإمامة بالقهر والغلبة، وذلك بأن يستولي المتغلب على منصب الإمامة، دونما استخلاف من الإمام السابق، ودونما مبايعة من الأمة، أو قد تحصل المبايعة بعد الاستيلاء والتغلب[*].
قال الدهلوي، وهو من فقهاء الحنفية: تنعقد الخلافة باستيلاء رجل جامع للشروط على الناس، وتسلطه عليهم كسائر الخلفاء بعد النبوة. ثم إذا استولى من لم يجمع الشروط لا ينبغي أن يبادر إلى المخالعة، لأن خلعه لا يتصور غالباً إلا بحروب ومضايقات، وفيها من المفسدة أشد مما يرجى من المصلحة. وسئل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) عنهم، فقيل: أفلا ننابذهم؟ قال: «لا، ما أقاموا فيكم الصلاة، وقال: إلا أن تروا كفراً بُواحاً، عندكم من الله فيه برهان»[*].
وقال الدسوقي من فقهاء المالكية: «تثبت الإمامة العظمى بأحد أمور ثلاثة:
إما بإيصاء الخليفة الأول المتأهل لها، وإما بالتغلب على الناس، لأن من اشتدت وطأته بالتغلب وجبت طاعته، ولا يراعى في هذا شروط الإمامة، إذ المدار على درء المفاسد، وارتكاب أخف الضررين، وإما بيعة أهل الحل والعقد، وهم من اجتمع فيهم ثلاثة أمور: العلم بشروط الإمام، والعدالة، والرأي».
ولذلك اعتبر الجمهور من أهل السنة أن شروط الإمام هي: الحرية والعدالة والفطانة وكونه من قريش، وكونه ذا نجدة وكفاية في المعضلات. وبيعة أهل الحل تكون بالحضور والمباشرة بصفقة اليد، وإشهاد الغائب منهم. ويكفي العاميّ اعتقادٌ أنه تحت أمر الإمام فإن أضمر خلاف ذلك فسق، ودخل تحت قوله عليه الصلاة والسلام: «من مات وليس في عنقه بيعة، مات ميتة جاهلية»[*].
وخلاصة القول: إن الشيعة الإمامية يعتبرون أن النص على الإمام هو من قِبلِ الله عزَّ وجلَّ الذي يجعل الإمام معصوماً، ولذلك فهم ينتقدون طريقة تعيين الإمام بالاختيار. ويستدلّون على ذلك بالقول: إن الإمامة أهم أركان الدين، فلا يجوز إسناد أمرها إلى الناس. والله سبحانه وتعالى عندما شرع الأحكام إنما شاء أن يوجد الإمام الذي يطبق الأحكام التي جاء بها الشرع، ولذا فإن الإمام هو خليفة لله تعالى ولرسوله الكريم، وليس خليفة للأمة.
وتعيين الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) عليّاً (عليه السلام) خليفةً من بعده كان بالنص القرآني، وتحقيقاً لحكمة الله تعالى البالغة التي تقضي بألاَّ تقع الأمة في الفتن والاختلافات، وألاَّ يصيب المسلمين التشتت والانقسام، فيحل بهم الضعف، وتذهب ريحهم. وهذا ما حصل بالفعل، إذ لم يتولَّ علي (عليه السلام) الخلافة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) مباشرة، ولكنَّ استخلاف غيره من الصحابة، وإن لم يؤثر على وحدة المسلمين يومئذٍ، إلاَّ أنه انطوى على الفرقة في النفوس، وأفسح في المجال أمام أناسٍ كثيرين لأن تتلبسهم فكرة الخلافة، حتى يصلوا إليها مهما كانت الوسيلة. وهذا ما آل إليه الأمر على يد معاوية بن أبي سفيان بالذات، إذ استحلَّ الخلافة بالقوة والفتن، ثم جعلها إرثاً موروثاً، يتسلم مقاليدها من تتوفر فيه شروط الخليفة أو لم تتوفر.. وبذلك سادت الفرقة بين المسلمين، وهي ما تزال قائمة حتى يومنا هذا...
أما أهل السنة فيعارضون الولاية بالنص، ويرون بأنه ليس ثمة نص قطعي الثبوت والدلالة على إمامة علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولا غيره، إذ لم يصح شيء من ذلك عند أحد من أئمة النقل، كما قال ابن خلدون في مقدمته.
ولذلك قال أئمة السنة: بولاية العهد، وأجازوا انعقاد الإمامة بها، أو بالإيصاء إذا توفرت في ولي العهد شروط الإمامة، وبايعته الأمة بعد توليتها، أو بعد الإيصاء له.
كما أجاز فقهاء السنة لذي النَّجدة انعقاد الإمامة حتى ولو كان بالقهر والغلبة والاستيلاء على مقاليد الحكم. ويتولى الإمام المتغلِّب صاحب النَّجدة منصبه، سواء انعقدت له البيعة من الأمة، أو لم تنعقد..
الشروط التي يجب توفرها في الإمام:
قال الشيعة الإمامية: يجب أن يكون الإمام من قريش ومن أهل بيت الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) بالذات، وأن يكون موصىً له من الإمام الذي سبقه، وأن يكون معصوماً، وأن يكون أعلم الناس وأعدلهم وأكرمهم وأكثرهم إخلاصاً للدين وأحرصهم رعاية لمصالح الناس، إلى غير ذلك من صفات الكمال التي لا تتوفر عادة إلاَّ بأهل البيت.
أما عند أهل السنة فقد أورد بعض الفقهاء شروطاً معينة يجب أن تتوفر في الإمام، وتؤهله لتولي هذا المنصب الرفيع، نظراً لأهميته وخطورته في حياة الأمة. وجعل الماوردي الشروط المعتبرة في أهل الإِمامة سبعة: «العدالة على شروطها الجامعة، والعلم المؤدي إلى الاجتهاد في النوازل والأحكام، وسلامة الحواس من السمع والبصر واللسان ليصح معها مباشرة ما يدرك بها، وسلامة الأعضاء من نقص يمنع من استيفاء الحركة وسرعة النهوض، والرأي المفضي إلى سياسة الرعية وتدبير المصالح، والشجاعة والنجدة المؤدية إلى حماية البيضة وجهاد العدو، وأن يكون الإمام من قريش»[*].
ورأى ابن خلدون أن شروط هذا المنصب أربعة: «العلم، والعدالة، والكفاية، وسلامة الحواس والأعضاء عما يؤثر في الرأي والعمل» أما شرط الانتساب إلى قريش فهو لا يستلزمه[*].
وعلى هذا فإن الإمام يجب أن يكون مسلماً، حراً، ذكراً، بالغاً، عاقلاً، سليم الحواس والأعضاء.
فلا يجوز شرعاً أن يكون حاكم المسلمين العام غير مسلم، لأنه مكلف بتطبيق الأحكام الشرعية وحفظ الدين، أو أن لا يتمتع بالحرية التي تجعله مولى المسلمين. كما لا يجوز أن تتولى المرأة الإمامة، لما انعقد عليه الإجماع في ذلك تطبيقاً لقول الله تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ} [النِّسَاء: 34]، وقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم): «لن يفلح قوم ولَّوْا أمرهم امرأة»[*].
أما العدول فهو من الأمور التي يجب توفرها في كل من يحمل مسؤولية عامة، لأن الخالق العظيم قد خلق هذا الكون وسيَّر الحياة والإنسان بالحق، وهو العدل الذي ينصب أبداً موازين الحق.
وأما العقل والعلم والاجتهاد فمن أولى الشروط التي يجب أن يتحلى بها الإمام، وقد أنيط به تنفيذ الأحكام الشرعية، وإدارة شؤون الناس. ولن يتأتى له ذلك إن لم يكن عالماً، مدركاً، صاحب رأي حصيف، ويجتهد في أمور الدين والدنيا، لكي يواجه المشاكل والقضايا التي تهم المسلمين أو قد تعترضهم في حياتهم، سواء على المستوى الداخلي أو على المستوى الدولي.
ثم إن تمتع الحاكم بالصفات الجسدية التامة يجعله أهلاً للإمامة، بخلاف ما إذا كان غير سليم الأعضاء والحواس..
وإننا لنجد في الواقع، كثيراً من المسلمين - والحمد لله - الذين يمكن أن تتوفر فيهم هذه الشروط، لتولي منصب الإمام، حتى يظهر الإمام المتنظر من عترة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) وأهل بيته (عليه السلام).
صلاحيات الإمام:
الإمام، وهو الذي يتولى الرئاسة العامة على المسلمين، لا بد أن يكون له من الصلاحيات والمسؤوليات ما يتناسب مع منصبه الرفيع. ولذلك قال الفقهاء: إن صلاحياته كثيرة وتتناول جميع الشؤون من سياسية وإدارية وقضائية واقتصادية وغيرها، أي كل ما يتعلق بشؤون الناس، وإدارة الحكم، وحفظ البلاد في الداخل والخارج.
وعلى هذا فإن من صلاحياته الداخلية:
- تبنّي الأحكام الشرعية والسهر على تنفيذها، فيصبح الحكم له عندئذٍ، وتطبق الأمة الرأي الذي يعتمده لأنه لا يعتمد إلا ما كان موافقاً للكتاب والسنة.
- تعيين القائمين على الصدقات، وإعداد ميزانية الدولة وترتيبها، ووضعها في التنفيذ.
- تولية قيادة الجيش للأكفاء باعتباره القائد الأعلى للقوات المسلحة، وتعيين القادة وأمراء الألوية، ويكونون جميعهم مسؤولين أمامه.
- تعيين قاضي القضاة وعزله، وكذلك مديري الدوائر، وكبار الموظفين في مختلف إدارات الدولة، الذين يتحملون المسؤولية أمامه وفقاً للأنظمة التي توضع لذلك وتحدد أنواع الوظائف ومهامها ومسؤولياتها.
- تعيين الولاة أو الحكام على الوحدات الإدارية أو الولايات على مختلف أراضي الدولة، ووفقاً للتنظيم الإداري الذي تقرر الدولة بموجبه تقسيم إقليمها إلى ولايات، أو مقاطعات إدارية. ويكونون جميعهم مسؤولين أمامه.
وعلى الصعيد الخارجي فإن الإمام هو الذي يتولى إدارة السياسة الخارجية، فيعين السفراء ومعاونيهم ويعزلهم، ويعقد المعاهدات مع الدول الأخرى، ويعلن الحرب دفاعاً عن الدولة في مواجهة الأعداء، ويحافظ على الحدود، وتحصين الثغور وحمايتها..
أي أن الإمام، بوجه عام، يكون مسؤولاً عن الدولة في الداخل والخارج، فيسعى بكل طاقاته وجهوده لفرض هيبة الدين والدستور وحفظ الأمن والنظام، وتعزيز الإسلام ودولته، والحفاظ على وحدة المسلمين وصون حياتهم وكرامتهم.
وولاية الإمام ليست محددة بمدة معينة من الزمن - كما هو الحال في أنظمة الحكم الديموقراطية في الدول المعاصرة باستثناء الأنظمة الملكية التي تتوارث العرش فيها عائلة معينة - لأن الأصل في الخلافة الديمومة والاستمرار، فوجب أن تتبعها الإمامة، ووجب أن يستمر الإمام في الحكم مدة حياته.
القاعدة الرابعة: الخليفة وحده صاحب الحق في تبني الأحكام الشرعية، ويكون الحكم مركزياً والإدارة لا مركزية:
بعد أن بحثنا في القواعد الثلاث السابقة لنظام الحكم في الإسلام، وهي: السادة للشرع، والسلطان للأمة، ووجوب أن يكون للمسلمين خليفة واحد، نأتي إلى هذه القاعدة الرابعة التي تعطي الخليفة، بوصفه الحاكم العام، الصلاحية في تبني الحكم الشرعي وفرض تطبيقه في أراضي الدولة، ويكون للخليفة أن يستنبط الأحكام الشرعية بنفسه باجتهاد صحيح ويُلزم العمل بها. أي أن صلاحية تبني الأحكام الشرعية هي من اختصاص الإمام وحده، فهو الذي يقرر الحكم الذي يتوافق مع الكتاب والسنة، ثم يفرض تطبيقه على المسلمين كافة، لأن الأصل في المفهوم الإسلامي أن يكون الحق في الاجتهاد لأي فرد من أفراد الأمة، الذين تتوفر لديهم أهلية الاجتهاد، واستنباط الأحكام الشرعية لمعالجة مشاكل الحياة، فكانت هذه الصلاحية للإمام، أي أن يتبنى الحكم الشرعي أو أن يجتهد في استنباط الحكم الشرعي، ثم يعلنه في الأمة.
ولئن كان نظام الحكم الإسلامي يفرض أن يكون الإمام أو الخليفة هو الحاكم الأعلى، والوحيد لجميع المسلمين، وذلك لكي يكون تطبيق النظام واحداً ولا اختلاف فيه بين مصرٍ ومصر، إلاَّ أن وحدة النظام هذه لا تحول أو لا تمنع من أن يعاون الإمام أجهزة متعددة في الحكم. ويكون ذلك على قاعدة: «مركزية الحكم ولا مركزية الإدارة» أي أن يمارس الإمام صلاحياته بصورة مركزية في عاصمة الدولة، وذلك على أساس وجود سلطات ثلاث: السلطة التشريعية ويتولاها الإمام أو الخليفة بتطبيق الأحكام الشرعية وفقاً للكتاب والسنة، والسلطة التنفيذية ويتولاها الخليفة بواسطة مساعديه من الوزراء والولاة والعمال، الذين ينتشرون في مختلف أنحاء الدولة في ظل التنظيم الإداري الذي يختاره الخليفة ويجري تطبيقه في البلاد. والسلطة القضائية التي يتولاها القضاة الذين يعينهم الخليفة، على مختلف المستويات والدرجات للفصل في النزاعات وتحقيق العدل وإقرار الحقوق.
وقيام هذه السلطات في الدولة الإسلامية لا يعني انفصالها التام عن بعضها البعض، ولا اندماجها الوظيفي ببعضها البعض، بل إن كل سلطة تكون مستقلة في صلاحياتها عن الأخرى، وتتعاون مع السلطات الأخرى في إطار الانسجام والتنسيق الذي يحقق أهداف الدولة العليا. وهذا التعاون تفرضه طبيعة النظام الإسلامي الذي يقوم على وحدة المبدأ، وسيادة شرع الله تعالى، وتأمين مصالح الأمة وأبنائها.
أما الأجهزة العامة التي تنشأ على مستوى التنظيم الإداري الشامل، وتمارس مختلف السلطات والاختصاصات فهي التالية:
1 - الإمامة أو الرئاسة العامة على المسلمين (الخلافة).
2 - الهيئة التنفيذية أو معاونو الإمام (وهو ما يعرف في أنظمة الحكم اليوم بالوزراء أو الأمناء).
3 - الولاة في المقاطعات الإدارية أو الولايات.
4 - الجيش.
5 - الأجهزة الإدارية.
6 - مجلس الشورى.
7 - القضاء والمحاكم.
وقد جرى البحث في الإمامة فيما سبق، وبقي إلقاء نظرة على كل من الأجهزة الأخرى في الدولة الإسلامية.
الهيئة التنفيذية أو المعاونون:
يعين الخليفة معاونين له ليتحملوا مسؤولية الحكم معه، وهم يشكلون الهيئة التنفيذية. ويشترط في أعضاء هذه الهيئة أن يكونوا رجالاً مسلمين بالغين عاقلين عدولاً. ولا يُخَصَّص كل معاون بدائرة من الدوائر، أو بنوع معين من الأعمال. ولا يباشر هؤلاء المعاونون الأمورَ الإدارية بأنفسهم، وبصورة مباشرة، بل تكون للهيئة بمجموعها صلاحية الإشراف على مختلف الأجهزة الإدارية.
ويقابل هؤلاء المعاونين في أنظمة الحكم الحالية الوزراءُ في الأنظمة البرلمانية، أو الأمناءُ أو المستشارون في النظام الرئاسي، بحيث تشكل الهيئة التنفيذية ما يعرف بمجلس الوزراء ولكن دون تولية كل عضو في الهيئة وزارة معينة، بل يقرر الجميع السياسة العامة في البلاد.
الـولاة:
تُقَسَّمُ البلادُ في ظل الدولة الإسلامية إلى وحدات إدارية، تُسمى كل وحدة ولاية. وتقسم الولاية بدورها إلى وحدات أصغر تسمى كل وحدة منها عمالة. ويسمى كل من يتولى الولاية والياً، ومن يتولى العمالة عاملاً.
فالتقسيم الإداري يقوم على مستويين:
- الولايات.
- العمالات.
وللوالي صلاحية الحكم والإشراف على أعمال الدوائر في ولايته نيابة عن الخليفة، ما عدا المالية والقضاء والجيش. وله حق إصدار الأوامر للشرطة في كل ما يتعلق بتنفيذ صلاحيته. ويكون في كل ولاية مجلس منتخب من أهلها يرأسه الوالي. وتكون لهذا المجلس صلاحية المشاركة في الرأي، وفي الشؤون الإدارية لا في شؤون الحكم.
كما أنه يُشْتَرطُ في من يُعَيّن والياً أن يكون رجلاً مسلماً بالغاً عاقلاً عدلاً.
الجيش:
الجهادُ فرضٌ على المسلمين، والتجنيدُ للتدريب على الجهاد إجباري.
ويقسم الجيش إلى قسمين:
قسم احتياطي: ويتألف من جميع القادرين على حمل السلاح.
وقسم دائم في الجندية، تُخَصّص لأفراده رواتب مثل سائر الموظفين، من ميزانية الدولة. وتُختارُ من الجيش فرقٌ خاصة، وتُنظّمُ تنظيماً خاصاً للقيام بمهام الشرطة التي يعهد إليها بحفظ النظام، والإشراف على الأمن الداخلي، والسهر على راحة المواطنين، أي كل ما من شأنه أن يؤدي للقيام بالأمور التنفيذية التي تدخل ضمن اختصاصاتها للحفاظ على الأمن. وتتكون من الجيش والشرطة، وسائر الأجهزة العسكرية، التي تؤلف القوة المسلحة التي تجمع بين جميع أنواعها وأجهزتها وحدة متكاملة.
الأجهزة الإدارية (اللامركزية الإدارية):
وتمارس الأجهزة الإدارية صلاحياتها بطريقة لا مركزية بحيث يعين لكل مصلحة من مصالح الدولة (أي لكل مرفق من مرافقها) مدير يتولى إدارتها، ويكون مسؤولاً عنها مباشرة. ولهؤلاء المدراء صلاحية تعيين موظفي دوائرهم ونقلهم وتأديبهم وعزلهم، ضمن الأنظمة الإدارية، كما يكون هؤلاء الموظفون مسؤولين، بدورهم، أمام مدير مصلحتهم.
ولكل من يحمل التابعية وتتوفر فيه الكفاية، رجلاً كان أو امرأة، مسلماً أو غير مسلم، أن يعين في وظيفة من وظائف الجهاز الإداري وفقاً لاختصاصه وكفاءته.
كما أن سياسة الجهاز الإداري يجب أن تقوم على البساطة في التنظيم، والإسراع في إنجاز الأعمال، مراعاة لرعاية مصالح الناس.
مجلس الشورى:
الشُّورى حق لجميع المسلمين على الخليفة، فلهم عليه أنْ يرجعَ إليهم في أمورهم التي تجب فيها المشُورة. قال تعالى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} [الشّورى: 38]. وقال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم): «استعينوا على أموركم بالمشاورة»[*]. وقال (صلى الله عليه وآله وسلّم): «ما تشاور قوم قط إلا هُدوا لأرشد أمورهم»[*]. وقال (صلى الله عليه وآله وسلّم): «المستشار مؤتمن»[*].
وللخليفة وحده حق تبني الأحكام الشرعية - كما بيناه من قبل - إنما رجوعه لرأي المسلمين واجبٌ فيما لا نص عليه أو فيما لا يُعرف حكمُ الله - عزَّ وجلَّ - فيه. قال تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} [آل عِمرَان: 159]. فالأمر في الآية يقتضي الوجوب. وكان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) يرجع للناس يستشيرهم: فقد استشارهم يوم «بدر» في أمر مكان إقامة معسكره تقدمه لخوض المعركة، واستشارهم يوم «أحد» في أمر القتال خارج المدينة أو داخلها، ونزل على رأي الأكثرية التي رغبت في الخروج، إنما النص القرآني يترك أمر القرار النهائي بعد المشاورة للرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم)، حتى إذا عزم على أمر هو يراه فيتوكل على الله تعالى وينيب الأمر إلى ربه ثم يقدم على ما رأى حتى ولو كان مخالفاً لما رآه الناس، وهذا معنى قوله تعالى: {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} [آل عِمرَان: 159] فالشورى لاستطلاع الآراء، ولكن التقرير النهائي للرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) ومن بعده لمن يتولى الحكم على المسلمين.
وعلى هذا فإن مجلس الشورى يكون هو الناصح للحاكم، إذ تعرض عليه الأمور الهامة والخطيرة في البلاد. ويأتي دور هذا المجلس من حيث إن للأمة أن توكل عنها من تشاء في التعبير عن رأيها في الحكم، والتشريع (كيفية تطبيق الحكم الشرعي) وأعمال المعاونين والولاة، ومناقشة الخليفة في أعماله. وتكون لهؤلاء الوكلاء الحقوق التي يملكها موكلوهم فقط، لأنَّ الوكالة تصح في ما هو من صلاحية الموكل، وليس لهم غير ذلك. وهؤلاء الوكلاء في الرأي هم مجلس الشورى. فقد روي أنَّ الرسولَ (صلى الله عليه وآله وسلّم)، في بيعة العقبة الثانية، قال للمسلمين بعد أن بايعوه البيعة المعروفة: «أخرجوا لي منكم اثني عشر نقيباً» فاختار القوم تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس. وروي أنَّ الرسولَ (صلى الله عليه وآله وسلّم) كان يرجع في الشورى إلى من كانوا نقباء على قومهم: فكان يرجع إليهم في أمور الحكم والإدارة، وفي تعيين الولاة والكتاب. وقد خصصَ أربعة عشرَ رجلاً كان يرجع إليهم في الأمور. وقد اختارهم من النقباء على قومهم، وأخذهم سبعة عن الأنصار، وسبعة عن المهاجرين. وكل واحد منهم كان نقيب قومه وجماعته، أي أن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) قد اختار نقيباً من كان قد ضمِن إسلام قومه وجماعته، لأنه صاحب الرأي فيهم. أو الرئاسة عليهم. وكان هؤلاء النقباء هم أهل الشورى الذين يرجع إليهم في الرأي.
ولما بويع بالخلافة لأبي بكر (رضي الله عنه) اتخذ له جماعة من أصحاب الشأن والرأي في أقوامهم ليرجع إليهم في أمور الحكم والإدارة والتشريع. وكان من أبرز هؤلاء عمر وعثمان وعلي وعبد الرحمن بن عوف ومعاذ بن جبل وأبو عبيدة بن الجراح وأبيّ بن كعب وزيد بن ثابت، وكلهم من صحابة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم).
إلا أن هؤلاء الأشخاص الذين كان يرجع إليهم الخليفة يستشيرهم في شؤون المسلمين، لم يكونوا مخصصين للشورى أو يؤلفون مجلساً للشورى، ولم يكن موكلاً إليهم عمل معين، بل كان الخليفة كلما حزبه أمر دعا إليه منهم من يشاء، واستشاره فيه. فإذا دعوا جميعاً لأخذ الرأي كان اجتماعهم بمثابة مجلس للشورى، وبعد المشاورة، والانتهاء من الاجتماع وتفرقهم لا تبقى عليهم صفة مجلس الشورى.
إلاَّ أنه بالنظر لتعدد المشاكل وتنوعها، مع امتداد العهود والأزمنة فقد وجب أن تختار الأمة عدداً من العلماء والاختصاصيين ليؤلفوا مجلساً دائماً للشورى تكون له صلاحيات واختصاصات واضحة ومحددة، ويكون ذلك عن طريق الانتخاب.
انتخاب أعضاء مجلس الشورى:
اختيار أعضاء مجلس الشورى يقوم على الانتخاب، ولا يصح أَنْ يعينوا تعييناً. وذلك لأسباب أبرزها:
1 - أنهم وكلاء في الرأي عن الناس، والوكيل إنما يختاره موكله، ولا يُفرض الوكيل على الموكل مطلقاً.
2 - أن أعضاء مجلس الشورى ممثلون للناس أفراداً وجماعات في الرأي، ومشاركة الممثل في الرأي واجبة حفاظاً على مصالح من يمثلهم في الحكم.
3 - أن الرسولَ (صلى الله عليه وآله وسلّم) لم يختر من يرجع إليهم في الرأي على أساس مقدرتهم وكفايتهم وشخصيتهم، بل اختارهم على أساسين: أولهما أنهم نقباء على جماعتهم بغض النظر عن كفايتهم ومقدرتهم، ولكنَّ ذلك لا يعني أنهم كانوا غير كفوئين، فلو لم يكونوا كذلك لما كانوا نقباء على قومهم أصلاً، ولذلك كان الاعتبار عند الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) للنقابة قبل كل شيء. وثانيهما أنهم ممثلون عن المهاجرين والأنصار، نصفهم عن هؤلاء ونصفهم عن هؤلاء.
إذاً فالغرضُ من وجود أهل الشورى هو التمثيل للناس. ومن أجل ذلك يجري اختيار أعضاء مجلس الشورى لكي يكونوا ممثلين للأفراد كما هو الحال في تعمد الاختيار من النقباء، أو يكونوا ممثلين للجماعات كما هو الحال في تعمد الاختيار عن المهاجرين والأنصار مناصفةً بينهما. وهذا التمثيل للأفراد والجماعات، أي لأبناء الرعية الذين لا يكونون معروفين شخصياً من الحاكم لا يتحقق إلا بالانتخاب. فيتحتم أن يكون اختيار أعضاء مجلس الشورى بالانتخاب: أما كون الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) هو الذي تولى اختيار من يستشيرهم، فلأن البقعة كانت ضيقة وهي المدينة، ولأن المسلمين كانوا معروفين لديه، بدليل أنه في بيعةِ العقبة الثانية لم يكن المسلمون الذين بايعوه معروفين لديه، فترك أمر انتخاب النقباء لهم، وقال لهم «اختاروا لي منكم اثني عشر نقيباً».
وعلى ذلك فإنه يستنبط من كون أعضاء مجلس الشورى وكلاء في الرأي، ومن كون العلة التي وجد من أجلها مجلس الشورى هي التمثيل للأفراد والجماعات في الرأي، ومن عدم تحقق هذه العلة في الناس غير المعروفين إلا في الانتخاب العام.. يستنبط من ذلك كله، أنَّ أعضاء مجلس الشورى يُنْتخبونَ انتخاباً، ولا يصِحّ أنْ يعينوا تعييناً.
مدة عضوية مجلس الشورى:
العضوية في مجلس الشورى تكون لمدة محددة، طالما أن قاعدة اختيارهم تقوم على الانتخاب، وطالما أن الذين كان يرجع إليهم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) في الشورى لم يتقيد بالرجوع إليهم أبو بكر، ولم يتقيد عمر بن الخطاب بالرجوع للأشخاص الذين كان يرجع إليهم أبو بكر. كما أن عمر رجع إلى رأي أشخاص في أواخر حكمه غير الذين رجع إليهم في أوائل حكمه. وهذا يدل على أن العضوية في مجلس الشورى ليست دائمة، بل تكون لمدة معينة.
عضوية مجلس الشورى:
كلُّ مواطن، يحمل جنسية الدولة الإسلامية، أو هو من التابعية الإسلامية (الولاء للدولة والنظام) وكان بالغاً عاقلاً، له الحق في عضوية مجلس الشورى، كما له الحق في انتخاب أعضاء هذا المجلس، سواء أكان رجلاً أم امرأة، مسلماً أم غير مسلم، وذلك لأن مجلس الشورى وكيل عن الناس في الرأي فقط، وليست له صلاحية الحكم والتشريع. وما دام وكيلاً في الرأي فمن حق الناس في الدولة الإسلامية أن يوكلوا من يشاؤون ممن هم أهل الوكالة في الحقوق شرعاً. وكما أن للمسلم حق الشورى، فإن لغير المسلم الحق في أن يبدي رأيه في تطبيق أحكام الإسلام عليه، وفي ما يلحقه من ظلم من الحاكم. ولذلك كان له أن يوكل عنه من يشاء، وأن يكون هو وكيلاً عمن يشاء. ولا يشترط في الوكيل ولا في الموكل أن يكون مسلماً، بل هنا يجوز أنْ يكون الموكل والوكيل مسلمين وغير مسلمين. ومن هنا جاز لغير المسلمينٍ كما جاز للمسلمين أن ينتخبوا من يمثّلهم في مجلس الشورى، مسلماً كان أو غير مسلم.
والإسلام ينظر للشعب الذي يحكمه نظرة إنسانية محضة، بقطع النظر عن الطائفة، والجنس، والذكورة، والأنوثة. وتكون سياسة الحكم مرسومة لأبناء هذا الشعب بوصفهم الإنساني فقط، حتى يكون الحكم لمصلحة الناس، وإخراجهم من الظلمات إلى النور. ولهذا كان جميع أفراد الشعب متساوين في الحقوق والواجبات على أساس وصفهم الإنساني الذي يفرض تطبيق الأحكام الشرعية على الجميع. والقاضي حين يفصل في الخصومات، أو الحاكم حين يحكم، لا يفرق بين الناس، بل يعاملهم على السواء بوصفهم الإنساني لا بأي وصف آخر. ولهذا كان لكل واحد بوصفه محكوماً للدولة الحق في أن يعبِّر عن رأيه هو، وله الحق في اختيار ممثله ليعبر عن رأيه ورأي منتخبيه. وذلك لأن الله - تبارك وتعالى - قد خاطب بالإسلام جميع الناس بوصف الإنسانية فقط، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِيناً *} [النِّسَاء: 174] {قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ} [الأعرَاف: 158] وقد اتفق علماء المسلمين، لا سيما علماء الأصول، على أن المخاطب بالأحكام هو كل عاقل يفهم الخطاب، سواء أكان مسلماً أم غير مسلم، ذكراً أم أنثى. ولذلك لم تثر عضوية المرأة في مجلس الشورى أية مشكلة، باعتبار أن هذا المجلس ليس من قبيل الحكم، ولا يدخل في الحديث الشريف الذي يتعلق بعدم ولاية المرأة. والثابت عن عمر (رضي الله عنه) أنه كان حين تعرض له نازلة ويريد أخذ رأي المسلمين فيها، (سواء أكانت النازلة تتعلق بالأحكام الشرعية ـ التشريع - أم تتعلق بالحكم، أم بأي أمرٍ هامٍّ من أمور الدولة)... نقول كان إذا عرضت لعمر (رضي الله عنه) نازلةٌ دعا المسلمين إلى المسجد، من النساء والرجال، ليأخذ رأيهم جميعاً. وقد رجع عن رأيه حين ردَّته امرأة في أمر تحديد المهور.
وبالرجوع إلى بيعة العقبة الثانية، يوم قدم على النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلّم) في السنة الثالثة عشرة لبعثة الشريف وهي السنة التي هاجر فيها) خمسة وسبعون مسلماً منهم ثلاثة وسبعون رجلاً وامرأتان، وبايعوه جميعاً بيعة العقبة الثانية، والتي كانت بيعة حرب وقتال وبيعة سياسية، نجد أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) لم يميّز في اختيار النقباء بين الرجال والنساء، أي أنه (صلى الله عليه وآله وسلّم) لم يخصص الرجال، ولم يستثن النساء، لا فيمن ينْتَخِب، ولا فيمن يُنْتَخَب. والمطلق يجري على إطلاقه ما لم يرد دليل على التقييد، كما أن العام يجري على عمومه ما لم يرد دليل على التخصيص. وهنا جاء الكلام عاماً ومطلقاً ولم يرد أي دليل للتخصيص والتقييد. وقد دلّ هذا على أن الرسولَ (صلى الله عليه وآله وسلّم) أمر المرأتين أن تشاركا في انتخاب النقباء، وجعل للمرأتين الحق في انتخابهما من الرجال لتكونا من النقباء.
ويوم فتح مكة، وبعد أن بايع الرجال، جاء دور النساء فجلسن يبايعن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) كما دلَّ عليه قول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لاَ يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلاَ يَسْرِقْنَ وَلاَ يَزْنِينَ وَلاَ يَقْتُلْنَ أَوْلاَدَهُنَّ وَلاَ يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ *} [المُمتَحنَة: 12]. وهذه بيعة على الحكم لأنَّ القرآن يقررُ أنهنّ صرن مؤمنات، فكانت البيعة على ما أمر الله تعالى وبايعهن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) عليه. فهذا كله صريح في أن المرأة تنتخب. وأما المبايعة بعد الانتخاب فهي، وإن كانت واجبة، إلا أن من تركها غير مخالف للجماعة، لا يأثم لأنها فرض كفاية، وهي ثابتة في عنقه. فإذا تخلف النساء عن المبايعة في المسجد بعد أن أبدين رأيهن ولم يخالفن، وتخلف كثير من الرجال كذلك، لم يكن هذا التخلف دليلاً على عدم جواز بيعتهن، ولا على عدم وجوب البيعة على الرجال وحدهم.
وعلاوة على ذلك فإنَّ للمرأة الحق في أن توكل عنها في الرأي، وأن يوكلها غيرها فيه. وذلك لأن لها حق إبداء الرأي، ولأن الوكالة لا تشترط فيها الذكورة.
ثم إِنَّ انتخابَ غير المسلم، وانتخاب المرأة كذلك، عضواً في مجلس الشورى لم يرد أي دليل بتحريمه أو منعه. والقاعدة الشرعية هي أَن «الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد دليل التحريم». ولم يرد أي دليل على تحريم هذا الأمر، فهو إذاً جائز ومباح.
غير أنه ليس لغير المسلمين الحق في إبداء الرأي في التشريع لأنَّ التشريعَ الإسلامي ينبثق عن العقيدة الإسلامية، فهو أحكام شرعية عملية مستنبطة من أدلتها التفصيلية، وهو يعالج مشاكل الإنسان حسب وجهة نظر معينة تعينها العقيدة الإسلامية. وغير المسلم يعتنق عقيدة تناقض العقيدة الإسلامية، ووجهة نظره في الحياة تتناقض مع وجهة نظر الإِسلام، لذلك لا يؤخذ رأيه في التشريع.
وكذلك ليس لغير المسلم الحق في انتخاب الخليفة، ولا في حصر المرشحين للخلافة ليُنتخَب منهم الخليفة، لأنه لا يؤمن بالحكم الإسلامي ولا يدين بدين الإسلام. أما الأمور الأخرى التي هي من صلاحيات مجلس الشورى، فهو كالمسلم له الحق في إبداء الرأي بشأنها.
صلاحيات مجلس الشورى:
أولاً: إعطاء الرأي في التشريع، وهذا خاص بالأعضاء المسلمين في المجلس دون غيرهم. فتحيل إليه الهيئة التنفيذية الأحكام الشرعية التي تتبناها (أي ما يعرف بمشاريع القوانين في الأنظمة الأخرى) ليدرسها، ويعطي رأيه فيها، وذلك على ضوء دراسته للمشكلة التي وُضع الحكم الشرعي لها، ودراسة الحكم الشرعي نفسه بالنسبة لدليله. ويجري البحث من قبل أعضاء مجلس الشورى المسلمين في المسائل العملية التي تختص بشؤون المسلمين صِرفاً على أساسين اثنين: أولهما النص الشرعي، إما برواية حديث يناقضُ أو يؤيد رأيَ الهيئة التنفيذية، وإمّا بفهم النص الشرعي من كتابٍ أو سنةٍ فهماً يؤيد أو يناقضُ الرأيَ المعروض عليهم. وثانيهما الواقعة نفسها وذلك بالبحثِ في حقيقتها، حتى يطبق حكم الله تعالى عليها، لأنَّ فِقْهِ الواقع وإدراك حقيقته يتوقف عليه فهم حكم الله - عزَّ وجلَّ - في هذا الواقع. ولذلك كان فقه المسألة الواقعة لازماً كفهم حكم الله - سبحانه - المستنبط من الدليل.
ثانياً: مراقبته للحكم، ومناقشته الخليفة في جميع الشؤون ومحاسبته على الصغيرة والكبيرة في كافة أمور الحكم (وهذه الصلاحية لعموم أعضاء المجلس).
ثالثاً: مراقبته للولاة، والمعاونين للخليفة في الحكم، وإظهار عدم الرضا عنهم إذا وجب الأمر. وحينئذ يجب على الخليفة بوصفه رئيس الدولة عزلهم في الحال (وهذه الصلاحية أيضاً لعموم أعضاء المجلس).
رابعاً: للمسلمين من أعضاء مجلس الشورى حصر المرشحين للخلافة أي اختيار مجموعة من الأشخاص الذين تتوفر فيهم شروط الترشيح لهذا المنصب الرفيع، حتى تنتخب الأمة منهم الخليفة ثم تبايعه البيعة الواجبة.
القضايا التي تعرض على رأي مجلس الشورى:
1 - الشؤون الداخلية والخارجية: وهي كثيرة ومتنوعة باعتبار أن المسائل التي تعرض للناس لا بدّ من حلها، والمشاكل التي تطرأ عليهم لا بدّ من معالجتها. وحلها ومعالجتها إنما يكونان بمعرفتها، بدراسة حقيقتها وإيجاد معلومات عنها. وهي إما داخلية وإما خارجية. أما الأمور الداخلية فإنها تقع تحت سمع الأمة وبصرها. ولذلك كان لها الحق في إبداء الرأي فيها، وكان على الدولة أنْ تأخذ رأي الأمة فيها. وأما الأمور الخارجية فإنها تحتاجُ إلى معلومات موثوقة حتى تعالج. وهذه المعلومات توجد عند الدولة، لأنها هي التي تباشر الأمور، وهي التي تتصل بسائر الدول والأمم. ولذلك لا حق للناس في أن يؤخذ رأيهم بها، ولا يجبُ على الدولة أن ترجعَ إليهم في شأنها. إلاّ أنه يجوز أن يُسمع رأي الأمة فيها، وعلى الأمة أن تبدي في شأنها الرأي الذي تراهُ لأنَّ النصيحة لأئمة المسلمين أي لحكامهم حق على الأمة.
2 - مناقشة تصرفات الدولة : وهذه التصرفات هي في الواقع أعمال حدثت، فيمكن الحكم عليها، وليست أموراً ستحدث تحتاج إلى معلومات لإصدار الحكم في شأنها. ولذلك كان من حق الأمة أن تناقشَ الدولةَ وتحاسبها على كل تصرف من تصرفاتها، سواء أكان ذلك في الأمور الداخلية أم الخارجية. وعلى الدولة أن تستجيب لهذه المناقشة وتنصاع لهذه المحاسبة، وأن تعمل برأي الأمة إذا كان وفْقَ الشرع، لأنَّ الدولةَ إنما وجدت لتنفيذ الشرع، ولرعاية مصالح الناس. وتصرفاتها منوطة بالمصلحة العامة، مقيدة بشرع الله تعالى. ولذلك يجب أن تُحاسَبَ من قبل الأمة على كل عمل من أعمالها، وتناقش في كل تصرف من تصرفاتها، لتظل سائرة في حدود الشرع، وفق المصلحة العامة. ومجلس الشورى وكيل عن الأمة في الرأي، فله محاسبة الخليفة والهيئة التنفيذية والولاة (بوصفهم ممثلين للدولة على اعتبار أنها شخص معنوي ومحاسبة من يمثلونها محاسبة لها) وله مناقشتهم في سياسة الاقتصاد والصحة والتعليم ونحوها، مما هو من السياسة الداخلية، أو من التصرفات الناشئة عن السياسة الداخلية، وكذلك في كافة التصرفات التي تحصل بالفعل في السياسة الخارجية. ومحاسبة مجلس الشورى ومناقشته للخليفة وللهيئة التنفيذية والولاة ملزمة لهم فيجب عليهم العمل بما يراه المجلس.
إلا أن هذه المحاسبةَ والمناقشة في السياسة الداخلية جميعها، وفي ما ينتج عنها من تصرفات، وفي التصرفات التي تحصل بالفعل في السياسة الخارجية، هي أمور اجتهادية تسير وفق الشرع، وتعمل ضمن المصلحة العامة. وقد يحصل خلاف في الرأي فيها، بين مجلس الشورى وممثلي الدولة، وقد يختلفون على حكم الشرع في شأنها، وقد يختلفون في وجه المصلحة فيها. فإذا اختلف مجلس الشورى ورئيس الدولة أو الهيئة التنفيذية أو الولاة في أي أمر من هذه الأمور، لا يرجح رأي رئيس الدولة أو معاونيه أو الولاة، ولا رأي مجلس الشورى، بل يحال الأمر لمحكمة المظالم لتعطي رأيها، وهي التي تفصل في ذلك، وحكمها نافذ على رئيس الدولة ومعاونيه والولاة، كما هو نافذ على مجلس الشورى. لأنَّ السيادة للشرع، وهو ممثل في القضاء، ومحكمة المظالم أعلى هيئة قضائية تمثل الشرع، قال تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النِّسَاء: 59].
3 - عدم إلزامية رأيه في التشريع : لا يجب على الخليفة العمل برأي مجلس الشورى في النواحي التشريعية، لأن رأيَ المجلسِ يؤخذُ في هذه الناحية لمجرد الشورى،ولا يلزم العمل به، بل الرأي الأخير في التشريع هو لأمير المؤمنين، إذ له وحده حق تبني الأحكام الشرعية، وأمره هو الذي يجعل الحكم الشرعي قانوناً، ما دام اجتهاده شرعياً، وما دام هذا الحكم مأخوذاً باجتهاد صحيح، ويلزم الأخذ في ما اختاره. وهذا لا يعني أن مجلسَ الشورى لا يختارُ أحكاماً شرعية، بل له - إذا أراد - أن يختار أحكاماً شرعية لتكون قانوناً، ولكنها لا تصبح قانوناً نافذاً إلا إذا أمر بها أمير المؤمنين.
4 ـ إلزامية رأيه في عزل المعاونين والولاة : فالخليفة نائب عن الأمةِ في الحكم، وحين يعين معاونيه والولاة يجب أن يعينهم للحكم وللقيام بمصالح الناس، وأن يكونوا أمناء عليها، موثوقين من الناس. فإذا أظهر مجلس الشورى عدم رضاه عن الهيئة التنفيذية، أو أحد أعضائها، أو عن أحد من الولاة، فيجب على رئيس الدولة أن يعزلهم في الحال، دون بيان الأسباب، لأن رأي مجلس الشورى ملزم في ذلك، ويجب على رئيس الدولة العمل به.
5 - حصر المرشحين للخلافة: للمسلمين من أعضاء مجلس الشورى وحدهم الحق في تحديد وحصر المرشحين للخلافة، ويجب على الدولة أن تلتزم رأيهم في ذلك، لأن رأيهم في هذه الناحية مُلزمٌ يجب العمل به.
ويتلخص موضوع العمل برأي مجلس الشورى في النقاط الآتية:
أ - وجوب أخذ رأي المجلس في أمر أعضاء الهيئة التنفيذية والولاة. ويجب العمل به لأنه ملزم، فإذا أظهر عدم رضاه عنهم وجب عزلهم.
ب - وجوب أخذ رأيه في شؤون الحكم والإِدارة، أي في السياسة الداخلية. ويكون رأيه ملزماً في سياسة الاقتصاد والصحة والتعليم وما شاكلها من الأمور الداخلية. ولا يؤخذ رأيه في الناحية المالية كالميزانية، ولا في الجيش، ولا في السياسة الخارجية، كعقد المعاهدات وإعلان الحرب.
ج - لمجلس الشورى الحق في أن يعطي رأيهُ في كافة تصرفات الدولة، سواء أكانت ناتجة عن السياسة الداخلية، أو السياسة الخارجية أو المالية أو غيرها.
د - إن محاسبته للدولة على تصرفاتها ومناقشته لها في صلاحياتها هي من أهم اختصاصاته.
هـ - الاقتصار على الأخذ برأي الأعضاء المسلمين في التشريع، وفي حصر المرشحين للخلافة. أما رأيه في التشريع فهو لمجرد الشورى وليس ملزماً ولا يجب العمل به، وأما رأيه في حصر المرشحين للخلافة، فهو ملزم ويجب العمل به.




Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB