المعاملات والبينات والعقوبات
الطبعة : الطبعة الثانية  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   1102
تاريخ النشر :   2009




المصارف (البنوك)

التعامُلُ السائِدُ الآن في العالم خاضعٌ للنظام الاقتصاديّ الرأسماليّ. وقد اعتمدَ واضعو هذا النظام على تركيز الأسُس الرِّبَوِيَّة لبناء التعامل السوقيّ، وهذا يُبنى، بطبيعة الحال، على نظام الفوائد الذي لا تُقِرّه الشريعةُ الإسلامية.
ولكنّ الكثير من المسلمين اليوم، ولا سيّما التّجار، يقولون: إِن الحياة الاقتصادية في ظلِّ هذا النظام تُحتِّم على الأفراد التعامل مع المصارف، مباشرةً أو بالواسطة، بحيث أصبح من العسير الانفكاكُ عنها بعد أن أصبح التعامل السوقيّ مرتبطاً ارتباطاً كليّاً بالمؤسسات المصرفية. وبينَ هذين يقفُ الشخصُ المؤمِنُ والحيرةُ تأخذُ عليه مسالك التفكير. فما يصنع؟
إنَّ ضرورات الحياة تُلجئه ولا شك إلى التعامل مع المصارف الربوية، والشريعة الإِسلامية تأمره بالابتعاد عن الرِّبا والتعامل فيه، فهل بالإِمكان أن ينعزِل المؤمن ويترك هذا المجتمع الذي يعيش فيه - وكلُّ مجتمع آخر مثله تماماً في الربوية - ليحافظ على دينه، ويبتعد عن الرِّبا وآثامه، أو أنَّ عليه أنْ ينفتح على مختلف التيارات العصرية، بما فيها التعامل مع البنوك الرأسمالية، فلا يُبالي بما تُمليه عليه الشريعة المقدّسة من التنديد بأكل المال بالباطل والحرام؟!!
قبل الإجابة على هذه التساؤلات لا بد من إلقاء نظرة سريعة على أنواع البنوك والمعاملات التي تجري فيها.
أنواع البنوك وأعمالها:
تنقسمُ البنوكُ إلى ثلاثةِ أنواع:
1 - حكوميّة: ويتكون رأس مالها من أموال الدّولة. ولا حقّ لشخصٍ مُعينٍ فيه، بلْ هو مصلحةٌ حكوميّة.
2 - أهْلية: ويتكوّن رأس مال المصرف الأهليّ من اشتراك عددٍ من المُتموِّلين. وتكون الأرباح مقسمةً على نسبة الحصص، أو الأسهم التي يملكها كل مشترك، وفقاً لقاعدة الشركة المغفلة أو المساهمة.
3 - مشتركة بين الحكومة والأهالي: وتكون الحصص مشتركة بينهم على نسبة معينةٍ بين الطّرفين.
والأعمال الجارِيَة في المصارف كثيرةٌ أهمّها:
أ - الأمانات أو الودائع: وهي المبالغُ التي يُودعها أصحابها في المصارف حفظاً لها من التلف أو الضياع، وقد شجعت المصارفُ هذا النوع من الإِيداع، سواءٌ كان ذلك لمدّةٍ محدودةٍ أو غير محدودة. وفي مثل هذه الحالة يستطيع المصرف استثمارَ الودائع في موارد النفع بين فترتي الإِيداع والسّحب. ومُقابل الإِيداع يُعطي المصرفُ فائدةً للمُودع تختلفُ باختلاف المُدّة التي يكون المال مُودعاً خلالها، وطريقة الإِيداع، ومبلغ المال المودع.
ب - التوفير: أنشأته المصارفُ لتشجيع صغار المُدّخرين حيث يَقبل المصرفُ المبالغ القليلة لإيداعها باسم أصحابها. والفرقُ بين الأمانة والتوفير أنّ الأمانة لا يتمكن صاحبُها من استرجاعها قبل المدّة المعيّنة، ولكِن في التوفير يستطيع صاحب المالِ استرجاع ما أودعه في أيّ وَقتٍ كان. وتُحْسَبُ له الفوائدُ على المدّةِ التي كان فيها المالُ تحتَ تصرّف المصرف.
ج - الكفالات: يُراد بالكفالة هنا أن تتعهد جهةٌ ثالثة بضمان أحدِ طرفَين مشتركَين في عمل أو مشروع جرى الاتفاق بشأنه بينهما تجاه الطرف الثاني. فيُسمّى الطَّرفُ الأوّلُ «مُتعهِّداً» بينما يكونُ الطّرَفُ الثاني «مُتعهَّداً له». وفي هذه الحالة يطلب الطرفُ الثاني مِنَ الطرف الأوّل ضمانات ماليةً تُعوّضه عما قد يُصيبه من خسائرَ فيما لو انسحب دُون أن ينفذ ما تعهد القيام به، أو دون أن يُتمَّهُ..
لذلكَ يَلْجأ هؤلاء المُتعهّدون إلى المصارف لتكفلهم وتضمن قِيامهم بالعمل الذي اتُّفق عليه. وفي هذه الحالة يصدر المصرفُ خطاباً إلى المُتعهَّد له يتعهد فيه بكفالة الطرف الأول وضمانه بأن يدفع عنه مبلغاً من المال، إذا طُولِب بدفعه. وتشترك الجهات الثلاثُ، وهي المُتعهِّدُ والمتَعَهَّد له والكفيلُ، في الفائِدة: فالمتعهّدُ يستفِيدُ من هذه الكفالَةِ بأنْ لا يُقدّمَ ضماناً مالياً نقداً إلى الطّرف الآخر، بل يمكنه الاستفادةُ منه في نواح أُخرى مِنْ أعماله التجاريّة، والمُتعَهّد له تكون فائدتُه من هذه الكفالة ضمانَ حقّه، ووجود من يُعَوّضه عما قد يُصيبه من الخسائر إذا انسحب الطرفُ الأوّل ولم يتمّ ما تعهّد به، والكفيلُ يستفيد لأنه يتقاضى ممّن يكفلُه عمولةً يُتّفق عليها مُقابلَ كفالته التي يعطيها للمتعهِّد.
د - الحوالات: التحويلُ الذي يجري عليه التعامل في المصارف على حالتين:
1 - الحالة الأولى: أن يدفعَ الشخصُ إلى مصرفٍ في لبنان، مبلغاً قدره مليون ليرة لبنانيةٍ مثلاً، ويأخُذ هذا الشخص تحويلاً به على مصرفٍ في مصر. ومُقابل هذا التحويلِ يأخذ المصرفُ من المحوِّل عُمولةً مُعينة.
2 - الحالة الثانية: أن يأخذ أحد الأشخاص مبلغاً من المال من شخص آخر في طرابلس مثلاً، ويُحوله على تسلّم المبلغ من شخصٍ ثالثٍ، أو من مصرفٍ في بيروت. فيدفع المصرف المبلغ للشخص الآخر ليعودَ ويستردَّه من المحوِّل عليه، ويأخذُ مقابل ذلك عمولةً مُعينة.
هـ - تحصيل الشيكات: الشيك أو الصكّ لا يخرج عن كونه ورقةً تحويليّةً على المصرف، من قِبَل مُودِع فيه، يأمره بموجبه بدفع مبلغٍ مُعينٍ لحامله. ولذلك يُعتبر من الأوراق التجاريّة القابلة للتظهيرِ. ومعنى التظهيرِ أنْ يوقّع حاملُ الشيك أو الصّكّ على الوجه الآخر له فيصبح ملكاً لمن يكونُ في حوزته. ويعني تحصيل هذ الشيك قبض قيمته لحساب حامله.
و - تحصيلُ الأوراق التجاريّة: يقوم البنكُ بمطالبة المدينين بالأموالِ المستَحِقَّة عليهم لصالح الدّائنين. فلوْ كانت لشخصٍ على آخرَ ورقةٌ تُثبت بأنه مَدينٌ له بمليون ليرةٍ لبنانيةٍ مثلاً، ففي هذه الحالة ينوب المصرف بتحصيل هذا المبلغ من المدين ليوفرَ على الدّائن ما قد يترتب على المطالبة من مصاريف وأتعاب تحصيل. ومقابل هذه العملية من المطالبة والتعقّبِ يتقاضى المَصرفُ عُمُولة من الدّائن قدّمه له من خدمات.
ز - الحسابات التجاريّة: إن لكلِّ عميلٍ في مصرفٍ معيّنٍ الحَقّ في أن يسحب أيّ مبلغٍ على ذلك البنك، ولكن يُشترط أن لا تزِيد قيمةُ المسحوب عما له من الرّصيد، إلا عند وجود الثقة في العميل، فَيَسمح البنكُ له بأن يسحب مبالغ يُعين المصرف مقدارَها، تبعاً لمقدَارِ الثّقَةِ، ويُسمّى ذلك بالسّحْبِ المَكشوفِ، وتُحتسبُ فائدة على المبالغ التي تزيد عن رصيد حسابه. وهذه المُعاملة لا تخرج عن كونها معاملةً قَرْضيةً تكونُ من المصرف لذلك الشّخصِ. ومعنى الحساب المَكْشوفِ أنّ المَصرف يقْرض عميله نظراً لوُجودِ الثّقة به مَبْلغاً مُعيّناً مِنَ المالِ، ويكونُ ما يتقاضاهُ المَصرفُ من الفائدَة على هذه الأموال من الفوائد الرّبويّة.
ح - بَيْعُ وشراءُ الأسهمِ والسنداتِ: كثيراً ما يحدث أن توسّط إحدى الشركات المساهمة المصرفَ في بيعِ الأسهم والسّندات التي تمْلِكها، لما للمصرِف من اتّصالٍ مُباشرٍ مَعَ عُملائه، أو مع الجمهور. فإذا وافق المَصرفُ على ذلك اتُّفِقَ على العمولة وتتمّ بعدها عمليّةُ البيع.
ط - حسم الأوراق التجارية (الكمبيالات): الحسم هو أن يدفع المصرف للمقترِض قبل الموعد المحدّد قيمة الكمبيالة، مُقابل اسْتِقْطاعِ مَبْلَغٍ مُعيَّنٍ يُسمّى بمصاريف القَطْع. والكمبيالات في مَعْرض التعامل على نوعين:
أولاً: كمبيالات تُعبر عن وجودِ قرضٍ حقيقيّ: كما لو كان لزيدٍ في ذِمّةِ شَخْصٍ آخر مبلغ مليون ليرة، ومَوعدُ اسْتحقاق هذا القرض بعد مُرور ستّة أشهرٍ من تاريخِ حصول المدايَنةِ بين الطرَفين. وفي هذه الحالةِ يأخذ زيد الورقة المذكورة لينزلها عند شخصٍ ثالثٍ بمبلغ تسعمائة ألف ليرة. ولا بُد لحامِل الورقة أي الشخص الثالث من اعتبار هذه المُعاملة بيعاً لا قرضاً. ويتولى الشخصُ الثالثُ بعد ذلك مُطالبة المَدينِ بالمبلَغِ المذكورِ، وهو مليون ليرة في المَوْعدِ المُحدّدِ.
النوع الثاني: كمبيالات تُعبّرُ عن وجود قرضٍ صُوريّ ويُسمّى بالمُجاملةِ، حيثُ لا يكونُ لأحدِ الطرفينِ قرضٌ بذمّة الآخر، بل قد يكتُب أحد الطرفينِ إلى الآخر ورقة (كمبيالة) تُفيدُ بأنّه مدينٌ له بمبلغ مائة دينارٍ، وأنه مُستعدٌّ للدفع في الموعد المحدّد. ولذا أطلقوا عليها اسم الكمبيالة «المجاملة» لأن المدايَنة كانت صوريّة بينهما. وبعد إتمام هذه المداينة الصوريّة يأخذ الدّائنُ ورقةَ الكمبيالة ليدفعها إلى المصرف، فيستقطعُ المصرفُ مَبْلغاً مُعيناً، ويدفعُ ما تبقى إليه. وعندَ حلول الموعد يتولى المصرف مطالبة المدين بالمبلغ المذكور كاملاً.
ي - الاعتمادات المستندية: يتمّ العقد، بين التاجر والشركة من خارج البلاد أو مع وكيلها الموجودِ في البلد، على نوع من البضاعةِ. وبعد أن يتفق الطرفان على الموجبات المتبادلة يتقدم التاجر إلى المصرف الذي يتعامل معه بطلب فتح اعتماد. وفي هذه الفترة يرسل الوكيل الفواتير التي تبين نوعيّة البضاعة ومقدارها والأسعار التي اتّفق عليها الطّرفان إلى الشركة ويُعلمها بذلك، أي الاتفاق قدْ تم بينهما على هذه المعاملة، وهي إجراء الصفقة، أو يقومُ التاجِرُ بهذه العمليةِ مباشرة إذا لم يكن للشركةِ وكيلٌ في البلاد.
وعندما يطلُبُ التاجِرُ من المصرف فتح اعتمادٍ له لا بدّ من أن يدفع للمصرف قسماً من قِيمة البضاعة، ويقوم البنك، بعد ذلك بِدفع كامل ثمن البضاعة للمؤسسة التي تملكها.
وبإزاءِ ذلكَ لا بدّ منْ تسجيلِ البضاعةِ باسمِ المصرف حين التصدير، وحين وصولها إلى المحلّ يشعر المصرفُ صاحبها بالوصولِ، ويَتمّ تحويل البضاعة من اسم المصرف إلى اسم صاحبها بعد أن يدفع ما دفعه المصرفُ إلى الشركة ممّا تبقى من ثمن البضاعة.
ويتقاضى المصرفُ على هذهِ العمليةِ عمولةً مقطوعةً مقابل خدماته من تسجيل البضاعة باسمه، واعتباره طرفاً آخرَ في مقابل الشركة المصدّرة، وفائدة تُستقطع لقاء دفعِ المالِ المتبقّي من يوم تسليمه إلى الشركة إلى يوم تسلّمه المالَ من صاحب البضاعة.
ويحفظُ الاعتمادُ عادةً حقوقَ المصدّرين والمستوردين معاً. أمّا المصدّر فلأنه يتسلّم قيمة البضاعة حين تصديرها، وبذلكَ يضمن حقه. وأمّا المُسْتورِدُ فلأنّه يؤمن ثمن البضاعة التي يستوردها، إذا لم يكن لديه كامل المبلغ، أو أنه يستفيد بالمبلغ المتبقّي في بقية مجالاته التجاريّةِ الأخرى. يضافُ إلى ذلكَ أن التاجر مُجبرٌ على جعلِ المصرف وسيطاً في إتمام المعاملة لأن الحكومات تمنع تحويلَ الأموال، وإخراجها إلى خارج البلاد، ما لم يكن ذلك تحت نظرها وإشرافها.
وبناءً على ذلكَ كانَ الاستيرادُ مُغْلَقاً في وجهِ التجّارِ ما لمْ تكن المصارفُ هي واسطةً في إتمام هذهِ المُعامَلَةِ.
ك - خطاب الاعتماد: اعتاد المصارفُ، تسهيلاً منها لعملائها المسافرين إلى خارج البلاد، أن تزوِّدهم بخطابٍ تُخوِّلُ فيه المصارف بتزويدِ حاملِ ذلك الخطاب بما يحتاجُ إليه من المال بالمقدار الذي يخوّلُ الدفع.
الغايةُ منه التسهيلُ على المسافر بإراحته من حَمْل النقود معهُ إلى البلاد التي يريدُ الإقامة فيها أو المرور عليها، حفظاً لها من التلف أو الضياع.
فإذا رغب المسافر إلى الخارج أن يأخذ من مصرفه مثل هذا الخطاب، فعليه أن يدفعَ المبلغَ بكامله له، مع دفع عُمولةٍ على ذلك يتفقُ عليها معه، وحينئذٍ يزوّده المصرفُ بالخطاب المذكور الموجّهِ إلى مَصرفٍ معَينٍ أو إلى المصارفِ العالمية، يطلب منها أن تقوم بتزويد حاملِ ذلك الخطابِ بما يحتاجُ إليه منْ نقود ذلك البلدِ.
وبذلك نكون قد أتيْنا على ذكْرِ أهمِّ الأعمالِ الجاريةِ في المصارفِ في الوقت الحاضر. ومن ذلك يتبيّن أنّ العمَل الذي يتقاضى عليه المصرفُ عمولةً حلالٌ، ولا إشكال فيه، والعمل الذي يتقاضى عليهِ رِبا حرامٌ يجِبُ الابتعادُ عنهُ.
الصـرف
بعد هذه اللمحة عن المصرف لا بد من معرفة ما يتعاطى به من أعمال الصرف، والربا والقرض والحوالة والوديعة والكفالة وغير ذلك، وما هو حكم كل منها في الشرع.
تعريفه وشروطه:
الصرف في اصطلاح الفقهاء هو بيع النقد بالنقد جنساً بجنس أو بغير جنس، أي هو بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، أو بيع أحدهما بالآخر. ولذلك يعتبر الصرف من أنواع البيوع، فما كان ركناً للبيع فهو ركن للصرف. ولكنّ للصرف شروطاً خاصة زائدة على شروط البيع، وهي[*]:
1 - أن يكون البدلان متساويين: سواءٌ كانا نقداً أي مضروبين كالريال السعودي من الفضة، أو كانا مصوغين كالأساور والخلاخيل، والحلَق، ونحو ذلك.. فلا يصح أن يبيع ريالاً بريالٍ مع زيادة أبداً، كما لا يصح أن يبيع سواراً زنته عشرون مثقالاً بسوارٍ زنته خمسة وعشرون مثقالاً وإن اختلف نقشهما وصياغتهما.
2 - الحلول: لا يصح أن يبيع ذهباً بذهب، ولا فضة بفضة مع تأجيل قبض البدلين أو أحدهما ولو لأمدٍ قصير جّداً، فالحلول يعني قبض المبيع وبدله في الحال، دون التأخير إلى مدةٍ معينة.
3 - التقابض في المجلس: بأن يقبض البائع ما جعل ثمناً، ويقبض المشتري ما جعل مبيعاً. فإن افترقا ببدنهما قبل القبض فقد بطل العقد.
وأما بيع أحد الجنسين بالجنس الآخر، كما في بيع الذهب بالفضة أو بالعكس، فإنه لا يشترط فيه التساوي، إنما يكون بشرطين:
أحدهما: الحلول، فلا يصح تأجيل البيع.
ثانيهما: التقابض في المجلس.
أنواع العمليات التجارية التي يجري فيها الصرف:
يتبين لكل من يتتبع المعاملات المالية التي تجري في الأسواق العالمية أن عمليات الشراء والبيع تجري في ستة أنواع:
الأول: شراء عملة بذات العملة، كاستبدال أوراق نقدٍ جديدة من الريال السعودي مثلاً بأوراق قديمة منه.
والثاني: استبدال عملة بلدٍ معيَّنٍ بعملة بلدٍ آخر، كاستبدال الجنيه المصري بالدولار الأميركي أو غيره.
والثالث: شراء بضاعة بعملة معيَّنة، وشراء هذه العملة بأخرى، كشراء طائرات بدولارات أميركية، واستبدال دنانير كويتية بدولارات أميركية، في صفقة واحدة.
والرابع: بيع بضاعة بعملة معينة، كبيع الأرز المصري بجنيهات استرلينية.
والخامس بيع سندات معيَّنة بعملة معيَّنة، كبيع سندات الخزينة التي تصدرها حكومة لبنان بالليرة اللبنانية، أو بالدولار الأميركي.
والسادس: بيع أسهم إحدى الشركات بعملة معيَّنة، كبيع أسهم شركة «رينو» الفرنسية بفرنكاتٍ فرنسية، أو بالمارك الألماني.
فهذه المعاملات المالية السِّت هي التي تجري فيها عقود البيع والشراء في الأسواق الداخلية، أو في الأسواق العالمية.
أما النوعان الأول والثاني أي بيع عملة بذات العملة، أو بيع عملة بعملة أخرى، فهو عملية صرف. وهي جائزة، لأن الصرف مبادلة مال بمال من الذهب والفضة، إما بجنسه مماثَلة، وإما بغير جنسه مماثلةً ومفاضلة. ويجري الصرف في النقد، كما يجري في الذهب والفضة، لأنه ينطبق عليه وصف الذهب والفضة باعتباره عملة، ولا يجري فيه الصرف قياساً على الذهب والفضة، وإنما هو نوع من أنواعهما لاستناده إليهما في الاعتبار النقدي.
وأما النوعان الثالث والرابع أي شراء البضائع بالعملات، واستبدال العملات بعملات أخرى لشراء البضائع أيضاً، أو لبيعها بعملات أخرى وهكذا.. فكل واحدة من هذه العمليات هي في الحقيقة عمليتان: عملية بيع وشراء، وعملية صرف. فتجري عليهما أحكام البيع والصرف، ويجري فيهما حكم تفريق الصفقة.
وأما النوعان الخامس والسادس أي شراء السندات والأسهم وبيعها، فلا يجوز شرعاً مطلقاً، لأن السندات لها فائدة مقررة فيدخل فيها الربا، بل هي نفسها معاملة من المعاملات الربا. فعن عليٍّ بن أبي طالب (عليه السلام) «أنَّه كره بَيْعَ صك الورق حتى يُقبض»[*].
وكذلك الأمر بالنسبة إلى الأسهم، فلأنها حصة في شركة باطلة شرعاً، فهي غير جائزة، وشراؤها أو بيعها فاسد. ولذلك لا يجوز التعامل بالأسهم في الشركات المساهمة كلها، سواء أكانت في شركة عملها حلال في الأصل، كالشركة التجارية أو الصناعية، أم كانت في شركات عملها حرام أساساً كأسهم البنوك.
وهكذا يتبين أن عمليات الصرف قد تجري بين نقدين مختلفين، أو في نقدٍ من جنسٍ واحد..
فإذا اشترى شخص ذهباً بفضة عيناً بعين، كأن يقول: بعتك هذا الدينار من الذهب بهذه الدنانير من الفضة، ويشير إليهما وهما حاضران، أو إذا اشترى ذهباً بفضة بغير عينه، وذلك بأن يوقع العقد على مصرف غير مشار إليه، فيقول: بعتك عشرة جنيهات مصريةً بثلاثةِ ريالات سعودية، فهذا كله جائز، لأن النقود تتعيّن بالتعيين في العقود، فيثبت الملك في أعيانها.
وإنَّ بيع الذهب بالفضة جائز سواء في ذلك بيع الدنانير بالدراهم، أو بالحلي أو بالنقار[*]، أو بيع الفضة بالذهب وبحلي الذهب وسبائكه وتبره. غير أن ذلك كله يكون يداً بيد ولا بدّ، وعيناً بعين ولا بدّ، متفاضلين، ومتماثلين وزناً بوزن. قال علي بن أبي طالب (عليه السلام): «لا يبتاع رجلٌ فضةً بذهبٍ إلا يداً بيد، ولا يبتاع ذهباً بفضة إلا يداً بيد»[*].
هذا إذا كان الصرف بين نقدين مختلفين، أي غير متحدِّي الجنس.
أما إذا كان الصرف في نقد من جنسٍ واحدٍ، فلا يصح إلاَّ متماثلاً، ولا يصح متفاضلاً. فيباع الذهب بالذهب، سواءً أكان دنانيرَ أو حليّاً أو سبائك أو تبراً، وزناً بوزن، عيناً بعين ويداً بيد، ولا يحل التفاضل بذلك أصلاً.
وكذلك تباع الفضة بالفضة، دراهم وحلياً أو نقاراً، وزناً بوزن، عيناً بعين ويداً بيد، ولا يجوز التفاضل في ذلك أصلاً.
مما تقدم يتبين أن الصرف في النقد الواحد جائز بشرط أن يكون مِثْلاً بِمثْل، ويداً بيد، وعيناً بعين. والصرف بين نقدين جائز، ولا يشترطُ فيه التفاضل وإنما يشترط أن يكون يداً بيد وعيناً بعين.
ودليل جواز الصرف قوله (صلى الله عليه وآله وسلّم): «بيعوا الذهب بالفضة والذهب بالفضة كيف شئتم يداً بيد»[*]. وعن عبادة بن الصامت قال: «نهانا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) عن بيع الذهب بالذهب، والوَرِق[*] بالورق، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر إلا مثلاً بمثل، يداً بيد. وأمرنا أن نبيع الذهب بالورق والورق بالذهب والبر بالشعير والشعير بالبر، يداً بيد كيف شئنا...»[*]. فلا يجوز بيع الذهب بالفضة إلا يداً بيد. فإذا افترق المتبايعان قبل أن يتقابضا فالصرف فاسد. قال (صلى الله عليه وآله وسلّم): «الذهب بالورق ربا إلا هاء وهاء»[*].
ويشترط أن يقبض المتصارفان في المجلس. ومتى انصرف المتصارفان قبل التقابض فلا بيع بينهما، لأن الصرف هو بيع الأثمان بعضها ببعض، والقبض في المجلس شرط لصحته.
ونهى النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) عن بيع الذهب بالورق ديناً، ونهى عن أن يباع غائب منها بناجز (أي بحاضر). ولذلك كان لا بد من التقابض في المجلس، فإن تفرقا قبل التقابض بطل الصرف لفوات شرطه، وإن قبضَ البعض ثم افترقا بطل في ما لم يقبض، وفي ما يقابله من العوض، وصح فيما قبض وفي ما يقابله من العوض، لجواز تفريق الصفقة. فلو صارف رجل آخر ديناراً بعشرة دراهم وليس معه إلا خمسة دراهم، لم يجز أن يتفرقا قبل قبض العشرة كلها. فإن قبض الخمسة وافترقا بطل الصرف في نصف الدينار وصح في ما يقابل الخمسة المقبوضة. فإذا استقرض من مصارفه أو غيره وأتم به صرفه فجائز، ما لم يكن عن شرط في الصفقة، فإن كان عن شرط في الصفقة لم يجز.
ويجوز في الصرف أن يحيل أحد المتصارفين صاحبه على رجل آخر لقبض حقه بشرط أن يكون المحال عليه حاضراً في مجلس العقد. وكذلك يجوز له أن يقدم رهناً لصاحبه ببدل الصرف. كما يصح له أيضاً تقديم كفيل يكفله لوفاء الحق. ولكن يشترط في هذه الحالات أن يتم فعلاً استيفاء الحق في مجلس عقد الصرف إما بالتسليم الفعلي في الحوالة والكفالة، أو بتحمل تبعة هلاك المرهون، إذا هلك في يد المرتهن.
معاملات الصرف:
مهما تعددت وتنوَّعت معاملات الصرف فإنها لا تخرج عن بيع نقد بنقد من جنس واحد، أو بيع نقد بنقد من جنسين مختلفين. وشرطها أن تتم حاضراً بحاضر أو ذمة بذمة، ولا تكون بين حاضر بذمة مطلقاً. وإذا تمت عملية الصرف بين متبايعين وأراد أحدهما الرجوع بها فلا يصح رجوعه متى تم العقد والقبض، إلا أن يكون هناك غبن فاحش أو عيب، فإنه يجوز الرجوع حينئذٍ.. فإذا وجد أحد المتبايعين في ما اشتراه عيباً أو غشّاً كأن يجد في الفضة نحاساً أو يجد الفضة سوداء فله الخيار بين أن يرد أو يقبل إذا كان بصرف يومه، أي بالسعر ذاته الذي صرف به. يعني الرد جائز ما لم تنقص قيمة ما أخذه من النقد عن قيمته يوم اصطرفا. فإنْ قَبِلَهُ جاز البيع، وإنْ رَدَّهُ فُسِخَ البيع. فإذا اشترى ذهباً من عيار 24 بذهب من عيار 24 ثم وجد أنَّ الذهب الذي أخذه هو من عيار 18 فإن ذلك يعتبر غشاً، وله الخيار بين أن يرد أو يقبل بصرف يومه. ولو أراد من استبدل الذهب بالذهب قبول النقد بعيبه على أن يأخذ ما نَقَصَ من ثمنه بنسبة عيبه، فلا يجوز ذلك لحصول الزيادة في أحدِ العوضين وفوات المماثلة المشترطة في الجنس الواحد. وإذا كان على رجل دين مؤجل فقال لغريمه: ضع عني بعضه، وأُعَجِّل لك بقيته، لم يجز ذلك لأنه بيع معجل بمؤجل بغير مماثلة، فكأنه باعه دَيْنَهُ بمقدار أقل منه حاضراً، وصار التفاضل موجوداً فكان ذلك ربا. وكذلك إذا زاده الذي له الدين فقال له: أعطيك عشرة دراهم وتعجل لي المائة التي عليك فلا يجوز ذلك لوجود التفاضل فتصبح العملية ربا. قال (صلى الله عليه وآله وسلّم): «والذهب بالذهب والفضة بالفضة يداً بيدٍ عيناً بعينٍ مثلاً بمثل، فما زاد فهو ربا»[*].
وعن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، الفضلُ بينهما هو الربا المنكر، هو الربا المنكر»[*].
وإذا كان لرجل في ذمة رجل آخر ذهب، وللثاني في ذمة الأول فضة، واصطرفا بما في ذمتيهما بأن قبل الأول أن يصرف ما في ذمته من الفضة مقابل ما له في ذمة الثاني من الذهب، ووافق الثاني على ذلك، جاز هذا الصرف، لأنَّ الذمةَ الحاضرة كالعين الحاضرة. وإذا اشترى رجلٌ بضاعة بذهبٍ وقبضَ البائعُ ثمنَها فضةً جاز، لأنه يجوز اقتضاء أحد النقدين من الآخر، ويكون صرفاً بعين وذمة. وذلك لما روى أبو داود والأثرم في سننهما عن ابن عمر قال: «كنت أبيعُ الإبل بالبقيع فأبيعُ بالدنانير وآخذُ الدراهمَ، وأبيع بالدراهم وآخذُ الدنانيرَ، آخذ هذه من هذه، وأُعطي هذه من هذه. فأتيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) وهو في بيت حفصة فقلت: يا رسول الله، رويدك أسألك، إني أبيع الإِبل بالبقيع فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، آخذ هذه من هذه وأعطي هذه من هذه. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم): «لا بأس أن تأخذها بسعرِ يومها ما لم تفترقا وبينكما شيء»[*].
وإذا اشترى رجل من رجل ديناراً صحيحاً بدينارين مغشوشين فلا يجوز ذلك لأن الغش غير جائز في جميع الحالات. ولكن المقصود بالغش هنا هو ألاَّ يكون المعدن النقدي صافياً بصورة كاملة، أي أنَّ الدينارين ليسا من الذهب الخالص أو من الفضة الخالصة، فلا يجوز شراؤهما بدينار صحيح أي من معدن خالص.
ومثل الغش التواطؤ، فإن تواطأ أحد على شيء، لم يجز، وكان حيلة محرمة لأنَّ الحيلَ كلها محرمة، غير جائزة في شيء من الدين. وهي أن يظهر أحدهم عقداً مباحاً ويريد به محرماً، مخادعةً وتوسلاً إلى فعلِ ما حرَّمَهُ الله تعالى، أو إسقاطِ ما أوجبه، أو دفع حق أو نحو ذلك، لأنَّ الوسيلةَ إلى الحرامِ محرمة، ولأنَّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) قال: «ليستحلَّنَّ قومٌ من أمتي الخمرَ يُسمُّونَها بغير اسمها»[*].
وعلى هذا فالصرف من المعاملات الجائزة في الإِسلام وِفْقَ أحكامٍ مخصوصةٍ بَيَّنَها الشرعُ. وهو يجري في المعاملات الداخلية كما يجري في المعاملات الخارجية. فكما يستبدل الذهب بالفضة والفضة بالذهب من نقد البلد، فكذلك يستبدل النقد الأجنبي بنقد البلد سواء أكان في داخل البلاد أم خارجها، وسواء أكان معاملات مالية نقداً بنقد، أم معاملات تجارية يجري فيها صرف النقد بالنقد.
نظام الذهب والفضة وسعر الصرف
تسير الدولة على نظام الذهب إذا كانت تستعمل عملةً ذهبيةً في معاملاتها الداخلية، أو إذا كانت تستعمل في الداخل عملةً ورقيّةً قابلةً للتحويل إلى ذهب: إمّا للاستعمال في الداخل والدّفع في الخارج، أو للدفع في الخارج فقط، على أن يكونَ هذا التحويل، بسعر ثابت، أي أن تكون الوحدةُ الورقيّة قابلةً للتحويل إلى كميةٍ مُعينةٍ من الذهب، وبالعكْس، بسعرٍ محدودٍ. وطبيعيٌّ في هذه الحالة أن تظلّ العملة في البلد مرتبطةً بقيمة الذهب، فإن انخفضت قيمة الذهبِ انخفضت قيمةُ العملة الورقية.
وللنقد في الأساس الذهبيّ صفةٌ خاصةٌ وهي أن الوحدة النقديّة مرتبطةٌ بالذهب بتعادُلٍ معيّنٍ، أي أنها تتألّفُ قانوناً من وزنٍ معين منهُ. واستيراده وتصديرهُ يجريان بحريةٍ، بحيثُ يجوز للناس امتلاك النقد أو السّبائِكِ الذّهبية أو التبر، وتصديرها بحريّةٍ.
والذهبُ يتحوّلُ بحريّةٍ بين البلاد المختلفة، فلكُلِّ شخصٍ الخيارُ بين شراءِ النقد الأجنبيّ وإرسال الذهب، وعليه أن يختار الوسيلةَ الأقلّ كُلفَةً. وما دام سعر الذهب بالإِضافة إلى تكاليف إرساله، أعلى من سعر النقود الأجنبية بالسّوق، فإن إرسالَ النقد الأجنبيّ أفضل. أمّا إذا تجاوز سعْرُ الصرف هذا الرّقم، فالأفضلُ أخذُ الذهب من التداول وإرساله.
أهمّ فوائد نظام الذهب ما يلي:
1 - إنّ الأساس الذهبيّ يفترضُ حرّية التداول بالذهب واستيراده وتصديره، الأمرُ الذي يفترض دور استقرارٍ نقديٍّ وماليٍّ واقتصاديّ. وفي هذه الحالةِ لا تعدو عمليات الصرف أن تكون ناشئة عن مدفوعاتٍ خارجية تسدد أثمان البضائع وأُجور المستخدَمينَ.
2 - إنّ نظام الذهب معناه ثبات سعر الصرف بين الدول. وينجم عن ثبات سعر الصرف تقدم في مجال التجارة الدولية، لأن التجار لا يخشون التوسع في التجارة الخارجية، ما دام الصرف ثابتاً، ولا خوف من توسّع تجارتهم.
3 - في النظام الذهبيّ لا يمكنُ للبنوكِ المركزيّة وللحكومات التوسع في إصدار ورق النقد، لأنّ ورق النقد قابلٌ للتحويل إلى ذهب بسعرٍ محدود. وما دام كذلك، فإن السلطات المختصّة تخشى، إن توسعت في الإصدار، أن يزداد الطلبُ على الذهب وأن تعجزَ عن مواجهته، ولذلك تحتفظُ بنسبةٍ معقولةٍ بين ما تصدرُهُ من ورق النقد واحتياطيّها من الذهب.
4 - تتحدّد كلّ عملةٍ من العملات المستعملة في العالم بمقدار معيّن من الذهب. ويسهل حينئذٍ انتقالُ البضائع والأموال والأشخاص من بلد إلى آخر، وتنعدمُ صعوباتُ القطع والعملة النادرة.
5 - تُحفظ لكلِّ دولةٍ ثروتها الذهبية، فلا يتهرّب ذهبُها من بلدٍ إلى آخر. ولا تحتاجُ إلى أيّ مراقبةٍ للمحافظة على ثروتها، لأنها لا تنتقِلُ منها إلاَّ بسبب مشروع: لأثمان السلع أو أُجور المستخدمينَ.
هذه بعضُ فوائد نظام الذهب، وكلّها تحتم أن يسير العالم وفق هذا النظام.
مشاكل نظام الذهب:
حين كان نظام الذهب عالميّاً كانت مشاكلُه صغيرةً محدودةً أو معدومةً. وقد طرأت المشاكل بعدما أخذت الدول الكبرى تحاول ضرب أعدائها عن طريق النقد، حين جعلت النقدَ الورقيّ الإِلزاميّ مع نظام الذهب، وحين أوجدت الدول الاستعمارية الغربيةُ صندوق النقد الدوليّ. ولذلك نشأت أمام الدولة التي تستعمل نظام الذهب مشاكل لا بدّ من معرفتها لمعرفة حلِّها والتغلّبِ عليها. وهي:
1 - تركّـزُ الذهب في الـدول التي زادت قوّتهـا على الإِنتاج، ومقـدرتها على المنـافسة في التجـارة الدوليّة، أو غنـاها بالخُبراء والصنـاعيين، ممّا جعل الذّهب يتسرب إليها ثمناً للسلع أو أُجوراً للمستخـدَمين من الخبراء والعلماء والصناعيين. وقد تكدّست أكبر كميّةٍ من ذهب العالم في خزائن تلك الدول، فاختـلّ حينئذٍ توزيـعُ الذهب بين الـدول، ونتـج عـن ذلك خشـيةُ الدول من تسرّب الكمّية التي لديها من الذهب إلى الخارج، فمنعت خروجه منها. وأدّى ذلك أو ربما أدّى إلى وقف حركة تجارتها الخارجية.
2 - إنّ بعض الدول يتسرب إليها الذهب نتيجةَ مَيْل الميزان الحسابيّ لمصلحتها، ولكنّها تمنعُ هذا الذهب الذي دخل إليها من التأثيرِ على السوق الداخلية، ومن رفعِ مستوى الأسعار فيها. وذلك بأن تضع في السوق كميةً من السندات تكفي لسحْب مبلغٍ من النقود معادلٍ مقدارَ ما ورد إليها منَ الذهب. فيبقى الذهبُ عندها لا يخرجُ منها ولا يرجعُ للبلاد التي أصدرته.
3 - إنّ انتشار نظام الذهب كان مقروناً بفكرة التخصيص بين الدول في نواحي النتاج، وعدم إقامة العراقيل في سبيل التجارة بينها. وقد ظهرت في الدول اتجاهاتٌ قويّةٌ لحماية إنتاجها الصناعيّ والزراعيّ، وفرضت حواجز جمركيةً بحيث يتعسر إدخالُ سلعٍ إليها تُباع بالذهب. ولذلكَ تتضرر الدولة التي تسير على نظام الذهب، لأنّها إن لم تتمكن من إدخال بضائعها لغيرها بالسعر العاديّ، فإنها إما أن تضطر إلى تخفيض أسعارِ بضاعتها تخفيضاً إضافياً للتغلب على الحواجز الجمركية، أو أن تمنع من إدخال بضاعتها إليها وفي ذلك خسارةٌ لها.
نِظام الفِضّةِ أو الأسَاس الفضيّ:
يُقْصَدُ بهِ أنّ الفضةَ أساسُ الوحدة النقدية لأنّ هذا المعدن يتمتع بحريّةِ الضرب، وبقوةٍ إبرائيةٍ غير محدودة. وقد كان معروفاً منذ القديم، فكان في الدولة الإِسلامية سائراً مع نظام الذهب، وكان وحدهُ في بعض الدول نظام النقد الأساسيّ. وظل نظام الفضَّة معمولاً به في الهند الصينيّة حتى 1930م، ثمّ استبدلت في تلك السنة القرشَ الذهبيّ بالقرش الفضيّ الذي كان معمولاً به.
ونظام الفضّةِ يقوم على الأسس ذاتها التي يقوم عليها نظام الذهبِ، في كلِّ تفاصيله، ولذلك كان من السهل الجمع بين النظامين: النقد الذهبي والنقد الفضيّ.
وقد سارت الدولة الإسلاميةُ، منذ هجرة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) على سياسة الذهب والفضّة معاً، وهذا يوجب أن تظل السياسة النقدية قائمة على الأساسين الذهبيّ والفضّي، سواء كان التداول بهما عيناً، أو بنقْدٍ ورقيٍّ مُغطّى بالذهب والفضّة، أو بنقدٍ ورقيٍّ يقابله ذهب وفضّة في مكانٍ معين.
النقود المَعْدنِية:
يُرْجِع الاقتصاديّون أنواع النقود المعدنيّة المختلفة إلى نوعين رئيسيين هما: نظامُ المعدن الواحد ونظامُ المعدنَين. فالأول ما تكون النقود الرئيسية فيه مقصورةً على مسكوكات معدنٍ واحدٍ. والثاني: ما تكونُ المسكوكاتُ الذهبيةُ والفضيةُ فيه نقوداً رئيسيةً.
وهذا النظامُ ينطوي على ثلاث صفاتٍ:
الأولى: أن تكون للمسكوكات الذهبية قوّةُ إبراءٍ غير محدودةٍ.
الثانية: أن تتوفر حريّة الضرب لسبائك المعدنَين.
الثالثة: أنْ تكونَ هناك نسبة قانونية بين قيمتَي المسكوكات الذهبية والفضية.
ونظامُ المعدنَين يمتازُ بجعل كمية النقود التي يجري بها التداول عظيمةً، إذ تُستعمل مسكوكات المعدنَين نقوداً رئيسية، وعندئذٍ تحتفظ الأثمانُ بمستوى مرتفع. وهو أمر يشجّع على زيادة الإِنتاج، ويجعل قيمة النقود أكثر ثباتاً. ثمّ تكونُ الأثمانُ أقلّ عرضةً للتغيرات الشديدة التي تؤدّي إلى اضطراب الحالةِ الاقتصادية، وبذلك يظهر أنّ استعمال معدنَينِ من النقود المعدنية خيرٌ من استعمال معدنٍ واحد...
التعقيد الناشئ حالياً في العلاقات النقديّة بين الدّول:
التجارةُ الخارجيةُ تعني بيع البضائع أو شراءها من دولةٍ أُخرى. وعندما كان العالم كلّه يسير على نظام الذهب لم تكن هناك مشاكلُ نقديةٌ بين الدول، لأنّ النقد في نظام الذهب يحتوي على صفةٍ خاصةٍ، وهي أنّ الوحدة النقدية مرتبطةٌ بالذهب بتعادُلٍ معيّن، أي أنها تتألّف قانونيّاً من وزنٍ معينٍ من الذهب. وكونُ استيراد الذهب وتصديره مباحَين، أجاز للناس امتلاك النقد والسبائك الذهبية والتبر وتصديرها بحرّيةٍ. ولذلك كانتِ العلاقاتُ النقديةُ بين الدول في منتهى البساطَةِ.
وظلّ العالمُ يسيرُ على نظام الذهب حتى الحرب العالميّة الأولى. وكانت النقودُ يومئذ عبارةً عن قطَعٍ ذهبيةٍ وفضيّةٍ وأوراقٍ نقديّةٍ تقبلُ التحويل بقيمتها إلى الذهب. وكان لتطبيق هذا النظام شأنٌ طيّبٌ في العلاقات الاقتصادية.
ولما اندلعتِ الحرب العالميّة الأولى سنة 1914م عمدت الدولُ التجاريةُ إلى اتخاذِ إجراءاتٍ جعلت نظام الذهب يضطربُ. فمنها من أوقفَ قابلية تحويل عملاتها إلى ذهبٍ، ومنها مَن فرض القيود الشديدة على تصدير الذهب، ومنها من صار يعرقل استيراده فاختلّ النظامُ النقديّ وتقلّبت أسعار الصرف.
وأغلبُ النقود في عالم اليوم نقودٌ ورقيّةٌ. بعضُها نائبة: وهي أوراقٌ تمثّل كميةً من الذهب والفضّة على شكل نقودٍ أو سبائك مودَعةٍ في مكانٍ معين، لها من القيمة المعدنية ما لهذه الأوراق من القيمة الاسمية وتُصرف بها عند الطلب، وهو نوعٌ نادرٌ. وبعضُها وثيقةٌ: وهي أوراقٌ يتعهدُ الموقّعُ عليها وفي قدرته على الوفاء بتعهده. ولكن مصدر هذه النقود الورقيّة لا يحتفظ بمقدارٍ من الذهب يساوي قيمتها تماماً، كما هي الحال في النقود الورقيَّة النائبة، بل يحتفظ باحتياطٍ معدنيٍّ ضماناً لهذه الأوراق بنسبةٍ معيّنةٍ، قد تكون عشرةً في المائة مثلاً أو أكثر أو أقلّ، ولذلكَ ترتفعُ قيمتها وتنخفضُ بحسب الثقة في مصدرها وبقدرته الماليّة.
والأوراق من النوع الثاني هي التي تستعمل في أكثر دول العالمِ، بل هي النظام العالمي السائد. ومن هنا يأتي التعقيد في العلاقات النقدية بين الدول، لأنّ العلاقات بينها تنشأ من تبادل السلع أو عمليات التصدير والاستيراد، أو خدمات النقل وأُجور التلغراف والبريد والتلفون الدوليّ، أي بصورة عامة جميع المبادلات التجارية، والخدمات المرتبطة بحركة السياحة. فإذا ابتيعت بضاعة من بلد كان على المشتري أن يدفع ثمن هذه البضاعة بعملة البلد التي استوردها منه، أو بالعملة التي يقبلها، وحين يبيع البائعُ بضائعه يقبض ثمنها بعملة الدولة التي ينتمي إليها التاجر المشتري، أو بعملة متداولة عالمياً وإذا ذهب السائح إلى بلدٍ أجنبيٍّ وأنفق فيه بعض دخلِهِ كان عليهِ أن يدفع من عملة ذلك البلد، وعلى هذا النحو تتم العلاقة النقدية بين الدولِ.
أمّا الثقةُ بالعملة فتنشأ من أحد أمرَين:
1 - أن تكون للأوراق المتداولة نسبة معينة من الاحتياطي المعدنيّ، وإلى جانب ذلك يُغطّى الباقي من أموالٍ أُخرى غير المعدن، كالنقود الورقية (العملات الصعبة) والأسهُم والسندات وغيرها من الأوراق المالية.
2 - أن يستطيع المرء شراء سلعٍ يحتاجها الناس بعملة البلد. وعندئذٍ ينشأ الإقبال على العملة للحصول على السلع من ذلك البلد، وعلى أساس هذه الثقة يجري تبادل عملة ذلك البلد مع غيره من عملات البلدان الأخرى.
ولما كانت العملات العالمية نقوداً ورقيةً، ولها رصيدٌ معدني معين، كان الصرف بينها ثابتاً بنسبة ما لها من احتياطيّ المعدن، كما كان متغيراً بمقدار ما يقابلها من موادّ اقتصادية، وما يمكن أن يُتبادل بتلك العملة من سلع في البلد الذي أصدرها.
العملات الصعبة وسعر الصرف:
يجب أن تباح معاملات الصرف بالعملات الصعبة إباحةً مطلقةً، لأنّ تقييدها بأي قيدٍ، سواء كان بوضع سعر رسمي أو برُخص عملةٍ أو ما شاكل ذلك، مضرّ كلّ الضرر. وسعرُ الصرْف هو نسبة الاستبدال بين عملتين مختلفتين، فإذا حُدِّدت هذه النسبةُ بمقدارٍ معيّنٍ، ووُضِع سعرٌ رسميّ للصرف، فذلك يعني إلزام الناس بهذه النسبة وإجبارهم على التقيد بها، وهو ما يخالفُ طبيعة الأسعار للأشياء سواءٌ كانت أسعار عملاتٍ أمْ أسعار بضائع. والسوق هو الذي يحدّدُ السعْرَ لأيّة سلعة، لا قانون الدولة، إذ إن تحديد السعر للعملة يفتح سوقاً خفيةً يسمونها «السّوقَ السوداء»، تُباع فيها العملة بيعاً مستوراً عن الدولة وبعيداً عن مراقبتها. فترتفع أسعارُ تلك العملة، ومعنى ذلك أنها تُباعُ بأكثر من قيمتها الحقيقية، وأننا ندفع من عملتنا قيمةً أكبر، ممّا يؤدي إلى خسارتنا وربح تلك الدولة التي اشترينا عملتها.
كلّ دولةٍ تستطيع أن تُصدر نقداً على صفة معينةٍ لا تختلف، وتعطي له قيمةً معينةً تقيّد بها رعاياها في شراء وبيعِ السلع والجهود في البلاد. ولكنها لا تستطيعُ أن تُعين سعراً خاصّاً لنقدها تفرضهُ على باقي الدولِ. فالقوةُ الشرائيةُ للنقد هي التي تمكن من الحصول على سلعٍ وجهودٍ من البلد الذي أصدره. وعليه فإنّ تحديد سعر الصرف لعملة البلاد لا قيمة له ما دامت قيمتها مرتبطةً بأسعار السلع والجهود. ويتغير سعر الصرف تبعاً لتغير أسعار السلع والجهود في البلد الذي أصدر العملة. ولهذا يجب أن يُباح للناس الصرف في العملات الأجنبية دون أيّ قيد.
قد تحصلُ حالاتٌ غيرُ عاديةٍ بأن يعمد بلدٌ إلى ضرب عملة بلدٍ آخر، فيشتري منها كميّاتٍ ويعرِضُها في السوقِ بأسعار رخيصةٍ جدّاً، فيُقبلُ الناسُ على شرائها، وتنزلُ قيمةُ هذه العملة بالنسبة للعملات الأجنبيّةِ. ولكنّ هذه الحالة لا تؤثر على البلد إذا كانت عملته ذهباً أو نقوداً ورقيةً نائبة. أمّا إذا كانت نقوداً ورقيةً وثيقةً فيمكن علاج هذه الحالة بفتح أبواب البلاد للتجّار الأجانب، فينخفضُ سعر السلع، وترتفع القيمة الخارجية للنقد، وتعود العملة إلى حالتها الطّبيعية، لأن العملة ليست كالسلع مربوطةٌ بالعرض والطلب، بل هي مربوطةٌ بمقدار ما يُتبادلُ بها مِن سلعٍ وجهودٍ أي من إنتاج في حقول الاقتصاد كافة.
وعلى هذا فالصّرْف بين عملة البلاد الإسلامية وعملات البلاد الأخرى جائزٌ كالصرفِ بين عملتها نفسها سواء بسواء. وجائز أن يتفاضلَ الصرفُ بينهما لأنهما من جنسين مختلفَين على شرط أن يكون يداً بيد بالنسبة للذّهب والفِضّةِ. ونسبةُ الاستبدال بين الذهب والفضّة، أو سعر الصرف فيما بينهما، ليست ثابتةً تماماً بل تتغيرُ بحسب سعر السوق للذّهب والفضّة. ولا فرق في ذلك بين الصرف في الدّاخل والخارج. وكذلك الحال بين عملة البلاد الإِسلامية وعملات الدّول الأخرى فإنّه جائزٌ أن يتغيرَ سعر الصرف بينهما.
إن سعر الصرفِ بين عملات البلاد الإِسلامية وعملات الدّول الأخرى لا يؤثّر على البلاد الإِسلامية لسببين اثنين:
أحدهما: أن البلاد الإسلامية متوفرةٌ لديها جميع المواد الخام التي تحتاج ُ إليها الأمّة والدّولةُ. فلا تحتاج إلى سلع غيرها احتياجاً أساسيّاً أو احتياج ضرورةٍ، ولذلك تستطيع أن تستغني بسلعها المحليّة، فلا يؤثر عليها التغير.
ثانيهما:أن البلاد الإسلامية تملك سلعاً كالبترُول، مثلاً، تحتاج إليها جميعُ دول العالم. وتستطيع أن تمنع بيعها للناس إلا إذا دفعوا لها ثمنها ذهباً. والدولةُ التي تستغني عن غيرها بسلعها المحليّة والتي تملك سلعاً يحتاجُ إليها جميعُ الناس، لا يمكنُ أن يؤثّر عليها تغيير سعر الصرف مطلقاً، وهي التي تستطيع أن تتحكم في الأسواق العالميّة النقديّة، ولا يستطيع أحد أن يتحكّم بعملتها. وهذا بخلاف ما هو حاصل اليوم حيث إن البلاد الإسلامية المصدرة للنفط تحتاج إلى عملات البلاد المستوردة له، لتأمين حاجاتها من السلع والمواد، ولاسيما السلع الصناعية الثقيلة، مما يجعل الآية تنقلب لصالح تلك الدول في المبادلات التجارية!!...



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB