المعاملات والبينات والعقوبات
الطبعة : الطبعة الثانية  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   1102
تاريخ النشر :   2009




الضمـان

تعريفـه:
الضمان في اللغة التزام ما في ذمة الغير. وهو مشتق من الضَّمن، لأن الذمة من ضمن البدن. وفي معناه الكفالة لقوله تعالى: {وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا} [آل عِمرَان: 37] أي ضمها إلى نفسه ليعولها ويقوم بتربيتها.
أما معناه في الاصطلاح ففيه آراء في المذاهب:
- قال الشيعة الإمامية[*]: إذا كان لشخص دين في ذمة آخر، وتعهد شخصٌ ثالث للدائن بأن يوفي عن المدين، دون أن يكون مطلوباً له بشيء، كان تعهده ضماناً منه للدين، وهذا الشخص هو الضامن، والدائن مضمون له، والمدين مضمون عنه. أما إذا كان الشخص الثالث مطلوباً للمدين بالمبلغ الذي تعهد به عنه، سمي تعهده هذا ضماناً، وحوالةً أيضاً.
وإذا لم يتعهد أحد للدائن بضمان المال، وإنما تعهد بأن يحضر له غريمه، وهو المدين، ويسلّمه له عند الطلب، كان هذا التعهد ضماناً بالنفس، وكفالة أيضاً.
وبهذا يتّضح أن للضمان عند فقهاء الإمامية معنيين هما: ضمان بالمعنى الأخص، وهو التزام والتعهد بالمال ممن ليس عليه شيء، وضمان بالمعنى الأعم، وهو الذي يشمل الضمان بالمعنى الأخص ويشمل الكفالة التي هي تعهد بالنفس أي بإحضار المدين.
- وقال الحنفية[*]: الكفالة والضمانة بمعنى واحد، والكفالة هي ضم ذمة إلى ذمة في المطالبة، وهي ثلاثة أقسام كفالة بالنفس، وكفالة بالدين، وكفالة بالعين.
وعندهم أن الضمان بالنفس ليس فيه شغل لذمة الكفيل. فليس لصاحب الدين إلا أن يطالبه بإحضار المديون بذاته. أما الكفالة بالدين فهي أن للدائن أن يطالب المدين بكفيل موثوق به عنده ليضمه إلى المديون الأصلي.
وهنا اختلفت آراء الحنفية فمنهم من قال: إن ضم الكفيل إلى الأصيل يجعل للدائن الحق في مطالبته بالدين من غير أن تشغل ذمته بذلك الدين، لأن ذمة الأصيل فقط هي التي تكون مشغولة به.
وأما الكفالة بالعين فليس فيها شغل لذمة الكفيل وهي ثلاثة أقسام:
الأعيان المضمومة بنفسها، وهي التي يجب على من أخذها أن يردها بنفسها، فإن هلكت كان عليه مثلها، وإلاَّ فعليه قيمتها.
الأعيان المضمومة بغيرها، وهي التي يجب تسليمها ما دامت موجودة، فإذا هلكت لا يجب تسليم مثلها ولا قيمتها لأنها مضمونة بغيرها وهو الثمن.
الأعيان غير المضمونة، لا بنفسها ولا بغيرها، فإنها لا يجب تسليمها ولا تصح كفالتها، وهي الأمانات: كالوديعة، ومال المضاربة والشركة ونحوها.
والمراد بالذمة عند الحنفية العهد المتعلق بالإنسان، فقولهم: ضمُّ ذمة إلى ذمة معناه ضمُّ شخص إلى شخص في التعهد بالحق.
- وقال المالكية[*]: الضمان والكفالة والحوالة بمعنى واحد وهو أن يشغل صاحب الحق ذمة الضامن مع ذمة المضمون سواء كان شغل الذمة متوقفاً على شيء أو لم يكن متوقفاً.
والضمان عندهم ثلاثة أقسام:
1 - ضمان المال، فإذا ضمن شخصٌ آخرَ في مال، فإن ذمته تشغل بذلك المال كما شغلت به ذمة الأصيل.
2 - ضمان الوجه: وهو التزام الإتيان بالغريم الذي عليه الدين عند الحاجة. وهذا الضمان لا يصح في غير المال. ولا تشغل ذمة الضامن بالمال إلا إذا لم يحضر المديون، أما إذا أحضره فلا يلزم بالدين. أي أن شغل الذمة بالحق هنا يتوقف على عدم إحضار المضمون.
3 - ضمان الطلب: وهو أن يلتزم الضامن طلب الغريم والتفتيش عليه. وهذا الضمان يصح فيه ضمان غير المال. ولا تشغل ذمة الضامن بالمال إلا إذا ثبت تفريطه في الإتيان بالمضمون، أو في الدلالة عليه بعد أن علم موضعه وتركه.
وخلاصة القول عند المالكية: أن شغل الذمة لا يتوقف على شيء في ضمان المال، ويتوقف على عدم الإتيان بالمضمون في ضمان الوجه، ويتوقف على تفريط الضامن في ضمان الطلب.
- وقال الشافعية[*]: الضمان في الشرع عقدٌ يقتضي التزام حق ثابت في ذمة الغير، أو إحضار عين مضمونة، أو إحضار بدن من يستحق حضوره. وعلى هذا فإن الضمان عندهم ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
1 - ضمان الدين، وفيه يلتزم الضامن ما في ذمة المديون من حق، بحيث تشغل به ذمته كما شغلت ذمة المديون، وإذا دفع أحدهما برئت ذمة الآخر.
2 - ضمان رد العين المضمونة: كالعين المغصوبة، والعين المستعارة. والضامن يكون ملزماً برد العين ما دامت باقية. أما إذا هلكت فلا شيء عليه.
3 - التزام إحضار شخص ضمنه في ذلك. وهذا الضمان يسمى كفالة، أي أن الكفالة عندهم نوع من الضمان وهي خاصة بضمان الأبدان.
- وقال الحنبلية[*]: الضمان هو التزام ما وجب أو يجب على الغير مع بقائه على المضمون، أو التزام إحضار من عليه حق مالي لصاحب الحق. وهو أربعة أقسام:
1 - ضمان الديون الثابتة، وفيه تشغل ذمة الضامن بالدين كذمة المديون الأصلي. ولصاحب الدين الحق بمطالبة الاثنين فإذا برئت ذمة المضمون الأصلي بقضاء الدين، أو بحوالته، فقد برئت ذمة الضامن لأنه تابع للمضمون. وإذا دفع الضامن الدين ونوى الرجوع على المضمون صح له أن يرجع. أما إذا لم ينوِ فليس له حق الرجوع.
2 - ضمان ما يؤول إلى الوجوب وإن لم يكن واجباً وذلك كالأعيان المغصوبة والمستعارة. ومعنى تؤول إلى الوجوب أنه يجب ردها إلى صاحبها ما دامت قائمة، فإذا هلكت كان الضامن ملزماً بقيمتها. فيكون معنى ضمانُ هذه الأعيان ضمانَ ردها أو ضمان قيمتها إذا هلكت.
3 - ضمان الديون التي تجب في المستقبل. مثلاً إذا كان شخص يعامل تاجراً فإن له أن يأتي بضامن يضمنه فيما يلزمه من دين التجارة التي يأخذها شيئاً فشيئاً.
4 - ضمان إحضار من عليه حق مالي عند الحاجة، وهي الكفالة.
شرعية الضمان:
الضمان مشروع بالكتاب، والسنة، والإجماع، قال الله تعالى: {وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ *} [يُوسُف: 72].
ومعنى زعيم: ضامن. وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم): «من ضمن لأخيه حاجة لم ينظر الله عزَّ وجلَّ في حاجته حتى يقضيها»[*].
وسئل الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) عن رجل مات وعليه دين، فيضمنه ضامن للغرماء؟ قال (عليه السلام): «إذا رضي به الغرماء فقد برئت ذمته»[*].
أركان الضمان وشروطه:
- قال الشيعة الإمامية: أركان الضمان هي: العقد، والضامن، والمضمون له، والمضمون عنه. وتتألف صيغة الضمان من إيجاب الضامن وقبول المضمون له، ويكفي فيهما كل ما دل عليهما.
وعن الصيغة قالت جماعة من فقهائهم: يشترط على الصيغة التنجيز، وعدم التعليق على شيء. واستدلوا على بطلان الضمان المعلق بأن الضمان لا بد فيه من الرضا، ولا رضا مع الجزم، ولا جزم مع التعليق. أما الرأي الغالب عند فقهائهم فهو أنَّ عقد الضمان الدال على الرضا إذا وجد مع التعليق فإنه يصح، ويجب الوفاء به، لقول الله تعالى: {أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المَائدة: 1]، وقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم): «المؤمنون عند شروطهم...»[*]. وأهل العرف لا يرون أية منافاة بين عقد الضمان وبين التعليق، ويوجبون على من قال للدائن: إن لم يعطك المدين فأنا أعطيك، أن يفي بتعهده.
وعقد الضمان لازم من الجانبين: الموجب والقابل، حتى ولو كان الضمان تبرعاً، ومن غير إذاً المضمون عنه، فلا يجوز للضامن أن يقول: عدلت عن الضمان، وليس للمضمون له أن يقول للضامن بعد أن قبل ورضي بضمانه: لقد عدلت عن الرضا بضمانك، وسأرجع على المضمون، لا يجوز له ذلك إلا إذا تبين إعسار الضامن عند الضمان، فإنَّ له، والحال هذه، الفسخَ.. أجل له إسقاط الدين من الأساس، وعندها يرتفع الضمان، لارتفاع موضوعه ومحله.
ولا يشترط رضا المضمون عنه، لأن وفاء الدين عن الغير لا يعتبر فيه رضا المدين. نعم إن رجوع الضامن على المدين بما أداه عنه للدائن يعتبر فيه إذاً المدين.
والشروط الواجب توفرها في كل من أركان الضمان، بحسب رأي الشيعة الإمامية، هي على النحو التالي:
الضامن: ويشترط فيه:
1 - أن يكون أهلاً للتصرفات المالية، فلا يصح ضمان المجنون، والصبي، والمكره، والسكران. أما السفيه فيجوز ضمانه بإجازة الولي، أما ضمان المفلس فجائز إطلاقاً، لأنه كاقتراضه يصح، وإن لم يأذن الغرماء[*].
2 - يشترط في الضمان، أن لا تكون ذمة الضامن مشغولةً بدين للمضمون عنه، وألا يكون التعهد حوالة.
3 - يشترط في الضامن - حسب المشهور - أن يكون مليئاً، أي قادراً على الوفاء. وإذا قبل المضمون له، ثم تبين إعسار الضامن، ثبت للمضمون له الحق في فسخ الضمان، والرجوع على المضمون عنه، لأن لزوم العقد مع إعسار الضامن يستدعي تضرر المضمون له، فيتدارك الضرر بثبوت الخيار بين الصبر على الضامن، وفسخ العقد. وإذا علم بالإعسار، ورضي به حين العقد فليس له أن يعدل، لأنه أقدم على علمٍ واختيار، تماماً كمن اشترى معيباً مع علمه بالعيب. وإذا عرض العسر بعد الضمان فلا خيار. وإذا ضمن الدين أكثر من واحد، فإنْ ضمنه كلٌّ منهم بعقد مستقل صح السابق وبطل اللاحق، وإن ضمنه الجميع بعقد واحد يقسط الدين حسب عددهم على السواء.
المضمون له: يشترط في المضمون له ما يشترط في الضامن من الأهلية للتصرفات المالية، كما يشترط رضاه بالضمان، لأنه أحد المتعاقدين، وقبوله جزء من الصيغة، ولقول الإمام الصادق (عليه السلام): «إذا رضي الغرماء برئت ذمة الميت»[*].
ورضا المضمون له ليس بشرط. وقد دل عليه ما روي من أنه جيء للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلّم) بميت ليصلي عليه، فقال (صلى الله عليه وآله وسلّم): «هل عليه دين؟». قالوا: نعم، ثلاثة دنانير. قال (صلى الله عليه وآله وسلّم): «صلّوا على صاحبكم». قال أبو قتادة: صلِّ عليه يا رسول الله وعَلَيَّ دينُهُ فصلى عليه»[*] وهذا يعني عدم شرط رضا المضمون له، حيث إن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) صلى قبل أن يرضى الغرماء.
ولا بد من تمييز المضمون له عن غيره بما يصح معه القصد، ولا يشترط معرفته بحقيقته وهويته. فإذا رأيت دائناً يطالب مديناً، وقلت للدائن - على علم سابق به - دعه، وأنا ضامن لما في ذمته، صح.
ولا يجوز ضمان دين السفيه إلا بإذن وليه، أما المفلس فديونه محجوزة لحساب الغرماء، فيجوز ضمانها لهم، ولا يجوز ضمانها له.
المضمون عنه:
لا يشترط في المضمون عنه العقل، ولا البلوغ، ولا الرشد، ولا رضاه في الضمان التبرعي، بل ولا حياته. ويصح الضمان عن المجنون والصبي، والسفيه، والمفلس والمجهول، لأن الضمان تماماً كقضاء الدين، لا يعتبر فيه رضا المدين، ولأن العقد يتحقق بالإيجاب من الضامن، والرضا من المضمون له، فتشمله أدلة الوفاء بالعقود. ولا بد من تمييز المضمون عنه بما يصح معه القصد، ولو بجهة من الجهات. أما إذا كان مجهولاً، ومردداً بين اثنين أو أكثر، فلا يصح، مثل أن يكون لشخص دين على اثنين، فتقول: ضمنت ما في ذمة أحد هذين.
الحق المضمون:
يشترط في الحق المضمون أن يكون ثابتاً في الذمة، فلا يصح أن تقول لشخص: اعطِ فلاناً على حسابي، وعليَّ ضمان ما تعطيه، لأنه لم يثبت في الذمة شيء يتعلق به الضمان. ولكن بعضهم قال: إن مثل هذا التعهد يصح لأنه يصدق عليه اسم العقد فيشمله {إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ} [النِّسَاء: 29]، و{أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المَائدة: 1]، و«المؤمنون عند شروطهم». ويجوز ضمان ما ثبت في الذمة ثبوتاً جائزاً، لا لازماً، كالمهر قبل الدخول، وثمن المبيع في زمن الخيار، لأن تمام المهر لا يستقر إلا بالدخول، كما أن ثمن المبيع لا يستقر إلا بعد مضي زمن الخيار، مع عدم الفسخ.
وقال فقهاء الإمامية: يجوز أن تضمن النفقة السابقة للزوجة، ولا يجوز ضمان النفقة المستقبلة، لأنها غير ثابتة بالفعل، كما أنها عرضة لعدم الثبوت في المستقبل بالنشوز أو الطلاق أو الموت.
والصحيح أن ضمان النفقة المستقبلة جائز، لا لوجود المتقضي فقط، وهو الزوجية، بل لأن هذا التعهد يصدق عليه اسم العقد في نظر العرف، فيشمله {أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المَائدة: 1]. أمَّا أنَّ الزوجَة عرضةٌ للنشوز والطلاق وموت الزوج فهو يدخل في وجوب الوفاء بكل عقد على حسب مقتضاه فيجب أن ينفق المتعهد على الزوجة ما دام سبب الإنفاق قائماً.
ولا يشترط في صحة الضمان علم الضامن بمقدار الدين وجنسه قال الإمام الصادق (عليه السلام): لما حضر محمد بن أسامة الموت دخل عليه بنو هاشم، فقال لهم: لقد عرفتم قرابتي ومنزلتي منكم، وعليَّ دين أحب أن تقضوه عني. فقال عليّ بن الحسين: عليَّ دينك كله[*]. وهذا يعني أن الإمام عليّ بن الحسين (عليه السلام) قد ضمن ديون ابن أُسامة دون أن يعلم مقدارها. ولكن لا بد من معرفة الدين بالمقدار والجنس عند الوفاء، لتوقفه عليه.
ولا يلزم الضامن إلا بوفاء ما ثبت من الدين بالبينة، على أن يكون ثابتاً وقت الضمان، لا ما يتجدد بعده، ولا ما يقر به المدين بعد الضمان، لأن الإقرار حجة تقتصر على المقرّ وحده، ولا تتعداه إلى غيره.
وإذا كان الضمان مطلقاً غير مقيد بوقت من الأوقات يكون تابعاً للدين، لأنه فرع عنه، فيؤجل الوفاء من الضامن إذا كان الدين المضمون مؤجلاً، ويعجل إن كان معجلاً.
ويجوز ضمان الدين الحالّ بمؤجل، والمؤجل بمعجَّل، أو بزيادة الأجل. أي أن كل ما يتفق عليه الضامن والمضمون له فيما يعود إلى التأجيل والتعجيل فهو صحيح وجائز.
وفي جميع الحالات لا يجوز للضامن أن يرجع على المضمون عنه إلا بأمرين:
الأول: أن يحل أجل الدين، لا أجل الضمان.
الثاني: أن يؤدي الضامن الدين للمضمون له، فإذا لم يؤده فلا يرجع على المضمون عنه، حتى ولو حلَّ أجل الدين. ويجوز لكل من الضامن والمضمون له اشتراط الخيار مدة معينة، لعموم أدلة وجوب الوفاء بالشرط.
ضمان الأعيان: إن ضمان الأعيان الخارجية، عند الشيعة الإمامية، يجب أن يتوفر فيها الأمور التالية:
1 - أن تكون العين تحت يدٍ لا يضمن صاحبها إلا بالتعدي أو التفريط، كالوديعة، والمرهون، ومال المضاربة، والعارية من غير الذهب والفضة، وتسمى هذه الأعيان غير مضمونة. وقد أجمع الفقهاء على عدم صحة ضمانها ما دامت قائمة، لأن سبب الضمان لم يتحقق، فيكون ضمانها، والحال هذه، ضماناً لمالٍ غير مضمون.
2 - أن تكون العين في يدٍ يضمن صاحبها على كل حال، فرَّط أو لم يفرِّط، تعدَّى أو لم يتعدَّ: كالمغصوب، والمقبوض بالسوم، وبالعقد الفاسد، وعارية الذهب والفضة، وتسمى هذه أعياناً مضمونة، لأن من هي في يده ضامن على جميع الأحوال.
على أن ضمـان هذه الأعيان كان موضـع اختلاف في آراء الفقهاء:
فذهب جماعة إلى أنه يجوز لأجنبيّ أن يتعهد لصاحب العين عمَّن هي في يده، بإرجاعها له، مع بقائها بالذات، أو بإرجاع بدلها مع التلف، لأن سبب الضمان متحقق، ولقول الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلّم): «الزعيم غارم»، وهو يشمل كل شيء يجري التعهد به، سواء كان ديناً أو عيناً. ولذا قال الإمام الصادق (عليه السلام): «الكفاله خسارة، غرامة، ندامة»[*].
وقال آخرون: لا يجوز ضمان هذه الأعيان، لأن معنى الضمان هو انتقال الحق من ذمة إلى ذمة، وهذا شيء، والالتزام برد العين الخارجية شيء آخر. هذا وإن الغاصب، وأمثاله مكلف شرعاً برد العين، والأحكام الشرعية لا تقبل الضمان الذي هو بمعنى الانتقال من شخص إلى شخص. أجل يجوز الضمان لو كان معناه ضم ذمة إلى ذمة، حيث يبقى إلزام الغاصب وتكليفه بالرد على ما هو عليه، ولا ينتقل منه إلى سواه. وفقهاء الشيعة الإمامية لا يقولون بهذا الرأي.
3 - أن يقع بيعٌ بين اثنين، فيتعهد ثالث بدرك الثمن للمشتري عن البائع إذا خرج المبيع مستحقاً للغير، أو ظهر فساد البيع لفقد شرط من شروطه إذا كان المشتري قد دفع الثمن للبائع، أو يتعهد الثالث للبائع عن المشتري إذا خرج الثمن المعين مستحقاً للغير. ويسمى هذا ضمان العهدة وضمان الدرك أو التدريك. وقد أجاز الفقهاء هذا النوع من الضمان للحاجة الماسة إليه، إذ لولا جوازه لوقع الناس في العسر والحرج[*].
ويقول الشيعة الإمامية: متى تحققت شروط الضمان بكاملها انتقل المال من ذمة المضمون عنه إلى ذمة الضامن، ولا يجوز للمضمون له أن يطالب المضمون عنه بشيء، لأن الضمان عندهم انتقال المال من ذمة إلى ذمة، وليس ضم ذمة إلى ذمة - وهو المعروف بالتكافل والتضامن - لأن المال الواحد لا تشغل به ذمتان في آنٍ واحد، ولا ذمة واحدة على سبيل الترديد وعدم التعيين. ويدل عليه قول الإمام جعفر الصادق(عليه السلام): «إذا رضي الغرماء برئت ذمة الميت» كما سبق، أي أن ذمة المضمون عنه تبرأ بعد الضمان.
وللضامن الرجوع على المضمون عنه بعد الأداء للمضمون له، إذا كان قد ضمن بإذن المضمون عنه، وإلا فلا يحق له الرجوع عليه، لأنه يكون متبرعاً، أي أنه لا يحق له الرجوع إلا مع الأداء عن المضمون عنه وأن يكون الضمان بإذنه، فإذا لم يؤدِّ عنه إطلاقاً فلا حق له عليه.
وإذا أبرأ المضمون له ذِمَّةَ الضامن من الدين، برئ هو والمضمون عنه. وإذا أبرأ المضمون له ذمة المضمون عنه فلا تبرأ ذمة الضامن. لأن المفروض أن المضمون عنه أجنبي عن المضمون له بعد الضمان، فلا يؤثر إبراؤه شيئاً، إلاَّ أن يفهم منه أنه أراد الإبراء من أصل الدين الذي كان على المضمون عنه، فهنا تبرأ ذمة الضامن من غير شك.
والرجوع على المضمون عنه لا يكون إلا بمقدار ما أداه للمضمون له، على شريطة ألا يزيد على أصل الدين. وقد استدلوا على ذلك أن الإمام الصادق (عليه السلام) سئل عن رجل ضمن عن آخر ضماناً، ثم صالح عليه؟ قال (عليه السلام): «ليس للضامن إلا الذي صالح عليه». وإذا دفع الضامن للمضمون له عروضاً، رجع الضامن على المضمون عنه بقيمة العروض إن كانت بمقدار الدين، أو أقل، أما إن زادت عنه فإنه يرجع بالحق الذي ثبت في ذمته للمضمون له.
ويصح أن يضمن ثانٍ عن الضامن الأول، ويضمن عن الثاني ثالث، وهكذا.. لأن الضمان عقد تام الشروط فيجب الوفاء به. ويرجع الثالث بما أداه على الثاني، والثاني يرجع على الأول، والأول على المضمون له الأصيل..
- وقال الحنفية[*]: للكفالة ركن واحد، وهو الإيجاب والقبول. لأنه هو الذي تتحقق به ماهية العقد، وما عدا ذلك فإنه شروط. ولذلك فلا بد من قبول صاحب الدين، وهو المكفول له، سواء كانت الكفالة بالنفس أو المال. ولا تصح كفالة شخص ثالث إلا إذا قبل صاحب الدين في المجلس، أو ناب عنه في القبول شخص آخر في المجلس ثم أقر نيابته بعد المجلس.
وبعضهم يقول: لا يلزم قبول صاحب الدين في المجلس. فتصح الكفالة بالنفس والمال بدون قبول صاحق الحق، لأن صحة الكفالة لا تتوقف على قبوله.
وصيغة الكفالة تكون بكل ما يفيد التعهد والالتزام كقوله: كفلت أو ضمنت، أو أنا بذلك زعيم... وتصح الكفالة بالنفس بكل ما يعبر به عن البدن حقيقة، كما في الطلاق. وذلك كأن يقول: ضمنت إحضار نفسه، أو رأسه أو وجهه. أما إذا قال ضمنت يده أو رجله فلا يصح.
وقالوا: ينقسم شرط الكفالة إلى خمسة أقسام:
القسم الأول: يرجع إلى الكفيل، فيشترط فيه أن يكون عاقلاً، بالغاً، فلا تنعقد كفالة المجنون. أما الصبي فتنعقد كفالته بالمال فقط دون النفس. وتكون كفالته بالمال فيما ينفق عليه منه، وتكون كفالته بأمر وليه. أما إذا أمر بأن يكفل نفس الولي لصاحب المال، وذلك بأن يحضر الولي عند الحاجة، فإن كفالته هنا تكون محض تبرع منه، وهو ليس أهلاً للتبرع.
ويشترط أن يكون الكفيل حراً، فلا تصح كفالة العبد إلا بإذن السيد أو بعد عتقه.
ولا يصح للمريض أن يكفل ديناً يزيد على ثلث ماله، وإذا كان عليه دين يستغرق جميع ماله بطلت كفالته. كما لا يصح للمريض أن يكون كفيلاً لوارث، أو عن وارث أصلاً ولو كان الدين أقل من ثلث ماله.
والبلوغ والعقل هما شرطا انعقاد. أما الحرية فهي شرط نفاذ. وتشترط الصحة (العافية) فيما زاد عن ثلث المال.
القسم الثاني: ويرجع إلى الأصيل أو المديون. فيشترط فيه أن يكون قادراً على تسليم المكفول به بنفسه، أو بواسطة نائبه، فإذا كفل ميتاً مفلساً لا تصح كفالته، لأن الميت المفلس عاجز عن التسليم بنفسه أو بواسطة غيره بسبب إفلاسه. فإذا ترك الميت مالاً فإنه تصح الكفالة عنه بقدر ذلك المال فقط.
كما يشترط في الأصيل أن يكون معلوماً. فلا تصح كفالة المديون المجهول إذا كانت الكفالة في المستقبل وتسمى مضافة. ومثال ذلك إذا أراد شخص أن يعلِّم ولده التجارة، ويجلب له الناس الذين يشترون منه، فيقول له: بع للناس ولو بالدين وأنا أضمن لك ما تبيعه من ذلك، فهذه الكفالة غير صحيحة لأن الناس الذين كفلهم مجهولون. ومثل ذلك أيضاً إذا قال له: إن غصب منك أحد شيئاً فأنا كافل له. وتسمى هذه كفالة معلقة بالشرط، وهي في معنى الكفالة المضافة.
ولا يشترط في الأصيل، المكفول عنه، أن يكون حرّاً، بالغاً، عاقلاً، فتصح كفالة الصبي بالمال والنفس سواء كان مميزاً أو لا، ومأذوناً له في التجارة أم لا.
القسم الثالث: ويرجع إلى المكفول له، وهو صاحب الدين. فيشترط فيه أن يكون معلوماً، فلا يصح للشخص أن يكفل شخصاً لمن يجهله. وأن يكون عاقلاً فلا تصح الكفالة للمجنون أو الصبي الذي لا يعقل، لأنه يشترط قبول المكفول له، ولا تصح الكفالة بقبول وليهما. أما حرية المكفول له فإنها ليست بشرط.
القسم الرابع: ويرجع إلى المكفول به، سواء كان ديناً، أو عيناً، أو نفساً.
ويشترط لصحة الكفالة في الدين شرطان:
الشرط الأول: أن يكون ديناً صحيحاً. والدين الصحيح هو الذي لا يسقط إلا بأدائه لصاحبه أو بالبراءة منه. أما الدين غير الصحيح فلا يصح ضمانه، كدين الكتابة، فإن للمديون وهو العبد المكاتب، أن يفسخ عقد الكتابة متى شاء.
ويستثنى من ذلك الدين المشترك بين اثنين، فإنه، وإن كان صحيحاً، ولكن لا يصح لأحد الشريكين أن يضمنه.
الشرط الثاني: أن يكون الدين قائماً، ومعناه أن يكون باقياً غير ساقط. وعلى ذلك لا يصح ضمان دين على ميت مفلس، لأن الميت المفلس يسقط عن الدين. ولا يشترط أن يكون الدين معلوماً، بل تصح الكفالة بالمجهول.
وعند الحنفية: يشترط في كفالة الأعيان أن تكون مضمونة بنفسها أو بغيرها. ومن الأعيان المضمونة بنفسها البيع على سوم الشراء، فإذا ساوم شخص آخر على سلعة سمَّى ثمنها له، ثم استلمها على أن ينظر إليها أهله مثلاً قبل أن يبت في شرائها، صحت كفالتها. أما إذا لم يُسمِّ ثمنها فإنها تكون أمانة، ولا تصح لما ليس مضموناً كالوديعة، ومال المضاربة والشركة، فإن هذه لا يجبر على تسليمها فلا تصح فيها الكفالة. أما العارية، والمستأجَر في يد المستأجر فهذه تصح كفالتها. ولكن إذا هلكت لا يجب على الكفيل قيمتها. ويشترط عندهم، في الكفالة بالنفس أن تكون النفس مقدورة التسليم، فلا يصح أن يكفل شخصٌ غائباً لا يدري مكانه، لأنه لا يقدر على إحضاره وتسليمه.
ومن الشروط التي ترجع إلى المكفول به أن لا يكون حدّاً أو قصاصاً، فلا تصح الكفالة بهما لأنهما لا يمكن تسليمهما، وإنما تصح كفالة الشخص الذي وجب عليه حدٌّ أو قصاصٌ بمعنى إحضاره عند اللزوم.
القسم الخامس: ويرجع إلى الصيغة، فيشترط فيها أن لا تكون معلقة على شرط غير موافق للكفالة، كما لو قال له: أكفل دينك على فلانٍ إن سقط المطر، فهذا الشرط غير محقق الوقوع، ولذا كان غير موافق للكفالة. أما تلك المعلقة على شرط موافق فهي صحيحة. ويكون الشرط موافقاً بأحد أمور ثلاثة:
الأول: أن يكون الشرط سبباً للزوم الحق، كما لو قال له: أكفل لك السلعة المودعة عند فلانٍ إن أنكرها، وذلك لأن إنكارها سبب لوجوب ثمنها عليه وهكذا..
الثاني: أن يكون الشرط سبباً لسهولة تمكن الكفيل من استيفاء المال من الأصيل، كما لو قال له: إذا قدم زيدٌ فعليَّ ما عليه من الدين، فالشرط هو قدوم زيد، وقدومه هذا سبب في تسهيل استيفاء صاحب الدين حقه من زيد عند قدومه.
الثالث: أن يكون الشرط سبباً لتعذر الاستيفاء، كما لو قال له: إن غاب زيد عن البلد فعليَّ.. فالشرط هو غياب زيد، وهو سبب لتعذر استيفاء الدين منه، فيصح أن يكفله فيه.
والخلاصة أن تعليق الكفالة على شرط محقق الوقوع صحيح إذا لم يترتب على ذلك إخلال بعقد الكفالة، وهو توثيق الدين وتأكيده. فإذا كان الشرط من الأمور التي ليست محققة الوقوع فإنه لا يصح.
- وقال المالكية[*]: يشترط للكفالة شروط: بعضها يتعلق بالمكفول عنه، وبعضها يتعلق بالكفيل، وبعضها يتعلق بالمال المكفول به، وبعضها يتعلق بالصيغة.
الشروط المتعلقة في المكفول عنه:
فيشترط فيه ألا يكون محجوراً عليه بسفهٍ في الشيء الذي يضمن فيه. وذلك لأن تصرف السفيه ينقسم إلى قسمين:
أحدهما: أن يتصرف في شيء لازم له، بحيث يكون من ضروريات أموره، وسواء تعلق ذلك بالبيع أو الشراء أو الإنفاق، فإنه يصح كفالته في هذا الشيء. وإذا دفعه الكفيل فإنه يرجع به على المحجور عليه، ويؤخذ من ماله.
ثانيهما: أن يتصرف في شيء غير لازم له، ويمكنه الاستغناء عنه، وهذا لا تصح فيه كفالته، ولا يرجع فيه على المحجور عليه. وإذا كان الضامن يعلم أن المديون محجور عليه ثم ضمنه، وكان المضمون له لا يعلم، فلا يحق له في الرجوع على المحجور عليه بما دفع. أما إذا كان الضامن لا يعلم بالحجر. وكان المضمون له على علم به، فإن الضامن لا يلزم بشيء في مثل هذه الحالة. ولا يشترط في المكفول عنه أن يكون قادراً على تسليم المكفول به، فتصح كفالة الميت المفلس، بمعنى حمل الدين عنه، لا بمعنى ضم ذمة الكفيل إلى ذمة الميت.
الشروط المتعلقة في الكفيل وهي:
1 - أن يكون بالغاً، فلا يصح للصبي أن يضمن غيره.
2 - أن يكون عاقلاً، فلا تصح الكفالة من المجنون.
3 - أن لا يكون محجوراً عليه لسفه، فلا يصح للسفيه أن يضمن غيره.
4 - أن لا تكون امرأة متزوجة إذا أرادت أن تضمن في مقدار يزيد عن ثلث مالها بغير إذاً زوجها. فإذا تكفلت المرأة بشيء أكثر من ثلث مالها فلزوجها الحق في رد الكفالة في الجميع. أما إذا تكفلت بمقدار ثلث مالها فإن كفالتها تصح ولو لم يأذن زوجها.
5 - أن لا يكون مريضاً، في حالة الخطر، إذا أراد أن يضمن في أكثر من ثلث ماله، فإذا ضمن بأكثر من ثلث ماله في المرض لا ينفذ إلا إذا أجازته الورثة.
والشرط الأول والثاني والثالث هي من شروط الصحة. بينما الشرطان الرابع والخامس من شروط النفاذ. ومن شروط النفاذ أيضاً ألا يكون رقيقاً، فإذا ضمن العبد بغير إذاً سيده فإن ضمانه لا يصح، ولا ينفذ إلا إذا أجازه سيده.
6 - أن لا يكون على الضامن دين يستغرق كل ماله، إذ إن كفالته في هذه الحالة لا تصح، ولا يكون أهلاً للتبرع.
الشروط المتعلقة بالمال المكفول:
يشترط أن يكون ديناً، فلا تصح الكفالة في الأمانات، كالعين المستعارة، والعين المودعة. وكذا مال المضاربة، والشركة. ولكن إذا فرّط المستعير في العارية، أو الشريك في مال الشركة، أو أتلفه بالتعدي، وجاء بضامن يضمنه، فإن الضامن يلزم بقيمة ما أتلف المضمون.
ويشترط في الدين أن يكون لازماً، أو يؤول إلى اللزوم. ومثال المال اللازم دين القرض، وثمن السلعة المبيعة. ومثال الدين الذي لا يلزم في الحال ولكن يلزم في المآل دين الجعل، فإن من جعل لآخر جعلاً على عملٍ يعمله، فإن الجعل يلزم بعد الفراغ من ذلك العمل، فيصح ضمانه.
ومثال المال غير اللازم الذي لا يصح ضمانه دين الصبي بغير إذاً وليه، والسفيه المحجور عليه، ودين الرقيق بغير إذاً سيده، ودين المكاتب الذي يجوز له أن يفسخ عقد الكتابة.
ويصح ضمان الدين الحالّ مؤجلاً، كما يصح ضمان الدين المؤجل حالًّا.
ولا يشترط في المضمون به أن يكون معيّناً، فإذا قال شخص لآخر: داين فلاناً وأنا ضامن له، فإنه يصح الضمان فيما داينه به.
الشروط المتعلقة بالصيغة:
يشترط فيها أن تدل على الحفظ والحياطة عرفاً، مثل قوله: أنا زعيم، أو كفيل، وما هو من قبيل ذلك، فكلها ألفاظ ينعقد بها الضمان.
ولاستعمال الصيغة ثلاثة أحوال:
الأولى: أن يكون اللفظ مطلقاً، غير مقيد بما يدل على ضمان المال أو النفس، كما لو قال: أنا ضامن لفلان، ولم يقل: في المال الذي عليه، أو في إحضاره بنفسه. فالبعض يقول، في هذه الحالة، إنها تحمل على الضمان بالمال، وبعضهم يقول: إنها تحمل على الضمان بالنفس.
الثانية: أن يذكر لفظ الضمان مقيداً بما يدل على المضمون به لفظاً، كما لو قال: أنا ضامن لما على فلان من الدين، أو ضامن لنفس فلان، فهنا تدل الصيغة على المضمون به.
الثالثة: أن يذكر لفظ الضمان مقيداً بما يدل على المضمون به في اللفظ، كأن يقول: أنا ضامن لفلان، وينوي دينه، أو نفسه، ففي هذه الحالة يعامل الضامن بما نواه، ويصدَّق في قوله لأنه متبرع، والأصل براءة ذمته.
- وقال الشافعية[*]: تنقسم شروط الضمان والكفالة إلى أربعة أقسام:
القسم الأول: ويرجع إلى الضامن، فيشترط فيه:
1 - أن يكون عاقلاً، فلا يصح ضمان المجنون، أما من غاب عقله بسبب السكر فإن ضمانه يصح.
2 - أن يكون بالغاً فلا يصح ضمان الصبي.
3 - أن لا يكون محجوراً عليه لسفه، أما المحجور عليه بسبب الإفلاس فإن ضمانه يصح، وكذلك ضمان السفيه غير المحجور عليه فإنه يصح.
4 - أن لا يكون مريضاً مرض الموت. وضمانه لا يصح بشرطين: الأول: أن يكون دينه مستغرقاً كل ماله. والثاني: أن لا يطرأ له مال جديد بعد الموت. فإن ظهر أن له مالاً مستحقاً بعد موته فإن ضمانه يصح ويؤخذ المضمون من ذلك المال.
5 - أن لا يكون مكرهاً، فلا يصح ضمان المكره.
القسم الثاني: ويرجع إلى المضمون له (صاحب الحق): ويشترط فيه أن يكون معروفاً للضامن بشخصه، فلا تكفي معرفة اسمه. ولا يشترط رضا المضمون له، لأن الضمان لا يضره، إذ هو التزام يزيد دينه تأكيداً.
وكذلك لا يشترط معرفة المضمون عنه (وهو المدين) ولا رضاه. فيجوز للإنسان أن يضمن دين الميت الذي لا يعرفه. أما في ضمان النفس فيشترط رضا المكفول، لأنه لا يلزمه أن يذهب معه للتسليم إلا إذا أذنه بأن يكفله. ومن ضمن بغير إذاً كان متبرعاً، فلا رجوع له.
القسم الثالث: ويرجع إلى الصيغة، ويشترط فيها شرطان:
الأول: أن تكون لفظاً يدل على الالتزام، كأن يقول: ضمنت، تكفلت.. أما إذا أتى بصيغة لا تدل على الالتزام، فمثل هذه الصيغة لا تكون ضماناً، وإنما تكون وعداً، إلا إذا نوى بها الضمان فإنها تكون كذلك.
الثاني: أن لا تكون معلقة أو مؤقتة. فإذا قال: إن جاء الغد ضمنتك، أو قال: أنا ضامنٌ مالَ فلانٍ شهراً، أو كافلٌ بدنَهُ أسبوعاً، فإن الضمان لا يصح.
ويصح أن يضمن دفع الدين الحالّ مؤجلاً، وثبت الأجل للكفيل لا للأصيل. أما إذا كان الدين مؤجلاً، ثم ضمنه على أن يدفعه حالًّا، فإن الضامن لا يلزم بدفعه حالًّا، لأن الأجل ثابت في حق الأصيل استقلالاً، وفي حق الكفيل تبعاً، فلا يطالب أحدهما قبل حلول الأجل. فإذا مات الأصيل حل الدين عليهما معاً.
القسم الرابع: ويرجع إلى المضمون به، سواء كان ديناً، أو عيناً، أو نفساً..
فيشترط في الدين أن يكون لازماً في الحال أو المآل. ومثال الدين اللازم في الحال القرض وثمن السلعة المبيعة ونحو ذلك. ومثال الدين الذي يؤول للزوم ثمن السلعة في مدة الخيار، فإنه وإن لم يلزم في الحال، ولكنه يلزم مآلاً، فيصح ضمانه.
ويشترط أن يكون الدين معلوماً، فلا يصح ضمان المجهول قدراً أو جنساً، أو صفة، إذ لا بد من بيان ذلك. ويستثنى من ذلك إبل الدية فإنه يصح ضمانها مع عدم ذكر صفتها، لأنه يرجع في صفتها إلى غالب إبل البلاد فلا حاجة لذكر صفتها.
أما الأعيان فيشترط لصحة ضمانها أن تكون من الأعيان المضمونة أي التي يجب ردها إلى مالكها. أما ضمان قيمتها إذا تلفت فلا يصح. وأما إذا تلفت بالفعل فإنه يصح ضمان قيمتها بعد تلفها لثبوته في الذمة حينئذ. ومثال العين المضمونة: المغصوبة والمستعارة.
أما الأعيان غير المضمونة: المودعة، والموصى بها، والمؤجرة، فلا يصح ضمان ردها، لأن ردها لا يجب على واضع اليد، بل ما هو واجب عليه أن يخلي بينها وبين مالكها.
وأما كفالة النفس: فيشترط لصحتها أن يكون على المكفول ببدنه حق لآدميّ، مالاً كان أو عقوبة.
- وقال الحنبلية[*]: إن من شروط الضمان:
1 - ما يتعلق بالضامن. فيشترط فيه أن يكون أهلاً للتصرف، فلا يصح ضمان المجنون، والصغير، والسفيه، ويصح ضمان المفلس، لأن الضمان يتعلق بالذمة. وكذا يشترط رضا الضامن، فلا يصح ضمان المكره.
ولا يشترط في الضامن أن يعرف المضمون له (صاحب الحق)، كما لا يشترط أن يعرف المضمون عنه (المدين) إذ يجوز أن يضمن من لا يعرفه حيّاً أو ميتاً.
2 - ما يتعلق بالمضمون به: وهو الدين، أو العين، أو النفس..
فيشترط لصحة الضمان بالدين أن يكون لازماً حالًّا كالقرض وثمن المبيع الذي لا خيار فيه، أو لازماً مآلاً كثمن المبيع قبل مضي مدة الخيار، فإنه يؤول للزوم. فلا يصح الضمان بالدين غير اللازم كدين الكتابة. فإن للمكاتب أن ينقض العقد ويمتنع عن الأداء، فدينه ليس بلازم، لا حالًّا،ولا مآلاً.
ويشترط لصحة ضمان العين أن تكون مضمونة على من هي في يده كالعين المغصوبة والمستعارة.
ومعنى ضمان الأعيان ضمان ردها أو قيمتها عند تلفها. أما الأعيان غير المضمونة فإنه لا يصح ضمانها كالوديعة، والعين المؤجرة، ومال الشركة، والمضاربة، والعين المدفوعة إلى الخياط، والصباغ ونحو ذلك.
3 - ما يتعلق بالصيغة: ويشترط فيها أن تكون بلفظ يفهم منه الضمان عرفاً، كقوله: أنا ضمين، وكفيل، وحميل، وصبير، وزعيم ونحو ذلك، ويصح الضمان بلفظ معلق كأن يقول: إن أعطيت فلاناً فأنا ضامنه. أو بلفظ منجز، كأن يقول: أنا ضامن لفلان. وكذلك يصح بلفظ مؤقت، كأن يقول: إذا جاء رأس الشهر فأنا ضامن لفلان.
ويصح أن يضمن شخص ديناً حالاً إلى أجل معلوم. ويثبت الأجل في حق الضامن بحيث لو مات المضمون لا يحل موعد دفعه.
بعض المسائل في الضمان:
1 - يجوز للضامن أن يضمن الدين بأقل منه برضا المضمون له. ولا يرجع الضامن على المضمون عنه مع إذنه في الضمان إلا بما أداه. ويجوز أن يضمن الدين بأكثر منه، لأن المفروض أن الزيادة لم تقع شرطاً في الدين الذي استدانه المضمون عنه، كي تكون من الربا، ولأن للمدين أن يرد الدين بأكثر منه تبرعاً. ولكن لا يجوز للضامن أن يرجع على المضمون عنه إلا بأصل الدين، حتى ولو دفع للمضمون له أضعافاً.
2 - إذا كان اثنان في سفينة، ولأحدهما فيها أمتعة، وقال الآخر لصاحب الأمتعة أَلْقِ أمتعتك في البحر، وعليّ ضمانها، فهل يصح هذا الضمان؟
قال الفقهاء: إذا قال له ذلك للخوف على السفينة من الغرق بسبب الثقل صح الضمان بالإجماع دفعاً للضرر. أما مع عدم الخوف فلا يصح الضمان لأنه سفه. وقد أجمع الفقهاء على عدم صحة الضمان لو قال له: مزق ثوبك، أو اجرح نفسك وعليّ الضمان.
3 - لا سبيل للمضمون له على المضمون عنه، ولكن إذا دفع هذا له الحق برئ هو والضامن.
4 - إذا كان الدين الذي ضمنه الضامن مؤجلاً إلى أمد معين، ومات الضامن قبل مضي الأجل، فإن الدين الذي عليه يصبح معجلاً بموته، ويستوفى من تركته. ولكن لا يحق لورثة الضامن الرجوع على المضمون عنه إلا بعد مضي أجل الدين، لأن الحلول على الضامن بموته لا يستدعي الحلول على المضمون عنه.
5 - إذا ضمن من غير إذاً المضمون عنه، ولكن بعد أن تم الضمان قال المضمون عنه للضامن: أدِّ عني، فهل يرجع الضامن بما أداه، لوجود الإذن بالأداء؟
الجواب: كلا، لأن سبب الرجوع هو الإذن بالضمان لا الإذن بالأداء، إذ الضمان ينقل المال من ذمة المضمون عنه إلى ذمة الضامن، وعليه يكون المضمون عنه بريئاً من الدين، ويكون قوله: أدِّ عني، كقول أي بريء لمن عليه ديون للناس: أدِّ ما عليك من ديون.
التنازع بين أطراف الضمان:
1 - إذا اختلف الضامن والمضمون له في مقدار الدين المضمون، أو في مقدار ما ضمن منه، أو في اشتراط تعجيل المؤجل، فالقول قول الضامن، لأن الأصل عدم الزيادة.
وإذا اختلفا في وفاء الحق، أو الإبراء منه كلًّا أو بعضاً، أو في تأجيل الحالّ، فالقول قول المضمون له، لأن الأصل بقاء ما كان على ما كان.
2 - إذا اختلف الضامن والمضمون عنه في الإذن، فقال الضامن: أذنت لي بالضمان عنك، وقال المضمون عنه: كلا، لم آذن. فالقول قوله، وعلى الضامن البينة. وإذا قال الضامن: وقد وفيت الدين عنك للمضمون له، وأنكر المضمون عنه الوفاء، سئل المضمون له، فإن صدق الضامن ألزم المضمون عنه بالأداء، لأن إقرار المضمون له بوصول حقه إليه حجة عليه، وإن أنكر المضمون له الوفاء فعلى الضامن البينة.
3 - إذا أنكر الضامن الضمان من الأساس، وأقام المضمون له البينة على ضمانه، واستوفى الحق منه كاملاً، فلا يجوز للضامن أن يطالب المضمون عنه بشيء، لأن إنكاره لأصل الضمان يشكل اعترافاً منه بأن المضمون عنه لم يأذن له بالضمان، وسبق أنه مع عدم الإذن لا يحق له الرجوع عليه.
4 - إذا كان عليك دين لشخص، وأذنت لأحد معارفك أن يفي ما عليك من الدين من غير أن يكون قد ضمنه للدائن، وبعد أمدٍ قال: قد وفيت عنك تلبية لرغبتك، فإذا أنكرت قوله كان عليك الإثبات بأن الدين باق على ما هو، وعليه اليمين مع العلم بأنه مدَّع، وأنت المنكر، لأنه أمين بعد الإذن له بالوفاء، وليست على الأمين إلا اليمين. هذا إذا لم يعترف الدائن بالوفاء، ومع اعترافه به لا يبقى موضوعٌ للنزاع والاختلاف.




Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB